آخر تحديث: 2017/9/1 الساعة 10:53 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/10 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/1 الساعة 10:53 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/10 هـ
كمبوديا.. ما بعد "الخمير الحمر"

رقم العدد : 66

تاريخ العدد : أغسطس/آب 2017

-1/17-

الاستبداد صنو التخلف

محمد المختار الخليل
مدير تحرير الجزيرة نت

ترتبط أحوال البلاد بمعيشة العباد ارتباطا عضويا، فطالما كان الإنسان يتنفس الحرية في معتقده ونشاطه السياسي والاقتصادي، تبقى البلاد في سعة من التنمية والتطور والبروز على خارطة العالم. والعكس صحيح.

عانى كثيرون من الحكم الشمولي، على اختلاف أنواعه ودرجاته، سواء من حكم عسكري مباشر أو نفوذ قوي للجيش، أو حزب أيديولوجي، أو عائلة تنفرد بالسلطة. والنتيجة واحدة، هروب رأس المال وفرص التنمية والإبداع.

أما الدول التي نجحت في القفز من "مركب" الشمولية إلى بر الديمقراطية وإطلاق الحريات وتهيئة البيئة الجاذبة للاستثمار، فقد حققت قفزات سريعة في مسار التنمية والقوة الاقتصادية. وأما من بقيت تحت وطأة الاستبداد فلا تزال في ذيل دول العالم اقتصاديا وتنمويا.

كمبوديا، كانت واحدة من الدول التي طوت سجلا حافلا وطويلا من أقصى وأقسى أنواع الاستبداد والبطش والدموية. عاشتها البلاد تحت حكم الخمير الحمر، وهو حزب شيوعي متطرف ارتكب على مدى حكمه من 1975 إلى 1979 مجازر حفظ التاريخ بشاعتها.

مرت البلاد بفترة حكم انتقالي، أنهت عام 2000 كل وجود للخمير الحمر في السلطة. وهو ما مهّد لتسوية سلمية شاملة تعيشها البلاد اليوم. وتجري هذه الأيام المرافعات الختامية في محاكمة رموز الخمير الحمر على جرائم الإبادة التي ارتكبها نظامهم.

تقدر مصادر أعدادَ ضحايا الخمير الحمر بين مليون وثلاثة ملايين من مجموع سكان كان يبلغ ثمانية ملايين فقط، راحوا ضحية الإعدام أو الموت بسبب المجاعة والمرض. وعرفت البلاد، التي سعى حاكمها آنذاك بول بوت إلى فرض الشيوعية الزراعية، بـ"حقول الموت".

وكان المسلمون والعرقيات غير الخميرية مثل الصينيين، يتعرضون لحملة إبادة واسعة وطويلة، إذ يقدر المسلمون الذي أبيدوا في تلك الفترة بنصف المواطنين المسلمين، وتراجع عدد ذوي العرقية الصينية إلى الربع بسبب القتل والهجرة.

اليوم تشهد كمبوديا انفتاحا في كل الميادين، في ظل نظام ملكي دستوري، في العمل السياسي، وفي الاقتصاد، وفي الحريات العامة والدينية، وباتت تستقطب استثمارات كبيرة، مما انعكس في معدلات التنمية والانفتاح على العالم.

انتقال كمبوديا من الاستبداد المطلق إلى الانفتاح والحريات تجربة تستحق أن نتوقف عندها لرصد بعض زواياها، وتعرُّف هذا البلد بخصوصياته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وهو ما حاولنا تقديمه في هذا العدد الخاص من مجلة الجزيرة.
السابق

السابق

التالي

السابق

-2/17-

عدد خاص

رميساء خلابي- كمبوديا
عاشت كمبوديا لعقود داخل صندوق حديدي مغلق، وتحت سوط الخمير الحمر الذي ارتكب مجازر مروعة بحق الأقليات والمعارضين من الخميريين، وبعد سقوط نظام الخمير الحمر دخلت البلاد مرحلة انفتاح على مختلف الصعد. هذا العدد الخاص من مجلة الجزيرة يرصد أوجه هذا الانفتاح ويعرف بخصوصيات المجتمع الكمبودي.

مراسلة مجلة الجزيرة رميساء خلابي أعدت هذا العدد من الميدان في كمبوديا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/17-

كمبوديا.. من مجازر الخمير إلى الانفتاح

كمبوديا.. من مجازر الخمير إلى الانفتاح
في ضواحي مدينة "سييم ريب" شمال مملكة كمبوديا، تنتصب الأعمدة الأولى لمدينة "أنغور" التي شيدها الخميريون قبل ميلاد المسيح، بأمر من ملوكهم واتباعا "لآلهتهم". يقول "تشين" الموظف في متحف أنغور الوطني "لم يكن باستطاعة أي خميري الخروج عن أمر الملك أو الإله، لأن الخميريين كانوا يؤمنون بالحياة بعد الموت، وبأن عذاب الآلهة سيلحق كل من عصى أوامرها".
كان الخميريون شعبا يدين بالهندوسية، وكانت مدينة أنغور -التي تعني "المدينة"- هي عاصمته، شُيدت لحماية الملك وأتباعه من الغزاة، فضلا عن كونها محطة للعبور إلى الجنة، كما أرادها الملك سرفرمان الثاني أن تكون، بتشييده أعظم معبد على وجه الأرض وهو "معبد أنغور وات".

مع انتشار البوذية في أرجاء الهند وخارجها، تحول الشعب الخميري من شعب هندوسي إلى شعب بوذي، يتبع المذهب "الثيريفادي". تركت المدينة كما هي، لكن صلوات مختلفة بدأت تقام في معابدها.

نصب تذكاري للذين قضوا حتفهم يوم 30 مارس 1997 بعد خروجهم للتنديد بعدم استقلالية القضاء والفساد السياسي (الجزيرة)

كانت المدينة محمية بفضل الغابات الكثيفة المحيطة بها، وقد ظلت كذلك لعقود من الزمن، بل إنها تحولت إلى مدينة مهجورة، لم يتم اكتشافها إلا قبل بضعة قرون على يد أحد الفرنسيين المستكشفين.

في عهد حكم الخمير الحمر، لم تسلم أسوار المدينة من طلقات المدافع. يقول تشين "لقد عانى شعبنا من ويلات المستعمر والحروب الأهلية ونظام بول بوت، لكن ما فعله الأخير في فترة حكمه -التي لم تتجاوز أربع سنوات- لا يمكن مقارنته بأي من المحن التي مرت على شعبنا".

في سنة 1975 نجح الأستاذ الأول -أو الأخ الكبير أو القائد- الزعيم "بول بوت" في إقناع شعبه بالعدالة التي سيحققها للطبقة المسحوقة، صوّت له الشعب وانتخبه رئيسا للبلاد، لتتحول بعدها كمبوديا إلى حالة من القمع والفوضى والغرق بالدماء.

قال بول بوت إن ثلاثة ملايين مواطن مخلص أفضل من تسعة ملايين منافق، وقال أيضا إن بلدا زراعيا يوفر قوت يومه أفضل من بلد يمد يده للغرب. لم تنجح أماني الزعيم، لكن مخاوف الأقليات كانت في محلها.

بناية قديمة في مركز العاصمة أصبحت اليوم من المعالم التي تؤرخ لفترة حكم الخمير الحمر (الجزيرة)

يقول "أرلان" المدير الإداري لجامعة زمان "نجا من تلك المجازر من استطاع الفرار فقط، لقد أعدمت قرى بأكملها، كان الجنود يطلقون النار بدم بارد. كان أطفال وعجائز يموتون دون أن يسأل عن مصيرهم أحد، وكانت فتيات تأخذ غصبا للعمل في المزارع أو للتجنيد الإجباري".

ويضيف "كان الخمير الحمر يؤمنون بنظرية العرق الخالص، بمعنى أن غير الخميريين يجب إعدامهم أو تعذيبهم بالأعمال الشاقة، لأنهم خونة ولا يمكن بأي حال من الأحوال ضمان ولائهم التام للدولة".

لم يكتشف حجم مجازر الخمير الحمر إلا في بداية الألفية الثانية، عندما تم القبض على المتورطين وقُرر بدعم من الولايات المتحدة محاكمتهم. حينها فقط، بدأ البلد استقبال مئات الآلاف ممن هُجّروا بداية السبعينيات قسرا خارج البلاد أو تم نفيهم.

رياض أطفال تابع لمؤسسة نور الإيمان التعليمية بمنطقة كمبوتشام (الجزيرة)

يقول أحمد صالح مدير مؤسسة الإحسان التعليمية في "بنوم بنه" وأحد الذين عايشوا تلك المرحلة الدموية، "كان عناصر النظام يستهدفون في البداية الأقليات، مسلمين، فيتناميين، صينيين، لكن جرائمهم طالت في النهاية كل من خالف أوامرهم، وإن كان خميريا أبا عن جد".

ويضيف "لكن شعبنا استعاد اليوم عافيته، بل وراء كل شر خير كما يقولون، فاليوم أصبح شعبنا أكثر انفتاحا واندماجا، وأعطيت حقوق أكثر للعرقيات المنبوذة والأقليات الدينية".

يتألف الشعب الكمبودي من أغلبية من العرقية الخميرية، وأقليات عرقية لا تشكل سوى 10% منه. يقول عثمان حسن وزير العمل والتدريب ومستشار الرئيس، وممثل المسلمين في الحكومة، إن قانون بلاده لا يفرق بين لون أو عرق أو ديانة، بل كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات.

 

القصر الملكي في بنوم بنه حيث أقامت العائلة الملكية الحاكمة لقرون من الزمن وقد تحول لفضاء يستقبل مئات السياح يوميا (الجزيرة)

في مطلع الألفية الثانية، بدأت مملكة كمبوديا تشهد ازدهارا واسعا على كافة الأصعدة، حيث ساهمت حركة البناء في استعادة المدن لرونقها وجمالها، كما ساعد دخول الشركات الأجنبية للاستثمار العقاري في توسيع الأنشطة التجارية، من بناء ناطحات سحاب، وأسواق تجارية، وفنادق ومنتجعات، منحت للسياح الأجانب رفاهية الإقامة، ويسرت لهم التعرف على عوالم المملكة التاريخية.

ويؤكد أحمد صالح أن المؤسسات التعليمية الخاصة قد شجعت أبناء المسلمين على الالتحاق بالصفوف الدراسية، كما أن تحويل نظام التدريس الحكومي من اللغة الفرنسة إلى الإنجليزية كلغة ثانية قد كسر حاجز الاندماج مع العالم المتقدم، ويسر لكثير من الجامعات الدولية فتح أبوابها داخل المدن.

يقول تشين "رغم سياسة الإقصاء التي مورست على شعبنا، فإنه اليوم يشارك عبر المتاحف والمناهج التعليمية ماضيه مع العالم، بعد أن تصالح مع هويته، نحن اليوم ننظر للمستقبل، فالماضي لا يمكن تغييره ولا يمكن أيضا نسيانه".

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/17-

حكايات مجازر الخمير الحمر.. استئصال الأقليات والمعارضين

حكايات مجازر الخمير الحمر.. استئصال الأقليات والمعارضين
ما زال يضع الطاقية البيضاء على رأسه، ابتسامته الواسعة تعلو محياه، وصوت خفيض يحدثك عن تاريخ لا تنتهي حكاياه. إنه أحمد صالح، أحد الناجين القلائل من مجازر الإبادة الجماعية التي ارتكبها الخمير الحمر في سبعينيات القرن الماضي.

زرت صالح في مكتبه، حيث يدير إحدى أكبر المؤسسات التعليمية التي تستهدف الأقلية المسلمة في العاصمة بنوم بنه. كان إلى جانبه رجل في نفس سنه تقريباً، قدم لي نفسه على أنه مواطن فرنسي، وعلمت أثناء جلستنا أنه ناج آخر وصديق حميم لأحمد صالح، وأنه قد حصل على الجنسية الفرنسية بعد فراره من كمبوديا. فهناك درس وتزوج، ونسي أرضا لم تمثل له سوى بيت يداهمه مجموعة مسلحين ليلا، ووطن تمنى لو أنه لم ينتمِ إليه يوما!

يحكي صالح عن تلك المرحلة المظلمة ويقول "كان الخمير الحمر مصممين على إبادتنا جميعا، كانت مشكلتهم معنا كبيرة، فنحن بالنسبة إليهم لسنا كمبوديين، بل لاجئين فيتناميين، ناهيك عن أننا مسلمون".

وكان الخمير الحمر بعد توليهم السلطة سنة 1975 بقيادة الزعيم بول بوت، قد حولوا البلاد إلى حالة من الفوضى العارمة. كل الأرقام المتوفرة إلى الآن لا تعبر عن العدد الحقيقي للضحايا الذين سقطوا خلال أربع سنوات، كما يقول أهالي من قضوا نحبهم في تلك الفترة.
الشيخ أحمد بين ولديه صفاء وموسى وهما من يديران في أغلب الوقت مهام المؤسسة  (الجزيرة)

لكن معلومة مؤكدة اعترف بها قضاة المحكمة التي أقيمت بدعم من الولايات المتحدة الأميركية لمعاقبة كل المتورطين في الإبادة الجماعية بين سنتي 1975 و1979، أشارت إلى أن أكثر من 1.5 مليون قد ماتوا إما بالإعدام أو بالأعمال الشاقة أو تحت التعذيب أو دفنوا أحياء في مقابر جماعية، وليس أكثر شهادة على ذلك من متحف الإبادة بالعاصمة بنوم بنه.

كان عمر صالح وصديقه الفرنسي -كما يحب أن يعرّف نفسه- 17 عاما عند بداية الأحداث، كانا صديقين في المدرسة وقد فرقت الحرب بينهما سنوات. أثناء حكم الخمير الحمر لم يعتقدا يوما أنهما سيعيشان، وعند هروبهما لم يعتقدا ولو للحظة أنهما سيعودان إلى أرض الوطن.

يحكي صالح "قتلوا كل من في قريتي ولم يتبق سوى قليل من السكان على قيد الحياة، كنا نحاول التواصل مع إخوتنا التشاميين في فيتنام، لكن الحدود بين البلدين كانت مغلقة"، ويضيف "لم نعرف النوم أشهرا طويلة، كنا نحمد الله كل صباح أننا ما زلنا على قيد الحياة، كان الجنود يأخذون كل الشباب للعمل في مزارع الأرز، حتى الفتيات كن يجبرن على مغادرة أسرهن والعمل في الحقول، دون أن يسمح لهن بالعودة إلى ذويهن أو حتى معرفة ما حل بهم".

ويؤكد صالح أن الشيوخ والأطفال غالبا ما كانوا يُقتلون بعد ترحيل الشباب القادر على العمل، لأن الخمير الحمر كانوا يعتقدون أن تلك الفئات من المجتمع تهدد اقتصاد البلد. ويشرح كيف أن الزعيم بول بوت -أو الأخ الأكبر كما يسميه مناصروه- حاول أن يطبق شيوعية لم ينجح حتى الاتحاد السوفياتي في تطبيقها، إذ قام بقتل كل المثقفين والفنانين، بل حول المدارس إلى ثكنات عسكرية والمؤسسات العامة إلى سجون للتعذيب.

قال لي الصديق الفرنسي موسى مقاطعا "كان يؤمن بالزراعة فقط، وقد قال أكثر من مرة إن المجتمع الذي لا يزرع ما يأكله مجتمع ميت".

إطلالة من الطابق العلوي على ساحة مؤسسة الإحسان التعليمية في العاصمة الكمبودية (الجزيرة)

إن الرجوع إلى تلك الحقبة وفتح الحديث عنها ليس أمرا يسيرا على من عايشوها، فما مرّ عليهم لم يكن حربا بين بلدين، ولا حتى حكم نظام دكتاتوري كبقية الأنظمة الدكتاتورية في العالم والتي يكفي انقلاب أو ثورة لتنهي تاريخها، بل إنه الشيطان بعينه كما عبرت لي "آزي"، وهي من أصول صينية وحفيدة لإحدى الناجيات.

تقول آزي "لقد قتلوا ثلث شعبنا. مات كل من كنت أعرفهم، تقول لي أمي إنهم كانوا يأتون إلى القرية ويسألون عن الفتيات ليذهبوا بهن إلى التجنيد الإجباري. كانت تموت كل من ترفض أمرهم أو حتى تناقشهم فيه"، وتضيف "عندما علمت أمي بحملها وهي تعمل في مزارع الأرز أرادت الهرب، لكن إحدى المسؤولات تعاطفت معها وخبأتها في أحد الإسطبلات، وقد بقيت هناك حتى ولادتي".

لم تقتصر الإبادة الجماعية على الأقلية التشامية المسلمة، فقد كان الخمير الحمر يعدمون كل الأقليات الأخرى. فالصينيون مثلا -وهم الأقلية الأكثر حضورا هنا- تعرضوا للمآسي نفسها، وعوملوا المعاملة العنصرية ذاتها، بالرغم من أنهم كانوا على دين الخميريين نفسه؛ فما كان الخمير الحمر يطمحون إليه هو تأسيس دولة كل أبنائها من العرق الخميري الصافي.

يحكي صالح عن نجاته فيقول "ذات ليلة تمكنت وصديقي موسى -وكان معنا بعض الأصدقاء الآخرين أيضا- من التسلل إلى ماليزيا، كانت مغامرة أهون علينا من الموت مكتوفي الأيدي. وصلنا إلى هناك، وتفرقنا بعدها، كنا نعتقد أن جنود الخمير الحمر سيلاحقوننا، لهذا فضلنا الابتعاد ما أمكن عن كمبوديا".
 
هذه البناية القريبة من وسط المدينة تخلد لفترة حكم بول بوت الدموية (الجزيرة)


ويضيف "بعد ماليزيا ذهبت إلى باكستان ودرست هناك، ولم أكن أعرف مصير إخوتي في بلدي ولا حتى مصير أصدقائي الذين هربوا معي. كانت المعلومات عن كمبوديا شحيحة جدا، أما ما يرتكبه الخمير الحمر من مجازر فلم يكن يعلم به أي أحد تقريبا، ولخوفنا الشديد لم نتجرأ على أن نتحدث عن ذلك إلا بعد ذهابهم وبدء محاكمتهم بشكل رسمي وعلني".

كانت باكستان أول وجهاته، بعد ذلك ذهب إلى مصر وهناك درس في الأزهر الشريف وتخرج فيه، وفي باحته التقى بمسلمين من أصقاع العالم وتعرف على تشاميين أيضا، أما صديقه موسى فقد ذهب مباشرة إلى باريس مع أصدقاء آخرين، ولم يدر ببقاء صديقه أحمد على قيد الحياة سوى مطلع عام 2000.

يقول لي موسى باللغة الفرنسية التي يحبها والتي يعتبرها لغة الهوية التي اختارها عن قناعة، "بقي عدد من الأصدقاء في ماليزيا، إذ إن وضعهم المادي لم يكن يسمح لهم بالابتعاد أكثر من ذلك، أما أنا فقد اخترت فرنسا، وقد كنت أتقن لغتها بحكم أنها كانت اللغة الرسمية في كمبوديا حينها، إضافة إلى أنني فضلت عدم الذهاب إلى بلد مسلم، فما حدث لنا كمسلمين جعلني لسنوات طويلة أخاف من التعريف بهويتي مسلما، ناهيك عن كوني كمبوديًا".

وعلى خلاف أحمد صالح، فموسى يلبس على الطريقة الأوروبية، وهو حليق اللحية ولا يمسك في يديه مسبحة. "إنني آتي إلى هنا فقط لأجل أن أرى صديقي أحمد، أنا سعيد جدا بعودته وبهذا المشروع الرائع الذي يقوده، فنحن لم نكن نتخيل يوما أن بإمكاننا أن نرى بناتنا يرتدن المدارس، إنه لعمل رائع بالفعل".

مدينة بادامانغ المعروفة بتمثال دامبونغ شهدت في عهد حكم الخمير الحمر أكثر المجازر ترويعا (الجزيرة)


ورغم انتهاء عهد الخمير الحمر واستمرار محاكمتهم، وتطبيق معاهدة السلام في ربوع المملكة، فإن كثيرا من مظاهر تلك الفترة المؤلمة ما زالت جلية إلى اليوم.

فالمسلمات مثلا لم يسمح لهن بارتداء الحجاب إلا بعد عام 2009، كما أن لغتهم الأم -وهي التشامية- ممنوعة من التدريس في المدارس الحكومية، فضلا عن مشاركتهم في الحياة السياسية التي حرموا منها سنوات طويلة، وإن كان لديهم اليوم وزير في الحكومة هو عثمان حسن.

ويطمح المسلمون اليوم -عبر المدارس الإسلامية الخاصة التي توفر منحا للطلاب والطالبات، ومكافآت للأيتام، وسكنا للطلبة البعيدين عن ذويهم- إلى نشر الوعي وسط المجتمع التشامي المسلم، لخلق جيل منسجم ما أمكن مع هويته ومتصالح مع ماضيه وحاضره.

"الماضي للماضي كما يقولون، لقد عانى الجميع بما يكفي، حتى الخميريون لم يحلموا بحياة هانئة أثناء حكم الخمير الحمر، لقد تحول الطبيب إلى مزارع، وأعدم الطبيب الذي رفض أن يترك عيادته ويعمل في الحقل".

رئيس الدولة وزوجته(وسط) أثناء الإفطار الرمضاني الذي ينظمه الرئيس لمد الجسور مع الأقلية المسلمة (الجزيرة)


ويضيف صالح "علينا الآن أن ننظر إلى المستقبل. اليوم والحمد لله لدينا مفتٍ يمثلنا كمرجعية دينية، ولدينا وزير يرفع مطالبنا إلى الحكومة، ولدينا عدد كبير من المدارس، ونستطيع أكثر من أي وقت مضى أن نتحدث عن أنفسنا وأن نعرف الآخرين على هويتنا، فأغلب الخميريين ما زالوا يعتقدون أننا لاجئون فيتناميون ولسنا مثلهم أهل بلد منذ أكثر من ستة قرون".

أثناء كتابتي هذا التقرير تلقيت دعوة شخصية من الوزير عثمان حسن لحضور إفطار ينظمه رئيس الوزراء "هون سون" في قاعة دايمند بجزيرة بيتش، وقد حضر الإفطار الرمضاني أكثر من 4600 شخص، بما فيهم رجالات السياسة والدين. هون سون الذي يشغل منصب رئيس الوزراء لأكثر من ربع قرن، شاهد على ما ارتكبه الخمير الحمر من جرائم، وقد كان من أوائل من وقف ضدهم منذ البداية.

وجاء في كلمته التي ألقاها أثناء الإفطار الذي ينظم منذ أربع سنوات منتصف كل رمضان، أنه على الدول المجاورة أن تستفيد من تجربة كمبوديا في التعايش.

عثمان حسن وزير المسلمين كان أحد الحاضرين أيضا، وقد قال لي أثناء زيارتي له في ورشة بناء يشرف عليها لأحد أكبر الأسواق التجارية في العاصمة، "نجحنا في الوصول إلى الحكومة، فبالأمس كان لدينا مساعد نائب برلماني فقط. أعتقد أن كمبوديا اليوم تؤكد على مبادئ التعايش والسلام، وتعتبر مثالا جيدا في المنطقة".

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/17-

معبد أنغور وات.. بصمة استبداد خميرية خالدة

معبد أنغور وات.. بصمة استبداد خميرية خالدة
على سهول وسط كمبوديا حيث تفيض مياه نهر ميكونغ، يرتفع أضخم معبد في آسيا معبد "أنغور وات"، أحد أكبر معابد العالم. ولا تستغرق الرحلة إليه من مدينة سييم ريب أكثر من ثلث ساعة بالسيارة.

اشترينا تذكرة ليوم واحد بـ37 دولارا لزيارة هذا المعبد، ثم اكتشفنا أننا داخل مدينة كبيرة جداً وليست مجموعة معابد فقط، وأن التجول في هذه المساحات الشاسعة يتطلب منا شراء تذكرة لثلاثة أيام. فنحن الآن في مدينة أنغور القديمة قدم الشعب الخميري.

يقول المرشد السياحي عن تاريخ المدينة "تشان"، إنها كانت للملوك الخمير وإنهم كانوا يدينون بالهندوسية، قبل أن تحول كل آثارهم إلى معابد بوذية في القرن الثالث عشر. لكن قصة بناء معبد أنغور وات -وهو الأضخم من بين أكثر من سبعمئة معبد- تؤرخ لفترة حاكم مستبد كان يدعى "سيريافرمان الثاني"، أسس مملكته بالانقلاب على عمه الملك".

يضيف المرشد "كان عمر الحاكم حين انقلب على عمه أقل من 15 سنة، وقد دبر كمينا لعمه أثناء إحدى رحلاته بالإمبراطورية، فتمكن من قتل فيله العظيم والاستيلاء على التاج الذهبي، حينها تمت مبايعته من طرف كل الخميرين، فقد كان القول الفصل للقوة آنذاك".

الصخور التي بنى بها الخميريون الأوائل أعظم مدنهم أنغور وات (الجزيرة)

ويؤكد تشان أن معبد أنغور وات بني لأسباب دينية محضة، إذ إن الملك المنقلب كان يريد أن يضمن تأييد كل الشعب له، عن طريق تشييد بناء ضخم لم تعرف مثله الإمبراطورية قبل سنة 1213 قبل الميلاد، ولكي ينجح في ذلك، ادعى أنه إله "فقام بحشد كل الناس في هذا المشروع المعماري الفريد، حتى ينتهي من بنائه قبل وفاته، إذ لا يمكن للملك نصف الإله، أن يلتحق بالآلهة في الدار الآخرة قبل أن ينتهي من تشييد جنته على الأرض".

تلك الجنة هي معبد أنغور وات، إذ صممت أبراجه الشاهقة على طراز الجبال، وهو ما يرمز للجنة في الثقافة الهندوسية. كما أن اتجاه المعبد كان على خلاف كل معابد كمبوديا المتجهة إلى الشرق، إذ أراد الملك الجديد أن يجعل من جهة الغرب التي يتجه إليها المعبد بوابة للجنة، وقد اختار الإله "فيشنو الهندي" الذي يقبض الروح، راعيا له.

تحيط بالمعبد الضخم قناة مائية كبيرة جدا، ويتنقل الزوار هنا على الدراجات الهوائية أو النارية أو بالسيارات أو "التوك توك"، ينتظرون غروب الشمس ليشاهدوا منظره الساحر، ويأتون إلى هنا قبل شروق الشمس، ولولا كاميرات الهواتف الذكية التي تتسابق على أخذ الصور هنا وهناك، لحسبت أن الزمن قد توقف بالفعل منذ مئات القرون.

في كل الممرات التي تفصل حجرات المعبد، ينتشر الكهنة البوذيون بلباسهم البرتقالي، البعض منهم يجلس على حصير وأمامه طابور من الناس، والبعض الآخر يسهر على تماثيل الآلهة المزينة بلباس الساري، فيشعل بقربها بخور الصندل، ويتلو عليها بعد الترانيم.

في رواق الآلهة هذا يأتي الزوار للدعاء وطلب البركة والحماية من الكهنة  (الجزيرة)


ألقيت التحية على أحد الكهنة، وجلست قبالته، مددتُ له يدي ليرشها بالماء المقدس ويقرأ عليّ بعضا من ترانيمهم المباركة، ثم أخذ شريطا صوفيا أحمر اللون على شكل ضفيرة، وربطه حول يدي وقال لي "دعيها معك لثلاثة أيام لتحميك". سألته وماذا عن مستقبلي؟ فردّ عليّ "نحن هنا لإبعاد الأرواح الشريرة عن معابدنا ولسنا عرّافين، لا تقلقي من المستقبل، فالزمن يشبه الحلزونة.. دوار!".

يحدثني تشان عن المعبد ويقول "تم الانتهاء من أشغال المعبد في ثلاثين عاما، رغم الأدوات البدائية جدا في البناء، والحرارة المفرطة والبخار الذي ينتشر في تلك الغابات المطيرة التي اقتلعت أشجارها وتحولت إلى هذا البناء الهائل".

كانت تحديات العمال كبيرة جدا، فمن جهة، كان الوقت يداهمهم، إذ عليهم إتمام المشروع قبل موت الملك، ومن جهة أخرى، كان موسم الأمطار الغزيرة الذي يستمر لأكثر من ستة أشهر يفسد عليهم ما أنجزوه خلال موسم الجفاف".

تبلغ القناة المائية الضخمة حوالي خمسة كيلومترات وعرضها يتجاوز مئتي متر، وقد شيدت لجمع الفائض من الأمطار الموسمية للتقليل من منسوب المياه الجوفية. وبذلك يحافظ الماء الذي تم امتصاصه من خزان مياه الخندق على انتظام المياه الجوفية في موسم الجفاف.

أحد أروقة المعبد الخارجية لمعبد أنغور وات (الجزيرة)


تقول أستاذة التاريخ في بنوم بنه "دافي"، "يعتبر معبد أنغور من أعظم الإنجازات التي تخلد للعصر الذهبي للإمبراطورية الخميرية، لكن علينا ألا ننسى المعابد الأخرى أيضا بمدينة أنغور، والتي بنيت بالرمل الذي تم انتشاله لبناء أعمدة الأساس، وقد كان اكتشاف صخور الرمل المبللة التي تتكون عليها طبقات من الحديد والنحاس بفضل الشمس، مفتاحا لاستبدال الخشب في البناء بتلك الصخور".

وتشرح لي كيف أن البنائين كانوا يقومون بتشكيلها وتقطيعها قبل أن تجف تماما، ثم بعدما تتحول لصخور صلبة يقومون بخرقها بواسطة أعمدة ليتمكنوا من حملها.

كانت كمبوديا في سنة 1200 قبل الميلاد تضم مملكة كمبوديا الحالية وتمتد إلى لاوس، وقد أراد الملك المنقلب على عمه أن يشيد معبده وسط المدينة المحصنة من الأعداء، فوفر لشعبه كل ما يحتاجه من أكل وشرب ومعابد للصلاة وسهول شاسعة للزراعة.

القناة المائية العظيمة المحيطة بمعبد أنغور وات (الجزيرة)


تقول دافي إن "آثار الإمبراطورية لم تحظ بالاهتمام الكافي من العلماء، رغم أني أرى أن ما أنجزه المعماريون من فن عبقري يفوق بمراحل ما خلفه لنا المصريون القدامى والرومانيون أيضا".

في عهد الخمير الحمر، تعرضت كثيرٌ من المعابد في كمبوديا للهدم، كما لم يسلم هذا المعبد -المصنف كتراث عالمي- من القذائف التي ما زالت الثقوب الموجودة في بعض الأسوار شاهدة عليها. وتستقبل مدينة أنغور ملايين السياح سنويا، غير أن القائم على رعايته شركات أجنبية وليست الحكومة.

يقول أحد الرهبان في العاصمة "هذا المعبد من أكثر الأماكن المقدسة لشعبنا، يزوره المؤمنون من دول كثيرة، بل حتى كثير من أتباع الهندوسية المنتشرين في الدول المجاورة يأتون إليه، لكن شعبنا لا يستفيد من عائداته للأسف، بل قليل منهم من سبق أن زاره".

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/17-

متحف أنغور.. يوثق العصر الذهبي للخمير

متحف أنغور.. يوثق العصر الذهبي للخمير
بعد تشييد مطار مدينة "سييم ريب" سنة 2006، أصبح الزوار يتوافدون بالملايين سنويا إلى المدينة مباشرة، دون الحاجة إلى النزول في العاصمة بنوم بنه ثم ركوب حافلة في رحلة تستغرق ست ساعات على الأقل.

يقول تشان -العامل في متحف أنغور الوطني- "أكثر الزوار يأتون إلى كمبوديا بالأساس لزيارة مدينة أنغور التاريخية، وبالخصوص معابدها، لكن الجولة هناك متعبة ومكلفة، لهذا فإن المتحف أضاف أشياء كثيرة، من بينها اختصار الوقت على الزائر، وشرح مفصل للأحداث التاريخية المنسية حتى لمن ليست لديه أي فكرة عن مملكة الخمير".

افتتح متحف أنغور الوطني عام 1998، إلا أن الإقبال على زيارته بدأ قبل سبع سنوات فقط، وهو يضم عدة صالات موزعة على طابقين، وهناك ثماني صالات أخرى للعرض بشاشات كبيرة ومقاعد خشبية وجلدية، تعرض تاريخ حضارة الخمير وتراثهم الثقافي.
 
متحف أنغور الوطني يزوره يوميا من 300 إلى 1000 شخص (الجزيرة)

ويحتوي المعرض على أكثر من ألف تمثال لبوذا، فضلا عن التحف الثمينة التي تخلد الفن المحلي، وكذا مجسمات مصغرة لمعابد استحالت اليوم إلى أماكن زيارة واستقطاب للسياح، كما تتوزع أجمل منحوتات أنغور على أروقة المتحف التي تبلغ مساحتها حوالي ألفي متر مربع.

إن أقل ما تحتاجه لزيارة كل المتحف هو أربع ساعات، لكن لا تقلق فثمة مطعم إن أصابك الجوع، وكراسي للاسترخاء داخل الصالات وخارجها.

يقول تشان "نستقبل أكثر من ثلاثمئة إلى ألف زائر يوميا، وأغلبهم من الصين، لكن يأتينا في المواسم زوار من أوروبا وأميركا ومن كل أقطار العالم".

في آخر بوابة من المتحف بالطابق الثاني، يوجد معرض للتحف الخميرية: ديكورات منزلية من خشب الخيزران والبامبو، وأثواب وألبسة محلية، وبنٌ، وصابون، وشاي كمبودي، وزيوت تدليك من الأعشاب المحلية، وإكسسوارات من الفضة تعيدك لطراز عاش عليه الخميريون قرونا قد خلت.
 
الآلهة التسعة تمتطي سبعة حيوانات مختلفة (الجزيرة)

وقبل الولوج إلى هذه الصالة، تجد عن يمينك مكتبا وضع عليه مجلد لكتابة الملاحظات وقلم، وهو يضم كلمات كلِّ من مروا من هذا المكان وسجلوا انطباعاتهم، والمثير أن هذا المجلد يغير كل يوم منذ سنوات، إذ إن صفحاته لا تتسع لأكثر من زوار اليوم الواحد.

يحكي تشان: "خلال العصر الذهبي لإمبراطورية أنغور -أو مملكة الخمير، وهي واحدة من أقدم الحضارات في هذا العالم- أعطي للفن والثقافة كثيرا من الاهتمام، خصوصا من الملوك والكهنة والآلهة، وكان أكبر إنجاز لهم هو الهندسة المعمارية الفريدة المتجلية في مدينة أنغور الشهيرة، والتي لا يوجد لها مثيل لا في الهند، حيث منبع الدين الأول للخمير، ولا في الصين التي استفردت بالبوذية والذي أصبح الدين الجديد للكمبوديين فيما بعد. إنه مزيج مدهش من تأثير الثقافات المتنوعة على هذا البلد".

ويقدم المتحف لزواره قصصا مصورة عن تلك الحقبة التاريخية، من خلال آخر ما توصلت إليه تكنولوجيا الوسائط المتعددة. كما يقدم المتحف خدمة جهاز الترجمة لثماني لغات، هي الخميرية والإنجليزية والألمانية والفرنسية والكورية واليابانية والصينية والتايلندية.
مجسم لبوذا مستلق على جانبه الأيمن (الجزيرة)


أثناء شرائنا التذاكر، كان علينا الاحتفاظ بالأمتعة في صناديق المستودعات عند المدخل الرئيسي، وقيل لنا إنه يمنع التصوير منعا تاما، ويغرّم كل من ضبط وهو يصور غرامة قدرها خمسمئة دولار للصورة الواحدة.

لكن صديقنا تشان -الذي يعمل في المتحف منذ أكثر من سبع سنوات- ساعدنا في التقاط صورة لكل القطع الأثرية المعروضة، وسنقوم بعرض أبرزها على الإطلاق مع لمحة مقتضبة عن قصتها، وذلك بالنظر إلى اعتبارين: أولهما قيمتها عند الخمير، والاعتبار الثاني أنها لا تتوفر في معابد مدينة أنغور، إذ تم نقلها إلى المتحف سنة 2010 للاحتفاظ بها كتراث وطني.

 
السابق

السابق

التالي

السابق

-7/17-

قوم جمعة.. مسلمون بتقاليد هندوسية

قوم جمعة.. مسلمون بتقاليد هندوسية
في قرية أوررساي وسط مملكة كمبوديا، يقع جبل أودونج، تحيط به مجموعة من المنازل الخشبية المحلية وأشجار المانغو وجوز الهند ونباتات عطرية ترسم لك الطريق المؤدي لقمة الجبل، حيث معقل جماعة تدعى "قوم جمعة".

قبل الوصول إلى معبدهم -أو مسجدهم كما يطلقون عليه- مررنا ونحن نصعد السلالم المصنوعة من خشب البامبو بمعبد بوذي، قيل لنا إنه لطائفة بوذية هي الطائفة "البرغمية"، وهي أقرب في طقوسها للهندوسية، فلا عجب إن رأينا تنانين تلف بوابة المعبد المعتمة ولباس الساري على تماثيل بوذا وأتباعه. لكن رحلتنا كانت إلى "قوم جمعة"، أو جماعة الزاهدين، لهذا واصلنا السير مرهقين إلى أن بلغنا قمة الجبل.

كان إلى جانب مئذنة المسجد الصغير طبل كبير، وتحيط بالمسجد من كل جوانبه حشرة الخنفساء، حتى إننا وجدنا صعوبة في فتح بابه الموصد وإلقاء نظرة على الداخل.
 
مسجد الإمام حسن أعلى قمة الجبل (الجزيرة)

قال لي عجوز يرتدي ثوبا أبيض بإنجليزية متقطعة -وقد علمت لاحقا أنه حارس هذا الضريح أو مسجد الإمام حسن- "إنه مسجد مبارك، تقام فيه الصلاة دوما، ويعتكف داخله المؤمنون أيام رامون المقدس"؛ ثم أضاف وقد لاحظ انزعاجي من الخنافس المتكتلة حتى على جذوع الأشجار بساحة المسجد الصغير، "إنها تصلي للمرحوم الشيخ حسن، لا تخافي، هذا المقام المحروس زاره المفتي الشيخ كنو كاي دم وصلى داخله، وكل سنة يأتي الحجاج من كل ربوع المملكة، بل من أتباعنا في فيتنام، للصلاة فيه".

تنتشر جماعة الزاهدين -أو قوم جمعة- في كل قرى ومحافظات مملكة كمبوديا، وهم "تشاميو" العرق واللغة، وعددهم يتجاوز 150 ألفا من أصل مليون مسلم تشامي هنا.

يدعون أنهم المسلمون الأوائل، عندما تحول التشاميين في القرن 16 من هندوسيين إلى مسلمين عن طريق التجار العرب الذين وصلوا إلى فيتنام، بلدهم الأصلي، كما تشير المصادر التاريخية.

ولعل هذه الحقيقة تبدو منسجمة جدا مع معتقدات الجماعة وطقوسها، فمساجدهم المنتشرة مثلا في محافظة "كمبونتج جهناتج" و"بامبونج" و"بوست"، لا يرفع فيها الآذان رغم وجود مئذنة، بل تقرع الطبول حتى في أيام الأعياد والمولد النبوي، أما زينة مساجدهم فهي تماما كتلك التنانين الكبيرة التي صادفتنا عند معبد البراغميين ونحن نصعد السلالم.
عتبة مسجد الإمام حسن والسواد الظاهر هو تكتلات لخنافس استقرت هنا على مر السنين، لا يتم تنظيف المكان مخافة إيذائها (الجزيرة)

أما سبب التسمية بـ"قوم جمعة" فقد كان لاعتقادهم بوجوب أداء الفرائض الخمس من قبل إمام موكل مقابل المال، بينما لا يجب على عامة المسلمين سوى أداء صلاة الجمعة، وصوم ثلاثة أيام من رامون، أي شهر رمضان الكريم.

سألت الشيخ إن كانوا يقرؤون القرآن، فقال لي "نعم نحن نقرأ القرآن ونقرأ الغريد"، وأضاف متحدثا عن الصلاة "لكن لدينا تسمياتنا الخاصة للصلوات إذ نسميها بأسماء الأنبياء، فنقول صلاة عيسى وصلاة موسى وليس صلاة الصبح وصلاة الظهر".

يعتبر كتاب الغريد مصدرهم الثاني بعد القرآن، وفيه سورة الملك وسورة الكهف وبعض الأدعية والأذكار الخاصة، بلغة تشامية تختلف نسبيا عن اللغة التشامية المتداولة اليوم، وهذا ما يعتبرونه دليلا قاطعا على أقدمية معتقدات جماعتهم.

وعن شهر رامون، قال لي حسن صالح -وهو مدير مدرسة إسلامية جديدة بنيت وسط أكبر قرى قوم جمعة- "إنهم يعبدون أجدادهم وآباءهم الميتين في هذا العيد كما يسمونه، يصومون ثلاثة أيام ثم تعد النساء الأكل في المنازل وتأتي به لمساجدهم. المعتكفون هناك يحرصون على الأكل قليلا خلال الإفطار والسحور، وهم من يصوم نيابة عن الآخرين. إنهم رهبان مستأجرون، فلكل فرد راهبه الذي ينوب عنه في تأدية الفرائض".


مؤسسة أبي بكر التعليمية بمنطقة الزاهدين لتشجيع أبناء الأسر للتعليم (الجزيرة)


لكن حارس الضريح كان له كلام آخر حول ما يمثل شهر رمضان بالنسبة لقوم جمعة: "رامون بالنسبة إلينا شهر كبح للملذات والشهوات، في مساجدنا ترتفع الأصوات بتلاوة القرآن والغريد، ولا يسمح للمؤمنين الحديث إلى ذويهم، وبالأخص إلى نسائهم، سوى للضرورة وخارج أسوار البيت. إننا لا نأكل سوى ما يسد جوعنا، ونحن نعتبر أن كل حبة أرز تسقط أرضا خلال الأكل، ذنب عظيم".

ولعل قول الشيخ يجسد معنى آخر من معاني تسميتهم بالزاهدين. فخلال الشهر المبارك، يلبسون ثيابا بيضاء رجالا ونساء، ويزينون قبور الأجداد بالزهور والورود، وبعد تنظيف المقابر من الحشائش والأتربة العالقة، يقدمون لأرواحها الحلويات المعدة منزليا. إنهم يعتقدون أن من تلك الأرواح ما يعود ويتجسد في روح مولود جديد، ولهذا فإن عليهم مواصلة تنظيف المقبرة وعدم إهمالها حتى لا ينتقل مرض أو عدوى للنسل الجديد.

أما ما يقدم للموتى من طعام عدا الحلويات فهو من المطبخ التشامي الأصيل، مثل "تسغو جرواك"، و"بانج وين"، و"كاغي" و"كوغيغ" أو حتى اللحم بالكاري، كما يتم إحراق العود والدعاء للأجداد بذكر أسمائهم اسما اسما.

يقول لي الحارس "من أجل أن تستيقظ الأرواح وتأكل الحلويات، علينا أن نكتب آيات من القرآن ومن الغريد على أوراق صغيرة ونضعها تحت الصخور. إنه تقليد قديم ومقدس عندنا".

قبر الإمام حسن في قرية الزاهدين (الجزيرة)


في هذه القرية التي تعتبر المركز الأساسي للجماعة، يحاول بعض المسلمين من العرقية نفسها أن يوفروا فضاءات تعليمية لأبنائها، خصوصا أن أغلب أتباع الجماعة لم يحظوا بتعليم حكومي.

يقول حسن صالح "في البداية تعرضنا لحملة شعواء من قبل كبار مشايخهم، كانوا يعتقدون أننا هنا من أجل تغيير معتقداتهم. صحيح أننا نرى أن إسلامهم ليس صحيحا وأن كثيرا من معتقداتهم هي في الأصل بوذية أو هندوسية، لكن همنا كان هو النهوض بالمستوى التعليمي العام لأبناء القرية، فربما كبر هذا الجيل والتحق بالجامعة في العاصمة وعاد منهم الطبيب والمهندس والصيدلي".

وكان حسن صالح قد ولد في القرية وترعرع فيها، وهو ابن أسرة من الزاهدين، لكنه يقول إنه اكتشف الإسلام الحقيقي عندما التحق بالجامعة وتعرف على أصدقاء مسلمين من دول أخرى. وهو من أبناء القرية القلائل الذين حظوا بفرصة للتعليم، ولحبه الشديد لقريته عاد واستقر فيها، بل رافق مفتي قوم جمعة الشيخ كنو كاي دم قبل رحيله إلى بيت الله الحرام سنة 2013.

يقول صالح "كان المفتي أول المعارضين لنا وأصبح بعد ذلك من أكبر المؤيدين لمشروعنا التعليمي، رافقني إلى بيت الله وحج معي، وهو شخص طيب جدا تماما كباقي أتباع الزاهدين، لكني أعتقد أن ابتعادهم عن التعليم أبقاهم في دائرة مغلقة منعزلين عن العالم كثيرا".

وقبل مغادرة القرية سألت الحارس عن تقاليد الزواج عند الجماعة، فقال لي "الزواج عندنا يتم بين الموكلين وليس المتزوجين، بمعنى أن الفتاة البالغة تستطيع أن تكلف رجلا ليخطب لها، والشاب البالغ يستطيع أن يكلف امرأة لتخطب له".

درج يؤدي لمعبد بوذي ومسجد جماعة الزاهدين في قمة الجبل (الجزيرة)


ويشرح لي أن الموكلة تذهب إلى السيدة المراد خطبتها وتقول لها إن فلانا أرادك زوجة له، ثم تنصرف وتنتظر ثلاثة أيام جوابا يأتيها من الموكل. وهكذا فإن عملية التعارف تتم بين الموكلين، كما أن عقد الزواج يتم بالطريقة نفسها، إذ ينوب الموكلان عن العريسين بشكل كامل.

أثناء نزولنا من السلالم لفتني اسم الجلالة واسم النبي محمد أعلى بوابة المسجد مع رسومات لتنانين، وكأنها صورة جلية عن امتزاج القديم بالجديد عند قوم جمعة، امتزاج عجيب بين ما ورثوه عن أسلافهم الهندوس وبين ما أبقاه لهم أجدادهم المنتسبون إلى الإسلام في القرون المتأخرة.

سألت الحارس عن ليلة 27 في رامون، فقال "ينزل الروح المقدس يوم 15 ليشفي الأطفال المرضى، أما ليلة 27 فنحن نواصل اغتسالنا مرتين كل يوم، أما أهالي العاكفين في المساجد، فإنه يسمح لهم لأول مرة بالذبح داخل البيوت وتوزيع القرابين على الأجداد الأموات أولا، ثم على الأئمة المعتكفين داخل المسجد".

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/17-

كمبوديا تنفض الغبار عن ملف التعليم

كمبوديا تنفض الغبار عن ملف التعليم
رغم المجهودات الكبيرة التي بذلتها كمبوديا لإحياء الحياة الدراسية بعدما كاد البلد أن يتحول إلى مزرعة شاسعة، فإن حواجز كاللغة وصعوبة الوصول للمؤسسات التعليمية ما زالت عائقا أمام تعلم أكثر من نصف الأطفال هنا. في منطقة جروي متري، البعيدة عن العاصمة بنوم بنه بحوالي ثلاثين كيلومترا، يجتمع في مؤسسة نور الإيمان التعليمية أطفال القرية المجاورة لنهر ميكونغ مع شروق الصباح، ليسطروا تاريخا جديدا لأبناء الصيادين.

يقول مدير المؤسسة الأستاذ أشعري "أبناء هذه المنطقة كانوا يساعدون آباءهم في الصيد، لكن التحاقهم بالمؤسسة رفع من طموحاتهم وأحلامهم. إنهم جيل القرية الجديد".

ويشرح أشعري كيف أن المؤسسات التعليمية الخاصة قد أنقذت قرى الأقلية المسلمة المتمركزة في منطقة كمبونتغ تشام، وكيف أن هذا المشروع الذي ابتدأ قبل عشرين سنة، قد أنقذ أبناء مئات الأسر من البطالة، إذ يشرفون الآن على هذه المدارس، فمنهم المدرسون، ومنهم من يقوم بالإشراف على الطلبة في الإقامات السكنية، ومنهم من ينظم الرحلات الثقافية لمناطق ما تزال إلى اليوم في عزلة تامة.


تضم مؤسسة نور الإيمان مسجداً داخلياً، وتطل على نهر ميكونغ (الجزيرة)


وتعتبر مؤسسة إحياء التراث الإسلامي، التابعة لجمعية جنوب شرق آسيا، أول من قادت المشروع التعليمي وسط الأقلية التشامية المسلمة بكمبوديا. ولديهم الآن أكثر من سبعة مراكز في محافظات مختلفة، وما لا يقل عن ستمئة طالبة ويتيمة.

ويقول بشير المروحي، مدير مركز الحضارة في بنوم بنه، القائم على أعمال الترجمة إلى اللغة الخميرية "كان أول من قاد زمام المبادرة رجل يدعى لي موسى، وهو أحد التشاميين العائدين من المنفى بعد رحيل الخمير الحمر".

ويؤكد المروحي أن معلوماته هذه سيوثقها الآن في كتاب يعده حول الأقلية التشامية قائلا "ساهم الرجل كثيرا في إقناع المسلمين بضرورة التعليم وركز على تعليم الفتيات، إذ أن كثيرا من الجماعات المنتشرة في المناطق المسلمة ما زالت تعتقد بعدم جواز تعليم الفتيات".

بدأت الحكومة في برنامجها للتطوير من مناهج التعليم، بالتعاون مع منظمات حكومية وغير حكومية، كمنظمة إنقاذ الطفولة، ووزارة التعليم والرياضة والشباب، ومنظمة كمبونتشان، من أجل القضاء على أوجه التفاوت في التعليم. إذ أن الأقليات هنا ما زالت تجد في اللغة عائقا أساسيا للالتحاق بصفوف الدراسة.

 
حفل تكريم الطلبة الأوائل بحظور أولياء الأمور والأساتذة (الجزيرة)

وفي هذا الصدد، يقول لي أشعري "الأقليات في بلادنا تتحدث لغاتها الخاصة، التشاميون مثلا لا يتحدثون الخميرية، وسكان المناطق الجبلية يتحدثون أكثر من عشرين لغة أصلية مختلفة، ولا يمكن أن تجدي أساتذة ومدرسين ممن يتحدث لغات الأقليات تلك، فكل من أتيح لهم الحصول على فرصة تعليم منذ عقود كانوا خميرا".

تعتبر الخميرية اللغة الرسمية في البلاد، وهي تدرس في كل المؤسسات التعليمية الحكومية، أما المؤسسات الخاصة فتدرس بالإنجليزية، أو الفرنسية، أو حتى العربية للأقليات المسلمة، لكن يبقى تحدي الخميرية أولوية بالنسبة لكل الطلبة الراغبين في الالتحاق بجامعات الدولة.

تقول لينا الطالبة بجامعة بنوم بنه من الأقلية التشامية "ما زلنا ندرس مناهج الطب بالفرنسية، وأعتقد أن أمر اللغة حاجز كبير للطلبة مثلي، فنحن نتحدث التشامية في منازلنا، ثم نتعلم الخميرية في المدارس الابتدائية، وفي المرحلة الثانوية نتعلم العربية والإنجليزية، وفي الجامعة نحن مطالبون بإتقان الحد الأدنى من اللغة الفرنسية لدراسة الطب".

ويقول زكريا محمد (الشهير بـ مات كرييا) وهو مدير القسم الإعلامي بجمعية الرحمة الكويتية إنه رغم كل الجهود الكبيرة التي بذلها التشاميون في التعليم، فإن عدد المسلمين الملتحقين بالجامعة لا يزيد على 1% "آخر إحصائياتنا تشير إلى أن 48% من الأطفال من التحق بالمدارس الابتدائية، وأقل من 20% بالمرحلة المتوسطة، ثم 2% فقط بالثانوية".
في أحد أقسام كلية الطب بالعاصمة بنوم بنه (الجزيرة)


ويؤكد أشعري أن مؤسساتهم التعليمية تعتمد على المنهج الحكومي في صفوفها، لتمكين الطالب من الالتحاق بالجامعات الحكومية "مدارسنا بمثابة الأقسام التحضيرية. فنحن نعد أبناء القرى للمرحلة الجامعية، نساعدهم في ضبط اللغة الخميرية أولاً، ثم نكتشف مهاراتهم لتوجيههم في اختيار التخصصات مستقبلا. وأعتقد أن التعليم سيساعد أقليتنا في بناء جسور التواصل مع الشعب الكمبودي".

التقيت يرلان مدير قسم المالية في جامعة زمان التركية بالعاصمة، وقد استقر هنا منذ سبع سنوات، وكان من بين من أسسوا مجموعة من المدارس منذ سنة 2000، انتهاء بالجامعة سنة 2014. يقول "30 % من طلابنا أجانب، يأتون من الدول المجاورة في العادة. في البداية وجدنا صعوبة في العثور على المدرسين، وكانت الكفاءات محدودة جدا، فاضطررنا للتعاقد مع أساتذة من دول أخرى، كفرنسا والنرويج وإسبانيا، وبريطانيا، وقد ساهم مجيئهم في استفادة المدرسين المحليين من خبراتهم".

ويؤكد يرلان أنه يوجد اليوم أكثر من 12 ألف مؤسسة تعليمية بالمملكة وأكثر من 11 ألف مدرسة موزعة على المدن فقط "الأطفال في القرى لا يستطيعون الوصول إلى المدارس، وهذا سبب مهم في بقائهم في حالة عزلة، كما أن نسبة كبيرة من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، والأيتام لا يجدون من يمد لهم يد العون".

رغم بساطة المكان إلا أنه يعد ملجأ لكثير من الأطفال غير القادرين على الانتقال للمدن للحصول على فرصة للتعليم (الجزيرة)


وكانت الحكومة قد أعلنت عن خطة إستراتيجية تهدف إلى توسيع وتحسين برامج التعليم، خصوصا في المرحلة الابتدائية، مع ضمان وصول الأبناء إلى المدارس، وأبناء الأقليات العرقية، كما أكدت ضرورة حصول ذوي الاحتياجات الخاصة على فرصة التعليم المجاني، وتقديم الدعم المادي لهم.

غير أن تلك المساعي ما زالت حبرا على ورق. فاليوم، تعتبر المؤسسات الخيرية الراعي الأول والأخير لتلك الفئات من المجتمع، وما زالت تناضل من أجل خلق البديل لأطفال الشوارع، والمتخلى عنهم، وآخرون مازالوا يعيشون تحت عتبة الفقر.

الطفلة "دارا" واحدة من المستفيدات من برنامج مؤسسة أطفال كمبوديا التابع لصندوق رعاية الطفولة الكمبودي، والذي أسس سنة 2004 على يد سكوت نيسون المنتج السينمائي السابق. وتقول "أنا هنا منذ خمس سنوات. اشتروا لأخي كرسيا متحركا، أنا أقضي كل السنة رفقة أسرتي الثانية، وفي العطل أذهب لزيارة أسرتي الأولى. أحلم بأن أصبح طبيبة وأعالج أخي لكي يقف مثلي ونركض معا".

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/17-

الثورة العقارية تقتات على حقوق العمال

الثورة العقارية تقتات على حقوق العمال
بعد وصولي إلى كمبوديا، التقيت ببعض الزملاء والأصدقاء لأستفسر عن ثمن شقة أو أستوديو مفروش قريب من مركز المدينة، فاقترح عليّ صديق يعمل بإحدى الشركات الأجنبية منذ أكثر من خمس سنوات، بضع شقق لا تبعد عن وسط العاصمة.

أثناء تجوالي، لاحظت أن أغلب العمارات المقترحة حديثة البناء، عمرها يتراوح بين شهرين إلى ثلاث سنوات على الأكثر، فشرح لي زميلي فيما بعد أن العاصمة لم تكن تعرف بناء أكثر من ثلاثة طوابق حتى حدود العام 2010، مع أول برج شيدته مؤسسة كمبوديا لاستثمار ما وراء البحار، وهو برج من 32 طابقاً، يضم مكتباً للبنك الكندي ومحلات تجارية وعقارية.

استأجرت في آخر المطاف شقة في "كوك توك"، ويحكي لي مالك العمارة -وهو كمبودي من أصول صينية- أن هذه المنطقة لم تكن قبل سنوات قليلة سوى أرض خلاء تفصل مركز المدينة عن المطار الذي يبعد سبعة كيلومترات، وأن عمارته تم الانتهاء من بنائها السنة الماضية فقط.
البناء التقليدي في كمبوديا حيث يرتفع البناء طبقات وبمساحات ضيقة (الجزيرة)

تعتبر منطقة "كوك توك" الآن مركزاً مهماً من مراكز المدينة، ففيها كثير من المستشفيات والجامعات المحلية والأجنبية أيضاً، ناهيك عن المحلات التجارية الكبرى في العاصمة.

وبعد شهرين من إقامتي، وصلتنا رسالة من مكتب الاستقبال في العمارة تقول إنه سيتم تشييد صالة رياضة على سطح البناية.

كان العمال يأتون في ساعات الصباح الأولى، ويواصلون عملهم إلى الخامسة مساء، سألت إحداهن عن عملها بعدما تفاجأتُ بوجود سيدتين تعملان بينهم، فقالت لي "أنا هنا منذ عشرة أيام فقط، وصلت أختاي قبلي.. إنهما تعملان في العاصمة منذ سنتين.. شخصياً، لم أعمل في البناء من قبل، ففي قريتنا الرجال هم من يشيّد منازلنا الخشبية".

ماري، فتاة لم تتجاوز 19 عاما، كانت تساعد أختيها في حمل الطوب وتتعلم الحرفة منهما، آملة أن تحصل على مهام أكبر في المستقبل لتتمكن من العودة إلى القرية.

قالت لي ماري إنها تتقاضى دولارين كل يومين، وإن أختيها تتقاضيان خمسة دولارات، لكن هذا يبقى غير مكافئ لما يتقاضاه الرجال عن نفس المهام، "فالبناؤون معنا يتقاضون من سبعة إلى تسعة دولارات يومياً.. هذا غير عادل، ولا يسمح لنا بيوم عطلة، وقد نُفصَل بكل بساطة".


العاملات في ورشات البناء أثناء فترة الاستراحة (الجزيرة)


تشتكي كثير من العاملات في قطاع البناء بكمبوديا من عدم المساواة ومن التمييز الذي يتعرضن له من قبل أرباب العمل، ولذلك تحركت في الآونة الأخيرة مجموعة من النقابات -أهمها اتحاد عمال البناء والأخشاب- لرفع مطالب العمال إلى الجهات المسؤولة ومساندة العاملات لتخطي المظالم التي يتعرضن لها في الغربة وقسوة الحياة اليومية التي يعشنها.

تقول ماري "أعيش الآن مع أختي، نبيت دوماً في نفس مكان العمل، هذا يوفر عليها ثمن استئجار بيت بـ 50 دولارا على الأقل، وثمن دراجة نارية، وتسديد فواتير الماء والكهرباء. لكن الأمر يكون سيئاً عندما نتعرض لتحرش لفظي من أحد العمال".

وسط هذه المدينة التي يسكنها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، تحتمي كثير من العاملات من صقيع الليل وأمطار النهار تحت أسقف بلاستيكية بين جدران لم يكتمل بناؤها.. بعد بضعة أشهر سيستحيل المكان إلى ناطحات سحاب، بينما ستزيد أجساد العاملين هنا نحافة، وسيضطرون مرة أخرى لجمع أغراضهم القليلة والبحث عن ورشة بناء جديدة تقضي على قوتهم المتبقية، وتشعرهم في كل مرة أن ثمن النوم مجاناً هو مواصلة حمل الطوب ومزج الطين والإسمنت.

سانغ كونغ، يعمل بنّاء لدى شركة يابانية شيدت قبل شهرين فقط واحدة من أكثر العمارات رفاهية في المدينة، إذ تحوي الشقة على كل التجهيزات الضرورية والكمالية أيضا، ويقول "عملت هنا خمسة أشهر رفقة زوجتي وابني الكبير، لديّ ثلاثة أبناء آخرين، لكنهم الآن في القرية مع جدتهم. في البداية كانوا يعطوننا 20 دولاراً في اليوم، وبعد ذلك سمحوا لنا بالمبيت هنا حتى حين اكتمال المشروع".

بعد نقلها لأكياس الرمل عليها أن تتخلص من القمامة قبل انتهاء دوامها (الجزيرة)


وعلى خلاف قطاع النسيج الذي يشهد ازدهاراً كبيراً في المملكة، والذي استطاع بفضل الحراك النقابي والضغط الحكومي على الشركات الأجنبية المستثمرة فيه من رفع رواتب العمال، ما زال قطاع البناء يعاني من عدم تطبيق قانون العمل، رغم ما يشهده من توسع كبير في الأعوام الخمسة الماضية.

يقول النقابي في اتحاد عمال البناء والأخشاب بورا أونغ عن وضع العمال في هذا القطاع، "كثير من العمال يخشون الانخراط معنا، يعتقدون أنهم سيطردونهم من العمل إن طالبوا بحقوقهم وإن بطريقة قانونية، وبعضهم أمضوا سنوات في العمل ولم يسمعوا بالنقابة بعد، أو ربما لا يفهمون ما الذي نقوم به تحديداً".

ويضيف أن "أغلب العمال والعاملات في هذا القطاع أمّيون، القليل منهم بالكاد يعرف الكتابة والقراءة، ورغم نجاحنا في إيصال مشاركة المرأة معنا إلى أكثر من 40% فإن كثيراً من العقبات ما زالت تواجهنا لإقناع العاملين بضرورة مطالبتهم بحقوقهم المشروعة".

عدتُ بتعليق النقابي إلى الصغيرة ماري، فكان ردها كالآتي "لم أصدق أن هناك جهة ما تدافع عنا.. في الحقيقة، سمعت من أختي أن الحديث عن هذه الأشياء قد يكلف حياتنا، أقل شيء سيطردوننا من العمل.. نحن هنا مضطرات لتجاوز بعض الأمور لنضمن لقمة عيشنا، فخلفنا أسر تنتظر نهاية كل أسبوع حصتها من المرتب، وفي العادة ما نرسله كاملا إليها".

قد يبدو غريباً عمل المرأة إلى جانب الرجل في البناء، خصوصاً أن نسبة العاملين فيه -حسب إحصائيات نقابة عمال البناء والأخشاب الدولية- بالكاد تصل 1% على المستوى العالمي. لكن نسبة مشاركة المرأة هنا تزيد عن الثلثين.

المنازل المحلية ترتفع عن الأرض بسبعة أمتار لحماية الخشب من مياه الأمطار الجارفة (الجزيرة)


ويؤكد النقابي بورا أن الحكاية بدأت قبل ثلاث سنوات، عندما طرد الجيش التايلندي كل اللاجئين غير الشرعيين ورحّلهم إلى بلادهم.. "كان الجيش يحاول كسب العالم بعد انقلابه، لكن الوضع اختلف اليوم، فحتى التايلنديون أنفسهم يأتون إلى العاصمة بحثا عن عمل".

ورغم كل المشاكل التي تحيط بهذا القطاع الخصب، فإنه وفر لآلاف الكمبوديين فرصا للعمل، وأملاً في بناء مستقبل أفضل، ناهيك عما تجنيه الشركات الأجنبية من أرباح خيالية.

يقول يرلان -وهو أحد الأجانب المقيمين في العاصمة، ويعمل مديرا لمكتب الإدارة المالية بإحدى الجامعات الأجنبية الخاصة- إن الشقق الفاخرة هنا قد تصل إلى ألفي دولار شهرياً، هذا ثمن الإيجار فقط، أما ثمن الكهرباء ففي العادة يتخطى 300 دولار. ويضيف "لديّ صالون وغرفتان.. شقتي مجهزة وهي في أحد المجمعات السكنية اليابانية، وأنا أدفع شهرياً ألف دولار شاملة لفاتورة الكهرباء، لكن الحي الذي أقيم فيه بعيد نسبياً عن المدينة فهو مجاور للمطار الدولي بالعاصمة".

ويؤكد لي يرلان أن أغلب المقيمين في هذه المجمعات السكنية أجانب، لأن أهل البلد لا يقدرون على دفع كل هذه المبالغ مقابل السكن، فمعظمهم يبنون منازلهم الخشبية خارج المدن، أو يستأجرون شقة لا تزيد عن 30م2 في أبنيتهم المحلية. تلك الشقق عبارة عن طابق مكون من غرفة وحمام، يعلوه طابق ثان فثالث وهكذا.. وهي منتشرة في الحي القديم بالمدينة، لكن كثيراً من سكان تلك الأحياء لهم كلام آخر.

الطراز الكمبودي في البناء طال الأبنية العصرية حيث تشيد المنازل من طبقات (الجزيرة)


تقول صوبريه -وهي سيدة عايشت الاحتلال الفرنسي، وكانت شاهدة على مجازر الخمير الحمر، وتسكن في إحدى البنايات القديمة جداً في الطريق المؤدي إلى راشن ماركت- "كل جزء من هذا البيت يذكرني بزوجي وأبنائي.. عشت هنا لحظات فرح وسنوات من الحزن.. توفي زوجي في هذا البيت ولم يحتمل خبر إعدام ابنه. أما أنا فبقيت صامدة أنتظر الخلاص بطريقة ما".

وتضيف "عندي ابن يعمل الآن نادلا، لكن راتبه بالكاد يكفينا لنعيش، وقليل منه يوفره ليتزوج صديقته روتا.. لو كان معي ما يكفي من المال لاشتريت منزلاً آخر وانتقلت إليه، لعلي أنسى جراح الماضي".

بعد محاكمة الخمير هنا، سمحت الحكومة لكثير من الشركات الأجنبية -خصوصاً من الصين وجنوب كوريا واليابان- أن تحول البنايات القديمة التي أصبحت مهجورة بعد نزوح سكانها نحو مناطق ومدن أخرى، إلى بنايات حديثة في خطة لإعادة إعمار المدينة.

ولعل هذه الخطوة تعيد للشعب الخميري ذكرى مملكته القديمة التي كانت أبرز معالمها -ربما- العمران الخميري، أو توفر للأجيال القادمة فضاء غير ملوث بتاريخ دموي تبقى الجدران القديمة شاهدة عليه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/17-

كمبوديا الجديدة.. إعلام حر بعيدا عن السياسة والدين

كمبوديا الجديدة.. إعلام حر بعيدا عن السياسة والدين
يتوجه كونغ كيا إلى مكتب المحامية كرايفان في العاصمة بنوم بنه، وصل إلى كمبوديا مع زملائه قبل بضعة أشهر فقط، وهم يرغبون الآن في تأسيس قناة فضائية ثقافية في البلاد. ويقول كيا إن "العمل هنا مريح جدا، لا تحتاج سوى ألفي دولار لتؤسس شركة بكل أوراقها القانونية، بما يشمل الضرائب".

وكان كيا قد زار كمبوديا أول مرة عام 2010 في رحلة سياحية لمدينة "سييم ريب" التاريخية. قال لي إن كثيراً من الأشياء تغيرت هنا خلال سبع سنوات، وإنه لم يكن يحلم يوماً أن يرى كمبوديا بهذا الانفتاح.. "ولدتُ في بلجيكا، استقرت عائلتي هناك بعد هروبها من حكم الخمير الحمر، زيارتي الأولى لأرض أجدادي جعلتني أتعلق بالناس الودودين هنا، وبالحميمية التي تحسها وإن كنت سائحاً عابراً".

ويضيف "بعد تخرجي بدأتُ أجرب حظي في العمل، مرةً كموظف في مستشفى، مرة أخرى كمصور، ومرة ثالثة كمنسق أغان (دي-جي) في ناد ليلي.. الحقيقة أني عملت أشياء كثيرة، وتراكمت لدي خبرات لا بأس بها، إلى أن أتتني الفكرة".
 
رغم ضعف الإمكانيات فإن قنوات وسائل التواصل الإجتماعي ساعدت كثيراً من الشباب في إيصال الصورة لبقية العالم (الجزيرة)

مطلع الألفية الثانية، كانت المملكة الكمبودية تشهد ولادة جديدة، محاكمة خاصة لبعض مرتكبي مجازر السبعينيات، استثمارات أجنبية مهمة لإعادة إعمار المدن المهجورة، وتعديلاتٌ مهمة في قوانين حرية التعبير والصحافة.

هذا الحراك المهم الذي لم يحلم به الكمبوديون منذ أكثر من أربعين عاماً، شجع كثيراً من المغتربين على العودة إلى أرض الوطن، والمساهمة في ازدهار البلاد.

يرى كيا أن "الحرية تقاس بترمومتر خاص.. انظري إلى القنوات المتاح رؤيتها في الفنادق، هل ترين قنوات أجنبية؟ هذا جيد.. صوري بكاميرا هاتفك لقطات حية من الشارع، بل واطلبي صوراً من المارة ومن الباعة المتجولين.. لا يعارضك أحد أليس كذلك؟ هذا جيد".

ويضيف "بالنسبة لعملنا فإن أعقد جزء فيه هو تماسّنا مع المجتمع المدني، أما القوانين الإدارية فأمرها محلول بإقناع الأطراف المعارضة بحصتها من الكعكة.. هكذا تجري الأمور في دول مثل كمبوديا، لكن علينا أن نستفيد من النصف الممتلئ من الكوب دوماً".


أثناء تصوير برنامج عن أطفال العرقية التشامية بمنطقة كامبوتشام  (الجزيرة)


وتعتبر قوانين تأسيس الشركات في كمبوديا الأيسرَ في دول جنوب شرق آسيا، إذ لا يحتاج المقيم هنا سوى عقد إيجار مكتب لمدة سنة، ونسخة من جواز سفره، والإمضاء على بعض الأوراق، وألفي دولار، لتُفتح الشركة في أقل من شهر.

لكن المشكلة أحياناً قد تبدأ بعد الانتهاء من تأسيس الشركة وتأجير المقر، فالشاب نازي إعلامي كمبودي كان يملك محطة إذاعية مستقلة قبل سنتين، لكن تقريراً ميدانياً قام به، كاد يزج به في السجن.. يقول "كان تقريري حول مسجد آل سيركال، إذ إن أشغاله لم تكتمل رغم الدعم المالي الذي تلقاه المسؤولون.. لم يعجب كلامي السلطات رغم أني كنتُ أعمل بشكل قانوني، كما أن تقريري كان ردود فعل الشارع، فكل الناس كانت تتساءل عن مصير الأموال.. فأغلقوا المحطة وصادروا كل ما نملكه من أجهزة ومعدات".

يمتلك نازي اليوم قناة على اليوتيوب، يعمل معه شابان آخران، الأول كمصور والثاني يتولى المونتاج، أما هو فيظهر على الشاشة كمقدم ومحاور.. بعد سنة من إطلاق مبادرتهم هذه على مواقع التواصل الاجتماعي، استطاعوا جذب كثير من الهيئات غير الحكومية الداعمة لمشروعهم.. يعملون الآن كقناة مستقلة وجمعية خيرية في الوقت ذاته.

يقول نازي إن "العمل في المجال الخيري جعلنا نقترب من المجتمع أكثر.. الآن لدينا آلاف من المتابعين لحلقتنا الأسبوعية على الهواء مباشرة.. نستطيع بهذه الطريقة تسديد مصاريفنا والتوفير لتوسيع عملنا مستقبلاً".

مجموعة من للمدونين الكمبوديين الشباب في عهد الانفتاح الإعلامي بكمبوديا (الجزيرة)


يعمل نازي الآن تحت اسم شركة جديدة، ويستأجر وزملاؤه منزلاً من أربعة طوابق بـ400 دولار في الشهر، أخبرني أن حساب أجور الموظفين مع فاتورة الكهرباء يتعدى ألفي دولار شهرياً، لكنه متفائلٌ بالدعم الشبابي على مواقع التواصل الاجتماعي كثيراً، ومتأكد أنه لو بقي في محطة الراديو لما استطاع الوصول إلى هذا الكم الهائل من المتابعين.

خلال الأشهر الستة من إقامتهم هنا، كان كيا وزملاؤه قد بدؤوا حراكهم على مستوى الإعلام الجديد، ويقول عن تلك المرحلة واصفاً إياها بمرحلة دراسة الواقع، إن "تأسيس الشركة لأخذ التراخيص وبدء العمل كان خطوتنا الثانية، فقد كنا عاكفين خلال الأشهر الماضية على التقرب من الميدان، والترويج لقناتنا التي نطمح أن تفتح بعد ستة أشهر".

ويضيف "قبل مجيئنا كنا نفكر في قناة تعليمية، لكن اكتشفنا أن قنوات كورية جنوبية ويابانية متاحة على كبل القنوات للشعب الكمبودي استحوذت على الساحة الإعلامية هنا منذ زمن، والتنافس معها لن يكون في صالحنا، لهذا عدّلنا خطتنا، ونحن الآن بصدد الإعداد لقناة ثقافية تقرب هذا المجتمع الكمبودي من العالم أكثر".

ورغم كل الانفتاح الذي تشهده كمبوديا، فإن كثيراً من الصحفيين المستقلين يتجنبون التطرق لمواضيع تمس الحزب الحاكم أو حتى الدين. ولا أكثر دلالة على ذلك من كون جميع القنوات المحلية هنا، إما مملوكة للدولة أو موالية لها، ناهيك عن الصحف التي لا تفتأ تغني للأسرة المالكة.

صحفي يصور مجموعة من الأيتام لبرنامج يتحدث عن معاناتهم  (الجزيرة)


روتا، من الأقلية التشامية المسلمة، وهي ابنة برلماني معروف هنا، وتعمل تحت قبة البرلمان وهي ترتدي الحجاب منذ السماح به عام 2009، وتؤكد أنها لا تتعرض لأي مضايقات، لكنها تشعر بالحرية أكثر أثناء تواجدها في مكتب جمعيتها النسوية قرب مسجد الرحمة.

تقول "لا يمكنني القول بأن بلادي نفضت كل غبار القمع وارتدت ثوب الحرية.. أسست هذه الجمعية السنة الماضية فقط، وهي مفتوحة لكل نساء كمبوديا، تلقيت دعماً معنوياً كبيراً بعد إنشائنا لصفحة على فيسبوك.. الناس تحب أن تتابع أخبارك وتشارك صورك.. أعتقد أن ما كسبته من خلال عملي في الجمعية لم أستطع تحقيقه داخل قبة البرلمان".

كثير من الشباب الذين درسوا في كلية الإعلام بكمبوديا يفضلون العمل لصالح منظمات وهيئات غير حكومية، لأنهم يعتقدون أن أصواتهم ستصل عبر منصات مستقلة، لا عبر وسائل الإعلام التقليدية.

تقول داغمارا -وهي متخرجة من قسم التواصل الإعلامي قبل ثلاث سنوات- "كان باستطاعتي العمل في التلفزيون الحكومي، لكنني فضلت العمل كمديرة لقسم الإنتاج مع جمعية خيرية أجنبية.. نحن هنا نعرف حدودنا، ولا نتدخل في أمور السياسة والدين، لكن على مستوى العالم الافتراضي فإن تطبيق الرقابة أمر مستحيل".

وتضيف "أثناء الانتخابات الأخيرة في يونيو/حزيران 2017، قتلوا بالرصاص الحي معارضا سياسيا معروفا، لم تتحدث المحطات الرسمية عن شيء، لكن العالم كان يتابع ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي أولاً بأول".

تصوير لتقرير ميداني لأحد القنوات الفضائية الكمبودية  (الجزيرة)


عندما أخبرتُ كيا أنه متفائل كثيراً، وأن منبع تفاؤله قد يعود إلى أنه قضى جل حياته بعيداً عن كمبوديا، أجابني "في كل الأحوال علينا أن نكون حذرين، نحن قلنا لهم قناة ثقافية وهذا ما سنحرص عليه".

ويضيف أن "التغيير أحياناً لا يبدأ بالمعارضة.. انظري ما حل بدول الربيع العربي، وانظري إلى دول نهضت بثورات من نوع آخر.. أعتقد أن القنوات التعليمية والثقافية من أهم تلك الحلول".

بالرجوع إلى كمبوديا ما قبل الأربعين عاماً، تكون الصورة أمامنا كالتالي: مجتمع زراعي يقوده زعيم انتحاري، يطمح إلى شيوعية صافية. وما وراء الصورة، كان الإعدام لكل من اشتبه في ولائه.. النتيجة؛ مقتل ثلث الشعب.

أما الصورة الآن، فهي جلية رغم الشائعات التي تحوم حولها؛ حديثٌ عن الأقليات على مستوى الإعلام الرسمي، والتنديد بكل أشكال العنف والإقصاء التي تمس حرية المواطن هنا، مهما كان دينه أو عرقه، مع دعم حكومي لحريات التعبير والصحافة، بشرط أن يُطبَّق بند مهم وهو "عدم المساس باستقرار وأمن الدولة" كما ينص القانون.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/17-

القرى العائمة على "تونلي ساب".. السياحة في قلب المعاناة

القرى العائمة على "تونلي ساب".. السياحة في قلب المعاناة
ليس ببعيد عن مدينة "سييم ريب" تمتد بحيرة على اتساع عشرات الكيلومترات المربعة، هي الأكبر في جنوب شرق آسيا، والأكثر عطاء للثروة النهرية في مملكة كمبوديا.

بعد انتهائي من زيارة معابد أنغور وات العظيمة، وإسطبلات الخيول الكمبودية، استأجرت مع بعض الزملاء "توك توك" ليقلنا إلى بحيرة "تونلي ساب"، قيل لنا إنه من دون رؤية القرى العائمة على البحيرة، لا معنى لكل ما رأيناه في المدينة.

يحكي صاحب الفندق الذي أقمت فيه أن "الأسماك التي نقدمها في مطعم الفندق بل أسماك كل مطاعم المدينة تأتينا من بحيرة تونلي ساب، ونحن نفضل سمك النهر على البحر. جربي قيمرون النهر مثلا وانظري كم هو لذيذ. إنه مختلف جدا عن قيمرون البحر، حتى أنه أكبر حجما منه بضعفين".

وصلنا إلى الميناء، واستأجرنا قاربا محليا بعشرين دولارا. كان هذا ثمن الرحلة، بغض النظر عن عدد الأشخاص الذين سيركبون القارب.
 
الزوارق المحلية التي تعتبر وسيلة النقل الوحيدة في القرية العائمة (الجزيرة)

يحكي لي سائق القارب -وعمره لم يتجاوز العشرين سنة- أن القارب ليس له ولكنه يشتغل عليه فقط، وأن ما يتقاضاه كل يوم أقل من ستة دولارات، "بعضهم يتقاضى ثلاثة دولارات فقط، هذا رهين بالمدة التي عملت فيها وبطبيعة علاقتك بصاحب القارب، أما عدد الرحلات ففي الغالب لا تتجاوز خمس رحلات كل يوم، خصوصا في موسم الفيضان، إذ تمتلئ البحيرة عن آخرها، وتفيض حتى على البيوت التي تبدو الآن في اليابسة".

كان القارب يخترق ممرا نهريا يتسع أحيانا ويضيق أكثر في المنعطفات. كان على الجانب الأيمن هضاب خضراء لا يرى ما بعدها، أما الجانب الأيسر فكان يطل على الطريق السريع وبعض المنازل الخشبية التي تعلو سطح الأرض بسبعة أمتار وقوارب محلية هنا وهناك.

لفت انتباهي ونحن نقترب من مركز القرية، وجود مستوصف عائم، ومدرسة ابتدائية عائمة أيضا. سألت مرافقي الكمبودي فقال لي "توجد كنيسة أيضا، وأسواق. الناس هنا قد لا يذهبون إلى اليابسة إن لم يكن لهم حاجة لذلك، فهنا كل شيء موجود، حتى الصيدلية موجودة".

لم تكن المنازل تتكدس في مكان واحد، بل كانت على امتداد البصر، فطبيعة الأرض المسطحة جعلت البحيرة ذات المياه العذبة، تبدو للناظر إلى أفقها وكأنها بحر.

تماسيح مجففة للبيع في سوق تونلي ساب (الجزيرة)


أوقفنا القارب بمحطة استراحة. كانت عبارة عن سوق تجارية على سطح الماء، وحوض لتربية التماسيح. قالت لنا إحدى العاملات "هذه التماسيح في حمايتنا، نجعل الصغار تكبر ثم نذبح الكبيرة منها، ويحب أهل القرية لحمها، أما جلدها فهو ثمين جدا، ونحن نقوم هنا بتجفيفه ودبغه ومن ثم بيعه".

وكان على متن المتجر العائم تماسيح صغيرة مجففة، وبعض الحيوانات اللافقارية أيضا. قيل لنا إن أهل القرية يضطرون للاعتماد على هذه المصادر الطبيعية في حالات قلة الصيد، إذ إنها متوفرة هنا، والرغبة فيها قليلة مقارنة بالسمك.

وتعتبر بحيرة تونلي ساب -التي تصب في نهر ميكونغ الذي يخترق العاصمة بنوم بنه- المصدر الرئيسي للثروة السمكية في كمبوديا، كما أنها مصدر عيش أكثر من 1.5 مليون من السكان المقيمين في القرى العائمة.

سائق القارب -وهو دليل سياحي في الوقت ذاته- يخبرنا أن فاجعة حدثت قبل ثلاث سنوات، جعلت مئات الأسر تهاجر إلى اليابسة. "لم نحصل على ما يكفي من السمك في تلك السنة، الناس هنا لا تعرف كيف تحفر الأرض لتأكل، لهذا اضطرت للرحيل إلى ضواحي المدينة، وتعلم الزراعة، لكن كيف لصياد أن يصبح مزارعا؟ كان الأمر صعبا. فنحن ولدنا هنا، وآباؤنا ولدوا على سطح هذه البحيرة. أنا لا أخرج من الماء لأشهر متواصلة أحيانا".

سوق تجاري بالقرية العائمة في بحيرة تونلي ساب (الجزيرة)


ويضيف "حصلت على هذا العمل سنة 2014، تزامنا مع الهجرة الكبيرة للأسر من بحيرتنا. كان الوقت قد حان لأجرب شيئا مختلفا عن الصيد. بدأت كدليل سياحي وبعدها سائق مركب. لكنني لم أستطع الابتعاد عن موطني".

ورغم حظر الحكومة الكمبودية الصيد التجاري، فإن مصير مئات من الأسر التي لم تعرف سوى العيش على سطح البحيرة، كان النزوح.

يحدثني صديقي الكمبودي "تشانتهو" أن سكان القرى من الأسر الفيتنامية المهاجرة، وأنه لا يعرف تحديدا متى استقروا بالضبط، لكن الإشاعة الرائجة هنا أنهم أتوا إلى كمبوديا خلال الحرب الفيتنامية مطلع التسعينيات.

ويواصل حديثه قائلا إن "إقامة الفيتناميين في القرى العائمة فيها الكثير من المزايا، فهم معروفون بامتلاكهم تقنيات متطورة في الصيد، فعلى سبيل المثال، علموا المحليين كيفية زراعة السمك. وعن ذلك يحدثني السائق "يقول أبي إن مجيئهم كان خيرا على قريتنا، فآباؤنا لم يستغلوا يوما المساحات الكبيرة تحت منازلنا الراسية بالأعمدة الخشبية الأربعة، وبمجيئ الفيتناميين، تعلمنا أنه بإمكاننا أن نحولها إلى أحواض، بحيث نغلق الفتحات بشبكة صيد صغيرة الأعين، ونضع بقايا السمك وقشور الأرز بالداخل، هكذا تنزلق الأسماك الصغيرة إلى الداخل ولا تعرف كيف تخرج، وتبقى هناك تتغذى وتنمو وتلد، بعد ذلك، نأخذ نحن طعامنا ونقوم بتجفيف الباقي لبيعه في السوق أو الاحتفاظ به للأشهر القادمة".

مبنى روضة للأطفال في بحيرة تونلي ساب (الجزيرة)



في عام 1997، اختارت منظمة اليونسكو بحيرة تونلي ساب محمية المحيط الحيوي، وذلك لاحتواء مياهها العذبة على سمك السلور العملاق الذي يصل طوله إلى ثمانية أقدام، ناهيك عن الطيور المتنوعة والحيوانات البرية كقرود "الململة" (ذات الأنف الطويل، وتعتبر من قرود العالم القديم) التي يمكن مشاهدتها في الهضاب الممتدة إلى جانب البحيرة.

تستقبل سييم ريب اليوم مئات الآلاف من السياح، ويؤكد صاحب الفندق أن الناس لم تعد تأتي لزيارة معابد أنغور وات فقط، فهي تذهب للاستمتاع بجولة في بحرية تونلي ساب، إذ إن التسويق لها زاد في السنوات القليلة الماضية، خصوصا بعد تراجع قطاع الصيد. "يفرحون بالذهاب للكنسية الفرنسية العائمة، والتقاط صورة مع التماسيح المتظاهرة بالنوم، نحن نحاول الترويج أكثر للأماكن المثيرة للاهتمام في مدينتنا. وفي كل مرة نكتشف شيئا جديدا".

أثناء عودتنا التقيت بصاحب القارب، يقول إنه يرغب كثيرا في أن تصبح البحيرة محط اهتمام المحليين أيضا، إذ إن جلّ الزوار أجانب. وعن وضعهم الاقتصادي يقول "لدى السكان زوارق صغيرة لكن دون محرك، وهي للتنقل بين البيوت والمحلات، نحن ندفع للدولة الكثير مقابل بقاء المراكب في الميناء ليسهل على السائح الوصول إلينا. لا يمكنني الاطمئنان على عملي بالوتيرة الحالية، فما أجنيه بالكاد يغطي ديوني إلى الآن، كما أن العائلات لا تستفيد من هذه السياحة في شيء، فكل الدكاكين التجارية تدفع للدولة ضرائب كثيرة أحيانا لا يغطي الدخل تسديدها".

وأكد لي أن دكاكين كثيرة قد أغلقت، وأن أخرى تستعمل لأغراض أخرى بالتحايل على القوانين، فهي وكر لربط علاقة تواصل مع السياح لأغراض تجارية، لا تمت لها بضاعة الدكان بأية صلة.

 
السابق

السابق

التالي

السابق

-12/17-

العود.. ذهب كمبوديا الذي يصلنا أردؤه

العود.. ذهب كمبوديا الذي يصلنا أردؤه
يأخذ قطعة بين أصابعه، يضعها في المبخرة، ثم يمرر المبخرة المشتعلة على أرجاء بيته ويتركها عند البوابة. إنه العود، المعروف هنا باسم "خشب الآلهة"، المادة الأساسية لأكثر عطور العالم غلاء. رائحته الزكية مستمدة من لحاء شجرة تنمو حصريا في أجزاء من جنوب شرق آسيا. إنه واحد من أندر وأغلى السلع في العالم.

منذ آلاف السنين، تم استخدام العود في الشرق الأوسط وآسيا على شكل أعواد خشبية، أو زيوت للجسم أو عطور. لقد أصبح مرادفا للضيافة في الخليج العربي مثلا، أما هنا فقد ارتبط ذكره بطقوس دينية توارثتها الأجيال أبا عن جد.

يقول "ينوج" -وهو لقب أكبر تاجر عود في كمبوديا، وهو من أصول صينية- "إننا نحرقه في معابدنا المقدسة، تلك الأعواد الخشبية المحترقة تنقل أدعيتنا إلى السماء، تردع الشياطين الخبيثة وتسترضي آلهتنا".

لكن تلك القطع الخشبية غير المتناسقة الأشكال، أصبحت في الآونة الأخيرة أكثر كلفة من الذهب، فإقبال العالم على العطور الغربية، أفسح المجال أمام المستثمرين الصينيين بالخصوص للاستحواذ على هذا العنصر الطبيعي الفريد.
أجود أنواع الذهن هو ما طال أمد تخزينه وهذه مجموعة من قوارير تحمل ذهناً كمبوديا أصيلا خزن لسنوات (الجزيرة)

يؤكد ينوج أن أكثر من 70% من إنتاج العود الكمبودي يصدر إلى الصين واليابان، ويتم استعماله هناك في المعابد من أجل طقوس دينية بحتة، أما في كمبوديا وبعد أخذ الأسرة الحاكمة حصتها -وهي الأجود على الإطلاق- تصدر النسبة الباقية والتي تقل عن 30% إلى دول متفرقة. لم تكن دول الخليج هي المعنية كما كنت أعتقد، بل خص التاجر بالذكر دولا غربية تستثمر في مجال العطور.

وعندما سألته عن دول الخليج التي تتباهى باستعمالها هذا العنصر الطبيعي النادر، فقال "للأسف لا يباع هناك سوى العود من الدرجة الخامسة أو الرابعة في أحسن حال". وعن الأسماء الرائجة للعود في الوطن العربي، قال إنه لا علاقة لها بأسماء العود الكمبودي المحلي، وإنما هي أسماء اخترعها التجار العرب.

ينتشر العود في كمبوديا في أربع مناطق، أجوده في منطقة كاهمونج وهي غابات برية عذراء، لم تدخل على خشب الشجرة أي عوامل كيميائية لتسريع مرضه حتى يستخرج الدهن منه ويستفاد من خشبه بخورا. والمنطقة الثانية هي بورسات، وهناك مزارع كثيرة للعود، ويتميز برائحته العسلية الحلوة. ثم كمبونج سباغ والعود فيها من الدرجة الثالثة بحسب تصنيف التجار المختصين هنا، وهو أيضا متوفر في مزارع خاصة ويتميز بسواده الشديد، أما الدرجة الرابعة من العود فهو في رتناك كيري، وهو قليل أصلا، ورغم وجوده في الغابات فإن الخبراء يقومون بإضافة بعض المواد الكيميائية عليه في المختبر ليصلنا بالصورة التي نراه عليها.

يقول لي ينوج "لا يمكنك أن تحصلي الآن على العود كما في السابق، الغابات مكان خطر جدا، فقد يتعرض المنقبون هناك لهجوم القطط البرية أو الثعابين، وهي في الغالب تحت سيطرة الحكومة الكمبودية، أما المزارع التي يديرها مزارعون كمبوديون، فخيراتها تذهب لحساب مستثمرين صينيين، بأثمان بخسة".

أجود أنواع العود يجمع من الغابات ويدعى بالعود من الدرجة الأولى أو العود البري  (الجزيرة)


شجرة العود اليوم معرضة لكثير من التهديدات، فرغم تدخل الدولة الكمبودية لحماية غابات العود باعتبارها إرثا وطنيا، فإن كثيرا منها لا يسلم من القطع غير الشرعي، وأحيانا ينجح الأمر مع المنقبين وأحيانا أخرى يتم بتواطؤ مع رجال الدولة المستفيدين.

لكن الخطر الحقيقي قد لا يكون في القضاء على المحيط البيئي فقط كما تزعم الدولة، إذ إن حياة المنقبين أيضا معرضة لأمرين: المداهمة من رجال الأمن أو المهاجمة من القطط البرية والثعابين السامة، خصوصا أن هؤلاء التجار الصغار يقيمون في الغابة بضعة أيام حتى يتمكنوا من إيجاد خشب صالح للبيع.

يقول "بونليم" -وهو أحد هؤلاء "المتعاونين" كما يطلق عليهم من قبل التجار الكبار، إذ يتم تفويضهم بالتنقيب في الغابات مقابل نسبة من الربح- "إلى اليوم لم يعترض طريقي سوى القرود والحمد لله، لكن لا أعرف ماذا تخبئ لي الأيام المقبلة. لدي بعض الأصدقاء ممن يحكون لي أنهم سمعوا زئير أسد وهم يجمعون العود. الأمر مرعب فعلا".

فبعد بدء الحكومة الكمبودية في السنوات الأخيرة السيطرة على غابات العود البرية، وتقنين تجارته، أصبح الكثير من التجار يلجؤون للتعامل مع سماسرة للوصول إلى زبائنهم. يونج واحد منهم، وهو يعمل من داخل بيته فقط. يحصل على منتوجه من قبل متعاونين يعرضون حياتهم للخطر ليحصلوا على بضع غرامات من الخشب، وأحيانا يتعامل مع مزارعين، لكن التعامل مع المزارعين يكون مكلفا، كما يقول.
"في الغابات، أنت تكلفين بعض المنقبين وتعطينهم نسبة من أرباحك، أما مع المزارعين، فأنت مضطرة لدفع ستمئة دولار للكيلو الواحد من الخشب من الدرجة الأولى، وغالبا ما أبيعه بـ1500 دولار".

التاجر ينوج ويعتبر أكبر تاجر عود في كمبوديا ومختص به من أكثر من ثلاثين عاما (الجزيرة)


وأكد يونج أن المبالغ الخيالية التي نسمعها عن العود في الخليج خصوصا لا وجود لها هنا في كمبوديا، وأن ثمن البيع الذي ذكره لي ينطبق على التجار العرب أيضا، غير أن الأثمان ترتفع بشكل صاروخي حال وصول البضاعة إلى تلك الدول. وذلك يرجع لجهل الزبون العربي بقيمة المنتج، فيدفع أضعافا مضاعفة لكيلو لم يكلف صاحبه سوى 1500 دولار، مع ثمن تذكرة طائرة وبعض العلاقات.

المستفيد من الأمر ليس تجار الخليج العربي فقط، فرغم أنهم لا يحصلون سوى على العود من الدرجة الرابعة أو حتى الخامسة -وهي الأسوأ- فإن شركات العطور العالمية المحتكرة لهذا المجال تربح أرقاما لا تصدقها أذن المستمع.

"إن دول الخليج العربي تعتمد بالأساس على العود الماليزي والهندي والتايلندي. لكن بلا شك العود الكمبودي هو أجود أنواع العود في العالم، ولهذا السبب كانت معابد البوذيين حريصة على الاستفادة منه قبل غيرها".

يشير ثاني أقدم كتاب في التاريخ الكلاسيكي الياباني إلى خشب معطر، وذكر أنه مستخرج من العود الذي يعود إلى أشجار كمبوديا، كما جاء على لسان نيهون شوكي. تلك القطعة العطرة لا تزال تعرض في متحف نارا الوطني باليابان إلى اليوم.

يحمي منتوجه في قوارير صغيرة معتمة، يضعها بعناية داخل درج خشبي، إن أتى زبون ليسأل عن البضاعة أعطاه ليجرب ويحكم بنفسه. إنه دهن العود المعتق، وفي الجهة الأخرى من الدرج أكياس بلاستيكية لبضعة غرامات من خشبه ومحرقة جاهزة للاستعمال.

في المعابد الكبرى يتم حرق العود الكمبودي الأصيل طلبا للبركة والرائحة الطيبة (الجزيرة)


يقول لي أبو سالم وهو أحد السماسرة العرب في العاصمة بنوم بنه "كلما طالت مدة تخزين العود بعيدا عن أشعة الشمس زادت جودته، سنة سنتين ثلاثة، عدم استعجالنا في البيع يزيد من فرصة ربحنا أكثر، فالخبراء يميزون بين المعتق وغيره".

ويضيف، مشيرا إلى كيس بلاستيكي مغلق بإحكام ومغطى بقماش داكن "هذه بضاعة طلبها أحد التجار السعوديين، أحضرتها له من التاجر ينوج، سيشتريها منا بعُشر ما سيبيعها في الرياض. أستطيع أن أميز بين قطع العود الأصلية والمغشوشة، حتى زبائني تعلموا التقنية بالتجربة، إنهم يقطعون عودهم بأسنانهم، ويذوقونها، وإذا كان مذاقها مرا جدا، فإنها ذات نوعية جيدة. أما الدهن فيكفي أن نضيف قطرة منه إلى كوب ماء، فإن امتزج الدهن بالماء وأصبحا مزيجا واحدا فإنه عود أصلي".

وتعد زراعة العود في كمبوديا الثانية اقتصاديا بعد زراعة الأرز، يقول سكان المملكة إن أسرارا كثيرة تكمن في هذا الخشب المقدس، فبغض النظر عن رائحته الطيبة ودوره الأساسي في المعابد البوذية، فإن فوائده المتنوعة على الصحة لا يمكن تجاهلها أبدا، فهو علاج فعال لكثير من الأمراض، مثل الروماتيزم والديدان والسنتاريا والنقرس والأمراض الجلدية، كما يعتبر مسكنا للآلام وطاردا للحشرات.

التقينا بأحد المزارعين في منطقة كهمونج، وهو يدير مزرعة لأجود أنواع العود في كمبوديا. قال لنا "قد تكون لديك مزرعة للعود لكن ليس بالضرورة أن تحصدي العود منها جميعا، الأمر خاضع للطبيعة فكلما تعفنت الشجرة أعطت عودا أكثر. صحيح أن بعض المزارعين يستعملون أدوية خاصة لتسريع عملية التعفن، لكن المستثمرين الحقيقيين يميزون بين النوع الطبيعي والنوع المغشوش".

لعل إنشاء مزارع تجارية في العديد من البلاد الأخرى يعد مكسبا تجاريا كبيرا جدا، بحيث يستفيد المزارع من التقنية والتاجر من الوقت، لكن ذلك لا يعوض بأي حال من الأحوال العود الكمبودي الأصيل، الذي يطبخ على مهل. إن قصته تشبه تماما قصة أهل البلد في علاقتهم مع الزمن.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/17-

الزواج.. طيف من الطقوس وعبء على أهل الزوجة

الزواج.. طيف من الطقوس وعبء على أهل الزوجة
عندما كنت في مدينة سييم ريب، في طريقي إلى القرية العائمة، صادفني عرس كان يقام بجوار أحد المنازل الخشبية. كانت الساعة السابعة صباحا، بينما كان جو الاحتفال يوحي للمار الغريب من هناك أنها ساعات ما قبل منتصف الليل، كما يجري في أغلب دول العالم عند الاحتفال.

تقدمت إلى طاولة العروسين، وكان بينهما راهب يتلو بعض الترانيم، استأذنت وأخذت صورة، ثم سألت إحدى المدعوات إن كان العروسان سيسافران، أو أن حدثا ما وقع فجعل الأهل يعجلون بالاحتفال، فأجابتني "تبدأ أعراسنا مع شروق الشمس، فهذه ساعة مباركة لبدأ حياة جديدة".

وأكدت لي أن أول المدعوين يكون أحد رهبان المعبد، حيث يقوم بتلاوة بعض الأدعية وترديد بعض الترانيم التي لا تختلف من زواج لآخر.

وعن عادات وتقاليد الزواج عند المجتمع الكمبودي، التقيت كيسور، وهي سيدة خميرية العرق تنتمي لأسرة بوذية تعيش في مدينة سييم ريب السياحية، وتعمل في أحد المنتجعات التجميلية والصحية بمركز المدينة. فتقول إن زوجها يعمل سائق توك توك، وقد انتقل للعيش معها منذ زواجهما قبل سبع سنوات.

على عكس عرائس معظم دول العالم، ترتدي عروس الخمير ألوانا فاقعة اللون يوم زفافها (الجزيرة)


وتواصل حديثها إن زوجها "ليس من سييم ريب بل من الضواحي، لكن بعد زواجنا أصبحنا نسكن معا في بيت أمي، نعيش في غرفة من الطابق السفلي، ولدينا مطبخ واحد في المنزل الذي تديره أمي وحدها، إذ لا يسمح لنا بأن نطبخ لوحدنا، فكل الأسرة تأكل معا عند عودة الجميع من العمل مساء".

تتقاضى كيسور 250 دولارا شهريا بدوام كامل، ولا يزيد راتب زوجها عنها إلا قليلا. راتبا الزوجين يتوفران لسنوات لشراء بيت، هكذا جرت العادة هنا. وفي البيت الجديد سيأتي دور الأولاد في إحضار أزواجهم للعيش معهم. سنوات أخرى قد تمتد لعقود، حتى يتمكنوا من الانتقال إلى منازلهم الخاصة بهم، وهكذا تعاد الكرة، مع الأبناء، فأبناء الأبناء.

وتعود كيسور بالحديث إلى عام 2010 حين تزوجت، فتقول إن الأسر الخميرية في الضواحي تحتفل أمام بيوتها في خيم مفتوحة يستأجرونها، ويقدم المدعوون بعد مباركتهم للزوجين ما استطاعوا من مال، لكن أمام أعين الجميع. بعد ذلك يسجل المعرس ما قدم له من مال في ورقة يحتفظ بها إلى حين. فعند زواج من أعطوه المال، يتم إهداؤهم نفس القيمة، أما بالنسبة للمتزوجين فتتم العملية في مناسبات أخرى، وهكذا فإن كل المال الذي قدم للعروسين يعتبر بمثابة دين يؤجل تسديده إلى حين.

لكن الوضع يختلف داخل المدن الكبرى نسبيا، فتلك الخيام مثلا تستبدل بقاعات أفراح أو حدائق خاصة لإقامة الحفلات.

ليست بقاعة احتفالات بل خيمة مفتوحة لعقد القران إذ تكفي هذه المساحة الصغيرة للاحتفال بأعراس لمحدودي الدخل (الجزيرة)


لكن باقي التفاصيل تبقى ثابتة مهما اختلف الوضع المادي للأسرة كوليمة العرس التي تقتصر على الخمور ولحم الخنزير ببهار الكاري، وكذا اللباس الكمبودي التقليدي الذي يرتديه العروسان أول ساعات الاحتفال، والموز الذي يصبغ باللونين الفضي والذهبي، فالأول دليل على السعادة، والثاني على طول العشرة والعمر.

وتقول كيسور إن تكاليف العرس أصبحت غالية جدا، ولهذا قد يضطر الزوجان إلى تأجيل إجراءات الزواج والعرس لبضع سنوات "هناك صديقة لي تزوجت من صديقها بعد سبع سنوات، حضر احتفال عرسها ابن أنجباه قبل سنتين من زواجهما".

ولا يعتبر إنجاب الأطفال قبل عقد القران شيئا ذميما في المجتمع الخميري البوذي، لكنهم لا يستحسنون عقد القران قبل يوم الاحتفال، فكثير من الفتيات الفقيرات في الأرياف وضواحي المدن قد يلجأن إلى الإجهاض أو بيع أطفالهن مخافة الجوع.

وفي ضواحي العاصمة بنوم بنه، في منطقة كمبونغ تشام، حيت تنتشر الأقلية المسلمة على طول هذا الشريط المحاذي لنهر لنهر ميكونغ، كان لي لقاء مع بعض الأسر المسلمة لأفهم منها تقاليد وعادات الزواج عندهم.

لا يعقد القران عند البوذيين في كمبوديا قبل أخذ موافقة الكاهن (الجزيرة)


تقول "شجرة" وهي أم لخمسة أبناء ومدرسة بإحدى المدارس الخاصة "تبدأ أعراسنا بين صلاتي المغرب والعشاء، حيث يأتي المعرس إلى بيت العروس، ويقول لوالد زوجته باللغة التشامية (لن يطول نكاح نيو) وتعني أنني أقبل بابنتك زوجة لي، ويرد عليه والد العروس "وأنا زوّجتك ابنتي" مباشرة بعدها يكتب عقد القران وينصرف الزوج إلى بيت أهله، لتقام الاحتفالات متفرقة عند أهالي العروسين".
وما زالت الأقلية المسلمة التشامية في كمبوديا تحتفظ بالطابع الإسلامي حتى في تفاصيل حياتها اليومية، ناهيك طبعا عن أيامها الخاصة كالأعياد والجنائز والأعراس.

فمثلا لا يسمح المسلمون هنا أن تطول فترة الخطوبة بين الخطيبين، كما أن عقد القران يتم ليلة العرس حتى تأخذ العروس فرصتها في إظهار زينتها أمام المعرس وأهله ظهيرة الاحتفال.

وبعد عقد القران، يأتي الاحتفال الرسمي عند التشاميين. إذ تقوم العروس صباح اليوم الموالي بإعداد وجبة إفطار ملكية لأهلها وأحبابها في بيت أهلها، كما يقوم المعرس بفعل نفس الشيء في بيت أهله، بعد ذلك يركب المعرس سيارة مزينة، ومخصصة لهذا اليوم، ويتجه في موكب يجمع أفراد أسرته فقط إلى بيت العروس، وهناك تقدم وليمة الغداء للضيوف، وهي عبارة عن لحم بقر بالكاري وعصائر الفواكه، ويستمر الاحتفال إلى المساء. ينصرف بعدها أهل المعرس تاركين ابنهم في بيته الجديد ومع أسرته الجديدة.

العريس قبالة والد العروس لقراءة الفاتحة بعد الاتفاق على تفاصيل المهر والموافقة على الزواج  (الجزيرة)


وتقول شجرة إن تكاليف الزواج تبدأ من مئتي دولار وتصل إلى 1500 دولار، يقدمها المعرس لأم العروس، وغالبا ما تحدد العروس قيمة مهرها بشكل مباشر عند خطبتها. تقول "بعض الأمهات لا يأخذن شيئا من المهر، يقدمنه مباشرة وكاملا لبناتهن، لكن الوضع المادي للأسر ليس متشابها، لذلك تضطر الأسر الفقيرة والأقل من المتوسطة للاستفادة من المهر لتغطية تكاليف العرس".

لكن قيمة المهر في المجتمع الخميري البوذي ترتفع نسبيا، وهذا ما يفسر ربما عجز كثير من الشباب عن التقدم للخطبة. تقول كيسور "على الشاب أن يثبت تحمله للمسؤولية، صحيح أن المهر ليس سوى رمز، لكنه اختبار في الوقت ذاته، إنه يدل أيضا على استعداد الشاب المتقدم لخطبة فتاته على العمل من أجل إسعاد أسرته".

وتؤكد كيسور أن قيمة المهر تختلف بلا شك وفق الوضع المادي للزوج، تفاجأت في الوهلة الأولى عندما قالت إن المتوسط خمسة آلاف دولار، وأنه لا يمكن أن يقل عن 1500 دولار. بينما قالت لي شجرة إن كثيرا من الأسر المسلمة تزوج بناتها دون مهر لشدة الفقر.

ومهما اختلفت مظاهر الزواج في المجتمع الكمبودي، فإن شيئا مهمًا لفت انتباهي، وهو تقليد تلتزم به كل طبقات المجتمع على اختلاف دخلها المادي أو مرجعيتها الدينية، إنه انتقال المعرس إلى بيت العروس بعد الزواج، هناك تتحمل أسرة الزوجة مصاريف حياة الأسرة الجديدة، بما فيها إقامة العروسين وأكلهما بل وتحمل مسؤولية أي ابن يرزقانه، وتستمر الكفالة إلى أن يقدر الزوجان على بناية بيت لهما.

لا ينتهي الأرق المادي بالزواج في كمبوديا بل إنه بداية الحكاية فبعد انتقال الزوج لبيت زوجته، تبدأ معاناة تأمين بيت مستقل (الجزيرة)


شجرة كانت محظوظة إلى حد ما، فقد استطاعت بعملها في المدرسة الخاصة، وعمل زوجها إلى جانبها كرئيس للطباخين، أن يبنيا منزلا بثلاثين ألف دولار. لكن تبقى الغالبية المسلمة الساحقة غير قادرة سوى على بناية بيت خشبي لا يكلف سوى ثمانية آلاف دولار في المتوسط.

تقول ربيعة العدوية، وهي أم لستة أبناء، وتدير تحت منزلها الخشبي دكانا صغيرا للبضائع المحلية "بنيت هذا البيت مع زوجي رحمه الله قبل عشرين سنة، كان ثمن الخشب رخيصا جدا، لم أكن حينها مضطرة للعمل. الآن إن أردت بيع هذا البيت سأربح كثيرا، ولكن إلى أين أذهب بعد ذلك؟".

وتؤكد ربيعة أن بناء بيت خشبي لم يكن يكلف أكثر من ألف دولار، لكن الطلب على الخشب الكمبودي ارتفع الآن، فبيتها الآن قد يكلف تسعة آلاف دولار، وهذا ما يصعب على كثير من المتزوجين الجدد تأسيس حياتهم الخاصة.

أثناء حضوري لأحد الأعراس المسلمة في منطقة كمبونغ تشام، لفت انتباهي الزي المختلف للعروسين عن الذي شاهدته بمدينة سييم ريب، وعندما سألت عن ذلك قيل لي إن مسلمي كمبوديا يرتدون الزي الماليزي الأبيض، لأنهم يعتقدون أن الزي التقليدي الكمبودي رمز ديني للمجتمع الخميري البوذي، وأنه بالتالي لا يمثل لباساً شعبياً وطنياً.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/17-

الصيادون.. بيوتهم القوارب وعيشهم يوما بيوم

الصيادون.. بيوتهم القوارب وعيشهم يوما بيوم
في السوق المركزي وسط العاصمة الكمبودية بنوم بنه، تنظف صوفيا حوضا بلاستيكيا وتستبدل ماءه بماء نظيف، ثم تضع داخله أسماكها وتربط الحوض بمضخة ماء، لتبقى الأسماك على قيد الحياة.

تقول صوفيا "نحن نحافظ على نظافة سوقنا بهذه الطريقة، كما أن زبائننا يفضلون شراء أسماكنا طازجة تماماً كما لو أنها صيدت للتو من النهر".

وتضيف "نأتي إلى هنا في الصباح الباكر، نأخذ ما حملته شباك الصيد لنا من خيرات النهر ونأتي به إلى هنا. علينا بيع أكبر قدر ممكن منها، فسوقنا يغلق الساعة الخامسة، وليست لدينا ثلاجات لحماية أسماكنا عند العودة إلى القوارب".

صوفيا أم لخمسة أبناء وزوجة لصياد، يعيشون على متن قارب صغير يحلق ليلا في أعماق نهر "ميكونغ"، ويتحول قبيل ساعات النهار الأولى لبيت، ينام أطفالها داخل خيمة نصبت عليه.
كثير من الأسر المستقرة على متن هذه القوارب، لم تتمكن بعد من شراء خيمة بلاستيكية تقيها حر النهار والأمطار الغزيرة (الجزيرة)

تحدثني صوفيا عن حياتهم وكيف أنها أنجبت كل أطفالها داخل قاربهم، فتقول "يكون الأمر صعبا في موسم الأمطار. يبدأ القارب بالتحرك ولا يتركنا ننام، لكن في الوقت ذاته يكون الصيد أفضل في هذا الموسم".

ينتشر الصيادون في كمبوديا، في قرية جروي جون بالعاصمة، وفي قرية "جونج كوه" في محافظة "كامبونغ شنانغ"، وقرية "جغو" بمحافظة "كامبونغ تشام"، وفي محافظة "كمبوت" وكذلك محافظة "كوه كونج" في قرية "فهوم بون"، ومحافظة "كيب".

وتعد مراكب الصيادين بيوتهم أيضا، ففي الغالب تنقسم الأسرة إلى فريقين: فريق يداوم ليلا للصيد، وهو الأب والأبناء الذكور إن كانوا شبابا، وفريق يتوجه في الصباح الباكر إلى السوق لبيع المحصول، وهي الأم مع بناتها إن لم يكن صغيرات.

تقول صوفيا "عشت معظم حياتي على سطح النهر، مرت علينا أيام رخاء، كنا نصيد فيها ما يكفي ويزيد. الآن علينا العمل أكثر، وأنا قلقة على الأطفال فهم لا يعرفون شيئا غير الصيد".

قارب صيد في الليل ومنزل يضم أسرة من خمسة أفراد في النهار في ضواحي العاصمة بنوم بنه  (الجزيرة)


ورغم أن الصيد يعدّ من القطاعات الاقتصادية المهمة في البلد بعد الزراعة، فإنه لا يحقق متعة للخميريين كما هو الحال في بلاد أخرى من العالم. فهو هنا بمثابة الواجب اليومي للصياد وأسرته، لضمان بقائهم على قيد الحياة.

تقول "تشامبي" وقد استأجرنا قاربهم بمدينة "سييم ريب" في رحلة للقرية العائمة على نهر "تولي ساب"، "قبل ست سنوات هاجرت مئات الأسر من النهر، بسبب قلة الأسماك. كنا نصيد لنأكل فقط، أحيانا يمرض الأولاد ولا نعرف من أين سنأتي لهم بثمن الدواء، فالحياة صعبة للغاية".

في عام 2011، كان كثير من سكان القرى العائمة -الذين لا يعرفون غير الصيد مهنة- قد هاجروا إلى داخل مدن كمبوديا، بعدما عاشوا لعقود على سطح النهر، وهو ما مثل لهم تحديا كبيرا في محاولتهم للاندماج.

يقول داراني -وهو أحد النازحين إلى وسط مدينة سييم ريب- "مع قلة الأسماك نزحت مع أبنائي إلى ضاحية المدينة، أصبحنا هناك مضطرين لشراء كل شيء، حتى السمك الصغير الذي كنا نطعمه للقطط".

في مواسم الجفاف، فإن ما يتم اصطياده في الغالب هو الروبيان والحلزون وفواكه البحر الأخرى، بما في ذلك السرطان وسمك القط وثعابين البحر.

لأنهم يسكنون على حافة نهر ميكونغ فإن كل تسليتهم وسباحتهم فيه (الجزيرة)

وانتشرت في السنوات الأخيرة أحواض تربية السمك، حيث تتغذى الأسماك على قشور الأرز، ويحتفظ بتلك الأحواض في أرض مملوكة للأسرة التي تستثمر بهذه الطريقة، وغالبا ما تنتشر في المناطق التي لا توجد فيها تدفقات مائية كبيرة؛ لكنها تتحول إلى خيار مكلف مع عدم وجود أرض.

يحكي كانيا عن تجربته في تربية الأسماك: "يكلف الحوض الواحد 45 ألف دولار، متضمنة ثمن الأرض، وهذا مبلغ ضخم جدا لا يقدر عليه الصياد العادي".

ويضيف أن "هذه التقنية فعالة بلا شك، غير متعبة، وتترك لك الوقت لمزاولة أعمال أخرى، لكنها باتت الآن غير مربحة، لأن كثيرا من الصيادين لجؤوا إليها، وأحيانا يشترك مجموعة من الصيادين في شراء حوض واحد، وفي انتظار أن تنتج الأسماك وتنمو، يزاولون أعمالا أخرى كالزراعة وتربية الدواجن لتسديد دين الأرض".

وبالإضافة لتربية السمك في الأحواض، اشتهر سكان القرى العائمة، بزراعة الأسماك تحت البيوت الراسية على النهر، باستخدام سور خشبي محاط بشبكة الحماية من البعوض تحت الماء، وهي منتشرة بين الفيتناميين الذين يعيشون في تلك البيوت. فمنازلهم تستعمل لأغراض كثيرة، فهي محطات بنزين للقوارب المتنقلة، ومحلات تجارية للقرية العائمة، أما ما يوجد تحت البيوت، فهي ثروة سمكية حقيقية.

ويرى كثير من الصيادين المحليين أن أسباب ارتفاع ثمن السمك راجع لعوامل كثيرة، أهمها المنافسة الشديدة خصوصا بعد دخول الفيتناميين على الخط، إذ يستعمل هؤلاء تقنيات متطورة لا تتوفر عند الصيادين المحليين البسطاء، كما أن الصيد غير القانوني يضر بالاقتصاد المحلي للبلد.
بعد انتهاء الرحلة يربط قاربه بأحد أعمدة مزرعته ليتفقد السمك بداخلها (الجزيرة)


وفي هذا الصدد تقول صوفيا "حاولت الحكومة منع الصيد غير الشرعي مرارا، فأولئك الصيادون يعملون لصالح سفن أجنبية. يتصرفون بطريقة أنانية لكنهم يعرضون أنفسهم للمساءلة القانونية بلا شك".

في العاصمة بنوم بنه، تعد الفترة بين شهري نوفمبر/تشرين الثاني وفبراير/شباط أفضل موسم للصيد الوفير، لهذا يحرص الناس هنا على تخزين السمك لموسم الجفاف. ففي سوق وسط البلد مثلا، ينتشر باعة السمك المجفف، إذ يتم تدخينه وتخميره ليستعمل لاحقا في أطباق الحساء.

تقول صوفيا "نقوم بتجفيف بعض الأسماك التي لم نستطع بيعها في السوق، ونحتفظ بها لأيام الجفاف، ففي تلك الأشهر قد نصيد لخمسة أيام ولا نجني سوى خمسة دولارات".

ويشكل التشاميون أكثر من 80% من مزاولي مهنة صيد الأسماك، وأغلبهم ولد وكبر على متن قارب والده، كما أن تقنيات الصيد تورث جيلا عن جيل، ولهذا فإن أبناء الصيادين لا يحظون في الغالب بالتعليم الحكومي، وهو ما يقلل من فرصهم في العثور على مهنة توفر لهم حياة كريمة، بعيدا عن النهر.

سألت زوج صوفيا عما إذا كان يفكر في الانتقال إلى المدينة والعثور عن عمل آخر وإرسال أبنائه للمدرسة، فقال "نحن نعيش ليومنا فقط، هذا القارب كل ما نملكه، ولن نكون بحاجة لأحد ما دمنا عليه".

ويضيف أن بيع القارب لن يفي حتى بقيمة شراء بيت خشبي في إحدى القرى، ولهذا فإن أكبر ميراث يحظى به أبناء الصيادين هنا، يبقى تعلم المهنة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/17-

المطبخ الكمبودي.. متأثر بثقافات أخرى وغني بالغرائب

المطبخ الكمبودي.. متأثر بثقافات أخرى وغني بالغرائب
على خلاف دول شرق آسيا أو مستعمرات الإمبراطورية الفرنسية سابقا، فإن المطبخ الكمبودي بقي متفردا بمذاقاته، متأثرا بمطابخ تبعد عنه في الجغرافيا، لكنها تقربه على المستوى الثقافي.

فالهند مثلا -التي تعد الملهم الأول، بحكم تقارب "البوذية الثيرافادية" التي يدين بها معظم الخميريين مع الهندوسية- لم تأثر فقط على موسيقى وأزياء الخميريين، بل تحول بفضلها اسم بهار الكاري إلى اسم وجبة دسمة هنا، تعد في الأعياد والأفراح والمناسبات الخاصة.

يقول الشيف "هينغ" -وهو يعمل في أحد الفنادق الفخمة بالعاصمة- "نحن نعد الكاري في احتفالات الزواج، والسنة الخميرية الجديدة، وفي أعياد الميلاد. لا يمكننا تحضيره كل يوم، فاللحم يأخذ وقتا في الطهي، ثم إنه ارتبط في أذهاننا بأيام البهجة".

وليس الكاري وحده ما يترجم تأثر المطبخ الخميري بالهند، فالسكر وكريم جوز الهند، يستعملان هنا أيضا في كثير من الأطباق الرئيسية، ويعتبران مكونين أساسيان لإضفاء لمسة جمالية على مأكولات الأعياد والمناسبات.
في العادة لا تحوي شوربة السمك خضاراً لكن في المناسبات الخاصة تضاف لها (الجزيرة)

يقول هينغ "تجدين على سفرتنا أطباقا كثيرة، متنوعة، وبمذاقات مختلفة، لدينا الحلو والمالح والحامض والمر أيضا، ولا يمكننا الاستغناء عن الصلصات إنها بمثابة المقبلات عندنا".

ولا يعد الفلفل -أو المذاقات الحارة- مكونا أساسيا هنا، كما هو الحال مع الدول الجارة مثل تايلند وماليزيا، كما لا يعد الرغيف الفرنسي والقهوة المحلاة بالحليب المكثف، وجبة الفطور الاعتيادية.

فالمستعمر لم يفلح في فرض ثقافته على المجتمع رغم القوة وطول المعركة. إذ إن تلك البدائل بقيت مجرد خيارات في بعض المطاعم للأجانب والسياح، ولم تجد لها في أي يوم مكانا ثابتا في المطبخ الكمبودي.

وعن ذلك يحكي الشيف "نحضر هنا فطورا فرنسيا، فالزبائن بفندقنا غير معتادين على وجبة فطور خميرية، نحن نفطر على الأرز اللزج أو المعكرونة، وشخصيا عندما أفطر بالقهوة مع الحليب المكثف والرغيف الفرنسي، أحس كأن معدتي فارغة".

وأثّرت الصين في المطبخ الكمبودي أيضا، فاليوم لا يُستغنى عن "أتشيناموتو" -أي الملح الصيني- في أي وجبة من وجبات الخميريين، والأرز لا تكتمل سفرة من دونه، والمعجنات أيضا هي وجه آخر لهذا التأثير الثقافي.


فواكه استوائية تعد وجبة ضيافة شرفية في كمبوديا (الجزيرة)

لكن يبقى المطبخ الفيتنامي أقرب المطابخ إلى المطبخ الكمبودي، إن أردنا المقارنة. فبغض النظر عن الاحتلال الفيتنامي المؤقت في تسعينيات القرن الماضي لكمبوديا، فإن أحداثا أعمق منه مزجت على مر التاريخ بين ثقافة هاذين البلدين.

تقول "أرمان"، الأستاذة الكزاخية المقيمة في العاصمة بنوم بنه لأكثر من ثماني سنوات، "تعد هجرة التشاميين بعد سقوط إمبراطورية تشامبا ونزوحهم إلى مملكة كمبوديا، أهم حدث سيؤثر فيما بعد على مستويات عدة، من أبرزها المستوى الثقافي، وسيحول البلد من مملكة تجري خلف الثعابين والفئران والضفادع، إلى شعب يسخّر كل طاقاته لاستخراج ما تخزنه أنهاره من خيرات. وأقصد بذلك معجزة الصيد".

وعن الأثر الذي لعبه الفيتناميون، تقول أرمان "أعتقد أن وصول التشاميين إلى كمبوديا كان له أثر كبير جدا، فالخمير لم يكونوا صيادين، بل إن هناك قصة تقول إن سفينة غرقت في بحر "سيمهوك فيل"، ولم يتمكن من إنقاذ ركابها سوى الصيادين التشاميين، لأنهم الوحيدون الذين كانوا يعرفون السباحة في ذلك الوقت".

وتضيف: "كان المجتمع الخميري زراعيا بالأساس، وكانت الثعابين والصراصير والفئران وأنواع الحشرات واللافقريات والبرمائية الأخرى، تعترض طريق المزارعين على اليابسة. وهكذا بدأت قصة صيدها وأكلها، أما الأنهار والبحار فكانت لا تُستعمل إلا لتنظيف الملابس أو ري المزارع".

ويعد السمك اليوم من أبرز الأطباق في المطبخ الكمبودي، فليس التشاميون وحدهم من يعتمد عليه، بل إن الخميريين أبدعوا فيه أيضا، وأضافوا صلصات من الأعشاب المخللة لترافق أطباق السمك المشوي أو المقلي.
يقولون أنهم يعرفون مئات الأصناف من الأرز وأن ألذه ما لا يحتاج لإضافة أي شيء إليه (الجزيرة)


ولا يمكن فصل المطبخ عن الوضع الاقتصادي للبلد، فاليوم تتأثر كمبوديا بالحركة الاقتصادية السريعة، فكثير من المنتجات الصينية واليابانية بدأت تغزو السوق في الآونة الأخيرة، وهي تعد بديلا جيدا عن الأسماك واللحوم الطازجة، ناهيك عن الوقت السريع لتحضيرها.

قبل أسبوع كنت أتسوق في أحد المحلات التجارية في "كوك توك" حيث أسكن، كان أحد المطاعم اليابانية يقدم للزبائن وجبة سباغيتي معدة بصلصته الخاصة مجانا، طريقة تسويقية ذكية ليست فقط لترويج السلعة بل أيضا لاختراقها المطبخ المحلي.

تقول فوزية "عملت في ماليزيا عشر سنوات، كنت هناك أطبخ في المنزل، نستقبل الطلبات ثم تتكلف أختي بإيصالها إلى الزبائن بدراجتها النارية. الوضع هناك مختلف جدا، تستطيعين أكل الفواكه يوميا، وإعداد شوربة اللحم أحيانا، أما السمك فكنا نعده أكثر أيام الأسبوع. بعد عودتي إلى كمبوديا، تفاجأت أن ثمن كيلو السمك الذي كنت أشتريه بدولار واحد لا يقل عن خمسة دولارات. هذا غال جدا، ولا أعلم كيف سأدبر أموري هنا في المستقبل".

ولعل المقيمين في المدن الكبيرة التي تشهد نموا اقتصاديا سريعا، هم أكثر من يشتكي من صعوبة العيش. فالذين يعيشون على ضفاف نهر "جروي ميتري" مثلا، ما زالوا ينعمون بخيرات النهر معظم أيام الأسبوع.

آلة يديوية لاستخلاص حليب جوز الهند في المطبخ الكمبودي (الجزيرة)


تقول "ميان" -وهي فتاة في العشرين من عمرها تسكن على ضفاف نهر ميكونغ- "لا أتخيل يومي من دون سمك، نعده في الشوربة، مقليا، مشويا، أو حتى كعجين بعد خلطه مع البيض. السمك يمدنا بالبروتين الذي تحتاجه أجسادنا لتتحمل العمل، فنحن نقوم في الوقت ذاته بزراعة الأرز وبعض الخضروات التي تكفي حاجتنا".

ورغم التأثير الكبير للمطبخ التشامي على المطبخ الكمبودي، فإن للأول كثيرا من المميزات والتفاصيل، بعضها مرتبط بالدين، وبعضها الآخر بالوضع الاقتصادي لهذه العرقية.

وبغية التعرف على تقاليد التشاميين في الأعياد الإسلامية، رافقت إحدى المدارس الخاصة هنا أثناء تنظيمها إفطارا داخل يخت على نهر ميكونغ. كانت المائدة مزينة بأشكال متنوعة من الفواكه الاستوائية والحلويات المعدة في المنزل وأطباق السمك المشوي والخضار الورقية والصلصات المخللة.

سألت إحدى الطالبات إن كانت هذه هي سفرة رمضان الأصيلة عندهم، فقالت "رمضان بالنسبة لنا يعني الحلويات التي لا يمكننا إعدادها في الأيام العادية، والفواكه التي لا يمكننا اقتناؤها كل يوم، أما باقي الأطباق فنحن نحضرها حتى في الأيام الأخرى بلا شك".

ومما أثار انتباهي وأنا أتجول في سوق المسلمين بضواحي العاصمة، هو حلوى رمضان، أو بالأحرى القطاني المحلاة. وهي عبارة عن فاصولياء بيضاء وعدس وفول وحمص منقوعة في الماء ومحلاة بالسكر، وأحيانا ممزوجة بالملون الغذائي ليبدو منظرها جذابا للأطفال.

رغم أن بعض الفاكهة غير مستوردة إلا أن كثيراً من الأسر لا تقدر على شراءها سوى في المناسبات والأيام الخاصة (الجزيرة)


كثير من الأسر المسلمة التي تسكن في ضواحي المدن أو القرى تربط رمضان بالفواكه والحلى، ففاكهة "رامبوتان" الاستوائية -التي لا يقل سعر الكيلو الواحد منها عادة عن دولارين- تعد رفاهية لأسرة تعيش على زراعة الأرز أو تربية الماشية.

أما الخميريون، فهم في الغالب يعتمدون على لحم الخنزير، ولحم البط أيضا خصوصا بيضه، إذ يكثر هنا وجوده، فهو أكثر من الدجاج.

في السوق الليلي ببنوم بنه، أثار انتباهي مطاعم الحشرات المتنقلة، أكوام من الجنادب والصراصير والعناكب المشوية بالبهارات المحلية، والدود المقلي أيضا. سألت البائعة عن الفئران المشوية التي كنت قد سمعت عنها، فقالت لي إنها لا تكون في كل المواسم، لكن باستطاعتي أن أجرب حساء الدم إن أردت.

تقول ميان "نقدس كثيراً دم ما نقتله، سواء دم الدواجن أو الأبقار أو الخنازير. عند قتلنا للحيوان نقوم بثقب عنقه بواسطة قضيب حديدي ساخن جدا، ثم لا ندع دمه الساخن ينسكب على الأرض، بل نملؤه في قدر، ونطبخه بعد ذلك مع الماء المغلي وبعض التوابل. إنه لذيذ جدا".

ورغم كل الاختلافات التي تبدو جلية في مطبخ الشعب الواحد، فإن حلويات الدقيق الممزوج بالسكر وماء جوز الهند، والحساءات المختلفة التي لا يمكن الاستغناء فيها عن الملح الصيني، والمعكرونات، والكاري والأرز بأنواعه، بل حتى السمك والصلصات المخللة، ناهيك عن الفواكه التي تعد طبق ضيافة مكتملا وحدها؛ تبقى أساسيات المطبخ الكمبودي دون شك، وما اختُلف عليه ليس إلا دليلا على التنوع الثقافي الذي استطاعت المملكة أن تبقيه حاضرا رغم كل محاولات الإقصاء التي فُرضت عليها يوما ما.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/17-

جنائز الخمير.. دفن بالسر وأرواح ضحايا الحوادث شريرة

جنائز الخمير.. دفن بالسر وأرواح ضحايا الحوادث شريرة
في منطقة توناتا كيري، وبينما كنت مع زملائي نحتسي فنجان قهوة في شرفة أحد المقاهي قبل انطلاقنا للعمل، مرّ مجموعة من الناس يلبسون البياض، ويسيرون خلف حافلة صغيرة كتب عليها جنازة السيد سوك كونغ. كانت أصواتهم تعلو على أبواق السيارة، مرددين صلوات وأدعية باللغة الخميرية.

لم نستطع مرافقة الجماعة إلى المقبرة رغم إصرارنا. قيل لنا إن عملية الدفن تتم بسرية تامة ولا يحضر مراسمها سوى أهل الميت المقربين.

علمنا فيما بعد أن ذلك لم يكن بسبب تقليد بوذي، ولكن لدواع أمنية محضة عند أهالي توناتا كيري دون غيرهم، لأن ما تختزنه المقابر لم يكن جثت الموتى فحسب.

داخل هذه البيوت الصغيرة يتم تخزين عظام الميت ورماده ويسلم مفتاح الباب للابن الأكبر (الجزيرة)


يقول سارات -أحد سكان المنطقة- "في البداية كنا ندفن مع كل ميت دراجته النارية، وبعد ذلك لاحظنا أن لصوص المقابر يتسللون ليلا ويسرقونها، أما الآن فنحن نقوم بتعطيل الدراجة وتفكيكها في بعض الحالات"، ويؤكد سارات أنهم يعتقدون أن الميت سيقوم في الدار الآخرة بإصلاحها.

بعد موت أحدهم هنا، يقوم أهله بغسله وتلبيسه ثوبا أبيض ووضعه في مكان نظيف من البيت، وإحراق البخور قربه، وتعليق صوره الشخصية على الجدران.

تبقى الجثة ثلاثة أيام قبل الذهاب بها إلى المقبرة. تسمى بأيام العزاء أو أيام الرهبانية، ومنهم من يضيف عليها عدة أيام أخر، حيث ينقل الابن الأكبر جثة والده إلى أقرب معبد ليقوم الرهبان والكهنة هناك بتلاوة الصلوات عليها. عندها يكون بقاء الابن في المعبد إجباريا، إذ لا يجوز -بحسب التقليد هنا- أن يفارق الابن الأكبر للميت الجثمان حتى اليوم العاشر بعد دفنه أو حرقه.

عندما سألت سارات عن احتمالية تعفن الجثة خصوصا أنها تبقى خارج أي تبريد، قال "نحن نغسلها بماء الورد أو أي ماء معطر، ونواصل إحراق البخور قربها دون انقطاع، إنها تنتفخ بعض الشيء وهذا شيء عادي، لكنها تبقى برائحة طيبة، وذلك بفضل أدعية الحاضرين والغائبين أيضا".

بوابة تفصل المقبرة عن بيوت الكهنة والحراس والعاملين (الجزيرة)

تنقسم مراسم الدفن عند الخميريين إلى صنفين، فمنهم من يدفنون موتاهم كما هو الحال عند أتباع الديانات السماوية تقريبا، وآخرون يفضلون حرق الميت لاعتقادهم بأنهم بالحرق يخلصونه من عذاب اليوم الآخر.

يحكي لي جاري سوك في العاصمة بنوم بنه -وهو ينتمي لأسرة تقوم بإحراق موتاها- عن عملية الحرق، فيقول "على الابن الأكبر في الأسرة أن يتكفل بعملية حرق والده بعد موته، لإظهار احترام وتوقير الموتى عندنا"، ويضيف "كما أن عليه تحطيم الجمجمة بيديه، وكلما كان التحطيم دقيقا كانت روح الميت راضية على أهلها مرتاحة البال".

ويؤكد سوك أن عملية الحرق تتم في مساحات مكشوفة مثلما هو الحال في الهند وتايلند، وليست في محارق مخصصة من قبل الحكومة. وباستطاعة الجميع حضور مراسم الحرق، لكن لا يسمح لأحد أن يحطم عظام الميت ويطحنها سوى ابنه الأكبر.

في العاصمة الكمبودية بنوم بنه، كان حضورنا لمراسم الحرق يسيرا. تواصلنا مع رئيس كهنة معبد الحي، وأخبرناه برغبتنا في حضور مراسمهم المقدسة، وقد كان جوابه أن عرض علينا الذهاب في اليوم نفسه لجنازة تتم في أحد الشوارع الفرعية المؤدية لوات بنوم.
 
يتوسط كل صف من القبور قبر يعلوهم بنياناً يكون في الغالب قبر كاهن (الجزيرة)

على منصة خشبية ترتفع ما بين أربعة أمتار وسبعة، يوضع تابوت الميت عند إحدى زواياها. قال لنا الكاهن إن بعض الأسر تختار بناء هرم بدل منصة، لكن الجميع متفق على نقل الجثة أسفل المنصة لتحرق هناك على سطح الأرض، كما أنهم لا يختلفون على وجوب طحن العظام بآلة يدوية وتكسيرها يدويا أيضا.

يقول يورنغ -وهو راهب في معبد الحي أيضا- "طقوسنا مقدسة لم تتغير منذ آلاف السنين. لا يمكننا استبدال المقدس بالمستحدث، فذاك يضر بالأرواح المنتقلة إلى العالم الآخر، وهذا دورنا نحن ومسؤوليتنا الأساسية أمام أهل الميت أولا، وأمام روح الميت ثانيا لكي تنعم بالهناء وتكون راضية علينا".

بعد طحن العظام جيدا، يقوم الابن الأكبر بنثر رمادها في النهر، أو الاحتفاظ بها في بيته. حيث يوضع الرماد المجمع في قارورة زجاجية نظيفة وترش بشكل دوري بماء الورد، ثم توقد الشموع إلى جانبها وتراقب بشكل مستمر حتى لا تنطفئ.

يقول سوك "أكثرية الأسر تفضل التخلص من رماد الجثة وعظامه المطحونة في النهر، فضمان الإبقاء على الشموع مشتعلة ليس بالأمر الهين، لهذا فهم لا يستطيعون المخاطرة بروح الميت".
منصة لحرق جثة الميت ويمكن مصادفة مثل هذه المنصات في أي شارع إذ لا تؤمن الدولة فضاءات مخصصة لذلك (الجزيرة)


وعلى الرغم من قلة المقابر في العاصمة، فقد تمكنا من زيارة إحداها برفقة جارنا سوك. كانت هناك راية بيضاء على كل قبر. سألت الحارس بعد خروجي عن سبب وضع تلك الرايات، فقال "يمثل لنا اللون الأبيض الموت، لهذا نحن نلبسه لموتانا ونزين به قبورهم ونرتديه أيام الرهبانية الثلاثة". وشرح لي أن لون البهجة عندهم هو اللون الأحمر، ولهذا ترتديه العرائس هنا بدل اللون الأبيض، كما أن اللباس الكمبودي التقليدي مزيج من الألوان النارية، يطغى عليها اللون الأحمر.

لكن اللافت ربما في موضوع الموت عند الخمير، هو موتى حوادث السير وضحايا الأعاصير والزلازل وكل الذين يموتون بشكل غير طبيعي. فهؤلاء لهم معاملة خاصة جدا، وذكرهم عند الناس يشبه ذكر المصائب التي أودت بهم.

فجثتهم لا تنقل إلى بيوت الأهالي، ولا تحظى بأيام الرهبانية الثلاثة، بل تدفن في اليوم نفسه أو تنقل إلى أقرب معبد حتى يتمكن أفراد أسرته من رؤيته للمرة الأخيرة.

يقول الراهب يورنغ "نحن نعتقد أن تلك الروح تحمل قدرا شريرا، إن أبقيناها في منزل ذويها فستحمل الأقدار السيئة إلى أفراد ذلك البيت، لهذا نحن نأتي بها إلى المعبد، فالطاقة المقدسة هنا تكبح مطامعها الشيطانية". ويضيف مستدركا "قد يأتي من نسل الميت مثلا روح شريرة وتتناسخ في الأسرة، لهذا لا يسمح حتى بالبقاء طويلا إلى جانبها".

بعد مباركة الكهنة للميت يتم عرض الجثة على الآلهة قبل حرقها أو دفنها (الجزيرة)


في أيام العزاء الثلاثة -سواء في الموت غير العادي أو حتى في الموت العادي- عند الأسر التي ستقوم بمراسم الدفن أو التي تفضل الحرق، فإنه يحرم على أبناء الميت أن يشربوا الخمر. لكن المثير للاهتمام، أن باقي أفراد الأسرة -بمن فيهم زوجة الميت- والمقربين الحاضرين للمراسم، يسكرون إلى حد الإغماء، بل إن الأقرباء الذين يحرسون المقابر لعشرة أيام متواصلة يفعلون الشيء ذاته.

يقول سارات إن "أبناء الميت لا يأكلون إلا قليلا، وعليهم أن يمتنعوا عن الخمر، أما زوجته وباقي أقربائه فيفضل أن يشربوا الشراب المقدس ويأكلوا جيدا"، ويضيف أن "حراسة المقابر تدوم عشرة أيام بلياليها، يسكر فيها الأقرباء وهم يقومون بحراسة الميت وممتلكاته. نحن نعلم أنه في الأيام العادية قليلا ما يسكر الناس، لكن وقع أيام العزاء مؤثر جدا ولا يمكن لغير الشراب أن يخفف من حدته".

في الحافلة الصغيرة التي كانت تسير أمامنا في منطقة توناتا كيري، قيل لنا إن نعش الميت لا يحمل على الأكتف ولكن يكون بداخلها، لكن ما لفت انتباهنا في المشهد، كان حلق الجماعة شعر رؤوسها بشكل كامل، تماما مثلما يفعل كهنة المعابد. لم يكن الرجال والأطفال وحدهم من صنع ذلك، بل كانت النساء أيضا يكشفن عن رؤوسهن المحلوقة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-17/17-

السوق الليلي متنفس لمدن تنام عند المغيب

السوق الليلي متنفس لمدن تنام عند المغيب
لعل الكمبوديين من أكثر الشعوب توافقا بين ساعاتهم البيولوجية ومواقيت الطبيعة. فأيامهم مثلا تبدأ مع شروق الشمس، وبعد الغروب قلما تجد من يمشي في شوارع المدينة.

لكن كيف للعابرين من هنا، وللغرباء وللسياح الأجانب، ألا يغريهم اكتشاف أزقة هذه المدينة العتيقة، كيف لهم أن يقاوموا فضول التسكع بين البيوت المطلة على نهر ميكونغ الذي يخترقها من كل جهة ويصب في أكبر بحيرة في جنوب شرق آسيا؟!

تقضي العادة هنا بإغلاق كل الأسواق والمحلات التجارية أبوابها الساعة الخامسة مساءً. لكن هناك سوقا واحدا هنا، يفتح على عكس عقارب المدينة. إنه "السوق الليلي" بالعاصمة الكمبودية بنوم بنه.

تقول البائعة "تشينموني" عن عملها في هذا السوق "أنا أم لطفلين رضيعين، أقضي كل يومي معهما، وعند عودة زوجي من عمله أحضر هنا لأفتح دكاني".
خيمة لإحدى شركات الاتصالات المحلية بالسوق الليلي (الجزيرة)

وتعمل تشينموني في هذا السوق منذ عشرة شهور فقط. وتقول إنها كانت تبيع فطائر السمك المقلي بالبيض على طاولة متنقلة، لكن فترة الحمل أرهقتها، ولم تستطع مواصلة عملها. فانتقلت إلى السوق الليلي للعمل، وهي سعيدة به "في البداية كنت قلقة جدا، لم أكن أتوقع أن كثيرا من الزبائن سيقبلون على دكاني في ساعة متأخرة من الليل. وكان أول سؤالي لهم: ألا تنامون؟".

ويشتهر السوق الليلي بالمنتوجات الكمبودية التقليدية، والأسعار المناسبة. إذ يمكنك العثور على كل شيء هنا دون أن تضطر للتجوال والبحث في الأسواق الأخرى. فيوجد مثلا دكاكين لبيع الألبسة التقليدية، السراويل الواسعة والأقمصة المزينة بالرسومات، أو ما تدعى "الملائكة" كتلك الموجودة على قرميد القصر الملكي، وهناك أقمشة وشالات ملونة، وديكورات منزلية من الخشب الكمبودي، ناهيك عن طاولات لبيع العصائر الطازجة، حيث بإمكانك اختيار أكثر من فاكهة استوائية والتمتع بشربها باردة بدولارين فقط، أما المطاعم الجاهزة فتقدم كل المأكولات المحلية، بدءًا بالمعكرونة الإندونيسية مع الخضار أو فواكه البحر إلى أطباق البط المشوي. أما الحساء اللذيذ فهو متوفر كالماء.

تقول لي تشينموني "لا يأتينا السياح فقط، كثير من الزبائن من الخمير والتشام، وهم يأتون إلى هنا لأن الأثمنة رخيصة بالمقارنة مع الأسواق النهارية. تستطيعين الحصول على وجبة سباغيتي بدولار واحد هنا، لكن هذا الثمن غير متوفر في أي مكان في العاصمة، فأقل شيء هو ثلاثة دولارات لأي طبق تشترينه".

يجد السياح الأجانب في هذا السوق فرصة لشراء التذاكر والهدايا بأثمان لا تتوفر في أماكن أخرى في العاصمة (الجزيرة)


قد يفهم من اسم هذا السوق أنه يبقى مفتوحا طوال الليل، لكن توقيت إغلاقه مع منتصف الليل. وهذا يعد إنجازا عظيما لشعب لا يعرف ثقافة السهر أبدا.

وقبل أن يكون السوق وجهة للمحليين، فهو مقصد للسياح بالأساس. فموقعه المتميز الذي يقع وسط فنادق المدينة، ويحيط به أشهر مطاعمها، ويفصله عن الكورنيش مسافة خطوتين فقط، جعل منه أكثر الأسواق استيعابا للزوار.

يقول أحد الطلبة الجامعيين بالمدينة "أعود إلى السكن الجامعي متأخرا في العادة، بالنسبة لي ولزملائي السوق الليلي مكان رائع حقا. فبإمكاننا الوصول إليه في أقل من ربع ساعة بدراجاتنا النارية، والحصول على وجبة دسمة بأقل من دولارين". ويضيف "قبل سفري إلى كزاخستان، آتي إلى هنا وأقتني هدايا لأمي وإخوتي، الأثمنة معقولة جدا، والمنتوجات التقليدية يصعب أن نجدها في الأسواق الأخرى".

على منصة عرض تتوسط المساحة المربعة للسوق الليلي، تصطف أربع فتيات بالزي التقليدي الكمبودي، وخلفهن رجل يقف لبضع ثوان لتفحص الصوت والإضاءة. بعد ذلك يمتلئ المكان بألحان كمبودية أصيلة تعيدك لزمن إمبراطورية عظيمة قامت على هذه الأرض.

تقول تشينموني "في السابق كانت الفتيات يرقصن إلى جوار الملك بكامل زينتهن، الآن كل شيء تغير، حتى الأغاني والألحان أدخل عليها بعض التعديلات، فأغانينا الشعبية تشبه أدعيتنا التي نرددها في المعابد، أما ألحانها فهي أقرب للأغاني الهندية".

يتم تخزين أمتعة المحلات هنا في حاويات لكل بائع هنا حاويته الخاصة (الجزيرة)

وأطلق مصطلح "أصارا" على راقصات ملوك الإمبراطورية الأنغورية في السابق، أما الآن فهو يستعمل للفرق الموسيقية التقليدية، والتي تقدم عروضها باللباس الكمبودي التقليدي، وهو عبارة عن مزيج من درجات اللون الأحمر والأصفر، اللذين يشيران لتمازج الثقافتين البوذية والهندوسية، تماما كما هي أبنية المعابد التي صممت أسقفها على الطراز الصيني، أما أعمدتها وأسوارها فمن المعمار الهندي.

يستمر العرض الموسيقي إلى حين إغلاق السوق، لكن أصداءه تصل إلى آذان الساهرين على ضفة نهر ميكونغ، وتمتد إلى المطاعم الفرنسية والآسيوية على طول الرصيف المحاذي لشارع بنوم بنه.

وفي السوق الليلي أيضاً، تجد بائعي اللحوم الطازجة والمأكولات البحرية، كالسرطعون المتبل والمقلي والقواقع الغريبة والديدان المحمصة، والعقارب المشوية، وصلصة الثعبان وحساء دم البط الساخن.

وإلى جانب العاصمة يوجد سوق ليلي مماثل بالمدينة السياحية "سييم ريب" غير أن زائره لا يحسبه سوى بازار عادي، إذ أن طبيعة "سييم ريب" تختلف عن باقي مدن المملكة، فغالبا ما تنام بعد أن يغلق السوق الليلي أبوابه، وليس العكس.
أفاع منزوعة الجلد ومشوية وعلى يمين الصورة ديدان محمصة من الأكلات الشائعة في السوق الليلي (الجزيرة)


يقول "تشانكريسنا" وهو بائع أساور الفضة في السوق الليلي بالمدينة "أفكر في الذهاب إلى بنوم بنه، السوق هنا ليس محط أنظار المقيمين ولا حتى السياح، فالجميع يشتري من الباعة المتجولين بقرب معبد (أنغور وات) أو من تلك الدكاكين الصغيرة على متن القوارب".

وعلى عكس السوق الليلي في بنوم بنه -والذي يمثل الفضاء الوحيد الذي يختصر على السائح الوقت والمال في التعرف على الثقافة الكمبودية الأصيلة، حيث السياحة مقتصرة في العاصمة على بعض المتاحف والقصر الملكي والأسواق التجارية، ورحلة على متن قارب- فإن السوق الليلي في "سييم ريب" يمر عليه الغريب والقريب مر الكرام.

في مطعم للسمك بالشارع الفرنسي، جلست إلى قربي سائحة من الصين، وقد أتت مع أصدقائها لزيارة معابد "أنغور وات" وتقول "المكان هنا رائع حقا، لا يوجد في بلدي شيء بمثل هذا الجمال. زرت الشارع الفرنسي وتذوقت الطعام الكمبودي اللذيذ".

وعن السوق الليلي تقول "أثناء مرورنا من الشارع الفرنسي استرعى انتباهنا لافتة كتب عليها نايت ماركيت، لكنهم أخبرونا أنه سيغلق بعد ربع ساعة. كانت الـ 11 ليلا فقط. لم أفهم القصة، لكننا ابتعنا من سوق البحيرة هدايا تذكارية رائعة".
 
السابق

السابق

التالي

السابق

التعليقات