علي أبو مريحيل - بكين

لم تعد صور التحوّل في المجتمع الصيني نحو حياة البذخ والإسراف والترف مقصورة على اصطفاف الصينيين في طوابير أمام السفارات الأجنبية للحصول على تأشيرة سفر للسياحة الخارجية، بل تعدت ذلك إلى صور أخرى أكثر حضارة وأقل شقاءً.

فما حاجة الصيني لتكبّد عناء السفر بحثا عن إرضاء فضوله وإشباع غرائزه، ما دام قادرا على جلب كل ما تحلم به عينيه إلى أرضه وعقر داره، حتى إن كان ذلك الحلم مدينة بحجم ديزني لاند الأميركية.

إنه الحلم الذي أصبح حقيقة، ليس فقط للصينيين الشغوفين بالثقافة الغربية، بل أيضا للمدير التنفيذي لشركة ديزني لاند، روبرت إيغر، الذي قال أثناء افتتاح أول منتجع سياحي لشركته في مدينة شنغهاي الصينية في منتصف يونيو/حزيران 2016 "لم نبن مدينة ديزني في الصين، بل بنينا مدينة ديزني لاند صينية تراعي الثقافة والموروث الصيني".

ميكي ماوس بنكهة صينية يثير جدلا واسعا في الصين (الجزيرة)


وبالرغم من أن عددا من الصينيين اعتبروا ذلك انتصارا لثقافتهم التي استطاعت من وجهة نظرهم أن تفرض على أكبر مدينة ألعاب في العالم أن تكتسي حلة صينية وتخاطب الجمهور الصيني بلغته وفي عقر داره، فإن فريقا آخر من الشبان المتعصبين لقوميتهم وهويتهم الثقافية رأوا في ذلك غزوا ثقافيا بقناع محبب "للغالبية الساذجة"، على حد قولهم.

زانغ بين، الشاب الصيني الذي يدرس في كلية الآداب بجامعة بكين، أعرب في حديثه لمجلة الجزيرة عن أسفه من حالة الهوس في أوساط المجتمع الصيني بالثقافة الغربية، وقال إن "الشباب الذين يلتقطون صورا لأنفسهم مع ميكي ماوس وساندريلا، لا يعلمون أن تلك الابتسامات العريضة والأقنعة البرّاقة، تخبئ وراءها أسنانا حادة ونوايا خبيثة".

وأكد أن الثقافة الصينية بقيت محصّنة قرونا طويلة ضد الغزوات والحملات الفكرية الغربية، ومن المؤسف أن يتم اختراقها بهذه السهولة.. وأن من المخجل أن تجتاز سور الصين العظيم شخصيات كرتونية مثل "ميكي ماوس" و"دونالد داك" و"سنو وايت" و"ساندريلا" و"صوفيا" و"جيزيل".
حملات لمقاطعة ديزني لاند.

حالة من الهوس في أوساط المجتمع الصيني بالثفافة الغربية (الجزيرة)


وعارض ناشطون صينيون افتتاح منتجع ديزني لاند في مدينة شنغهاي، باعتبار لك شكلا من أشكال العولمة والغزو الثقافي الخارجي للموروث والثقافة الصينية، ودعا عدد منهم -عبر صفحاتهم على مواقع التواصل- إلى مقاطعة منتجع ديزني لاند في شنغهاي، وتغيير وجهة الجمهور الصيني باتجاه منتجع "واندا" السياحي الذي يمثل -من وجهة نظرهم- الثقافة الترفيهية الصينية.

ويعتبر منتجع "واندا" السياحي واحدا من أكبر المشاريع التي أقامتها شركة "واندا غروب" الصينية على غرار منتجع ديزني لاند، بتكلفة بلغت ثمانمئة مليون دولار.

وقال القائمون على المشروع إن الشركة تهدف إلى تخطي ديزني لاند كعلامة تجارية، على الأقل في الوسط الصيني الذي بات يتودد -بحسب رأيهم- للثقافة الغربية. وكان رئيس مجلس إدارة الشركة، الرجل الأغنى في الصين، وانغ جيان لين، قد قال في كلمة له أثناء الافتتاح "إن حماية الموروث الصيني من العولمة والغزو الثقافي الخارجي واجب وطني".

يضم المنتجع عدداً من الحدائق والفنادق ومراكز التسوق ومطاعم الوجبات السريعة (الجزيرة)


ورغم الضجيج الذي أثاره افتتاح مدينة ديزني لاند في شنغهاي، فإن ذلك لم يوقظ التنين الصيني الذي يملك -بموجب اتفاق تمَّ مع مجموعة شركات "شنغهاي شندي غروب" المملوكة للدولة- 57% من أسهم المدينة، بينما تملك شركة ديزني لاند 43% فقط، وهي أقل النسب بين منتجعات الشركة الستة المنتشرة حول العالم.

وتعوّل ديزني لاند على كبر السوق الصيني الذي من المتوقع أن يدرّ على الشركة قرابة ثلاثة مليارات دولار سنويا، وهذا ما جعلها تقبل شروطا في الصين لا يمكن أن تقبلها في أي مكان آخر.

وكان الرئيس التنفيذي لشركة ديزني لاند قد قال في كلمة له أثناء الافتتاح، "نريد أن نشعر الزوار الصينيين بأنهم مرحّب بهم، وبأن المدينة أنشئت خصيصا لهم، لتناسبهم وتناسب ثقافتهم".

وهذا ما تُرجم على الأرض منذ لحظات الافتتاح الأولى، حيث بدا واضحا حرص المنظمين على المزج بين التراث الصيني والحداثة الغربية، وتجلى ذلك في القدرة على تجسيد شخصيّات وأميرات عالم والت ديزني الخيالية، لتصبح واقعا ملموسا، وكائنات حيّة من لحم ودم، ترقص وتغني للصينيين بلغتهم وعلى أرضهم.

المصدر : الجزيرة