آخر تحديث: 2017/7/1 الساعة 14:08 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/7 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/1 الساعة 14:08 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/7 هـ
-1/20-

أحمد الحاج يستدعي قصص النكبة في "السوافير"

أحمد الحاج يستدعي قصص النكبة في "السوافير"

رمزي بارود


أحمد الحاج هو واحد من سلسلة من الفلاحين الفلسطينيين الذين هجرتهم الميليشيات الصهيونية من منازلهم خلال عام 1948. وينتمي إلى جيل من المثقفين الفلسطينيين الذين يموتون بسرعة، لكن أمثال أحمد دائماً ما يجدون أنفسهم على الهامش.

وعلى الرغم من عيشه في ظل الحصار والسجن والتعذيب والفقر ونزع الملكية، إلا أنه ظل محرضاً ومنتقداً لجميع القوانين التي تتخذ ضد الشعب الفلسطيني دون تفويض شعبي، وبصفته لاجئاً كان مُصراً على أن حقه في العودة إلى فلسطين غير قابلٍ للتفاوض.

ولد أحمد عام 1933، كان والده خليل الحاج فلاحاً، ذا صلات عميقة بالأرض، ولكن خلافاً لغيرهم من أفراد عشائر عائلة السوافير البالغ عددهم 1000، وأغلبهم فلاحون، يملك خليل حوالي 100 دونم من أرضه - حوالي 25 فداناً.

وربّى خليل أسرته في السوافير الشرقية، وهي واحدة من قرى السوافير الثلاث المتفرقة على طول السهول الساحلية الجنوبية لفلسطين التاريخية، على بعد حوالي 30 كيلومترًا شمال قطاع غزة.

وعلى غرار معظم الفلاحين، نمّى خليل علاقته الحميمة بأرضه الغنية والخصبة؛ لأنه دخل الأسرة الوحيد للقوت - بعد الله طبعاً. وبدون الأرض، لا يمكن أن يكون هناك طعام، وكل شيء سيهلك.

مع مرور الوقت، بدأت علاقة خليل بالأرض ترمز إلى شيء غير مُدرك، كما لو أنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أسلوب حياة الفلاح البسيط، الذي يركز على "الأرض" و "العرض" و "الولد" - بمعنى الأرض والشرف والأبناء.

وبينما كان التعليم متاحاً فقط حتى الصف الخامس، استقطبت مدرسة السوافير تلاميذ من ثماني قرىً مجاورة. كانت في قلب الحياة اليومية لكثيرٍ من الشباب، بمن فيهم الشاب أحمد الحاج.

في المدرسة، حصل أحمد على لقب "أبو صندل" - نوع من الأحذية -، وكان كثيرٌ منهم أقل حظاً ولا يستطيعون تحمل ترف اقتناء الأحذية.

وكمفخرةٍ لوالديه، كان أحمد طفلاً موهوباً وفضولياً، ويُغرم في العديد من المواضيع بسهولة، برغم أنه في سن الخامسة يمكنه أن يعمل في أرض والده مثل أي شخص، إلا أن تفكيره الفطن رفعه لأن يكون أعلى من فئته.

كان خليل أذكى من الأطفال، حتى قال عنه البعض: "بأنه كان ألمع شاب في قرى سوافير الثلاث مجتمعة، وبعد بضع سنوات بعد إنهاء المدرسة الثانوية، سوف يكسبه ذكاؤه منحة دراسية في غزة".

كانت السوافير قرية فقيرة جدًا، مثل كل قُرى المنطقة، وكان 95% من سكانها أميون، لكنها كوطن، كنا نراها في أعيننا المكان الأكثر عزاً وجمالاً في العالم كله،، ولا نستبدلها بأي بلد أبدا، أو مقابل كل ثروات العالم، لقد كانت مكان ميلادنا، فضلًا عن مكان دفننا. السوافير هي مسقط رأسي ومسقط رأس أسلافي، لن أتنازل عنها، هذه الجريمة التي حدثت ضد شعبي لم تحدث من قبل.

الحاج أحمد مع عائلته (الجزيرة)

عائلته
كان أحمد أكبر أشقائه وتصغره ثلاث شقيقات: مليحة وفاطمة وصفية، كان أحمد الأكبر بين أشقائه، ويصغره ثلاث شقيقات: مليحة وفاطمة وصفية، توفي إخوته: محمد ومحمود من الملاريا بعد وقت قصير من ولادتهم، كما أن له أخاً آخر يُدعى محمود، مات من المرض أيضًا، ويأتي بعده عبد الجواد المُعافى، وأخيراً جاءت النجمة الصغيرة للأسرة، ميسّر، وهي الابنة الوحيدة التي تلقت تعليماً مناسباً، في بيروت- لبنان.

وكما كبرت الأسرة الوافرة، كبر منزلهم، أولاً- استقروا في منزلٍ متواضع من الطوب مع ثلاث غرف و "بخشة"- وهي منطقة مفتوحة حيث يمكن للدجاج أن يتجول بحرية، ويأكل بقايا الطعام الذي يُلقى في طريقه-.

وبجانب 45 دونماً من الأراضي التي يملكها في شمال السوافير، استخدم خليل أكبر قطعة أرض لبناء منزلٍ جديد من الطوب به سقف مبلّط بالقرميد، كان المنزل في الأصل مقصداً للحراسة والإشراف على المنطقة، لكنه مع مرور الوقت، أصبح المكان المفضل لبقاء الأسرة.

بالنسبة لأحمد، كان ذلك هو المكان الذي قضى فيه معظم طفولته، حيث كان يخبئ أياً من الكتب المدرسية التي كان يحصل عليها، أو ينقذ الكتب التي كان الجنود البريطانيين يتخلصون منها برميها في حاويات القمامة.

المُستَعمَرَة
يجب أن يُقال إن جغرافية السوافير لعبت دوراً حاسماً في تشكيل رؤية أحمد الحاج للعالم المحيط الواسع.
لطالما كان يتذكر، كيف أُنشئ مجمع عسكري بريطاني إلى الشرق من السوافير، والذي بُني على أراضٍ ذات ملكيةٍ خاصة تعود إلى قرية جولِس الفلسطينية المجاورة. وفي الغرب، توسعت مستوطنة "بئر توفيا" اليهودية ببطء وثبات، على أرضٍ فلسطينية ذات ملكية خاصة تعود لقرية بيت درّاس.

لم يكن الفلاحون تاريخياً مهتمين بالسياسة، وكانوا مشغولين جدًا بعملهم على الأرض، وبدلاً من ذلك، تُركت المناقشات والجدالات السياسية للنخبة المتعلمة التي تعيش في المدن الفلسطينية.

لكن التقارب بين الجيش البريطاني والمستوطنين اليهود آخذٌ في الازدياد، وسرقة أراضي الفلاحين شبه المستمرة كانت تحدث بمعدل ينذر بالخطر في أنحاء كثيرة من فلسطين، كان من الصعب تجاهل هذا الواقع السياسي الصارم - حتى بالنسبة للقرويين غير المهتمين سياسياً.

وكان الطريق الذي يربط المعسكر البريطاني والمستوطنة اليهودية بالقرب من السوافير يكتسب حركة مرور كبيرة. وقد كان المستوطنون يدخلون أطراف القرية بانتظام، يقدمون الطعام للجنود البريطانيين الذين في المقابل درّبوا سكان بئر توفيا على استخدام الأسلحة البريطانية الصنع.

في حين كان يواصل خليل وأولاده العمل في الأرض كالعادة، وكان هناك انتقال سياسي أمام أعينهم.

سعت القوات خارج القرية إلى المطالبة بملكية ممتلكات خليل وأراضي مملوكة من قبل فصائل فلاحين أكبر عشائرياً، وكان من الواضح أن سكان السوافير - مثل خليل وأسرته وجيرانهم الفلسطينيين - عرفوا ذلك، وكانوا قد صمدوا في وجه المجاعة والحرب على مدى قرون - معرضين أنفسهم لخطر المسح عن الوجود تماماً.

كان إعلان بلفور نيابة عن الحكومة البريطانية واضحاً في إبراز العلاقة القوية بين الدولة الغازية المحتلة - بريطانيا - من جهة، والحركة الصهيونية من جهةٍ أخرى. هذه هي الطريقة التي بدأت بها العلاقة المشؤومة، وكل الدلائل تشير إلى حقيقة أن فلسطين على وشك أن تضيع، حتى قبل أن يبدأ التطهير العرقي، بدأت المعاملات الورقية الرسمية، بما في ذلك أوراق العملة، والتي كانت تُنذر بأن أرضنا العربية ستتحول لدولة إسرائيل.

 يستذكر الحاج أحمد شبابه مع زوجته (الجزيرة)

الفلاحون
عملت الوكالة اليهودية في دور شبه حكومي في فلسطين المُنتَدَبة. وخلال فترة الانتداب، كانت تمثل الاتصال الرسمي المركزي والوحيد بين المستوطنين اليهود والإدارة البريطانية. كانت تعمل كوسيط، حتى الحكومة كانت تنتظر. على سبيل المثال: إن رغب اليهود في المنطقة في الحصول على رخصة قيادة من السلطات البريطانية، كان عليهم انتظار موافقة الوكالة أولاً.

وعلى النقيض من ذلك، تعرض الفلاحون إلى العديد من آليات الرقابة التي تديرها المؤسسات البريطانية واليهودية. كما أن الأسر الفلسطينية الكبيرة، التي تملك مساحات كبيرة من الأراضي، أخضعت الفلاحين لظروف عمل شبيهة بالرق.

كان نظاماً معقداً ومخططاً جيداً للسيطرة، سرعان ما أدرك أحمد خيوط الألاعيب التي تهدد حياته، عندما كان يسافر بين السوافير وغزة للدراسة.

في عام 1936، بعد أن أعلنت الأحزاب السياسية الفلسطينية إضراباً عاماً يهدف إلى إرسال رسالة إلى الحكام البريطانيين للمنطقة، تمرد الفلاحون أخيراً.

وقام الفلاحون بسرعة بتصعيد الإضراب إلى تمرد مسلح، باع بعضهم حصاده، وبعضهم أجّرَ قطع الأراضي الصغيرة التي يملكها، في حين أن البعض الآخر باع ذهب أسرته الثمين وذهب إلى الحرب.

ومما لا يثير الدهشة أن المواجهات كانت ممارسة غير متوازنة بشكل واضح، فمثلاً، كان فلاح حافي القدمين يحمل منجلاً، أو يحمل بندقية تركية قديمة، مما كان حائلاً أمام إعطائهم فرصة لتحمل القدرة العسكرية لصاحبة الجلالة "الملكة".

الحرب
بدأ الاستيطان اليهودي في فلسطين بجدية في عام 1881، عندما كان قادة الحركة الصهيونية في أوروبا يرون فلسطين العربية كوطن حصري للشعب اليهودي، ولم يعطِ المفكرون السياسيون الصهاينة اهتماماً كبيراً لسكان المنطقة الأصليين، الأمر الذي أدى إلى استيلاء دموي ومنسق في 15 مايو / أيار 1948.

وكان أحمد الحاج في السنة الثانية في مدرسته الثانوية في غزة عشية الحرب.
وقد اشتد القتال في تلك المنطقة التي تقع بالقرب من المستوطنات والبلدات اليهودية، ومن المناطق التي كان للمقاتلين اليهود فيها ميزة عسكرية قوية على المقاتلين الفلسطينيين غير المنظمين وغير المدربين إلى حد كبير.

وعندما وصل أحمد إلى السوافير في 8 أبريل/نيسان 1948، علم أن المقاتلين العرب بقيادة عبد القادر الحسيني خسروا "القسطل"- وهي قرية فلسطينية غرب القدس-، وأن الميليشيات الصهيونية قد هاجمت قرية دير ياسين، وذبحوا معظم سكانها.

وقد قطعت جميع الطرق المؤدية إلى السوافير، ولا يمكن لأحد التنقل بالقرب من قريتي مسمية وقسطينا والمستوطنة اليهودية "بئر توفيا" أو على طول الطريق المؤدي إلى القدس.

وحتى القدس كانت تقريباً مغلقة تماماً، وأنباء عن مذابح مماثلة في القرى المحيطة، والأحياء الجديدة، وببطء سقطت المدينة خلال الأيام التالية.

كان عدد من أحياء القدس تقع تحت سيطرة الميليشيات الصهيونية في تعاقب سريع، بدءاً من حي الشيخ جراح الفلسطيني المورق على بُعد بضعة كيلومترات شمال البلدة القديمة المُسَوَرَة.

يافا، وهي مركز قديم للحياة الفكرية والثقافية الفلسطينية، سقطت في وقت لاحق من أبريل، تلتها حيفا، وهي مدينة مهمة على الساحل الشمالي للبحر الأبيض المتوسط، وقد هرب العديد من سكان المدن المذعورين فقط بملابسهم على ظهورهم، وقفزوا إلى الزوارق أو قوارب الصيد في ميناء يافا وأبحروا باتجاه غزة، أو كانوا يذهبون سيراً على الأقدام باتجاه الحدود الشمالية مع لبنان.

غير أن العديد من الآخرين لم يصلوا بالسلامة أبداً مطلقاً؛ فقد أُعدموا في حريق نتيجة إطلاق النار أو ماتوا نتيجة انفجار قنابل يدوية أو غرقوا في البحر المفتوح بعد أن قفزوا إلى سفن لا يمكن الاعتماد عليها أثناء فرارهم من أجل حياتهم.

وقد وعدت جامعة الدول العربية بإرسال جيوشها لتحرير فلسطين. لكن أحمد، الذي انضم إلى الأيديولوجيات الشيوعية، سرعان ما أدرك أن الجيوش العربية المتهالكة التي كانت تعمل في ظل القوى البريطانية التي سلمت فلسطين للقادة الصهاينة في المقام الأول، لم تكن قادرة على القتال في حرب التحرير.

وعندما لم يصل الجيش العربي على الفور، فهم الفلاحون بسرعة عمق أزمتهم، وهرع العديد منهم للحصول على بنادق بأي شكلٍ من الأشكال. فباع خليل الحاج بقرة وأربعة دونمات من الأرض لشراء بندقية ألمانية و125 رصاصة.

وفي الوقت نفسه، كانت الوحدات المصرية تتحرك عبر شبه جزيرة سيناء للوصول إلى منطقة غزة، ثم سرعان ما استمرت في اتجاه "سويدان العراق"- وهي قرية تبعد حوالي 30 كيلومترًا عن شمال قطاع غزة-.

يحرص كبار السن الفلسطينيين على التواصل مع الأجيال الصاعدة لتوريثهم قضيتهم (الجزيرة)

كانوا يأملون في الوصول إلى بئر السبع "بير شيبه" الآن، على الطرف الشمالي من منطقة النقب الصحراوية، وإلى الشمال من الخليل "هيبرون" الآن، وبيت جبرين وبيت لحم.

وفي الوقت نفسه، دخل جيش الإنقاذ العربي، إلى فلسطين بقيادة الضابط اللبناني- الفرنسي المدرب فوزي القاوقجي عبر الجليل الشمالي في محاولةٍ للوصول نظرياً إلى يافا وحيفا والناصرة.

وسرعان ما تم توجيه الوحدات شبه العسكرية الأخيرة، وإجبارها على إعادة توحيد صفوفها مرة أخرى في الجليل بعد سقوط المدن الرئيسية، التي قُتل سكانها أو طُردوا أو هَربوا.

وقد تم نقل المسلحين الصهاينة بشكل كبير في سيارات عسكرية محصنة، بعضهم تم وهبه، وبعضهم تم جلبه من قبل البريطانيين، والبعض الآخر تم شراؤه لهذه الحرب على وجه التحديد.

وتتألف كل قافلة عسكرية ما بين 40 و50 سيارة، مع القيام بعمليات عسكرية تهدف إلى عزل مناطق كبيرة قبل إخلاء القرى المحاصرة من سكانها، بأية وسيلة أو تكلفة من الأرواح البشرية.

بعد هزيمة سابقة في "بيت داراس"- وهي قرية تقع شمال غرب قرية السوافير-، أعادت الميليشيات الصهيونية توجيه تركيزها بعيداً عن منطقة السوافير ومقاتليها القليلين نسبياً، وبدلاً من ذلك ركزت على معارك ضد الجيش المصري، الذي دخل الحرب رسمياً في 15 أبريل 1948.

وفي نفس اليوم وفي اليوم نفسه تخلت القوات البريطانية رسمياً عن مواقعها، وعن سيطرة (الميليشيات الصهيونية على المدن الفلسطينية) المدن الفلسطينية للميليشيات الصهيونية.

كانت أول معركة واسعة النطاق خاضها الجيش المصري وانتصر فيها، وفي 17 مايو، حاصر الجنود المصريون قرية "ياد موردخاي" الكيبوتز المحصنة لمدة أربعة أيام، وهي مستوطنة زراعية يهودية على بعد بضعة كيلومترات جنوب مدينة عسقلان الساحلية، وقد غزاها الجيش المصري بمساعدة مقاتلي غزة المحليين الذين مُنحوا فيما بعد رواتب ثابتة كمكافأة لشجاعتهم.

في 19 مايو، وصل الجيش المصري إلى بلدة المجدل، وانضم إليه العديد من القوى التطوعية الفلسطينية، الذين جُند الكثير منهم في الجيش المصري لاحقاً وتحت قيادة مصطفى حافظ، سيصبح هؤلاء المقاتلون فيما بعد أساس ما كان يُعرف باسم الفدائيين الفلسطينيين، أو مُقاتلي الحرية.

وواصل المصريون توجههم شمالاً إلى سويدان العراق، واتجهوا طريقًا منحنياً قليلاً نحو الفلوجة في الشرق، وإلى بيت جبرين، والخليل في الشمال الشرقي، وطوال رحلتهم، سعوا إلى البقاء داخل حدود دولة عربية مقترحة تمتد على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط بين رفح في الجنوب، وإسدود في الشمال.

وهذه الدولة، التي خُصصت للفلسطينيين بموجب خطة التقسيم التي وضعتها الأمم المتحدة عام 1947، تشكل أقل من نصف الأراضي الأصلية المعروفة باسم فلسطين، وفي ذلك الوقت، شكل الفلسطينيون غالبية سكان المنطقة.

بعد اعتماد خطة التقسيم في 29 نوفمبر 1947، من قبل الأمم المتحدة، وقبل بدء الحرب مباشرة، كنت مضللا مثل معظم مواطني بلدي. كنا نظن أن العرب سينتصرون بسهولة في المعركة القادمة. لكن الهجمات الشرسة التي شنتها الميليشيات الصهيونية في ساحات القتال أثبتت أنها كانت تستعد لضربنا عسكرياً وإبعادنا عن ديارنا من خلال مذابح مخططة بدقة. عندما رأيتُ كيف أن "الجيوش العربية المسلحة المهترئة" التي جاءت لدعمنا ضد الصهاينة تتلقى هزيمة تلو الأخرى، بدأت أدرك أننا كنا ضحايا مؤامرة وجريمة مع سبق الإصرار من قبل القوى العظمى في تلك الحقبة، "المملكة المتحدة والولايات المتحدة". صمم البريطانيون ووضعوا الأسس لما أصبح "إسرائيل". استولى الأمريكيون عندما انسحب البريطانيون وأصبحوا من العوامل الداعمة للحركة الصهيونية حتى يومنا هذا.

الحاج أحمد الذي هجرته إسرائيل من بيته في نكبة 1948 يعود لبلدته ليزور بيته (الجزيرة)

المجزرة
وبعد بضعة أسابيع، عادت قوافل الميليشيات الصهيونية إلى منطقة السوافير، وكانت أكثر حقداً من ذي قبل.

هاجمت بيت درّاس من الفجر حتى وقت ما بعد الظهر، وهم يعلمون جيداً أنهم إذا استطاعوا استرضاء هذه القرية بالتحديد - التي كانت تعتبر تعد معقلاً للمقاومة الفلسطينية - فإن حركة المقاومة الفلسطينية الأكبر في المنطقة سوف تتفكك وتنهار في النهاية.

وقد حاصر المقاتلون الصهاينة القرية، وقطعوا جميع طرقها، ومنعوا أي المقاتلين من الفلاحين من القيام بدفاع ناجح، وعلى الرغم من أن المقاتلين الفلسطينيين في بيت درّاس حصلوا على ما يقارب من 90 بندقية، ولكن إلا أن الميليشيات الإرهابية حشدت ترسانة من الأسلحة الحديثة تضمنت؛ مدافع الهاون، ومدافع رشاشة محمولة على مركبات مدرعة، وعدة مئات من الجنود المدججين بالسلاح.

وكان الفلاحون مغلوبون على أمرهم، فخلال الساعة الأولى من القتال، اشتعلت بيت درّاس من كثرة القصف، حاول القرويون الذين لم يتمكنوا من الانضمام إلى المعركة إخماد نيران الخيانة، لكن دون جدوى.
وتوجه السكان المحليون اليائسون الذين هربوا من المذبحة إلى موقع للجيش المصري على بُعد ثلاثة أميال شمال القرية، لكن دعواتهم المُلحّة إلى المساعدة قابلها قادة مصريون غير مبالين بالقول: "إنهم لا يملكون أمراً عسكرياً بالتدخل".

لكن، كان ذلك متأخراً جداً: فالميليشيات الصهيونية تقدمت نحو القرية، و أعدمت الناجين الفلسطينيين سواء كانوا - رجالاً أو نساءً أو أطفالاً - لا يهم.

القلة الذين نجوا - فعلوا ذلك- من خلال: الهروب بشكل متعرج بواسطة حرق الحقول، أو التعثُّر ببعضهم البعض كي يفلتوا من قناص الرصاص، وقد لجأوا في نهاية المطاف إلى القرى المجاورة "الجورة والمجدل وحمامة" وغيرها.

لقد كان لتدمير الميليشيات الصهيونية لبيت درّاس أثرها المقصود: مثل تدمير روح القرية الأصغر والأقل قابلية للدفاع عنها، وغرس الخوف والرعب لدى السكان الفلسطينيين المحليين، عندما تصل لآذانهم أنباء عن مقتل 300 شخص، في قريةٍ يقطنها تقريباً 2000 نسمة.

وقد سارت مئات العائلات تحت رعب الليل دون أي مكان تتوجه له، وبدون خطة واضحة تضمن سلامتهم، حيث كانوا ينقلون كل ما يمكن نقله على ظهورهم، ويسحبون الماشية والحمير معهم، ناموا تحت النجوم، عازمين على العودة في الصباح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه: الدجاج والدقيق، وأوعية زيت الزيتون، وأكوام صغيرة من الذرة، والعدس.

والآن أصبح مقاتل المقاومة، والد أحمد "خليل"، في عداد المفقودين بالقرب من "جسير" أثناء المعركة للدفاع عن القرية، التي تعرضت أيضاً للهجوم والتدمير الكامل من قبل المقاتلين الصهاينة. عندما عرفت زوجة خليل، -والتي كانت حبلى بأصغر طفلة لهما، ميسّر-، مصير زوجها، بدأت بالعويل والنواح الشديدين، لطمت على وجهها، وسكبت الأوساخ على نفسها بسبب الهم والغم.

أثبتت المعركة في "جسير" أنها نقطة تحول ليس فقط بالنسبة لأسرة أحمد، بل للكثير من القرويين المشردين في جميع أنحاء المنطقة، الذين ينامون في الحقول المفتوحة. وبعد أن شهدت الأسر الكثير من الموت والدمار، لم تعد تشعر بالأمان في أي مكان وكانت فاقدة لأمل الحماية.

ووجه المخاتير - شيوخ القرى - تعليمات للسكان الأكثر ضعفاً، والذين تعرضوا للصدمات بالتوجه إلى الشمال باتجاه موقع للجيش المصري. على الرغم من أنهم رأوا كيف شاهد الجيش القتال من بعيد ولم يتدخل، توسلوا إلى الله من أجل الراحة.

الهروب
كانت معظم القرى مهجورة في ذلك الوقت، في أعقاب مذبحة بيت درّاس. وبينما كانت هذه القرى الزراعية صاخبة، وذات تاريخ ثقافي عظيم تحولت على ما يبدو إلى مدن أشباح بين عشية وضحاها، وتُركت جثث جرحى الحرب الوحشية تتعفن. كانوا خمسين قرية تعج بالحياة، بالقرب من بيت درّاس والسوافير، أصبحت فارغة الآن، ولم يتبقَ منها سوى الرماد.

وكان قد بقي عدد قليل من الفلاحين المتعبين جسدياً وعقلياً، حتى إنهم فكروا في الانتقال لمكانٍ آخر. وكان من بين القتلى جدته لأمه، عزيزة، وجدته لأبيه، فاطمة. توفيت فاطمة دون أن تعرف أن ابنها خليل قد فُقد، وكانت تخشى أن يكون ميتاً.

حاول أفراد عائلة الحاج الباقين على قيد الحياة، مثلهم مثل آخرين كثيرين، شق طريقهم إلى الفالوجة قبيل انتهاء الهدنة في 9 يوليو 1948. وتبعد السوافير عن الفالوجة حوالي 5 كيلومترات، ولكن بسبب ظروفهم الغير مستقرة، شعروا بأنه طويل جداً وبلا نهاية.

يتحدث المسن الفلسطيني عن تجربته باللجوء في أحد الملتقيات (الجزيرة)

الحصار
بعد رحلة شاقة ومُهلِكَة وتهديدات بالقتل ومخاطر أخرى، وصل أحمد وعائلته أخيراً إلى الفالوجة. وكان من المفترض أن تُوفر لهم بعض الراحة التي كانوا بأمسّ الحاجة لها، لكن سرعان ما تحولت إلى حالة محفوفة بالمخاطر الأخرى: وقعت القرية تحت الحصار لعدة أشهر.

وقد زاد عدد سكان البلدة الصغيرة لثلاثة أضعاف بسبب تدفق الفلسطينيين المشردين من القرى المجاورة، وانقطعت عن الطريق الساحلي إلى البحر الأبيض المتوسط بعد أن خرق الجيش الإسرائيلي هدنة ثانية أُبرمت في المنطقة.

وكان الشيء الثابت الوحيد في البلدة على مدى عدة أيام وليالي هو الطائرات الحربية الإسرائيلية التي قطعت عنهم الهواء، وأسقطت عليهم البراميل المتفجرة وغيرها من القذائف، وتركت الجثث تسبح في دمائها.

كانت عائلة الحاج غير متأكدة مما يجب القيام به، فقررت البقاء، ولكن ذات يوم، دعت والدة أحمد له بمشاعرها الجياشة:
"ابني، أحمد، كُسر قلبي مرات كثيرة في أسابيع قليلة، لقد فقدنا كل شيء، ولا أستطيع تحمل خسارة كل أطفالي، اهرب يا ابني، أنت الوحيد المتعلم بيننا، إن عشت ومتنا جميعاً، على الأقل أموت وأنا أعلم أنني أنقذت أول ابن لي، وسأرسم ابتسامةً على وجهي وأنا أغادر هذه الأرض".

وبعد أن باع أحمد العجول المتبقية والحصاد الضئيل، أحرق 180 جنيهاً فلسطينياً في جيوبه (أي ما يعادل 180 جنيهاً استرلينياً تقريباً)، بالإضافة إلى بعض القطع النقدية التي أعطاها له فلاحين طيبي القلب فلاحون طيبو القلوب، وقد خبأهم ليومٍ ممطرٍ، أو للتحضير لموسم الزراعة الذي لم يأتِ.

ومع بزوغ ضوء الفجر، انضم أحمد إلى 12 رجلاً آخرين، وهربوا بأسرع ما يمكن على أقدامهم، وانتقلوا إلى غزة التي كانت تحت السيطرة المصرية، التي وفرت بعض الأمان للفلسطينيين الفارين من الميليشيات الصهيونية.

لقد سبقوا الشمس، فالظلام أفضل طريقة لتجنب مشاهدتهم أو قتلهم من قبل وحدات الجيش الإسرائيلي التي تتحرك بدوريات في الجوار، عبر أحمد من بين الحفر الموحلة، كان حذاؤه المصقول آخر تذكير له للحياة التي كان يعرفها والتي لن يراها مجدداً.

أخيراً- تمكن من التقاط أنفاسه عندما عبر الحدود إلى غزة، وقف أحمد مع نفسه، وكان يحدق في اللاشيء؛ لأنه حاول فهم كل ما رآه وعاشه.

كان يحتاج إلى الكثير من دفعات الطاقة للوصول إلى مدرسته، لكنه سرعان ما انهار. لقد استُنفِذْ، وسقط في نومٍ عميق في وقتٍ خاطئ.

وفي 27 فبراير، انضمت عائلة أحمد إليه في غزة، بعد أيام قليلة من رفع الحصار عن الفالوجة، وبجدية، أحصى مراقبو الأمم المتحدة الفلسطينيون الأحياء والأموات الذين بقوا في القرية.

الهزيمة العربية كانت رسمية: الجيش المصري أخلى مواقعه لأسبابٍ غير معروفة، ولا يمكن تفسيرها لأحمد، ولكن العرب احتفلوا بما أسموه انتصاراً.

كنتُ أخشى أنني لن أرى أسرتي مجدداً. لكننا كنا محظوظين لأن غالبية الذين بقوا في القرية المحاصرة نجوا رغم الغارات الجوية المفرطة والمدافع الرشاشة الثقيلة والقصف المدفعي. وقد تعلموا بسرعة كيفية أخذ مأوى آمن وإطفاء الحرائق. والمثل العربي الحكيم يقول: "المصائب توحد صفوف الناس". لذلك، فإن الناس المحاصرين، بما في ذلك الجيش "العربي"، تشاركوا جميع المواد الغذائية وجميع الأشياء الأخرى القابلة للاستخدام كأنهم عائلة واحدة كبيرة.

السجن
بعد تخرجه من المدرسة الثانوية، ذهب أحمد لدراسة العلوم في مصر، كان يحلم بأن يكون فيزيائياً، لكنه أصبح مدرساً بدلاً من ذلك.

في نهاية المطاف، كان يُحرم من واجباته التعليمية في غزة بسبب نشاطه السياسي، وأفكاره حول الاشتراكية، ولماذا فقد العرب فلسطين؟ والتي أغضبت القوى المحلية.

فقد سُجن مرتين في مصر، في كل مرة كان يبقى خلف القضبان لمدة ثلاثة سنوات وحيداً، كما سجنته إسرائيل أيضاً عندما سقط قطاع غزة تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي بعد 20 عاماً بعد النكسة عام 1967، المعروفة أيضا باسم حرب حزيران 1967.

ومما قاله "هناك فرق كبير بين التعذيب الذي يمارسه السجّانين العرب والاسرائيليين". "تعذيب الإسرائيليين يقوم على أساس الطرق العلمية المجربة والمثبتة؛ بينما يقوم العرب بضربك بالهراوات، وإطلاق الكلاب الجائعة عليك لتنهش جسدك العاري ".

فعندما أجبرت الإدارة العسكرية الإسرائيلية، التي حكمت قطاع غزة، أحمد لترك مهنة التدريس، كان يقود شاحنة من أجل لقمة العيش. لكن المفكر الشيوعي، الذي كان الطالب الأهم بين آل السوافير والقرى المحيطة أجمع، لم ينسَ أبداً من أين جاء.

ومع مرور السنوات، كان يسترق أية فرصة للتحدث عن مسقط رأسه، وضمان حق الفلاحين الأبطال حافّي الأقدام الذين لم ينسهم مطلقاً.

كان عام 1948 بداية حياتي السياسية، وكنت متعلمًا بما فيه الكفاية لفهم ما يجري حولي. وكنت قادرًا على تمييز آثارها بعيدة المدى علينا، نحن ضحية هذه الجريمة والمؤامرة المستمرة. لقد أصبحت واعياً سياسياً بالمؤامرة والمصير الذي كان ينتظرنا جميعاً. وما زلنا نعاني من آثاره الرهيبة حتى يومنا هذا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/20-

نهضة الفلاحين.. ثورة أم مروان

نهضة الفلاحين.. ثورة أم مروان

رمزي بارود

وفقاً للتقاليد الفلسطينية، يلقب الآباء بأسماء أكبر أبنائهم، لذلك، بعد أن كانت معروفة منذ فترة طويلة باسمها، تمام نصار، فجأة أصبحت "أم مروان" عندما جاء ابنها مروان إلى الدنيا.

بعد سنواتٍ قليلة، وصل طفلها الثاني كمال، وكبر حب العائلة عندما جاء ابنها الثالث، جمال. ولد كل أطفالها في نفس مخيم اللاجئين في غزة، حيث أسمته نصار وزوجها محمود: النصيرات، الجزء الأوسط من المنطقة الساحلية.

على الرغم من أن إنجاب طفل ذكر يجلب الهيبة للأسر الفلسطينية، لا سيما في طبقة الفلاحين الفلسطينيين، كانت تمام تحلم دائماً بإنجاب بنت. كانت هذه الرغبة على الأرجح مرتبطة بجرح وفاة والدتها حمدة التي تركت حياتها منذ فترة طويلة، وتوق شديد لم يتحقق في أن يكون لديها أخوات.

دعت تمام من أجل إنجاب البنات، وسرعان ما منحها الله رغباتها: أنجبت ثلاث بنات - إيمان، أسمهان، ومنال. وولدت كل واحدة منهن في سنة، وتحقق ما تحلم به تمام أخيراً.

اللاجئة الفلسطينية الحاجة أم مروان تعرض ألبوم صور عائلتها (الجزيرة)

جولس
ذاكرة تمام عن قرية جولس الفلسطينية حيث ولدت وترعرعت حتى عيد ميلادها الخامس، هي ضبابية في أحسن حال.

عندما ولدت، كان البريطانيون بالفعل السلطة الاستعمارية في فلسطين لعقود، والذكريات القليلة التي يمكن أن تتذكرها تشمل مطاردة بعض القوافل العسكرية البريطانية لتسول الجنود للحلوى.

وفي إحدى هذه المناسبات، عندما عادت إلى منزل عائلتها المبني من طوب اللبن مع قطعة الشوكولاتة بأكملها في يدها وابتسامة انتصار على وجهها، انتزع شقيقها الأكبر، سليم، غنيمتها وادّعى أنها ملكه - قسوة الطفولة تُمارس من قبل الأخ الأكبر دائماً-.

لو لم تكن لإسماعيل، الأخ الأكبر من بين الأشقاء الثلاثة، كان سليم سيلتهم الشوكولاتة في غمضة عين.

أما والد الأطفال "يوسف" فقد أمضى معظم أيامه في العمل في أرض العائلة، أو عرض العمل على ملاّك الأراضي المحليين الآخرين. عندما نمت في قطعة أرضه الصغيرة من بعض محاصيل القمح والشعير عاماً بعد عام.

ولم تحجم أمها، حمدة، عن حمل بعض أعمال زوجها الشاقة، مع رعاية الأطفال، والقيام بالمهام المنزلية الأخرى. في ذلك الوقت، لم تتذكر الشابة تمام مواجهة أي جيرانٍ يهود.

ولكنها ربما رأتهم، لأن اليهود والعرب في فلسطين كانوا لا يمكن تمييزهم إلى حدٍ كبير - وعلى أية حال، قالت: أنها لا يمكن أن تفرق بينهم، ولا تهتم، لأنها اعتقدت أن الناس كلهم سواء، وأن اليهود كانوا جيرانهم، وهذا كل ما يهم.

وغالباً ما عاش اليهود الفلسطينيون خلف الجدران والأسوار والخنادق، في حين عاش الفلاحون منهم بين الفلاحين الفلسطينيين، يتسوقون من الأسواق الفلسطينية، ويطلبون المساعدة في الزراعة، وكان الفلاحون أكثر مهارة في التحدث بلغة الأرض وفك رموز المواسم الزراعية.

وكان منزل تمام مبنياً من الطين المتصلب (طوب اللبن) وكان له ساحة صغيرة، وتتذكر قضاء ساعات طويلة مع إخوتها، بينما تجوب القوافل العسكرية البريطانية القرية. في وقت قريب جداً، ستصبح هذه القوافل أكثر تواتراً، وقطع الشوكولاتة والحلوى التي حلت حياتهم ستصبح مجرد ذكرى.

الحرب
لقد غيرت حرب 1948 كل شيء، وسرعان ما انحسرت المعركة - التي قاتلت فيها الميليشيات الصهيونية ضد مقاتلين فلسطينيين محليين وحلفائهم من الدول العربية المجاورة - حول جولس ولم تظهر أية رحمةٍ تذكر-. بعض الفلاحين المحليين الذين غادروا خارج حدود القرية لم يُرَوا مرة أخرى.

وللتأكد من أن المصير نفسه لن يحل بأطفالها، كانت حمدة تقول لهم: إن الغول يعيش في بستان قريب. كانت ترعبهم من أجل مصلحتهم، جعلتهم يعدوها بأنهم لن يسيروا أبداً في الطرق الترابية في ضواحي جولس.

إن عبور هذا الطريق سيكون كبيراً جداً، كما كانت حمدة تعرف، لكن تمام لم تلتقِ أبداً بهذا الغول المخيف: في سن الخامسة، غادرت القرية مع عائلتها بسبب تكثيف القتال في جولس.

وجلست على ظهر بقرة مع سليم، حيث ترك إسماعيل ووالديها منزلهم خلفهم وساروا إلى قرية المجدل، على بعد حوالي 15-20 كيلومترا. واعتقدوا أنهم سيعودون بعد انتهاء الحرب، وتوقفوا في بستانٍ على طول الطريق لإخفاء حصادهم الثمين؛ الذي ظنوا أن بإمكانهم استرجاعه عند عودتهم إلى المدينة.

لكن كان أمل عائلة نصار هو أن يكون مخيم اللاجئين في قطاع غزة منفذاً مؤقتاً، كما هو الحال بالنسبة للعديد من العائلات الفلسطينية الأخرى، التي سرعان ما دخلت حالة الاستقرار في غزة.

اللاجئة الفلسطينية الحاجة أم مروان وزوجها أبو مروان (الجزيرة)

سليم
لم تكن الحياة في غزة سهلة أبداً بالنسبة إلى عائلة نصار، خاصة في البداية. وكان هذا القطاع مكاناً بارداً وغير مألوف عندما وصلوا لأول مرة، وسعت هذه الأسرة للحصول على أي مأوى ممكن، والتي كانت خيمة هزيلة وفرتها الأمم المتحدة.

بعد حرب 1948، خضعت غزة للسيطرة العسكرية والإدارة المصرية، وقد رحب السكان المحليون بهذا التغيير في البداية، وكان الكثير منهم يعتقدون أن مصر وغيرها من الدول العربية المجاورة سوف تسارع بتحرير فلسطين، وتعيد اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم الأصلية.

ولكن سرعان ما أصبح واضحاً أن المدافعين الحقيقيين عن المصالح الفلسطينية هم الفدائيين الفلسطينيين، المقاتلين من أجل الحرية، الذين عبروا سراً إلى الدولة الإسرائيلية الحديثة لمواجهة الجنود على طول الحدود مع غزة.

العديد من هؤلاء المقاتلين فقدوا أرواحهم، لكنهم احتُفلَ بهم في غزة كشهداء، وكانت جنازاتهم مواكب من التوابيت وهتافات مثل: "بالروح بالدم، نفديك يا شهيد".

ولكن على الرغم من كل الرمزية والمشاعر القومية، كان كل ما يريده يوسف، بطريرك عائلة نصار، أن يبقى أبناء العائلة على قيد الحياة.

وقد اتضح أن هذا صعبٌ جداً عندما اندلعت حرب عام 1956 بين مصر وإسرائيل، والتي حظيت بتأييد بريطانيا وفرنسا بعد أزمة السويس. واحتلت إسرائيل لفترة وجيزة قطاع غزة بعد انسحاب مصري من الأراضي، وتغير الوضع السياسي بسرعة. وكان الشيء الثابت الوحيد للعديد من الفلسطينيين في غزة هو إرادة الفدائيين المحليين، الذين واصلوا تحدي الجيش الإسرائيلي.

يذكر أن معركة دارت في "خان يونس"- وهي مدينة تقع جنوب قطاع غزة على بعد مسافة قصيرة من دير البلح-، في 3 نوفمبر 1956، ستذكرها أجيال من الفلسطينيين الذين احتفلوا بشجاعة المقاتلين المحليين، ولكن عندما قُتل الفدائيون الفلسطينيون في خان يونس، دخل الجيش الإسرائيلي رفح.

التقارير التي نُشرت في ذلك الوقت عن قيام القوات الإسرائيلية بإعدام رجال فلسطينيين في منازلهم وصفّ شبان وأطفال مقابل الجدران وإطلاق النار عليهم، وسقوطهم مثل الدومينو خلال حرب عام 1956، والمعروفة باسم العدوان الثلاثي، وقعت بين أواخر أكتوبر/تشرين الأول إلى مارس/آذار من العام التالي.

وقبيل انسحاب إسرائيل من غزة في شباط /فبراير 1957، حاول سليم، البالغ من العمر 16 عامًا، وهو الطفل الأوسط في عائلة نصار، الفرار من المنطقة، كان يأمل أن يعبر إسرائيل للبحث عن الأمان في الأردن، لكنه اختفى بعد آخر ظهور له في بستان محلي، لم يترك خلفه أي آثار أقدامٍ أو أية أدلة. انتشرت شائعات حول مكان وجوده، وقال البعض: إن المراهق قد وضع في سجن سري في مكان ما تحت الأرض.

لم يكن سالم مقاتلاً من أجل الحرية، بل كان مشغولاً بصدور المجلات مع ملاحظاته حول الحياة اليومية في مخيم اللاجئين الذي أسمته عائلته "وطن". لقد اعتقدوا أنه لربما حاول العودة لجولس لتذكر طفولته والعالم الذي تركه خلفه.

لم يكن أحد يعرف ما إذا كان سالم حياً أم ميتاً، وكبرت تمام في العمر وهي تبحث عنه.

الزواج
وتقول تمام إنها تزوجت بعد خمس أو ست سنوات من اختفاء سليم، إلا أن التاريخ غير واضح في ذاكرتها. تزوجت ابن عمها محمود العصار، في حين كان قلبها لا يزال ينفطر على شقيقها.
رفضت العروس الشابة صبغ يديها بالحناء، كما يملي التقليد المحلي، لأنه لا يزال الحزن يغلب عليها.

عندما التقت تمام لأول مرة بمحمود، كان جندياً في الحرس الوطني، ويرتدى الزي العسكري ويحمل بندقية، وكان بحوزته رصاصة واحدة قيّمة كان يحتفظ بها في جيبه الأيمن دائماً.

قرأ ممثلون من كلتا العائلتين الفاتحة بصوت عالٍ بعد إبرام العقد وبدا حفل الزفاف بسيطاً، ولكن كان الناس سعداء، طهيت العديد من صواني المفتول، المخلوطة بالخضروات واللحوم المطبوخة، بعناية ومشاركة، كما هو متعارف عليه في حفلات الزفاف في غزة.

عاش العروسان مع أهل تمام لأكثر من سنة، حيث أنجبت مروان وأصبحت حاملاً بكمال، ثم اشترى والدها يوسف منزلاً جديداً لهما ليس بعيداً عنهم.

كان المنزل عبارة عن غرفة واحدة من طوب اللبن، لا يوجد به مرحاض أو مطبخ، وتكلفته 54 جنيهاً مصرياً.

قضى محمود معظم أيامه في كسر الصخور بالقرب من وادي غزة وبيعها إلى محجر محلي في نهاية اليوم. في الليل، كان يساعد أم مروان في تصميم طوب اللبن، الذي أضافاه بحرص إلى منزلهما المتواضع، الذي سرعان ما كبر بنمو أسرتهما المتنامية.

ومع بدء الأسرة الشابة ببناء حياة جديدة لنفسها، عادت إسرائيل مرة أخرى إلى غزة، وبدون إلقاء أهمية للسكان المحليين، هذه المرة، ستبقى السلطات الإسرائيلية على مدى عقود.

اللاجئة الفلسطينية الحاجة أم مروان تعرض ثوبها الفلسطيني التقليدي (الجزيرة)

الاحتلال
عندما هزمت إسرائيل الجيش المصري في عام 1967 واستولت على قطاع غزة ومصر وسيناء، تم تسوية مخيم أم مروان للاجئين.

كان الجيش الإسرائيلي بحاجة إلى وسيلة لتوسيع الطرق في المخيم حتى تتمكن دباباته من التنقل في الشوارع دون عوائق لتتعقب ما تبقى من الفدائيين. كما أرادوا أن يكونوا قادرين على إخضاع أي تمرد فلسطيني محتمل بين اللاجئين على الفور.

وكان هدم مئات المنازل الفلسطينية في المخيم هو طريق الجيش لتحقيق ذلك، مع عدم إيلاء الاهتمام الكافي لكيف تم تدمير حياة سكان المخيم الفقراء.

كانت أسطح منازل المخيم مصنوعة من القرميد الرمادي، في فصل الشتاء، كانوا يضعون صفائح كبيرة من البلاستيك بداخل أكياس الرمل الصغيرة لمنع المطر من التسرب للداخل.

عندما انتهت حرب 1967 بالانتصار لإسرائيل، سعى محمود للهروب إلى وادي غزة وأخذت أم مروان أطفالها إلى بستانٍ يعرف باسم "عزبة المجانين"، بين مدينتي النصيرات ودير البلح.
انتظرت مع آلاف الناس، مع القليل من الغذاء والماء، وحاولت بذل قصارى جهدها لحماية أطفالها. كانت الحرب تتجلى أمام أعينهم، ويتقصّون الأخبار ببؤس من خلف الشجر.

ولكن كان هناك بعض التطورات الإيجابية التي تجب ملاحظتها.
أولا- توالت المركبات العسكرية المصرية بسرعة، وكأنها في حالة ذعر، على الطريق جنوبًا نحو سيناء. لتتبع الفدائيين الفارين في جميع الاتجاهات. كان العديد منهم ينزفون ويصرخون ويبكون، وتربكهم أزمة سُميت لاحقاً بالنكسة.

وكانت القوات الجوية الإسرائيلية قد انتصرت في الحرب التي شنتها إسرائيل ضد مصر والأردن وسوريا والمقاتلين الفلسطينيين المحليين، عندما انفجرت 17 قاعدة للقوات الجوية المصرية قبل أن تتمكن طائرة واحدة من الإقلاع.

عندما تم جمع شمل عائلة أم مروان أخيراً في المخيم، كانت المهمة الأولى هي حفر حفرة كبيرة في أرض منزلها الترابي الذي سيكون بمثابة مأوى للأطفال. يخشى الكبار من الاجتياح، أو قد يقوم الجيش الإسرائيلي بتفجير منازلهم، أو قتل السكان المحليين.

وفي نهاية المطاف، انضم محمود "أبو مروان" إلى آلاف اللاجئين الفلسطينيين قليلي الحظ الذين عادوا إلى فلسطين (في ذلك الوقت، كانت المنطقة تعرف باسم إسرائيل) كعمال بأجور بخسة.
وبعضهم يرغب بالعمل في بلدته الأصلية التي عاش فيها في السابق، ويعملون كعمال يدويين أو عمال نظافة في المصانع، أو عمال نظافة في الشوارع، أو غير ذلك من أشكال العمل الوخيم. ولأن معظم الرجال الفلسطينيين يعملون في إسرائيل، قامت النساء اللاجئات الفلسطينيات بتلبية مطالب الحياة اليومية في غزة.

وقد اهتموا بالأعمال المنزلية وبتربية أطفالهم وكيّ الملابس البالية، والاصطفاف من أجل الحصول على الإمدادات الضئيلة من مراكز التغذية التابعة للأمم المتحدة، والاشتباك مع جنود الاحتلال الإسرائيلي، والتأكد من قيام أطفالهم بواجباتهم المنزلية، والتمسك بتقاليد الفلاحين، لقد احتفلوا ورقصوا وبكوا.

بالنسبة لأم مروان، حولتها مصاعب الحياة إلى امرأة قوية، بينما كان زوجها موجوداً خارج المحيط الذي تقطن فيه أسرته، وكان يأتي بالدخل، وأحياناً بإرشاد وتأديب أطفاله، ليس أكثر من ذلك.

كبر أطفال أم مروان تحت الاحتلال، كانوا يعرفون "فلسطين" التي لم يسبق لهم أن رأوها، ولكن يطمحون بالعودة إلى تلك الجنة المفقودة في يومٍ من الأيام. أحبت أطفالها جداً، ولكن كمال كان له معزةً خاصةً بقلبها.

كان طفلاً متمرداً ونحيفاً وغريباً وكان دائماً يتكلم حول الاشتراكية والعالم المثالي الذي اتحد فيه الفلاحون، وحرروا أرضهم بنجاح من ملاك الأراضي القمعية والجيوش التي تحميهم.

 

اللاجئة الفلسطينية الحاجة أم مروان في منزلها المتواضع (الجزيرة)

كمال
عندما اندلعت الانتفاضة الأولى عام 1987، خرج كمال من عزلته. وكان يكره الكبرياء والثقة التي كانت في وجوه الجنود الإسرائيليين وهم يسيرون في أراضي اللاجئين البسيطة، ويحملون أسلحتهم، ويصرخون لتنفيذ الأوامر ويضايقون الناس.

كان يكره المدرسة، ويكره معلميه، فبالنسبة له، بدوّاْ منصاعين جداً، ملتزمين بقواعد المحتل التي فرضت بأن لا يدرس الفلسطينيين تاريخهم.

عندما كان صبياً صغيراً، سرعان ما تعلم أن احترام الذات مطلوباً لرفض الأوامر والتميز عن البقية، ومع ذلك، لم تتجسد روحه القتالية حتى بلوغه المرحلة الثانوية.

كان يملك هاجساً لا مثيل له في القراءة والكتابة، ولديه شخصية مخلصة استحوذت على قلوب وعقول كل من التقى بهم، كان هو الخيار الأمثل لقيادة الوحدة الشبابية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو فصيل سياسي فلسطيني يساري.

كان يُدخل الأطفال في سحر تام عندما كان يلقي لهم محاضرات عن أن مخيم اللاجئين ليس وطنهم وأن فلسطين الحقيقية كانت أرضاً رائعة جداً وأجمل من أي شيء يمكن أن يتصوروه.
لقد كان الأمر الآن متروكاً للفلاحين للرجوع مرة أخرى للوطن، ومحو خطايا جيل لم يخلص، كما يعتقد كمال.

الانتفاضة
لم تبدأ الانتفاضة من مخيم النصيرات للاجئين حيث يقطن كمال، بل من مخيم جباليا للاجئين في شمال غزة، بعد ظهر يوم 6 ديسمبر 1987. خرج آلاف الشباب إلى شوارع النصيرات وتعهدوا بالانتقام لدماء ضحايا جباليا في اليوم السابق.

وقد تمايلت الأعلام الكبيرة المصنوعة من القماش الناعم الذي يتأرجح بشكل جميل في هواء غزة، ومع ازدياد العدد، أصبحوا ثملين بسبب هتافاتهم الجماعية. وساروا إلى "الخيام"، والتي ترمز إلى المخيم فعلياً، حيث كان الجنود الإسرائيليون غير مرتاحين على قمم أبراج المراقبة، مختبئين وراء مناظيرهم ورشاشاتهم الآلية.

في غضون دقائق، بدأت الحرب، ووقف الجيل الثالث من الفلاحين اللاجئين الذين ولدوا في المخيمات بدون خوف، ضد جيش مجهز تجهيزاً جيداً، والذي كان واضحاً أنه في خوفٍ لا يمكن تفسيره.

وقد ألقى الأطفال الحجارة في جميع الاتجاهات، على الرغم من أن معظم الضرب لم يُصب أهدافه المرجوة. وعلى النقيض من ذلك، أطلق الإسرائيليون الرصاص الحي على المتظاهرين، وقتل العديد من الأطفال الفلسطينيين.

في غضون أيام كانت غزة أرضاً خصبة لثورة حقيقية كانت تكبر بشكل أكثر وضوحاً وثباتاً، وتم الرد على هتافات الفلسطينيين في غزة من الضفة الغربية والقدس وكل فلسطين التاريخية.
وكانت الطاقة الكبيرة رمزية الأطفال والشباب الراغبين في استعادة هويات أسلافهم التي كانت مشوهة بشكل فظيع، وقسمت بين المناطق والبلدان ومخيمات اللاجئين.

كان كمال في شوارع النصيرات يحاول صنع عالم مثالي. وقد سقط مئات القتلى والجرحى في جميع أنحاء فلسطين في غضون أسابيع، ولكن ارتفع صوت هتافاتهم: "لا بالشرق، لا بالغرب، هذه انتفاضة الشعب".

وكان كمال في منزله يشاهد الأخبار خلال فترة من فترات حظر التجول العسكري المفروض على المخيم عندما جاء الإسرائيليون يبحثون عنه للانتقام منه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/20-

حملت هويتي من عرابة إلى هاواي

حملت هويتي من عرابة إلى هاواي

حاتم كنعان



قريباً، سنغادر أنا وزوجتي هاواي مرة أخرى. إنّه الصراع الدائم الأصعب في عام 1970، بعد أن أنهيت التدريب الطبي، وبعيداً عن عروض العمل المغرية، ووسائل الراحة والجمال التي تأسر قلوبنا في هاواي. لكن الجليل يفوز بالطبع. كنت بحاجة للجليل. - وأنا مدين للجليل أكثر من هونولولو-.

كانت عائلتي قد باعت أرضا لجيراننا لوضع اثنين من أشقائي الأربعة وأنا في المدرسة الثانوية في الناصرة. في ثقافة زراعة الكفاف لدينا، كان هذا كفراً. كانت الأرض مقدسة وكانت الزراعة عبادة. ومع ذلك، مع وعود العودة كطبيب؛ أقنعت والدي ببيع فدان آخر من الأرض لدفع ثمن تذكرة الذهاب في اتجاه واحد إلى أمريكا.

كانت آخر قطعة أرض في وادي ناطوف الخصبة، التي يعتقد أنّها موطن الناطوفيين القدماء، أوّل مجتمع زراعي مستقّ في تاريخ البشرية. وقيل إنه عقد على بساتين الزيتون وبساتين المشمش على الجبل تلك الجذور العميقة. فتركي للبلد عندما أصبحت طبيبا، يصنف أكبر من كونه كفراً؛ لكانت تلك خيانة عظمى، أو لصنفت غير فلسطيني.

عندما عدت، لم يكن هناك طبيب غيري من بين 6000 شخص في عرابة. وكان الشيخ كايد - إمام القرية - قد قاد لجنة من الناشطين المدنيين وجلب المياه الجارية إلى المنازل، وهو إنجاز كبير للصحة العامة. ولكن لم يفكر أحد في التخلص من النفايات السائلة. وسرعان ما تسربت مياه الصرف الصحي في الأزقة الترابية وتجمعت في البرك.

هذا الكابوس الصحي العام كان مروعاً أكثر من عدم وجود الكهرباء والهاتف والطرق المعبدة وجمع القمامة ووسائل النقل العام المناسبة. وعندما اكتشفت الوضع، اكتشفت أنّه أبيض وأسود: بمعنى أنّ جميع المستوطنات اليهودية في إسرائيل لديها شبكة صرف صحي فعالة، ولكن لم يكن هناك قرية عربية واحدة تملك شبكة مماثلة أو حتى بإمكانها أن تركب واحدة.

كتبت مذكرات لرؤسائي في وزارة الصحة. لكن تم الرد على بأن هذا ليس من مسؤولياتهم. وقد انتخبت عرابة مجلسا قرويا، وهو اختراع غير فعال يمثل السلطة المركزية الصهيونية في القرية، و"بوز المدفع" التي يمكن للدولة أن تلومه على أي تقصير. كانت إسرائيل دولة اليهود، وأما نحن فكنا نترك لاحتساء عصائرنا الكريهة. وأهم شيء أننا لم نخدم في جيش الدفاع الإسرائيلي. كانت إسرائيل "نبراساً على الأمم"، لكننا لم نكن أمة؛ كنا بالكاد بشراً في عيونهم. وبالمناسبة نصحوني بأنّه يجب أنْ استخدم مصطلح "بني ميوتيم" - أعضاء الأقلية - في تقاريري، وليس العرب، أو لا سمح الله، الفلسطينيين.

على الرغم من تخصصي في الصحة العامة، كان علي مضاعفة جهودي لأزاول المهنة. ومن بين مواطني الجليل الفلسطينيّين الذين يزيد عددهم عن مئتي ألف نسمة، لم يكن هناك سوى طبيبين آخرين.

ومن ذلك الوقت وحتى الآن، تحتوي عرابة على أعلى نسبة أطباء مقارنة بأي بلدة من حجمها في العالم، وذلك بفضل التضحيات الكبيرة التي يبذلها الآباء والأمهات والأشقاء التي استمرت في البناء والصناعة لدعم تعليم هؤلاء الأطباء. وأصبح الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان وغيرهم من المهنيين الصحيين الذين يدربهم الأجانب بشكل رئيسي بين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل سريعاً، هم العمود الفقري لنظام الرعاية الصحية في إسرائيل، على عكس رؤية المخططين. في عام 1976، أوصت وثيقة حكومية داخلية تعرف باسم (تقرير كونيغ) بأن الدولة تشجع هجرة الأدمغة، وتدابير أخرى.

وعلى الرغم من ذلك، لم يتم ترخيص مستشفى واحد في أي مجتمع فلسطيني في إسرائيل، كما أشارت (مقبولة نصّار) مراراً وتكراراً: وهي صحفية إعلامية عصامية، من عرابة.

حاتم كنعان ينتمي أولا لقرية عرابة قبل انتمائه لهاواي (الجزيرة)


عبورنا للحدود القاسية
في عام 1948، نجت عرابة وبضع عشرات القرى الفلسطينيّة بأعجوبة من التطهير العرقي لفلسطين و"المحو من الفضاء والذاكرة" من أصل 531 بلدة وقرية فلسطينية حسب التعداد الإسرائيلي.

مثل عرابة، كان العديد من تلك القرى التي تم محوها قد نجت سابقاً من ظلم التاريخ لمدة تصل إلى أربعة آلاف سنة منذ أن أنشأها الكنعانيون أول مرة. ومع وصول القوات الصهيونية الغازية، كان الطفل البالغ من العمر 11 عاماً يواجه قرارا كبيرا: بحمل أو ترك القفص الذي احتفظ بداخله بالطيور السوداء التي جمعها من عش في بستان المشمش.

واجه والداي في الوقت نفسه الخيار المستحيل للبقاء في فلسطين، ومعاناة مصير دير ياسين - قرية القدس التي قتلت القوات الصهيونية رجالها ونساءها وأطفالها - أو ترك القرية لنصبح لاجئين مثل شعب صفوريه، الذين هربوا من بين بساتين الزيتون خاصتنا، وبعضهم فقد أطفالهم على طول الطريق. ولكن سرعان ما أصبح العبور إلى لبنان غير ممكن. كل منزل في عرابة وفي قريتي سخنين ودير حنا المجاورتين، وضعوا عصا على سطح المنزل وربطوا بها ورقة بيضاء. قامت الهاغانا، وهي ميليشية صهيونية، بإلقاء القبض على رجال فلسطينيين قويي البنية للعمل كأسرى حربٍ في المعسكرات. لقد جمعوا أيضاً أبقارنا الحلوب وثيراننا القوية لإطعام جنودهم.

في نكبة عام 1948، فقدتْ فلسطين تماسكها كدولة؛ تم تطهير كافة المراكز الحضرية الفلسطينية لتصبح ما يُسمى بإسرائيل. وقد تم هدم رأس مالنا البشري والثقافي والمالي الرئيسي. لكن الناصرة كانت استثناء: قائد الهاغانا الفاشي، بناء على وعيه الاستثنائي بجريمة الحرب التي ارتكبوها، عصى أوامر رؤسائه.

ومع ذلك، اضطر عدد لا يحصى من الفلسطينيين في ضواحي الناصرة إلى مغادرة منازلهم وقراهم واللجوء إلى المنفى.

في الخمسينيات من القرن الماضي، رأى ديفيد بن غوريون: رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول، هذه الاستمرارية الجغرافية الفلسطينية كتهديد ديموغرافي، ودمر مدينة الناصرة العليا "ناتسريت إيليت" في قلبها. وفي إحدى المرات، وبعد حوالي ثلاثة عقود، سمحت الناصرة العليا بتجميع مياه الصرف الصحي في حقول جرفها المنحدر إلى مدينة كفر قانا الفلسطينية. عندما طالبت، بصفتي المسؤول الإقليمي في الصحة العامة آنذاك، بوقف هذا الخطر عن الصحة العامة، عارضت المدينة مطالبة كفر قنا بوقف "تلوثها الصوتي": الدعوة للصلاة.

في عام 1948، مرت عمتي سامية رستم المنفية من منزلها في الشيخ دنون - وهي واحدةٌ من ثلاث عمات - عبر عرابة مع عائلتها في طريقها إلى لبنان. وقد أعطتنا أوّل راديو في عرابة وثاني آلة خياطة من نوع "سينغر"، وكلاهما يضيف إلى مكانة عائلة كنعان وسبل عيشها. ولم تكن إسرائيل قد فتحت البوابات في الحدود مع لبنان للسماح للعمال وبعض الزوار من جنوب لبنان بالدخول - إلا أننا اتصلنا بأبناء عمومتنا مرة أخرى.

وبعد ذلك بوقت قصير، صدمت جريمة حرب صبرا وشاتيلا - مذبحة المدنيين الفلسطينيين في مخيمين للاجئين في بيروت - ضمير العالم. وكان "آرئيل شارون" وزير الدفاع الإسرائيلي، والذي تحت قيادته حاصر الجنود الإسرائيليون صبرا وشاتيلا وشاهدوا ميليشيات الكتائب اللبنانية التي جلبوها لارتكاب المجزرة.

وبعد مذبحة كفر قاسم عام 1956، تم فرض غرامة على القائد العسكري الإسرائيلي يساكر شادمي "سنتاً واحداً" لأمره بقتل 49 مدنيّاً فلسطينيّاً، من بينهم 23 طفلاً. وعلى النقيض من ذلك، نجا شارون تماماً من العقاب على مذبحة صبرا وشاتيلا، بل أصبح رئيساً للوزراء. وقد أكد ذلك قناعاتنا بأنّ الصهيونية عازمة على طردنا إن لم يكن إبادتنا. وكان لدى جيش الدفاع الإسرائيلي خطط طوارئ.

ثم جاءت اتفاقات أوسلو، التي اعتبرتنا نحن سكان الـ 48 الفلسطينيّون (مواطنون فلسطينيون إسرائيليون)، تم استبعادنا تماماً كعلب متاحة لكلا الجانبين. وجزئيا، دفع رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق إسحق رابين حياته حتى يمزح معنا في السياسة الانتخابية؛ اعتمدت حكومته عام 1992 على دعم تحالف غير عربي في البرلمان.

ثم، في بداية الألفية الثانية، لعب شارون بمنطقة دينية مقدسة بزيارة المسجد الأقصى في القدس، مما أدى لاشتعال الانتفاضة الثانية. اندلعت مظاهرات التضامن داخل الخط الأخضر: خط الهدنة الخيالي الذي يفصل الضفة الغربية المحتلة عن إسرائيل نفسها، قتلت الشرطة الإسرائيلية خاصة القناصون 13 من شبابنا، من بينهم اثنتين من عرابة: أسيل أصله وألاء نصار. "قامت الدنيا ولم تقعد"، كما يقول التّعبير العربي.

تم تعيين لجنة تحقيق إسرائيلية، وهي لجنة أور، للنظر في الأحداث. وقد غذت دورات وسائل الإعلام منذ شهور قبل أن يلقي التقرير النهائي الضخم باللوم على العنف وعدم المساواة في الوصول إلى موارد الدولة بين المجتمعات اليهودية والفلسطينية. وقد وضعت خطط تمويل التنمية لمجتمعاتنا بعد ذلك، لكنها لا تزال قيد المناقشة من قبل مجلس وزراء المستوطنين الإسرائيليين اليوم. ولم يعاقب أحد على الموت الذي وقع في أكتوبر عام 2000. ويميز الساخرون بين أنماط من العقوبات الدورية التي تهدف إلى إبقائنا في الصدارة، على عكس الهجمات الإسرائيلية التي ترتكبها الإبادة الجماعية على غزة والتي يطلق عليها قادتها "جز العشب".

عندما أطلق المجتمع المدني الفلسطيني مقاطعته، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات، وحمل إسرائيل المسؤولية بموجب القانون الدولي، فقد مثلنا أميٌ مخوّل بقيادة الاتجاه - اتحاد الجمعيات الأهلية العربية - وكان بطل المجتمع المدني إن كان لدينا واحد أصلا. وقيل إنه لعب دورا مهما في نهاية التمييز الذي مارسته الدولة الإسرائيلية ضد المواطنين الفلسطينيين باعتباره أحد المطالب المركزية الثلاثة لحملة المقاطعة. ولم يمض وقت طويل على ذلك حتى اعتقل مخول ملفقة بسبب استمرار نشاطه الدولي. وهو يقضي حاليا عقوبة بالسجن لمدة تسع سنوات.

 

حاتم كنعان على أرضه في بلدة عرابة بالجليل وبين أشجار الزيتون (الجزيرة)

التطلّع للمقاومة
كان دوما المبدأ الرئيسي في تعامل دولتنا معنا هو استخدام سرقة الأراضي "القانونيّة".

لقد تحدث إعلان استقلال إسرائيل عن المواطنة المتساوية بالنسبة لنا، ولكن صدرت قوانين ملزمة لإعطاء حقوق خاصة لليهود، بدءا بقانون العودة، الذي منح الجنسية الإسرائيلية لأي شخص يهودي، بغض النظر عن مكان وجوده في العالم. جنسيات ملفقة لتوطينهم. على موقعه الإلكتروني، يدرج مركز عدالة: المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، عشرات القوانين التي توضح التمييز ضدنا.

وبصفتنا فلاحين غير قياديين، وضعنا تحت حكم عسكري إسرائيلي صارم منذ ما يقرب من عقدين (من عام 1948 إلى عام 1966)، وهي فترة استهدفت فيها أرضنا وشبابنا وثقافتنا وعقولنا. وقد ذهبت ممتلكات اللاجئين، بمن فيهم الفلسطينيون المشردون داخليا، إلى مصلحة دولة اليهود فقط. لقد تم استبعادنا من المستفيدين من "الملك العام" في إسرائيل، الذي خصت له أرضنا بشكل غير متناسب. وقد أدت هذه الآثار التراكمية للعشرات من القوانين ذات الطابع الخاص والممارسات التمييزية للأغلبية اليهودية إلى الوضع الحالي الذي يمتلك فيه المواطنون الفلسطينيون أقل من 3% ويصلون إلى أقل من 7% من الأرض، على الرغم من كونهم يشكلون خمس سكان إسرائيل.

وعلى الرغم من هذا الضغط المستمر، اتخذنا قراراً مصيريا وشعوريا، قررنا أن نبقى "عرباً ثقافياً وفلسطينيين وطنياً وفلاحين عاطفياً حتى بعدما سرقت الأرض من تحتنا"، على بعد ألف متر مربع هنا ومتر هناك". وبسبب كل هذه الجبهات، والممارسات اليومية ضدنا تعززت إرادتنا للمقاومة.

وقد اتخذ هذا الدفاع المنظم عن الأرض شكل محاولة لإنشاء حركة الأرض، وهي حركة ناصرية عربية، أثارت جزع إسرائيل، وتم إصدار قانون خاص يحرمها. وسرعان ما وجد نشطاؤها أنفسهم وراء القضبان أو أُجبروا على النفي خارج حدود إسرائيل، إن لم يكونوا قد اغتيلوا. وفي الطرف الآخر من سياسات هويتنا المجتمعيّة، قام "ماباي" حزب العمل الصهيوني البارز في إسرائيل، برشوة وتهديد "المخاتير" وهم زعماء عشائر كانوا يفقدون أدوارهم التقليدية.

وقد نجحت بعض هذه الشخصيات الممنوحة في الحصول على مقاعد برلمانية في قوائم عربية "مستقلة". وقد تم تنظيم هذه القوائم وتمويلها وترويجها وضبطها بعناية من قبل ماباي. رفعوا أيديهم عنها عندما تم الإشارة إلى القيام بذلك، وغالباً كانوا لا يفهمون ما إن صوتوا لصالح أو ضد شيء. بعد كل هذا، كانت تجرى مداولات في الكنيست باللغة العبرية، وهي لغة لا يتكلموها.

وفي الوقت نفسه، أدى عداء الغالبية العظمى من الإسرائيليين للشيوعيين كحزب سياسي وحيد غير صهيوني فقط إلى ظاهرة متناقضة: "أصبح حزب الإخوة الدولية للبروليتارية المنفذ القانوني الوحيد لمشاعرنا الوطنية الفلسطينية. وقد ساعد ظهور وسائل الإعلام الإذاعية والمطبوعة.

لقد أغلقنا الأبواب أمام غرفنا المستأجرة في الناصرة وجلسنا بجوار الراديو الخافت للاستماع إلى جمال عبد الناصر: الرئيس المصري الذي دعا إلى الوحدة العربية. لقد عقدنا الأحزاب الليلية سراً، حيث شربنا شاي ثقيلاً، وأكلنا كنافة: معجنات جبن فلسطينية غارقة في القطر، واستمعنا إلى المغنية المصرية الأسطورية: أم كلثوم. وأمثال راشد حسين ومحمود درويش وسميح القاسم وطه محمد علي الذين عبروا جميع الحدود المقيدة لمساعدتنا في تأكيد هويتنا. وسمعت أصواتهم في أرجاء العالم العربي كافة.
ثم النكسة خلال حرب عام 1967 والتي ربطتنا مرة أخرى مع إخوتنا وأخواتنا الفلسطينيين في القدس وغزة والضفة الغربية. واستعدنا شرعيتنا في أعينهم وفي نظرنا.

بدايات يوم الأرض
في عام 1976، بينما واصلت الدولة الإسرائيلية الاستهزاء من القانون، وانتقلت إلى ارتكاب مزيد من التمييز ضدنا، تم استهداف مساحات واسعة من الأراضي المملوكة للقطاع الخاص، واستهدافها لموجة أُخرى من المصادرة. وقد أصابت ثلاث قرى ضواحي الجليل: عرابة وسخنين ودير حنا، التي أصبحت تعرف منذ ذلك الحين باسم مثلث يوم الأرض.

ولكن بحلول هذا الوقت، انطلقت الحركات القومية في الأرجاء. وأُنشئت لجنة للدّفاع عن الأراضي.
كانت الناصرة تمثل كل مشاعرنا الداخلية وتطلعاتنا وتناقضاتنا، في شخصية عمدتها الشاب الجديد، وعضو البرلمان الشّيوعي، والشّاعر البليغ: توفيق زياد. لقد استشعر نبض مجتمعنا ومضى قدماً في قرار "ثوري" لأول مرة منذ النكبة، وقفنا جميعا للقول بصوت واحد "لا".

وصدرت دعوة للإضراب يوما واحدا، في 30 مارس، في اعتراض على مصادرة أرضنا. وقد نظم منظمو مسرح الظل الصهيوني منتديا لرؤساء البلديات العرب على أمل أن يطبقوا إملاءاتهم. وبتقديم العديد من الهدايا لهم واستخدام أصوات عالية، وتحكم كامل باللغة العربية، وعلم النفس الجماعي، وروح الفكاهة خرج زياد مع المتعاونين؛ وقام بتعديل الجداول ضد المنهزمين، وإخماد هزيمتهم، وأيد الإضراب ليوم واحد بالإجماع في الاجتماع الذي عقد أصلا لإلغائه.

ومن دواعي قلقه أن رئيس الوزراء رابين ووزير دفاعه شيمون بيريز فرضا حظرا للتجوال وأرسلا قوّات لواء غولاني بدبابات إلى قريتنا. وقتلوا ستة شبان فلسطينيين بفظاعة، وكان أولهم "خير ياسين" في عرابة. ومنذ ذلك الحين، أصبح يوم الأرض نصباً تذكارياً ووطنيا من كل عام ويحتفل به جميع الفلسطينيين الذين نجوا.

في صباح ذلك اليوم، في 30 مارس 1976، اتخذت خياراً شخصياً مصيرياً آخر: ناداني أحد الجيران من بين الحقول أن آتي لمساعدة زوجته، التي جاءها ألم المخاض. رأيت الجنود في دبابة على الجانب الآخر من الحقل. لوحت لهم بسماعة الطبيب فأشهروا الأسلحة الآلية في وجهي. عدت إلى الداخل وأخبرت زوجتي أننا سننتقل إلى هاواي من أجل سلامة طفلينا. كتبت رسالة استقالة لوزير الصحة مفادها أنه لم يعد بإمكاني أن أخدم في نظام يفعل ما يفعله في مواطنيه العرب.

ولكن بعد ذلك بعامين، وباستخدام نفس مبرر الرغبة في إبقاء أطفالنا بأمان، عدنا إلى الدفء الاجتماعي في مجتمعنا الريفي الفلسطيني. عدت إلى وظيفتي السابقة في الوزارة، ولكن هذه المرة، كان لدي جدول أعمال حزبي واضح: إزالة النظام الذي يعمل ضد مصالح الشعب.

وهنا جاءت خطة إنشاء منظمة غير حكومية وهي جمعية الجليل للأبحاث والخدمات الصحية. سجلت المنظمة قانونياً في عام 1981. وأصبحت جمعية الجليل بسرعة منتدى الصحة العامة. أخذت إجازة متكررة من منصبي بوزارة الصحة للطعن في النظام والاستجابة لاحتياجات مجتمعي الصّحية. مرتين، في عامي 1986 و1992، بينما كنت في مثل هذا الغياب، قدت عملية تنظيم المؤتمرات الصحية العربية، في حين أن وزارة الصحة منعت موظفيها من المشاركة. وهكذا أنشئت لجنة المتابعة للصحة العربية للعمل بجانب تقديم المشورة للهيكل السياسي المكون من جميع المسؤولين العرب المنتخبين في إسرائيل، وهي لجنة المتابعة العليا. تواصل جمعية الجليل اليوم خدمة المجتمع مسترشدةً برؤيتها المهنية المستقلة.

كنعان في شبابه بين أفراد عائلته (الجزيرة)


القرى "غير المعترف بها"
كان أول مشروع هام في جمعية الجليل هو مشكلة الصرف الصحي في القرى العربية. ولكن على طول الطريق، وتتبعاً لخطى محمد أبو الهيجاء ومنظمته الأهلية غير الحكومية: جمعية الأربعين، تعثرنا بزاوية مظلمة أخرى من التلاعب الإسرائيلي وسرقة الأراضي: القرى غير المعترف بها.

وقد ترك قانون التخطيط والبناء لعام 1965 عشرات القرى الفلسطينية القائمة قبالة خرائطها الرسمية، مما جعلها غير قانونية وصنف سكانها الأصليين بأنهم معتديين عليها. وأرادت الدولة في نهاية المطاف أنْ تحل القرى محل المستوطنات اليهودية. وفي الوقت نفسه، حرموا من الخدمات والمرافق الأساسية.

قرية أبو الهيجاء "عين هود"، الجانب المضيء من هذا اللغز. في عام 1948، كما تم تهجير السكان الأصليين لقرية جبل الكرمل الفلسطينية من منازلهم، فقررت عائلة أن تخيم في بستان الزيتون خاصتها.

كبر هذا المعسكر الصغير وتحول لقرية "عين هود" الجديدة. وفي نفس الوقت، استولى الفنانون الإسرائيليون المشهورون عالميا، على القرية الأصلية واستخدموها كمستعمرة للفنانين.

في كل مرة كنت آخذ الزوار الأجانب إلى الموقع، وأسمح لهم بالتوقف لأخذ الخمور من الحانة، وهي مكان مسجد القرية السابق. كنت أتوقف في منطقة وقوف السيارات - والتي عبدت فوق المقبرة السابقة- لقراءة الفاتحة على أرواح جميع القتلى الذين تحتها. ثم أمشي الطريق الضيق لزيارة صديقي محمد وأسرته وطمأنتهم أنني لم أنس موتاهم.

التطبيع، كما يمكن للمرء أن يسميه. إلا أن صديقة أخرى: سوزان أبو الهوى، أبرزت القرية وأهلها المنفيين في روايتها، "صباحات جنين". واحدة من عشرات القرى غير المعترف بها التي تفطر القلب.
كما أن القرى البدوية التي لا تعد ولا تحصى في جنوب النقب في جنوب إسرائيل اليوم غير معترف بها.

لقد قام "بن غوريون" بإضفاء الطابع الرومانسي على المنطقة كصحراء فارغة يمكن أن يوسع فيها مشروعه الاستعماري الشخصي؛ التي هي "أرض بلا شعب"، مثل كل فلسطين، وفقا للدعاية الصهيونية. وقد رفضت السلطات الإسرائيلية مطالبات السكان الأصليين التي تعود إلى قرون من الزمن، ونقلت السكان الأصليين، مما حرمهم من نمط حياتهم وحقوقهم في ملكية الأرض. وتفرض الحكومة الحالية التي يسيطر عليها المستوطنون ورئيس وزرائهم الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" عدوانها على البدو المنفيين من قراهم بواسطة الصندوق الوطني اليهودي: وهي وكالة شبه حكومية تملك وتخصص الأراضي لأغراض يهودية فقط.

وقد هدمت السلطات الإسرائيلية قرية (العراقيب) البدوية في النقب الشمالية أكثر من 110 مرات؛ لإفساح المجال لإقامة غابة برعاية الصندوق. وفي الوقت نفسه، سيتم استبدال قرية (أمّ الحيران) البدوية القريبة بمستوطنة يهودية تحمل نفس الاسم. والقائمة تطول.

أزمة بدو النقب حديثة، ولكن الوحشية ضدهم طويلة الأمد. وقد قامت جمعية الجليل بتشغيل عيادتين متنقلتين لصحة الأم والطفل في منطقتيهما النائيتين: واحدة في الجليل والأخرى في النقب. لقد استمرينا في الحريض للحصول على الخدمات الصحية وإمدادات المياه كحقوق أساسية. وبمساعدة اثنين من المتطوعين الدوليين، وهما محاميان في مجال حقوق الإنسان، رفعنا دعوى ضد إسرائيل في المحكمة الدولية للمياه، وحصلنا على حكم ضد المعاملة غير العادلة لمواطنيها الفلسطينيين على أساس عرقهم.
لقد سمح النظام بالتلاعبات لمدة عشر سنوات ونصف قبل أن يجبرني على اتخاذ قرار آخر: ترك جمعية الجليل، وترك وزارة الصحة حيث كنت أعلى موظف فلسطيني محترف.

لم يكن التفكير هذه المرة، بل وزير الصحة السابق هو من أجبرني على مغادرة فريقه وهو يقضي حاليا عقوبة السجن بسبب الرشوة والفساد.

فرق تسد
وهناك جماعة أخرى محرومة بشكل خاص داخل جماعات فلسطينية محرومة من سكان عام 1948: هي جماعة سكان الأحياء العربية فيما يسمى بالمدن المختلطة.

وكان هؤلاء السكان في الغالب من القرويين المشردين داخلياً الذين لجأوا إلى بيوت المدينة المهجورة. وكثيرا ما منعهم "المالك القانوني" لمساكنهم في المدن، وخادم أملاك الغائبين من إصلاح أماكنهم القرفصية. أما المنفى الداخلي، والاغتراب الاجتماعي، والبطالة، والتفكك البدني، وسياسات الفصل العنصري في الدولة، والممارسات اليومية لنشاطاتها الميدانية فقد حولت المزارعين السابقين إلى سكان الأحياء الفقيرة.

وبدورها، سعت الطبقة الصهيونية الوسطى المزدهرة في هذه المدن إلى حماية امتيازاتها من خلال تجريد نفسها من مثل هؤلاء الآخرين "المعادين". وأدى نقاءهم العرقي في الضواحي، وفصلهم السكني الإجمالي، وهندستهم الاجتماعية إلى وجود جدران عقلية وجسدية للفصل بين المجموعتين، والتي تجلت من خلال ممارسات الشرطة القاسية ووضع الأسلاك الشائكة.

في الآونة الأخيرة، جلب رجال الأعمال الفلسطينيين الألفية والحداثة المشرقة الجديدة في بلاد الشام إلى أماكن مثل وسط المدينة وحيفا العربية، حيث يمكنك في بعض الأحيان أن تشعر وكأنك في بيروت.

وفي حين أن الفصل السكني حسب العرق، مثل النظام التعليمي المنفصل وغير المتكافئ ليس مطلقاً، فإن حقيقة عدم المساواة المستمرة موجودة في كل مكان تقريباً. المجتمعات الفلسطينية الريفية في إسرائيل محاطة بالحدود غير المرئية التي يفرضها قانون تقسيم المناطق والتخطيط. وقد أدى سحب السلطات المركزية على طلبات توسيع مناطق البناء لدينا من جهة، وارتفاع معدلات النمو السكاني من جهة أخرى، إلى قيام الأزواج الشباب في كثير من الأحيان ببناء "أراض غير قانونية" على أراضيهم الزراعية المتبقية. وتواجه عشرات الآلاف من هذه المنازل تهديد الغرامات والهدم. وقد تم مؤخرا إصدار قانون آخر لتقسيم المناطق، يعرف باسم "قانون كامينيتز"، للتعجيل بهدم هذه المنازل "غير القانونية".

ومع تشكيل الدولة الإسرائيلية، وضع "بن غوريون" حدا أعلى للفلسطينيين في البلاد بنسبة 15% من إجمالي سكان إسرائيل. وبعد عقود رفع "رابين" ذلك إلى 20%. ومنذ ذلك الحين ناقش علماء السياسة والديمغرافيون طبيعة هذا الحد الديموغرافي باستخدام مصطلحات مثل "قنبلة ديمغرافية موقوتة" لوصفنا.

ثم جاء "عزمي بشارة"، وهو مفكر فلسطيني، وزعيم سياسي، وعضو في البرلمان الإسرائيلي لمرة واحدة إلى الجليل، وشجع مطالبنا على "دولة لجميع المواطنين".

كل هذه التدابير والضغوطات المتزايدة على المواطنين الفلسطينيين في الدولة وضعهم في مأزق بسبب الاستيلاء السريع على السياسة الإسرائيلية من قبل المستوطنين الفاشيين، الذين كان يتسرب سمهم بسرعة لإزالة الخطّ الأخضر.

حاتم كنعان مع عائلته قبل سنوات طويلة (الجزيرة)



جينات نفس الدولة
أنا وزوجتي لا يمكن أن نتزوج في إسرائيل. أنا وهي ننتمي إلى أديان مختلفة. وتصنف إسرائيل في دينها: المسلمين والمسيحيين والدروز لتطبيق قاعدتها المفضوحة "فرق تسد" بين المواطنين الفلسطينيين.
ومع ذلك فإننا نقاوم هذه التقسيمات، حتى ولو كانت رمزية فقط. وردا على القانون الإسرائيلي الأخير الذي يمنع الأذان في المساجد، قام بعض رجال الدين المسيحيين بإقامة الأذان بأنفسهم من الكنائس في إطار التضامن مع المسلمين.

إنّ الانقسامات التي حاولت إسرائيل فرضها على مجتمعنا قد رفضت. أحيانا، يأتي الشباب لي كوني من عائلة ممتدة وكوني شيخا للمشورة حول شؤون الحب بين الأديان في الكلية. ولكنهم لا يحتاجون الكثير من التشجيع. الحمض النووي الفلسطيني، بعد كل شيء، هو واحد من أكثر الأحماض النووية المختلطة على وجه الأرض. يمكننا أن نتبع قطعا وقطعا من فلوتسام الجينات المضافة إلى جذور الكنعانيين على مدى آلاف السنين: من الهكسوس، والعبرانيين، والفرس، والعرب، حتى الصليبيين والأتراك. النقاء العنصريّ المفترض لأيّ مجموعة من النّاس بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط هو أسطورة كاذبة. تحويل بقائنا إلى شكل من أشكال المقاومة هو رقم بالنسبة إلينا، معززة بقدسية التعليم.

نادراً ما يتقاعد الأطباء، بسبب عطائهم اللامحدود لإعطاء كل ما يملكون في عملهم. عندما تقاعدت، كنت بحاجة إلى التوفيق بين التزاميَ الشعبي وترك عيادتي ومركز الصدارة في غس (ج.س). وبعد هجمات 11 سبتمبر، أخيراً اكتشف العالم أننا موجودون ونشكل 20٪ من سكان إسرائيل.

إنّ الدعاية الصهيونية "هسبارا"، بما في ذلك الصهاينة المسيحيين، نجحوا في الدمج بين العرب والمسلمين والإرهاب في وسائل الإعلام في العالم. فتغيرت صورة الفلسطيني مع غصن الزيتون وبندقية "ياسر عرفات"، وكتب "إدوارد سعيد"، إلى نسخة عنيفة. قررت أن أساهم في وضع سجل قياسي من خلال هوايتي في الكتابة. وتتماشى هذه العملية الحالية مع هذا القرار المصيري.

هديّة عيد ميلاد
عندما كنت أضع اللمسات الأخيرة على هذه القطعة من الكتابة قبل مغادرتي هاواي، اكتشفت مقطع فيديو يبلغ من العمر ثماني سنوات على الإنترنت انضممت فيه إلى هاوايين أصليين للمقارنة بين صراعات سكان هاواي الأصليين والفلسطينيين. وذكرني الفيديو بأنه في حين أن احتمالات النجاح قد تكون ضعيفة، فإن التعاون ممكن.

وقبل 25 عاماً، استضافت جمعيّة الجليل مؤتمرا للمهنيين الصحيين من 18 من الأقليات العرقية في البلدان الغربية. وخرجنا بأكثر من ١٢ من القواسم المشتركة في المجال الصحي وحده. ومنذ ذلك الوقت وأسرع، انتشر الوعي بالظروف والتحديات المماثلة التي تواجهها الجماعات المضطهدة في جميع أنحاء العالم.

لا يمكن للمرء أن يتابع الفلسطينيين في "ستاندينغ روك"، ويظهر الدعم للأمريكيين الأصليين، ويتابع المظاهرات في "بلاك لايف ماتر". إنّ هذه الشخصيّات الفذة لحقوق الإنسان مثل" ستيفن هوكينز" و "أرونداتي روي" تعترف بقضيتنا. وتتحرك من أجل حركة المقاطعة بشكل أسرع بكثير من سلفها المناهض للفصل العنصري في جنوب أفريقيا. إنّ مستقبل البشرية لا ينفصل عن مستقبل السلام والمساواة في فلسطين التاريخيّة. إنه في أيدي أولئك الموجودين على كلا الجانبين للنهوض والاستعداد لتجاوز الانقسامات العنصرية.

"مجموعة عدالة": وهي الابنة المنبثقة عن "جمعية الجليل"، هي ضوء آخر يمهد لنا الطريق في إسرائيل للخروج من كابوسنا الصهيوني. وشاركت المجموعة مؤخراً مع تصور فلسطين لإطلاق مشروعٍ إعلامي جديد، "أن إيكوال"، الذي ظهر في المعرض الواقعي بعنوان الحرية ملزمة. هذا المشروع "مستوحى من التراث الغني للتضامن الفلسطيني الفلسطيني"، وهو دليل على وجود روابط دائمة وحاسمة بين المجموعتين المضطهدتين.

كان إنشاء المشروع الموسيقي في ذهني! ليس ذلك فحسب، بل تمّ إطلاقه في يوم النكبة، 15 مايو، والذي شهد أيضا عيد ميلادي الثمانين. ماذا يمكن أن أطلب أفضل من هذا كهدية؟

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/20-

لذلك أكتب.. البحث عن المنزل والصوت والهوى

لذلك أكتب.. البحث عن المنزل والصوت والهوى

سماح صباوي

1967 هو عام النكسة، سنة من الآمال والأحلام المفقودة. وكانت أيضاً سنة مولدي. عندما اندلعت الحرب، كان والدي متزوجين حوالي سبع سنوات وكنا ثلاثة أطفال، مع رابع في الطريق - (أنا).

عاشوا في منزل متواضع مع عائلاتهم الممتدة في منطقة التفاح الفقيرة في غزة. كان لديهم حديقة خضار حيث ينمو الفلفل الطازج والطماطم والأعشاب، والفناء الخلفي مع شجرة الليمون، شجرة الجميز وشجرة الرمان. على طول السياج الخلفي الذي يفصل ممتلكاتهم عن جيرانهم كان يحوطه الصبار البري، وبالقرب من البوابة الأمامية، أستقبل الضيوف مع أجمل رائحة لكرمة الياسمين.

كان والدي مدرساً كل يوم صباح وكاتب وشاعر ليلاً. كانت والدتي تقوم بمهامها التقليدية: رعاية الأطفال والطبخ والخياطة والتنظيف تحت العين الساهرة عند أهل زوجها.

كانت غزة خاضعة للإدارة المصرية منذ حرب 1948، ولكن في عام 1967، كانت الأمور تضطرب كما لم يحدث من قبل. وكانت هناك اضطرابات كبيرة في مخيمات اللاجئين في غزة، حيث أن الفلسطينيين الذين فروا من الإرهاب أو أجبروا على النزوح من مدنهم وقراهم في عام 1948 لتمهيد الطريق أمام دولة يهودية كانوا متعبين من الانتظار، ما زالوا ينكرون حقهم في العودة.

وكان الرئيس المصري جمال عبد الناصر يلقي خطاباً نارياً يوعز بانتهاء اسرائيل وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم والوحدة العربية والامل. كان والدي والعديد من الشبان الآخرين يؤمنون به، ونصحوه بالانضمام إلى جيش التحرير الذي خدمه في عهد الجيش المصري.

لم يحقق ناصر وعده بالتحرر. لقد خسرت حرب لعام 1967 وسعت إسرائيل واحتلت غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وشبه جزيرة سيناء المصرية ومرتفعات الجولان السورية. وقد تم تجنيد المزيد من الفلسطينيين.

مغادرة غزة
وبعد شهرين من الحرب وبعد أسبوع من ولادتي، جاء جنود إسرائيليون يبحثون عن منازل في غزة بحثاً عن رجال قاتلوا في جيش التحرير إلى منزلنا لاحتجاز والدي. إذ قفز فوق التحوط الشائك للصبار في حديقة الجار. ترك الجنود رسالة واضحة له: المكوث والبقاء في السجن إلى الأبد، أو مغادرة غزة فوراً.

ذهب والدي إلى الاختباء. كان يعرف ما إذا كان قد سجن، فإن عائلتنا وعائلته الممتدة تجوع ونحن جميعنا نعتمد على راتبه. وبعد بضعة أشهر، لم يكن أمامه أي خيار سوى المغادرة والبحث عن عمل في مكان آخر. ناحية منه جعلته يشعر بأنه جبان للرحيل، لكن عرف أنه كان يقاتل من أجل بقاء عائلته.

وفي معبر نهر الأردن، أمره جندي إسرائيلي بالتوقيع على وثيقة تعلن أنه بمجرد مغادرته المعبر الحدودي، فإنه سيفقد حقه في العودة إلى غزة إلى الأبد. والدي لا يزال يتذكر الدم البارد الذي يسيل في عروقه. بدأ واقع الاحتلال يغرق في قلبه مثل السم.

وفي تلك اللحظة، فهم أن الإسرائيليين لا يعتزمون الامتثال لقرار الأمم المتحدة الذي يدعو إلى انسحابهم من الأراضي التي احتلوها في عام 1967، بما في ذلك غزة. وفي تلك اللحظة، فهم أن الاحتلال سيستمر لفترة طويلة جداً.

في صباح اليوم الأول استيقظ والدي ليجد نفسه منفياً في الأردن، وكتب عن إحساسه من الغضب والأسف على ترك وطنه:
إذا كانت الرصاصات الضالة فقط من مدافع المحتل رحيمة
واخترقت ساقينا
إلا إذا مزقوا ركبتينا
إلا إذا غرقنا في حقولنا
إلا إذا أصبحنا ملح الأرض
إلا إذا أصبحنا في التربة الخصبة
العناصر الغذائية في التربة الخصبة
لو أننا لم نغادر فقط

الفلسطينية سماح صباوي وهي طفلة مع عائلتها (الجزيرة)

الحياة في المنفى
في أول صورة للطفولة، أنا موجودة بين أذرع والدتي، ويقف أشقائي الثلاثة حولنا.

كانت هذه أول صورة شخصية أخذناها حتى نتمكن من الحصول على وثيقة سفر تمكننا من مغادرة غزة مع والدي. وبمجرد أن تكون أوراقنا جاهزة، جهزت والدتي أربعتنا، وقالت وداعا للأحباء، وذهابها مرة أخرى لوطن لم تقطن فيه في وقت سابق.

في الأردن، استأجر والدي غرفة في منزل تنتمي إلى عائلة من لاجئي 1948 من فلسطين في مخيم صغير يدعى خنفسه.

كانت خنفسه مخيما غير مسجل للاجئين في منطقة ماركا، ليست بعيدة عن عمان. وبسبب الحاجة إلى إيواء اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948، كان المخيم مزيج من الخيام والهياكل الخرسانية. كانت والدتي هي امرأة غزة الوحيدة في المخيم. وكانت النساء الأخريات أساساً فلاحين ويرتدين الفساتين المطرزة التقليدية، مختلفة جداً عن ملابس والدتي الحديثة. اختار والدي نقلنا إلى خنفسه لأنه المعسكر الرسمي للأمم المتحدة للاجئين من غزة، في جرش، لم يتم إنشاؤه بشكل صحيح حتى الآن. كما أنه كان بعيداً عن العاصمة الأردنية، وكان والدي يخشى أنه لن يجد أي فرص عمل هناك أو يجد وسيلة صالحة للخروج في نهاية المطاف.

ركض تيار بالقرب من منزل في خنيفسة، وكانت الغرفة غالباً ما تغمرها المياه عندما هطلت أمطار غزيرة. ومن المفارقات أن المنزل لم تكن تصل إمدادات المياه به، واضطرنا إلى مشاركة المراحيض المجتمعية مع 15 أسرة أخرى. أنا لا أتذكر أي من هذا، ولكن قيل لي أنه في تلك الغرفة، أكلنا، نومنا، غسيلنا، طهينا، ضحكنا وأحيانا بكائنا. خطوت خطواتي الأولى هناك. كان أبي يعمل في وظائف غريبة في عمان وعاز للخروج من المخيم.

وفعلنا ذلك: بحلول عام 1969، كان والدي قد وفر ما يكفي من المال وتمكن من الحصول على الأوراق اللازمة لكي نخرج من عمان إلى المملكة العربية السعودية.

وهناك، تقاسمت عائلتي بيت صغير في الدمام مع عمي وأطفاله الخمسة. وكانت الدمام مدينة خليجية ترتفع من الرمال مثل الجني الأسطوري، الذي ينشط بالزيت الأسود والدم والعرق من العمال الأجانب واللاجئين الفلسطينيين. أتذكر تم تقسيم غرفة المعيشة لدينا بحاجز. وكان نصف للنزلاء والنصف الآخر كان غرفة نومنا. شاركنا سريرين بطابقين بجانب الجدار وفرش على الأرض. وقد كبرت عائلتنا، ونحن الآن خمسة أشقاء في كل شيء.

الطفولة في المملكة العربية السعودية كانت صعبة. لقد طغت علينا الاختلافات الثقافية واللهجة السعودية الصعبة التي يفهمها العرب. وبينما كنت قد سمعت الكثير عن فلسطين التي ازدهرت، كان لي أن أتخيل رائحة الياسمين مثلاً. ماذا تبدو عليه شجرة الرمان؟ كيف يمكن أن يكون هناك شجرة الفاكهة المتنامية في الفناء الخلفي لشخص ما؟ كان كل ما لدينا في الدمام رمل الصحراء والجدران العالية المحيطة بمنزلنا. في الخارج، كانت الشوارع معادية وخطيرة، وشعرنا دائماً وكأننا لا ننتمي لها.

اكتشاف العالم العربي في "سفينة الصحراء"
في عام 1974، أخذنا أول عطلة عائلية من أي وقت مضى أعلن والدي أننا سوف نقلع في سيارته شيفروليه سيدان، والمسماة سفينة الصحراء، لاستكشاف جغرافية العالم الذي كنا نعيش فيه. وكان هدفنا هو القيادة عبر الصحراء إلى الهلال الخصيب، ونأمل أن نزور بيتنا في فلسطين. وقد قام بتخزين سفينة صحراوية بزجاجات المياه والبيض المسلوق والتين المجفف والزعتر (بهارات الشرق الأوسط مثل الزعتر) والبطانيات والوسائد. جلس خلف العجلة مع محبة حياته، والدتي، بجانبه، وجميعنا خمسة مضغوطين في الخلف.

في تلك الرحلة فهمت أكثر من ذلك بكثير عن العالم العربي ومكاني فيه. كنت في السادسة من العمر وبدأت في تطوير مساحة التفكير. رفضت أن أحشد في الجزء الخلفي من سيدان لدينا، لذلك مددت جسدي الصغير عبر الحافة وراء المقعد الخلفي بدلا من ذلك. كان وجهي عالقاً على النافذة الخلفية، وكانت عيني مفتوحة بشكل هائل. أستطيع أن أتذكر كل تفاصيل الرحلة التي استمرت شهرين: مشاهد وروائح وأصوات العالم العربي.

لا يزال بإمكاني رؤية الكثبان الرملية وقوافل الإبل في المملكة العربية السعودية، والشعور بحرارة المياه المالحة في الخليج في الكويت، وسماع طنين المصانع التي امتدت لأميال على طول نهر الفرات، وتصور الأشجار المشذبة التي اصطفت في الشوارع التي لا تشوبها شائبة من بغداد، والتلال الجميلة المتجولة في الأردن، والجمال المدهش الذي هو لبنان، وبساطة الحياة في سوريا. في تلك الرحلة على الطريق، تعلمت جغرافيتي واعتنقت هويتي العربية. تعلمت دروسا كثيرة أيضاً. الأول هو كيف يمكن أن الغرباء سخيون ويضيفون الناس بشكل جميل.

بعد القيادة عبر الصحراء العربية لمدة يوم كامل، قمنا توجهنا نحو مدينة صغيرة في شمال المملكة العربية السعودية. كان أبي يرفع النافذة، وينادي على صبي يقف بجانب الطريق، وطلب منه أن يدلنا على اتجاه بيت المعلم الفلسطيني. عرف والدي أنه في كل مدينة في المملكة العربية السعودية سيكون هناك لاجئ فلسطيني واحد على الأقل يعمل مدرساً.

ومن المؤكد أن الصبي أخذنا إلى منزل صغير يتقاسمه شقيقان فلسطينيان، وهما معلمان في المدرسة الابتدائية المحلية. وقف والدي على أبوابهم وأخبرهم بأننا أسرة فلسطينية كانت تسافر وتحتاج إلى مكان للإقامة. أخذنا الإخوة للداخل وقام زوجاتهم بطهي طعام العشاء لنا، ثم أعطونا أسِرة للنوم عليها. في صباح اليوم التالي قدموا لنا وجبة الإفطار وذهبنا في طريقنا مع السندويشات الإضافية وزجاجات المياه. إن كرمهم وقلوبهم لا يعرفون حدوداً.

في وقت لاحق، عندما لم نتمكن من العثور على مطعم بعد القيادة لساعات عبر سلاسل جبال لبنان، توقفنا في منزل شخص ما لسؤال ما إذا كانوا يعرفون أين يمكننا أن نأكل. وأصروا على أن نكون ضيوفهم، وببساطة لن نرد إصرارهم. أعدوا وليمة قبل إرسالنا في طريقنا مع المعدة ممتلئة وذكريات ثمينة.

في تلك الرحلة، علمت أيضاَ أن الخطوط بين الطوائف الإسلامية كانت ضبابية وغير هامة، ونحن، عائلة سنية، توقفت بشكل عرضي للصلاة في مسجد شيعي في ضواحي بغداد. واكتشفت كيف يمكن أن تتحرك المسرحية بعد رؤية مسرحية دريد لحام، ضيعة تشرين، في مسرح الحمرا الرائع في بيروت.

لقد رأيت العالم العربي الذي كان في وقت رحلتنا في عام 1974، يحتضن الحداثة مع الحفاظ على تراثه أيضاً. كان العالم حيث الموسيقى والمتاحف والمساجد والمسارح والجامعات والمصانع والحدائق مجتمعة، وكان مزدهراً.

سماح صباوي مع عمتها أم أحمد (الجزيرة)


زيارة غزة
ولكن ليس كل دروس الرحلة جاءت من التجارب الإيجابية. وعندما وصلنا إلى المعبر بين الأردن وإسرائيل، قام مسؤولو الحدود بفصل الرجال والأولاد عن النساء والفتيات، وطلب جندي إسرائيلي منا جميعاً أن نخلع ملابسنا الداخلية. شعور بالعار قد تخللنا، والشعور بالحرج لأمي والأخوات الأكبر سناً. لم أستطع أن أفهم ما كان الجندي يأمل أن يجد تحت أثوابنا. لم أجرى اتصالاً مع شخص لبضع ساعات بعد ذلك، وقادنا من المعبر إلى غزة في صمت.

في غزة، رحبنا بأفراد العائلة كثيرون، في الواقع، بالنسبة لي أن أتذكر كل واحد بالاسم. غزة كانت خضراء جداً ورائحتها مثل العطر ليلا. في وقت لاحق، فهمت أن هذه هي رائحة الياسمين. في الماضي، كان لدي ذكرياتي الخاصة لمطابقة قصص والدي، وعلى مدى الأسابيع القليلة التي بقينا فيها في غزة، شغلت ذهني مع دروس وتجارب جديدة.

تعلمت أن تسلق أشجار اللوز في ساحة جد الجد، وأصدع قشور اللوز الصلبة للوصول إلى الجوز في الداخل. تعلمت أن أبتعد عن تحوط الصبار، وكانت أمي أو أبي يقشران الفاكهة لي. تعلمت أن أسلم خدي إلى القبلات التي لا نهاية لها وقرصة من العديد من الأقارب. تعلمت كيفية تسلق السحالي على الحائط دون انحسار. كنت أحب لو أنني أستطيع أن أفهم الكلمات التي يتحدثونها في الشارع، على عكس المملكة العربية السعودية، حيث أذني لم تكن قد اعتادت بعد على اللهجة المحلية. تعلمت أن أشعر بالأمان في احتضان النساء المسنات، وتعلمت أسمائهن.

ولكن في فلسطين أيضا ظهر لي عالم من البوابات والحدود، وأجبرت على التفاعل مع الجنود الذين انتهكوا إحساسنا بالكرامة.

ومنذ تلك الرحلة، تغير الكثير في العالم العربي. واليوم، لم يعد من الآمن القيام برحلة على الطرقات عبر الصحراء، كما أن الشعور بالكرم والضيافة القديمة التي سادت مرة واحدة سقطت ضحية لظهور انعدام الثقة والعنف المتزايدين اللذين ما زالا ينتشران في جميع أنحاء المنطقة، لا شىء على الاطلاق.

ولكن في عام 1974، غفوت بين ذراعي أبي في الصحراء جنوب بغداد، أنظر للنجوم كما انه يلقي الشعر. وبينما لم أستطع أن أفهم تماما آلامه في ذلك الوقت، أتذكر أن قصائده كانت عن توقه إلى فلسطين. لم يكن تحت أوهام، حتى ذلك الحين، مع العلم تماما أن الانقسامات والاضطهاد والظلم وقف في طريقه سابقاً للعودة إلى وطنه.

المسرح يقدم الهروب
لقد انتهت عطلتنا الصيفية وعدنا إلى وطننا في المملكة العربية السعودية. كنت على استعداد لبدء السنة الأولى من المدرسة. والدتي اشترت لي عباية سوداء صغيرة (عباءة فضفاضة تغطي الجسم من الكتفين إلى القدمين) وحجاب. كنت الآن فتاة مدرسية وتعرضت للحقائق القاسية من التحرش الجنسي في الشارع والسعي الدؤوب للشرطة الدينية التي تهدد بضرب هؤلاء النساء والفتيات غير مغطاة بشكل صحيح.

وإدراكاً من النظرة المفترسة لبعض الرجال في عالم لم تكن فيه المرأة مرئية، وجدت أنه من المريح أن تختفي تحت العباءة والحجاب. في بعض الأحيان، حتى أتمنى أن أصبح غير مرئية إلى الأبد. الضوء الساطع الوحيد الذي أتذكره من سنوات طفولتي المبكرة، كان الراحة التي وجدت في قراءة الروايات وكتب الشعر، والفرح الذي عشته عندما ألعب المسرح مع أشقائي وأبناء عمومتي.

أختي تخترع قصة، ومن ثم نهرب لسطح منزلنا للقيام بها. صيف واحد، رأنا أحدهم، وكان معجبا جداً حيث أنه علق ستارة حمراء لكي نستخدمها. تماما مثل ذلك، أصبح السطح المسرح المهني.
ولكن تلك السنوات مرت بسرعة، وانتهى الستار في نهاية المطاف.

أبناء عمومة سماح صباوي الذين ولدوا في نفس المنزل الذي ولدت وكبرت به في غزة (الجزيرة)


مغادرة الشرق الأوسط
في عام 1980، غادرنا المنطقة من أجل الخير والهجرة إلى أستراليا، والآلاف والآلاف من الكيلومترات.

عندما خرجنا من الطائرة في مطار تولامارين في ملبورن، شعرت وكأن عيني تخرج من رأسي كما حاولت احتواء الحيوية في الحقول الخضراء التي تحيط بنا. وكانت أستراليا على خلاف ما رأيت من أي وقت مضى.

وبحلول ذلك الوقت، كبرت عائلتنا مرة أخرى، وكنت واحدة من سبعة أشقاء. كما قادنا في شوارع ملبورن، رأيت أن كل حي تقريبا كان لديه ملعب مع حقول العشب، يتأرجح، والشرائح وطاولات التنزه. أن هذه الأماكن العامة المشتركة التي يمكن لأي شخص استخدامها مجانا هو مفهوم مثير.

اشترى والدي مزرعة في التلال من نطاقات داندينونغ في فيكتوريا، على بعد حوالي 35 كيلومترا شرق ملبورن. كان منزلنا في قمة تلة. وبحلول ذلك الوقت، كان والدي يمتلك شركة ناجحة في المملكة العربية السعودية، وعندما لم يكن يعمل في المزرعة أو في أعماله، كتب قصائد وروايات عن فلسطين.

أما أذرع أمي فكانت تبدو واسعة مثل الكون وتحملنا جميعا، ونحن نطفو فوق الأرض، وننقل طريقنا بين الهويات والوطن.

عملنا بجد في المزرعة، وطاردنا الأبقار الهاربة مرة أخرى إلى المروج، وإصلاح الأسوار ورعي الماشية إلى المراعي الأكثر اخضرارا. كان عالمنا الجديد مثير ومليئا بالمغامرة! نحن متحمسين للانتماء إليها.

وخصصت السنوات القليلة الأولى لتعلم اللغة الإنجليزية، وتكوين صداقات جديدة، وفهم هويات جديدة، هوايات هجينية. الآن نحن ننتمي إلى السكان الفلسطينيين المنتشرين في جميع أنحاء العالم. لقد أصبحنا مواطنين أستراليين، ولكن هذا لم يغير كيف نظر الآخرون إلينا. "من أين أنت؟" ما هو اسمك المسيحي؟ "وغيرها من الأسئلة المزعجة استمرت لتسخر منا. ليس فقط أنها لا يمكن أن تنطق أسماءنا، أو الاعتراف بفلسطين، وبل لا يمكن أبدا أن تظهر لهم بلدنا الأصلي على الخريطة.

في عام 1982، وصلت الحرب الأهلية في لبنان إلى ذروتها. لقد شاهدت أولياء الأمور الذين يعانون من الحزن في رعب أخبار الأنباء عن المذابح التي وقعت في مخيمات صبرا وشاتيلا في بيروت موزعة عبر موجات الأثير، مذكرا العالم بالعديد من الظلم الذي استمر الفلسطينيون في تحمله.

للمرة الأولى، رأيت الفلسطينيين على الأخبار، لكنهم لم يتنفسوا. كانوا جثث مكدسة فوق بعضها البعض، ومعظمهم من النساء والأطفال. نشرت صحيفة ذي إيدج في ملبورن مقالة رأي أعربت عن غضبها، وليس على مرتكبي المجزرة، ولكن على التغطية التي كانت تتلقاها. وتساءلت المقالة عما إذا كان الفلسطينيون سيحظون باهتمام كبير إذا لم يكن لديهم نفط يمر عبر عروقهم؟ وكان التلميح أن الفلسطينيين كانوا عرب، وبالتالي، من خلال الجمعيات، يجب أن يكون النفط والمال الكبير. وجدت نفسي كاتبة رد على قطعة، ودهشتي أنه تم نشرها. كنت في الرابعة عشر من عمري واكتشفت صوتي.

وكان ذلك عندما تعهدت باستخدام هذا الصوت، إلى أفضل من قدراتي، لطالما أعيش. على مر السنين، عندما لم أكن مسيرة في الاحتجاجات أو كتابة مقالات أو مقالات الرأي، وجدت ملجأ في كتابة الشعر والمسرحيات للإنتاج المسرحي. تزوجت وعشت في كندا لسنوات عديدة، حيث كبر أطفالي الثلاثة، والآن جميعهم بالغين. لقد عدت منذ ذلك الحين إلى أستراليا.

إن عمل حياتي يعكس مرور الزمن، والتدهور المستمر في العالم العربي، وبشكل أكثر تحديدا، الانتهاكات المستمرة لحقوق الشعب الفلسطيني. إذا انسحبت من الشبكات الإخبارية الرئيسية، فقد توصلت إلى عالم الإنترنت الناشط على الإنترنت. كان ل "وقائع فلسطين" دور أساسي في رحلتي من شحذ مهاراتي ككاتبة. وقد أنشأت مواقع أخرى مثل الانتفاضة الإلكترونية ومؤخرا شبكة "الشباب" المؤسسة الفكرية الافتراضية للمثقفين الفلسطينيين للتواصل والكتابة والتعلم.

في عام 2008، بدأت القنابل في النزول على غزة. خلال ثلاثة أسابيع، شاهدنا عائلاتنا وأحبائنا يعانون من وحشية حملة إسرائيل القاسية. كتبت الشعر، وتحولت تلك القصائد إلى مسرحية، والتي بدورها أصبحت أهم إنجازي ككاتبة.

تستكشف حكايات مدينة غزة حياة الفلسطينيين البحرية تحت الحصار والقصف. على الرغم من أن شخصياتها خيالية، والمسرح مستوحاة من قصص الحياة الحقيقية التي حصلت خلال تلك الفترة. في مسرحية رامي، وهو طبيب فلسطيني ولد في الولايات المتحدة يجلس على متن قوارب غزة الحرة، و أول من كسر الحصار في عام 2008، إذ يقع في حب جمانة، مدون فلسطيني من مخيم الشاطئ للاجئين. في حين وعد رامي جمانة أنه سيعود، عندما يعود إلى غزة مع والدته لطلب يد جمانة في الزواج، فإنها تتعثر عند معبر رفح الحدودي بين مصر وجنوب غزة. وذلك عندما تبدأ حملة القصف الإسرائيلية. يستخدم رامي الأنفاق تحت الأرض للوصول إلى الأراضي، ويتطوع في مستشفى الشفاء في مدينة غزة. حبه ل جمانة تم اختباره من أهوال الحياة اليومية في غزة.

في عام 2013، خلال فترة حكم محمد مرسي القصيرة كرئيس لمصر، تم تخفيف الحصار الخانق على غزة، وفتح معبر رفح. استغل زوجي وأنا الفرصة لزيارة عائلاتنا في غزة، ووضعت المسرحية للقراءة في مركز القطان للطفل، وهو مركز مجتمعي محلي للأطفال. وكان الجمهور سعيدا لرؤية قصة حب على خشبة المسرح تعكس حياتهم، وتعهدت بعرض المسرحية في غزة والضفة الغربية وملبورن في نفس الوقت من العام التالي. وفي ذلك، كنت أتمنى أن أتغلب على جدران إسرائيل وجهودها لتفتيت الفلسطينيين من خلال ربط الفنانين في الأماكن الثلاثة جميعها.

لم أكن أعلم أنني قبل أشهر تكون فرق الإنتاج لدينا جاهزة للعب المسرحية في عام 2014، ستبدأ حملة قصف أكثر وحشية وقسوة. ودمرت الحرب غزة مرة أخرى لمدة 51 يوما. لم يحدث قط إنتاج غزة، لكننا تمكنا من تشغيل المسرح في مسرح لا ماما في ملبورن وجمعية الرواد الثقافية والمسرحية في مخيم عايدة للاجئين بالقرب من بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة.

شغف الجيل الجديد من الفلسطينيين بتعلم اتقان الطبخ التقليدي (الجزيرة)



بعد موسم بيعها 2014، حكايات مدينة من قبل مدينة البحر إضافة إلى شهادة فيكتوريا شهادة التعليم، ليتم تدريسها لطلاب المدارس الثانوية. وللمرة الأولى، شعرت بأنني، فلسطيني، جزء من النسيج الثقافي والاجتماعي لأستراليا. أن قصة شعب بلدي سوف يتم تدريسها في المدارس أعطاني شعور بالاندماج والفخر.

اتضح أن إضافة المسرحية إلى مناهج التعليم الابتدائي قد أثار حملة شرسة قامت بها باني برث، وهي جماعة صهيونية يمينية، لإزالتها. كانت الحملة محبطة جدا حتى أن البرلمان الاتحادي في ولاية فيكتوريا حتى عرقلة جلسة ميزانيتها الخاصة لمناقشة إزالة قصة حب فلسطين من قائمة المناهج التعليمية.

في النهاية، كان دعم المعلمين والمربين والسينمائيين والفنانين والمسرحين والكتاب والكثيرين الآخرين في أستراليا ساحقا. وظلت المسرحية على قائمة المناهج التعليمية، وكان لها موسم بيع الثاني في لا ماما، موسم وطني، ثلاث مدن في جميع أنحاء أستراليا، وموسم دولي في كوالالمبور. تم استيفاء جميع العروض بعائلات كبيرة وبتصفيق حار واقف.

لقد تحول المد والجزر وأصبح الدعم الشعبي للقضية الفلسطينية مرئيا الآن. لكن غزة تستمر في التدهور، وأصبحت فلسطين إلى بانتوستان مجزأة.

في الآونة الأخيرة، في مهرجان ميتروبوليس الأزرق للكتاب في مونتريال ، سئلت لماذا اخترت شخصيتي الرئيسية، جمانة، البقاء في غزة، أكبر سجن في الهواء الطلق في العالم. وأوضحت أن المسرحية تلتقط لمحة عن الحياة في غزة في وقت لا يزال فيه الأمل. ولكن إذا كنت أريد أن أكتب تكملة لهذه المسرحية اليوم، جمانة سوف تحاول يائسة لمغادرة البلاد.

اليوم، غزة مستقطبة، واضطر شعبها إلى الاختيار بين اثنين من خيارات القيادة السيئة التي تتفوق فقط في إلقاء اللوم على بعضها البعض لكل شيء من أزمة الكهرباء إلى الحصار والظروف اللاإنسانية في المستشفيات. من الذي سيحفظ الفلسطينيين من قادتهم الفاسدين وغير المؤهلين؟ ولا تقدم حماس ولا فتح أي استراتيجية تحرر طويلة الأمد. والسلطة الفلسطينية مهتمة فقط بالحفاظ على سلطتها على حساب تطلعات شعبها. والأمل الوحيد الذي نتمتع به هو في حركة المقاطعة وسحب الاستثمار والعقوبات، ولكن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات لا تقدم سوى استراتيجية للمقاومة، فهي لا توفر بدائل لهياكل السلطة السياسية التي تكبل شعبنا في فلسطين المحتلة.

التغيير يجب أن يبدأ معنا. ويجب أن تتحد مبادئنا: الحرية والعدالة والمساواة. وأنا أعلم أن إسهامي متواضع بالمقارنة مع التضحيات الأكبر من أولئك الذين يعيشون في السجون الإسرائيلية، وأسر الشهداء، أو اللاجئين العالقين في مخيمات اللاجئين منذ عام 1948، أو يغسلون الشاطئ على شواطئ أوروبا. ولكن كل ما لدي هو صوتي. لذلك أكتب.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/20-

رائد وعايدة.. قصة حب وتشرد وأمل

رائد وعايدة.. قصة حب وتشرد وأمل

سلوى عمور

فتح رائد السّكاكيني عينيه على عالم في حالة حرب وبلد كان في حالة من الخوف والريبة. كان ذلك في عام 1967 في مُخيّم برج البراجنة للاجئين في بيروت -لبنان-، وكانت الحرب كل ما كان رائد يعرفه حتى سن الثامنة.

من يقاتل من؟ ولماذا؟ لم يكن يعرف، لم يتمكن الشاب من فهم الحرب تماما، ناهيك عن السياق التاريخي أو السياسي لشعبه. ويقول رائد: "لقد اعتقدت أنّ العيش في حالة حرب هو الطبيعي".

لكن هذا الواقع المرير سيستعد لولادة جيل جديد من الأطفال الفلسطينيين في المنفى مثل رائد، وسيبقى فترة هامة في التاريخ الفلسطيني.

وكانت أهمية تلك السنوات في المرتبة الثانية بعد النكبة، كارثة عام 1948 التي هرب خلالها مئات الآلاف من الفلسطينيين أو قتلوا أو هجروا قسرا؛ لتمهيد الطريق لقيام الدولة الإسرائيلية الحديثة.

أحلام و ذكريات
ولد والدا رائد في بدايات عصر الهوان. كانت عائلة أُمه يعملون صيادين في شواطئ حيفا، بينما كانت عائلة أبيه مشهورين في ذلك الوقت كونهم سمكريين وكهربائيين وصانعي أجهزة. لقد تقابلا وتزوجا في بلدتهما قبل أن يُجبرا على إخلاء فلسطين في أوائل العشريينات.

لقد كانوا أُناسا بسطاء يعيشون حياة بسيطة حين أُجبروا على دخول كتب التاريخ خلال النكبة. لقد أخبراه والديه القليل عن طفولتهم في فلسطين، خاصة وأن حياتهم كلاجئين كانت قد أصبحت أصعب من أي وقت مضى، لقد كانوا يكافحون من أجل البقاء. وفي مواجهة هذه المصاعب، يبدو أنه لم يكن هناك وقت لسرد ذكريات الماضي.

على الرغم من أنهما أخبراه القليل فقط، إلّا أنه كان واحة في صحراء. وكثيرا ما يذهب إلى جنوب لبنان كطفل "فقط لتنفس الهواء الطلق" كالهواء الذي في فلسطين. من تلك المنطقة على طول الحدود، كان بإمكانه أن يرى وطن عائلته من مسافة قريبة، وهناك شعر لأول مرة أنه حر من صراعاته اليومية من أجل الحلم بفلسطين.

عايدة عداس ولدت في بيروت لتبدأ قصة معاناتها مع زوجها الفلسطيني رائد السكاكيني (الجزيرة)



زوجة رائد المستقبلية
في ذات الوقت، وُلدت عايدة عداس - التي ستكون زوجة رائد - في كورنيش المزرعة، وهي (حي جميّل) في بيروت- العاصمة اللبنانية- بعد ثلاث سنواتٍ من الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973.

مثل رائد الذي ولد قبل بضع سنوات، كانت عايدة صغيرة جداً لتعرف أن البلاد كانت في حالة من الفوضى والحرب. أيضاً مثل رائد، على الرغم من كونها ولدت وترعرعت في لبنان، لدى عائلتها تاريخ طويل في فلسطين.

وُلد والدها عدنان في عائلة زراعية فلسطينية في عام 1946 في حيفا، وهي مدينة ساحلية في شمال فلسطين. وكانوا يعملون في المروج الخضراء الشاسعة في حيفا.

وبعد مرور سنتين على النكبة، فر عدنان من حيفا مع والديه اللذين سعيا إلى الأمان في مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان. كان يعرف حيفا فقط من خلال ذكريات والديه المُمزّقة.

ربما كان مصيره أو حب الأرض التي تم نقله إليها من حكايات والديه، ولكن عدنان أيضاً سيذهب للعمل كمزارع في لبنان، حيث سيلتقي ويتزوج في وقت لاحق زوجته اللبنانيّة (فايزة الخرفان).

في حين أنّ عايدة لمْ تعرفْ فلسطين نفسها، كانت واحدة من أكثر ذكريات طفولتها الدافئة التي دائماً تتذكرها هي وصف أجدادها لحياتهم في المزرعة في حيفا.

كانت جدتها تقول دائما أنّهم لم يفلحوا الأرض فقط، بل كانوا هم الأرض. كانت الحقول واسعة، والأشجار تترنح مع هبوب الريح، ورائحة الياسمين تنبعث من بين الفروع.

بإمكانك أن تذهب إلى حقل جيرانك وتأخذ ما تحتاجه، إن زرعت شيئا ونما تترك لهم بعضا منه كمقابل، ولكن إن كنت فقيرا ولا تملك شيئا يمكنك اختيار ما شئت من أي مزرعة في أي وقت. لقد كان ذلك هو الوقت الذي يهتم فيه الناس ببعضهم حقا.

رائد وحرب المخيّمات
قضى رائد حياته كلها في الوطن الجديد الذي فرت إليه أسرته (مخيم برج البراجنة للاجئين).
إنها أكبر تعداد للسكان الفلسطينيين الذين قصدوها خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت من عام 1975 إلى عام 1990، وكان رائد مثله مثل العديد من جيرانه، يعيش في حالة من الخوف المستمر.

كانت الانفجارات متكررة والسيارات المفخخة تنفجر من حين لآخر دون سابق إنذار؛ ولا يمكن مغادرة المخيم لأنّه يضع سكان (برج البراجنة) في خطر كبير. في ذروة المشاحنات الطائفية في لبنان، يمكن التحدث بسهولة باللهجة الفلسطينية و بجملة مميتة: "ستوقفنا العصابات في الشوارع و ستطلب منا أن نقول كلمة طماطم: إذا قلت بنادورة، فأنت لبناني، وإذا قلت بندورة، فأنت فلسطيني، و في هذه الحالة يضربونك، وأحيانا يقتلونك.

كونك فلسطيني فهذه إهانة أو حتى أسوأ وقد تكون اتهاما عدائيا. فالنزاعات الطائفية والسياسية في لبنان تعني أنّ اللاجئين الفلسطينيين، وهم أدنى مستوى في السلم الاجتماعي، هم المتضرر الأول من ردود الفعل العنيفة. وتعتمد حياتهم على الوضع السياسي في ذلك الوقت، ويعيشون حالة ارتباك لا يستطيع أحد منهم فعل شيء بشأنها.

رائد السكاكيني عاش مرارة اللجوء في أكثر من محطة في حياته (الجزيرة)



التعليم كسلاح
ولكن مع استمرار الحرب، واصل رائد وأخوته القيام برحلة قصيرة، ولكن محفوفة بالمخاطر، الذهاب للمدرسة كل يوم. كان التعليم جزءا أساسيا من حياة الفلسطينيين، وكانا والداه يخبرانه، أنّ أهمية التعلم واكتساب المعرفة هو الدرس الذي يبقى معه في كل يوم.

إنّ هذا الإيمان بالتعليم كوسيلة قيمة لا لبس فيه ولا يتزعزع، ولم تكن عائلة رائد هي الوحيدة التي تقدّر التعليم بدرجة عالية، فاللّاجئون الفلسطينيون هم من بين أكثر اللاجئين تعلما في العالم.

وحتى يومنا هذا، يعتقد رائد اعتقادا راسخا بأنّ القضية الفلسطينية نفسها تتأثر بشكل كبيربالتعليم، فإن كانت الأجيال الشابة أكثر تعليما فهي الأفضل لتأمين الحقوق الفلسطينية وتحقيق العدالة لمجتمعهم.

وعلى الرغم من هذا الحب العميق للتعليم؛ إلا أنّ رائد لم يدرس إلا للصف الرابع، أراد أن يستمر، ولكن الحياة اليومية في المخيم خيبت آماله، ولم يتمكن من استشراف مستقبل لنفسه. "لم أكن أعرف ما أردته وأنا طفل، دفنت أحلامي قبل أن يولدوا، وأتساءل من أو ما كنت سأكون لو كان لي حرية الحلم؟".

وكما هو الحال مع العديد من اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان، كانت حياة رائد كلها محاطة بعدم الاستقرار.

على سبيل المثال: وفقاً للقوانين المحلية، يمنع الفلسطينيون من ثلاثة وسبعين مهنة في لبنان. وقد دفع هذا الواقع المرير رائد إلى تقدير وتنمية هويته الفلسطينية أكثر من ذلك، كتحد تقريباً.

وباعتزازهم بالشيء الوحيد الذي عرفوه: هويتهم الفلسطينية، كان أكثر أهمية، حيث كافح اللاجئون الفلسطينيون من أجل تجميع ماضيهم المكسور، وتصور مستقبل يقبل بالحياة في لبنان.

شيء يجعلك تشعر بالظلم داخلك. كنت أشعر بأن شيئا ما يتم سرقته منك بسبب عرقك، وهو حقٌ أساسي من حقوق الإنسان. شخص ما قد سحق روحك، محى هويتك ومستقبلك.

الحرب تمزّق عائلة عايدة
بينما كافح رائد للتوفيق بين هويته الفلسطينية والحياة اليومية في لبنان، كانت عايدة وأسرتها في بحث يائس عن الحياة الطبيعية وسط الدمار والصراع المسلح الذي دمر شوارع العاصمة اللبنانية.

ونادرا ما كانت تذهب عايدة وأخوتها الخمسة للخارج بسبب اندلاع الحرب الأهلية في جميع أنحاء بيروت، واللعب داخل منزلهم بدلا من ذلك. حاول والداها أفضل ما في وسعهما لحمايتهم من غضب الحرب، ولكنّ المصير لديه خطة أخرى.

في صباح يوم 25 أكتوبر 1981، عمل الكون الخيالي الذي كان والداها يعملان بجد لخلقه. لقد كان مفتتا بشظايا شائكة، مما أدى إلى إنهاء عمر شقيقها الأكبر محمود.

لقد قُتل مباشرة أمام عينيه بينما كان يلعب في شرفة العائلة، وبهذا دخلت الحرب رسمياً منزلهم:
"كانت والدتي حاملًا في الشهر الخامس في ذلك الوقت، وكان لمحمود حبيبة في المدرسة، فتاة تدعى ميرنا. عندما أنجبت والدتي، أسمت شقيقتي ميرنا، تيمنا بصديقة محمود. ربما لو عاش، كانا قد تزوجا. أو ربما هكذا عاش في عيون أمي.

عائلة عايدة لم يكن لديها وقت طويل للحزن على وفاة ابنها، ولكن عندما بدأ الاجتياح الإسرائيلي للبنان بعد أقل من عام، كانت عائلتها على وشك أن تتغير مرة أخرى، ومرة أخرى بطريقة لا يمكن لطفل أن يفهمها.

في الخامس من سبتمبر / أيلول عام 1982، كان والد عايدة عدنان يسير في شوارعِ بيروت عندما قُتل بشظايا طائشة خلال إحدى الهجمات التي لا حصر لها على المدينة، تاركا خلفه عايدة وأشقائها الستة، لم يلتق قط ابنه السابع، وهو صبي يدعى عدنان.

ذكريات عايدة من ذلك اليوم متناثرة، فهي تتذكر فقط الفوضى المفاجئة في منزلها، وركض الغرباء، والصراخ والصياح، لم تكن عايدة قد أدركت ما حدث حتى جلبت جثة والدها. وهي لا تذكر الكثير بعد ذلك، فقطْ كانت مصرة أنّ والدها كان يعرف أنّه لن يعود: "إن نظرنا للوراء الآن، فمن الغريب كيف تشعر بالأشياء وأنت طفل. في ذلك اليوم، أتذكر أن والدي صنع لي ساندويتش زعتر وزيت زيتون في الصباح. أعطاه لي وعانقني بقوة، كما لو أنه كان يعرف بطريقة ما أنّ شيئا ما سيحدث".

 

ابنة رائد وعايدة عاشت مبكرا أزمة اللجوء والترحال (الجزيرة)

الطائفيّة تقسّم عائلة عايدة
عندما مات والدها، تغير العالم كله. اضطرت عائلتها إلى مغادرة المنزل الجميل الذي كانوا يعرفونه والتنقل مع والدي والدتها، حيث سرعان ما يكتشفون أنّ الحرب الطائفية المسعورة في الخارج سيكون لها أيضا عواقب وخيمة عليها وعلى أشقائها.

لم تتمكن والدتها التي كانت لبنانية من قمع عائلتها وأسرتها العنصرية تجاه أطفالها الذين يعتبرونهم فلسطينيين.

على الرغم من أنّ والدة عايدة حاولت جاهدة إخفاء هذا، إلا أنّها شعرت بأنّهم يُعاملون معاملة مختلفة عن الأطفال الآخرين. وبعد عام، اتخذت والدتها قرارا حازما، وأن تغادر منزل والديها مع أطفالها، مهما كلف الأمر.

ولكن كأم لبنانية مع سبعة أطفال نشأوا في الحرب، فالمكان الوحيد الذي يمكن أن تنتقل إليه كان مخيم (برج البراجنة) للاجئين الفلسطينيين. وبدون مساعدة من عائلتها، عملت أُم عايدة ساعات عمل طوال، كصنع الخبز في المخبز مقابل راتبب ضئيل.

وفي الوقت نفسه، اضطرت عايدة لأن تكبر مبكرا بعد وفاة والدها. كانت ثالث أكبر طفل، وكانت في عمر الثانية عشر سنة فقط عندما بدأت بالعمل مع والدتها في المخبز بعد المدرسة وفي عطلة نهاية الأسبوع. وكانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي تُمكن الأسرة من البقاء على قيد الحياة، ولم يتبق هناك وقت للطفولة.

القدر يجمع رائد وعايدة
كانت عايدة تعمل في متجر لبيع الملابس في (برج البراجنة) عندما لفتت انتباه رائد. بعد 15 يوما فقط، كان رائد أمام بابها لطلب يدها للزواج. شعرا الاثنان برابطة وثيقة بينهما، ولم تتردد عايدة قط بقبول اقتراحه.

على مدى خطوبتهم السنة والنصف تعززت علاقتهم وروابطهم لأنهما تعرفا على بعضهما وتعلما عن حياة بعضهما.

وفي حين أنّ آباء رائد وعايدة لم يكونا على قيد الحياة عندما التقيا، تتساءل عايدة أحيانا عما إذا كانت أُسرهم قد عرفت بعضهما البعض عندما عاشتا في حيفا. في حين أنّ المدينة كبيرة، ولكن كانت تعمل كقرية صغيرة، ومعظم الأسر المحلية تعرف بعضها.

بدأت عايدة ورائد حياتهما الجديدة كزوج وزوجة في المخيم الذي استضاف الكثير من هذه الأسر الذين لديهم نفس التاريخ. وأنجبوا طفلهم الأول، وهو صبي يدعى طارق، والثاني محمد.

ثم بعد 27 عاماً من فقدانها شقيقها محمود أنجبت عايدة ابنا آخر، أسمته علي. اسم شقيقها. بعد أربع سنوات أنجبت طفلة سمتها ميرنا على اسم صديقة شقيقها. واتفق الآباء الجدد في وقت مبكر على أنّ أهم شيء يجب أن يحصل أطفالهم عليه هو التعليم: الحق الذي حرموا منه.

على الرغم من الفرح والإثارة اللتين شعرا بهما معا، واجه الوالدان الصغيران عقبات لا حصر لها، العديد منها ناجم عن كونهم فلسطينيين مما يجعلهم أدنى من المجتمع اللبناني. فالحياة في المخيم لا تزال صراعاً يوميا: فالوظائف شحيحة، والطعام باهظ الثمن، والوصول إلى الماء والكهرباء لا يمكن الاعتماد عليه، وكل شيء بثمن.

كانت عايدة حاملا في الشهر الثامن عندما سقط سقف مطبخها على رأسها. ولكنها لم تصب بأذى، فقط لم تكن قادرة على تحمل التسرب من السقف، لذلك استمرت المياه لتتدفق في بيتهم كالمطر.

وكانت كل ليرة من أموال الأسرة تصرف في تعليم أبنائها؛ من دون تعليم سيضيع مستقبلهم، كما هو الحال في تاريخهم الفلسطيني، يعرف رائد وعايدة: "إنّ الحصول على التعليم ليس فقط من أجل مستقبل أطفالي، بل أيضا من أجل فلسطين. فإن كانت أمتنا أمية ولا تعرف تاريخها، فسنختفي في غياهب النسيان".

لكن على الرغم من تضحياتهم العديدة لم يكن بمقدور رائد وعايدة أن يتجاهلا واقعهما غير المستقر الذي كانا يعرفان أنّه حقيقة، فبدون الوصول العادل والمفتوح إلى سوق العمل في لبنان، سيبقى أطفالهما في نفس حالة الغموض التي كانت مقيدة أحلامهم منذ سنوات.

مغادرة لبنان
وكان رائد وعايدة تواقين إلى الوقت الذي لا تهيمن فيه التوترات الطائفية أو الحرب أو الغزوات الإسرائيلية أو الاضطرابات السياسية على حياتهم. كانوا يعيشون على أمل أن يتغير الوضع السياسي في لبنان إلى أن يكون أكثر استقرارا وأقل عدائية تجاههم. لكنه لم يحصل ذلك أبدا.

وعلى الرغم من استمرارهم في محاولة بناء حياة ومستقبل أفضل لأطفالهم، أصبح الأمر أكثر صعوبة. بدأت الثورة في سوريا تتسلل عبر الحدود إلى لبنان، وانضم حزب الله، وهو جماعة شيعية لبنانية، إلى الحرب دعما للحكومة السورية.

فقد أصبح لبنان ملاذا آمنا للاجئين السوريين الفارين من الحرب، ولكن مع ازدياد عدد اللاجئين إلى أكثر من مليون شخص، فقد أدى ذلك إلى توترات مع المجتمعات المحلية التي انتقلوا إليها. إنّ تدفق اللاجئين أعاد تنشيط الكراهية الطائفية الطائشة التي عاشها لبنان منذ فترة طويلة.

وسرعان ما أصبحت التوترات في (برج البراجنة) غير محتملة، حيث انتقلت مجموعة مسلحة لبنانية إلى الشارع الذي يحيط بالمخيم.

وتخشى عايدة من اختطاف أطفالها يوما ما، أو أن يكونوا مثلهم مثل شقيقها الأصغر وأبيها- ضحية لأحد الهجمات العنيفة القريبة-. في هذا الوقت كانت حاملا بطفلها الخامس، بدأت عايدة الخوف على المستقبل أكثر من أي وقت مضى. شعرت أنها وعائلتها ليس لديها خيار سوى الفرار من أجل سلامة أطفالها.

لم يكن رائد يريد مغادرة لبنان، لكن عايدة أصرت على أنّه الخيار الأكثر أمانا لأطفالهم. وافق زوجها أخيراً عندما رأى أطفاله ينغمسون في نفس دورة العنف التي عاشها: "لم أكن أرغب بمغادرة لبنان أبدا. لكن لا يمكنك مشاهدة ابنك يشرب من نفس كأس المر الذي شربته. العلاج في لبنان والعنصرية والحرب وعدم الاستقرار، يمكنني أن أرى ذلك بداية لتدمير أرواحهم وتشويه شخصياتهم وهوياتهم.

ابن رائد وعايدة عايش رحلة معاناة اللجوء الفلسطيني (الجزيرة)

التاريخ يعيد نفسه
خلال رحلة مغادرتهم لبنان شعر رائد بألم عميق في قلبه. وفجأة أدرك أنّ هذا ما كان عليه حال أجداده، أن يتركوا وطنهم في فلسطين كل تلك السنوات الماضية أثناء النكبة عام 1948. وعندما كان يُعبئ حقائب عائلته بعد 69 عاما، كان الشعب الفلسطيني لا يزال معدوما وبدون جنسية، مما دعاه للبحث عن منزل آمن لأطفاله.

"بالنسبة لي، هذا هو نفس ما عاشه أجدادي. كان والدي طفلا بنفس عمر ابني محمود، ولكن جدي شعر بما أشعر به الآن. نفس المشهد، تواريخ مختلفة، بلدان مختلفة، ولكن نفس الّشعور، نفس القصة.
غادرت العائلة لبنان إلى تركيا، حيث سيشرعون بما يُسمى ب "رحلة الموت"، اللقب المستعار الممنوح لمعبر البحر الأبيض المتوسط الخطير الذي أودى بحياة الكثيرين بسبب الغرق، نحو اليونان، وهي البوابة إلى أوروبا.

وفي الخامسة من صباح يوم 1 ديسمبر 2015، احتشد ستون شخصاً يائساً، - سوريين وفلسطينيين على حدّ سواء- في حافلة صغيرة نقلتهم إلى نقطة إنزال على شواطئ تركيا.

عندما نظرت إلى السفينة المحفوفة بالمخاطر، عايدة التي كانت حاملا في الشهر الخامس، أقنعت نفسها بأنّه ليس لها حياة في لبنان إن فكرت بالعودة. فدعت وطلبت من الله مساعدتها والبقاء وعائلتها على قيد الحياة في الرحلة.

كانت عايدة تُحدّق في الثنيات الصغيرة المظلمة للأمواج المتلاطمة على الشاطئ، ناهيك عن الرحلة المظلمة والخطيرة عبر البحر كانت على وشك أن تبدأ، ودعت: "دعنا نصل إلى هناك بأمان يا الله، وإن الموت حتفنا فخذنا جميعاً يا الله".

على كل حال، لم يكن الموت أسوأ مصير لأطفالها كما اعتقدت. في لبنان، "كانوا ميتين أيضاً". وقد توقفت أخيرا أفكارها المضطربة بسبب بكاء صغيريها محمود وميرنا، الذي لم يتوقف.

 مرة أخرى في اليونان
عندما وصلت العائلة أخيرا إلى اليونان، ونظرت إلى المحيط وراءها، وقد طغى عليهم الشعور بالراحة. كانوا سعداء وممتنين أنّهم نجوا من البحر الهائج. وبينما هم مبللين ومتجمدين من الماء، اصطفوا للحصول على أوراق وصولهم.

بعد رحلة طويلة، وصلت الأسرة إلى الحدود المقدونية. هناك الْتقى بهم المهربون واللصوص، الذين تركوهم خوفا على حياة أطفالهم وسرقة ممتلكاتهم.

لقد انتظروا خمسة أيام فى ظروف مريعة قبل أن تبلغهم شرطة الحدود المقدونية بأنّه لن يسمح لهم بالعبور لأنهم فلسطينيون.

ولم يتحمل رائد وعايدة هذا الكفر: البقاء على قيد الحياة بعد رحلة الموت هذه، ونرجع أدراجنا مرة أخرى؟ وبدون أي نقود أو أي مكان نذهب إليه؟؟، مما اضطرهم للبقاء في اليونان في النهاية.

وقد أُصيبت عايدة، التي تعيش الآن في ظروف مروعة في مخيم مكتظ للاجئين، بطفيلي (التوكسوبلازما غونديي)، وهو فيروس نتج عن الظروف السيئة وغير الصحية للمخيم.

على الرغم من أنّ هذا المرض لا يهدد حياة البالغين، لكنّه يمكن أن يكون خطراً للغاية على الجنين ويؤدي إلى تلف في الدماغ أو غيرها من الإعاقات.

قضت عايدة ما تبقى من حملها في قلق على جنينها الذي قد يموت. وبدأت الأوضاع تتدهور بسبب رفض بلدان الاتحاد الأوروبي قبولهم مع أملهم في تأمين مستقبل لهم ولأطفالهم.

مستقبل غامض
في حين أنّ حالة عمر الطبية كانت لا تزال غامضة -وآثار الفيروس على المدى الطويل ليست معروفة حتى الآن - قال الأطباء: "أنّه قد لا يكون قادرا على الرؤية أو السماع أو المشي على قدميه".

إنّ مستقبل الصغير الغامض يعكس بشكل قوي الحياة غير المؤكدة لأشقائه الأكبر سنا وأبويه وأجداده، وعشرات الأجيال الفلسطينية الذين قبلهم، الذين اقتلعوا جميعا وشردوا وواجهوا تحديات لا حصر لها.

ولكن برغم هذه الضغوطات والحياة الصعبة التي يواجهونها في اليونان، لم يتخل رائد وعايدة ولا أبنائهم عن الأمل. فمؤخرا قام ابنهم الأكبر: طارق، برفع العلم الفلسطيني في بيتهم المتواضع في اليونان. كان ذلك عملا رمزيا، حيث أعلنت الألوان الحمراء والسوداء والخضراء والبيضاء للعلم أنّ ذا الأعوام الـ 16 فخورا كونه فلسطينيا.

" أينما ذهبنا ومهما فعلنا و مهما تعثرنا في طريقنا، ستبقى فلسطين في قلوبنا ما حيينا" قالها رائد بثقة عمياء: فلسطين هي أمي، أتوق لهواء فلسطين، أتمنى لو أُدفن في فلسطين، الحنين يأخذني إليها. هي أمي التي ولدتني، التي لم أقابلها قط .أريد أن أعود إليها مهما كان. أريد أن أعود. ولكن من يدري ما إن كنا سنعود أو لا؟ ما إن كان أطفالنا أو أحفادنا سيعودون أم لا؟ من يعرف؟

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/20-

سلسلة من اللجوء انتهى بالعودة لـ "فسوطة"

سلسلة من اللجوء انتهى بالعودة لـ "فسوطة"

فداء جريس

والدي صبري جريس، ولد في العام 1938م في قرية فسوطة في الجليل جنوب الحدود اللبنانية، وبعد عشر سنوات وفي العام 1948، وقعت النكبة أو الكارثة، وقامت دولة (إسرائيل) على 78% من أرض فلسطين التاريخية، ونُزعت ملكية 85% من السكان العرب الفلسطينيين في ذلك الجزء من الأرض، وتم تطهير وتدمير أكثر من 400 قرية فلسطينية.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 1948، سقطت الفسوطة تحت يد الجيش الإسرائيلي الغازي، حيث احتل الجزء الأخير من الجليل الغربي، وقد انهار جيش التحرير العربي، وترك الناس للدفاع عن أنفسهم أو الاستسلام، ومع سقوط القرى الفلسطينية المجاورة، قام الجيش الإسرائيلي بتهجير العديد منهم، بما في ذلك البصة وكابري والمنصورة وتربيخا وإقرت وكفر برعم.

فسوطة وبضربة مصير، كانت واحدة من القرى التي بقيت، وأما دير القاسي والسحماتا، وهما قريتان تقعان بجوارها، فقد تم إخلاؤهما تمامًا، وقد بقي بعض أبناء سحماتا وأصبحوا مشردين داخليًا، ولكن البقية بالإضافة إلى أهالي دير القاسي فقد شقوا طريقهم شمالًا إلى لبنان، عندما كنت طفلة، ذُهل والدي بمجموعة كبيرة من اللاجئين المتواجدين في منزل جده؛ فقد أشفق عليهم الرجل العجوز وأحضرهم إلى فسوطة لمنحهم الطعام للرحلة.

مشهد عام لقرية فسوطة في الجليل قرب الحدود الفلسطينية اللبنانية (الجزيرة)

أحداث 1948
"رأيت النكبة بأم عيني، فالعشرات من الرجال والنساء والأطفال الذين اقتلعوا من ديارهم، اجتاحهم الخوف والرعب واتجهوا للمجهول. بعد بضعة أسابيع، تجولت في قرية دير القاسي، كانت البيوت والحدائق والمسارات فارغة تمامًا، والرياح تهب من خلالها، والعشب المتنامي في كل مكان، والدجاج يركض في الأرجاء وحيدًا... لم أرَ شيئًا أكثر إحباطًا من ذلك، ولا زالت تلك الصورة تطاردني عندما أفكر في الحرب".

كان أبي جيدًا في المدرسة الابتدائية في القرية، فأرسله والده إلى مدرسة تراسنطة الداخلية في الناصرة الثانوية، وقلة من الأطفال يمكن أن يواصلوا تعليمهم بهذه الطريقة؛ كانت القرية نائية وفقيرة، ولكن جدي إلياس، كان راعيًا وكان يملك عددًا كبيرًا من الماشية، كان يرعى بها ويتاجر فيها مع رعاة القرى المجاورة، وقد صُدم من نزوح أصدقائه منها، وقد قام الجيش الإسرائيلي بثلاث محاولات لطرد سكان فسوطة في الأشهر التالية، لكن الجنود توقفوا في كل مرة عن العمل وتركوا ذلك بأوامر من قادتهم، حيث كانت أزمة اللاجئين في ذروتها في المنطقة، وكانت إسرائيل تحت ضغط دولي.

وفي يوم من الأيام، عاد أبي بالحافلة من الناصرة، وشاهد عدة جرافات تعمل في موقع سحماتا، تقوم بهدم المنازل ورفع الحجارة بعيدًا، وقال الرجل الذي كان يجلس أمامه: "إنهم يأخذون الحجارة لاستخدامها في تمهيد الطريق".

لقد شكلت هذه الأحداث، إلى جانب الحكم العسكري القاسي الذي فرضته إسرائيل على جميع الفلسطينيين في إسرائيل من العام 1948 حتى العام 1966، شكَّلت وعيه بمدى الظلم الكبير الذي وقع عليهم، فذهب إلى دراسة القانون في الجامعة العبرية في القدس، وفي العام 1959 -وكان حينها لا يزال طالبًا- شارك في تأسيس "الأرض"، وهي حركة مقاومة وطنية فلسطينية، مع منصور كردوش، وصالح بارنسي، وحبيب قهوجي، وكان اسم الحركة يدل على ارتباط الفلسطينيين بأرضهم وحقهم في بلاده.

نشرت "الأرضُ" صحيفةً يوميةً وحثت العرب في (إسرائيل) على تنظيم ومعالجة شؤونهم الخاصة، وكانت تهدف إلى إيجاد حل عادل للمشكلة الفلسطينية، ودعت إلى عودة اللاجئين وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة اليهودية وفقًا لخطة تقسيم فلسطين لعام 1947، وكان قادة الحركة منفتحين في رغبتهم في التعاون مع الجماعات اليهودية المتحررة والديمقراطية.

فداء جريس في فعالية متحف محمود درويش في رام الله (الجزيرة)

وقد استهدفت السلطات الإسرائيلية "الأرض"، ووصِفت بأنها تشكل خطرًا على أمن إسرائيل؛ ورفضوا منحها ترخيصًا لنشر صحيفة يومية، وقاموا بمضايقة أعضائها، ومنعهم من تسجيلها كشركة ومطبعة، فقاموا بطباعة الصحيفة باسم مختلف في كل مرة ليكونوا قادرين على تعميمها، كما تمكنوا من التواصل مع الأمين العام للأمم المتحدة بمذكرة من 17 صفحة، تشرح محنة الفلسطينيين تحت الحكم الإسرائيلي.

وإزاء هذا الأمر، حظرت الحكومة الإسرائيلية الحركة تمامًا، وعندما حاول حزب الأرض التسجيل كقائمة لحزب السياسي في انتخابات الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) في عام 1965، كان ذلك محظورًا، وهو قرار أيدته المحكمة العليا، وقد ألغت الدولة الحركة وصنفتها على أنها منظمة "غير شرعية"، وقامت بطرد مؤسسيها إلى بلدات نائية منفصلة لا يوجد بها سكان عرب حتى انتهاء الانتخابات الإسرائيلية.

في عام 1966، كتب والدي كتابًا أسماه (العرب في إسرائيل)، وهو واحد من الكتب الأولى عن الفلسطينيين الذين بقوا داخل إسرائيل بعد النكبة، كتبه من منظور قانوني وكشف فيه بالتفصيل المصير القاسي الذي حل بهؤلاء الفلسطينيين تحت الحكم العسكري الإسرائيلي، أصبح الكتاب وثيقة تاريخية عن الفلسطينيين في إسرائيل، بمعاملتها الشاملة لقمعهم المنظم من قبل الدولة، فقد صودرت أراضيهم، وتم تدمير قراهم على الأرض، وحرموا من حرية التنقل والعمل والتعبير، وتم التعامل معهم على أنهم مشتبه بهم وبقسوة خفية إذا كانوا يشاركون في أي نشاط للمقاومة أو المطالبة بحقوقهم.

كل هذا كان يُبرر من خلال "القوانين" التي أقرتها الدولة الجديدة لإعطاء أفعالها ادعاءً قانونيًا، في حين أنها تتعارض في الواقع مع جميع حقوق الإنسان؛ وبما أنّ إسرائيل نفسها قد قامت على رفات شعب آخر فلا شيء يمكن أن يكون قانونيًا كونها بنيت على مثل هذه الفظائع.

في ذلك الوقت، التقى والدي بأمي حنة، في حفل زفاف صديقه في فسوطة، وبعد بضعة أشهر، قُوبل اقتراح زواجه منها بالرفض الأولي من عائلتها، التي كانت قلقة بشأن أنشطته السياسية؛ وقد تيتمت حنة في سن مبكرة عندما قُتل والدها برصاصة طائشة أُطلقت في حفل زفاف ابن عمه، وكانت والدتها تكافح من أجل تربية أطفالها الستة؛ كانت حنة متميزة في المدرسة، فأخذها عمها إلى الناصرة، حيث كان يعمل مدرسًا، وألحقها في المدرسة هناك، ثم ذهبت إلى القدس لدراسة الاقتصاد في الجامعة العبرية، وكانت أيضًا واعظة سياسية؛ وعندما تقدم والدي لخطبتها، عارضت عائلتها بينما أصرت هي على قبوله، وفي العام 1968، كانا متزوجين وانتقلا إلى شقة صغيرة في حيفا. لكن المضايقات التي واجهها والدي كانت مستمرة، بينما كانت والدتي -وهي عروس جديدة- "تعمل بعده بين مراكز الشرطة والسجون"، كما أخبرتنا جدتي في وقت لاحق وهي تحكي لنا ذكرياتنا.

استمر الضغط المتصاعد ضد والدي، وتكررت فترات الاعتقال والإقامة الجبرية عليه عندما كان شقيقه جريس جريس متورطًا في محاولة لتهريب الأسلحة من لبنان إلى الضفة الغربية في شباط/فبراير 1970، وقد فشلت المحاولة وأصيب جريس بالرصاص عندما هرب عبر التلال إلى لبنان، وبعد بضعة أشهر غادر والديّ أيضًا وانضموا إليه.

فداء جريس مع عائلتها بمنزلهم في قرية فسوطة بالجليل الفلسطيني (الجزيرة)


بيروت
في بيروت، انضم والدي إلى حركة فتح (الفصيل السياسي الفلسطيني)، وعمل في معهد الدراسات الفلسطينية، ثم عمل مديرًا لمركز فلسطين للبحوث في منظمة التحرير الفلسطينية، ومستشارًا لياسر عرفات في الشؤون الإسرائيلية، وقد عملت أمي معه جنبًا إلى جنب في المركز ككاتبة وباحثة في الشؤون الاقتصادية.

وُلِدتُ في العام 1973، وولد أخي موسى في العام 1977، وقد كانت والدتي مكرسة نفسها لنا، وتحتضننا باستمرار وتشملنا بحبها العميق وترعانا في كل شيء، ربما، للأسف، كان لديها هاجس أني ما كنت لأولد.

عشنا في كورنيش المزرعة في غرب بيروت، وكانت والدتي حيوية جدًا واجتماعية، إذ أنّ شقتنا في كثير من الأحيان كانت تمتلئ بالضيوف، كما أنها منحتنا شعورًا عميقًا بعائلتنا الممتدة فكانت تحدثنا دائمًا عن "تيتا" (جدتنا) وأعمامنا، وتجلس معي لمساعدتي في تأليف رسائل ذات نص طفولي لهم، حيث يتم تسليم الحروف والصور من قبل كاهن من الفسوطة كان يسافر ذهابًا وإيابًا إلى لبنان، حيث كان ذو حصانة بسبب وضعه الديني، ولم يكن هناك اتصال هاتفي بين لبنان وإسرائيل؛ وكان هذا الاتصال الوحيد لوالدي مع عائلته، جنبًا إلى جنب مع الأخبار اللفظية أن الكاهن سوف يرد على كل طرف يحرص على الآخر، وكشخص بالغ، أدركت ما كانت تشعر به والدتي التي حُرمت من عائلتها لفترة طويلة، لقد أرادت أن يعرف أطفالها جذورهم.

كانت ذكريات طفولتي سعيدة حتى أوائل الثمانينيات، عندما بدأتُ أدركُ آثار الحرب الأهلية اللبنانية المستمرة على حياتنا، كان لدينا انقطاع مستمر للكهرباء والمياه، وفقدنا المدرسة، حتى أنه كان يتعين علينا القيام بكتابة الرسائل والواجبات المنزلية على ضوء الشموع؛ كان والديّ مرهقين وكان علينا في كثير من الأحيان مغادرة منزلنا للعثور على مأوى في أحياءَ أكثر أمانًا مع الأصدقاء.

وفي حزيران/يونيو 1982، غزت إسرائيل لبنان، وفي أيلول/سبتمبر قام حلفاؤها بمذابح صبرا وشاتيلا في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، في الأشهر التي تلت ذلك أصبح العالم في حالة جنون، ما زالت لدي ذكريات من تلك الأيام عندما كانت والدتي تمسك بيدي وبيد موسى ونحن نهرول في الشارع والقصف من فوقنا، كنا خائفين ووجدنا أنفسنا في كثير من الأحيان في الطابق السفلي تحت الأرض من بنايتنا، التي كانت بمثابة المأوى لعشرات الأسر، لكنها لم تستطع حمايتنا إلى الأبد، فبعد بضعة أشهر، وفي شباط/فبراير 1983، قُتلت أمي في هجوم بالقنابل على مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، الهجوم أسفر عن مقتل ثمانية من موظفي المركز وحارسين والعديد من المارة وجرح المئات، بالإضافة إلى أمي التي كانت تبلغ من العمر (37عاما) كانت هناك صديقتها صباح كرديه (28 عاما) والتي كان لديها ثلاثة أبناء، وصديقتها الأخرى سعاد حايك، وهي فلسطينية من الناصرة عاشت في بنايتنا، والتي فقدت ساقيها في الانفجار؛ صرختُ بألم من هول المشهد وما زلت أتساءل عن قدرة الناجين على البقاء سليمي العقل.

أقيمت جنازة لأمي في بيروت، وأخرى في الفسوطة، كان عمري آنذاك 10 سنوات وأخي 6 سنوات، وقد كان لفقدانها تأثير دائم وعميق على حياتنا، حتى اليوم، قلبي ينكسر كثيرًا على الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم في الحروب.

قبرص
لقد انتقلنا إلى قبرص، مدمَرين ومصدومين، كانت واحدة من البلدان القليلة التي فتحت أبوابها للفلسطينيين في ذلك الوقت، أعيد فتح مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية في نيقوسيا على نطاق أصغر، كما تم نشر العديد من المنشورات الفلسطينية.

تزوج أبي شقيقة والدتي الأصغر، نجوى، التي أصبحت كأم لنا، عشنا في قبرص حتى أوائل العشرينيات من عمرنا دون التمكن من العودة إلى بلادنا، ومع ذلك كانت فلسطين دائمًا وطننا.

شقيقي وأنا نشأنا مع وعي حاد بهويتنا، لقد ذهبتُ إلى مظاهرات نظمها فلسطينيون وقبارصة؛ احتجاجًا على حروب إسرائيل المتكررة على الفلسطينيين، ارتديتُ وشاحًا أبيض وأسود "كوفية" من فلسطين، وحضرتُ العروض التي قدمها الفنانون الفلسطينيون الزائرين، واستمعتُ إلى موسيقانا، ورسمتُ علمنا على كتب مدرستي، وفي الصف التاسع وفي حدث متعدد الثقافات في مدرستي في نيقوسيا ارتديت بفخر اللباس الفلسطيني التقليدي.

في المنزل، تربيت أنا وأخي على ثقافتنا، طعامنا ولغتنا، وأصر أبي على دروس اللغة العربية لنا. جاء العديد من أقاربنا في الجليل للزيارة. وعلى الرغم من ذلك، كانت الصورة قوية في عقولنا بالانتماء إلى مكان آخر من حياتنا في الخارج؛ كونها فترة مؤقتة حتى نتمكن من العودة إلى الديار، ولكن عودتنا لم تكن ممكنة أبدًا، حتى تم توقيع اتفاقات أوسلو في 13 ايلول/سبتمبر1993.

اتفاقيات أوسلو
كان عمري آنذاك 20 عامًا، وكنت أدرس علوم الكمبيوتر في جامعة لانكستر في إنكلترا، وفي زيارة لي إلى قبرص، وجدتُ نفسي جالسة مع عائلتي نشاهد مراسم التوقيع في صدمة، واعتبرتُ المصافحة التاريخية بين ياسر عرفات واسحاق رابين بداية عهد جديد من السلام والمصالحة، وكانت عائلتي -مثل غيرها- تشعر بسعادة غامرة، واعتقدتُ أنّ السلام سيسود وسنعود إلى ديارنا!

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1994، بعد مرور عام على توقيع الاتفاقات، وفي منعطفات لم نتخيلها أبدًا، استقل والدي طائرة وعاد إلى الوطن بعد 24 عامًا في المنفى، وبعد ذلك بأسبوعين انضممنا إلى أول عيد ميلاد لنا في الجليل.

كنيسة قرية فسوطة بالجليل شمال فلسطين (الجزيرة)


الجليل
كانت عودتنا إلى الوطن مؤلمة، ومرصعة بالمرح، وساحرة، فعند وصولنا قُوبلنا بالدموع والعواطف الشديدة، ورُحب بوالدي في فسوطة بـ "سهجية"، وهي رقصة شعبية فلسطينية، وقضى ثلاثة أيام يستقبل العديد من الزوار من القرية وخارجها، عودتنا لم تكن أقل من معجزة، ولكن أمّنا كانت في عداد المفقودين، وكانت قد غادرت قبل 25 عامًا ولم تعد أبدًا.

عندما كنت أتجول في القرية، شعرتُ أنني أعود إلى خطاها؛ فهنا كان المنزل الذي كانت تعيش فيه، وهناك الخزانة الخشبية التي كانت تعلق ملابسها فيها، كانت تلك هي عائلتها، والناس الذين نشأت معهم؛ وجدتُ رسائلها إلى جدتي، التي كتبت فيها بفخر عنا وعن درجاتنا الممتازة في المدرسة، وحثتها على الحصول على جواز سفر حتى يتمكنوا من ترتيب لقاءهم في قبرص -وكان ذلك بعد 13 عامًا منذ انفصالهم- وكان مما كتبته والدتي: "أنا أخشى أنني قد لا أراكِ مرة أخرى".

كنتُ عازمة على العودة بأسرع ما يمكن؛ لأكون في نفس المكان الذي كانت به والدتي، وعلى أي حال، فإن منظمة التحرير الفلسطينية كانت تنقل جميع مؤسساتها، وفي حزيران/يونيو 1995، انتقلنا بشكل نهائي من قبرص إلى فسوطة.

عودتنا كانت ضمن حالة صغيرة خاصة بنا، وعلى الرغم من الاتفاقات التي سمحت بعودة نحو 4000 من أفراد منظمة التحرير الفلسطينية إلى الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أنه لم يسمح إلا لعدد قليل جدًا من الفلسطينيين المنفيين بالعودة إلى مدنهم وقراهم داخل إسرائيل، ويقدر الحد الأقصى بأقل من 10، لقد كان العدد صغيرًا جدًا لدرجة أنني لا أعرف أي شخص عاد كما عدنا.

ولكن بالنسبة لي، فلم تكن العودة أكثر غرابة، فقد ولدت فلسطينية، وحملت أمتعة والديّ إبان نفيهما، وشهدت أهوال الحرب على لبنان، وخسرت والدتي، ثم أصبحت بين عشية وضحاها مواطنة إسرائيلية، واحدة من 1.7 مليون فلسطيني يعيشون داخل إسرائيل، يحاولون العيش في المجتمع الذي ألحق بي وبهم كل هذا. كما استقر الغبار على بلدي في بداية العودة إلى الوطن، وقعت في صراع طويل واضطرابات شديدة، وفصام اجتماعي كما لم يحدث معي من قبل.

إنّ اندماجي في ثقافتي "العربية الإسرائيلية" كان محفوفًا بالصعوبات أيضًا، فلم أتمكن من العثور على أي شخص يمكن أن يفهمني ويرتبط بي، فالناس في عمري كبروا في هذا الواقع ولم يعرفوا شيئًا آخر، وقد استغرق الأمر سنوات عديدة لتشكيل الصورة الحقيقية لمحنتنا.

واليوم، وبعد 70 عامًا من تأسيس إسرائيل، ورغم كوننا مواطنين في هذه الدولة، إلا أن مواطنتنا أبعد ما تكون عن المساواة، صحيح أنه يمكننا التصويت، ولدينا إمكانية الوصول إلى التعليم والعمالة والرعاية الصحية والاستحقاقات الاجتماعية، ونخلو من الاحتلال الإسرائيلي ونقاط التفتيش العسكرية وغارات الجيش، وعنف المستوطنين اليهود الذي يتعرض له إخواننا في الضفة الغربية وغزة؛ ومع ذلك فإن تحت هذه الواجهة نظام معقد من التمييز في كل جانب من جوانب حياتنا.

ففي إسرائيل، ينظر إلى الفلسطينيين ويعاملون على أنهم جزء أدنى غير مرغوب فيه؛ وعليه فإن حقوقنا تتعرض للإساءة، ولا تزال السياسات العنصرية والقوانين ضد حقوقنا آخذة في الازدياد، وأيضًا يمكنهم العمل ولكن عددًا كبيرًا منهم يحصلون على وظائف أقلَّ أجرًا من اليهود الإسرائيليين، وهم غير مرحب بهم في الأحياء اليهودية، ويحظر عليهم العيش أو العمل في العديد من المجتمعات اليهودية، ولا يمكنهم الحصول على نفس القدر من القروض للتعليم والسكن؛ ومن الناحية القانونية، فإنهم يظلون عرضة للاعتقال الإداري العشوائي الذي يمكن أن يستمر لسنوات دون محاكمة.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو أن الإسرائيليين والفلسطينيين يعيشون حياة منفصلة، مع أدنى مستويات التفاعل بينهم، إلا أن الإحباط مسيطر على الفلسطينيين بسبب العنف والعدوان الإسرائيلي ضد إخوتهم في الضفة الغربية وغزة والبلدان المجاورة، بالإضافة إلى تحديات الحياة اليومية في الدولة، والتي تؤدي إلى اندلاع اشتباكات مع المؤسسة الإسرائيلية، مما يجعل من الواضح أن البلاد أبعد من أن تكون مساوية لجميع مواطنيها، فلم تتغير الأمور كثيرا منذ أن كتب والدي كتابه المقلق قبل 50 عامًا.

شعرتُ بكل هذا من خلال التفاعل مع اليهود الإسرائيليين في مكان العمل، وفي الشوارع، وفي مراكز التسوق، وفي المكاتب الحكومية؛ ففي السنوات الثمانية التي عشتها في فسوطة وعملت خلالها في شركات التكنولوجيا الإسرائيلية القريبة، لا أتذكر أبدًا أنني كنت سعيدة أو حرة.

إنّ لدى إسرائيل شعورًا واسعًا وشائعًا بالاضطهاد والعنصرية لسكانها العرب؛ نحن العدو، "الطابور الخامس"، "تهديد ديمغرافي" إلى "تطهير الدولة اليهودية."

لم أستطع التعامل مع هذه المفاهيم العنصرية، ولا مع الحياة اليومية في البلاد، وفي العام 2001، قضيت بضعة أشهر في اسكتلندا لإنهاء دراسة ماجستير في إدارة الأعمال، ثم عدت إلى إسرائيل، وعملت لمدة سنة أخرى، ثم في العام 2003، تركت كل شيء وهاجرت إلى كندا.

فداء جريس في ساحة المنارة في مدينة رام الله (الجزيرة)


الشتات
مرة أخرى، كنت بعيدة عن وطني، إلا أن هذه المرة كانت باختياري، لقد استقريت في كيتشنر، أونتاريو، وأخذت بعض الوقت لكي أدرك أنني لن أكون في سلام في كندا؛ فلقد حملت بيتي داخل قلبي، وتصارعت داخليًا مع سعادتي في كلا المكانين، وفي العام 2009، وبعد ست سنوات من التحرك، ذهبت في زيارة إلى الوطن، وقررت أخيرًا الانتقال إلى رام الله في الضفة الغربية، وأظنه كان قرارًا سليمًا، فلقد كان لي هناك أصدقاء، وقد شعرت بالارتياح والسعادة خلال زياراتي، كانت المدينة تشبه فلسطين والسيادة الفلسطينية، ومعها مئات الفلسطينيين الآخرين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية الذين انتقلوا إلى هناك، شعرت أنني في وطني، وأنني بعيدةً كل البعد عن قمع الحياة في إسرائيل.

الضفة الغربية
سرعان ما أدركتُ أن الحياة في الضفة الغربية هي جانب من الحياة نفسها، إلا أن الواقع هنا كان أكثر وضوحًا، وهو ما لم يعرفه سوى عدد قليل من الفلسطينيين في إسرائيل، حيث العدوان الإسرائيلي والسيطرة على حياة الفلسطينيين، والجدار الفاصل، والقيود الشديدة على حركة الناس، ونقاط التفتيش بين جميع المدن الفلسطينية، والجيش الإسرائيلي وعنف المستوطنين اليهود، والسرقة الإسرائيلية للموارد الفلسطينية مثل الأرض والمياه، والتشريد القسري للفلسطينيين من ديارهم، ودورة لا نهاية لها من العنف والاعتقالات، وسَجنُ أعداد كبيرة من السكان.

وقد أدت اتفاقية أوسلو، بعد 20 عامًا، إلى أن يعيش الفلسطينيون في ترتيبات تشبه البانتوستان على أراضيهم، التي تمزقها المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، وأكثر من نصف مليون مستوطن يهودي، جعل من المستحيل تحقيق دولة فلسطينية قابلة للحياة، بالإضافة إلى تقييد اقتصادنا بشدة من خلال فرض القيود على الحركة والتجارة، مع عيشنا في الغالب على تمويل الجهات المانحة من الدول العربية والغربية.

اليوم، أشعر كما يشعر معظم الفلسطينيين الآخرين بأنني محاصرة من قبل إسرائيل في كل منعطف؛ وأن تجربتي في العيش في الجليل وفي رام الله جعلتني أرى الصورة الأكبر، وهي صورة قاتمة من العنصرية والعنف، مع أمل ضئيل في العيش في سلام في أي مكان في وطننا؛ إنّ فقدان والدتي ومعاناة أسرتي والتنقل المستمر وانعدام الأمن هي نتائج مباشرة لإنشاء إسرائيل، والحقيقة الكئيبة للحياة بالنسبة للفلسطينيين داخلها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/20-

يافا ليست المنزل فقط

يافا ليست المنزل فقط

الاسم: محمد الحمامي.
مكان السكن الحالي: مخيم النصيرات للاجئين- غزة.
مكان الولادة: مدينة غزة- الأراضي الفلسطينية المحتلة، 1993.
الأصل من: يافا.

يحمل محمد شهادة البكالوريوس في السياسة العامة والحكومة من الولايات المتحدة، وهو يُعلّم حالياً اللغة الإنجليزية في غزة.

عندما كنت صغيراً كان جدي يخبرني عن منزله القديم في يافا، حديقته، وبستان البرتقال والزيتون أيضاً. كان يعيد تذكر فلسطين قبل النكبة مع ابتسامة قاسية. كنت دائماً أدعو أنه سيحصل على فرصة للعودة إلى بيته، لكنه مات دون تحقيق حلمه!

قبل وفاته علمني درسه الأكثر قيمة: أن يافا ليس فقط منزله، بل هي أيضا ملكه. ومع تقدمي في السن، كنت أؤمن بأنني عندما أفتقد المنزل أود أن أتذكر يافا وقصص جدي لمنزلنا هناك، ولكن هذا ليس هو الحال.

كنت أبلغ من 15 عاماً عندما غادرت غزة للمرة الأولى، وذهبت إلى الولايات المتحدة كطالب تبادل. كان الحنين المنزلي موضوعاً رئيساً من التجرِبة. عندما شعرت بالحنين لم تكن قصص جدي التي تذكرتها ولا الصور التي خلقها لي من بيتنا في يافا. ما تذكرتُه هو مخيم اللاجئين وشوارعها الضيقة، ومنازلها المكدسة فوق بعضها.

تذكرت عائلتي، والذكريات التي كانت لي معهم داخل منزلنا الصغير. تذكرت طعام والدتي، ورائحة وطعم طبخها. تذكرت تجربتي الخاصة كطفل، وليس جدي.

فماذا تعني فلسطين بالنسبة لي؟ هل يافا وقصص جدي وآمالها وأحلامها؟ أم مخيم اللاجئين مع الابتسامات والدموع التي يسببها؟ أن تكون وسيلة فلسطينية وأن تكون عالقة ميؤوساً منها بين هاتين الروايتين.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/20-

الروح لا تموت أبدا

الروح لا تموت أبدا

الاسم: مفاز يوسف.
المكان الحالي للإقامة: نيودلهي- الهند.
مكان الولادة: ميسوري- الولايات المتحدة الأمريكية، 1990.
الأصل : قرية الحليقات- قطاع غزة.

في سن مبكرة جداً كنت أنضم إلى جدتي في رحلة من خلال ذكرياتها. في خيالنا سوف نسافر إلى أرضها المفقودة، للأرض الهدوء، والروحانية، والاستفادة من الفرح من الأجواء، والضغط.

تركت جدتي وراءها علامة قوية في عقولنا؛ شعرنا بالبهجة عندما كنا نتصور اللعب بين أشجار الزيتون والبرتقال من أرض عائلتها، ونحن لم نفقد الأمل في أننا ليوم ما سنستصلح تلك الحديقة.

كانت جدتي تقول لي إنه بينما توقِّفنا إسرائيل عن العودة فعلياً إلى أرضنا، فإنها لا تستطيع السيطرة على ذكرياتنا، كانت مُحقة! يمكنني زيارة فلسطين في أفكاري كلما أردت، أمشي على أرضنا، أصلي في القدس، وألمس الأرض، وأشعر بها تحت قدمي، جدران منزل جدتي تتكلم معي، وأنا أزور قبر أختي الراحلة.

تزوجت شقيقتي "شيراز" في الخليل في الضفة الغربية قبل الانتفاضة الثانية، وكان يوم زواجها هو أيضاً اليوم الذي فصلنا. لقد رأيناها مرة واحدة فقط في 17 عاماً. لم يسمح لشيراز بزيارة قطاع غزة، ولم يسمح لنا بزيارتها في الخليل. حتى عند الموت رفض الإسرائيليون إعطاء والدتي تصريحاً لحضور جنازة ابنتها، بينما ذهبت جدتي وشقيقتي. كثيراً ما كنت أسمع نفوسهم مشجعة لي: "مفاز، يا عزيزتي، لا تتخلَّي"، كما يقولون: "حافظي على القتال من أجل حقوقك".

عندما كنت أفتقد جدتي، أود أن أشم اللباس التقليدي الفلسطيني الذي تركته وراءها، وأتمنى أن أرتديه يوماً واحداً للصلاة في المسجد الأقصى في القدس. مرة، قبل وفاتها، أمرتني جدتي أن أفعل لها ذلك إذا كانت ستموت قبل العودة إلى أرضنا. وقالت: "إذا كان لديك في أي وقت مضى فرصة للزيارة، جلب بعض الرمال من فلسطين، ونشرها على قبري، سأكون سعيدة لرائحة ذلك"، ضحكت: "لكنكِ سوف تكونين في قبرك، كيف ستشمين رائحة ذلك؟!" سألت فأجابت بهدوء: "مفاز، الروح لا تموت أبداً، أحبّي".

كان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ديفيد بن غوريون قد قال في وقت سابق: "إن القديسين سيموتون، وسوف ينسى الشباب"، يتوقع أن تتخلى أجيال فلسطينية في المستقبل عن حقوقهم غير القابلة للتصرف. تبين أنه من الخطأ، وحلمه لا يزال غيرَ محقق.

قد يموت شيوخنا، ولكن ليس من دون تمرير حبّ ذكريات بيوتهم وأراضيهم في فلسطين لأطفالهم وأطفال أطفالهم. نحن نكبر مع الاعتقاد بأن يوماً ما سنعيش في منازل أسلافنا، وأننا يحق لنا حق العودة إلى أرضنا التي يحتلها الآن المستعمرون، هذا الحق يعني كل شيء بالنسبة لنا.

جدتي قالت لي مرة أن رغبتها الوحيدة في الحياة كانت لتقبيل الرمال من وطنها مرة أخيرة، وقالت: "إذا متّ أريد أن أُدفن فيها"، وما زلتُ أرى كفاحنا من خلال عيون جدتي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/20-

العودة حق يترسخ

محمد المختار الخليل
مدير تحرير الجزيرة نت

 

منذ 69 عاما على نكبة فلسطين، وخمسين عاما على نكستها، يحيي الفلسطينيون ذكرى المحطتان الأكثر أهمية في مسار القضية، ليس للعويل واجترار وجع الهزيمة، ولكن للتأكيد على فكرة واحدة. التمسك بحق العودة إلى الوطن المغتصب.

في كثير من قضايا الاستعمار الإحلالي كما وقع في الولايات المتحدة بحق الهنود الحمر، أو الأبوريجنيز في أستراليا، كان مرور الزمن عاملا فاعلا في طمس القضية ودفنها في غياهب النسيان، ولم يبق من تلك القضايا سوى فلكور استعراضي يقدم للترويج السياحي والفرجة والتسلية.

أما في القضية الفلسطينية، فإن عامل الزمن يعمل بقوة في إبقاء شعلة القضية متقدة ونورها أكثر إشعاعا وتأثيرا في وعي الأجيال الصاعدة، كما في إدراك شعوب العالم لحقيقة القضية، التي تلاعب بها الإعلام الغربي لعقود طويلة.

في الشتات الفلسطيني، ومنافي أقصى الأرض، ينشأ الجيل الثالث أو الرابع من أسر حملت مفتاح البيت وذكريات الأرض إلى مخيمات اللجوء أو دول الغربة، وتبدي الأجيال الجديدة تعلقا بالوطن والعودة له، ربما أكثر من اللاجئين الأوائل.

كثير من الفلسطينيين الصغار في المهاجر لم يروا فلسطين إلا عبر الفضائيات أو الشاشات الصغيرة، لكن توريث قصة الوطن وتفاصيل الحياة فيها، وبرامج الإلحاح على حق العودة في كل عام، يلهب في القلوب الشوق للوطن البعيد.

للمؤسسات التي تقوم أساسا على فكرة حق العودة دور فاعل في خلق هذا الشغف والإصرار على هذا الموقف، مثل مركز العودة الفلسطيني، الذي نجح مؤخرا في اعتماده كعضو استشاري في الأمم المتحدة. وغيره من المؤسسات الإقليمية والمحلية المعنية بالحق الفلسطيني.

حق العودة، واحد من أهم ملفات القضية الفلسطينية وأعقدها، وعليه يدور كثير من الصراع السياسي، ومن أجله يجري تغيير الوقائع على الأرض، باعتبار أن الإنسان قبل الأرض والمكان هو جوهر القضية.

لذلك، خصصنا هذا العدد من مجلة الجزيرة، بالتعاون مع الزملاء في موقع الجزيرة نت الإنجليزي، لتوثيق روايات جديدة عن مأساة النكبة والنكسة، وتشريد أصحاب الأرض، ولتسجيل تجارب وأحلام فلسطينيين عاشوا ويعيشون مرارة البعد عن الوطن، وتطلعهم لحق العودة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/20-

محيط يهتم بقصتي وقضيتي

محيط يهتم بقصتي وقضيتي

الاسم: هند أبو رمضان.
المكان الحالي للإقامة: برشلونة- إسبانيا.
مكان الولادة: مدينة غزة، 1992.
الأصل: مدينة غزة.

لقد كانت تلك أفضل وأسوأ الأوقات، حيث يعيشون في غزة في ظل الاحتلال الإسرائيلي.

كان هذا هو الأفضل عندما كنت أعرف كل شيء، وكان أسوأ مرة كنت أتعرض لأنواع الحياة الأخرى، كما هو الحال في إسبانيا، حيث أعيش حالياً وأعمل. كان هناك شعور لأول مرة بطعم الحياة الحلوة، الحلوة من الحرية، وكنت معترفة بالذنب ليشهدوا ما يمكن أن تكون الحياة مثل أماكن أخرى، كما هي بلدي التي لا تزال تعاني.

كان لي طفولة بسيطة وسعيدة جداً في غزة، محاطة بدفء العائلة والأصدقاء، لكنها كانت مليئة الصعود والهبوط. أتذكر أنني كنت دائماً متعطشة لرؤية العالم، أو حتى تلبية مواطني الدول المجاورة لنا. ومع ذلك فإن الحصار كان أبعد من الحد، وهكذا أنا راضية عن نفسي مع مشاهدة البرامج التلفزيونية الدولية، والاستماع إلى الموسيقى من أعلى المحطات، ولكن حتى هذا توقف بسبب نقص الطاقة اليومية.

لحسن الحظ أن نضالات الحياة اليومية في غزة وضعتني بموقف عنيد، وكنت عازمة على مواصلة التعليم والمهنة في الخارج، وهو حلم جاء أخيراً بعد أن حصلت على درجة الماجستير، وبدأت حياة مهنية هنا في إسبانيا. كان من الرائع أن نرى أخيراً أن الشعب الأجنبي الذي أعيش فيه الآن يشاطرني حرصي -إن لم يكن أكثر- على معرفة المزيد عن الجانب الآخر من العالم: "فلسطين".

شعرت بقبول كبير هنا في إسبانيا، على الرغم من أنه كان قليلاً مثيراً للقلق في البداية. عندما كنت أتقدم بطلبٍ للحصول على تصريح إقامة طالبة، أدركت أن فلسطين لم تكن في قائمة الطلبات. كنت أعرف أنني في المكان الصحيح، على الرغم من أن شكواي كان ينظر فيها، وفلسطين أضيفت أخيراً إلى القائمة، واحدة من أسعد لحظات حياتي أستطيع أن أتذكرها.

وأنا أنظر إلى الوراء على كل شيء أشعر أنني محظوظة وشخص متميز؛ لقد تمكنت من التجول، وزيارة أماكن خارج حدود بلدي، ومن المفارقات أنني رأيت أماكن أكثر بكثير مما سبق لي أن رأيتها داخل بلدي نفسه. وأنا ممتنة اليوم على قدرتي على تجربة حالة سفر مثالية، حيث لم يكن هناك تدقيق على نقاط التفتيش، أو العملة، والصلاة لجعله وراء الحدود المغلقة. وأنا أيضاً ممتنة للعيش في بيئة سلمية، حيث يمكنني أن أشعر بالأمان، وقيادة حياة خالية من الإجهاد، على الأقل في الوقت الحاضر. هذا هو أكثر من أي وقت مضى كنت فيه حرة.

وأخيراً إنني محظوظة بأن أكون محاطة بأمة متفائلة وحيوية، مهتمة حقاً بقصتي وخلفيتي وبلدي. وعلى الرغم من كل الاختلافات بين واقعي فإنني ما زلت أشعر بصلة بين شعب إسبانيا وشعب بلدي؛ كلاهما متفائل وممتع. خطتي هي مواصلة إثراء تجربتي في الخارج والاستفادة منها إلى أن أعود إلى بيتي، وأستخدم كل خبراتي الإيجابية لإحداث تغيير اجتماعي واقتصادي في فلسطين.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/20-

حياتي "قبل فلسطين" و"بعد فلسطين"

حياتي "قبل فلسطين" و"بعد فلسطين"

الاسم: ماريلا قواس.
المكان الحالي للإقامة: تيغوسيغالبا- هندوراس.
مكان الولادة: هندوراس.
الأصل: بيت لحم.

بصفتي فلسطينية في الشتات، كنت أحلم دائماً بالذهاب إلى فلسطين. قصص جدتي التي كانت تقولها لي عن مسقط رأسها "بيت لحم" لا تزال عالقة جداً في ذاكرتي.

عندما أُتيحت لي أخيراً الفرصة للذهاب، شعرت بوجود اتصال فوري مع فلسطين ككل وشعور بالانتماء. ومع ذلك كان الذهاب إلى بيت لحم الجزء الأكثر جمالاً من رحلتي بفضل لطف الناس، والطريقة التي جعلوني أشعر بها كأنني كنت في المنزل.

لقد كبرتُ كاثوليكيةً، ولكن في وقت زيارتي كنت أواجه مشاكل مع معتقداتي. أتذكر -على الرغم من ذلك- عندما دخلت كنيسة المهد، كنت في رهبة؛ شعرت مثل هذا السحر، وبدأت على الفور بالبكاء. المسيح -وهو فلسطيني- هنا.

كما مشيت في قاعات وأنفاق الكنيسة، أخذت كل شيء أريده، وأنا أتنفس كل شيء، بدأ شيء يتغير بداخلي، شعرت كما لو أن حياتي ستقسم: "قبل فلسطين" و"بعد فلسطين"، وفعلت ذلك. لم تقتصر رحلتي على استعادة إيماني بالدين، بل جعلتني أدرك أنني فلسطينية.

كنت دائماً أقدم نفسي كهندوراسية ذات أصول فلسطينية. أنا الآن أقدم نفسي كفلسطينية هندوراسية.
بالنسبة لي "فلسطين" في كلمة: "هوية".

وهذا يعني أنه بغض النظر عن مكان وجودك، ستكون لديك دائماً على مقربة من قلبك. سوف تكون دائماً فلسطينياً. في فلسطين رأيت اللطف، والتفكير، والدفء، والحب الحقيقي لأرضنا. أشعر بأنني أتمنى إذا أتيحت لي الفرصة لزيارة بلدي، جعلني المؤمنون مخلصة، أقوى أن أقول "أنا فلسطينية".

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/20-

والدي زرع فلسطين في وعيّ

والدي زرع فلسطين في وعيّ

الاسم: نادية أبو شنب.
مكان الإقامة الحالي: ويلينغتون- أوتاروا- نيوزيلندا.
مكان الولادة: ليدز- المملكة المتحدة، 1989.
الأصل: الشويخ- الخليل.

لقد نشأت حياة أبي من الأرض الفلسطينية، حرفياً: ولدت جدتي في كهف خلال الحصاد السنوي لأرض عائلتنا شمال شرق الخليل في الضفة الغربية.

بعد حوالي 58 عاماً أعيش مع والدي في أوتاروا في نيوزيلندا. على بعد حوالي 15000 كيلومتر عائلتنا تكافح بلا كلل ضد عنف المستوطنين، والوصول إلى الأرض التي ولد فيها والدي، والتي كانت الأجيال السابقة من عائلتنا مستدامة.

على الرغم من المسافة، الأرض التي جاء والدي منها تتدفق بعروقه. وكشخص بالغ، انضم إلى الملايين من الآخرين في المنفى. في كل ركن من أركان العالم لا تزال أجيال من الفلسطينيين غير المولودين فعلياً على الأرض ترتفع كأطفال. أما في الشتات فإن الآباء هم التربة التي تغذي انتشار النضال الفلسطيني وتطلعاته.

كان أجدادي فلاحين فلسطينيين، وكانوا على معرفة كاملة بكيفية زراعة الأرض، لكنهم لم يلتحقوا بالمدارس الرسمية؛ فكانوا أميين. والدي في الوقت نفسه نشأ ليصبح فيزيائياً. حصل على الجوائز والأوسمة على تعاليمه غير العادية في العلم، لكنه قال لي في حفل زفافي أن الأبوة كانت أفخر عمل بحياته، الأبوة تدرس أيضاً.

كان والدي أول مدرس لي، وخصص 27 عاماً لنسج فَهمى لفلسطين جنباً إلى جنب مع العديد من فروع هويتنا الثقافية: الشعر، والفولكلور، والسياسة، والغذاء، والأدب، والفكاهة والإحباط، والأمل.

في كشفه عن فلسطين قال لي إنه بدوره كشف لي التناقضات من عالمنا الجميل، ولكن الظالم. قال لي: على مر التاريخ ألقى المعتدون الأقوياءُ اللومَ على ضحاياهم لقمعهم. من سن مبكرة كنت على دراية بوحشية العنصرية، نزعِ الإنسانية والعسكرية. بشكل عكسي علمت أن التضامن والمقاومة هما مضادا تسمُّمٍ ضرورية. كانت الأخبار التلفزيونية في منزلنا مصحوبة دائماً بتعليق جري، مع إدانة الإمبراطوريين بحماس أو الهتاف على حركات التحرير.

مع عمله في حياته، غرَسَ فيَّ الانتماء لفلسطين والالتزام بالكفاح ضد القمع في كل مكان، وهو التزام يكرم والديه، والتزام من شأنه أن يورَّث من خلالي لأطفالي. هذا هو ما يعنيه الفلسطينيون بالنسبة لي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/20-

حين تكون فلسطين وطنا لا حلما

حين تكون فلسطين وطنا لا حلما

الاسم: يعقوب الأطرش
مكان الإقامة الحالي: سياتل، الولايات المتحدة الأميركية.
مكان الولادة: بيت ساحور، ضواحي بيت لحم، 1990م.
الأصل: بيت ساحور، شرقي مدينة بيت لحم.

الفلسطينيون الذين يعيشون في فلسطين قد يحظون برؤية أقل رومانسية لوطنهم. وبالنسبة لهم، فلسطين هي الواقع الذي يعيشون فيه يوميًا، بدلًا من المكان الخيالي الذي لم يتحقق والذي حلم به الكثيرون، أو سمعوا عنه من أجدادهم، ولكن بعد أن نشأت في الضفة الغربية المحتلة، لم تعد فلسطين وطنًا رومانسيًا، أو حلمًا بالنسبة لي، بل أصبحت بيتي الحقيقي.

إنه المكان الذي يعيش فيه والدي، وفيه تقوم والدتي بعمل مقلوبة مذهلة، ولدي فيه أصدقاء وذكريات من الطفولة، وفيه واجهت الواقع السياسي للمنطقة بجميع أشكاله، من نقاط التفتيش والمستوطنات اليهودية إلى الانتفاضة الثانية وحصار كنيسة المهد في بيت لحم.

في رأيي، هذا هو الفارق الرئيس بين ما يعنيه أن تنشأ كفلسطيني داخل فلسطين، وأن تكون فلسطينيًا في الشتات؛ إنّ تصور المكان مختلف جدًا.

لقد لعبت هويتي المسيحية أيضًا دورًا هامًا في تنشئتي، وهي تؤثر على شخصيتي إلى اليوم، وهذا هو السبب في أنني أتحدث دائمًا عن مسقط رأسي، بيت ساحور، وهي واحدة من المدن القليلة جدًا التي تُركت في فلسطين بأغلبية مسيحية.

وهكذا، فإن مسقط رأسي هو انعكاس قوي لحقيقة مفادها، أنه وعلى الرغم من قلة أعدادنا إلا أنّ هناك أقليات ناجحة في فلسطين، بل هي أيضًا وسيلة لطيفة تُظهر للعالم أن التعايش ممكن حقًا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/20-

الغربة داخل حدود الوطن

الغربة داخل حدود الوطن

الاسم: يوسف الجمل.
مكان الإقامة الحالي: ساكاريا- تركيا.
مكان الولادة: مدينة غزة- الأراضي الفلسطينية المحتلة، 1989.
الأصل: قرية عكر- مشارف الرملة.

لقد كان لدولة فلسطين دائماً معنىً مجازيّ بالنسبة لي.

بينما ترعرعت في مخيم للاجئين في قطاع غزة، تختفي فلسطين وراء الجدران ونقاط التفتيش. لقد كانت فلسطين تعني دائماً قرية "عقير" التي أُجبر أجدادي على تركها في عام 1948. إنه مكان لم تطأه أقدامي أبداً؛ وذلك بفضل العديد من نقاط التفتيش والعبور الإسرائيلية التي جعلت التنقل بين المدن والقرى الفلسطينية مهمة مستحيلة خاصة للشباب الفلسطيني.

وكانت آخر مرة أتمكن فيها من التنقل بين غزة والمدن الفلسطينية في الضفة الغربية قبل حوالي 17 عاماً، عندما كانت والدتي تأخذني إلى الضفة الغربية في الصيف لزيارة عائلتها.

وسوف تعيق نقاط التفتيش التي تسيطر عليها إسرائيل فيما بعد علاقة والدتي بأسرتها في الضفة الغربية، حيث وُلدتُ وترعرعت لمدة 12 عاماً تقريباً، ولكنها تحتاج الآن إلى تصريح للزيارة.

وقد قسمت نقاط التفتيش المنطقتين، كما أنها تمكنت من الحصول على الرعاية الطبية - وهو حق يتمتع به الناس في جميع أنحاء العالم - وهي مهمة أخرى مستحيلة بالنسبة لأختي. وقد ألغت إسرائيل تصريحها في عام 2007 بإجراء عملية جراحية بسيطة في القدس، بعد أن وصفتها بأنها تهديد أمني. وبدون علاج، تسببت إسرائيل في وفاتها في سن 26 عاماً فقط.

في عام 2014، في حين كانت غزة تعيش من خلال مذبحة إسرائيلية أخرى، شاهدت بلا حول ولا قوة الأردن. كنت هناك في زيارة عائلية، بعد أن نجحت في تحدي نظام نقاط التفتيش في إسرائيل للتعرف على أقاربهم في الضفة الغربية للمرة الأولى منذ حوالي 12 عاماً.

أحضرت ابن عمي إلى الحدود الفلسطينية الأردنية وهو في طريق عودته إلى بيت لحم في الضفة الغربية؛ وفي الوقت نفسه حدقت في جبال فلسطين التي ظهرت في الأفق، حيث تلقيت الأنباء التي تفيد بأن صديقي أيمن شكر قد قُتل جراء القصف الإسرائيلي في غزة، لقد مُنعت من توديعه وداعاً نهائياً من قبل نقطة تفتيش أخرى تقف في طريقي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/20-

وأخيرا عانقني وطني

وأخيرا عانقني وطني
الاسم: يوسف رابح.
مكان الإقامة الحالي: عين الحلوة- لبنان.
مكان الولادة: طرابلس- ليبيا، 1990.
الأصل: قرية الحسينية- أطراف صفد.

"لاجئ": هذا هو الاسم الأول الذي مُنح لي، حتى قبل أن أُولد. والدي وأمي كلاهما من اللاجئين الفلسطينيين، وهذا هو السبب في أنني محكوم عليّ أن أكون لاجئاً أيضاً.

عائلتي من قرية الحسينية بالقرب من صفد، شمال فلسطين التاريخية، لكني ولدت ولا أزال أعيش في مخيم عين الحلوة للاجئين في جنوب لبنان.

تماماً مثل كل فلسطيني آخر، أحلم بالعودة إلى وطني "فلسطين". من خلال العودة سنصبح بشر كاملين مرة أخرى، فقط هناك ستوحد أجسادنا ونفوسنا ويُكمل بعضُها البعض الآخر، شيء آخر: الناس في هذا العالم غالباً ما تأخذ أمراً مفروغاً منه.

ولدت في مخيم للاجئين، وهو موقع -على الرغم من إزالته من فلسطين جغرافياً- سوف أعتبره دائماً جزءاً لا يتجزأ من وطني. وفي الوقت نفسه تمثل مخيمات اللاجئين تعزية لجميع خيبات الأمل والمحاولات الفاشلة التي بذلناها للعودة إلى ديارنا.

لقد كانت فلسطين دائماً هدفنا وحلمنا. فلسطين مثل أمي؛ دائماً تحتضنني عندما أشعر بخيبة أمل أو هزيمة. أرى فلسطين أمامي مع كل خطوة أقوم بها في مخيم اللاجئين. كل شيء هناك يذكرني بفلسطين، والشعور بالأمل الذي وصفه الكاتب الفلسطيني الكبير غسان كنفاني عندما قال: "لديك هدف في هذه الحياة، بعده".

على الرغم من الصعوبات، والاضطهاد، والظلم، والعنصرية، وخيبة الأمل التي نعيشها هناك، ومخيمات اللاجئين هي الشواهد الرئيسة على حقنا في العودة، ويذكروننا دائماً بهذا الحق. لا يسعني إلا أن أتذكر فلسطين وأنا أتجول في شوارع المخيم، من حي القدس إلى حي الصفوري، الصفصاف، رأس الأحمر، الزيب وطبريا التي سميت جميعاً باسم المدن والبلدات التاريخية فلسطين.

 

الشاب الفلسطيني يوسف رابح بجانب جدار الفصل العنصري الإسرائيلي (الجزيرة)

هذه هي الطريقة التي نعيش بها، متعلقة دائماً بوطننا. جدي وجدتي دائماً يخبرانِنا قصصاً عن فلسطين، عن طفولتهم، حول أنهم كيف كانوا يعيشون في سعادة، وكيف كانت الحياة أفضل بكثير من اليوم، ويتحدثون عن كيفية تغير كل شيء عندما جاء هؤلاء الأوباش، وحوّلوا حياتنا رأساً على عقب، وسرقوا أرضنا، وأجبرونا على الخروج من بيوتنا، وقتلوا الكثير من شبابنا الذين ضحَّوا بحياتهم من أجل فلسطين، ومن أجل الفلسطينيين، الآلاف والآلاف من القصص.

انضم والدي إلى الثورة الفلسطينية عندما كان مراهقاً، وتحدث دائماً عن أهمية نضالهم، وعن كيفية قيام كل فلسطيني وحر عربي في هذا العالم بالقتال من أجل الدفاع عن القضية الفلسطينية. لقد أثارت إجاباته على أسئلتي التي لا حصر لها وعيي بقضيتنا، وتعمق إيماني القوي بأنني -كإنسان- لدي حقوق، ويجب أن أقاتل بشراسة لاستعادتها.

والدتي التي عملت دائماً على دعم والدي، تجعلني أكثر تصميماً عندما تقول: "أولئك الذين لا يفعلون الخير لوطنهم لا يفعلون أي شيء جيد لأي شخص آخر!".

في عام 2012 أصبحت أخيراً متكاملاً، وتم جمع شمل جسدي وروحي لبضعة أيام، أخيراً ذهبت إلى فلسطين. في هذه الأيام القليلة لم أكن "لاجئاً" وقتها، وكانت كلاهما أسعد وأتعس أيام حياتي.
مشيت في شوارع رام الله ونابلس وبيت لحم وجنين مع كثير من الثقة؛ لأنني شعرت أخيراً أنني لست غريباً. لقد عانقني وطني، واعتذرت عن كوني بعيداً عنه لفترة طويلة.

لست قادراً على وصف كم كانت تلك الأيام جميلة. شعرت بالهواء على وجهي ورائحة الماء. رأيت السماء، والأرض، والشعب، والجدران، والشمس، والقمر، والمطر، والطقس البارد. كل شيء بدا مختلفاً، ولكنه مألوف؛ لأن هذا هو المكان الذي أنا منه. أود أن ابتسم، أضحك، أفكر في كوني كيف كنت محظوظاً، ولكن بعد ذلك كنت أبكي عندما تذكرت أنني حرمت من وطني، وأنني سأعود قريباً إلى كلمة "لاجئ" مرة أخرى.

على الرغم من كوني ابناً لهذه الأرض، إلا أنني لم أستطع زيارة فلسطين، في حين أن الآخرين يستمتعون بوطني الثمين كل يوم.

لكنني وعدت فلسطين الحبيبة أنه في يوم ما، مهما بلغت في المستقبل، سأعود، لأن على الأرض ما يستحق الحياة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/20-

في سياتل.. ما زلت فلسطين

في سياتل.. ما زلت فلسطين

الاسم: زريفة بارود.
المكان الحالي للإقامة: سياتل- الولايات المتحدة الأميركية.
مكان الولادة: سياتل- الولايات المتحدة الأميركية، 1998.
الأصل: مدينة غزة.

جذوري هي مثل الذاكرة البعيدة؛ حقيقية جداً يمكن تصورها، ولكن لا أستطيع أن أذكر كل تفاصيلها المعقدة.

ومع ذلك تبقى في نفسي وفي صميم كينونتي. بعد كل شيء ولدت معهم، ولدت في النضال الفلسطيني، وأنا ولدت مع عيني اللوز وجلد الزيتون، أو ولدت مع عائلتي "بارود".

جذوري تطارد مثل صوت والدي كما تحدث عن جدتي "زريفة". يمكنني تذوق سجائر جدي محمد، ورائحة الدخان من مسدسه، ومياه الورد في الشاي.

جذوري عميقة، أعمق بكثير من أشجار الزيتون في رام الله، وأقوى بكثير من الجدران التي تستهلك حالياً وطننا، لا تخطئ دمي، على الرغم من انفصاله جسدياً عن فلسطين من جيل واحد، لا يزال يمر في شوارع غزة. يدي خشنة من رمي الحجارة، والمعصمان مسلوخان من أغلال الفصل العنصري.

السياق التاريخي لهويتي ذاتها هو نفس السياق الذي يدفعني إلى الشوارع في إظهار التضامن مع بلدي الأسود "لاتينكس" والمسلمين الإخوة والأخوات. إنه نفس التضامن الذي يجلب الدموع إلى عيني عندما أسمع آيات الشاعر الفلسطيني محمود درويش، أو أسمع كلمات مالكولم العاشر.

التفكير في المنزل ورائحة خبز بيتنا الذي يجري إعداده قبل الفجر، وسماع "الله أكبر" مردّداً من خلال الشوارع المتربة من مخيم النصيرات للاجئين في غزة، حيث ولد والدي وترعرع، الشمس هي مجرد بداية لتأخذ مظهرها.

أحجاري هي كلماتي، الحجارة هي صوتي، الحجارة هي قبضاتي التي أثيرت في الهواء ضد الشرطة القاتلة والوحشية في الولايات المتحدة -الذين يتم تدريبهم من قبل الجنود القاتلين من إسرائيل- وضد نفس بناة الجدار وبناء العنصرية، والحدود التي صنعها الإنسان في فلسطين وأمريكا اللاتينية.

أنا لست الشتات، أنا البارود، أنا الحجارة. أنا أشجار الزيتون ذات الجذور العميقة، مثلها لا يمكن اقتلاعي، ما زلت فلسطين.

السابق

السابق

التالي

السابق

-17/20-

الحنين لهوية مستقلة

الحنين لهوية مستقلة

الاسم: زينة بسيسو.
مكان الإقامة الحالي: دبي- الإمارات العربية المتحدة.
مكان الولادة: جدة- المملكة العربية السعودية، 1991.
الأصل: مدينة غزة.

أصلي فلسطينية، هذه هي الطريقة التي غالباً ما تصف نفسي. أنا فخورة بالتأكيد بتراث بلدي، ولكن ليس بالطريقة الوطنية الأكثر شيوعاً. بدلاً من ذلك -بالنسبة لي- كوني فلسطينية يعني أنني ولدت وترعرعت وانتقلت عبر عدد من البلدان، وهي عملية واضحة لا محالة ومجسدة ما أنت عليه.

إن هويتي الفلسطينية تتأثر بالحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن التحرك -في كثير من الأحيان- يمكن أن يحول الشعور بالولاء أو الانضمام إلى ثقافة واحدة إلى مفهوم مجرد وغير قابل للتحقيق. أن تصبح مجزّأً، وغير قادر على تجميع نفسك معاً، وغير قادر على تلبية حنين لهوية مستقلة راسخة بقوة.

من الصعب قبول أنه يمكن أن يكون لديك الهوية الفريدة الخاصة بك غير المرتبطة مع العلم أو مجموعة محددة من القواعد، ولكن بمجرد قبول جميع شظاياي، أصبحت الحقيقة مجموعة من وجهات النظر المتشابكة. لقد بنيت نظرة أكثر عمقاً على الحياة وأسئلتها التي وجهت نفسها إلى هويتي كالمصير والإنسان، وقبل كل شيء آخر.

ومع ذلك، عندما أستمع إلى قصص أبي وأعمامي حول الشاطئ في غزة، منازل العمات، ومجتمعهم المتشابك، أبدأ بالشعور بالإحساس بالتعاسة والخوف في قلبي. إنه الشوق، ومجموعة أسئلة لا تنتهي أبداً من "ماذا لو؟" ظاهرات على وجهي.

ماذا لو ظل منزل عائلتنا كما كان؟ ماذا لو كان أبناء عمتي؟ ونشأت في نفس الشارع؟ بدلاً من منتصف الطريق في جميع أنحاء العالم من بعضها البعض، هل سنكون أقرب؟ هل سنبقى قريبين؟ ونحن نتكلم دائماً عن حق العودة، ولكن هل نعود حقاً؟

لعلنا نتشبث بما لا يمكن أن نحصل عليه من مجرد الحرمان. ثم مرة أخرى سلبنا حقنا الأساسي في أن نكون مشتاقين لأمور أخرى. عندما يتحدث آخرون عن جمال مسقط رأسهم يمكننا أن نتكلم فقط عن الأرض الأجنبية التي -من الامتنان والظروف- ما زلنا ندعوها بالوطن.

السابق

السابق

التالي

السابق

-18/20-

اللجوء حياة وليس مجرد قضية

اللجوء حياة وليس مجرد قضية

الاسم: سلمى رشدان.
المكان الحالي للإقامة: برج الشمالي- لبنان.
مكان الإقامة: دمشق- سوريا، 1993.
الأصل: لوبيا- طبريا.

كوني فلسطينية غالباً ما يعني العيش من خلال واقع غير عادي وغير منطقي، وهو الذي يفرض علينا. هذا هو السبب في أنني سوف أختار بدء قصتي لا من البداية، ولكن من النهاية.

إن مخيمات اللاجئين -كشابة فلسطينية- تمثل شيئاً شخصياً بالنسبة لي، وليس مجرد اهتمام عام.
أنا على استعداد لتقديم كل شيء لكي أرى حياة اللاجئين أسهل. لقد كنت متسامحة ولا زالت، أواجه عدداً كبيراً من الصعوبات في مجتمع غير مستقر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وقد حاولت تحدي القواعد والقيود من أجل تحقيق الاستقرار في هذا المجتمع.

أنا لا أملك أي وضع قانوني في لبنان، موقعي الأخير لاجئة، وأنا على حد سواء اعتبرت وسجلت كمشردة. أرى نفسي كفلسطينية لها الحق في العودة إلى الوطن "فلسطين" التي كنت مرتبطة روحياً وعقلياً وجسدياً بها، دائما أتذكرها، لكنني دائماً قلقة بشأن ما سيحدث، أو أين سأذهب بعد ذلك؟ مع العلم أن لبنان بالتأكيد ليس وجهتي الأخيرة.

عائلتي هي في الأصل من قرية لوبيا بالقرب من طبريا في شمال فلسطين، لكني ولدت وترعرعت في مخيم اليرموك للاجئين في "دمشق" العاصمة السورية. كان المخيم أول نقطة عزَّزت فيها علاقتي بفلسطين، وقضيت 19 عاماً قبل أن نُضطر إلى الفرار من الحرب السورية في عام 2012. دمرت الحرب 19 عاماً من الذكريات الجميلة والأحلام الكبيرة.

وأنا أعلم أنه قد يبدو غريباً، ولكن مخيم اليرموك للاجئين لا يعني شيئاً بالنسبة لي. إن هويتي الشخصية لا تحددها المواقع الجغرافية، كل ما يهمني هو حقوق الشعب الفلسطيني أينما كانوا. وبهذا المعنى فإن مصير نصف مليون لاجئ في اليرموك -التشرد والخسارة التي عانوا منها- أكثر من إحساسي بالخسارة الشخصية.

هربنا في نهاية المطاف إلى لبنان، وجئت إلى مخيم برج الشمالي للاجئين في الجزء الجنوبي من البلاد. هنا أصبحت أحلامي أكثر صعوبة لمتابعتها. إن وجود لاجئ في لبنان أشد مما هو عليه في سوريا؛ أشعر بمزيد من الظلم ضد اللاجئين هنا، لكن علاقتي بهويتي الفلسطينية قد تعمقت.

أنا عاملة اجتماعية، وأعمل كمنسقة مشاريع تعليمية في منظمة المعونة الأميركية للشرق الأدنى (أنيرا)، وهي منظمة غير ربحية، وهي منظمة إنسانية في الظاهر. أنا أيضاً عضو في شبكة الشباب الفلسطيني في لبنان، عضو في جمعية ديارونا، التي تشجع التطوع الشبابي، ومراسلة مع مجلة القلم راساس، التي تركز على الحياة في مخيمات اللاجئين.

ويستخدم بعض اللاجئين الفلسطينيين خبراتهم كسلاح لمحاربة نزوحهم وعدوهم. الحرب اليوم هي حرب الوجود، بعد كل شيء: "أن تكون أو لا تكون". وهذا ما يدفعني للقتال من أجل أي مجتمع فلسطيني "مؤقت"، ومساعدة المجتمعات المحلية على مواجهة التحديات حتى يتحقق حق العودة إلى فلسطين.

وبصفتي لاجئة فلسطينية أترك الكثير من الذكريات وراء كل مرة أترك فيها مكاناً، لكني لم أفقد قط -ولن أفقد أبداً- هويتي الفلسطينية أو إيماني التام بالقضية الفلسطينية؛ إنها قضيتي وسبب كل فلسطيني في هذا العالم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-19/20-

من الغضب إلى الفخر

من الغضب إلى الفخر

سماء أبو شرار

 

9أكتوبر/تشرين الأول 1981، بدأ كأي يوم آخر. ولكن لفترة قصيرة لم أعلم أنه كان يوماً من شأنه أن يطاردني لبقية حياتي.

وقد اجتمعت عائلتي في غرفة التلفزيون في شقتنا في كورنيش المزرعة في العاصمة اللبنانية بيروت، وتوقعت بشغف عودة والدي من رحلته إلى إيطاليا. جميعنا ركضنا نحو الباب الأمامي بمجرد سماعنا لجرس الباب، وتوقعنا عند فتح الباب أن نعثر عليه هناك. لكن محمود، وهو سائق والدي الحبيب وحارسه الشخصي، كان يوجد على الباب وحده، وشيء ما يبدو عليه. كان شاحب وفي حالة ذهول، أشبه بالروبوت الذي كان مهمة لإنجازها، ولكن لم يعرف كيف.

"أين هو بابا(أبي)؟" سألنا جميعنا. قال محمود شيئاً. سألنا مرة أخرى، ولكن كل ما حصلنا عليه كان الصمت.

وفي المرة الثانية، شعرنا بأن شيئاً فظيعاً قد حدث. بدأنا بالصراخ بينما نكرر نفس السؤال. بدا محمود وكأنه محاصر، اشتد صراخانا وأسئلتنا، وقال انه لا يمكن أن نأخذ بعين الاعتبار أي شيء الآن. ومشى في المنزل، ومن ثم أمسك صورة والدي، المعلقة على جدار الممر، وضربه على رأسه.

لكن الكابوس أصبح واقعنا. منذ تلك اللحظة، لم يعد والدي، ماجد، معنا.

وبعد ستة وثلاثين عاماً، لا يزال بإمكاني أن أتذكر الكثير من التفاصيل المؤلمة لهذا اليوم.

الذكريات المؤلمة الأخرى التي بقيت معي منذ ذلك اليوم المشؤوم، والأكثر صعوبة قد يكون يعرف أن علاقتي الصعبة مع فلسطين بدأت في 9 أكتوبر 1981.

لقد كرهت فلسطين وأي شيء كان له علاقة بها. وعلى عكس الجميع الآخرين الذين اتهموا إسرائيل باغتيال والدي، حملت فلسطين مسؤولية مقتله. الأرض التي كنت فخورة جداً أنني أنتمي إليها فجأة أصبحت عدوي. سرقت والدي الوحيد الذي كان قد غادر، بعد أن فقدت والدتي قبل بضع سنوات.

لقد كرهت فلسطين وكرهت والدي أيضاً. كنت غاضبة جداً من أجل حرماني أنا وأشقائي من الحياة التي بدأنا في إعادة بنائها. كل ما يقال عنه بأنه "شهيد للقضية الفلسطينية" لم تكن الأمور أفضل. من الآن فصاعداً، لم يعد اسمي سماء أبو شرار؛ لقد أصبحت ابنة الشهيد ماجد ابو شرار.

كان لقب أستاء منه. ولكن مع الوقت، تعلمت أن أعتز به.

 

الشابة الفلسطينية سماء أبو شرار تتابع إعلان عن فعاليات فلسطينية (الجزيرة)

أول لقاء مع الحرب
رحيل والدي المفاجئ دمر تماماً حياتي. اضطررت لفهم الكثير في وقت قليل جداً. ولكن كما لو لم يكن هذا كافيا، بدأ الغزو الإسرائيلي للبنان في أقل من عام بعد اغتياله.

لقد غيرتني الحرب. جعلتني أكثر نضجاً. لقد شاهدت كل فظائعها مباشرة أثناء التطوع لمساعدة الفلسطينيين واللبنانيين المصابين في قبو مركز اللاهوت الذي تم تحويله بشكل سريع إلى مستشفى. أعطاني العمل في المركز الطبي الارتياح الذي كنت أتوق إليه. لم أكن عاجزة أو عديمة الجدوى.

لقد هربنا من لبنان مع اندلاع الحرب، وقبل أسابيع قليلة فقط من رحيل منظمة التحرير الفلسطينية الوشيك التي أجبرت على مغادرة البلاد لتونس.

ومع إغلاق المطار، لم يكن أمامنا خيار سوى مغادرة البلد عبر بيروت الشرقية. كان الطريق شيئا لم نحلم به أبداً، حتى في أيام أفضل، نظراً للموقف العدائي من الناس في ذلك الجزء من العاصمة نحو الفلسطينيين.

كانت رحلتنا إلى بيروت الشرقية سريالية، على أقل تقدير. رؤية الجنود الإسرائيليين الذين كانوا يتحدثون جنباً إلى جنب مع القوات اللبنانية في خط التماس - الخط الذي يفصل بين الشرق وغرب بيروت - والفتاة اللبنانية الشابة الجميلة في السيارات المكشوفة ترتدي قميص تقول "أنا أحب إسرائيل" هزتني إلى القلب. ماذا كنا نعيش خلال الشهر والنصف الأخير؟ كل ما كان لي أن أفكر في ذلك هو الناس الذين تركناهم وراءنا في بيروت الغربية.

مكان أستطيع أن أدعوه بالوطن
بعد أن نجحنا في مغادرة لبنان، قمنا أخيرًا بإعادة التوطين في عمان -العاصمة الأردنية- وحاولنا مرة أخرى بناء حياة جديدة، وهي ممارسة يتقنها الفلسطينيون مع مرور الوقت؛ وللحفاظ على عقلي، دفنت أيَّ أفكار عن والدي في الجزء الخلفي من ذهني وفي أعماق أعماق قلبي.

لسنوات عديدة، حاولت المضي قدمًا؛ لكن المصالحة مع فلسطين - ومن خلالها مع أبي- بدأت حقًا عندما غادرت الأردن لمتابعة دراستي في الخارج.

في كلٍّ من الولايات المتحدة وفرنسا، كنت -طوعًا أو كرهًا- مُعيَّنة من قبل أصدقائي بصفتي "سفيرة فلسطينية في الخارج"، وقد أصبح اسمي مرادفًا لفلسطين لكل شخص عرفته، لقد أمضيت ساعات لا حصر لها في إجراء محادثات عن فلسطين، وعرض القضية الفلسطينية على محيطي الخارجي؛ لقد خسرت في بعضها، ولكن فزت في العديد منها، وفي كل مرة كنت أنجح فيها، أشعر بأنني أملك العالم.

مثل معظم الفلسطينيين، لمست حياتي العديد من الأحداث والأماكن المختلفة، لكنّ إحساسي بالانتماء إلى هذه الأماكن كان صعبًا دائمًا، ولم أستطع أبدًا أن أدَّعي حقًا أنني استمتعت برفاهية الانتماء؛ لقد شعرت أن الانتماء إلى أي مكان آخر يُعدُّ شكلًا من أشكال الخيانة للأرض التي نتوق إليها جميعًا وندعوها بالوطن.

الشابة الفلسطينية سماء أبو شرار (الجزيرة)


إعادة اكتشاف الهوية
ما زلت أغتنم كل فرصة -سواءً من خلال عملي كصحفية أو باحثة أو في حياتي الشخصية- للحديث عن فلسطين وشعبها الجميل، حتى عندما لم يكن ذلك سهلًا، وقد ثبت أن ذلك أصعب في بعض الأحيان في البلدان العربية، بما في ذلك لبنان.

عدت إلى بيروت مع مجموعة من الأصدقاء في أواخر التسعينيات، وكانت زيارتي الأولى منذ رحيلنا المفاجئ في العام 1982م، والذي تعهدت يومه بعدم العودة أبدًا.

في صيف عام 2001، ولأسباب شخصية بحتة، كسرت نذرًا لي وعدت إلى أرض الأرز اللبناني بشكل دائم، تزوجت رجلًا يدعى إبراهيم، وجنبًا إلى جنب، جلبنا ابنة جميلة اسميناها مينا، وفي هذا العالم أنا وإبراهيم ومينا وكريم ولين (طفلان لإبراهيم من زواج سابق) بنينا معًا أسرة غير تقليدية، وكان أفضل شخص يمكن أن أطلبه، ثم بدأت الأمور تسير في مسارها الصحيح.

بعد أكثر من عام من زواجي، أصبحت رسميًا مواطنة لبنانية، وفُتحت لي أبواب عادةً ما تكون مغلقة أمام الفلسطينيين؛ العودة إلى لبنان بعد كل هذه السنوات سمحت لي بإعادة اكتشاف هويتي الفلسطينية،

قضيت ساعات كثيرة استمع إلى شعوب مخيمات اللاجئين يتحدثون عن إخفاقاتهم وانتصاراتهم في بلد حُرموا فيه من بعض أبسط حقوقهم الإنسانية، ساعات أخبروني فيها عن إحباطاتهم من القوانين الجائرة التي ورثوها جيلًا بعد جيل في بلدهم المضيف.

لقد أوليتُ اهتمامًا حقيقيًا بالسرد الفلسطيني الغني في المخيمات، وأصبحتُ مقتنعة بشكل متزايد بالحاجة إلى نقلها إلى العالم الخارجي. غير أنني كنت مقتنعة أيضًا بأن أصوات اللاجئين بحاجة إلى أن ينقلها اللاجئون أنفسهم وليسوا مَنْ في الخارج، من الذين عززوا طوال هذه السنوات صورة كاذبة للفلسطينيين.

ماهي المشكلة الحقيقية
وجَّهتني المخيمات أيضًا نحو المصالحة مع نفسي، حول القضايا التي دفنتها في الأعماق لسنوات، وبإسداء المشورة من العائلة والأصدقاء، بدأت أرى حاجة حقيقية لإحياء إرث والدي واستخدام تعاليمه في خدمة الشعب الفلسطيني.

كان على ماجد أبو شرار، شأنه في ذلك شأن جميع الشهداء الفلسطينيين الآخرين، أن يتوقفوا عن كونهم مجرد ملصقات تلصق هنا وهناك على جدران مخيمات اللاجئين الفلسطينيين المختلفة، كان أبي ورفاقه بحاجة إلى العودة إلى الحياة من خلال أفكارهم وتعاليمهم، وكثيرًا ما قِيل لي: "في الوقت الذي يجد فيه الفلسطينيون أنفسهم في طريق مسدود، هناك حاجة ماسة إلى إرث وتعاليم ماجد وجميع الآخرين مثله".

وأخيرًا، وفي مايو 2014، أصبح الحلم الذي طال أمده حقيقة واقعة، فقد أسست مع أشقائي وبدعم من أصدقاءَ مخلصين، مؤسسة ماجد أبو شرار للإعلام في بيروت؛ لمواصلة إرث والدنا وعمله غير المكتمل، وتحديدًا في مجال الإعلام، حيث كان والدي مؤمنًا بقوة وسائل الإعلام.

تبنَّت وزارة الشؤون الاجتماعية والإدارية مهمةَ تمكين اللاجئين الفلسطينيين الشباب في المخيمات والمجتمعات الأخرى في جميع أنحاء لبنان من خلال التدريب الصحفي؛ لمنحهم القدرة على نقل قصصهم الخاصة وقصص مجتمعاتهم بطريقة مهنية.

أخبرني أحد الأصدقاء ذات مرة أنه ولكي أعيش حياة طبيعية، ولإيجاد السلام مع استشهاد والدي، فإنه يجب عليّ أن أرمي غضبي منه "في بحر الحب"، اليوم وبعد سنوات عديدة كان هذا ما فعلته، لقد دفعت كل الغضب تجاه والدي في هذا البحر من الحب مرة واحدة؛ توقفت عن كوني غاضبة منه، وشكرت الحياة الغنية التي عشتها ولا زلت أعيشها إلى اليوم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-20/20-

"مركز العودة الفلسطيني" جهد مؤسسي لخدمة القضية

"مركز العودة الفلسطيني" جهد مؤسسي لخدمة القضية

يستدعي الحديث عن اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة، الإشارة إلى إحدى المؤسسات الفلسطينية الناشطة في هذا المجال، وتلعب دورا ملحوظا في خدمة هذه القضية. وهي "مركز العودة الفلسطيني"، ومقره لندن، وتتركز أنشطته في توعية المجتمع الأوروبي والغربي بالعموم بحقيقة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبشكل أخص حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة لوطنهم.

ويؤكد المركز في أدبياته أن هويته فلسطينية عامة، ولا يتبع لأية جهة حزبية أو تنظيمية، مع تقديره لأية توجهات سياسية قد يحملها المشاركون في أنشطة المركز بصفة شخصية، وينصب جهده على المساهمة في تجميع الجهود الفلسطينية والعربية لدعم موضوع عودة الفلسطينيين إلى بلادهم وحقهم في تقرير مصيرهم.

ويذكر القائمون على مركز العودة أنه منظمة غير حكومية مسجلة في لندن، كرس عمله لإيجاد حل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وفقا للقانون الدولي والإنساني من خلال تنظيم المؤتمرات والفعاليات وإرسال الوفود، وإصدار المنشورات والعمل مع الفلسطينيين جنبا إلى جنب مع المسئولين الرسميين في الأمم المتحدة والمسئولين الحكوميين. ويضم الطاقم العامل في المركز بريطانيون وبريطانيون من أصل فلسطيني.


رئيس مركز العودة الفلسطيني ماجد الزير يتحدث في ندوة عن القضية الفلسطينية (الجزيرة)

العودة قضية القضايا
وورد في أدبيات المركز، أن هناك قناعة مشتركة لدى قطاعات عريضة من الرأي العام الفلسطيني والعربي وحتى العالمي بأن الاتفاقات الفلسطينية - الإسرائيلية قد تجاوزت حقوقا أساسية للشعب الفلسطيني. ومن أهم هذه الحقوق حق العودة وحق تقرير المصير، وحق عودة القدس إلى السيادة العربية وحق إقامة دولة فلسطينية تتمتع بكافة عناصر وشروط الدولة ذات السيادة، هذا فضلا عن الانتهاك الصارخ لكل تلك الحقوق بالإبقاء على المستوطنات الإسرائيلية كما هي.

وتجاوز هذه الموضوعات الأساسية يقوم على أساس النظرة الصهيونية الاستعلائية والرافضة للاعتراف بهذه الحقوق، ويعتبر التنظير الإسرائيلي موضوع حق عودة فلسطينيي الشتات الذين يتراوح عددهم بين أربعة إلى خمسة ملايين، بحسب التقديرات المختلفة، خطا أحمر لا يمكن أن تتجاوزه أية حكومة إسرائيلية يمينية كانت أم يسارية.

ولأن ملايين اللاجئين الفلسطينيين دفعوا الضريبة الأكبر والأفدح، حربا منذ عام 1948، وسلما منذ اتفاق أوسلو وما تلاه، فإن قضية المطالبة بعودتهم وبحصول الشعب الفلسطيني برمته على حقه في تقرير مصيره والنضال لأجل ذلك تكتسب أهمية خاصة في الظرف الحالي.

ويهدف المركز فيما يهدف إليه، إلى المساهمة في تفعيل قضية عودة فلسطينيي الشتات باعتبارها قضية سياسية أولا، وإنسانية ثانيا، وباعتبار أنها تشكل قاسما مشتركا عريضا يلتقي عليه الفلسطينيون أيا كانت توجهاتهم السياسية أو الأيديولوجية، سواء أكانوا مؤيدين لأوسلو أم معارضين لها.

ويقصد المركز بتفعيل قضية العودة القيام بحملات إعلامية ودعائية، والمشاركة في حشد الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي لممارسة الضغط على الأطراف المعنية، وخاصة إسرائيل والولايات المتحدة، لتطبق قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية الخاصة بعودة اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في تقرير مصيرهم.

زيارات لمسئولين أوروبيين إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ينظمها مركز العودة الفلسطيني (الجزيرة)

فعل مؤسسي
نجح مركز العودة بالحصول على صفة استشارية خاصة في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة والمسمى (ايكوسوك) بواسطة المنظمات غير الحكومية في يونيو/حزيران 2015، رغم حملة إسرائيل لحرمان المركز من هذه العضوية. ومنذ ذلك الوقت فإن المسئولين الإسرائيليين وبعض المنظمات التابعة لهم يؤلبون ممثلي الدول الأعضاء في ايكوسوك في الأمم المتحدة لإلغاء هذا القرار.

ويقول رئيس مركز العودة الفلسطيني ماجد الزير إن "انضمام المركز للأمم المتحدة قدم منصة ذات أهمية كبيرة للدفاع عن حق العودة وباقي الحقوق الفلسطينية من خلال المشاركة في مختلف فعاليات الأمم المتحدة، ومحاولة التأثير على سياسات بعض الدول فيما يتعلق بفلسطين، ومن شأن عضوية المركز تمكينه من جلب دعم سياسي على مستوى الدولة وإثارة القضايا الملحة والطارئة".

ومن القضايا التي طرحها المركز في مقرات الأمم المتحدة وعقد بشأنها فعاليات كان لها تأثير إيجابي، قضية تمويل وكالة الأونروا وتأثير تراجعه على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين. وأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا في ظل الحرب، وعقد ورشات عمل حول حق عودة اللاجئين، ومحاولات تهويد القدس من خلال هدم البيوت والاستيطان، إضافة إلى قضية الحصار على غزة، وحقوق الإنسان والوضع الإنساني في فلسطين المحتلة. وغيرها من القضايا المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

ويعد مؤتمر فلسطيني أوروبا، الذي يعقد سنويا في عواصم أوروبية مختلفة كل عام، من أبرز نشاطات المركز، وقد عقد حتى الآن 15 مؤتمرا يجتمع فيها آلاف الفلسطينيين من كل أوروبا لمناقشة قضايا فلسطيني أوروبا والتأكيد على حق العودة لفلسطينيي الشتات.

كما ينظم المركز زيارات لوفود سياسية وبرلمانية أوروبية إلى المنطقة العربية لمقابلة مسئولين حول القضية الفلسطينية وزيارة مخيمات اللاجئين للاطلاع على حقيقة أوضاعهم ومدى معاناتهم الإنسانية، وهو ما ينعكس إيجابا على قناعات أعضاء الوفود حول القضية الفلسطينية وحق العودة.

السابق

السابق

التالي

السابق

التعليقات