اعتماد بلعيد - غرناطة


تخالجك مشاعر مهيبة وأنت تدخل قصر الحمراء، مشاعر ما تلبث أن تنعكس على وجهك وحركاتك وطريقة نظرك وتفحصك للمكان، حتى أنه قد يحدث أن تثير استغراب سياح آخرين لن يعرفوا ما بك، وأنّى لهم أن يدركوا، والمرشد السياحي أيضا، أن الجهاز الإلكتروني الذي يستعين به السياح كدليل في المعالم السياحية بغرناطة يبدأ في استظهار حقائق معظمها ملفق، واقتصت من تاريخ مزور. لم يكتفوا بتغريب غرناطة بل يمعنون أيضا في طمس تاريخها.

تبدأ الجولة في قصر الحمراء بزيارة الجزء الخاص بالقصبة أو الحصن العسكري، وهي المنطقة التي كانت مخصصة للجند والعسكر وتخزين الأسلحة والعتاد، تقع القصبة في جزء بعيد عن مكان قصور السلاطين والأمراء.

أشكال السلالم والخنادق والأقبية والسقوف والسطوح، وحتى البيوت الصغيرة التي خصصت لإقامة الجند الملتحقين بخدمة السلطان تتماشى مع الغاية التي بني من أجلها هذا الجزء. أعلاها وبعد سرداب طويل من الدّرج، تصل إلى برج الحراسة الضخم، فوقه انتصبت أعلام إسبانيا وغرناطة والاتحاد الأوروبي، وعلى أطرافه بدت غرناطة كلها مستلقية في الأسفل بين أشجار الصنوبر والحور.

واحدة من الخصات في جنة العريف والتي يتجلى فيها براعة استعمال المياه في تزيين الحدائق (الجزيرة)


كم وقف بنو الأحمر وجندهم هنا لينظروا إلى غرناطة ونواحيها وبيوتها البيضاء ذات القرميد الأخضر، والتي لم تعد كما كانت، كل الأحياء تغيرت وبقي بعضها فقط على أصالته، تحديدا حي البيازين. وما بقي من غرناطة الأندلس أصبح في عهدة من لا يعرفون شيئا عن حكايا من بناها وسكنها.

أي بيت من تلك البيوت يا ترى هو بيت أبو جعفر الورّاق وحفيدته سليمة ومريمة وعلي، وغيرهم من الأندلسيين الذين نقلت رضوى عاشور مصائبهم المتتالية وصورت معاناتهم الطويلة في ثلاثيتها عن غرناطة؟

أيٌ من تلك البيوت مازال في قلبها مدفونا صندوقٌ ضخم بداخله نوادر الكتب التي صنعها وكتبها الوراقون الأندلسيون، وخبؤوها عندما بدأت محاكم التفتيش حملتها الصليبية، وانطلقت الأحكام بحبس من يتوفر على كتب عربية مع حرق تلك الكتب؟

أي بيت منها قاموا فيه بتغسيل الجدة المتوفاة والصلاة عليها سرّا في أحد الأقبية، قبل أن يضعوا الصليب فوق جثتها ويشيعوها على الطريقة المسيحية؟ في أي بيت من تلك البيوت استعان الأهل بأسماء قشتالية، وخبؤوا أسماءهم العربية، وتحدثوا بالقشتالية وعلموا أبناءهم سرا العربية؟

من أي من تلك البيوت أخرجوا سليمة وعذبوها وأحرقوها حتى ماتت؟ لا شك أنها كلها بيوت مريمة، وكلها دفنت فيها الكتب، وكلها سجن أهلها، وكلها لبس أفرادها الثوب الأصفر عقابا لهم، وكلها سلب من أهلها حق ممارسة شعائرهم الدينية والتحدث بلغتهم الأم، وكلها قتل أهلها وشردوا وطردوا منها وتم الاستيلاء عليها وعلى ما فيها.

 
مشهد عام لغرناطة من فوق برج الحراسة في القصبة (الجزيرة)


تترك القصبة خلفك، وتلتحق بمنطقة القصور في الموعد الذي حدد في تذكرة الدخول، مرة أخرى شعور بالرهبة يغلف قلبك وأنت تخطو إلى قلب قصور السلاطين والأمراء. عندما أتى محمد بن الأحمر النصري وجد هذا المكان طللا من أطلال قصر بناه أحد ملوك الطوائف، فقرر أن يبني فيه قصر الحمراء الذي كان نواة مملكته.

يقع القصر بين تل غرناطة المرتفع وجبال "سيرانيفادا" وقد تم بناء قصوره واستكمال حصنه في ظل السلاطين والحكام المتعاقبين على مدى 150 سنة تقريبا، بدءا من العام 749 هجرية، وبعد السلطان محمد بن الأحمر شيد السلطان يوسف الأول -الذي حكم غرناطة بداية القرن الرابع- قصره الذي ضم قاعة السفراء الفخمة، والتي أريد لتصميمها أن يعكس ويرسخ مناعة وقوة يوسف الأول لدى أعدائه، خصوصا وأنه كان يتفاوض معهم فيها.

الشعور بالانبهار والجلالة يلاحقك وأنت تلج القصر، وتتطلع إلى سقوف قاعة السفراء الآسرة، حيث الزخارف الجصية والنقوش المزدانة بجمل وكلمات تمجد الله، في مقدمتها شعار النصريين "لا غالب إلا الله" الذي تجده في معظم الجدران والأبواب والزوايا.

حتى النوافذ المقوسة هنا غاية في الإبداع، بعضها ذو زجاج أندلسي ملون، وبعضها الآخر له تصميمات فنية مختلفة، تسمح بمرور أشعة النور منعكسة بأشكال خماسية وسداسية تحول خيوط الضوء المتسربة إلى آيات جمالية. كان المشهد ينطق بنفسه كأنه يقول أنا عربي، كأنه ينبض وينادي كما صوره نزار قباني في هذا البيت "الزخرفات أكاد أسمع نبضها، والزركشات على السقوف تنادي".

من سقوف قاعة الأختين وقد استعمل فيه الزجاج الأندلسي الملون بالإضافة إلى نقوش جصية (الجزيرة)


سقف قاعة السفراء الملكية المطلة على بيوت غرناطة يرتفع بحوالي 23 مترا، وقد صمم من آلاف القطع من خشب شجر الأرز، طبقا لفنون التصميم في العمارة الإسلامية، وهناك من يعتبر أن ذاك السقف آية فلكية منقطعة النظير، إذ يشبه صورة مصغرة للكون، الهدف من إبداعه أن يرمز لقوة السلطان يوسف الأول.

ولجأ معماريو الحمراء إلى الرياضيات خلال تصميماتهم، من أجل إبداع مساحة تشِعر الزوار بأهمية وشأن السلطان، وأثْروا الرياضيات بتقنيات جديدة وهم يبرعون في استخدام وحدات قياس دقيقة، صمم بناء قصر الحمراء عليها ككل. وفي هذا الجزء أيضا يوجد فناء الريحان الفتان وبركته المائية الشهيرة، بالإضافة إلى "برج قماريش" الذي يعتبر البناء الأكثر علوّا في قصر الحمراء.

أوجّ العمارة الإسلامية الذي شهدته الأندلس خلال عهد السلطان يوسف الأول، استكمل خلال عهد السلطان محمد الخامس، الذي شيد قصرا آخر اعتبر جوهرة قصر الحمراء، ازدان بالزخارف المغربية المذهلة التي تلاعب فيها صانعوها بالظل والنور، وبين مساحات قبابها الممتلئة والفارغة قبل أن يتم تتويجها بألوان زرقاء وذهبية ومختلفة، تكاد تخطف الأبصار.

قاعة الأختين المبهرة هي الأخرى تؤدي من بابها الجنوبي إلى أشهر أجنحة القصر، وهي بهو السباع أو بهو الأسود، تنظر إلى الأسود الحجرية الـ 12 وتتساءل، كيف تفتقت قريحة هؤلاء المعماريين لصناعة تحفة مماثلة؟

الماء مازال يخرج من أفواهها رغم أنه لم يعد متماشيا مع أوقات الصلاة والليل والنهار كما كان في عهد بني الأحمر، ذلك أن الإسبان قاموا بتحريك أحد الأسود رغبة في اكتشاف التقنية التي اعتمدها الأندلسيون، والتي توائم بين تدفق الماء وتغير الوقت، لكنهم لم يستطيعوا معرفة آلية عملها، ولا كيفية إعادتها إلى حالها الأول. وقد صنعت الأسود من المرمر الأبيض، وهي نفس المادة التي تم استعمالها لاحقا خلال إحدى عمليات ترميم القصر، لإعادة تهيئة أرضية البهو الذي كانت جنباته مزروعة بالورد والرياحين أيام الأندلس.

بهو الأسود وتظهر فيه نافورة الأسود وجانب من الإصلاحات وترميم جديدة لجزء من البهو (الجزيرة)



ومثل باقي جدران القصور وزواياها فإن نافورة الأسود هي الأخرى نقشت عليها القصائد، إذ كان شعر النقوش من الفنون الأندلسية المزدهرة، فيتم تنميق وتزويق النافورات والجدران والحيطان بجميل القصائد.

القيمون على القصر حاليا لم يغفلوا وضع صورة ضخمة تؤرخ لمشهد الملكين إيزابيل وفيرديناند وهما يتسلمان خطاب تنازل أبو عبد الله محمد الصغير آخر ملوك غرناطة عنها بعد حصار طويل، وسط الأقواس والنقوش، التي مازالت تشهد على عربية المكان، بل إن عددا من الأواني والمصابيح والمخطوطات والأدوات وغيرها تم وضعها في متحف داخل القصر، يسمح بزيارته ويمنع التقاط صور لما في داخله.

في الجانب الأقصى من قصر الحمراء تقع جنّة العريف، حدائق غناء ممتدة تثير الإعجاب وتبعث على الطمأنينة، إنشاؤها على هذه المساحة كانت الغاية الأولى منه أن تكون فضاء يسرّ الناظرين، ويدخل على أنفسهم البهجة، وثانيا لزراعة الحبوب والخضراوات، حتى تشكل طعام حوالي خمسة آلاف شخص كانوا يعيشون داخل حصن غرناطة.

في أنحاء الجنّة تتناثر أنواع الأشجار وصنوف الأزهار والورود الندية، وتتدفق المياه العذبة عبر النوافير والقنوات، يتطاير رذاذها في عنان السماء مشكلا أقواسا تبدو حبيباتها تحت الشمس كأنها من ماس. وقد كان من عادة الأندلسيين -الذين برعوا في تقنيات مد القنوات واستعمال المياه- الحرص على جريان الماء حفاظا على طهارته، ولذلك لا عجب ألا تجد في كل الاستعمالات المختلفة للماء في قصر الحمراء سواء في السقي والريّ أو في الزينة خصّة راكدة أو بركة آسنة أو مياها ضحلة.

تحالف ملكي "قشتالة" و"أراكون" ونشوء إسبانيا، ساهم في التعجيل بسقوط غرناطة آخر ممالك المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية عام 1492م. بعدها سارع سادة قصر الحمراء الجدد إلى وضع بصمتهم عليه فحولوا المسجد الذي بناه محمد بن محمد النصري داخل القصر إلى كنيسة، كما فعلوا مع باقي مساجد المدينة، وبنوا قصر الملك كارلوس الخامس بجانب القلعة العسكرية، وهو ضخم على الطراز الأوروبي تتوسطه مساحة دائرية شاسعة، رغم ذلك فإنه لا يحظى بذات اهتمام السياح والزائرين بقدر اهتمامهم بقصور النصريين. إنهم بالآلاف في المكان لأجل قصر الحمراء.

وعندما ترقب القصر مساء في سفحه، من حي البيازين، ستمجد جماله ولونه الأحمر غروب الشمس كجمرة متوهجة، وستتحسّر مردّدا البيت الشعري لأبي البقاء الرندي في رثائه للأندلس "لكل شيء إذا ما تم نقصان، فلا يغرّ بطيب العيش إنسان".

المصدر : الجزيرة