ياسين الكزباري - غينيا

 

"فيرموزا" (أي فاتنة)، هكذا وصفها المستكشف البرتغالي فرناندو بو حين رآها أول مرة سنة 1472م، وكذلك سميت سنين طويلة قبل أن يصير اسمها اليوم "بيوكو".

كانت جزيرة فاتنة طافية وسط خليج غينيا، قريبة من الساحل بما يكفي لتكون قاعدة انطلاق للتغلغل في المنطقة (وكانت أفريقيا حينها قارة مجهولة لدى الأوروبيين)، وبعيدة عنه بما يكفي لدرء هجمات السكان المحليين. أولئك الذين سرعان ما شكلوا إلى جانب جيرانهم في المنطقة موضوعا لإحدى أهم الأنشطة التجارية لدى البرتغال في ذلك الحين، تجارة الرقيق.

ثم انتقلت المنطقة إلى نفوذ إسبانيا بعد ثلاثة قرون، فارتأت أن تحول تلك البلاد إلى مزرعة كبيرة للكاكاو والبن، فأوروبا كانت تغادر عصور الظلام إلى عصور الأنوار، وكانت طقوس الانتقال تستلزم القهوة والشوكولاتة. غير أن السكان الذين زرعوها مرغمين، لم ينلهم من أنوار أوروبا سوى ظلام التخلف، ومن حلاوة الشوكولاتة سوى مرارات الاستعباد.

مستعبدون وغير مواطنين
غادرت إسبانيا "غينيا الإسبانية" سنة 1968 ونسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة حوالي 25%، وكانوا في الأغلب من عرقية البوبي وهي أقلية اختار الإسبان أن يحكموا الأغلبية من خلالها، فمنحوا أفرادها حق المواطنة بصفتهم عبيدا محررين، وصنفوا الأغلبية المستعبدة ضمن "غير المواطنين".

وكان أغلب المتعلمين من العاملين مع البعثات التبشيرية والمتفرغين لخدمة الكنائس ومن الموظفين المدنيين والعسكريين في إدارة الاستعمار الإسباني، وكان أصحاب الكفاءات والمثقفين قليلين جدا، فمثلا لم يكن هناك طبيب من أهل البلاد سنة 1968.

ونظمت أول انتخابات في البلاد وقد غدا اسمها "جمهورية غينيا الاستوائية"، وفاز فرانشيسكو ماتشياس نغيما بدعم من إسبانيا -وكان موظفا في الإدارة الإسبانية ومن الأغلبية العرقية- لكنه بعد سنتين أي في 1970 عدل الدستور وأقر نظام الحزب الواحد، وأعلن نفسه رئيسا مدى الحياة وأعطى لنفسه صلاحيات مطلقة، ثم أدار ظهره لإسبانيا، واتجه نحو المعسكر الشيوعي الذي تلقى منه الدعم المادي والعسكري.

غير أن ماتشياس لقي معارضة قوية لنزعته الاستبدادية، فواجهها بسياسات أكثر استبدادا. وعن ذلك حدثني الدكتور إغناسيو مواندا والأستاذ السابق للتاريخ في الجامعة الوطنية لغينيا الاستوائية، فقال "عندما نظر ماتشياس إلى معارضيه، وجدهم من المثقفين، فبدأ سن إجراءات للتخلص منهم. كانت في البداية إجراءات من قبيل منع المدارس الخاصة على أساس أنها تساهم في خلق الطبقية في المجتمع، لكن سرعان ما أخذ يسن قوانين مضرة بالتعليم عموما، إذ حول عددا من المدارس إلى ثكنات عسكرية، واستبدل بالتعليم النظامي التجنيد الإجباري، ومنع الطب الحديث، وأغلق الكنائس، وفرض تغيير أسماء جميع المواطنين إلى أسماء أفريقية، ثم أظهر عداءه للثقافة، حين منع استعمال كلمة "مثقف".

وصل التعليم للمواطنين حيث هم حتى في المناطق النائية والفقيرة في غينيا (الجزيرة)


إبادة النخب
وحين زادت حدة المعارضة، نزع ماتشياس إلى ارتكاب جرائم إبادة في حق النخب، وعن ذلك يضيف إغناسيو مواندا "أخذ يعتقل ويعدم كل من يعارضه وكل المثقفين اللامعين، فسجن وأعدم مئات من المعلمين والتلاميذ وآباءهم، وأعدم عددا من وزراء التعليم، وأعدم ثلثي أعضاء البرلمان، وأمر بإعدام قرى بأكملها، وإعدام أي شخص يرتدي نظارات. وأعدم حاكم البنك المركزي ووضع محتوى الخزينة في بيته. كما منع الناس من مغادرة البلاد، فأمر بتحطيم جميع القوارب ومنع الصيد، وزرع الألغام في الطريق الوحيد المؤدي إلى الخارج".

وبعد بضع سنوات من تقلده الحكم كان 40% من الشعب قد فروا من بلادهم الفاتنة، وبعد عشر سنوات كان كل من لم يهاجر من المتعلمين تقريبا قد أعدموا أو سجنوا وهم ينتظرون الإعدام، وقد قتل حوالي 80 ألفا، نسبة كبيرة منهم من أقلية البوبي.

وعن ذلك قال مواندا ممتعضا "وبعدما تخلص ماتشياس من كل المتعلمين والمعارضين، لقب نفسه بـ"سيد العلم والثقافة" ثم غير شعار الدولة إلى "لا يوجد إله إلا ماتشياس نغيما"، لقد استغلت أوروبا بلادنا خمسة قرون، ثم في النهاية سلمت مصيرنا إلى شخص مجنون وجلست تراقب ما يفعله دون أن تتدخل أبدا".

وفي سنة 1979 أعدم ماتشياس عددا من أفراد عائلته، وعندها أزاحه نائب وزير الدفاع -وهوابن أخته- تيودور نغيما، وحوكم ماتشياس وأعدم بعد ذلك، وقد بلغت حينها نسبة الأمية داخل البلاد قرابة 95%.

لكن اليوم، وبعد مرور قرابة أربعة عقود على نهاية عهد ماتشياس المروع، وصلت نسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة من السكان -الذين بلغ عددهم 1.2 مليون- إلى 95% (حسب اليونيسكو 2013)، وبذلك فإن غينيا الاستوائية تتفوق على دول كثيرة، بعضها ذات اقتصاد ضخم مثل الهند 72%، وبعضها مشابه لها ديمغرافيا واقتصاديا مثل موريشيوس 87%، وكذا دول أخرى كالبرازيل والميكسيك ومالطا وغيرها، أما بالنسبة لعالمنا العربي فإن غينيا الاستوائية تتفوق على دول عربية ثرية مثل الإمارات العربية المتحدة والكويت والمملكة السعودية، ولا تتفوق عليها من الدول العربية إلا خمس دول بفارق بسيط منها فلسطين وقطر.

فصل مفتوح للتعلم من خلال الاذاعة، للمناطق النائية والفقيرة (الجزيرة)


كيف حصلت المعجزة؟
عندما أزيح ماتشياس عن الحكم كان على الحكومة الجديدة أن تصلح ما أفسده، وعن تفاصيل ذلك يحكي لنا السيد مواندا قائلا "في سنة 1972 كان في البلاد 360 مدرسة ابتدائية و578 معلما، لكن سنة 79، كان عدد المعلمين 50 معلما فقط. كانت البلاد فارغة من كفاءاتها، ولم يكن متوقعا أن يبدأ الهاربون العودة بسرعة، فلم يكن هناك إذن معلمون بما يكفي، لكن المشكلة الكبرى، هي أن الناس كانوا مصابين بالرهاب من أي شيء مرتبط بالمدرسة، وحتى إن أتيت بالمعلم والكتاب، فإن الأسرة لن ترسل ابنها للمدرسة، وكان الناس يحتاجون وقتا لكي تعود لهم الثقة في الحكومة".

وحول الإجراءات المتخذة يضيف "ولحل مشكلة انعدام المعلمين، اقترح وزير التعليم خطة 5 إلى 95، وفكرتها أن يقوم 5% من المتعلمين، بتعليم 95% من الأميين، وفق نظام تطوعي يلتزم فيه المتطوعون بتدريس عدد محدد من الأميين من حولهم ساعات محددة في الأسبوع، وقد لاقت فكرته دعم الحكومة والنخب، وقد دشنت بأن قام وزير التعليم ووزراء آخرون بتدريس ثلاثين ساعة لعشرين أمي".

ثم طلبت الحكومة من الأمم المتحدة ودول أوروبية المساعدة في توفير المقررات التعليمية وتدريب للمعلمين، وكان لصدى اهتمام الحكومة بمشكلة التعليم أثر إيجابي لدى كثير من النخب التي هجرت البلاد، فعاد بعضها للمشاركة. وكان الدكتور إغناسيو مواندا منهم، وقد حكى ذلك قائلا "كنت حينها في الثلاثين، وكنا قد فررنا إلى الكاميرون، وبينما كنت أجتهد للذهاب إلى أوروبا، سمعت عن مشروع الحكومة لمحو الأمية فلم أصدق ذلك، وحين تيقنت منه عدت لأعلم أبناء قريتي. وفي ذلك الوقت كانت المدارس والكنائس والبيوت والحقول كلها فصولا مفتوحة يعلم الناس فيها بعضهم بعضا. ومن الطرائف أن أحدهم كان يعلم الناس الأعداد فقط، وحين سألوه أجابهم بأن الأعداد هي كل ما أعرفه!".

نسبة الأمية في الإناث أكثر منها في الذكور لذلك تركز الحكومة على تعليم الإناث (الجزيرة)

الخطة والنتيجة
ومع مرور الوقت أخذت الفكرة تتطور، فصارت أكثر تنظيما وفعالية، ثم طرحت فكرة الاستفادة من التلفزيون، حيث دشنت وزارة التعليم مع وزارة الإعلام برنامجا لمحو الأمية على القناة الرسمية، وقد صار حينها بوسع المواطنين أن يتحلقوا أمام شاشة التلفاز لتلقي الدروس.

كما أمضت الحكومة شراكة مع منظمة هيس وأكاديمية تطوير التعليم AED، لإنشاء 51 مدرسة بقيمة 20 مليون دولار، لتدريب المعلمين على التقنيات الحديثة لتعليم الأطفال.

وقد أثمرت هذه الجهود نتائج إيجابية، حيث وصل عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية سنة 1994 إلى 100 ألف، وانخفضت نسبة الأمية خلال العقد الأول إلى 30 %ثم في العقد الموالي إلى 10%، وفي سنة 2009 احتفلت البلاد بتخرج أول دفعة أطباء من الجامعة الوطنية لغينيا الاستوائية، وكانوا 110 أطباء.

ورغم أن غينيا الاستوائية لا تعتبر قدوة في الديمقراطية، حيث لا يزال يحكمها ابن أخت ماتشياس فإنها -إلى جانب دول أفريقية أخرى كزيمبابوي وجنوب أفريقيا وموريشيوس- قدوة للبلدان التي تواجه معضلة الأمية، خصوصا منها تلك التي تعرف نسب أمية من قبيل 20% و30% و40%، مع أنها لم تعرف يوما حكاما من قبيل ماتشياس.

المصدر : الجزيرة