آخر تحديث: 2017/8/1 الساعة 08:34 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/9 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/1 الساعة 08:34 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/9 هـ
-1/13-

للقوة أوجه

محمد المختار الخليل
مدير تحرير الجزيرة نت

لا تنحصر شروط صناعة القوى العظمى في إنجاز قوة اقتصادية متقدمة، ومعدلات نمو مرتفعة، وإن كانت من شروط النهضة الأساسية. فالقوة العظمى المنوط بها قيادة شعوب أخرى وتقديم نموذج حضاري للعالم، تحتاج إلى تنزيل هذا النموذج على أرضها أولا، فتحقق معايير مجتمعية عالية إلى جانب الرفاه الاقتصادي والمنعة العسكرية.

الولايات المتحدة التي تقاسمت السيادة على العالم مع خصمها الأيديولوجي، الاتحاد السوفياتي، لعقود، وتفردت بقيادة المجتمع الدولي منذ ربع قرن، حققت الكثير من شروط النهضة والقوة داخل حدودها قبل أن تسعى لفرضها على الآخرين، سواء بالعصا أو بالجزرة.

بالطبع، فإن الدولة، التي قامت قبل بضعة قرون على أنقاض شعب آخر، يعيش في محميات بشرية، ربما لحمايته من الانقراض، وإن انقرضت حضارته وثقافته، ما عدا استعراضات فلوكلورية في المناسبات الثقافية والوطنية، لا تزال تعيش كابوسا يلاحقها باعتبارها القوة الأولى في العالم وصاحبة نظرية التفوق الحضاري.

لكن بالمقابل، تمكّن الغزاة القادمون من أوروبا أولا، ومن باقي دول العالم لاحقا، من تشكيل مجتمع متعدد الهويات والثقافات ومتعايش، تحت سقف قانون يسود الجميع، وبوتقة مجتمعية تستوعب كل قادم للبلاد، دون أن تصادر الخصوصيات الثقافية والذاتية للأشخاص والعرقيات المكونة للمجتمع.

المشهد السياسي والعسكري الأميركي الذي تغلب عليه لغة العصا، تقابله حركة مجتمع حي يولي اهتماما كبيرا بالفعل الثقافي وتوثيق الإنجازات الإنسانية المحلية والعالمية، ويسعى للتميز.

الوجه غير السياسي للولايات المتحدة غني ومتشعب، ويصعب ملاحقة تفاصيله، ويستحق التوقف عنده وتسليط الضوء على بعض زواياه. لذلك خصصنا الملف الرئيسي في هذا العدد للإطلالة على الوجه غير السياسي لأميركا.

نتعرف في هذا الملف على نماذج من حرية التعبير والتعليم، وإدارة المدن، وصناعة المتاحف على اختلاف اهتماماتها. فضلا عن التجمعات العرقية التي حافظت على خصوصيتها، والشخصيات التي ساهمت في ولادة هذا البلد، حتى وإن كان من أصول عربية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/13-

الأزموري المغربي.. أول من تواصل مع الهنود الحمر

الأزموري المغربي.. أول من تواصل مع الهنود الحمر

اعتماد بلعيد - فلوريدا

في القرن 16 وتحديدا في أحد أيام العام 1513 اقتاد بعض من البرتغاليين -الذين احتلوا مدينة أزمور المغربية المتهادية عند مصب أم الربيع- غلاما من أبنائها يدعى مصطفى الأزموري ثم باعوه في سوق النخاسة لأحد نبلاء البلاط الإسباني الذي عمده باسم نصراني هو "استيبانيكو" أو استيبان الصغير" والذي أصبح لاحقا مستكشفا كبيرا، إذ اعتبر أول عربي ومسلم وأفريقي يكتشف السواحل الأميركية ويعبر فلوريدا وتكساس وأريزونا ونيومكسيكو.

كان من بين طاقم البعثة التي أرسلها الإمبراطور الإسباني شارل الخامس عام 1527 بقيادة "بانفيلو دي نارفاييز" لاستكشاف مجاهل العالم الجديد، وكانت الرحلة محفوفة بكل أنواع المخاطر من كوارث طبيعية ومجاعة وأمراض وغيرها، وهو ما فتك بجل أفراد البعثة لينجو أربعة أشخاص فقط من بين ستمئة شخص هو عدد المبعوثين، وكان استيبانيكو أحد الناجين.

وبينما عاد رفاقه الثلاثة أدراجهم سالمين، فقد بقي استيبانيكو ماضيا في مغامرته، بعدما تم تكليفه مجددا من قبل نائب ملك إسبانيا في المكسيك بالبحث عن "مملكة سيبولا" أو مدائن مملكة الذهب السبع، بعد ما رأى منه من إتقان لخبرات التواصل والتعامل مع قبائل الهنود الحمر، بعد سنوات من مخالطتهم والتنقل من قبيلة إلى أخرى.

ملصق مهرجان إستيبانيكو الدولي الذي نظم في فلوريدا (الجزيرة)

وبمجرد وصوله قرية "هاويكو" التي اعتقد أنها أولى المدائن السبع التي ينشدها التاج الإسباني، قام هنود من قبائل "زوني" بقتله، كما جاء في عدة روايات من بينها ما رواه الكاتب المغربي مصطفى واعراب في كتابه "استيبانيكو الأزموري مغامر مغربي في أرض الهنود الحمر" والذي اعتبر رحلته أبكر رحلة شرقية إلى أميركا الشمالية، ومكنته أن يكون أول إنسان أسمر استكشف أراضي أميركا الشمالية، وأول أجنبي اتصل بحضارة الهنود الحمر.

في ولاية فلوريدا الأميركية، وتحديدا في مدينة سانت بيترسبورغ، لمست تقديرا كبيرا لتلك الشخصية في نفوس بعض سكانها الذين سمعوا به. بل إنه خلال لقاء حضره مع ممثلي المجتمع المدني، قال أحد المتحدثين "إن تاريخ قدوم استيبانيكو إلى أميركا دليل على قدم التواصل بين الشعوب الأميركية والأفريقية، وتأكيد على تشعب العلاقات بين أميركا وأفريقيا عموما، وليس شمالها فقط حيث يقع المغرب مسقط رأسه".

ومن بين الكتاب المغاربة الذين كتبوا عنه وأبرزوا سيرته في مؤلفاتهم، الكاتب الشيخ الصادق العثماني المقيم في البرازيل، والذي قال في كتابه "المسلمون بأميركا الجنوبية والعودة إلى الجذور" إن الأزموري قام خلال وصوله المكسيك "بدعوة الناس إلى الإسلام، وهو الأمر الذي قد يميل إلى الصحة، حيث وجدت آثار موريسكية أندلسية مغربية في المعمار المكسيكي، فتبدو بعض المباني كما لو كانت مساجد".

من المهرجان الاحتفالي بالمغربي استيبانيكو أو الأزموري (الجزيرة)


وفي حديثه للجزيرة نت قال الصادق العثماني إن الكتاب والفنانين السود في قارة أميركا الشمالية والجنوبية يعتبرون الأزموري أول رجل أفريقي يكتشف العالم الجديد، مضيفا أنه حتى الآن تقام حفلة سنوية إحياء لذكرى استيبانيكو الذي يحضر بقوة أيضا في فولكلور الهنود الحمر.

ويؤكد العثماني أن الرواية الشفهية لقبائل الهنود الحمر "زوني وهوبي" تذهب إلى القول إنه تم قطع رجلي الأزموري خشية أن يترك القبائل التي احتضنته ثم عبدوه مثل إله إلى أن مات وهو شيخ.
ومن بين المبادرات الأميركية أيضا لتكريم ذكرى الأزموري والاحتفاء به، تنظيم جامعة نيويورك بفلورنسا ندوة حوله في إطار الملتقى الثاني لفن تصوير الوجوه ذات البشرة السمراء، بمشاركة أساتذة مختصين في التاريخ.

وبينما يعرف الأميركيون تاريخ استيبانيكو ومغامرته وسط مجاهل أميركا ويحتفون به في عدة مناسبات، فإن كثيرا من المغاربة لا يعرفون شيئا عن ابن بلدهم الذي اختطف عبدا وأدرك شأنا عظيما لدى الهنود، خصوصا وأن المبادرات الرامية إلى التعريف به تظل ضعيفة إلى حد ما.

ورغم اهتمام كثير من الكتاب والأساتذة بتلك الشخصية في دراساتهم وبحوثهم ومؤلفاتهم، فإنه لم يكن محور إنتاج إعلامي أو سينمائي أو فني في المغرب، باستثناء وثائقي وحيد أنتجته القناة المغربية الثانية، أما على الصعيد العربي فقد خصصت قناة الجزيرة إنتاجا ضخما لوثائقي من جزأين ألم بملاحم ومغامرات الأزموري.

 

عازفة أميركية مشاركة في فعاليات مهرجان إستيبانيكو الدولي (الجزيرة)

ولدى سؤالي رئيس المجلس البلدي لمدينة أزمور التي ينحدر منها الأزموري وينسب اسمه إليها حول إمكانية إقامة تمثال له في مدينته، مثلما أقيمت منحوتة لرأسه من البرونز يحتفظ بها في "متحف غريس" بتكساس، وقال إنهم يطمحون إلى الاعتراف برموز المدينة التاريخية وإعادة الاعتبار لها وعلى رأسهم استيبانيكو.

وفي انتظار أن ينال الرجل الاعتراف الذي يستحقه في بلده، وسواء قتل كما تناقلت الروايات أم كانت حكاية قتله مجرد خدعة كما رجح بعض الباحثين ليعيش بين قبائل الهنود التي اعتبرته أشبه بإله بعدما أبان عنه من قدرة خارقة على التواصل معهم ومهارة كبيرة في مساعدة المرضى على العلاج، فإن استيبانيكو أو الأزموري تحول إلى أسطورة أميركية خالدة، حتى وإن لم يكن ذلك ما كان يرغب فيه البرتغاليون الذين خطفوه من أزمور، أو الإسبان الذين اصطحبوه عبدا وخادما في رحلة استكشاف العالم الجديد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/13-

الإذاعات المجتمعية غير الربحية رئة الأقليات

الإذاعات المجتمعية غير الربحية رئة الأقليات

اعتماد بلعيد - فلوريدا

تنتشر في مختلف الولايات الأميركية إذاعات غير ربحية، تم تأسيسها بهدف ضمان حرية التعبير للجميع كما ينص على ذلك الدستور الأميركي. وإثر تكتل معظم وسائل الإعلام خصوصا القنوات التلفزيونية والإذاعية منها في يد الشركات الربحية، لجأ عدد من الأميركيين إلى قانون يسمح لأي مؤسسة غير ربحية أن تمتلك إذاعة من أجل حماية حرية التعبير عن الرأي، وتمكن فئة معينة من المستمعين من خلق منبر إعلامي يحقق احتياجاتهم ويخصص مساحة للأصوات المهمشة عبر الأثير، شريطة أن تكون الإذاعة مستقلة وغير هادفة إلى الربح.

ولأن هذه الإذاعات المجتمعية التي ينشئها ثلة من أفراد المجتمع المدني تعتمد في مواردها أساسا على تبرعات المستمعين وسكان المناطق التي تبث فيها، فإنها تنهج سياسة القرب في نشراتها الإخبارية وشبكاتها البرامجية التي يتم بثها عبر مساحة جغرافية محدودة، بالإضافة إلى الاعتماد على الإنترنت وتطبيقات الهواتف الذكية التي أصبحت تتيح الاستماع لأي إذاعة في أي مكان كانت.

"بروكلين الحرة" واحدة من الإذاعات التي أنشأها المجتمع المدني بحي بروكلين الشهير في نيويورك، وهي فنية بامتياز تهدف إلى إسماع صوت كل الفنانين المحليين الذين لم يجدوا فرصة عبر منابر إعلامية أخرى. ومثل باقي الإذاعات المجتمعية فإن العاملين والمتطوعين في تلك الإذاعة يتمتعون بالحرية الكاملة في إعداد وتقديم برامجهم، بعيدا عن أي تعقيدات أو قيود قد يكون مردها مخاوف تجارية أو إشهارية بما أن الإذاعة غير هادفة للربح.

خلال بث أحد البرامج المباشرة بإذاعة بروكلين الحرة (الجزيرة)

وتعمل في نيويورك إذاعات مجتمعية كثيرة تبث عبر مختلف الولايات، وفي المدينة ذاتها تبث إذاعة WHCR903 وهي محطة مجتمعية تبث من الحرم الجامعي، وتهدف إلى خدمة الطلاب وأعضاء المجتمع في نفس الوقت. وتبث مجموعة من البرامج التعليمية والثقافية والاجتماعية والفنية التي تخاطب السكان في مناطق هارلم ومانهاتن، وصولا إلى نيوجيرسي، وهي المناطق التي تشكل حوض بثها.

وعلى الرغم من أن الإذاعة لا تحقق أي أرباح وتقوم على ما تتلقاه من تبرعات، فإنها استطاعت أن تخصص جزءا منها لتأمين لوازم مدرسية تبرعت بها لتلاميذ إحدى المدارس الابتدائية في أوغندا.

ومن بين الإذاعات من تلجأ إلى تأجير استوديوهاتها للراغبين في تسجيل أعمال فنية أو مهنية، من أجل خلق مصدر دخل إضافي لتمويل الإذاعة، خصوصا إذا كانت هذه الاستوديوهات مجهزة بأحدث التقنيات كما هو الشأن بالنسبة لإذاعة WMNF في مدينة تامبا بولاية فلوريدا.

وتخصص إذاعة WMNF برنامجا موجها للعرب والمسلمين الأميركيين يبث مساء كل جمعة ويطرح جميع القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط، وما يهم العرب والمسلمين في أميركا، يقدمه أميركيان من أصول عربية هما أحمد بدير وسمر دهمش جراح.

وتقول سمر جراح للجزيرة نت "برنامجنا الإذاعي يناقش كل قضايا الأمة العربية والإسلامية والأميركية دون وجود رقابة أو قيود أو خوف من اتصال مسؤول حكومي يمكن أن يطالب بإلغاء البرنامج أو معاقبتي وزميلي أو شخص نجري مقابلة معه".

 

سمر أثناء تقديم برنامجها الإذاعي الذي يتناول القضايا التي تهم العرب والمسلمين في الولاية (الجزيرة)

وتضيف أنهم في برنامجهم يشرحون تعاليم الإسلام والمصطلحات الدينية التي يفهمها الأميركيون بشكل خاطئ، مثل الجهاد والشريعة وغيرها، كما يناقشون القضية الفلسطينية من منطلق عربي بحت، وهو أمر نادر جدا حدوثه في أميركا على مستوى المحطات الربحية.

ويلقى البرنامج الكثير من التفاعل والمتابعة من طرف الأميركيين الذين يجدون فيه صوتا مغيبا عن باقي القنوات والإذاعات الأميركية الأخرى، ويفسح المجال أمام مختلف المتدخلين سواء كانوا ضيوفا حاضرين في الاستوديو أو مشاركين عبر خطوط الهاتف المباشرة، يسبر مواقفهم ويستمزج آراءهم بخصوص مختلف القضايا التي تطرح للنقاش.

ووفق المذيعة فإن الاتصال المباشر مع المستمعين يكون أيضا عبر لقاءات دورية وحفلات موسيقية واستفتاءات سنوية، الهدف منها معرفة المزاج العام، كما أنه بإمكان هؤلاء المستمعين أن يطلعوا على ميزانية المحطة الإذاعية التي يشارك أعضاء المجتمع المدني في مجلس إدارتها وفي أجنداته.

وعن أهم ما يميز هذه الإذاعات المجتمعية، تقول سمر التي عملت فيها منذ سنوات إن هذه النوعية من المحطات لا ترضخ لقيود الشركات الكبرى التي تصرف الملايين من أجل الدعاية لها عبر الإذاعات، بل تحصل على الأموال من المواطن الذي يستمع لها، وهذا يعني وجود مساحة كبيرة من الحرية، ولذلك من السهل نقد الحكومة والرئيس والسياسات الداخلية والخارجية دون الخوف من رد فعل شركة كبرى أو مسؤول مهم يمكن أن يعترض على ما يقال أو يناقش.

وبالتالي فإن الإذاعات المجتمعية كفلت لكل مواطن حقه بأن يكون له صوت في محيطه أو قريته أو مدينته الصغيرة التي قد يطالها التهميش من قبل المحطات الإذاعية الخاصة أو الحكومية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/13-

إيبور.. حكاية الحي الكوبي وسيجاره بفلوريدا

إيبور.. حكاية الحي الكوبي وسيجاره بفلوريدا

اعتماد بلعيد - فلوريدا


غير بعيد عن البنايات الضخمة وناطحات السحاب الشاهقة في مدينة تامبا الواقعة في ولاية فلوريدا الأميركية، توجد منطقة منبسطة تبدو كأنها مجتزأة من التاريخ اسمها "مدينة إيبور"، وهي حي تاريخي قديم المعمار من معالم المدينة القديمة، جدرانه العتيقة بقيت صامدة في وجه كل الأعاصير والعواصف الرعدية التي غالبا ما تضرب تامبا، وتشهد على حقبة كان خلالها الحي مركزا مهما للشركات المختصة في صناعة السيجار الكوبي بتبغه المستورد من كوبا.

على بعد بضعة أميال من حي "هافانا الصغيرة" الشهير الواقع في مدينة ميامي القريبة من تامبا، يوجد حي السجائر هذا، ومثلما هو الأمر في هافانا الصغيرة تنتشر هنا أيضا على نحو كبير مشاغل صناعة وبيع السيجار الكوبي الفاخر، تلوح وراء زجاج المحلات التجارية كميات كبيرة من السجائر الملفوفة أو التي تنتظر دورها، في وقت يعكف العاملون على صناعة هذه السجائر يدويا، ولفّها بحرفية وسهولة لا تتأتى إلا لمن أمضى وقتا طويلا في مثل هذا العمل، قبل تغليفها ببلاستيك شفاف يكون أحيانا ذا حواف مذهبة ليستقر السيجار في المرحلة الأخيرة وسط علبة أنيقة.

ولا تقتصر صناعة وبيع السيجار الكوبي في الحي على المحلات التجارية فقط، بل يقام سوق كبير ومفتوح في الهواء الطلق، تعرض فيه أنواع السيجار فوق طاولات منبسطة إلى جانب منتوجات وأكلات محلية وحيّاكات يدوية وغيرها، وتختلف أسعار السيجار المعروضة من نوع لآخر، حسب نوعية اللفائف ونوعية التبغ والمكان الذي استقدم منه.

بائعة للسيجار الكوبي في سوق بحي إيبور ذو الأغلبية الكوبية في ميامي (الجزيرة)


بجانب إحدى الطاولات جلست "جوانا"، وهي صانعة وبائعة في الوقت نفسه، رتبت أمامها السيجار المعروض للبيع بكل عناية، ووضعت إلى جانبها ما يلزم من أوراق مجففة ومعالجة وحشوة للاستمرار في عملية لف السيجار، بينما تعرض بضاعتها للبيع، ومن وقت لآخر تمسك بسيجارها، تدخنه بانتشاء قائلة بمرح، بينما أهم بالتقاط صورة لها، "السيجار ليس للزعماء فقط"، في إشارة لارتباطه بمجموعة من الزعماء والرؤساء الذين اشتهروا بتدخينهم السيجار الكوبي، ومن بينهم فيديل كاسترو ووينستون تشرشل وتشي غيفارا وغيرهم.

لا تبعد ولاية فلوريدا الأميركية إلا 140 كيلومترا عن كوبا، وقد شكلت مقصد اللاجئين الكوبيين مطلع الستينيات من القرن الماضي عندما فروا من البلاد بعد ثورة كاسترو. ويعود اسم حي "إيبور" إلى رجل الأعمال فسسينتي مارتينيز إيبور ذي الأصل الإسباني، الذي كان من أشهر صانعي السيجار الكوبي، وقد نقل صناعته من كوبا إلى تامبا.

في العام 1885 أسس إيبور مدينة صغيرة في هذه المنطقة بعدما استقر اختياره عليها بسبب طقسها الحار والرطب، وهو شرط أساسي للحفاظ على جودة التبغ، لتصبح المدينة عاصمة لتصنيع السيجار الكوبي بأيدي الكوبيين المهاجرين، الذين وظفهم إيبور في شركته. كما ساهم في تنمية المنطقة بشكل سريع من خلال الاستثمار في قطاعات أخرى مثل العقار ومحطات الوقود والتأمين وغيرها، وقد ألحقت المدينة التي حملت اسمه لاحقا بمدينة تامبا كحي من أحيائها. وفي قلب هذا الحي ينتصب تمثال من البرونز تقديرا لمؤسسه فسينتي مارتينيز إيبور.

مركز مدينة إيبور الكوبية في فلوريدا (الجزيرة)

الحضور الكوبي كثيف ليس في هذا الحي فقط، بل في أحياء ومدن كثيرة من فلوريدا، من بينها ميامي وتحديدا هافانا الصغيرة الشهيرة باحتضانها برج الحرية، الذي تمت في الساحة المحيطة به عملية تسجيل اللاجئين الكوبيين الوافدين على الولاية من قبل السلطات الأميركية في انتظار العودة إلى كوبا، قبل أن يصبحوا جزءا من الأميركيين، ويتجاوز عددهم 1.5 مليون شخص في أميركا.

تميزت هذه الأحياء الكوبية بصناعة السيجار رغم أن التبغ المستعمل لم يكن مسموحا بإحضاره من كوبا، التي تشتهر بجودته، بسبب الحظر الأميركي الذي استمر لحوالي خمسين عاما، قبل تخفيف قيود التبادل التجاري الذي سمح للأميركيين بجلب التبغ الكوبي إلى الولايات المتحدة.

ورغم أن الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب قرر إلغاء الاتفاق الذي وقع في عهد سلفه باراك أوباما مع كوبا، فإنه أكد أن سفارة بلاده في هافانا ستبقى مفتوحة، ولن يحدث أي تغيير على مستوى المنتجات والبضائع الكوبية، التي تستوردها الولايات المتحدة ومن بينها السيجار الكوبي.
مشغل لتصنيع السيجار يدويا في إيبور (الجزيرة)



ولم يحافظ الكوبيون في فلوريدا فقط على صناعة السيجار الكوبي وأسراره، بل يحتفظون أيضا بالأعلام الكوبية، وكثير من البائعين في سوق إيبور كانوا يعرضون ملابس طُرز أو طُبع عليها العلم الكوبي، ومنهم من علقه إلى جانب ما يعرضه من منتوجات للبيع، كما لم تخل السوق من فرق موسيقية تعزف أنواعا مختلفة من الموسيقى والعديد من الأكشاك لبيع قهوة "الكورتاديتو" الكوبية، التي تصب في أكواب صغيرة جدا.

وغير بعيد عن السوق في الحي نفسه يقع "متحف السيجار"، وهو متحف حكومي يفتح أبوابه أمام الراغبين في الاطلاع أكثر على تاريخ صناعة السيجار، التي تميز فيها الكوبيون ونقلوا أسرارها معهم إلى ولاية فلوريدا الأميركية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/13-

جامعات أميركية عريقة.. التعليم بالعمل الميداني

جامعات أميركية عريقة.. التعليم بالعمل الميداني

اعتماد بلعيد - نورث كارولاينا


ليست الجامعات الأميركية فضاء للتعلم النظري فقط، بل تقدم لطلابها فرصا للعمل والتطبيق والتدريب، وتوفر لهم كل الإمكانيات المطلوبة التي يمكن أن تساعدهم على الإبداع والابتكار. وجامعة نورث كارولينا التي تعد واحدة من الجامعات الأميركية العريقة تمنح طلبتها بالإضافة إلى الدروس الصفية إمكانية الممارسة العملية والتدريب والعمل الميداني، مما يكسب الطلبة المهارات المطلوبة من أجل الابتكار وولوج عالم الشغل، وهم على قدر كبير من التمكن والإتقان.

في كلية الصحافة التابعة لجامعة نورث كارولينا على سبيل المثال، تُدرَّس مجموعة من الاختصاصات من بينها الإعلام والوسائط المتعددة والغرافيك ووسائل التواصل الاجتماعي. ولأن دراسة هذا التخصص لا تستقيم دون ممارسته بشكل عملي، فإن الجامعة تضع رهن إشارة طلبتها تجهيزات تكنولوجية حديثة وتنظم ورش عمل حقيقية، جعلت كثيرين منهم يبتكرون تطبيقات مميزة، أصبح بالإمكان تحميلها عبر الهواتف والأجهزة الذكية، وكثير منها يتمتع بشهرة واسعة حاليا في أميركا وخارجها.

وبالنسبة للطلبة الذين يتخصصون في الصحافة المكتوبة والإلكترونية، فإن الكلية عملت على إطلاق صحيفة خاصة لتكون المحطة الأولى في مشوارهم المهني. يتدربون فيها ويكتشفون من خلالها أسرار العمل الصحافي المهني والميداني، ولا فرق بين الصحيفة التي تحمل اسم "ديلي تار هيل" وبين باقي الصحف الأميركية المتداولة، سواء على مستوى المواضيع التي تهتم بها أو على الطريقة التي صيغت بها مقالاتها، أو على مستوى الحرفية في توضيب الجريدة وإخراجها وطبعها.

مجموعة من التطبيقات والعلامات التي ابتكرها طلاب الجامعة (الجزيرة)


تم تأسيس هذه الجريدة عام 1893، كانت في البداية جزءا من أنشطة الجمعية الرياضية في جامعة نورث كارولينا، قبل أن تستقل عنها وتصبح ذاتية التمويل، فالجامعة لا تساهم في التمويل الذي أصبح مصدره الإعلانات المكثفة التي تنشر على صفحاتها، خصوصا أنها توزع على نطاق واسع، إذ تصدر خمسة أعداد أسبوعيا، ويوزع من كل عدد قرابة 15 ألف نسخة يوميا، في أكثر من مئة مركز بيع في مدينة "تشابل هيل" مجانا.

وتكريسا لدورها كجريدة تشكل ورشة دائمة لطلبة الصحافة في الجامعة، فإن طاقمها الصحافي يتشكل بالكامل من طلبة كلية الصحافة، ولا يعين أي صحفيين محترفين للعمل فيها، باستثناء مستشاري غرفة الأخبار، وهم صحفيون محترفون يعملون على تقديم الاستشارة للطلبة وتدريبهم.

من بين هؤلاء إيريكا بيريل التي قالت للجزيرة نت "إن الصحافة مجال تتعلم فيه كلما مارسته، التعليمات الصفية والدروس النظرية مساعدة، لكن عندما يكون عليك إجراء مقابلة مع مصدر أو التقاط صور، فعلى الصحفي أن يقوم بكل ذلك".

وتضيف إيريكا أن "ديلي تار هيل" صحيفة طلابية بامتياز، توفر للطلاب بيئة صحفية وعالما حقيقيا للتعلم من خلال الممارسة اليومية، مؤكدة "على الطلاب الصحفيين أن يتخذوا قرارا بعد آخر، وبناء على ذلك فهم يتعلمون من عواقب تلك القرارات".

طلاب الجامعة خلال عملهم في المختبر المعلوماتي (الجزيرة)


وإدراكا منها لأهمية الممارسة العملية إلى جانب الدروس النظرية، فإن الجامعة توفر أيضا تجهيزات حديثة لطلبة الإعلام السمعي البصري، من بينها استوديوهات مجهزة بطريقة حديثة ومتطورة من أجل إنتاج نشرات وبرامج إذاعية وتلفزيونية لا تقل جودة عن أي نشرة أو برنامج في أي من القنوات التلفزيونية الأميركية المعروفة.

ولأن الرياضة جزء مهم من الثقافة الأميركية فإنها تلقى أيضا اهتماما كبيرا على صعيد التعليم الجامعي، وجل الجامعات تتوفر على فرق وطنية تنافس ضمن دوريات رياضية مختلفة على صعيد جميع الولايات.

وفي جامعة نورث كارولينا يعتبر فريق كرة السلة من أكثر الفرق الطلابية قوة على مستوى أميركا، كما تتوفر في الجامعة بنية تحتية رياضية ضخمة، من بينها ملعب "كينين" لكرة القدم الأميركية والذي يتسع لأكثر من ستين ألف متفرج، وهو أكبر حجما وسعة من كثير من الملاعب الرياضية التابعة لأندية عربية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/13-

تشابل هيل.. مدينة جامعية بالأبيض والأزرق

تشابل هيل.. مدينة جامعية بالأبيض والأزرق

اعتماد بعليد - نورث كارولينا

سمع كثير من العرب بمدينة "تشابل هيل" لأول مرة بعد الجريمة البشعة التي راح ضحيتها ثلاثة طلبة مسلمين على إثر إطلاق النار عليهم في فبراير/شباط 2015، وكان الطلاب الثلاثة يتابعون دراستهم في جامعة "نورث كارولينا"، التي تعتبر محور حياة هذه المدينة الصغيرة، خصوصا وأن عدد سكانها لا يتجاوز ستين ألف نسمة.

وقد تأسست تشابل هيل بعيد تأسيس الجامعة من أجل خدمتها، فنمت حولها حتى أصبحت اليوم إحدى الزوايا الثلاث لمثلث حديقة الأبحاث الذي تشكله، وبالإضافة إلى تشابل هيل توجد "دورهام" و"رالي".

وتختلف هذه البلدية عن باقي بلديات ولاية كارولينا الشمالية، إذ تكاد تنتفي فيها أي مظاهر للبنيان الضخم أو العمارة المرتفعة، ومعظم بيوتها وبناياتها ذات سقوف هرمية منخفضة الارتفاع، ولا وجود فيها لناطحات السحاب التي تتناثر في باقي المدن الأميركية.

فقد صوت سكان المدينة خلال أحد الاستفتاءات التي ينظمها مجلس المدينة على أن تقتصر المباني الضخمة على الحرم الجامعي فقط، معارضين تشييد الأبراج والعمارات ذات الارتفاع الكبير في بلدتهم، التي يتسق شكل بناياتها الحالي مع طبيعتها الخلابة وانتشار الأشجار والفضاءات الخضراء بكثافة عبر أرجائها.

ولأن الجامعة التي هي عصب الحياة في هذه المدينة تتخذ من اللونين الأبيض والأزرق شعارا لها، فقد أصبح اللونان شعارا للمدينة كلها، وإذا كنتم تعتقدون أن سيارات وشاحنات الإنقاذ عادة ما يكون لونها هو الأحمر كما اعتدتم في بلدانكم وحتى في أميركا نفسها، فعليكم تغيير هذا الرأي لأن لونها في مدينة تشابل هيل أزرق وأبيض.

الحرم الجامعي بتشابل هيل (الجزيرة)

ولا يقتصر الطلاء باللون الأزرق والأبيض على شاحنات الإنقاذ، بل إن باصات المدينة هي الأخرى باللونين معا. كما يطغى الأبيض والأزرق على مظاهر حياتية كثيرة في المدينة، إذ ترتدي الفرق الرياضية ملابس بذات اللونين، وتنتشر عبر المحال التجارية منتجات كثيرة باللونين أيضا تحمل شعار الجامعة.

ويتناقل بعض سكان المدينة الذين التقيتهم حكاية قديمة تقول إن اختيار الأبيض والأزرق لونين رسميين يرجع إلى الاعتقاد الذي كان سائدا لدى الناس بأن الله بارك الجامعة التي أنشئت في هذا المكان، ولذلك كانت السماء تبدو دائما زرقاء اللون وصافية، ومن ثمة اعتمد الأزرق والأبيض كلونين رسميين للجامعة وبعدها للمدينة.

وبالإضافة إلى ريادتها في العلوم والبحث والتكنولوجيا، فإن تشابل هيل تعتبر رائدة أيضا على مستوى مجموعة من المبادرات المجتمعية والإدارية التي قام بها مجلس المدينة الذي يتكون من ثمانية أعضاء يترأسهم العمدة، من بين هذه المبادرات إحداث نظام حافلات مجاني، وهو الثاني من نوعه في الولاية بعد الذي أحدث في مدينة شارليت.

ويستخدم هذه الحافلات سنويا قرابة سبعة ملايين راكب دون أية رسوم. وهو القرار الذي جرى اتخاذه بعد القيام بدراسة كشفت أن حوالي 19% من النفقات الشخصية للمواطن الأميركي تذهب أساسا للتنقل بين المنزل ومقر العمل.

باصات تشابل هيل بالأزرق والأبيض المعتمدين كألوان للمدينة (الجزيرة)

ولدى المجلس أيضا مشروع يهدف إلى توفير السكن غير المكلف، من أجل توفير منازل وشقق لجميع من لا يسمح لهم دخلهم الشهري بالشراء. وقالت "سالي غرين" عضو مجلس المدينة للجزيرة نت إن "تشابل هيل تواصل تقديم سوق جيدة للمطورين العقاريين، والتحدي الذي نواجهه هو القدرة على التنمية عبر مشاريع يمكن للمجتمع المحلي دعمها، والحصول على مساكن للإيجار ميسورة التكلفة من بين هذه التحديات، لأنه لم يثبت أن المطورين على استعداد لتلبية هذه السوق. ومن أجل تحقيق ذلك يتعين علينا إشراك المنظمات غير الحكومية، أو علينا أن نكون قادرين على تقديم إعانات لسد الفجوة، أو الأمرين معا".

وتوثيقا للارتباط بين المدينة والجامعة اللتين تجتمع إدارتهما بشكل دوري كل ثلاثة أشهر، فإن هناك تعاونا مشتركا من أجل إيجاد حلول لكثير من القضايا من بينها السكن، وحسب "سالي غرين" فإن هناك مشاريع مشتركة بينهما، من بينها مثلا توفير السكن بأسعار معقولة.

ومثالا على علاقة التعاون بينهما، قالت غرين إنه قبل بضع سنوات التزمت الجامعة بمنح مبلغ ثلاثة ملايين دولار لصندوق يساعد على تحقيق الاستقرار في سوق الإسكان في منطقة نورثسايد، وهي حي أميركي أفريقي تاريخي يقع قرب الحرم الجامعي، وكان مهددا بتحويله بالكامل إلى سكن بالإيجار للطلبة، كما يستخدم جزء من تلك الأموال لشراء المنازل بأسعار السوق، وإعادة بيعها للأسر مع تسهيلات وفوائد طويلة الأجل.

وفي المجال البيئي، تعتبر تشابل هيل من المدن الأميركية الصديقة للبيئة، إذ تمتلك أعلى معدلات لتدوير للنفايات بين جميع مدن الولايات الأميركية، وعبر مختلف شوارع وأحياء ومجمعات المدينة السكنية تنتشر أنواع من الحاويات، وضعت رهن إشارة السكان والزوار من أجل إلقاء النفايات فيها، كل حسب المحتويات التي خصصت لها، وهو ما قالت عنه سالي غرين عضو مجلس المدينة "أعتقد أننا متميزون في تقييم البيئة الطبيعية التي لدينا، وفي تقييم إستراتيجيات النقل البديلة، وإنتاج الطاقة والاستهلاك، لكي نحقق النمو المستمر".

 

أطفال يغرسون الأشجار في مدينة تشابل هيل المعروفة بالاهتمام بالبيئة والمحافظة عليها (الجزيرة)

وتعد مدينة تشابل هيل أيضا موطنا لفنون الشارع وراعيا لها، إذ ينظم فيها سنويا معرض الشوارع ومهرجان الخريف الذي يحضره عشرات آلاف الزوار، كما تتزين جدران مبانيها بجداريات ضخمة رسمها الفنان الشهير مايكل براون، وهو أحد خريجي جامعة "نورث كارولينا"، التي تتعاون مع مجلس المدينة في تنشيط الحياة الثقافية أيضا.

وقد انتهى المجلس مؤخرا من محادثات مع الجامعة بشأن منطقة وسط تشابل هيل التي تشكل الحدود بين المدينة والحرم الجامعي، رأى المجلس أنها ينبغي أن تشكل فضاء للفنون والثقافة.

وترأست سالي غرين لجنة تستكشف إمكانيات إنشاء مركز ثقافي أو متحف، بحيث يساهم فيهما أساتذة الجامعة المهتمين من خلال تقاسم خبراتهم مع مجتمع أكبر، وفق غرين التي أضافت للجزيرة نت "أعتقد أن لدينا بعض الأشياء المشتركة مع المدن الجامعية الأخرى، مثل بيركلي في كاليفورنيا، أو آن أربور في ميشيغن، وهي أن المدينة الجامعية تنتج قاعدة تعليم عالية ومتفاعلة مع المواطنين، ومن دواعي سروري أن أعمل مسؤولة منتخبة في مثل هذه البيئة، بالنظر إلى مستوى الخطاب المدروس والمستنير داخلها".

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/13-

المتاحف الأميركية.. تبهر الزوار وتعلم الطلاب

المتاحف الأميركية.. تبهر الزوار وتعلم الطلاب
متحف الأخبار في واشنطن (الجزيرة)

اعتماد بلعيد - فلوريدا

على ضفاف بحر فلوريدا يقع متحف الفنان الإسباني سلفادور دالي، وهو واحد من أجمل المتاحف تصميما وأكثرها شهرة في مدينة سانت بيترسبورغ الأميركية، مئات الألواح الزجاجية مثلثة الشكل تغطي بناية المتحف من الخارج وتعطيه من الداخل إطلالة رائعة على الواجهة البحرية، حيث ترسو عشرات اليخوت الخاصة. ويعرض في هذا المتحف الذي لا يقل تصميمه سوريالية عن رسومات صاحبه، تشكيلة من أعمال دالي الخالدة تعتبر أكبر مجموعة له تعرض خارج بلاده إسبانيا.

ورغم أن تذكرة دخول المتحف تكلف حوالي 24 دولارا، فإنه يعج بالزوار الذين يأتون من مختلف دول العالم لمشاهدة لوحات الفنان الراحل، وقد التقيت عند زيارتي للمتحف بأفواج من السياح الأوروبيين الذين كانوا يستعينون بمرشدين ضليعين في فن دالي يستخدمهم المتحف تلبية لرغبات الزوار، وخصوصا المنتظمين ضمن مجموعات، في حين استعان عدد من الزوار الفرادى بسماعات إلكترونية للاستماع إلى نبذة موجزة عن كل لوحة يشاهدونها.

ولم يكن هذا المتحف الوحيد الذي زرته في الولايات المتحدة الأميركية ووجدت أنه مكتظ بالزوار، ففي واشنطن العاصمة كان متحف علوم الطيران والفضاء، وهو متحف مفتوح أمام الزائرين بالمجان، مزدحما بالزوار الأميركيين والأجانب.

سياح يستمعون لشرح المرشد حول اللوحات الفنية المعروضة في متحف دالي بفلوريدا (الجزيرة)


مصطفى الناصحي أستاذ جامعي من المغرب كان من بين زوار المتحف، ويقول إنه تفاجأ عندما زار متحف اللوفر في فرنسا وعرف أن ملايين الزوار يزورونه سنويا، لكن دهشته كانت أكبر عندما رأى هذا العدد من الزوار دفعة واحدة في متحف علوم الطيران والفضاء في العاصمة الأميركية.

ويعبر الناصحي عن انبهاره بما يحتويه المتحف حول تاريخ وتقنيات الطيران والفضاء، وبكونه يشكل أيضا مركزا للبحث في هذه العلوم، وهو ما لا يتوفر في بلداننا العربية، وأنه سيحرص على نقل تجربته هذه لطلابه في الجامعة.

ويؤكد أن جل المتاحف الأميركية التي زارها تدل على الأهمية الكبيرة التي يوليها الأميركيون، سواء كانوا مسؤولين أم مواطنين عاديين، للحفاظ على التاريخ والثقافة والاحتفاء بإنجازات الإنسان.

وفي واشنطن العاصمة أيضا، وعلى مقربة من متحف علوم الفضاء والطيران يقع متحف الأخبار أو "نيوزيم"، الذي كلف بناؤه حوالي 85 مليون دولار، وهو أيضا يعتبر من بين المتاحف الشعبية التي تحظى بإقبال مكثف للزوار.

من متحف علوم الطبيعة في ولاية نورث كارولينا (الجزيرة)


على واجهة المتحف الأمامية كُتب جزء من الدستور الأميركي يتضمن الحقوق الطبيعية الخمسة التي يتمتع بها الأميركيون، وحسب "كورتني"، وهو مرشد سياحي يرافق زوار المتحف في جولات يعرفهم خلالها على محتوياته وتاريخها، فإن المهندس المعماري الذي أشرف على تصميم وبناء متحف الأخبار أراد من خلال كتابة هذه الحقوق على الواجهة إيصال رسالة مفادها أن هذا المتحف بني على أساس هذه الحقوق، التي بذل الأميركيون تضحيات جسيمة من أجل إقرارها وتكريسها.

وتنتشر المتاحف في عموم الولايات المتحدة، ولا تقتصر على المدن الكبيرة وذات الكثافة السكانية فقط، بل توجد متاحف شهيرة في مناطق ريفية، وأخرى لا يتجاوز عدد سكانها المئات، وحسب معهد خدمات المتاحف والمكتبات الأميركي فإن عدد المتاحف في مجموع الولايات الأميركية يناهز 35 ألف متحف.

ومن بين المتاحف التي توجد في مدن صغيرة، متحف "أكلاند للفنون" الذي فتح أبوابه عام 2008 بمدينة تشابل هيل في ولاية كارولينا الشمالية، وهو عبارة عن بناية بسيطة وصغيرة الحجم، لكنها تضم حوالي 18 ألف عمل فني يؤرخ للفنون الآسيوية والأوروبية والإسلامية أيضا.

كما يعرض المتحف مجموعة من الآثار الإسلامية بينها أواني فخارية نقشت عليها آيات قرآنية، وأثار اهتمامي شخصيا وجود مصحف شريف وحامل خشبي للمصحف، ضمن معروضات المتحف الذي كان غاصا بعشرات الطلبة الجامعيين، ممن يتابعون دراستهم في جامعة "كارولينا الشمالية" التي يتبع لها المتحف.

مصحف شريف وحامل خشبي للقرآن يعرضان في متحف كلاند للفنون (الجزيرة)


ويزور هؤلاء الطلبة المتحف بتكليف من أساتذتهم ومن بينهم "جون بولز" أستاذ تاريخ الفنون بجامعة كارولينا الشمالية، الذي يقول للجزيرة نت "إن متحف أكلاند للفنون يلعب دورا أساسيا في التعليم على مستوى هذه الجامعة. جميع الأساتذة في الحرم الجامعي يطلبون من طلبتهم زيارة هذا المتحف وأنا أنصح طلابي بزيارته بانتظام أيضا، كما أطلب منهم الكتابة عن مجمل الأعمال الفنية المعروضة فيه".

وقد كان الطلبة كما رأيت، يصطحبون حواسيبهم الشخصية ويجلسون في الكراسي المنتشرة وسط أروقة المتحف من أجل تدوين ملاحظاتهم حول الأعمال الفنية المعروضة، ومنهم من يجلس قبالة لوحة من اللوحات الفنية ويستغرق في تأملها وتدوين انطباعه عنها.

ويستقبل هذا المتحف سنويا أكثر من عشرة آلاف طالب، كما يقوم المسؤولون عنه بالتعاون والتشاور مع أعضاء هيئة التدريس في الجامعة، من أجل تنظيم أنشطة مختلفة واقتراح مواضيع المناقشات الصفية والواجبات التي تطلب من الطلاب بشأن الأعمال الفنية المعروضة في المتحف، والتي يمتد تاريخها إلى أكثر من أربعة آلاف عام من الإبداع البشري.

متحف الأخبار في واشنطن (الجزيرة)


ويقول بولز إن حرصه على زيارة الطلبة للمتاحف نابع من رغبته في أن يتمكنوا من دراسة الأعمال الفنية عن قرب وبشكل شخصي، وهي تجربة مختلفة جدا عن النظر لصور هذه الأعمال التي تطبع في الكتب.

وتضطلع المتاحف في الولايات المتحدة عموما بدور كبير في التعليم، إذ لا تكتفي باستقبال الزوار الراغبين في الاطلاع على الأعمال المعروضة فيها فقط، ولكنها تشكل فضاء مثاليا للبحث والدراسة وتفتح أبوابها دون أي رسوم لاستقبال الباحثين والطلاب.

ويؤكد بولز أنه يجري بشكل دوري منح طالب الدراسات العليا في تاريخ الفن زمالة لتنظيم معرض باستخدام مجموعات فنية من متحف أكلاند ومتحف كارولينا الشمالية للفنون. مضيفا "هذه فرصة رائعة للطالب لاكتساب الخبرة المهنية والعمل مع الموظفين في المتحف، كما أن بعض طلاب الدراسات العليا يمكنهم العمل مع القيمين على المتحف كمتدربين".

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/13-

طنجة التي احترفت الثقافة تشكو الكساد

طنجة التي احترفت الثقافة تشكو الكساد
وصال الشيخ - طنجة

 


تبدلت أوجه مدينة طنجة شمال المغرب عندما فتحت المقاهي الجديدة المسمّاة بـ "Salon du the" أبوابها وبدأت باستخدام الماكينة لإعداد الشاي أو القهوة بدلا من "الجزوة" أو الإبريق التقليدي.

تعصرنت طنجة وأصبح لديها مقاهٍ عصرية كثيرة لدرجة التنافس، وباتت المقاهي الشعبية نادرة تجمع الأصدقاء القدامى يدخنون "السبسي" ويلعبون "البارتشي". هكذا يحدثنا الحاج بوهوت (70 عاما) عندما سألته عن حال طنجة القديمة "الأسطورية" ويقارنها بهذا الزمان.

عاشت طنجة زمنا جميلا عندما كانت منطقة دولية ذات ثقافة أوروبية متنوعة، جعلها مكانا مميزا وحاضرا في أعمال فنانين وكُتّاب عالميين مثل "بول بولز" و"هنري ماتيس" و"ويليام بوروز" و"محمد شكري"، وأسماء أخرى توفوا جميعهم، وظلّ إرثهم صورة مقدسة عن الحالة الثقافية الحالمة التي سادت طنجة.

مقهى ذا طابع سياحي داخل أسوار المدينة العتيقة الوجهة الأولى للسياح عند وصولهم إلى طنجة (الجزيرة)


يدعم هذا الإرث ذاكرة جمعية شعبية لا تزال تمارس سلطتها على الواقع الثقافي عند مقارنته بالماضي، ولم تنفك المدينة من هذه الذاكرة. الحاج بوهوت شاهد على مدينة علّمت جيلا من خلال الثقافة التي نشرتها دور السينما والمسرح، لم يطأ الحاج بوهوت المدرسة، لكن المكتبات المتاحة علّمته القراءة والأدب واللغات.

يقول بوهوت للجزيرة نت "أخبر أصدقائي دوما أنني درست الصفوف الإعدادية بسينما "ألكازارو كابيتون" نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، والثانوي في سوق "ادّبرا"، والدكتوراه في "سوق الداخل".
شاهدت أفلاما إسبانية منذ سنّ العاشرة وعشقت المغنية "مورينا كلارا" التي كانت تزدحم القاعة من أجل مشاهدتها، فقد كان جو المدينة معرفي ثقافي، أغناها تنوع الجاليات والإثنيات وسيادة قيم الاحترام والتعايش".

ويضيف "كان الإسبان عندئذ أكبر وأقدم جالية بعدد يقدر بخمسين ألف إسباني، وهم أول من أدخل الآلات الصناعية إلى المدينة بعد الحرب الأهلية الإسبانية سنة 1936، ومارسوا الفلاحة والصناعة والثقافة، وبنوا مسرح سيرفانتس عام 1913، وقد اكتسب منهم المغاربة تقنيات المسرح، وشكلوا بدورهم فرقة "صلاح الدين" المسرحية وجمعية خاصة بهم".

متحف القصبة الذي يحتوي على تاريخ المدينة القديمة وخلفه يظهر حيّ ايبيريا الشهير بطنجة (الجزيرة)


المدينة دون مسارح
أسس أستاذ التعليم العالي خالد أمين تجربة مسرحية مهمة أضافت للمسرح المغربي الكثير، وتقاطعت مع تجارب أوروبية قائمة على الأرشفة. ويقول إن "المركز الدولي لدراسات الفرجة هو في الأصل جمعية غير نفعية من أجل النهوض بالممارسة المسرحية، ننظم من خلالها مهرجان "طنجة الدولي للفنون المشهدية" منذ عقد، ونهدف من خلاله إلى مد جسور تواصل للحوار مع معاهد دولية".

ويشير أمين إلى أن "طنجة تفتقر لمركز ثقافي أو مسرح تابع لوزارة الثقافة، بإمكانه استضافة الفرق الزائرة وتوطين فرق محلية، في الوقت الذي تحاول المبادرات الاجتماعية تغطية هذا النقص".
من يشتري كتبنا؟

بعيدا عن المسرح، وقريبا من الكتاب تراجع عدد دور النشر في طنجة البالغ عدد سكانها 947 ألف نسمة إلى دارين تقريبا. دار "ومضة" ودار "سليكي أخوان". وتراجع عدد دور النشر في كل المغرب إلى 32 دارا.

أحد الأخوين "طارق سليكي" يقيّم الحركة الثقافية بالمدينة بالجيدة، ويقول للجزيرة نت إن "المرحلة الدولية التي تجاوز فيها كتّابها البقعة الجغرافية، وكتبت أعمالهم أو ترجمت للغات عدة هي مرحلة انتهت. أما اليوم فليس لدينا من يقرأ بلغات أجنبية أو حتى بالعربية، فمكتباتنا تعاني فقرا شديدا في البيع. وهنا نواجه سؤالاً مقلقا: من يشتري كتبنا ويقرؤها؟".

حي القصبة خارج السور التاريخي للمدينة العتيقة في طنجة (الجزيرة)


ويضيف سليكي "يصل الكتاب إلى يد القارئ فقط من خلال حفلات التوقيع، رغم أن الكتب متوفرة بالمكتبات، لكن هناك سلوكيات تزيد من نسبة بيع الكتب في الحفلات، منها أن القارئ يريد توقيع الكاتب، أو قادم للمجاملة أو ليستفيد من الخصم".

ويقول "لا يمكن استغباء القارئ، لقد قللنا من نشرنا للإبداع، خاصة الشعر، فالناس لم تعد تثق بالشعر لما يتطلبه من بلاغة ومعرفة باللغة، نركز على إصدار الدراسات النقدية والفلسفية والصوفية والروايات". ويضيف "نحن مرهونون بالسوق أيضا، توجد كتب ذات جودة جيدة لكنها ليس لها سوق".

وقد أصدرت "دار سليكي أخوان" خلال عام 2016 حوالي 12 كتابا لكتّاب من طنجة يكتبون في مجالات مختلفة، إلا أن تحديا آخر يواجه إصدار الكتاب يتمثل في "إيمان القارئ بالجديد".

تساهم وزارة الثقافة المغربية بدعم الكتاب ماديا من خلال دور النشر بحوالي (50%)، وبهذا أصبحت حصيلة دار سليكي أخوان تصل إلى ثلاثين عملا سنويا، رغم ذلك يعاني بيع الكتاب كسادا كبيرا، ولم تسعفه الجوائز الكبرى التي يحصل عليها.

وعن كساد سوق الكتب يقول سليكي "حصلنا على جائزة المغرب للكتاب مرتين، للمؤلف عز الدين التازي، والكاتب محمد طريبق، بالمقابل لم تتجاوز مبيعات كتبهم 500 نسخة. كذلك رواية "رسائل زمن العاصفة" لعبد النور مزين التي وصلت إلى اللائحة الطويلة للبوكر العربية لكن لم يبع منها سوى 1500 نسخة".

يقول سليكي "نحن نخاف من الكتاب، ومن فكر الآخر ومن الاعتراف ونمارس الإقصاء. نحن بحاجة إلى التكتل والاختلاف ضمن إطار واحد، وليس مجموعات أو مبادرات متفرقة تؤسس للدكتاتورية".

مكتبة الأعمدة بطنجة تأسست في الأربعينيات وظلت الشاهد الوحيد على زمن طنجة الثقافي (الجزيرة)


المصالحة مع الماضي
تتنفس المدينة الصعداء بعدما عاشت فقرا مهولا بالبنيات التحتية الثقافية، إلا أن الكساد الثقافي هو السائد، لذلك عندما أطلق مشروع "طنجة الكبرى" الاقتصادي والسياحي عام 2011 رافقه اهتماما بمكانتها الثقافية على مستوى البنية التحتية، ففي الأحياء البعيدة بدأت تتأسس نقاط للقراءة ومكتبات ونوادٍ تشجع الشباب على القراءة وتعزيز إمكانيات المرأة كذلك.

يقول المدير الجهوي للثقافة في طنجة محمد تقال "يهدف المشروع إلى مصالحة طنجة مع قديمها من خلال إعادة إحياء بعض المعالم التاريخية ذات الأبعاد الثقافية والاقتصادية، كتأهيل مغارة هرقل وفيلا بيرديكاريس، فضلا عن ترميم سور المدينة، وهي معالم ذات التقاء حضاري تدلل على التعايش الذي شهدته المدينة.

وتنشأ هذه المؤسسات من "سياسة القرب" التي تنتهجها المديرية الجهوية لطنجة- تطوان- الحسيمة، إذ تشرف على أكثر 470 مؤسسة ثقافية موزعة بين مكتبات (42 مكتبة بالجهة) ومتاحف ومواقع أثرية. 

وتؤدي المديرية الجهوية للثقافة مهمة دعم المنتجين الثقافيين من خلال وزارة الثقافة. على عكس مراكز البعثات الأجنبية مثل المركز الفرنسي أو الإسباني أو الأميركي الموجودة بالمدينة لتنشيط الثقافة.

وتستعد المديرية خلال عام 2017 لتجهيز قصر الثقافة والفنون وترميم سجن القصبة وتحويله لمركز ثقافي، وإطلاق مبادرات مسرحية موجهة للأطفال، وإعادة النظر بالمعهد الموسيقي بطنجة، لما يشهده من اكتظاظ ومشاكل في الانخراط بصفوفه.

تثير بعض المؤسسات الثقافية أو التي حملت أسماء بارزة- مثل محمد شكري ومؤسسة "بوكماخ" الحديثة- سجالا بشأن مهمتها الثقافية ومصادر تمويلها. فقد شكلت "بوكماخ" جدلا واسعا لتلقيها ثلاثة ملايين يورو على مدى ثلاث سنوات قبل الانتهاء من بنائها وتجهيزها، يقاس عليها مؤسسات تفتح أبوابها في المناسبات فقط، دون أن تضيف أو تراكم رصيدا ثقافيا خاصا بها أو للجمهور.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/13-

عيون الملح في زرادون.. نقمة تُشغِّل نساء القرية

عيون الملح في زرادون.. نقمة تُشغِّل نساء القرية
رجاء غرب - زرادون / المغرب

 


يتبادل أهل المغرب فيما بينهم عبارات تعبر عن متانة علاقاتهم إلى درجة قولهم باللهجة الدارجة "مْشَارْكِينْ المْلْحْ". وحين النطق بهذه العبارة تُرفع الضغائن بين الناس، ويحكم الأصل الطيب والنية الحسنة، فالملح كلمة أقسم بها أهل البلاد القدامى "وَحَقْ المْلْحْ الي تْشَارْكْنَا"، فجعلوه مادة مقدسة كتقديس النساء لعملهن في حقول استخراج الملح.

في مدن الملح بالمغرب، تقف النساء على طرف الحياة، يحملن بين أكفهن بقايا بياض مكسوة بخشونة قَدَرهن المرتبط بالجبال؛ فالأعين في أرضهن تنفجر ماءً مالحا، هدية من السماء تكفي أهل الأرض لسد رمقهم، وتبعد عنهم شر الحاجة والسؤال، ولو بقليل القليل.

على بعد ثلاثة كيلومترات تقريبا من مدينة وزان شمالي المغرب، تقع قرية "زرادون" التابعة لقيادة "بريشكة"، هنا تراصت جبال الريف وانفجرت منها عيون مالحة قبل مئة عام. في البدء تطيَّر أهل القرية من ملوحة الماء، فالملح الكثير يهلك الزرع والضرع، لكن سرعان ما تحولت "نقمتهم" إلى نعمة، بعد أن شمرت نساء القرية عن سواعدهن لاستخراج الملح من مائه، ثم بيعه لمدن الشمال القريبة، وبعدها لباقي الجهات، حتى شمل عملهن في السنوات الأخيرة دولا خارج المغرب.

تحضر أحواض ترابية وتغطى بأكياس بلاستيكية بيضاء لأسابيع قبل حلول الصيف (الجزيرة)


رقية امرأة أربعينية، تعتلي خديها حمرة طبعتها أشعة الشمس، وفي عينيها بساطة ترجمتها ألوان ممزوجة بين العسلي والأخضر، أما يداها فنال منهما الزمن وشققهما الملح ورطّبهما عرق الجبين. ولدت رقية وتزوجت وأنجبت في قرية "زرادون"، فهذه المرأة لا تعرف مكانا آخر غير قريتها، تشتغل في حقول استخراج الملح خلال الموسم الذي يبتدأ منتصف شهر يونيو/حزيران ويمتد إلى نهاية أغسطس/آب.

تحتاج عملية استخراج الملح من الماء درجة حرارة مرتفعة، الأمر الذي توفره شمس فصل الصيف، حسب ما أوضحت رقية في حديثها للجزيرة نت، مضيفة أن نساء القرية تبدأ في تحضير أحواض ترابية يتم تجويفها وتغطيتها بأكياس بلاستيكية بيضاء لأسابيع قبل حلول الصيف، بعدها يضخ الماء القادم من العيون عن طريق مولد كهربائي وسط هذه الأحواض، وتترك حتى يتبخر الماء ليبدأ عمل النساء.

تشتغل رقية رفقة 20 امرأة أخرى داخل أحواض الملح، تحت لواء تعاونية الوفاق التي تترأسها "ريتا البركة"، وهي التعاونية الوحيدة الموجودة في قرية "زرادون"، والتي تتكلف باستخراج الملح من الماء وإعادة بيعه، أو إعادة استخدامه في عمليات التجميل.

رقية لا تعرف مكانا آخر غير قريتها وتشتغل في حقول استخراج الملح خلال الموسم (الجزيرة)


وتقول ريتا إن التعاونية تُوفر أرض الاشتغال التي يطلق عليها اسم "الأحباس"، وتستأجرها من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مقابل مبلغ مالي بسيط حدّد في 450 درهما (45 دولارا أميركيا) في السنة.

بالإضافة إلى الأرض، تقتني تعاونية الوفاق الأكياس البلاستيكية التي تغطي الأحواض المجوفة، والمولد الكهربائي الذي يضخ الماء، والأكياس التي يجمع فيها الملح في المرحلة الأخيرة، والمكانس البلاستيكية الخاصة بشفط الماء خارج الأحواض.

قبل تأسيس تعاونية الوفاق، كانت عاملات الملح يبعن المادة الخام بـ10 دراهم للسطل الواحد (دولار واحد)، بالإضافة إلى عدم توفرها على آليات الإنتاج، فكن يساهمن بمبلغ 100 درهم سنويا (10 دولارات) لشراء المعدات اللازمة لتوصيل الماء من النبع إلى الأحواض.

تنتج رقية وصديقاتها أصنافا كثيرة من الملح، فطموح النساء هنا دفعهن للابتكار وعدم الوقوف عند عملية التجفيف والجمع فقط، بل -وبمساعدة جمعيات إسبانية- تلقين دورات تكوينية لتطوير منتوجهن وتوسيع استثمارهن، فاستطعن إنتاج ملح التجميل، الذي يعتمد في الأساس على مادة الملح الطبيعية الخالصة، يضاف إليها مواد أخرى طبيعية كالخزامى والورد والزعتر والكمون وزيت الزيتون وزيت أركان.

في قرية زرادون بجبال الريف انفجرت عيون مالحة قبل مئة عام (الجزيرة)


تشارك تعاونية الوفاق بمنتوجاتها في معارض وطنية ودولية، وأصبحت لها زاوية خاصة في المعرض الدولي للفلاحة الذي ينظم في مدينة مكناس المغربية كل سنة، في هذا اللقاء تسعى ممثلات التعاونية لعرض منتوجاتهن أمام الزوار المغاربة والأجانب، الأمر الذي ساعدهن على توصيل التعاونية إلى محافل دولية، خصوصا في إسبانيا وبلجيكا وفرنسا وإيطاليا.

تؤكد رقية وصديقاتها في الأحواض أن جل عاملات الملح في القرية ربات بيوت، يحرصن على الاعتناء بأطفالهن وبيوتهن كحرصهن على نقاء الملح وبياضه، بالإضافة إلى عملهن في الفلاحة ورعي الأغنام، فعمل نساء الملح لا يقتصر على الحقول فقط، فنشاطهن وسط الأحواض يبتدأ مع الفجر وينتهي عند الساعة العاشرة صباحا، ويبدأن يوما جديدا.

الحديث مع نساء الملح في قرية "زرادون" يجعلك تجزم بأنهن خريجات الجامعة أو معاهد التنمية، إلا أنهن في الحقيقة لم يتلقين التعليم طيلة حياتهن، فدراستهن كانت على طاولات الحياة، ومكان القلم حملن أكياس الملح وعبواته.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/13-

"صفحات".. أكثر من مكتبة عربية في هولندا

"صفحات".. أكثر من مكتبة عربية في هولندا
عبد الله مكسور - أمستردام

 


لا أنكر فرحي عندما تلقَّيت اتصالا من صديق يخبرني من خلاله عن موعد افتتاح أول مكتبة عربية في العاصمة الهولندية أمستردام، ففي المدن الأوروبية صار من الشائع أن تسمع لسانا عربيا بلهجات مختلفة، لكن فكرة الحصول على كتاب ورقي عربي يتطلب السفر إلى باريس أو مدريد، رغم وجود أعداد كبيرة من المبدعين العرب في أرجاء القارة العجوز، هكذا يمكن وضع إطار عام للمشهد الثقافي العربي بين كُتَّاب موجودين وكِتاب نادر الوجود.

كان الباص يقطع الطريق من "أنتويربن" في بلجيكا نحو أمستردام، وصور المعارض العربية للكتاب التي حضرتُها في مدن مختلفة تتردد في المخيِّلة، فالأمة التي تملك اليوم ما يقارب نصف مليار عنوان مطبوع ورقياً، لا تملك إلا مكتبات معدودة على أصابع اليد الواحدة في مجمل الدول الأوروبية.

لا يمكن لزائر أمستردام إلا أن ينتبه إلى التنوع الثقافي الذي يختزل تصالح المدينة مع الثقافات كافة، وقدرتها الهائلة على إعادة إنتاجها بقالب يُضفي جمالا وبعدا جديدا إلى القنوات المائية المنتشرة في أغلب شوارع المدينة.

بالقرب من قلب العاصمة الهولندية وعلى ضفاف قناة مائية تنتشر الحياة على أطرافها، افتتحت مكتبة "صفحات" العربية فرعها الأول في القارة الأوروبية وسط حضور جماهيري عربي وهولندي، وقف الجميع أمام شعار مكتبة "صفحات" لحظة انطلاق المشروع الأول من نوعه، حيث توزَّعت الكتب العربية في مختلف الاتجاهات الفكرية والأدبية، لتكون في عرضها محط أنظار الجميع.

الحضور في حفل افتتاح مكتبة صفحات العربية في أمستردام (الجزيرة)


الفنان التشكيلي السوري سامر القادري مؤسس وصاحب مكتبة "صفحات" يروي قصة وجود هذه المكتبة، الفكرة وُلدت في العاصمة السورية دمشق قبل أن تنتقل مع القادري في رحلته نحو الأردن ومنها إلى تركيا، حيث حطَّت به الأقدار في العاصمة إسطنبول، وهناك في الجغرافيا الواصلة بين تركيا وآسيا انطلقت المكتبة في بناء مؤلف من ثلاثة طوابق، كان في صورته التراثية في منطقة فاتح قِبلَة المشتاقين لمعرفة جديد الثقافة العربية وإصداراتها، فكانت هذه المكتبة واحدا من أسباب وضع تركيا على خريطة الناشرين العرب. الفكرة التي لاقت نجاحا في إسطنبول وجدت طريقها إلى أمستردام مع وصول القادري إلى هولندا، حيث بدأ التواصل مع جهات هولندية عديدة بغية تحويل الحلم إلى حقيقة.

أراقب عيون الهولنديين خلال الافتتاح وهي تطوف على كلمات عربية تصدرت أغلفة الكتب المتنوعة، يبدون إعجابهم برسم الأبجدية العربية. عن هذا المشروع تقول مديرة صندوق دعم الفن في أمستردام "أنابيلا بيرني"، إن حماسهم للفكرة أتى من إيمان عميق بضرورة الاستثمار بالثقافة، لذلك وجود مكتبة عربية في أمستردام أمر مهم للغاية، مهم للتنوع الذي تُعرَف به المدينة، وقدرتها على استيعاب الثقافات جميعا في قالب واحد يحافظ على خصوصية كل منها، فهذه التجربة، بحسب بيرني، ستساهم في رفد المجتمع كله بالكتاب العربي.

مكتبة صفحات تسعى لكسر الخوف من الآخر (الجزيرة)

وعن العقبات التي واجهته في تأسيس المكتبة، يقول القادري إنه لا توجد عقبات حقيقية، إجراءات روتينية تجاوزها أمام رغبة الآخرين بوجود مثل هذا المشروع.

مكتبة "صفحات" في أصلها هي فكرة تفتح آفاقا للعمل الثقافي، يؤكد القائمون عليها أنها ليست فقط مكتبة بالمعنى الحرفي للكلمة، إنها مشروع متكامل، فالبرنامج الثقافي الذي أطلقته إدارة المكتبة يتضمن بشكل دائم عروضا سينمائية لأفلام متنوعة، حفلات موسيقية، قراءات أدبية سردية وشعرية، توقيع إصدارات جديدة، وهذا بالضبط ما يحتاجه الواصلون حديثا أو المقيمون قديما في القارة الأوروبية عموما وهولندا على وجه الخصوص.

المخرج السينمائي السوري غطفان غنوم المقيم في هلسنكي بفنلندا يعتبر أن مشروع "صفحات" يقوم على خط رئيسي يحمل في جوهره دعم الثقافة العربية ويشير هنا إلى تصميم الصالة الداخلية في المكتبة بحيث تكون منصة للعديد من الأفكار الإبداعية التي ستجد مكانها الطبيعي بين جنبات المكان باعتبار أن هناك شحا كبيرا للكتاب العربي في أوروبا.

الثقافة هي الطريق الأمثل لبناء علاقات متينة بين الحضارات المختلفة (الجزيرة)


من جانبه، يؤكد الصحفي السوري جابر بكر أن وجود مكتبة عربية أمر هام على مستويات عدة. أولها خلق هذا الفضاء بحيث يصبح من السهل الوصول للكتاب العربي، فضلا عن سؤال الهوية، وهنا يقارن بكر بين المهاجرين القدامى إلى أوروبا والواصلين حديثا. الفئة الأولى وصلت اليوم إلى الجيل الثالث أو الرابع، في غالبيتهم فقدوا جزءا من لغتهم الأم، بينما القادمون حديثا سيكون لهم مكان لتعزيز هذه الهوية بين أبنائهم بهدف الحفاظ عليها.

في أركان المكتبة الواسعة، تتوزع طاولات صغيرة منثورة، تشكل في مجموعها المقهى الثقافي لمكتبة صفحات، حيث بدأت فعاليات البرنامج الثقافي عشية الافتتاح بعرض فيلم سينمائي للمخرج السوري غطفان غنوم، ثم سيتبع ذلك في مرحلة لاحقة مجموعة من الفعاليات وورشات العمل كما أعلن القائمون على المكتبة.

تنوعت الكتب المعروضة حاملة أسماء دور النشر العربية العديدة من المشرق والمغرب العربي، وتعددت مواضيعها بين الأبحاث والرواية والشعر والتاريخ إلى جانب قسم مخصص بأدب الأطفال.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/13-

ورد النيل.. سارق المياه وقاتل السمك

ورد النيل.. سارق المياه وقاتل السمك

دعاء عبد اللطيف - القاهرة


يحبك "عطية" القبعة الصوفية فوق رأسه ويمد بصره ناحية الترعة التي توازي أرضه الزراعية، بإحدى قرى محافظة دمياط شمالي مصر، يتأمل نبات "ورد النيل" الذي يحتل المجرى المائي، ويزفر تنهيدة أسى، كونه يدرك جيدا تبعات هذا الاحتلال.

ولم يفت عام من الأعوام الأربعين التي قضاها عطية في العمل بالزراعة دون أن تواجهه مشكلة ورد النيل، كملايين الفلاحين في مصر، خاصة في فصلي الربيع والصيف موسم الانتشار الكبير لهذا النبات.

"يشرب كمية كبيرة من مياه الترعة ويعيق تدفق المياه إلى الأراضي فتتأثر حصة أرضي من الري" هكذا يلخص عطية ذو الخمسين عاما للجزيرة نت أضرار ورد النيل، ويضطر مع جيرانه الفلاحين لتأجير ماكينة لانتشاله من الترعة وأحيانا يكون التعامل مع المسألة بشكل يدوي.

ورغم ذلك فالأوضاع تحسنت مقارنة بالسنوات العشرين الماضية، يقول المزارع "كانت الحكومة بلا أي دور في مكافحة ورد النيل، أما الآن فصارت تختار الترع الكبيرة لتطهرها، وهذا جيد على أية حال".

ورد النيل ينتشر بشكل كبير في الربيع والصيف (الجزيرة)


وورد النيل هو نبات مائي ينتشر على أسطح المياه العذبة بحيث تكون الجذور تحت سطح الماء وأوراقه طافية، وساعد في انتشاره بشكل لافت السد العالي الذي بُني في ستينيات القرن الماضي، ما منع تدفق المياه التي كانت بدورها تزيح النبات على ضفتي النهر أو تسير به إلى المصب في البحر المتوسط حيث يموت بسبب ملوحة المياه.

ووفق تصريحات صحفية لصلاح عز رئيس قطاع تطوير وحماية نهر النيل في وزارة الموارد المائية والري، تنفق الحكومة 35 مليون جنيه سنويا على أعمال المقاومة الميكانيكية الخاصة بانتشال ورد النيل.

وليس المزارعون وحدهم من يعانون من ورد النيل، فمهنة الصيد النهري تتأثر سلبا بشكل كبير بسبب انتشار النبات على الأسطح المائية.

يقول سيد محمود وهو صياد من محافظة كفر الشيخ، إن ورد النيل يقتل الأسماك بسبب منعه وصول الأكسجين إليها، كما يعيق حركة المراكب في النهر وبحيرة البرلس.

ويضيف "أيام كثيرة يتوقف مركبي عن الإبحار بسبب هذا النبات". موضحا أن "القريع" -وهو الاسم المتداول للنبات في محافظة كفر الشيخ- ينتشر بشكل كبير في محافظته خلال فصل الصيف.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن وزارة الري تحاول المساعدة في تطهير النهر من ورد النيل، لكن جهودها لا تؤدي لحل جذري للمشكلة.

ورد النيل يؤثر سلبا على الثروة السمكية بمصر (الجزيرة)


وواقع الحال لانتشار ورد النيل في القنوات المائية بمصر، يناقضه إعلان مدير مشروع المكافحة البيولوجية لورد النيل الدكتور يحيى فياض القضاء على 95% من ورد النيل في مصر، بل وأكد أن الـ 5% المتبقية مطلوبة للتوازن البيئي.

وكانت مصر تستخدم الطرق اليدوية والميكانيكية والكيميائية لمكافحة ورد النيل حتى عام 1990، إلى أن تم التوقف عن المكافحة الكيميائية وهي عبارة عن رشح مبيدات في النيل والترع.

وفي عام 1999 كانت الموافقة على تنفيذ مشروع للمكافحة البيولوجية باستخدام حشرات تتغذى على ورد النيل بتمويل فرنسي لمدة 5 سنوات كمرحلة أولى، وفي عام 2004 جرت الموافقة على المرحلة الثانية من المشروع.

ويطلعنا الخبير المائي الدكتور محمد حافظ على تاريخ ورد النيل في مصر، فيقول إن هذا النبات احتل المجاري المائية بسبب قرار وصفه بالخاطئ لوالي مصر محمد على باشا في بدايات القرن الـ19.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن والي مصر أمر بإحضار هذا النبات من بيئته الطبيعية بحوض الأمازون بأميركا الجنوبية ليزين به نافورة القصر الملكي، "لكن نموه السريع جدا وتغطيته للمساحة المائية للنافورة جعل خدام القصر يقطعونه ويلقونه بمجري النيل، ليتحول مع الأيام لكارثة بيئية واقتصادية باقية مع الأجيال".

وعدد حافظ أضرار ورد النيل ومنها التهامه مياه النيل، فكل نبتة مستقلة تستهلك قرابة لتر ماء يوميا، ويقدر حجم الماء المفقود سنويا بثلاثة مليارات متر مكعب من حصة مصر من المياه، وهي 55.5 مليار متر مكعب، فضلا عن مخاطره على الثروة السمكية.

وأوضح أن "سُمك كتلة ورد النيل تصل لعمق مترين تحت سطح النهر، ما يمنع الأكسجين والشمس من الوصول إلى الأسماك فتموت".

المزارعون يشتكون من التأثير السلبي لورد النيل على ري أراضيهم (الجزيرة)



أما عن دور وزارة الري في محاربة ورد النيل، فكل الجهود الحكومية ذهبت سدى حسب قول الخبير المائي الذي يقول "الحكومة تستخدم الطرق الميكانيكية للتخلص من النبات، بانتشال كامل جسد النبات الطافي، ويبقى بقاع النهر جزء بسيط منه مثل برعم أو بذرة، لتبدأ دورة حياته مرة أخرى في أقل من أسبوعين".

ويحذر حافظ من استمرار ما وصفه باستسلام الحكومة المصرية أمام مشكلة ورد النيل. موضحا أن سد النهضة الذي قاربت أثيوبيا على الانتهاء من تشييده، سيؤثر سلبا في حصة مصر من مياه النيل التي يسرق جزءا منها هذا النبات.

كذلك فإن تشغيل سد النهضة سيضاعف الآثار السلبية لورد النيل، ووفق قول الخبير المائي "سيؤثر تحلل الأجزاء الميتة من ورد النيل في زيادة حموضة المتبقي من مياه النيل، مما سيؤدي لموت معظم الزراعة السمكية".

ومن جهته، قال الصحفي المتخصص في شؤون الزراعة جلال جادو إن مصر تمتلك مجاري مائية يصل طولها إلى 55 ألف كيلو متر. وإن الحكومة تتعامل مع ما وصفه بمصيبة ورد النيل بإهمال متوارث وأسلوب غير حرفي.

ويضيف "الحكومة تتجاهل مخاطر هذا النبات سواء على الزراعة أو الصيد أو حتى على حركة التنقل النهري". فالحكومة لا تلتفت للأبحاث والدراسات الجادة التي تقدم حلولا لهذه المشكلة ويؤكد أن "الفساد في وزارة الري أخطر من ورد النيل نفسه".

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/13-

"بوليوود" ملعب مسلمي الهند ولغتهم

"بوليوود" ملعب مسلمي الهند ولغتهم
سيد فايز الحق - نيودلهي

 


من يستعرض أسماء أشهر نجوم السينما الهندية ومخرجيها ومنتجيها سيدرك دون مشقة أن هذه الصناعة تحت سيطرة المسلمين في بلد التعدد الديني والثقافي والعرقي.

ورغم بروز التيار الطائفي الهندوسي في كافة مناحي الحياة في الهند ومنها الإنتاج السينمائي في السنوات الأخيرة، لا يزال المسلمون الهنود يتصدرون المشهد السينمائي الذي يحتل الصدارة عالميا إنتاجا ومشاهدة.

القصص الرومانسية والتراجيديا في الأفلام الهندية وجدت إقبالا واسعا عبر قارات العالم، ومنها العالم العربي. وتتصدر الهند الإنتاج السينمائي عالميا بإنتاجها قرابة 1000 فيلم روائي طويل سنويا، وبمشاهدين يبلغ عددهم 2,6 مليار مشاهد سنويا في 13000 صالة سينما موزعة في جميع أنحاء البلاد.

هذه السينما شهدت كثيرا من المحطات منذ إنتاجها الأول الذي كان فيلما صامتا عام 1913، ونهضتها الجديدة في ثمانينيات القرن الماضي وحتى الآن. وكان المسلمون حاضرين بقوة في جميع مراحلها، خصوصا خلف الكاميرا أكثر مما هم على الشاشة من ممثلين وممثلات.

فوزية عرشي خلف الكاميرا في تصوير ميداني (الجزيرة)


وتعرف السينما الهندية باسم "بوليوود" على غرار هوليوود، بسبب تركز مدن الإنتاج في مدينة "مومباي" التي كان اسمها سابقا "بومباي"، ويبقى الاسم هو المتداول شعبيا وإعلاميا وليس اسما رسميا.

تؤكد المخرجة السينمائية الهندية فوزية عرشي أن "حصة المسلمين من صناعة السينما الهندية على الشاشة أو في مختلف مراحل إنتاجها لا تقل من 70%. ويبقى تأثيرهم الحقيقي في هذا القطاع أكبر مما نراه على الشاشة".

وعن سر هذه القوة تقول عرشي للجزيرة نت إن معظم المسلمين يتقنون لغة "أردو" التي تعتبر اللغة الأرقى من بين اللغات الهندية الكثيرة ولغة المثقفين، وهي قريبة من اللغة "الهندية".

في بدايات الإنتاج السينمائي كان إتقان لغة الأوردو شرطا للعمل في هذا القطاع، فقد كانت ولا تزال السيناريوهات تكتب بها، فكان لزاما على الفنانين إتقان التحدث بها وقراءتها، وهي تكتب بالحرف العربي مثل اللغة الفارسية، وإن كانت أقرب إلى اللغة الهندية من حيث المعنى وتركيب الجملة.

وتستدرك عرشي أن سيطرة المسلمين على هذه الصناعة ليس له أي أبعاد طائفية، فهي صناعة علمانية صرفة، وإن كانت تسببت بصورة أو أخرى في استفزاز وبروز القومية الهندوسية التي شهدتها الهند في السنوات الأخيرة.

وأعربت عن تطلعها لإخراج أفلام وثائقية أو مسلسلات تلفزيونية تروي قصة رواد التاريخ الإسلامي من حياة الصحابة إلى الشخصيات الإسلامية الأخرى باللغة الهندية أو الأوردو. بالإضافة إلى دبلجة أفلام وثائقية ومسلسلات أنتجت بلغات أخرى عن المواضيع نفسها. فالسوق كبيرة في الهند وباكستان إضافة إلى وجود هاتين الجاليتين في كثير من بلدان العالم بما فيها العالم العربي، خاصة الخليج.

فوزية عرشي تراجع المشهد مع نجم أحد أفلامها أثناء التصوير (الجزيرة)

من جانبه يقول الناقد السينمائي الهندي مايانك شينكار "أنا اعتبر بوليوود أفضل بكثير من المجتمع الهندي. هذه الصناعة أكثر انفتاحا وليبرالية، وتتسع لجميع طوائف المجتمع، وأكثر علمانية، مقارنة بما نراه في الحياة الواقعية بالهند. فعلى الشاشة لا مجال للامتياز في بوليوود على أساس الديانة".

وقد عرفت السينما الهندية مخرجين مسلمين تركوا بصماتهم في هذه الصناعة مثل "كيه آصف" و"خواجه أحمد عباس" و"كمال أمروهي" الذين قدموا أقوى الأفلام في تاريخ السينما الهندية، منها "مغل أعظم" و"ميرا نام جوكر" و"رضية سلطان" و"باكيزا".

وفي نهاية القرن الماضي ظهر جيل "سعيد أختر" و"عزيز ميرزا" اللذين أخرجا أفلاما مثل "نسيم" و"يس بوس".

ومن بين المخرجين والمخرجات المسلمين من الجيل الجديد تميزت أعمال "فرحان أختر" و"زويا أختر" و"فرح خان" و"كبير خان" و"صابر خان" و"امتياز علي" في السنوات الأخيرة.

تقول "كلوديا بركل"، الباحثة في الثقافة الإسلامية في جامعة الرور في بوخوم بألمانيا، "لا توجد أية دراسة أو بحث علمي حتى الآن يشير إلى نسبة مساهمة المسلمين في السينما الهندية".

لكنها تؤكد أنه "رغم أن نسبة المسلمين في الهند لا تتجاوز 12% فإن نسبة النجوم المسلمين في بوليوود أكثر من 27%. وعند البحث عن السير الذاتية لنجوم بوليوود على الإنترنت ستحصل على 183 سيرة ذاتية، تعود خمسين منها لمسلمين".

ومن بين أشهر الممثلين المسلمين في السينما الهندية كان "يوسف خان" المعروف باسم "دليب كومار". بعده جاء جيل "جوني واكر" و"محمود". تلاهم "فيروز خان" و"قادر خان" و"فاروق شيخ" و"نصير الدين شاه افتخار". وتضاعف عددهم في بداية هذا القرن مع بروز "شاه روخ خان" و"سلمان خان" و"عامر خان" و"أرباز خان" و"سهيل خان" و"عمران هاشمي" و"سيف علي خان" في سماء السينما الهندية.

 

فوزية عرشي الفنان الشهير قادري خان (يسار) في موقع تصوير أحد أفلامها (الجزيرة)

ويقول عضو اتحاد كتاب السيناريوهات السينمائية الهندية "ياور رحمن" إنه "لا يمكن أن ترى صناعة السينما الهندية دون المسلمين. فلا أعرف أي فيلم أنتجته بوليوود دون مساهمة فاعلة من المسلمين على اختلاف مراحل الإنتاج".

ويضيف رحمن في حديثه للجزيرة نت "رأينا عبر مختلف مراحل تاريخ السينما الهندية حضورا قويا لكتاب السيناريوهات المسلمين. فلا يمكن أن نغفل مساهمة "جاويد أختر" و"سليم خان" و"شمع زيدي" و"زويا أختر" و"خواجه أحمد عباس" في كتابة السيناريوهات. والآن لا يقل عددهم عن عشرين من بين من يحتلون الصدارة في السينما الهندية".

ويرجع رحمن ارتفاع هذه النسبة إلى الثقافة الواسعة عند المسلمين الهنود منذ عصر الاستعمار البريطاني الذي ظهرت فيه بدايات السينما الهندية ولا يزال المسلمون يتمتعون بهذه الثقافة.

ويلاحظ المراقبون لصناعة السينما بالهند أن معظم الأفلام التي تنتجها بوليوود تتناول أوضاع الأسر الهندوسية من الطبقة العليا، ففي دراسة أجرتها صحيفة هندية "دي هندو" اليومية أظهرت أنه من بين الأفلام المنتجة عام 2013 كان 65 فيلما يحكي قصص أسر هندوسية أو شاب أو شابة من الطبقة العليا الهندوسية، وخمسا منها تحكي قصص أسر مسلمة، وأربعة أفلام كانت تشتمل على قصص أسر مسيحية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/13-

غانا.. الرقص على إيقاع الموت

غانا.. الرقص على إيقاع الموت
خلود حدق - غانا

 


ارتبط الرقص على الإيقاع ارتباطًا وثيقًا بطقوس الفرح عند أغلب الشعوب، لكن الحال في أفريقيا مختلفة تماما، فالرقص والغناء وقرع الطبول من أساسيات طقوس الموت. فما زالت الدول الأفريقية يحكمها النظام القبلي، وتختلف كل قبيلة بشكل طفيف عن الأخرى في اللهجة والعادات والتقاليد، إلا أن المشهد العام لطقس الموت يبقى متقاربا.

منذ إعلان موت والدة "نانا أما" عن عمر 61 عاما، وهي من قبيلة "أشانتي" إحدى قبائل غانا (غرب أفريقيا)، بدأت الطبول تقرع في الحي وتأهبت العائلة للحدث العظيم، فالموت عند الأفارقة خطب جلل، يتوجب على جميع أفراد العائلة التفرغ للمشاركة فيه على مدى أسبوع أو أكثر.

وقد تحفظ جثة المتوفى شهورا في ثلاجة الموتى، ريثما يجتمع جميع أفراد العائلة، إذا كان أحدهم مسافرا، ولاستكمال التحضيرات والاستعدادات، ولا سيما المادية منها، ولتشارك حشود من المعارف والأصدقاء في جميع المراسم، ويساهم الجميع في دفع مبلغ صغير لأهل المتوفى كنوع من المشاركة والمواساة، ويختصر تحضير الطعام للمعزيين على أفراد العائلة.

صديقات وبنات المتوفاة يرقصن وداعا لروحها في تقاليد غريبة للموت والدفن (الجزيرة)


تقول "نانا أما" إن جنازة والدتها كانت كبيرة وحاشدة لأنها كانت سيدة محترمة، وساهمت في جنازات جميع المعارف والأهل والأصدقاء، وكانت محبوبة بين الناس، مما جعلهم يتهافتون لوداع روحها.
الوداع الأخير

تعاد جثة المتوفى إلى بيته من أجل الوداع الأخير، ويقوم شخص مختص بدهن الجثة بمواد مستخلصة من أعشاب طبيعية للحفاظ عليها من التحلل بسبب رطوبة الجو وارتفاع درجة الحرارة.

يقول كوفي شقيق المتوفاة إن هذا الطقس مهم جدا، حيث يقوم المختص بإلباس الجثة بأجمل لباس لديها وتزينها بما تملك من حلي ذهبية، ويقوم أفراد العائلة بوداعها والرقص حولها على إيقاع الطبول والبكاء على فراقها.

ويضيف كوفي "بعد ذلك نضع الجثة في التابوت ونضع معها منشفة وملابس داخلية وصابونا وكيسا من النقود، لأننا نعتقد بأن الميت يذهب إلى أرض الموتى، فربما يحتاج أن يغتسل أو أن يشتري ماء ليشرب". ثم يحمل شباب العائلة التابوت وهم يرقصون، للتعبير عن تسلميهم أن الميت ذاهب إلى حياة أخرى، ولا داعي للحزن كثيرا.

تخبرنا ميفس صديقة العائلة عن بعض التفاصيل الغريبة التي تفرضها العادات والتقاليد على أهل المتوفى، فتقول "إذا كان المتوفى رجلا فتمنع زوجته من الطعام لمدة شهر كامل، تتناول فقط بعض الذرة المطحونة المطهوة، لتبقى على قيد الحياة وتحضر لها خارجا، حيث يمنع إشعال النار في بيت المتوفى لمدة أربعين يوما".

وتضيف "أثناء مراسم العزاء يحظر عليها تحية أيا كان ومصافحته. وتكتفي بالجلوس في مكان بارز وتحمل باقة ورد في يدها ليعرف الجميع أنها زوجة المتوفى، ومن غير المألوف أن تتزوج بعد وفاة زوجها إلا بعد مدة طويلة قد تمتد لسنوات، وتلتزم بارتداء الزي الأسود لمدة عام كامل، وإذا كانت المتوفاة امرأة، يجب على زوجها اتباع نفس الطقوس، لكن المجتمع لا يلومه إذا تزوج باكرا نظرا لأنه رجل".

موكب الجنازة للدفن يحضره أقارب المتوفى فقط في طقوس غريبة (الجزيرة)


بعد أن يوارى الميت الثرى يعود الجميع إلى مكان العزاء، وبسب اعتناق أغلبية السكان الدين المسيحي، تقام حفلات العزاء بالعادة في باحات الكنائس، يحضر الجميع وهم يرتدون الأسود والأحمر، فالأسود يرمز للحزن والأحمر يرمز للحياة الأبدية، التي سافر إليها المتوفى بعد موته.

يجلس الجميع استعدادا لبدأ الطقوس التي تستمر أسبوعا، وغالبا ما تبدأ يوم السبت وتنتهي يوم الجمعة ويتخللها صلاة مقدسة يوم الأحد وفق الدين المسيحي، حيث يرتدي المعزون الزي الأبيض في هذا اليوم فقط.

في مراسم وداع الروح، يعتقد أهل المتوفى أن روحه ما زالت موجودة بينهم، تقول نانا أما "وضعنا صورة أمي هنا لنودع روحها على أنغام أغان تراثية، تتمحور مواضيعها عن الحياة والموت والوداع والروح، تقرع الطبول وتبدأ الفرقة بالغناء، فنتجه جميعا مع صديقاتها وأخواتها نحو صورتها للرقص معها، كطقس من طقوس وداع روحها التي ستغادرنا دون رجعة".

دخل الدين المسيحي غرب أفريقيا في القرن 15 مع الحملات الأوروبية التي احتلت أفريقيا ونشرت المسيحية فيها. لكن الدين الجديد لم يستطع إلغاء العادات الوثنية التي يمارسها الأفارقة.

تقضي قطوس الجنازة إلباس المتوفاة ثوب الزفاف باعتبارها مقبلة على حياة جديدة (الجزيرة)



ويقر القس ريف أشيلي بأن كل هذه الطقوس هي معتقدات خاطئة ولا تمت للمسيحية بصلة، وإنما هي ضرب من ضروب الجهل وانعدام المنطق. ويقول "إن الكنائس تحاول توعية الناس بشأن ضرورة التغيير والانسلاخ عن عادات القبائل، لا سيما وأن القبائل التي لا تزال وثنية تعبد الشمس والأصنام تمارس نفس الطقوس".

قرون خلت ولم تستطع المسيحية في أفريقيا تغيير هذه الطقوس، مقارنة مع الإسلام الذي رغم ضعفه في أفريقيا فإنه نسف كل تلك الطقوس الوثنية من حياة أتباعه وباتوا يتبعون المراسم التي نص عليها القرآن والسنة. وعند سؤالنا السيد ريف عن السبب لم يجد جوابا والتزم الصمت، بعدها كرر جملة "سنحاول أن نغير".

تختلف طقوس الموت اختلافا جذريا إذا كان المتوفى ملكا أو ملكةً. تحدثنا لفلي ابنة أحد ملوك قبيلة "الإيويه" أن والدها عندما توفى لم تقرع طبول الموت، ولم ينتشر خبر وفاته إلا بعد ستة أشهر. وبعض الملوك يبقى موتهم سراً لسنة أو أكثر، ريثما تتم التحضيرات لتوريث حكم القبيلة لأحد بناته أو أبنائه، حيث يختلي كبير العائلة ومستشار الملك وأولاده بالجثة لمدة يوم كامل في غرفة منعزلة، يمنع منعًا باتًا على من يخرج منها أن يبوح بما حصل داخلها، ويستمر العزاء مدة أربعين يوما، يتم بعدها تعيين ملك أو ملكة جديدة للقبيلة.

السابق

السابق

التالي

السابق

التعليقات