آخر تحديث: 2018/2/1 الساعة 12:41 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/16 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/1 الساعة 12:41 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/16 هـ
-1/14-

لأنها القدس المقدسة

لأن فلسطين هي القضية المركزية للعرب والمسلمين، ولأن القدس هي قلب القضية الفلسطينية لرمزيتها الدينية والوطنية والإنسانية، فقد كان التفاعل مع قضية القدس مختلفا ومتقدما على التفاعل مع أية قضية أخرى.

ولعل المسيرات والمظاهرات الغاضبة التي غصت بها وسائل الإعلام عقب إعلان ترمب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، كانت مرآة تعكس تعلق القلوب بالمدينة المقدسة، والغضب على كل ما قد يمس مكانتها وقدسيتها، حتى إن كان غضبا مجردا من أي فعل على الأرض.

الانتصار الموسمي الذي تجلى في المسيرات الغاضبة في عدة مناسبات، ليس الحال السائدة في مواقف الشعوب تجاه قضية القدس، فهناك غضب وانتصار دائم للقدس وفلسطين، هناك من تعهد المدينة وأهلها بالرعاية والدعم، وتقديم الممكن لإنقاذها من تغول الاحتلال.

لذلك تعددت أشكال وصور نصرة مدينة القدس والمقدسيين بحسب مجال عمل كل طرف، مؤسسة كانت أو أشخاصا، فاهتم بعضها بالعمل التعبوي والثقافي والتعريف بأبعاد القضية ومعاناة أهلها تحت الاحتلال الإسرائيلي.

فيما ركزت أطراف أخرى على إنقاذ الأرض والعقارات المقدسية الأثرية والحديثة من مخالب المستوطنين وقوانين سلطات الاحتلال التي تتوالد باستمرار لتهويد الأرض وتفريغها من أهلها، تمهيدا لإعلانها عاصمة موحدة للاحتلال.

ولم يقتصر الانتصار لمدينة القدس على الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها، فقد حمل همّ القضية ناشطون في دول إسلامية عديدة مثل تركيا وإندونيسيا وماليزيا وباكستان فضلا عن دول عربية التصقت تاريخيا بالقدس مثل الأردن والمغرب والجزائر وتونس ومصر، فتشكلت مؤسسات وهيئات مختصة بدعم المدينة بشتى أوجه النصرة والمساندة، ماديا ومعنويا.

ملف هذا العدد من مجلة الجزيرة يسلط الضوء على صور من قلوب تعلقت بمدينة القدس فقدمت ما تستطيعه لنصرتها وتخفيف معاناة أهلها، أو آخرين سكنت فيهم قداسة المدينة فسكنت أرواحهم وسكنوا فيها أو يحرصون على زيارتها، ما أمكنهم ذلك.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/14-

القدس.. سكنت فيهم فسكنوا فيها

القدس.. سكنت فيهم فسكنوا فيها

أسيل جندي - القدس

"لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي.. لأجلك يا بهية المساكن يا زهرة المدائن.. يا قدس يا مدينة الصلاة أصلي"؛ تغزل أنامل المولدوفية "فيليتسيا تيرزيلا" ألحان أغنية زهرة المدائن لفيروز على آلة البيانو بشكل يومي، خلال عملها في مجالي الموسيقى والدراما.

تزوجت تيرزيلا من طبيب مقدسي عام 2000 في رومانيا، وانتقلت للعيش معه في القدس عام 2005، والتحقت بمعهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى كمعلمة صوت، ولاحقا بأكاديمية الدراما الفلسطينية.

ورغم الصعوبات التي واجهتها في بداية حياتها في المدينة المحتلة كونها لا تجيد اللغة العربية، فإنها انخرطت سريعا بعد تحاشيها اللقاءات الأسبوعية التي تنظمها الأجنبيات المتزوجات بمقدسيين، واتخذت قرارا بتوسيع دائرة علاقاتها مع المقدسيين بهدف اكتساب اللغة والتشبع بعادات المجتمع المقدسي وتقاليده.

تؤمن المولدوفية فيليتسيا أن الله سخر لها الظروف وأعطاها فرصة لا تعوض للعيش في المدينة المقدسة، التي وجدت في سكانها الأصليين من مسلمين ومسيحيين نموذجا يحتذى به في التسامح والتعايش، بحسب تعبيرها.

وعن فرص العمل التي عرضت عليها ورفضتها، تحدثت للجزيرة نت قائلة إن الكثير من العروض المغرية قُدّمت لها من معاهد إسرائيلية للموسيقى، لتكون قائدة لجوقات يهودية وأخرى عربية ويهودية؛ لكنها رفضتها بشكل كامل لانتمائها لفلسطين وإيمانها بعروبة القدس.

فيليتسيا تيرزيلا أبو رميلة في معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى بالقدس خلال أحد دروس نظريات الموسيقى (الجزيرة)


وتقول "أعتبر نفسي مقدسية تماما كمن ولد في فلسطين، عندما أسافر إلى مولودفا لزيارة والدي ووالدتي وأصدقائي أنتظر موعد العودة للقدس بلهفة، فهي موطني ومسقط رأس طفليّ آدم وأمير".

تحاول تيرزيلا تجاهل كل منغصات العيش في المدينة بدءا من إشاحة وجهها عن الجدار العازل الذي يستقبلها بمجرد الخروج من منزلها في بلدة "بيت حنينا" شمال القدس، مرورا بحاجز قلنديا العسكري الذي تجتازه يوميا في طريقها لأكاديمية الدراما في رام الله، وليس انتهاء بمشاهد العنف ضد الأطفال والشبان.

هذه المشاهد وغيرها من إجراءات الاحتلال ضد المقدسيين جعلتها تبدأ كل لقاءاتها الموسيقية والمخيمات الصيفية التي تشارك فيها والمسرحيات، بالأغاني الوطنية الفلسطينية ذات المعاني العميقة، بحسب تعبيرها، مثل: "موطني" و"بكتب اسمك يا بلادي" و"فدائي" و"زهرة المدائن" وغيرها. وعن سبب ذلك قالت إن من الواجب على البالغين تجاه الأطفال تنشئتهم على حب الوطن والانتماء إليه.

وعن تخوفاتها على مستقبل طفليها في المدينة المحتلة، أوضحت أن هذه المخاوف تتبدد تدريجيا، فلا بد أن يعيشا كبقية الأطفال ويتكيفا مع ظروف القدس القاسية. مضيفة "لا أريد أن يترعرع آدم وأمير في بلد غربي، تختلف عاداته عن عادات مجتمعهما المقدسي".

وتعتبر مسرحية (7+8) التي تتحدث عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 آخر ما قدمته تيرزيلا لمدينة القدس، حيث كانت مساعدة مخرج المسرحية التي مثل فيها أطفال مقدسيون وقدم عرضها الأول في مايو/أيار 2017.

وعن أمنياتها، قالت "أطمح أن يخلد اسمي في القدس كامرأة أحبت هذه المدينة وانتمت إليها، وأتمنى أن أكون أيضا سببا في رسم الابتسامة على وجوه أطفال القدس لينسوا -ولو لساعات قليلة- ما يعيشونه من قهر وظلم".

تقضي فيوليت كيدان (وسط) أوقات فراغها مع مسنات في مركز بذور الحياة بحارة النصارى في البلدة القديمة (الجزيرة)

ومن إثيوبيا
وبعيدا عن مولدوفا الواقعة بين أوكرانيا ورومانيا، قدم والد المقدسية فيوليت كيدان من محافظة "ولو" في إثيوبيا إلى مدينة القدس قبل 120 عاما، ليخدم في كنيسة الأحباش بالبلدة القديمة في القدس.

استقر الوالد وتزوج في المدينة المحتلة وأنجب خمسة أولاد وابنتين، من بينهم فيوليت التي تحدثت عن السبب الذي دفع والدها لترك أفريقيا بشكل نهائي والتوجه للقدس، قائلة "المسيحيون في إثيوبيا -وغيرها من الدول الأفريقية- يؤمنون أن القدس مدينة مقدسة، فنحن نقدس مراحل الآلام التي مر بها السيد المسيح ونتوق جميعا للعيش في هذه الأجواء الروحانية".

عاشت عائلة كيدان سنوات في دير الأحباش، كون رب الأسرة يعمل خادما في الكنيسة مع رجال الدين، ثم انتقلت للعيش في حي المصرارة الذي يبعد أمتارا عن باب العامود، أحد أبواب القدس.

طقوس المدينة وسكانها ومعالمها التاريخية عناصر جذب تعتقد فيوليت أنها تأسر كل من يزورها، وهي أسباب زادت من قناعتها بضرورة العيش فيها، وأعدمت شغفها بزيارة موطنها الأصلي في أفريقيا.

عاشت أسرتها جنبا إلى جنب مع المسلمين في حي المصرارة، ورغم رحيلها عنه بعد وفاة والديها فإن ذاكرتها ما زالت تنسج بخيط قوي واحد مشاهد اللحمة بين نساء الحي ورجاله، فقالت "عندما كان والدي يشتري كميات كبيرة من الملوخية لأمي، تخرج للفسحة الخارجية التي تشترك بها عدة عائلات وتزغرد بصوت مرتفع، لتتجمع حولها النسوة ويبدأن العمل كخلية نحل".

67 عاما مرت من عمر كيدان، زارت بها عشر دول حتى الآن، لكنها ما زالت تُقبّل تراب القدس كلما وطئت أرضها مجددا، لشعورها بقدسية الهواء الذي تستنشقه فيها، على حد وصفها.

تقضي "فيوليت" أوقاتها بالتردد على مركز بذور الحياة بحارة النصارى في البلدة القديمة، لتتطوع مع غيرها من المسنات في الطهي للمسنين العاجزين عن تدبير أمور حياتهم اليومية في الحي، وبمجرد سماع صوت الأذان القادم من المسجد الأقصى تردد خلف المؤذن "لا إله إلا الله"، ثم تُقرع أجراس كنيسة القيامة المجاورة وتردد ترتيلة سريعة من الإنجيل.

تشعر كيدان أن بإمكانها الاستغناء عن كل شيء في العالم مقابل الأجواء الروحانية التي تعيشها في المدينة المقدسة، وترتبط أمنيتها الوحيدة بالقدس أيضا، وهي "أن تدفن تحت ثراها بجوار قبر أمها وأبيها".

المغربية سهام زاهر في منزلها بحي الصوانة وتحاول دائما تنويع طعامها بين المغربي والمقدسي (الجزيرة)

بقلب مغربي
ومن الدار البيضاء في المغرب قدمت "سهام زاهر" عام 1997 لتعيش مع زوجها المقدسي في حي الصوانة القريب من المسجد الأقصى، بعد تعرفها عليه خلال دراستهما الجامعية في فرنسا.

منذ وصولها إلى فلسطين وتجولها بين تضاريسها المتنوعة، أدركت سهام أن إسرائيل لم تحتل فلسطين بالصدفة، بل لأنها قطعة فنية لا مثيل لها، ومع زيارتها لعائلتها في المغرب كل عامين لاحظت نقصا كبيرا بالمعلومات التي تعرفها الشعوب المختلفة عن حياة المقدسيين اليومية.

ومن هنا أخذت سهام على عاتقها مسؤولية تعريف المغاربة -وغيرهم من الجنسيات التي تلتقيها خلال زيارتها للمغرب- بالقدس وسكانها وتفاصيل حياتهم القاسية تحت الاحتلال، كما حرصت على نقل ثقافة المطبخ المقدسي معها أيضا خلال سفرها.

وقد تحدثت عن هذه المبادرة قائلة "لا بد أن يعرف كل شخص في العالم ما نعانيه يوميا بالقدس من إجراءات تعسفية، هذه مسؤوليتي ومسؤولية كل وسائل الإعلام. شاركتُ المغاربة همومنا ونقلت لهم أيضا الطبخات المقدسية، بعدما جلبت معي التوابل من القدس العتيقة".

تعمل سهام معلمة للغة الفرنسية في مدارس القدس منذ قدومها للمدينة، وأنجبت خالد ورامز اللذين باتا شابين، وخلال حديثها للجزيرة نت استذكرت موقفا قاسيا مرت به مع طفليها خلال الانتفاضة الثانية، فقالت "كنت أقود سيارتي عائدة للمنزل مع أبنائي، اقترب جندي مني وقال غادري المكان فورا، ولأنني رفضت ذلك وضع بندقيته بين عيني. لم أخف منه وقلت له أنت ترتكز الآن على سور منزلي ابتعد لأنني أريد الدخول إليه ولن أرحل".

حياتها في القدس منذ عشرين عاما تؤكد أنها غيرت فيها الكثير، ولعل أهم ما تحدثت عنه أن جوارحها باتت تنتمي لفلسطين والقدس أكثر من مسقط رأسها.

غابت المغرب عن أمنياتها المستقبلية وانحصرت في دعوة صادقة بأن تتحرر فلسطين، وأن يرزق نجلاها في المستقبل أطفالا يعيشون بأمان وظروف أفضل من تلك التي عاشاها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/14-

عمّان تنتصر لتوأمها القدس بكل طاقتها

عمّان تنتصر لتوأمها القدس بكل طاقتها

أسامة المغربي - عمّان



لا ترتبط القدس بمدينة عربية كما ترتبط بعمّان، وليس لفلسطين توأم مثل الأردن، ربطتهما الجغرافيا والحكم والديمغرافيا قديما ولا يزال. فلا غرو أن تحتضن الأردن عددا كبيرا من المؤسسات والفعاليات الناشطة لحماية القدس وخدمة المقدسيين.

فتتنافس العديد من الهيئات الشعبية لنصرة القدس وإنقاذها من سياسات التهويد الإسرائيلية، بفعاليات في شتى المجالات التثقيفية والتعليمية والإغاثية وتحفيز الجماهير والمحافظة على التراث، ويتيح هذا التنوع في المؤسسات وفي أنشطتها إلى فتح طيف واسع من فرص خدمة قضية القدس.

نشر الثقافة المقدسية
برزت في السنوات الأخيرة مصطلح "دورات العلوم المقدسية" حيث تقدم جمعيات مختلفة دورات متخصصة في الشأن المقدسي، يتنقل المنتسبون لها بين جوانب تاريخ المدينة وأبرز معالمها والواقع الذي يعيشه سكانها، كما يتعرفون على ما يهددها من مخططات وإجراءات تهويدية تستهدف سكانها ومعالمها التاريخية.

ومن أبرز الجمعيات التي تقدم هذه البرامج "ملتقى القدس الثقافي" في برنامج دورات "علوم بيت المقدس" التي تمتد إلى سبعة أشهر، ينتقل فيها المشارك من الحد الأدنى من المعرفة إلى القدرة على التدريب في هذا المجال. ويقدم الملتقى لأعضائه وجمهوره العديد من الأنشطة المقدسية المتميزة كالمسابقة المدرسية المقدسية السنوية، وينظم العديد من الفعاليات الشعبية كان من أبرزها حملة "وينك عن الأقصى" وحملة "أنا أردني والأقصى مسؤوليتي" وحملة "الأقصى كل السور".

وبدورها، تقدم "جمعية القبة الثقافية" العديد من البرامج التثقيفية التي تستهدف جميع أفراد الأسرة، مثل برنامج "نور الدين محمود" التثقيفي، وبرنامج "على خطى ميمونة" المخصص للنساء، كما استحدثت الجمعية "نادي الفاتح المقدسي" الذي يستهدف أطفال العائلة ويحرص على تثقيفهم بقضية القدس.

وخلال هذه السنوات الممتدة، تخرج العديد من المشاركين من برامج هذه المؤسسات، واستطاعوا تشكيل العديد من المبادرات والتجمعات المقدسية المختلفة، التي أصبحت تشكل نواة لتجمعات شبابية تحمل الهم المقدسي وتسعى لنشره في المجتمع، ومن هذه المبادرات فريق "وردتنا القدس" الذي تستهدف برامجه الأطفال من سن 5 إلى 10 سنوات، ويركز الفريق في الأساليب التي يطرحها على الجوانب التربوية للطفل بأسلوب القصة واللعب والتفاعل المباشر.

جمعية القبة في الأردن تنظيم دورات ومحاضرات للتوعية بقضية القدس ومعاناتها تحت الاحتلال (الجزيرة)


وتعزيزا لهذا المجال، بادرت مؤسسة جدي كنعان بتصميم مجموعة من الألعاب الذهنية والتربوية التي تعنى بنشر الثقافة المقدسية في جميع أفراد الأسرة، وتختلف مستويات هذه الألعاب من مستوى تعزيز مهارة التركيب عند الطفل الصغير، إلى معرفة الإحاطة بالثقافة المقدسية بشكل موسع للتمكن من الاستمرار في لعبة "حق كالشمس" على سبيل المثال.

فريق "معلومة مقدسية" اتخذ مسارا آخر ركز فيه على نشر المحتوى المعرفي عن مدينة القدس عبر مختلف شبكات التواصل الاجتماعي، حيث شكل مصرفا للمعلومات المقدسية التي يمكن تداولها عبر مختلف المنصات الرقمية، ودعمها بالصوت والصورة، وشكل فريقا متخصصا لتقديم المحاضرات المباشرة.

وفي حالة فريدة من نوعها استطاعت ست جمعيات مهتمة بالشأن المقدسي الاتحاد مع بعضها وتنسيق جهودها تحت اسم "تجمع الهيئات المقدسية"، ويضم كلا من جمعية يوم القدس، ومنتدى بيت المقدس، وجمعية حماية القدس الشريف، وجمعية نساء من أجل القدس، والجمعية الأرثوذكسية، ومركز دراسات القدس، ويعقد هذا التجمع ندوات تثقيفية ومختلفة عن المدينة، بما يتناسب مع المستجدات التي تمر بها، ويشمل ذلك إصدار البيانات المختلفة وعقد الجلسات النقاشية.

جمعية "راجع" تعمل على حفظ الهوية الوطنية والثقافية الفلسطينية (الجزيرة)

مشاريع دعم المقدسيين
نجحت بعض النقابات المهنية الأردنية بتشكيل لجان عاملة للقدس ضمن بنيتها، تتساوى في أنشطتها مع اللجان الأخرى، وتعد لجنة "مهندسون من أجل فلسطين والقدس" التابعة لنقابة المهندسين من أنشط هذه اللجان على مستوى الأردن، وتنظم اللجنة العديد من الأنشطة والفعاليات الجماهيرية المختلفة، واستطاعت على مدار عشر سنوات من عمرها تنظيم سبع حملات ضخمة لترميم بيوت المقدسيين في البلدة القديمة، تجاوزت التبرعات التي جمعتها حاجز تسعة ملايين دولار، واستطاعت ترميم أكثر من مئتي وحدة سكنية يسكنها ما يزيد عن ألف مقدسي.

وتشكلت حديثا لجنة "أطباء من أجل القدس" ضمن نقابة الأطباء الأردنيين التي تسعى بدورها لدعم القطاع الصحي في القدس وتدريب الكوادر الطبية المقدسية، كما تسعى إلى نشر الثقافة المقدسية ضمن القطاع الصحي في الأردن وفي الجمهور العام أيضا، وتشاركها في ذلك لجنة القدس في نقابة المهندسين الزراعيين التي تنشط في مجال دعم القضية المقدسية وتفعيل أنشطة المقاطعة ومناهضة التطبيع.

حملة "ازرع صمودك" التي نظمتها "الجمعية العربية لحماية الطبيعة" نجحت بشكل كبير في التركيز على الجانب البيئي في مدينة القدس، وما تتعرض له المدينة من انتهاكات تضر بمستقبلها في القطاع الزراعي والإنتاج الحيواني، واستطاعت الجمعية من خلال هذه الحملة زرع ما يزيد على مليوني شجرة في مختلف قرى القدس والضفة الغربية، بالإضافة للعديد من الأنشطة المختلفة التي تقوم بها.

كما تقدم العديد من الجمعيات الخيرية خدمات إغاثية وتجمع التبرعات لصالح المستفيدين في مدينة القدس، وتقدم كل من "الهيئة الخيرية الهاشمية" و"لجنة زكاة المناصرة الإسلامية" مجموعة مشاريع إغاثية تصل إلى مستحقيها في مدينة القدس، مثل مشاريع ترميم البيوت وكفالة الأيتام وتفطير الصائمين في رمضان.

حملة "ازرع صمودك" تنظمه الجمعية العربية لحماية الطبيعة لتخضير مدينة القدس (الجزيرة)

الفعاليات الجماهيرية
للعمل الطلابي في الأردن أثر كبير في التأثير على المستوى الشعبي، وقضية القدس حاضرة في الشارع الطلابي بشكل كبير، إلا أنه ومنذ بداية العام 2013 تشكلت مجموعة من اللجان بشكل متتابع باسم لجان القدس الجامعية، تجاوز عددها عشر لجان في أهم الجامعات الأردنية، مثل الجامعة الأردنية وجامعة اليرموك وجامعة العلوم والتكنولوجيا وغيرها من الجامعات، وتسعى هذه اللجان لنشر الثقافة المقدسية وتعزيز الاهتمام بقضية القدس في الوسط الطلابي الجامعي بمختلف مستوياته.

كما تسعى جمعية "شباب لأجل القدس" إلى توجيه أنشطتها للقطاع الشبابي في المجتمع من خلال مؤتمرها الذي تعقده سنويا، وتسعى لتوجيه الشباب إلى المشاركة في الفعاليات التي تقيمها المؤسسات الأخرى، وأضافت في الفترة الأخيرة منهاجا خاصا لجمهورها يتحدث بشكل مختصر عن العلوم المقدسية، ويمكن اعتباره مدخلا للدورات المتخصصة.

ولا يقتصر جانب التفاعل مع الجمهور وتحفيزه على العمل والاهتمام بقضية القدس على جانب التثقيف بالمعرفة التاريخية وفهم واقع المدينة، بل يمتد إلى جانب حماية التراث ونقله عبر الأجيال، وهو ما تهتم به "جمعية الحنونة للثقافة الشعبية"، حيث تركز على نقل تراث الدبكة والتطريز، ويمثل موسم "حراس الذاكرة" السنوي أحد الأنشطة الرئيسية التي تقوم بها الجمعية.

ومن جهة أخرى، برزت جمعية "راجع للعمل الوطني" كجمعية متخصصة في جانب حماية التراث الشعبي والتركيز على نشر ثقافة الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية، وعدم التنازل عن حق العودة إلى الوطن، وتحشد الجمعية بشكل متكرر من خلال أنشطتها المختلفة وعلى رأسها "ملتقى راجع السنوي" جمهورها المهتم بالحفاظ على ذاكرة العودة إلى الوطن.

وكان لفريق "مرابطو القدس" أيضا بصمته المميزة في النقل جميع هذه التجارب وتوجيهها بشكل متخصص إلى محافظة الزرقاء، حيث يعقد الفريق بشكل دوري مجموعة من الأنشطة الجماهيرية ومعارض التراث الشعبي، ويسعى الفريق للحفاظ على ثقافة العمل لمدينة القدس ضمن منطقته في محافظة الزرقاء.

 

طلبة الجامعات الأردنية يتقدمون المتفاعلين مع قضية القدس وفلسطين (الجزيرة)

ودور رسمي
يمتلك الأردن مسؤولية تاريخية ودينية وإستراتيجية كبيرة تجاه القدس، ويمتلك بموجب القانون الدولي حق السيادة على جميع الأوقاف الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس، بما فيها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وتحقيقا لذلك يسعى الأردن من خلال وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية متمثلة في لجنة إعمار المسجد الأقصى التي تتولى مهام الإدارة والرعاية والصيانة والترميم في المسجد الأقصى للمحافظة عليه.

كما تخصصت اللجنة الملكية لشؤون القدس بمهام تجميع الوثائق والكتب والمخطوطات التاريخية عن مدينة القدس، وتصدر اللجنة تقريرا يوميا عن المخاطر وتحديات التهويد التي تتعرض لها المدينة، وتركز اللجنة في عملها على إبراز الدور الأردني ومسؤوليته في حماية القدس.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/14-

المؤسسات التركية.. خزان لا ينضب لدعم القدس

المؤسسات التركية.. خزان لا ينضب لدعم القدس

خليل مبروك - إسطنبول


ألقى الشارع التركي أوراقه بقوة في مواجهة قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، فاحتشدت جماهيره بعد ساعات معدودة من خطاب 6 ديسمبر/كانون الأول 2017 أمام القنصلية الأميركية وجامع الفاتح بإسطنبول.

واتخذت الفعاليات التركية أشكالا متعددة تنوعت بين العمل الجماهيري وأنشطة التوعية والتثقيف والأنشطة الفنية والإعلامية والحملات الخيرية لدعم المقدسيين في رباطهم، وفقا لاتجاهات المؤسسات القائمة على تلك الفعاليات وتخصصاتها، التي تمرست في العمل عليها في المجتمع التركي منذ سنوات.

جسد ذلك الحراك محطة مهمة من محطات العمل الشعبي التركي، لكنه استند بوضوح إلى تجربة عدد كبير من المؤسسات المتمرسة بتنفيذ الأنشطة المرتبطة بالقدس، والتي اتسمت بزخم المشاركة وارتفاع سقف المطالب والتنوع في أشكال الفعل الاحتجاجي.

وفي حين تنشط مؤسسات أهلية وأوقاف ومنظمات مجتمع مدني تركية عملاقة في قضايا متعددة تطال ملفات سوريا وبورما وتركستان وغيرها، تخصصت منظمات تركية أخرى في العمل للقضية الفلسطينية ولموضوع القدس بالتحديد.

مشاركات في محاضرة لجمعية البراق تحت عنوان القدس مسؤوليتنا حول التطورات بشان قضية القدس والمسجد الأقصى (الجزيرة)


إذ تقدم جمعية "البراق" نفسها جمعية تركية تهدف إلى التعريف بالمقدسات الإسلامية، وغرس محبة هذه المقدسات في نفوس المسلمين، والمساهمة في الحفاظ عليها، خصوصا المسجد الأقصى، من خلال دعم صمود المسلمين فيه.

ومنذ إعلان ترمب، نفذت الجمعية التي تتخذ من منطقة أسكودار في الشطر الآسيوي لمدينة إسطنبول عددا كبيرا من الفعاليات والأنشطة من بينها "مسابقة القدس الشعرية"، ومشروع "سقيا المرابطين"، ومشروع "دعم صمود المرابطين" للتبرع بسهم مالي قيمته 250 دولار في كل مشروع، ومشروع "السلات الغذائية" بقيمة سبعين دولارا للسلة الواحدة.

كما نظمت الجمعية مؤتمرا أكاديميا في مدينة كوتاهيا بعنوان "منزلة القدس مثل منزلة مكة والمدينة"، وكثفت تنفيذ مشروع "الأقصى مسؤوليتنا" الذي تقدم من خلاله سلسلة محاضرات في المدارس التركية.

أما "وقف الأمة" فيعرف نفسه مؤسسة تركية تنموية مستقلة تهدف إلى تنمية قدرات الإنسان المقدسي، والمحافظة على تراثه وهويته، ودعم ثقافته الحية، من خلال التحديد المنهجي لاحتياجات المقدسيين، وأولوياتهم، والعمل على إيجاد الآليات السليمة للاستفادة القصوى من مصادر التمويل المتاحة.

جمعية ميراثنا في القدس توزع ملابس شتوية على المقدسيين ضمن حملة الشتاء الدافيء (الجزيرة)


انخرط الوقف بقوة في مواجهة قرار ترمب عبر العمل على دعم المقدسيين في موقع صمودهم، فأطلق حملة "القدس عاصمة الأمة" التي فتحت الباب أمام المتبرعين لتقديم تبرعاتهم لـ 83 مشروعا في مجالات التعليم والصحة والإغاثة، وغيرها من المجالات وفقا لتوجهات كل متبرع وتفضيلاته.

ويعول الوقف على تراكم الإنجاز في مجالات دعم المقدسيين مؤكدا أن أكثر من 118 ألف مقدسي استفادوا من مشاريع الوقف في العامين الماضيين.

أما جمعية حماية التراث العثماني في بيت المقدس "ميراثنا" فتقدم نفسها للمجتمع التركي كوقف يعمل على التعريف بالمسجد الأقصى والتراث العثماني في القدس، وتسليط الضوء على المخاطر المحدقة بهما عبر تنفيذ مشاريع ترميم البيوت والمساجد ورعاية المسجد الأقصى، والحفاظ على الوجه التاريخي للقدس والمساهمة في حماية الآثار المقدسية خاصة العثمانية منها.

وتبدو بصمات "ميراثنا" جلية في توجيه حراك المجتمع التركي للقدس، فآخر فعالياتها كانت رعاية معارض وحفلات موسيقية للأطفال من طلبة المدارس في إسطنبول، وخصص ريع حضورها لمشاريع الجمعية في القدس مثل مشروع "سدانة المسجد الأقصى" ومشروع "ضيافة أطفال القدس".

الفائز بمسابقة القدس الشعرية التي نظمتها جمعية البراق في اسطنبول (الجزيرة)


ونفذت ميراثنا عددا كبيرا من الفعاليات الخاصة بالقدس في الأسابيع الأخيرة من بينها مسابقة دولية للرسم وطبق خيري إضافة إلى مشاريعها طويلة الأمد التي ترعاها في المدينة مثل مشاريع "كسوة الشتاء" و"سلة الغذاء" و"كفالة العائلة المقدسية" و"كفالة أيتام القدس" ومشروع "شد الرحال".

أما أحدث محاولات التأثير في القرار الأميركي تجاه القدس من قبل الجمعيات التركية فاتخذتها جمعية "الشباب الواعد" الدولية من خلال توجيه ألف رسالة مكتوبة للبيت الأبيض عبر سفارات الولايات المتحدة الأميركية المنتشرة في العالم.

وتنفذ الجمعية عددا كبيرا من الأنشطة والفعاليات التي تستهدف توفير الدعم لمشاريعها داخل القدس من جهة، ورفع حالة التضامن التركي مع المدينة من جهة أخرى، لكن أكثرها لفتا للانتباه كان بدء الجمعية بمشروع لزراعة عشرة آلاف شجرة زيتون في فلسطين.

وتختص الجمعية في العمل لمدينة القدس والمسجد الأقصى في المجالات الخيرية والتعليمية والإغاثية والقانونية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/14-

زيارة القدس مهوى أفئدة الأتراك

زيارة القدس مهوى أفئدة الأتراك

خليل مبروك - إسطنبول



لا تخضع زيارة الأتراك لمدينة القدس لحوار الذات الذي أنشأه الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي عند مروره العابر بأسوار المدينة، فهم يرون في كل ما في القدس حافزا يدفعهم إلى زيارة "تزيح عن وجه المدينة حجاب واقعها السميك"، لكي يروا فيها هواهم.

وتنتشر في الولايات التركية المختلفة المئات من شركات السياحة والسفر، التي تقدم عروضا خاصة لزيارة القدس، ضمن برامج متكاملة تشبه إلى حد كبير أسلوب رحلات الحج والعمرة للديار المقدسة.

وتشير بعض الإحصائيات التركية إلى أن أكثر من 15800 تركي زاروا القدس في العام 2016، وأن العدد ارتفع إلى أكثر من 23 ألفا في الشهور العشرة الأولى من العام الماضي.

وتثير زيارة المسلمين "غير الفلسطينيين" للقدس جدلا بين فريق يرى في ذلك تطبيعا مع الاحتلال من بوابة إذن الدخول والأختام الإسرائيلية على جوازات السفر، وفريق آخر يرى في زيارة القدس تواصلا مع المدينة وتثبيتا لأهلها على أرضهم.

أكثر ما يميز التجربة التركية في زيارة القدس هو اقتران الزيارة عادة برحلات الحج والعمرة التي يحرص الأتراك على "تقديسها" عبر زيارة أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، كما تتميز هذه الزيارات باقتصارها على زيارة المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس دون تنفيذ جولات سياحية فيما سواهما من أرجاء "الوطن المحتل".

شابان تركيان يوزعان المشروبات على المصلين في المسجد الأقصى (الجزيرة)


تجربة تراكمية
ورصدت الجزيرة نت تجربة جمعية حماية التراث العثماني في بيت المقدس "ميراثنا"، التي دأبت منذ تأسيسها عام 2008 على تنفيذ زيارات للقدس ضمن أنشطتها الخيرية والاجتماعية داخل المدينة المقدسة.

إذ يؤكد مسؤول العلاقات الخارجية وإدارة المشاريع في الجمعية عبد المعطي شمسي باشا أن زيارات المواطنين الأتراك للقدس عززت ارتباط الأتراك بالمدينة المقدسة.

يرصد عبد المعطي أهم مشاهدات زوار القدس من الأتراك قائلا إن المقدسيين كانوا يتعاملون معهم ومع الوفود القادمة من تركيا بــ"حذر" باديء الأمر جراء العزلة التي عاشوها، ولحرمانهم التواصل مع "إخوتهم من البلدان الإسلامية الأخرى منذ احتلال القدس"، وإن زوار القدس من الأتراك كانوا يشعرون بالألم من ذلك.

ومع مرور الوقت وتكرار الزيارات أخذ هذا الحال يتغير شيئا فشيئا وفقا لعبد المعطي، الذي يؤكد أن زوار القدس باتوا يشعرون اليوم بالفخر من دفء استقبال المقدسيين لهم بعدما "أصبحت لتركيا وأهلها مكانة عظيمة وشعبية كبيرة جدا في القدس".

مسؤول العلاقات الخارجية وإدارة المشاريع في جمعية ميراثنا عبد المعطي شمسي باشا (الجزيرة)

عملت جمعية ميراثنا على مدار عشر سنوات على تشجيع الشعب التركي لزيارة القدس والمسجد الأقصى المبارك، وأخذت تواكب تلك الزيارات بأنشطة ومتابعات تُدخِل مدينة القدس إلى كل بيت في تركيا.

ويقول شمسي باشا إن للأنشطة التي يشارك بها العائدون من القدس أهمية كبيرة في "إحياء روح التآخي بين الشعبين الفلسطيني والتركي، ومنح الشعب التركي دوره مجددا بالاعتناء بالقدس وأهلها كما كان يفعل أجدادهم العثمانيون".

ويشير إلى أن الجمعية ساهمت بإرسال عشرات الأطباء والمهندسين والحقوقيين والإعلاميين ورجال الدين وناشطي المجتمع المدني الأتراك إلى المسجد الأقصى، حيث يعودون لينخرطوا في عشرات برامج التوعية التي تقيمها الجمعية لرفع اهتمام المجتمع التركي بقضية القدس.

وتنقل ميراثنا عن صيدلانية تركية زارت القدس مؤخرا قولها إن الزيارة غيرت حياتها كليا، بعدما أصبحت القدس القضية التي تحيا لأجلها.
 
أتراك يلتقطون صورة جماعية في القدس (الجزيرة)


ليست تطبيعية
بدوره لا يرى الإعلامي والكاتب التركي أحمد فارول في زيارات الأتراك للقدس شكلا من أشكال التطبيع مع إسرائيل، نظرا إلى أن تركيا تقيم علاقات دبلوماسية معها من الأساس، ولأن الزوار الأتراك للقدس يتوجهون إلى المدينة المقدسة للسياحة الدينية فحسب.

لكنه ينبه إلى أن على شركات السياحة والسفر التركية التي تنقل الزوار إلى القدس أن تتجنب الاستعانة بأدلاء ومرشدين سياحيين إسرائيليين، قد يقدمون معلومات مغلوطة أو خاطئة للزوار الأتراك، للتشكيك في هوية القدس الإسلامية والميراث الإسلامي في المدينة.

ويؤكد فارول أن إسرائيل باتت تشعر بالانزعاج من زيارات الشعب التركي للقدس، وهو أمر يستند إلى تقارير إخبارية إسرائيلية تزعم أن تركيا انخرطت في تشجيع انتفاضة القدس الأخيرة والعمل على إذكائها.

وخلال الأسابيع الأخيرة، اعتقلت إسرائيل مجموعة من السياح الأتراك خلال وجودهم بالقدس، وحققت معهم وأعادت عددا منهم إلى تركيا.

وينقل فارول في حديثه للجزيرة نت شهادات عن بعض أولئك الذين جرى احتجازهم وترحيلهم من الأتراك، مبينا أن التحقيق معهم من قبل سلطات الاحتلال كان يتركز على علاقاتهم الشخصية بالفلسطينيين، وسكان القدس على وجه الخصوص.

ويوضح أن التحقيقات مع الأتراك كانت تنصب أيضا على البحث عما إذا كانوا يقدمون مساعدات مالية لهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/14-

أيادي الخير الإندونيسية تصل فلسطين رغم فقرها

أيادي الخير الإندونيسية تصل فلسطين رغم فقرها

رميساء خلابي - جاكرتا



كانت الأعين مسمرة على شاشات التلفزة تتابع ما يجري في العالم من فوضى عارمة: إسرائيل تخوض حربا في جنوب لبنان، لا تبتلعُ مرارة الهزيمة الذريعة فتصب بنيران سخطها على غزة، تُحاصر القطاع الأعزل، تُمطره قنابل فوسفورية لم تكن تدري شعوب العالم بوجودها من قبل. غزة الآن أرض محروقة ومعزولة.

منذ تلك الأحداث سنة 2006، تأسستْ أولى الجمعيات الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني في إندونيسيا دون تأخر، ودقت ساعة الإغاثة، والجهود شعبية والمباركة حكومية.

في منطقة جنوب جاكرتا، التقينا أزهر سوحيمي المسؤول الإعلامي للجنة الوطنية لدعم الشعب الفلسطيني KNRP)). عقب المظاهرات الحاشدة التي شهدتها كل المدن الإندونيسية، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، لتنديد بقرار دونالد ترمب، نقل سفارة بلده من تل أبيب إلى القدس. وتعتبر KNRP ثاني أكبر جمعية معنية بالقضية الفلسطينية، تأسست عام 2006 بمبادرة من بعض الشخصيات العامة.

يحدثنا سوحيمي عن النشاطات التي قامت بها جمعيته خلال العقد المنصرم. بقوله إن اللجنة الوطنية للشعب الفلسطيني تنشط في 27 محافظة إندونيسية، ويشرف على كل مكتب من تلك المكاتب أربعة موظفين على الأقل بدوام كامل.

يقول سوحيمي "إن هدفنا الأساسي هو توعية الشعب الإندونيسي في كافة الجزر بالقضية، لنتمكن من الحصول على الدعم المادي الذي نقدمه بدورنا لفلسطينيي الداخل والخارج بحسب قائمة برامجنا، وقد نجحنا في ذلك خلال السنوات الماضية والحمد لله، لكن التحدي الحقيقي يكمن في مدى حفاظنا على مستوى معقول من المهنية والشفافية، وهو ما يستدعي منا تحسين إدارتنا، فمصداقية أي منظمة غير حكومية على المحك".

مشروع كسوة وهدية العيد 2017 مقدمة من الجمعيات الإندونيسية للاجئين الفلسطينيين (الجزيرة)


وعن برامج وأنشطة المنظمة يخبرني الأستاذ سوحيمي أن لديهم شراكات مع كثير من الجمعيات غير الحكومية في العالم، فمن تركيا مثلا: "جمعية طريق الحياة" (HAYATYOLU)، وجمعية الإغاثة الإنسانية IHH))، ومن لبنان الجمعية الإنسانية للإغاثة والتنمية (H.A.R.D)، ومن فلسطين جمعية "السلامة".

ويضيف أن أنشطتهم تتوزع خلال السنة على ثلاثة مواسم، هي: شهر رمضان الكريم، وعيدا الفطر والأضحى؛ وأنها لا تنحصر في المساعدات المالية، فخلال السنوات الثلاث الأخيرة قمنا بالاتفاق مع شركة هندية بمومباي على ذبح 150 عجلا، أرسلناها للطلبة الفلسطينيين في السودان؛ هذا إضافة إلى خمسمئة خروف أرسلت لفلسطينيي الشتات بالموازاة.

يعيش في إندونيسيا اليوم مئة عائلة فلسطينية، لا يسمح لأي جمعية خيرية بمساعدتهم، فهم تحت رعاية وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، ولهذا فإن كافة الجمعيات هنا تستهدف الفلسطينيين خارج إندونيسيا، وقد "استطعنا الوصول إلى المخيمات بدرعا وحمص (في سوريا)، ولبنان، والأردن وجنوب تركيا، والمخيمات داخل فلسطين أيضا، وافتتحنا روضة أطفال سنة 2014-2015 في خان يونس بغزة، كما قمنا ببرامج تأهيلية للأيتام وأسرهم بالشراكة مع جمعية سبيل التركية".

في إندونيسيا اليوم سبع جمعيات تعمل نصرة للقدس وفلسطين، هي: اللجنة الوطنية للشعب الفلسطيني KNRP))، وجمعية صحابة الأقصى (Sahabat Alaqsha)، وجمعية روح الأقصى(Spirit Alaqsha) ، وجمعية بيسونا القدس (Pesona Al Qudus)، وجمعية محيط آسيا من أجل فلسطين (Aspac For Palestine) ، وجمعية الحملة العالمية لكسر الحصار عن غزة (Adara Relief International)، واللجنة الإندونيسية للتضامن مع فلسطين (KISPA).

مشروع كفالة حفاظ القرآن بدار البررة لتحفيظ القرآن للاجئين 2017 (الجزيرة)


يقول سوحيمي "بعد الهجوم على سفينة مرمرة لكسر حصار غزة، والاعتداء فيها على الصحفي الإندونيسي في جريدة هداية الله، وأوكفيانتو المتطوع عن جمعية كيسبا، كنا نقوم بحملات توعية في مختلف محافظات البلد بما في ذلك القرى النائية، وقد تفاجأنا في الحقيقة بمدى الوعي الشعبي بالقضية. أذكر أن سيدة قروية اقتربت مني ومدت إلي كيس ذهب، وقالت لي إنه معها منذ سنوات ولا تعرف كيف ترسله لغزة".

ويضيف "أعتقد أن الدور الأساسي الذي توليناه كجمعيات ومؤسسات خيرية هو كسر حاجز التواصل بين الشعب الإندونيسي ونظيره الفلسطيني".

ولكسر هذا الحاجز أيضا، تأسست جمعية الصداقة الفلسطينية الإندونيسية (PIFA) سنة 2013، بهدف تطوير العلاقات الفلسطينية الإندونيسية في مجالات التعاون السياسي والتبادل الثقافي والعلمي والإمكانات المستقبلية للعلاقات الاقتصادية.

مسؤول الجمعية عبد زهده من أبرز الشخصيات الاجتماعية والأكاديمية والرياضية، وتم تكريمه كفارس العمل التطوعي في فلسطين عام 2015، كما أسس ويرأس أيضا ملتقى العلاقات العامة الفلسطيني، وهو عضو في العديد من الجمعيات والاتحادات العربية والدولية.

يقول زهده "تعمل جمعية الصداقة الفلسطينية الإندونيسية من خلال التعاون مع وسائل الإعلام الفلسطينية والإندونيسية والعالمية، على زيادة الاهتمام المتبادل بالمواضيع الفلسطينية الإندونيسية"، ويضيف "نحن نسعى لزيادة الاهتمام بالتعليم والفنون وتشجيع المبادرات الاجتماعية المتعلقة بهذا المجال".

ويؤكد أن الجمعية تقوم بتسهيل العلاقات والاتصالات واللقاءات بين الدولتين، مقدمة معلومات واستشارات في قضايا العلاقات الفلسطينية الإندونيسية، كما تتابع أهدافها من خلال التعاون مع الجامعات والجمعيات والأندية والاتحادات والمبادرات والمؤسسات الحكومية والمجتمع المدني.

مشروع الإفطار الجماعي للاجئين في بالمسجد الأقصى 2017 (الجزيرة)


ويقوم على إدارة الجمعية شخصيات أكاديمية واجتماعية متطوعة من كلا الجنسين، بالتعاون مع السفير وطواقم السفارة الإندونيسية في الأردن، والسفير الشرفي في فلسطين، وطواقم السفارة الفلسطينية في جاكرتا.

وعن أنشطتهم يقول محمود أبو عرقوب -وهو من ممثلي الجمعية في مدينة آتشي بسومطرة غرب إندونيسيا- "نقوم بتوزيع حقائب وزي مدرسي، وننظم أنشطة رياضية وثقافية ومعارض صور عن إندونيسيا في جامعة الاستقلال بأريحا وجامعة النجاح بنابلس، وجولة بسيارات تحمل الأعلام الفلسطينية والإندونيسية معا من الخليل إلى جنين".

ويضيف أن الجمعية تتطلع لإنشاء مشروع "البيت الإندونيسي" في فلسطين، ليشكل حاضنة لمقرها وبرامجها ومشاريعها المستقبلية، و"نخطط لزيادة البعثات الأكاديمية بين الدولتين كأهم الجسور لتبادل القيم الثقافية والحضارية، وذلك من خلال تعليم اللغة الإندونيسية للطلبة ورجال الأعمال الفلسطينيين، واللغة العربية للطلبة الإندونيسيين، بالإضافة إلى المحاضرات والندوات والمؤتمرات العلمية والثقافية".

ويؤكد أن الجمعية تسعى إلى زيادة تشجيع التبادل التجاري بين البلدين، وتعزيز السياحة من خلال الرحلات من فلسطين وإندونيسيا وإليهما.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/14-

القدس.. الحاضرة مبكرا في السياسة والشوارع بإندونيسيا

القدس.. الحاضرة مبكرا في السياسة والشوارع بإندونيسيا

رميساء خلابي - جاكرتا

خمسة ملايين إندونيسي كانوا يتدفقون على ميدان موناس بالعاصمة الإندونيسية جاكارتا منذ صباح 17 ديسمبر/كانون الأول 2017، تلبية لدعوى "مجلس علماء إندونيسيا"، ولو اتسع الميدان لأكثر لانضمت ملايين أخرى منتظرة. فقد شهدت كافة محافظات الجمهورية مظاهرات حاشدة لثلاثة أسابيع متواصلة، احتجاجا على اعتبار دونالد ترمب القدس عاصمة لإسرائيل.

وعقب إعلان الرئيس الأميركي الخبر الذي يضرب بكل معاهدات السلام عرض الحائط، قال الرئيس الإندونيسي في بيان إن "الاعتراف الأحادي من الرئيسي ترمب ينتهك قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، ويمكن أن يزعزع الأمن والاستقرار في العالم".

أمام السفارة الأميركية مساء 8 ديسمبر/كانون الأول، خرج مئات الإندونيسيين مرتدين قمصانا بيضاء في تظاهرة دعت لها حركة "نهضة العلماء" و"الجبهة الدفاعية الإسلامية".

فخري حمزة نائب رئيس البرلمان الإندونيسي، الثائر القديم ضد نظام سوهارتو الدكتاتوري الذي حكم البلاد بقبضة حديدية ثلاثة عقود؛ كان أحد رموز المظاهرة المليونية في ميدان موناس، وقد عبر عن استيائه من الموقف الأميركي المنحاز لإسرائيل وليس للعدالة كما يصف.

سألناه عن الدعم الحكومي للقضية، فأخبرنا أن الدولة بكافة أحزابها السياسية تقف إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني باستقلال أرضه وعودة اللاجئين، وأنه منذ استقلال إندونيسيا لم تعترف أي من الحكومات المتعاقبة بوجود ما يسمى بدولة إسرائيل.

القضية الفلسطينية هي الأقدر على حشد الشارع الإندونيسي وعلى اختلاف توجهاته السياسية (غيتي)


ويقول حمزة "عاش الإندونيسيون ثلاثة قرون تحت الاستعمار الهولاندي، تفاعلهم مع القضية الفلسطينية نابع قبل كل شيء من تجربتهم المريرة". ويضيف "يعود الفضل لأول رئيس لبلادنا في كلمة ألقاها سنة 1962 إثر النكبة، وقال فيها: طالما أن فلسطين لم تنل استقلالها، فالأمة الإندونيسية ستقف دوما ضد إسرائيل".

ويضيف حمزة أن فلسطين كانت أول دولة تعترف باستقلال إندونيسيا سنة 1945. هذا الجميل لم تنسه إندونيسيا قط، فمنذ ذلك التاريخ لم تُفتح أي سفارة إسرائيلية أو ما ينوب عنها هنا، كما وقفت إندونيسيا في كل المحافل الدولية ضد إسرائيل، باعتبارها محتلا لا مجال للتفاوض معه حول حق ملاك الأرض في أرضهم، فضلا عن الاعتراف بوجوده كدولة.

عند زيارتنا لجمعية اللجنة الوطنية لدعم لشعب الفلسطيني (KNRP) أخبرني المسؤول الإعلامي أزهر سوحيمي أن هناك لجنة مستقلة في البرلمان مهمتها فقط متابعة القضية الفلسطينية. هذه اللجنة تدعى "كاوكوس" (Kaukus Parlemen Indonesia Untuk Palestina)، وأسست سنة 2006.

وبعد إعلان ترمب قراره، نشر محافظ جاكرتا "أنيس باسويدان" على حسابه في إنستغرام صورة له بالكوفية الفلسطينية، وهي ذات الرسالة التي اختارها أعضاء في الحكومة، كوزير الشؤون الدينية "لقمان حاكم" الذي كان حاضرا في الصفوف الأولى بميدان موناس، ووزيرة الخارجية "ريتنو سواندي"، ورئيس مجلس علماء إندونيسيا أمين معروف، وأعضاء برلمانيون من حزب العدالة والرفاه، والحزب الديموقراطي، وحزب الأمانة أيضا.

للقدس والقضية الفلسطينية مكانة مميزة في وجدان الشعب الإندونيسي (الجزيرة)


وعن تاريخ العلاقات بين البلدين يحدثني سوحيمي "في سنة 1549، أرسل الخليفة العثماني مبعوثه الفلسطيني جعفر الصادق ازمتخان إلى إندونيسيا، للدعوة إلى الله، وبنى مسجدا أسماه الأقصى في نفس السنة، وأطلق على المنطقة اسم القدس".

لا يزال مسجد الأقصى إلى اليوم شاهدا على الحكاية، وهو يقع في "جاوا الوسطى"، والتي كانت تعرف قبل وصول جعفر الصادق "باسم تاجوغ". ويعتبر هذا المبعوث واحدا من الأولياء التسعة (مولانا مالك إبراهيم، ورادين رحمت، ومخدوم إبراهيم، ورادين إبراهيم، ورادين باكو، وساهيت، وعمر سعيد، وشريف هداية الله) الذين وصلوا إلى إندونيسيا من طرف الإمبراطورية العثمانية، إبان الاحتلال الهولندي للمنطقة.

ويواصل سوحيمي حديثه عن ارتباط إندونيسيا بالقدس بقوله إن المهندس "عبد الله المطلب" (47 سنة) كان من المشاركين في صنع منبر صلاح الدين الذي أحرق على يد صهيوني متطرف سنة 1969.

واستغرق العمل في المجمل 13 سنة بمشاركة خبراء من دول إسلامية مختلفة. وكان الملك الأردني السابق الحسين بن طلال قد افتتح سنة 1993 الورشة، وبعد رحيله أشرف نجله الملك عبد الله الثاني على إتمامها. وقد أعيد المنبر إلى مكانه سنة 2007.

ويضيف سوحيمي "نحن معروفون بفن النقش على الخشب منذ القدم، فبيوتنا التقليدية الصالحة للنقل مثلا تُشيد بلا غراء أو مسامير، وهو بالتحديد ما اعتمده المهندسون في منبر صلاح الدين، كانوا بحاجة ماسة لخبرة عبد المطلب في هذا المجال".

ورغم عدم اعتراف إندونيسيا بدولة إسرائيل ورفضها أي شكل من أشكال التطبيع، فإن عشرات من الشركات السياحية -مثل: الجزيرة، والأقصى ترافل، وساترياني ويستا، وغيرها- تنظم رحلات إلى القدس. المستفيدون مواطنون عاديون، والمعارضون ليسوا بقلة.

زيارة اللجنة الوطنية لشعب فلسطين مؤسسة تابونج زكاة للتعاون على برامج الشهر الفضيل 2017 (الجزيرة)


يقول سوحيمي "إسرائيل تشجع السياحة الخارجية، فاقتصادها ينتعش، وصورتها الإعلامية تتحسن، وسماحها للسياح بالصلاة في المسجد الأقصى مثلا هو رسالة للعالم بأنها دولة ديمقراطية. وليس كما يصور الإعلام العربي بالخصوص، وأن الشعب الفلسطيني ليس محروما من أداء هذا الواجب الديني".

لكن جمعية الصداقة الفلسطينية الإندونيسية (PIFA) كان لها رأي آخر، يخبرني محمود أبو عرقوب "من شأن تلك الرحلات أن توطد العلاقة بين البلدين. التطبيع يعني الاعتراف بأحقية إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، أما الختم الإسرائيلي على الجوازات فهي معاملات قانونية لا بديل عنها".

ويضيف "نحن نشجع إخواننا الإندونيسيين على السفر لزيارة بيت المقدس، فمن شأن هذه الزيارات أن تعزز سبل الاستثمار والتعاون الاقتصادي بين البلدين أيضا".

عندما زار أعضاء من حزب كولغار -الحزب الحاكم في عهد سوهارتو- تل أبيب بشكل غير رسمي خلال السنوات الماضية، كان نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي يشنون حربا شعواء عليهم، معتبرين الزيارات تطبيعا صريحا، وهو ما تتجنبه الجمعيات الخيرية هنا التي تعول على التأييد والتبرع الشعبي. أما على المستوى الحكومي، فإن جهودا حثيثة بذلت لفتح سفارة في رام الله بدل المندوبية الحالية في الأردن، وما زالت متواصلة.

وكان أعضاء برلمان إندونيسيون حاولوا دخول فلسطين للقاء أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2016، لكن السلطات الإسرائيلية منعتهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/14-

سيون أسيدون.. يهودي مغربي يتصدى للتطبيع مع الاحتلال

سيون أسيدون.. يهودي مغربي يتصدى للتطبيع مع الاحتلال

اعتماد بلعيد - الرباط




في كل الوقفات والمناسبات التضامنية مع الشعب الفلسطيني تجده في مقدمة المشاركين، ملتحفا كوفية فلسطينية ومنددا بما يتعرض له الفلسطينيون على أيدي سلطات الاحتلال الإسرائيلية، ومع حلول شهر رمضان من كل سنة يسارع إلى تحذير الناس من استهلاك تمور قد تكون مستوردة من إسرائيل.

تراه متجولا في الأسواق التجارية يخبر البائعين والمشترين معا بأن كل درهم يدفعونه هو ثمن رصاصة إسرائيلية، وطوال أيام السنة يعمل بهمة ونشاط من خلال "حركة مقاطعة إسرائيل"، من أجل التوعية بضرورة مقاطعة البضائع الإسرائيلية، وعدم التطبيع مع الكيان الصهيوني.

هو "سيون أسيدون" الناشط الحقوقي المغربي المنحدر من عائلة يهودية، الذي تحول إلى رمز للقضية الفلسطينية في المغرب، لانخراطه الدائم في حملات التضامن والمقاطعة، ودعوته لمناهضة التطبيع مع إسرائيل، يقول عن اسمه الذي يعني "صهيون" إنه سمي به نسبة إلى "جبل صهيون" في مدينة القدس، قبل أن يضيف باعتزاز "حتى اسمي يحيل على مناصرة القدس إلى أن تتحرر".



أسيدون خلال وقفة احتجاجية أمام البرلمان المغربي للمطالبة بمقاطعة إسرائيل (الجزيرة)


ولد الرجل في الجنوب المغربي لوالدين مغربيين يهوديين تمسكا بالبقاء في وطنهما، ورفضا الهجرة إلى إسرائيل إبان موجة تهجير اليهود المغاربة إلى هناك في خمسينيات القرن الماضي، ورغم أنه سافر قبل سنوات إلى خارج المغرب، حيث أكمل دراسته، فإنه عاد ليستقر فيه وينشط في المجال الحقوقي، يدافع عن الإنسان المظلوم وينتصر لقضاياه.

يقول أسيدون للجزيرة نت وهو يتذكر بداية تشكل وعيه بالقضية الفلسطينية "لم أولد مناصرا لفلسطين. نشأت في كنف عائلة مغربية يهودية، ولم يكن لدينا وعي فطري بعدالة قضية فلسطين، أتذكر فقط جدي المتدين الذي كان يؤمن بأن يوم القيامة سيكون هو يوم الذهاب إلى القدس، لكنه لم يزر المدينة المقدسة أبدا حيث مات في الستينيات، ودفن في المغرب أرض أجداده منذ قرون".

كثيرون ممن يعرفونه ويتابعون نشاطاته الداعمة للشعب الفلسطيني يصفون "أسيدون" بالمدافع الشرس عن حق الفلسطينيين، وهو دفاع ينبع من يقينه بعدالة القضية الفلسطينية، التي أصبح أكثر وعيا بها واطلاعا على حيثياتها في ستينيات القرن الماضي.

يقول "بالنسبة إليّ لعب عدوان يونيو/حزيران دورا حاسما في تطور وعيي بـ"أسطورة الشعب الضعيف المعتدى عليه"، وحينها بدأت أهتم بقضية فلسطين، وانخرطت لاحقا في حملة الـ BDS أي حركة مقاطعة إسرائيل".

سيون أسيدون يلقي خطابا خلال وقفة تضامنية مع الشعب الفلسطيني بمناسبة يوم الأرض (الجزيرة)


مع مرور السنوات أضحى أسيدون واحدا من أبرز مناصري القضية الفلسطينية في المغرب، إلا أن هناك من يستغرب دفاع شخص يهودي عن الشعب الفلسطيني وإن كان مغربيا، بحزم وصرامة. يرد أسيدون على هؤلاء قائلا "إن وجهة نظرهم مبنية على افتراضين اثنين وكلاهما خاطئ، أولهما أنهم يعتبرون كوني من سلالة يهودية لا بد أن يشكل في رأيهم عاملا مقررا ومحددا في حياتي، وهذا خطأ لأن يهوديتي هي مكون من بين مكونات هويتي الإنسانية والمغربية والأمازيغية والعربية. أما الافتراض الثاني فهو مرتبط بالأول ومبني على المعادلة الشهيرة (يهودي يعني صهيوني) وهي معادلة صهيونية محضة".

يعود انخراط الناشط المغربي الذي تجاوز عقده السادس في "حركة مقاطعة إسرائيل" إلى سنوات طويلة، وهو خيار يرى أنه يشكل سلاحا فعالا لمواجهة المحتل الإسرائيلي، الحركة أُطلقت في المغرب لتترجم الوعي بعدالة القضية الفلسطينية، وتبنت إستراتيجية محددة يعمل أسيدون وزملاؤه من الناشطين على تنفيذها.

يقول "إن الحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل ليست اقتصادية فحسب، بل ثقافية وأكاديمية ورياضية ودبلوماسية وسياسية وعسكرية أيضا. يمكن أن تلعب دورا حاسما في تقريب لحظة الانتصار، وقرار الصهاينة قبل سنتين جعل محاربة حملة المقاطعة ضمن اختصاصات وزارة الشؤون الإستراتيجية، وصرفهم مئات الملايين من الدولارات من أجل ذلك لدليل قاطع على نجاعة المقاطعة كخيار".

أسيدون خلال استضافته في أحد البرامج في إذاعة مغربية للحديث عن جهود حركة مقاطعة إسرائيل (الجزيرة)


يبدو أسيدون متفائلا إزاء ما يجده خيار المقاطعة من تجاوب وانتشار عبر العالم. مؤكدا أنه عشية الحرب العالمية الثانية كانت أغلبية الطوائف اليهودية عبر المعمورة تعارض الصهيونية ومشروعها لاستعمار فلسطين، لكن بعد الحرب استطاعت الحركة الصهيونية اكتساح عقول العديدين بمن فيهم اليهود وغير اليهود، لكن الأمر بدأ يتغير مع ظهور مثقفين يهود مناهضين للصهيونية داخل فلسطين المحتلة نفسها، مثل المؤرخ "أيلان بابي" والمفكر "شلومو زاند"، إضافة إلى ناشطين آخرين يناصرون المقاومة الفلسطينية.

هذا التفاعل من المثقفين اليهود يدعو إلى التفاؤل برأي أسيدون الذي يضيف "ما يرهب رئاسة الأركان الصهيونية ويدفعها إلى شن هجوم سياسي مضاد وشرس عبر العالم على أنصار المقاطعة، هو النمو الجارف في الغرب لتيار المقاطعة، والذي أضحت تناصره جهات مختلفة منها فنانون وعلماء، وحتى كنائس وهيئات في الأوساط الجامعية وجمعيات يهودية، لا سيما في الولايات المتحدة مثل (Jewish Voice for Peace)".

قرار واشنطن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل كان خبرا سيئا بالنسبة لأسيدون شأنه في ذلك شأن جميع المتضامنين مع القضية الفلسطينية والمدافعين عنها، لكنه يأمل أن يتخذ القادة العرب مواقف حاسمة تجاه قرار الرئيس الأميركي، معربا في الوقت نفسه عن أمنية عزيزة على قلبه، وهي وحدة وتضامن الفلسطينيين فيما بينهم من أجل مقاومة الاحتلال.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/14-

سعد حلاوة.. أول شهيد مصري ضد التطبيع

سعد حلاوة.. أول شهيد مصري ضد التطبيع

دعاء عبد اللطيف - القاهرة




كل شيء بدا جاهزا، المعطف الأسود ساكن فوق المشجب، ومؤشر الراديو مضبوط على إذاعة صوت العرب والبندقية في زاوية لا تخطئها عينه، وسيدة البيت الكبير بالطابق السفلي تعد الطعام الذي طلبه منها لسفره العاجل إلى بورسعيد، شمالي مصر، هو يعرف أنه لن يسافر ويعرف أيضا أن تلك هي ليلته الأخيرة في بيت عائلة حلاوة.

وفي الصباح، كانت السماء غائمة وتُوشك أن تلفظ مطرها، وكان الراديو باردا وهو يذيع خبر استقبال الرئيس أنور السادات لـ "إلياهو بن إليسار" لتنصيبه سفيرا لإسرائيل بمصر، ليصبح أول دبلوماسي صهيوني في بلد عربي، في 26 فبراير/شباط 1980.

ارتدى سعد إدريس حلاوة، ابن أكبر وأغنى عائلة في قرية "أجهور الكبرى" بمحافظة القليوبية، شمال القاهرة، معطفه وحمل حقيبة كبيرة بها الراديو والطعام والبندقية ومسجل للصوت وأدوات إسعاف أولية، واستقل دراجة نارية متوجها إلى الوحدة المحلية بقريته.

لا أحد يعلم كيف أوجدت الفكرة طريقها إلى رأس الشاب ذي الثلاثين عاما، الحاصل على الثانوية العامة، لكنه كان رافضا للامبالاة أمام التطبيع مع الكيان الصهيوني، فقرر أن يحتجز موظفين بالوحدة المحلية كرهائن شارطا طرد السفير الإسرائيلي ليُفرج عنهم.

"استقبل موظفو الوحدة المحلية سعد المعروف عنه الهدوء وحسن الخلق بالترحيب، ولم يصدقوا أعينهم عندما أخرج البندقية وعرفوا ما ينتويه". هكذا يروي سعيد إدريس حلاوة الشقيق الأكبر لسعد.

مبنى الوحدة المحلية الذي احتجاز فيه سعد الرهائن (الجزيرة)


أجواء الاحتجاز
هرب الجميع من الوحدة المحلية عدا اثنين صعد بهما سعد إلى الطابق الثاني من المبنى، الذي يقع على أطراف القرية، وطمأنهم بأنه لا يستهدف إيذاء أحد.

أدار الشاب الذي يحمل البندقية مسجل الصوت على أغاني وطنية وقدم الطعام، الذي طلب من أمه إعداده في الليلة السابقة، إلى الرهينتين.

يقول شقيقه للجزيرة نت "سعد طلب من والدتنا إعداد كمية كبيرة من اللحم والخبز والفاكهة، قبل واقعة الاحتجاز بليلة. استغربنا، لكنه قال إنه سيسافر إلى بورسعيد لإنجاز شيئا ما ويحتاج طعاما كثيرا".

لم يكن صعبا أن يصل الخبر سريعا إلى القاهرة التي تبعد عن أجهور أربعين كيلومترا فقط. يضيف شقيقه "تحولت القرية إلى ثكنة عسكرية. لم يخل متر واحد من عسكري يحمل السلاح، كما اعتلوا أسطح البيوت".

ورغم أن سعد كان معروفا عنه المهارة الشديدة في القنص، لكنه لم يرد برصاصة واحدة على وابل رصاص الأمن، الذي دق جدران الوحدة المحلية.

بثقة وانفعال يقول ابن شقيقته، وائل حلاوة "خالي كان يجيد قنص الهدف، حتى وهو يدير له ظهره، فما بالنا وهو في مكان أعلى من الجنود الذين كانوا على الأرض وهو في الطابق الثاني، لكنه لم يكن يستهدف قتل مدنيين أو شرطيين. كل ما أراده أن ينتهي التطبيع".

أما خالد وهو ابن شقيق "نصيف منصور"، أحد الرهينتين اللذين احتجزا، فيؤكد أن سعد رفض إطلاق النار على الجنود، ويتابع "كان يصرخ فيهم من خلف النافذة ويقول لهم.. إنتوا غلابة".

ويؤمن قريب الرهينة على مهارة عائلة حلاوة كلها في القنص، قائلا "إنهم يصيبون الهدف من خلال رؤيته في المرآة".

وخلال إطلاق النار على المبنى أصيب "حربي صقر"، الرهينة الثانية، ويوضح خالد "كان مع سعد أدوات للإسعافات الأولية فطهر جرح حربي وربطه بضمادة".

وعبر مكبر صوت تحدث أشقاء سعد الخمسة -بأوامر من مدير أمن القليوبية- لإقناع أخيهم بإطلاق سراح الرهينتين، وكذلك عمه الذي كان عمدة القرية وقتئذ، حتى والدته، التي كانت توصيه في الصباح أن يأكل كل الطعام الذي أعدته له، جاءت قبل المغرب لتوصيه أن يستسلم كي يبقى حيا. وهو رد -من خلف نافذة بالطابق الثاني- بأنه لن يتراجع.

حفيد شقيقة سعد إدريس حلاوة يقرأ الفاتحة لجده (الجزيرة)


أمر بالقتل
هبط الليل على الوحدة المحلية، سعد مع الرهينتين يستمعون إلى الأغاني الوطنية، والضباط والعساكر بملابسهم السوداء يتماهون مع عتمة الأجواء.

وكان واضحا أن السلطة في القاهرة تريد إنهاء ما يحدث بأي شكل بعدما تناقلت وكالات الأنباء العالمية خبر احتجاز الرهائن، فحضرت إلى أجهور قوة أمنية بقيادة وزير الداخلية حينئذ النبوي إسماعيل.

في الرابعة فجرا، ألقوا القنابل المسيلة للدموع وهطل الرصاص على المبنى، وأصيب سعد. ومن إحدى النوافذ خرجت يد إحدى الرهينتين لترمي البندقية ويصرخ طالبا وقف الرصاص "لأن سعد قد مات".

حينها كان سعد مصابا فقط. زحف إلى أقرب جدار ونقش بدمه "تحيا مصر" وكان مسجل الصوت ما زال يصدح بأغان وطنية "وطنية سعد وحده". يقول وائل "دخل ضابط إلى حيث ينزف خالي الأعزل وأطلق عليه 36 رصاصة".

رفض الأمن تسليم ملابس سعد لأهله، "فهي دليل على الجريمة التي وقعت بحق أخي" يؤكد سعيد. ويضيف "اشترطوا علينا ألا تمر الجنازة داخل القرية. سلكنا طريقا مهجورا للوصول إلى المقابر كي ندفنه".
 
الأطفال في بيت عائلة سعد يفخرون بما فعله جدهم (الجزيرة)


ما بعد الموت
كتبت الصحف المحلية وقتئذ أن سعد مختل عقليا، وفتحت صفحاتها لأطباء نفسيين، ليؤكدوا أن ما فعله دافعه الجنون.

ولأربعة أعوام ظلت عائلة حلاوة تحت المراقبة، حتى الخطابات التي كانت تصل إليهم من أقاربهم تأتي مفتوحة ومؤشرة بجملة "فُتح بمعرفة الرقيب".

ورفعت الأسرة دعوى قضائية ضد وزير الداخلية وعدد من القيادات الأمنية، وأدان القضاء الأمن، وجاءت عقوبة قتل سعد إدريس حلاوة متمثلة في تعويض مالي قدره 14 ألف جنيه مصري.

قدمت الأسرة أكثر من طلب لتخليد اسم أول شهيد ضد التطبيع مع إسرائيل، سواء بوضع اسمه على مدرسة أو شارع أو مستشفى، "لكن طلبنا قوبل بالرفض من جانب الجهات المعنية دون إبداء أسباب". حسبما أكد الشقيق الأكبر.

أما في أجهور فلا ينسى أحد سعد، والغريب أن عجائز القرية لا يربطون اسمه بالحادثة بل بفعله للخير.
يقول رفاعي وهو رجل سبعيني من أبناء أجهور، إن سعد كان شابا هادئا وقليل الكلام وكريما للغاية مع المساكين، حتى إنه قبل وفاته بخمسة أشهر رفض أن يأخذ إيجار الأرض الزراعية التي كان يؤجرها للفلاحين الفقراء.

ويبدي الرجل السبعيني تعجبه مما فعله سعد قائلا "كان شابا وسيما وميسور الحال، ويمتلك أرضا زراعية يباشرها. الجميع يحبونه ويحترمونه. لقد صدمنا".

وفي رثائه كتب الشاعر نزار قباني هذه القصيدة:

من هو سعد حلاوة ؟

جمجمة مصرية كانت بحجم الكبرياء وحجم الكرة الأرضية
إنه خنجر سليمان الحلبى المسافر في رئتى الجنرال كليبر
هو كلام مصر الممنوعة من الكلام
وصحافة مصر التي لا تصدر
وكتّاب مصر الذين لا يكتبون
وطلاب مصر الذين لا يتظاهرون
ودموع مصر الممنوعة من الانحدار
وأحزانها الممنوعة من الانفجار

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/14-

هل ينزع العرب هيل غواتيمالا عن قهوتهم؟

هل ينزع العرب هيل غواتيمالا عن قهوتهم؟

غدير أبو سنينة - نيكاراغوا



يصحو العربي عادة ممسكا فنجان القهوة التي يفضِّلها بطعم الهيل المنُتج معظمه في غواتيمالا، البلاد الواقعة في أميركا الوسطى التي أعلنت يوم 25 ديسمبر/كانون أول 2017 قرارها نقل سفارتها إلى القدس باعتبارها عاصمة لإسرائيل.

عادل ترجمان، فلسطيني من مدينة القدس ورئيس الجمعية العربية الغواتيمالية وأحد أعضاء اتحاد الجاليات الفلسطينية في أميركا اللاتينية والكاريبي (كوبلاك)، يعتقد أن الرئيس الغواتيمالي "جيمي موراليس" أقدم على هذه الخطوة المؤازرة لقرار الولايات المتحدة من أجل تأمين الحماية لنفسه، فهو متهم منذ صيف 2017 بقضايا تتعلق بالفساد.

من ناحية أخرى يعتقد ترجمان أن غواتيمالا تتخوف من مقاطعة الدول العربية لها تجاريا، فهي تصدر الهيل لعدد كبير منها. مع هذا يبقى تأثير غواتيمالا محدودا، فحتى جارتها هندوراس -التي صوتت لصالح اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل في الجمعية العامة للأمم المتحدة- لم تعلن عن نيتها نقل سفارتها للقدس.

أما عن موقف الغواتيماليين أنفسهم فهناك انقسام داخل المجتمع يعود في جزء منه إلى مستوى التعليم المتدني، ولأسباب دينية والذاكرة التاريخية للبلد، إذ يشير ترجمان إلى أن قليلا من الناس من يعرف حقيقة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأولئك المطلعون هم المثقفون الحاصلون على مستوى تعليمي جيد، لأن الوعي بالقضية الفلسطينية في تلك البلاد تتأثر كثيرا بالدعاية الإعلامية المنحازة غالبا لإسرائيل.

رولاندو قطان مع عمته خولييتا وهي تحمل جواز سفر والدها حينما هاجر من فلسطين (الجزيرة)

ويشير ترجمان إلى أن 40% من الغواتيماليين يتبعون الطائفة الإنجيليكية التي تدعم سياسة الرئيس موراليس، وهناك محايدون، وقسم آخر من السكان الأصليين طوردوا في زمن حكم "ريوس مونت" الدكتاتوري، لذلك فإن أحزابهم ضد القرار، خصوصا أنهم كانوا هم أنفسهم ضحية دعم إسرائيل لدكتاتورهم، إذ حين فرضت الولايات المتحدة حظرا على بيع الأسلحة لغواتيمالا، تدخلت إسرائيل وقدمت الأسلحة للنظام، ولهذا فإن تلك الفئة تعتبر أن إسرائيل تهدد السلام العالمي.

وفي مقابلة صحفية مع رئيس الكوبلاك "رافائيل المصري"، دفع المصري باتجاه المقاطعة التجارية للهيل والمنتوجات الغواتيمالية من قبل الدول العربية. وتأمل الجالية الفلسطينية في أن تكون هناك مقاطعة تجارية جادة للهيل الغواتيمالي لدفع حكومة البلاد لتغيير قرارها.

وفي هندوراس التي صوتت أيضا لصالح قرار ترمب، قال "رولاندو قطان" -وهو فلسطيني من الجيل الثالث في البلاد- إن رد فعل الجالية الفلسطينية كان محدودا نوعا ما، فهندوراس نفسها تعاني من أزمات داخلية، لكن القرار نفسه دفع الجالية غير المنظمة لعقد اجتماع دعا إليه رولاندو وقريبه، اللذان زارا بيت لحم منذ شهرين لأول مرة في حياتهما.

في مدينتهما ومسقط رأس أجدادهما، زارا عددا من بيوت عائلة قطان المهجورة، وقرّرا بعد العودة الاجتماع بعائلة قطان في هندوراس لتأسيس متحف في بيت لحم لفلسطينيي الشتات، وقد أنهوا الاجتماع الأول الذي تعهدت فيه العائلة بتمويل ذلك المتحف وتزويده بالوثائق والتحف القديمة التي ما زالوا يحتفظون بها حتى الآن، منذ أربعة أجيال.

العلم الفلسطيني مرفوعا في أهم مباراة لكرة القدم البوليفية وفي أكبر ملاعبها "إستاذيو سيليس" في مدينة لاباز البوليفية (الجزيرة)

وفي السلفادور جالية فلسطينية ناشطة، رغم أن ذلك البلد ظل لمدة طويلة داعما لسياسات الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن أفراد الجالية تمكنوا من الوصول لعدد من شرائح المجتمع المختلفة. فعلى المستوى السياسي، أشارت "سهير بندك" -وهي من الناشطات الفلسطينيات في سان سلفادور ومن إدارة الكوبلاك- إلى خروج الجالية في مظاهرة أمام سفارة الولايات المتحدة تنديدا بالقرار، إضافة لإرسال مكتوب لوزارة الخارجية السلفادورية باسم الجالية الفلسطينية.

ويعمل سمعان خوري على التواصل مع الجامعات ووسائل الإعلام للتحدث عن تاريخية فلسطين، وهو يعمل بالتعاون مع الأجيال الشابة من أبناء المهاجرين على إصدار مجلة "أصول" الفصلية التي باتت توزع على نطاق واسع.

أيمن ترامسي، فلسطيني مهاجر من غزة إلى بوليفيا وناشط للقضية الفلسطينية وعضو اتحاد الكوبلاك، ظهر على أكثر من قناة حكومية في بوليفيا للتنديد بقرار ترمب والتعريف بالقضية الفلسطينية، كما رفعت الجالية الفلسطينية العلم الفلسطيني في أهم مباراة لكرة القدم في بوليفيا وأكبر ملاعبها "إستاذيو سيليس" بمدينة لاباز البوليفية، إضافة لإعطاء محاضرات في الجامعات وتوزيع خمسة آلاف نسخة من التقويم السنوي تظهر فيها القدس كعاصمة أبدية للفلسطينيين.

المظاهرات المنددة بالقرار ظهرت أيضا في معظم بلاد أميركا اللاتينية، مثل تشيلي التي فيها أكبر جالية فلسطينية خارج الوطن العربي.

كريستاكي أسعد، الفلسطيني المقيم في تشيلي والمسؤول عن الصفحة الإلكترونية "فلسطين حرة" بالإسبانية، يقول إنه فضلا عن المظاهرات التي خرجت في شوارع تشيلي فهم يعملون على دحض الدعاية الصهيونية عبر منصات التواصل الاجتماعي للموقع، كما أنهم يعملون مع الجاليات الفلسطينية -وخصوصا في غواتيمالا- لدعم مقاطعة استيراد المنتوجات الغواتيمالية.

من فعاليات المؤيدين للقضية الفلسطينية الداعية إلى مقاطعة إسرائيل في المكسيك (رويترز)

في حين يعتبر رئيس الجالية الفلسطينية في كولومبيا "علي نوفل" أن موقف كولومبيا من الامتناع عن التصويت يصبُّ في صالحهم، وقد تظاهر مع أفراد من الجالية العربية والمؤيدين من الكولومبيين أمام السفارة الأميركية في بوغوتا، وألقى بدوره كلمة عن خطورة العبث بمدينة تاريخية كالقدس، كما شارك في محاضرات إلى جانب "فيكتور أوغو" و"فيليبي ميدينا" -وهما أستاذان جامعيان كولومبيان- للحديث عن عدالة القضية الفلسطينية ووجوب الوقوف أمام قرارات كهذه.

أما دعم الجالية لقرار كولومبيا في الامتناع عن التصويت، فيعود إلى أن العلاقات العسكرية والتجارية القوية بين البلدين لم تمنعا كولومبيا من الوقوف على الحياد، وهذا بحد ذاته إنجاز.

أما في نيكاراغوا -التي وقفت إلى جانب القضية الفلسطينية على مدى تاريخها منذ انتصار الثورة الساندينية عام 1979- فلم تبد في أحسن أحوالها حاليا.

يقول "يعقوب سلوم"، الناشط الفلسطيني وعضو الكوبلاك، إن مظاهرة متواضعة خرجت للتنديد بالقرار وحضر فيها جزء قليل من أبناء الجالية الفلسطينية، وعددهم بالأساس قليل، لكن كان من الواضح أن الحكومة النيكاراغوية لا ترغب في التصعيد ضد إسرائيل، خصوصا بعد استئناف العلاقات بين البلدين العام الماضي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/14-

علي حسنين يدندن حكايا "العود" بنابلس القديمة

علي حسنين يدندن حكايا "العود" بنابلس القديمة

عاطف دغلس - نابلس


إذا ما ساقتك قدماك إلى ساحة النصر وسط البلدة القديمة بمدينة نابلس بالضفة الغربية ستأسرك مشاهد تروي ظمأك برؤية أجمل وأقدم مساجدها التاريخية "النصر" المملوكي وساعة "برج المنارة" العثمانية، تلك التي أهداها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لأهل المدينة قبل أكثر من قرن تقديرا لهم.

بين هذا وذاك ستسترق السمع لا إراديا لدندنات موسيقية تأخذك لعالم الفن والزمن الجميل، لا سيما إذا ما كانت المقطوعة "فيروزية" أو للفنان الراحل محمد عبد الوهاب، وكان العازف علي حسنين صانع العود الفلسطيني وأبرز عازفيه.

لم تحل أمطار يناير/كانون الثاني وشدة ريحه دون سماعنا صدى نغمات عود حسنين وألحانه القادمة من متجره "زرياب" في حارة "حبس الدم" وسط البلدة القديمة، كانت عقارب ساعة "المنارة" تدق الرابعة عصرا وكنا على موعد معه.

تعود حكاية الرجل لربع قرن عندما شق طريقه في إصلاح الأعواد الموسيقية، حينها كان والده يملك واحدا أثريا يقترب عمره من ثمانية عقود أصابه عطب، لتشكل تلك الحادثة بداية لمهنة عشقها الرجل وترك لأجلها مهنته الأصلية في التمريض، وصار يثقف نفسه بكل ما استطاع عن تلك الآلة وأدواتها.

لا يدخر حسنين جهدا أيضا في تعليم عزف العود ويتخذ من زاوية المتجر مكانا لذلك (الجزيرة)


أول المشوار
ليس هناك سر يُذاع في قصة حسنين وتصليحه لعود والده، فكل من كتب عنه أو أتاه زائرا لمتجره "زرياب" (نسبة للموسيقى العربي أبو الحسن علي بن نافع) كان له نصيب في ذلك، فشيء من السرد والعزف للرجل قد تطرب له آذان زوار مثل "جيرمت كلين" و"ثواب شبلي" القادمين من إيرلندا، ويقرران شراء عودا خاصا بهما، "وهي الطريقة التي أبتاع فيها أعوادي"، يقول حسنين.

إنها المرة السابعة التي تزور بها ثواب "دمشق الصغرى" (نابلس) حيث وجدت بنابلس وبلدتها القديمة ما يعوضها عن الغياب "قسرا" عن وطنها الأم (سوريا) التي لم تزرها منذ 2010، وأضاف محله "زرياب" جمالا آخر تفتقده الفتاة العشرينية التي استهوتها معزوفة جميلة للفنان حسنين، كان يدقها خلال "استراحة محارب" أعطاها لنفسه بعد جهد في العمل.

باستشارة صديقها الموسيقي جيرمت ابتاعت الشابة لنفسها عودا جيدا، يدرك جيرمت الذي يعزف جيدا على أدوات مشابهة مثل البُزق والجيتار أن العود صنع بإتقان ويستحق ثمنه، لهذا لم تخب استشارة ثواب له، خاصة وأنه سيتولى "بعد العودة" مهمة تعليمها العزف عليه.

يستخدم حسنين قالبا من الخشب جعله بشكل مجوف لبناء الأعواد عليه وصناعتها (الجزيرة)


أمل وإبداع
لعبق المكان "وقيم الجمال" فيه أثر في إبداع حسنين وتجلياته بصناعة العود وعزفه، فحجارة المنازل القديمة والمترابطة بالأقواس والقناطر والمشربيات (الشُرُفات) المطلة جعلت من "زرياب" محطة هامة لزوار نابلس القديمة.

ويزيد في الإبداع تلك الأدوات المستخدمة في القص والتثبيت وحف أخشاب العود وثنيها فوق تجويف خشبي اتخذ منه قالبا لصناعة أعواده، وبمقاييس وأبعاد متقنة يكمن سر صنعته التي لا يخفيها على أحد يقصده للتعلم.

يحتاج العود الواحد نحو سبعين يوما ليصنع بشكل جيد، وتلك فترة كافية لتلتصق قطعه الخشبية جيدا، فأعواده "حرفية وليست تجارية" كما يقول حسنين، وهو ما يجعل من ثمنها عاليا ويتراوح سعر الواحد بين 700 و1500 دولار أميركي، وهي بالكاد تباع، لهذا يرتكز عمله أساسا على صيانة الأعواد ومنه يعتاش.

أضاف حسنين لعمله في الصيانة تعليم العزف لطلابه الذين يستقبلهم فوق أريكتين قديمتين في زاوية المتجر، لا يهمه كثيرا ضيق المكان، وهو عادة ما يحدث تغييرا بشكل الديكور وتوزيع الأثاث، لا سيما تحفه القديمة من آلات موسيقية وقطع فنية أخرى، بينها صور لحسنين اعتلت جدران المكان.

الوصفة الغريبة في صنعة الرجل ولا توجد عند نظرائه من صانعي الأعواد الفلسطينيين "على قلتهم" تكمن في "الإحساس" والعمل "بعمق"، فلكل نوع من خشبه المستورد من أوروبا كالأبنوس والصاج الهندي والجوز استخدامه في "طاسة" (ظهر العود) العود أو "سدره" (وجهه) ولكل دوره أيضا في الصوت وشكل العود.

"عندما يأتي المساء" تكمن لذة العمل لحسنين، إذ كان علينا أن نأتيه بوقت محدد ونغادر كذلك، فالهدوء هو السر الآخر في حياة الرجل لإنجاز أعواد متقنة، وعند المساء أيضا تأتي "مرح شبارو" لتفقد عمها حسنين، إنها الوحيدة التي عزمت على تعلم صناعة العود وباشرت بذلك فعلا، لكن ظروفا حالت دون ذلك.

مرح شبارو جارة علي حسنين وأول من حاولت تعلم صناعة العود لكنها لم تكمل لظروف حالت دون ذلك (الجزيرة)


نابلس والعود
تقطن مرح قرب متجر حسنين وأسفل منه تقع منجرة لوالدها، لذا فهي تعرفه منذ صغرها جارا ومعلما خطت على يديه أول المشوار في صناعة العود، لكنها لم تلبث أن توقفت ولم تكمل حلمه لتصبح ليس "أول فلسطينية" فحسب بل ربما "أول عربية" تصنع العود، لكن "خيط الأمل" بالنسبة له لم ينقطع سيما وأنها لم تزل تسعفه بـ"طلة" بين الفينة والأخرى وتدعمه بالحفاظ على "موروث" لم يتعلمه أي من أبنائه.

على "وسم" خاص به يضعه فوق أعواده يعلق حسنين أملا آخر، وبه أو من دونه قادر على تمييز أي منها، وهنا فهو يتذكر أول واحد صنعه قبل نحو عقدين وابتاعته منه السائحة البريطانية "روث" دعما وتحفيزا له.

عرفت نابلس كغيرها من مدن فلسطين العود باكرا، وفي مطلع القرن الماضي عُدَّ جزءا من "مهر العروس" وكانت تعزفه وتسمعه معظم نساء المدينة في جلسات سمرهن، ورغم خفوت حسه في حقبة الثمانينيات فإن الجيل الشاب أحيا ذلك مجددا، وهو ما يشعر حسنين بسعادة كبيرة.

رغم قلة صانعي العود بنابلس كأولئك الذين يذكرهم حسنين من عبد الرءوف النابلسي وأبو لبيب هاشم فإنه يؤمن أن رحى صناعته لن تتوقف وستظل تدور كعقارب "ساعة عبد الحميد" التي كانت تشير إلى تمام السابعة وتقرع أجراسها إيذانا بمغادرتنا متجر الرجل ليهم بالعودة لعمله ويكمله.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/14-

سوق الصفافير حكاية بغداد المنسية

سوق الصفافير حكاية بغداد المنسية

أميمة يونس - بغداد


كل الأجواء كانت تنبئ بيوم بغدادي جميل، الطقس المعتدل والوجوه المبتسمة، حتى النوارس المحلقة كانت تجبرك على الوقوف لمداعبتها بما تجود به من فتات الخبز، وأنت تهم بعبور جسر الشهداء متجها إلى جانب الرصافة من العاصمة بغداد؛ إلا أن الاحتضار الذي يعيشه سوق الصفافير أفقدنا متعة الحضور البهي للأجواء المحيطة بهذا المعلم التاريخي.

فالسوق الذي أنشئ كورشة تابعة للمدرسة المستنصرية التي بناها الخليفة العباسي المستنصر بالله عام 631 للهجرة، كان لسد احتياجات مطابخها آنذاك من معدات وقدور كبيرة وصغيرة وصحون وملاعق.

ويؤكد الباحثون في التراث العراقي أن سوق الصفافير نشأ هو وأسوق أخرى بالتزامن مع بناء المدرسة العباسية، ومنها سوق الوراقين الذي يسمى حاليا بسوق "السراي" أو "المتنبي"، وسوق البزازين وسوق العطارين (الشورجة)، وقد شيد أغلبها على أساس الحرفة. واكتسب سوق الصفارين اسمه من "صفرة" النحاس المستخدم في صناعة المشغولات اليدوية.

لم يكن الوصول إلى السوق صعبا، فما زلت أتذكر الطرق الضيقة التي كنت أجوبها مستمتعة بصحبة والدتي التي كانت تصر على التسوق من محال "شارع النهر"، أحد أشهر أسواق بغداد المحاذية لنهر دجلة وللمدرسة المستنصرية الشهيرة.

ويمتد السوق بطول خمسمئة متر تقريبا، وبعرض يبدأ بأربعة أمتار حتى منتصفه، ثم يتوسع تدريجيا حتى يصل إلى سبعة أمتار، وينتهي بباب ارتفاعه ثلاثة أمتار وعرضه متران، وهو أصغر من باب الدخول الذي يبلغ عرضه 2.5 متر وارتفاعه خمسة أمتار تقريبا.

يحاول بعض الصفارين التمسك عبثا بمحالهم العشر المتبقية في ظل تراجع المهنة (الجزيرة)


الهدوء الملفت كان يخيم على أجواء سوق البزازين (سوق الأقمشة) الذي يقودنا إلى سوق الصفافير، وأصوات النقر على النحاس التي كانت تغمر المكان لتحيله إلى سيمفونية من البهجة والفرح اختفت تماما.

فقد أجبر الإهمال والمتغيرات التي طرأت على البلاد بعد 2003، أهل المهنة على العزوف عن مزولتها لقلة الطلب وغزو البضائع المستوردة، مما شكل تهديدا حقيقيا للحرفة المتوارثة منذ مئات السنين.

وفي محاولة لجس نبض السوق الذي يحاول بعض صفاريه التمسك عبثا بمحالهم العشر المتبقية (من أصل 68 محلا) بعد بيع أغلبها وتحول ما تبقى إلى مهن أخرى، التقينا الصفار محمد موسى أبو أمير (55 عاما) الذي رفض الحديث معنا بادئ الأمر، بل إنه لم يسمح بتصوير محله مبررا موقفه "بخيبته من الوعود الكاذبة التي تطلقها بعض الجهات الحكومية أو المنظمات المعنية بالتراث العراقي من أجل إنقاذ السوق من الاندثار".

ويتابع بعد إلحاح "منذ ثمانين عاما وأجدادي يزاولون هذه المهنة التي توارثها الأجيال بحب وتفان"، ويشير إلى الدِلال المتدلية في محله المليء بالأواني النحاسية المستوردة من الهند والصين إلا بعض القطع التي يحتفظ بها مما صنعه بطلب مسبق، قائلا "كانت دلال جدي ترسل إلى نجد والحجاز وباقي دول الشام، فالصناعة العراقية في هذا الجانب متميزة بنوعية النحاس النقي، والنقوش التي تعكس حضارة العراق".

وبألم يشير موسى إلى عدد المحال المتبقية وسط محال بيع الأقمشة التي بدأت تأخذ مكانها في السوق المشهور، مبينا "لقد سئمنا الوعود بأن تعود الحياة للسوق، فمن تبقى يحاول الحفاظ على إرث أجداده دون أن يعود عليه الأمر بمنفعة مادية"، معبرا عن خشيته من أن تضطره الظروف إلى إغلاق محله، أسوة بالآخرين الذين وجدوا أن بث الروح في جسد السوق أصبح ضربا من الخيال.

تتنوع صناعات السوق بين أواني الطبخ والصحون و"السماور" لصنع الشاي و"طشوت" غسل الملابس ودلال القهوة (الجزيرة)


وتتنوع صناعات السوق بين أواني الطبخ والصحون و"السماور" لصنع الشاي و"طشوت" غسل الملابس ودلال القهوة، وكل مستلزمات الطبخ المصنوعة من مادة النحاس التي كانت تعتمد عليها الأسر البغدادية خلال القرن الماضي.

وعلى بعد خطوات من محل أبو أمير، وجدنا رجلا كبيرا في السن يفترش الأرض منحنيا يطرق قطعة من النحاس، وما إن اقتربنا منه حتى علا صوته رافضا الحديث معنا، متوعدا بمطرقته كل من يصل إلى محله الذي يتخذ ركنا مميزا من سوق الصفافير.

وفي محاولة لتفادي المواجهة مع الرجل المسن، ولجنا إلى محل جذبتنا إليه رائحة البخور التي تعبق من أرجائه المكتظة بالتحف والأواني القديمة والنادرة، وبابتسامة هادئة أبلغنا صاحب المحل رضا جواد أن الحاج ناظم (80 عاما) يعد من أبرز المتمسكين بمهنة الصفارة في السوق، وأنه يرفض الحديث إلى وسائل الإعلام، مفضلا الحديث مع قطعه النحاسية التي تعد الأقرب إلى قلبه.

ولا يخفي جواد ألمه وهو يرى أفول السوق، ويقول "كنت استمتع بسماع طرقات الحرفيين على النحاس الذي يصنعون منه مشغولاتهم في كل محال السوق المتقابلة"، ويضيف "كان في كل محل أكثر من صانع يضربون النحاس ليصنعوا أجمل الأدوات المنزلية والتذكارية التي تنفذ في وقت قصير لإقبال السواح والمواطنين على شرائها، عندما كانت البلاد تعيش الأمن والاستقرار".

ويشكو غياب السياح الأجانب عن السوق بعد 2003، كما ابتعد منتقو المشغولات النحاسية من المواطنين بسبب سوء الأوضاع الأمنية الذي أجبر تجار هذه المهنة وصناعها على الاتجاه إلى مجالات تجارية أخرى، مما أثر على هوية السوق الأصلية.

سوق الصفافير الذي أنشئ كورشة تابعة للمدرسة المستنصرية التي بناها الخليفة العباسي المستنصر بالله (الجزيرة)

وعما إن كان ينوي هجر السوق أسوة بأقرانه، يقول جواد "لن أغادر السوق ولن أرضخ لإغراءات تجار الأقمشة الذين استحوذوا على غالبية المحلات"، ويضيف "لقد ورثت المهنة من والدي، وأنا حريص على الحفاظ عليها حتى لو تكبدت الخسائر".

يذكر أن السوق حافظ على هويته حتى عقد التسعينيات، حيث تمكن الحرفيون من مجابهة إغراءات تجار الأقمشة الذين توسع نفوذهم ليشمل أجزاء كبيرة من سوق الشورجة القديم، لكن مقاومتهم ضعفت تدريجيا بعد تراجع مبيعات النحاس بسبب الحروب والحصار وانغلاق العراق على نفسه.

الشارع الذي كان مقصدا للسائحين الراغبين في اقتناء المصنوعات اليدوية أو مشاهدتها، من أيقونات نحاسية لحضارة بابل وسامراء والمدرسة المستنصرية عندما كان البلد ينعم بالأمن والاستقرار؛ أصبح يميل للهدوء، وهو هدوء لا يبشر بخير، بحسب الحرفيين.

وبات انتشار البضاعة الصينية والهندية المستوردة أمرا واقعا، مما زاد من انحسار الأعمال اليدوية التي يشتهر بها السوق، وفق التاجر كامل سعد، مؤكدا "أن البضاعة المستوردة كانت السبب في ابتعاد العراقيين عن شراء المصنوعات النحاسية المحلية، لغلاء أسعار المشغولات اليدوية" ويعترف أن غالبية الزبائن يتجهون إلى البضاعة الأرخص.

أما الفنان التشكيلي رائد عبد الأمير -الذي صادفناه في السوق بصحبة ولده الصغير- فيقول متحسرا "إن المهنة أخذت بالانحسار بسبب وجود البضاعة الأجنبية"، مضيفا "كان والدي يصحبني معه لزيارة السوق الشهير بمحاله المكتظة بالتحف النادرة، أما الآن فلا يوجد إلا القليل منها، وهو أمر مؤسف، خاصة ما يمثله السوق للعراقيين والأجانب على حد سواء من ثروة تعكس تراث مئات السنين".
 
بات انتشار البضاعة الصينية والهندية المستوردة أمرا واقعا مما زاد من انحسار الأعمال اليدوية (الجزيرة)


ويتساءل "أين دور الحكومة من هذا الاندثار الذي أجده متعمدا؟ ففي الوقت الذي يفترض فيه الحفاظ على تراث العراق وموروثه الشعبي، نجد ضياع الكثير من المعالم جراء الإهمال وانعدام الدعم الحكومي".

من جانبه نفى المتحدث الإعلامي في "أمانة بغداد" حكيم عبد الزهرة أن تكون الدولة قد أهملت المعالم التراثية في البلاد، مؤكدا أن "هناك اهتماما حكوميا كبيرا بالأسواق والمناطق التراثية في بغداد، لما تحمله من تاريخ ونتاجات نفخر بها على مر الأزمان".

ويعترف أن المشغولات النحاسية العراقية اليدوية لا مثيل لها في العالم بسبب ندرتها ودقة تفاصيلها، لكنه يستدرك بأن "الصناعة اليدوية في البلاد -ومنها الصفارة- باتت تضمحل بسبب التنافس التجاري المحموم الذي يجري في البلاد".

كما أنه أشار إلى من أسباب ضياع المهنة، أصحاب المهن أنفسهم الذين استسلموا للواقع ولضغوط التجار من مستوردي التحف النحاسية الرخيصة التي باتت تغرق السوق، دون مراعاة لأصالة المشغولات المحلية وقيمتها.

وأكد عبد الزهرة ضرورة أن يسعى أصحاب محال الصفارة إلى العمل على إحياء السوق، وإنتاج التحف التي تعكس حضارة البلاد التاريخية، لتكون البداية من أجل عودة الحياة إلى السوق الذي يتطلب وقفة من الجميع وليس من الجهات الحكومية فحسب.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/14-

بقونيا الرّوح.. "في حضرة مولانا"

بقونيا الرّوح.. "في حضرة مولانا"

فاطمة سلام- قونيا


الرحلة إلى مدينة "قونيا" تبدأ داخلك.. تتشبع بها مع كل قراءة للمثنويات والرباعيات وغيرهما لشيخ الصوفية جلال الدين الرومي، "مولانا/MEVLANA" كما يسمى في اللغة التركية، و"سلطان العارفين" كما يسميه مريدو الصوفية.

وكلما اقتربت من الرومي رغبت في الاستزادة عنه ومنه، وهو ما قد ينتقل إلى هدم يطيح بنفسك في نفسك ويستمر ببنائك الروحي إلى ما لا نهاية. وهو ما جعلني على هذه الطريق، من مدينة إسطنبول شمال غربي تركيا، إلى مدينة قونيا وسط جنوبها، حيث استقر بالرومي المقام ومات ودفن.

قبل أن أزور تركيا كنت أشاهد مقاطع فيديو عن رقص الدراويش، أو رقص "المولوية" نسبة لـ"مولانا"، ورفعت لمرات يدي اليمنى باتجاه السماء وأخفضت اليسرى باتجاه الأرض، أحاكيهم في منظور الرقصة، الذي يقول إن اليمنى تتجه إلى السماء تطلب الرحمة والمدد لليسرى في اتجاهها إلى الأسفل، أي إلى الأرض بما فيها من خطايا البشر.

ولأنني أحببت فكرة أن يدور الكون في فلك التسامح، حصلت على مجسم لدرويش بجبته البيضاء وعمامته الكبيرة، وحملته في جيبي كدليل إلى الأرض التي أقام فيها صاحب "المولوية"، ولنقل إنه كان دليلا قلبيا، فكلمة الدرويش في اللهجة المغربية تحيل على الشخص الطيب والودود والغني بالله لا بالمال، وهو أقصى ما أتمنى أن أكونه يوما، إن استطعت.

يعد ضريح جلال الدين الرومي من أبرز معالم مدينة قونيا وتركيا بالعموم وبجواره تقام مراسيم في المناسبات- (رويترز)


وبالعودة إلى سؤال من يكون الرومي، في شقه التعريفي فقط لا الروحي، فهو جلال الدين حسب المصادر لترحاله الطويل وكتقدير لعلمه ونبوغه، وهو محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخي، نسبة لمدينة بلخ بخراسان قديما، في أفغانستان حاليا، التي ولد فيها، وانتقل مع أبيه منها إلى بغداد، قبل أن يهاجر إلى نيسابور، حيث التقى بالشاعر الفارسي الكبير، والعارف أيضا بالله، فريد الدين العطار، صاحب الكتاب المرجع في الصوفية "منطق الطير"، وديوان "أسرار نامه" الذي أهداه لجلال الدين وقد صار تلميذه، وكان له الأثر العميق في فكره. ثم واصل بعدها إلى سوريا فمكة المكرمة، ثم إلى بلاد الأناضول، وإلى عاصمة الدولة السلجوقية في حينه مدينة قونيا، حيث اشتغل بالتدريس والفقه والوعظ.

وإذ نطوف بكل هذه المدن والبلدان، ولكل منها شأن روحي عظيم وباع علمي طويل، يمكن أن نفهم أي التجارب التي صاغت هذا الوجود الذي اسمه الرومي، ولا تسعف كلمة أخرى غير "وجود" لوصف المكانة والتأثير اللذين حظي ويحظى بهما "مولانا".

ضريح مولانا جلال الدين الرومي أحد أبرز رموز التصوف الإسلامي (الجزيرة)


شمس مولانا
عندما تزور قونيا يكتمل المشهد أمامك، لا يفوتك التقاط بساطة وهدوء المدينة، هي سمة طاغية، تجعلك تشعر كما لو أن الأرض والبشر والمباني في حالة خشوع.

ويجعل موقع قونيا القريب من جبال طوروس منطقتها مورقة وغنية بالبحيرات، وإذا ما فكرنا بالجبال كمكان عظيم للخلوة والإصغاء، وبصفاء البحيرات بعد أن شقت مياهها طريقا وعرة، سيكون الأمر مساعدا على أن نفهم التكامل الذي عاشه "مولانا" مع الطبيعة والإنسانية والوجود، والذي يعيش في كنفه على ما بدا لي سكان المدينة، ومن بينهم شريفة، الصبية التي تصادقت معها سريعا بعد أن لفت انتباهها جلبابي المغربي الذي مشيت به باتجاه الرومي كما يمشي قرويونا بـ"حوايجهم الكبار/أحسن ثيابهم" باتجاه المُحتفى بهم.

تقول شريفة عن قونيا "في هذا الوسط عاش الرومي إنسانا وشاعرا ومفكرا وفقيها ومعلما روحيا، وفتحت بصيرته لعلمه السبيل الذي اتبعه ويتبعه إلى اليوم كل من يبحث عن الإنسان بين البشر، وعلى الجوهر في القوانين، والرحمة والعدل والتوازن في العيش" لكن سبيل بصيرة الرومي نفسه، كان شخصا، شيخ فارسي يدعى شمس الدين التبريزي.

وتعرف الرومي على التبريزي في قونيا سنة 642هـ (1244م)، وتصفه كثير من الدراسات بـ "النبراس" في حياة الرومي. منطلق ذلك أن طاقة علم وعطاء كشخص الرومي لزمها، كأسماء أخرى في السلف الصالح، رفيق روحي يفتح البصيرة على الأسئلة غير المطروحة أمام المنطقي، ويخضع النواميس للجوهر. ولقد كان شمس في حياة الرومي كحامل النور في طريق الإدراك، لكن ما كان ليبلغه أي منهما دون أن يتّقد الأول ويسأل ويفكر ويستنتج الثاني.

ووثقت الكاتبة التركية، أليف شفق، لهذه العلاقة الخاصة والعميقة بين شمس والرومي في روايتها "قواعد العشق الأربعون"، التي يمكن القول إنها قادت كثيرين، معظمهم عرب بعد ترجمة الرواية إلى اللغة العربية، إلى معرفة الرومي، وأقصد بالمعرفة التبصر في فكره وعلمه والبحث فيهما والاستزادة منهما.

فكر جلال الدين الرومي بات تراثا إنسانيا، يتقاطر لأجل صلته الملايين على مدينة قونيا التركية (رويترز)

بين المقامين
رغم مرور أزيد من سبعة قرون على رحيل الرومي، فإن فكره يعمّر عبر العالم، ما يجعل منه اليوم تراثا إنسانيا، يتقاطر لأجله الملايين على مدينة قونيا جنوب غربي تركيا، حيث استقر به المقام ومات ودفن.

هذا التوافد على قونية ينشط في ذكرى ميلاد الرومي بتاريخ 30 أيلول/سبتمبر، وبذكرى وفاته في 17 كانون الأول/ديسمبر، حيث تقام فعاليات احتفائية عديدة بشخصه ومقامه، ومهرجانات للسماع والموسيقى الروحية، لكن كما تقول شريفة "الزوار لا يتوقفون عن التوافد إليه بقية أيام السنة، وهم من ديانات مختلفة لا مسلمون فقط" وكان ذلك ملاحظا، إذ تستطيع أن ترى العربي والهندي والصيني وغيرهم في مقام الرومي، بينهم خط ناظم كما لو أنهم سمعوا نداءه حين قال "تعال.. تعال، لا يهم من أنت، ولا إلى أي طريق تنتهي، تعال.. لا يهم من تكون".

هذا المقام، ومقام شمس التبريزي، تبحث عنهما أول ما تحط رجلك في قونيا، واعتني بمقام "مولانا" فبني على مساحة كبيرة، واعتني بمتعلقاته، وتذكر المصادر أنه عقب وفاة الرومي سنة 1273م، شيد طلابه غرفة دفنوا فيها رفاته، ثم أقاموا عليها قبة خضراء، لا تزال باقية حتى اليوم، تتشابه في عمارتها مع قبب بلخ في أفغانستان.
 
مجسمات لدراويش الصوفية من أتباع مولانا جلال الدين الرومي (الأناضول)


واستمر قبر الرومي بهذه الصفة حتى إعلان الجمهورية التركية سنة 1923، وفي عام 1954 تم تغيير الاسم ليصبح "متحف مولانا"، وهو الاسم المستخدم حتى الآن، وبني بأربعة أبواب تحمل أسماء "درويشان" و"حاموشان" و"جلبيان" و"كوستاهان"، ولكل منها معنى روحي وفق المنظور الصوفي، ويحتوي على بعض متعلقات الرومي وعدد من تلاميذه الدراويش، وضُمّ إليه مصلى، صليت فيه ركعتين تحية لبيت الله، وانطلقت مع شريفة باتجاه مقام شمس التبريزي.

كان بسيطا، في جامع صغير يصلى إلى جانب قبره، لكن التفاوت في المساحة فقط، أما في المقامين فالسلام ذاته يشعّ ويهدئ النفوس، وفي المقامين كما أرتني شريفة تدخل موليا وجهك لصاحب القبر/المقام، وتخرج منه بالرجوع إلى الخلف، وجهك أيضا إليه ويدك تلقي السلام، وهو كما أخبرتني "من باب الاحترام، فلا يولى الظهر من يحظى بالتقدير".

شريفة هذا الوجه السمح، وقونيا البسيطة الأليفة كأنك مشيت فيها منذ بدء الخليقة، والرومي والتبريزي الدرويشان كما في لهجتنا المغربية أليسا ما ترجمته واحدة من قواعد العشق الأربعين "يوجد معلمون مزيفون وأساتذة مزيفون في هذا العالم أكثر عددا من النجوم في الكون المرئي. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعملون بدافع السلطة وبين المعلمين الحقيقين. فالمعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مطلقة، أو إعجابا تاما منك، بل يساعدك على أن تقدر نفسك الداخلية وتحترمها. إن المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلور، يعبر نور الله من خلالهم".

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/14-

الأعراس الملكية تحفر في ذاكرة بريطانيا

الأعراس الملكية تحفر في ذاكرة بريطانيا

عثمان بوشيخي - لندن



تتوجه أنظار البريطانيين هذا العام إلى حفل زفاف الأمير "هاري" والأميركية "ميغان ماركل"، بعد أن أعلن قصر " كينغستون" أنهما سيتزوجان يوم 19 مايو/أيار المقبل، وهو حدث من المفترض أن يجذب انتباه كثير من البريطانيين.

ومن يلقي نظرة على أرشيف حفلات الزفاف الملكية في المملكة المتحدة سيدرك حتما ذلك، ففي عام 1947، عندما انبعثت البلاد من الحرب العالمية الثانية، ظهرت الأميرة "إليزابيث" وهي عروس بجانب "فيليب" "كأنهما ومضة من الألوان، على طريق مضن يتعين على البريطانيين شقه"، على حد تعبير رئيس الوزراء آنذاك "ونستون تشرشل"، وكذلك كان الأمر لدى زفاف "كيت ميديلتون" والأمير "وليام"، الذي أتى بعد سنوات من انهيار دراماتيكي لزواج "ديانا" و"تشارلز"، صُدم بعده ملايين البريطانيين، لا سيما بعد مقتل الأميرة في حادث سير مروع.

حفلات خلدها الإعلام
قد لا يصدق المرء أن طلب الإذاعة في عشرينيات القرن الماضي تسجيل حفل زفاف الملك "جورج السادس" و"إليزابيث باوزليون" قد قوبل برفض أسقف كانتربري بدعوى أنه قد يسمع هذا الحفل أشخاص غير محترمين في المقاهي، لكن مع مرور الزمن أصبح متابعو مثل هذه الحفلات بالملايين.

فقد تابع زفاف إليزابيث وفيليب نحو مئتا مليون عبر الإذاعة، أما تلفزيونيا فقد كان حفل زفاف الشقيقة الصغرى لإليزابيث كونتيسا سنودون الأميرة "مارغريت" عام 1960 أول حفل زفاف ملكي ينقله التلفزيون، وقد شاهده حينئذ أكثر من عشرين مليون شخص، ليرتفع الرقم إلى حوالي خمسمئة مليون عندما تعلق الأمر بحفل زفاف الابنة الوحيدة لإليزابيث الأميرة آن عام 1973، وأكثر من 750 مليون مشاهد لدى زفاف ديانا وتشارلز عام 1981، كما اصطف آنذاك ستمئة ألف شخص في الشوارع لمشاهدة ديانا في طريقها للاحتفال، أما زفاف وليام وكيت فتابعه أكثر من مليارين ونصف مليار شخص من 180 بلدا حول العالم. والفضل في ذلك يرجع للمواقع الإلكترونية أساسا وخاصة الموقع الرسمي للزواج الملكي، إذ بلغ عدد الطلبات الواردة عليه في الثانية أكثر من ألفي طلب في يوم الزفاف، حسب إحصائيات نشرها موقع غوغل.

زواج ملكي بريطاني في مطلع القرن العشرين (جمعية الصحافة البريطانية)

خطوط حمراء ملكية
وللزيجات الملكية تقاليد وأعراف صارمة إذ يجب على أول ستة أشخاص في ترتيب ولاية العرش أن يحصلوا على إذن الملكة من أجل الزواج، بموجب بروتوكول عام 2013.

وقد وضع هذا البروتوكول نفسُه حدا لعرف كان يقضي بتنحية أي شخص من ولاية العرش إذا تزوج من الروم الكاثوليك، وكان ذلك في صالح خطيبة الأمير هاري التي نشأت في أسرة كاثوليكية. ولأنها رأس كنيسة إنجلترا فقد سبق للملكة أن رفضت زواج أختها الأميرة "مارغريت" من "بيتر تاون سيند" عام 1953 لأنه كان مطلقا، وحدث ذلك قبل أن تغير الكنيسة موقفها في عام 2002.

كما أن إدوارد الثامن، وهو عم الملكة، تخلى عن عرشه عام 1936 ليتزوج من أميركية مطلقة تدعى "واليس سيمبسون"، ويصبح صاحب أقصر مدة حكم في التاريخ البريطاني، لكن من أطول الزيجات تعميرا في تاريخ الأسر الحاكمة كانت زيجة إليزابيث وفيليب اللذين احتفيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 بذكرى مرور سبعة عقود على حفل زفافهما.

وقد أقيم ذلك الحفل في كنيسة "ويستمنستر آبي" عام 1947، بحضور حوالي ألفي مدعو، ووصلت أكثر من 2500 هدية إلى الأميرة آنذاك، وأكثر من عشرة آلاف برقية للتهنئة بالزواج. ورافقت إليزابيث في يوم زفافها ثمان وصيفات، وضعن الأكاليل على رؤوسهن ومشينَ وراءها عند دخول الكنيسة. أما فستان زفافها فقد زين بأكثر من عشرة آلاف لؤلؤة بيضاء، استوردت من الولايات المتحدة لتكون متناسقة مع تاج من الماس كان قد صُنع للملكة "ماري" عام 1919.

ويعد فستان الزفاف الأبيض تقليدا متعارفا عليه لدى الأميرات البريطانيات منذ أربعينيات القرن التاسع عشر، عندما ارتدته الملكة فيكتوريا أول مرة، وأضيفت لمسات أخرى مع مرور السنوات إلى الثوب الأبيض، كالطوق الذي ظهر على فستان زفاف ديانا، وقطعة الحرير البريطاني، في حين ظهر اللون الأزرق بشكل بسيط وجميل كإضافة جديدة لحزام ثوبها. وبلغ طول ذيل ذلك الفستان 7.62 أمتار، أما قيمته حينها فتجاوزت تسعة آلاف جنيهه إسترليني، أي ما يقرب من 32 ألف جنيه حاليا.

وقد احتضنت حفل زفافها على غير العادة كاتدرائية القديس بولس التي شهدت من قبل جنازة القائد العسكري "هوراشيو نيلسون" وقائد معركة "واترلو" "آرثر ويلزلي" والسير "ونستون تشرشل"؛ والاحتفالات اليوبيلية للملكة فيكتوريا، وهي أوسع من كنيسة ويستمنستر التي استخدمت عادة في حفلات الزفاف الملكية.

الشعب البريطاني يصطف على جوانب الطرق في مناسبات الزواج الملكي احتفاء بالمناسبة (غيتي)

كعك في المزاد العلني
للكعكات الملكية تقاليد خاصة، وهي الاحتفاظ بقطع عدة من كعكة الزفاف الملكي لأشهر أو سنوات لبيعها في مزاد علني، وقد خضعت كعكة زفاف ويليام وكيت لهذا التقليد، إذ وُضع المستوى العلوي من الكعكة جانبا واستخدم في حفل تعميد ابنهما جورج، بينما طُرح الجزء الآخر للبيع.

وهذه ليست المرة الأولى التي تُباع فيها قطعة حلوى زفاف ملكي بريطاني، إذ بيعت من قبل قطعة كعكة زفاف الملكة إليزابيث، بعدما عُثر عليها في خزانة لحفظ الملفات.

فواتير الزفاف الملكي
كي تجري مثل هذه الاحتفالات على ما يرام لا بد من مراعاة الجانب الأمني، إذ تشهد مثل هذه المناسبات استعدادات أمنية مكثفة، ففي زفاف وليام وكيت مثلا نشرت الشرطة البريطانية أكثر من خمسة آلاف من أفرادها، كما نظمت حملة تفتيش في لندن، بحثا عن أي متفجرات وأسلحة مخبأة وشمل التفتيش مصارف مياه وأعمدة إشارات المرور، وتمركز عدد كبير من القناصة فوق أسطح المنازل، بحثا عن أي عناصر مشبوهة في منطقة ويستمنستر وسط العاصمة، لضمان خلو الزفاف الملكي من إشكالات أمنية.

وقد أعلنت شرطة لندن أن تكاليف الحماية الأمنية لزواج الأمير ويليام وكيت بلغت سبعة ملايين و200 ألف جنيه إسترليني.

أما تكلفة حفل زفافهما إجمالا فبلغت 34 مليون جنيه إسترليني، مما جعل كثيرا من المراقبين يصفونه بالمغرق في الإسراف والبذخ، ولكنه بالمقابل أسهم في جذب أكثر من مليون سائح للبلاد لمتابعة هذا الحفل بالذات. في حين أكد القصر الملكي في باكنغهام أنه تحمل تكاليف الحفل، ولم يحتسب من خزانة الحكومة التي اكتفت بتوفير الأمن.

السابق

السابق

التالي

السابق