غدير أبو سنينة - هافانا



يؤكد المؤرخ الكوبي ريغوبيرتو مينندس باريذس رئيس بيت العرب الذي أسسته الحكومة الكوبية عام 1983، في إطار التأريخ للمدينة، أن أعداد الجيلين الثالث والرابع من العرب المهاجرين في كوبا تصل إلى أكثر من خمسين ألف نسمة، إلا أن انخراطهم في المجتمع الكوبي بشكل كبير يجعل الكوبيين أنفسهم يتفاجؤون من هذا الرقم، فأسماء العائلات العربية التي يمكن أن تشير إلى أصولهم قد تغيرت لتناسب طريقة النطق باللغة الإسبانية، بل إن بعض العائلات سجلت المعنى الحرفي للكلمة، كعائلة حرب التي تحولت إلى "غيرّا" (Guerra)، وهو المعنى المقابل بالإسبانية، أو عائلة درويش التي تحولت إلى "دريتشي"، وهي الكنية التي يحملها ألفريدو رئيس الاتحاد العربي وأخته ماريا.

ليس هذا هو السبب الوحيد في صعوبة الاستدلال على العربي في هذه الجزيرة القابعة في القارة اللاتينية، بل إن مهنة التجارة التي اشتهروا بها هناك قد اختفت من حياتهم بعد انتصار الثورة الكوبية عام 1959، والتي كان من تبعاتها أن أصبحت جميع الاستثمارات بيد الدولة.

فندق إشبيلية في هافانا القديمة وهو مبني على الطراز العربي أو الموريسكي (الجزيرة)
الثورة وتجارة المورو
بدأ وصول المهاجرين العرب من بلاد الشام إلى كوبا أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لكن باريذس يشير إلى أن كوبا كانت تمثل لهم الممر إلى بلدان أميركا اللاتينية الأخرى أو الولايات المتحدة، قبل أن تقرر كثير من العائلات البقاء والاستقرار فيها.

وخلافا لبلدان القارة الأخرى فإن الإشارة إلى العرب لم تقتصر في كوبا على تسميتهم بالأتراك فقط، بل عرفوا أيضا باسم "المورو"، في إشارة إلى الموريسكيين. وما تزال هذه اللفظة مستخدمة حتى الآن للتعريف بالعربي، وفي القرن الماضي كان يتم الخلط بينهم وبين اليهود البولنديين الذين فروا من أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، فعرفوا أيضا بالبولنديين.

سريمة بوفييار إحدى المسؤولات في الاتحاد العربي وحفيدة ماريا دريتشي التي تدير الاتحاد مع أخيها ألفريدو -وهم كوبيون من أصل فلسطيني- تقول إن قسما كبيرا من العرب غادر كوبا إلى البيرو وتشيلي، ليس بسبب اتخاذ موقف معاد للثورة، بل لأن طموحهم كتجار أصبح محدودا، بينما يعتقد باريذس أن القليل منهم فقط قد غادرها، بل إن الأغنياء من اليهود هاجروا منها بعد انتصار الثورة إلى الولايات المتحدة.

وعند سؤالهما عن إمكانية عودة العرب للعمل بالتجارة من جديد وخصوصا بعد رفع الحصار عن كوبا والتعديلات الجديدة التي وضعتها الدولة على قانون الاستثمار، مفسحة المجال أمام التجارة الخاصة ولو على مستوى محدود، أجابا بأن هذا مستقبل لا يمكن التنبؤ به، إذ إن العرب ليسوا استثناء، وما يجري على الكوبيين يجري عليهم.

غير أن بعض المهاجرين الفلسطينيين واللبنانيين يرون أن كل شيء ممكن، إلا أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار ما صرحت به الحكومية الكوبية من أنها لن تسمح بالتضخم الرأسمالي وتكديس الأموال عن طريق الانفتاح غير المدروس، على غرار ما حدث في دول اشتراكية أخرى مثل فنزويلا، حيث جمع كثير من التجار العرب ثروات ضخمة في أزمنة قياسية مستغلين الثغرات في القوانين الجديدة والفساد المنتشر في الحكومة.

 
سميرة بروفيار إحدى المسؤولات في الاتحاد العربي وحفيدة المؤسسين للاتحاد (الجزيرة)

فلسطين قضية مركزية
التأييد المطلق الذي تحظى به الحكومة الكوبية من الجالية العربية له ما يبرره بطبيعة الحال، فمعظمهم حاصل على بعثات دراسية، وأوضاعهم مستقرة ولا يعانون من أي تهميش أو تمييز، بل على العكس تماما، ففلسطين التي يعتبرونها قضيتهم المركزية هي قضية كوبا أيضا، مما يجعلهم لا يكتفون فقط بدعم مواقف الحكومة وإنما يبررونها أيضا، رغم عدم حصولهم على الجنسية الكوبية التي لا يمنحها الدستور الكوبي للمهاجرين من أي بلد.

فهم يحيلون مشكلة عدم وجود شبكة إنترنت قوية في كوبا تصل جميع المواطنين إلى مشكلة تقنية، بينما يرى كثير من الكوبيين أنها مشكلة تتعلق بإرادة الحكومة الكوبية التي ترفض أن يتواصل شعبها مع بقية العالم إمعانا في عزله، أو خوفا من تسهيل حركات العمالة والتجسس من الجانب الأميركي.

كما يرى العرب أن رفع الحصار عن كوبا -رغم فوائده الكثيرة خصوصا على الاقتصاد الكوبي- جاء لصالح حكومة الولايات المتحدة التي رأت أن كوبا حققت انتصارات خلال السنوات العشر الأخيرة، خاصة من خلال تحالف دول "الألبا" الذي واجه الولايات المتحدة. كما أن واشنطن لا تريد الخروج من مشروع المنطقة الحرة في ميناء المارييل خاوية اليدين، بل إنها تحاول حجز موقع لها لتحسين اقتصادها.
ويرون أيضا أن كوبا تعمل على تعزيز الجبهة الداخلية وتقويتها حاليا، نظرا لأن اختراق أرضها من قبل الولايات المتحدة سيكون أسهل، الأمر الذي يعكس توجسا ما زال قائما من قبلها.

يؤيد الكثير من الكوبيين وجهة النظر تلك، لكنهم يجرُؤون -أكثر من العرب على الأقل- على التصريح ولو بصوت خافت بأن الحكومة الكوبية نفسها تفاجأت بخبر رفع الحصار كغيرها من ملايين المشاهدين في العالم الذين استمعوا لخطاب أوباما التاريخي الذي صرح فيه برغبة الولايات المتحدة في رفع الحصار، وأنه في الوقت نفسه أربك الحكومة الكوبية التي لم تجرِ أي ترتيبات مسبقة من أجل الوضع الجديد.

مسلم يؤدي الصلاة في بيت العرب، حيث يقيم 9000 عربي في كوبا منهم 3000 في العاصمة هافانا (غيتي)

الثورة والانفتاح الديني
بيذرو يحيى رئيس الائتلاف الإسلامي وهو مؤسسة مستقلة عن المؤسستين السابقتين (الاتحاد العربي وبيت العرب)، أبدى تحفظا شديدا في ردوده، متخذا من الصحافة -كغيره من المسؤولين في كوبا- موقفا حذرا، ومع هذا فقد صرح بأن هناك ثلاثة آلاف مسلم من أصل كوبي في الجزيرة، فضلا عن قلة من العرب، وأنهم دخلوا الإسلام عن طريق قراءة القرآن الكريم وكتب تناقش الإسلام، بل إن مصحفا قديما كان موجودا في الكنيسة التي يرتادها كان سببا في اعتناقه الدين الجديد ثم تأسيسه الائتلاف عام 2000 بدعم من حكومة بلاده التي يؤكد أنها لا تضايق أصحاب الديانات المختلفة، بل ثمة مؤتمرات ولقاءات عن الأديان تعقد بها ويحضرها رجال دين من كل مكان وحتى من الولايات المتحدة.

وبينما يقع مقر الائتلاف الإسلامي في شقة بسيطة بحي شعبي في العاصمة هافانا، يملك الاتحاد العربي بشارع البراذو الشهير في هافانا القديمة مبنى تمتزج فيه أساليب العمارة العربية والكولونيالية والكوبية، ككثير من المباني الأخرى المنتشرة في الأحياء القديمة من هافانا. أما مبنى بيت العرب أو متحف بيت العرب فهو يمثل أيضا معلما سياحيا في المدينة القديمة بالعاصمة الكوبية، ويظهر عليه الطراز المعماري العربي الذي انتشر في كوبا أوائل القرن العشرين، إذ كان البناء على الطراز الأندلسي العربي هو الموضة التي انتشرت في ذلك الوقت، وكان كثير من المهندسين الذين أشرفوا على البناء منحدرين من مدن جنوب إسبانيا المشهورة بعماراتها العربية.

المصدر : الجزيرة