ياسين الكزباري - الغابون


عندما أصدرت مجلة فوربس سنة 2009 قائمتها الأولى لأنظف البلدان في العالم ، لم يكن غريبا أن تتصدر القائمة دول من العالم الأول، مثل كندا والنمسا أو الدانمارك. لكن دولة واحدة أثارت استغراب القراء الذين لم يكن معظمهم يعرف مكانها على الخريطة، إذ كيف لدولة تنتمي لقارة ارتبطت في أذهان جل الناس بالفقر والأمراض، أن تكون إحدى أنظف 14 دولة في العالم، متفوقة بذلك على جل دول العالم الأول. وكانت تلك الدولة هي الغابون.

لكن الغابون لم تكن نظيفة على الدوام، ففي نهاية الثمانينيات، وعلى إثر الانخفاض الحاد في إيرادات النفط، دخلت البلاد في أزمة اقتصادية حادة، وكان من نتائجها أن الحكومة والبلديات عجزت عن تمويل كثير من المؤسسات والخدمات، وكان من بينها خدمة النظافة.

ويحكى لنا بابي مويندا مسؤول جمعية "لننظف مدينتنا" عن تلك الأيام فيقول "في تلك الأيام، توقفت شاحنات البلدية عن الطواف على الأحياء لجمع القمامة، وسرعان ما تكدست أكوام القمامة في كل مكان من المدينة، وانتشرت الروائح الكريهة والذباب، وقام السكان بالاحتجاج أمام البلدية، مطالبين بتخليصهم من النفايات، لكن البلدية لم تستجب لأن عمالها ومنهم عمال النظافة كانوا هم أنفسهم يحتجون أمامها مطالبين بدفع رواتبهم التي تأخرت".

ويضيف مويندا "وبينما كنا ننتظر أن تسرع البلدية بإيجاد حل للمشكل، دخل موسم الأمطار، ولأن الغابون توجد في منطقة حوض الكونغو الاستوائية، فإنها تعيش فصلين: الأول جاف والثاني شديد الرطوبة والمطر. وحينها تتفاقم مشكلة القمامة أكثر، حيث سارت سيول الأمطار جارفة معها القمامة عبر الأزقة والشوارع، ثم استقرت في المناطق المنخفضة من المدينة، وقد انتشر البعوض ناقلا مختلف الأمراض للسكان، وخصوصا منهم الأطفال. وحينها فقط بدأ الناس يتحركون، حيث قامت مجموعات من الشباب بمحاولة إيقاف زحف البعوض، بجلب الرمال من الشاطئ لردم المستنقعات".


التدريب على استعمال الطائرات المسيرة عن بعد لمراقبة المحميات في الغابون . (الجزيرة)


ومنذ عشر سنوات تقريبا، لايزال الغابونيون يخرجون بشكل دوري متطوعين لتنظيف أحيائهم، وأحيانا يشارك معهم مسؤولون ورؤساء بلديات، وقد أطلقوا على العملية "مدينة أكثر نظافة" بعدما كان اسمها بداية "مدينة نظيفة". وكان هذا التقليد ثمرة جهود بذلتها عشرات الجمعيات المهتمة بالبيئة، وقد سعت إلى توطين فكرة في أذهان الناس مفادها أن نظافة المدينة مسؤولية سكانها قبل أن تكون مسؤولية البلدية.

أما البلديات، فإنها تشجع هذه الثقافة من خلال فعاليات مختلفة ومسابقات سنوية تتنافس فيها المدن للفوز بلقب أنظف مدينة، كما دشنت العاصمة السياسية ليبرفيل ومنافستها الاقتصادية بورجونتي مشروعا إعادة تدوير للمواد البلاستيكية.

لكن ترتيب الغابون ضمن أنظف 14 دولة في العالم لم ينبنِ فقط على نظافة المدن والأحياء من القمامة، وإنما على سلامة البيئة بشكل عام. وقد أبلت الحكومة بلاء حسنا في هذا الجانب، وعنه حدثنا مويندا قائلا "سنة 2002 أعلنت الحكومة عن إنشاء 13 محمية، يشكل مجموعها عشر مساحة الغابون، في خطوة بيئية لم يسبق لها مثيل، فبـ27 ألف كلم2 من الغابات الكثيفة ستساهم هذه المحميات في امتصاص حوالي أربعين مليون طن من ثاني أوكسيد الكربون سنويا. ولو قامت كل الدول التي تقع في منطقة الغابات الاستوائية بنفس الخطوة فسنكون قد ضمنا سلامة عشر الغابات الاستوائية، ما سيؤدي إلى كبح الانحباس الحراري".

تقع الغابون في زاوية ضيقة من حوض الكونغو الاستوائي، وتغطي من مساحته حوالي 2% فقط، لكنها نجحت في الحفاظ على سلامة التنوع النباتي لغابتها من تجارة الخشب وحمت الحيوانات المهددة بالانقراض من الصيد الجائر، وكانت نتيجة ذلك أن صارت غابات الغابون اليوم الأكثر تنوعا من بين جميع الغابات الأفريقية.

من بين 250 ألف شامبانزي متبقي في العالم يعيش حوالي 70 ألف منها في الغابون وحدها (الجزيرة)


وعن ذلك يقول مويندا "حصلت الغابون على درجة 99 من مئة في مؤشر الحفاظ على الغابات. وذلك التقييم يقترب بها من الكمال. ففي الغابون يوجد نصف عدد الأفيال التي تعيش في الغابات الأفريقية، وإحدى أهم المناطق المحمية للشامبانزي الذي يصل عددها في البلاد إلى حوالي 64 ألفا من أصل 250 ألفا هي كل ما تبقى منها في العالم، بالإضافة إلى الغوريللا. وفي الغابون سبعمئة نوع من الطيور، و98 من البرمائيات، وأكثر من 130 نوعا من الزواحف، و198 من الثدييات، وحيوانات عديدة نادرة، أما النباتات فهناك أكثر من عشرة آلاف نوع، منها أربعمئة من زهور الأوركيد".

عند مدخل متنزه أكاندا المحمي (شمال العاصمة ليبرفيل) كانت هناك لافتة كتبت عليها قائمة طويلة من الممنوعات، وكان منها "لا تقطع أو تقصف أو تقشر أو ترفع عن الأرض أي نبات، حيا كان أو ميتا". وحين سألت مويندا عما إذا كان الناس يبالون بهذه التوجيهات، أجابني "إن لم يقنعهم جمال الغابة بمراعاتها، فإن الغرامة الكبيرة والعدد الكبير من المراقبين سيرغمهم على ذلك".

وتعتبر الغابون من أكثر البلدان صرامة في ما يخص حماية البيئة، فبالإضافة إلى الغرامات والعقوبات الكبيرة التي تردع الصيادين عن انتهاك المحميات، فقد دشنت مؤخرا استعمال الطائرات المسيرة عن بعد "درونز" لتفادي إزعاج الحيوانات وتخريب النباتات بدخول المراقبين للغابة، متساوقة في ذلك مع دول أقوى منها اقتصادا وتقنية مثل ماليزيا وإندونيسيا، ومؤكدة أنها -وهي الدولة الأفريقية- ليست أقل اهتماما من بقية العالم بالبيئة ومستقبل الطبيعة.

المصدر : الجزيرة