الجزيرة نت - دكار

حين تحلق بك الطائرة فوق مطار سينغور الدولي يواجهك "تمثال الألفية" منتصبا فوق تلة يحدق في المحيط، وتتراءى لك دكار مجموعة من المقاطع والمربعات محاطة بشكل شبه كامل بالبحر، تمد ذراعاها كأنما تريد أن تسبح لتتمدد أكثر داخله أو تتخلص من حصاره.

تخرج من المطار فتتلقفك دكار وأهلها، يحيط بك الباعة وأصحاب الخدمات، كل يعرض ما لديه، فتغرق في بحر من العروض، وفي أولى خطواتك خارج بوابة المطار يستقبلك المصلى ملاصقا لمحل بيع الخمور، كأنما تريد هذه المدينة لفت انتباهك إلى إحدى ثنائياتها العديدة ومتناقضاتها الكثيرة.

بين المدينة والمطار يأخذك طريق الكورنيش على شاطئ المحيط الأطلسي، فيريك من دكار معالمها الحديثة حيث تمثال الألفية والأحياء الراقية الحالمة، وحيث تنتشر أماكن الترفيه والرياضة على الشاطئ، الذي يستقطب سكان دكار ويستهوي الشباب السنغالي المولع بممارسة الرياضة.

تمثال الألفية من الواجهة الأمامية في العاصمة السنغالية دكار (الجزيرة)


لكن هذا المشهد يخفي "دكارا" أخرى مختلفة تماما، فما إن تتجاوز نفق "سومبي جون" حتى تجد نفسك في مدينة أفريقية تعج بالحركة والألوان، يقبل سكانها على الحياة بشكل ملفت، فيمحو المشهد صورة دكار الكورنيش.

يلفت انتباهك وأنت تتوغل داخل المدينة ولع سكانها بالفن التشكيلي، فأرصفة الشوارع معارض مفتوحة للوحات ومنحوتات ذات مسحة أفريقية لا تخطئها العين، ولا يكاد يخلو حي من أحيائها من معرض أو مرسم أو ورشة نحت.

وفي قلب المدينة حيث دكار التلة (Dakar Plateau) وسوق "صانداقا" تتزاحم المشاهد، وتتداخل الأصوات، وتكشف دكار عن أسرارها وثنائياتها، تجد المسجد والكنيسة، والإمام والراهب، ويعرض عليك البائع المتجول السبحة المرصعة والسلسلة المذهبة التي يتدلى منها الصليب.

تنتشر المساجد بالمدينة وتتعدد الكنائس فيها، فتمتلئ المساجد أوقات الصلاة، وتجد الكنائس من يستمع لعظاتها وتراتيلها، دون أن يكون لذلك أي أثر على العلاقات بين السنغاليين البسطاء، بل ربما بين القادة الروحيين أنفسهم، فيعيش الزائر عالما من التنوع والتجانس.

وتبدو دكار في مشهدها العام مدينة أفريقية بمسحة أوروبية، فيها تلتقي آخر صيحات الموضة الباريسية بالثوب الأفريقي الفضفاض المزركش، وتحكمها ثنائية الدين والدنيا المجسدة في التمسك بالأصالة والانفتاح على الحداثة، والانتماء الصوفي والنظرة العلمانية.

آمادو بائع متجول في أسواق العاصمة السنغالية دكار (الجزيرة)


ثنائيات دكار -ومن ورائها السنغال عموما- تبدو كثيرة، لكن أكثرها لفتا للانتباه هذا التنوع المحكوم بالتجانس، وتلك المسحة الروحانية التي تصبغ سلوك المجتمع فتتسع مساحة التلاقي والتسامح داخل كل فرد فيه.

ويبدو الأمر طبيعيا في نظر السنغاليين الذين يعتبرون ذلك أحد مكامن القوة والثراء في بلدهم، ويرجعه رئيس رابطة الأئمة والدعاة أحمد دام أنجاي إلى ما يسميها "سعة الصدر واستيعاب الآخر التي هي إحدى مميزات الإسلام في السنغال".

ويضيف أنجاي في حديث للجزيرة نت أن "الإسلام في السنغال له حضور كبير في حياة الفرد والمجتمع، لكنه بالنسبة لغالبيتنا علاقة بين العبد وربه، والسنغال مجتمع يضم الكثير من المكونات، لكل منها خصوصياته الثقافية والدينية، وما يجمعها هو الانتماء للسنغال الوطن، لذلك فقد تجاوزوا ما يفرقهم وتمسكوا بما يجمعهم".

أما الشاب أمادو الذي يعمل بائعا متجولا فيقول إن "البضاعة لا علاقة لها بالمعتقد، فهي مجرد مواد أعرضها، ومن أجل الكسب يجب أن تتنوع بتنوع الزبائن، وأنا أبيع للسنغاليين وللأجانب الذين قد يكونون من غير المسلمين ويرغبون في اقتناء مصنوعات محلية تحمل رمزية دينية، وهذا لا يضرني في شيء".

المصدر : الجزيرة