آخر تحديث: 2017/5/8 الساعة 15:23 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/12 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/8 الساعة 15:23 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/12 هـ
-1/15-

متلازمة الثروة

 محمد المختار الخليل
مدير تحرير الجزيرة نت  

في الدول المستقرة سياسيا، وتديرها أنظمة حكم شفافة وديمقراطية، تعود الموارد الطبيعية والثروات بالخير على البلاد والعباد، وتنعكس قوة اقتصادية ورفاهية للشعب. أما في المجتمعات التي لا سلطة للشعب على أرضه فإن مثل هذه الثروات تنقلب نقمة على شعوبها.

العديد من دول العالم الثالث خضعت للاحتلال الأجنبي طمعا في ثرواتها الطبيعية، سواء باحتلال عسكري مباشر أو بخضوع سياسي لهيمنة الأجنبي القوي، وساهم تفرد السلطة السياسية بالقرار ومقدرات البلاد في حرمان الشعب من خيرات بلاده.

وفي أفريقيا -التي غرقت، ولا يزال الكثير من دولها، في دوامة الانقلابات العسكرية والحكم المستبد- نماذج عديدة لهذا النوع من الدول الخاضعة لاستعمار سياسي هو في حقيقته امتداد للاستعمار العسكري القديم، قبل استقلالها الشكلي.

ولعل من أكبر الثروات التي انقلبت نقمة على شعوب قارة أفريقيا اليورانيوم، الثروة التي ارتبطت به قوة دول "العالم الأول" عسكريا ومدنيا، ارتباطا عضويا. وبات أحد أكثر العوامل تأثيرا في صناعة الردع العسكري، أو توفير الطاقة النظيفة للمجتمعات المدنية، وهو ما خلق نوعا جديدا من الصراع بين القوى المهيمِنة على الشعوب الفقيرة.

اللافت أن هذه الثروة -التي تحكم مستقبل الدول الكبرى- لم تزد الشعوب البائسة إلا بؤسا وفقرا، وتصنف هذه الدول من بين الأكثر فقرا في العالم، مثل النيجر والكونغو. ولنا أن نتخيل حال هذه الدول لو حظيت بأنظمة حكم مشغولة بتنمية البلاد، ومتصالحة مع شعوبها.

ملف اليورانيوم في أفريقيا، وكيف بات نقمة على الدول التي اكتشف فيها، استحق أن نلفت النظر إليه، ونلقي بعض الضوء عليه بقراءة نماذج من تفاعلات هذه الثروة في هذه الدولة أو تلك، وعرض قصص من التاريخ القريب والحاضر، لتصور عمق الأزمة التي يخلفها الحكم المستبد في الدول الفاشلة، على اختلاف درجات الفشل وصوره.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/15-

اليورانيوم الأفريقي.. انقلاب النعمة

اليورانيوم الأفريقي.. انقلاب النعمة
رميساء خلابي - النيجر
 
اكتشف اليورانيوم في مناجم الذهب بأفريقيا الجنوبية، وبمناجم الراديوم في الكونغو الديمقراطية بداية القرن العشرين، لكن هذا العنصر الطبيعي حديث الاكتشاف ترك خاما ولم يستخرج إلى أن قارب القرن الماضي على الانتصاف، تحديدا بعيد الحرب العالمية الثانية التي انتصر فيها الحلفاء بقنبلة كان مصدرها اليورانيوم الأفريقي.

عندها فقط التقط صناع القرار الإشارة، وسارعوا إلى الحصول على اليورانيوم الذي أصبح مصدرا نفيسا في الصناعات النووية.

كان الاهتمام في البداية مرتبطا بالجانب العسكري، فبعدما نجحت أميركا في تحويل اليورانيوم إلى قنبلة نووية سريعا ما تحركت فرنسا هي الأخرى إلى مستعمراتها كالغابون ومدغشقر لتطوير برنامجها النووي، قبل أن تثبت أركانها في النيجر مطلع التسعينيات.

وازداد اهتمام العالم باليورانيوم الأفريقي -الوحيد المكتشف حتى ذاك الحين- في الحرب الباردة، حيث كان 20-50% منه -سواء لأغراض عسكرية أو مدنية- يصدر من مناجم أفريقيا.

تستغل القوى الكبرى مناجم اليورانيوم في النيجر في منطقة أرليت مقابل الفتات للدولة (رويترز)
 
التاريخ يعيد نفسه
وتصوب القوى الصاعدة الآن -مثل الصين وكوريا الجنوبية- أعينها على احتياطات اليورانيوم الأفريقي رغم ما تواجهه من هيمنة القوى الكبرى على المناجم القديمة، إذ تعتبر القوى الاستعمارية القديمة مستعمراتها تلك حقا مكتسبا وإن كان قلقها يزداد مع كل صداقة جديدة تجمع تلك المستعمرات بالقوى العالمية الصاعدة التي ترى في القارة السمراء هدفا إستراتيجيا استثنائيا.

فالدول المتنافسة على هذا المعدن تجد في القارة الأفريقية بيئة آمنة لتوقيع عقود سرية مع الأنظمة الحاكمة كما هو الحال مع العملاق الفرنسي "أريفا" الذي لم يكتشف توقيعه لاتفاقية احتكار يورانيوم النيجر مدة 75 سنة إلا سنة 2006 نتيجة الغضب الشعبي الذي عم البلاد عندما أخلت فرنسا باتفاقية وقعتها مع الرئيس مامادو طانجا بزيادة حصة بلاده من إنتاج اليورانيوم.

اتفاقيات اليوم امتداد لاتفاقيات الأمس، فالغابون مثلا كانت قد وعدت إيران بتصدير نحو خمسمئة طن من اليورانيوم قبل سنة من الإطاحة بحكم الشاه، وفي عهد عمر بونغو الذي وقع اتفاقات سرية مع شركة مناجم اليورانيوم (فرانسفيل)، هذا ناهيك عن أن نظام الأبارتايد -الذي أحكم قبضته على جنوب أفريقيا قرابة قرن- كان الصديق الحميم لإسرائيل، والمتعاون السري مع أنظمة منعت من ممارسة نشاطها النووي.

حراسات أمنية مشددة على مواقع التنقيب عن اليورانيوم في النيجر (رويترز)
 
حياة مهددة
ولم يرتبط ملف اليورانيوم بالوضع السياسي والاقتصادي فحسب، بل شمل الجانب الصحي للإنسان والحيوان على حد سواء، بالإضافة إلى الجانب البيئي.

ففي بحيرة مالاوي تضررت أطنان من الأسماك بسبب التسربات الإشعاعية بالمنطقة، بينما تحولت البحيرة إلى حوض للنفايات الإشعاعية، وفي شمال النيجر سجلت كثير من حالات الوفيات في صفوف عمال المناجم بسبب تعرضهم لمستويات مرتفعة من الإشعاع، أما المواشي التي كانت ترعى إلى وقت قريب في الأراضي الشاسعة قرب جبال آير فلاقت حتفها مع افتتاح منجم إمورارن بالمنطقة، والذي علق العمل فيه مطلع 2014، ليس بسبب إضراب العمال احتجاجا على وضعهم الصحي الكارثي بل لانخفاض أسعار اليورانيوم في السوق كما أعلنت الشركة المنتجة.

إن كل الانتقادات التي طالت أصحاب الشركات التي تمتلك مناجم اليورانيوم بعدما كشفت وثائق في ويكيليكس عن عدم احترامها قوانين العمال، حيث لا تقوم بأي احتياطات من أجل حمايتهم من خطر الإشعاع، لم تجد سوى إنكار من المسؤولين وتنصل صريح من المسؤولية، والأنكى من ذلك تواطؤ من قبل الأنظمة الحاكمة.

منجم ضخم للمعادن ومنها اليورانيوم في الكونغو الديمقراطية (رويترز)

تهريب
تقل المعلومات عندما يتعلق الأمر بالبحث عن اليورانيوم الأفريقي، جدول الدول التي تملك احتياطات مهمة منه مثلا قد لا يعطيك صورة واضحة عما يجري في الميدان، فكثير من المناجم المسجلة على أنها تعمل على استخراج معادن كالنحاس والحديد والكوبالت تصدر بشكل منتظم الأطنان من اليورانيوم إلى شركات معروفة بالعمل في قطاع الاتصالات أو اللوجستية أو أي قطاع آخر بعيد عن التعدين.

لكن يبقى مؤكدا أن دول أفريقيا تنتج نحو 18% من اليورانيوم في العالم، وتأتي في مقدمة هذه الدول النيجر التي تحتل المرتبة الأولى أفريقيا، وتعد المنتجة الرابعة عالميا، تليها ناميبيا المنتجة الثانية في أفريقيا، والخامسة على المستوى العالمي، ومؤكد أيضا أن القارة تمتلك احتياطات تصل إلى ثلث إجمالي احتياطات العالم من عنصر اليورانيوم.

هناك تنقيب متواصل من شركات عالمية لفتح مناجم جديدة في جميع أنحاء القارة، لكن ما يقف عقبة أمام الشركات الطموحة تلك المناجم القديمة قدم تاريخ اليورانيوم الأفريقي.
السابق

السابق

التالي

السابق

-3/15-

يورانيوم النيجر في قلب الانقلابات والسياسة

يورانيوم النيجر في قلب الانقلابات والسياسة
رميساء خلابي - النيجر

 

عندما ظن أبناء النيجر مطلع ستينيات القرن الماضي، أن بلدهم نال استقلاله أخيراً، وأن أراضيه الصحراوية الشاسعة في ملكيته التامة، كان لفرنسا خطط مبيتة نسفت أحلامهم قبل أن ترى النور.

لم تكن النيجر بلداً للنيجريين يوماً، ولم يستطع سكان الصحراء أن يطمئنوا على ماشيتهم عندما يخلدون إلى النوم، فقد عصفت بالبلد حديث الولادة ريح من الانقلابات المتسلسلة، كان أولها مع أول رئيس منتخب، وآخرها قبل ست سنوات.

فبعد الاستقلال، قام أول رئيس نيجري (حماني ديوري) بجملة من الإصلاحات، أملاً في الانتقال بالبلاد من حالة العزلة التي شهدتها طوال عقود الاحتلال الفرنسي، إلى انفتاح أكثر، وربما اكتفاء أكثر.

فعلى المستوى العالمي، كانت تداعيات أزمة النفط التي أعقبت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 في تزايد ملحوظ. وعلى المستوى المحلي، كانت فرنساً قد أعلنت بدء أشغالها في أول منجم مكتشف لليورانيوم شمالي النيجر، وهو منجم سومير (SOMAİR).

لم تتجاوز عائدات النيجر من اليورانيوم 150 مليون يورو، بالإضافة إلى مليون يورو على شكل ضرائب. لم ترض الحكومة بهذا العائد الزهيد الذي لا يتجاوز 5.5% فقط من اليورانيوم المنتج، فراح الرئيس ديوري يطالب الشركة بزيادة حصتها، خصوصاً أن البلد يعاني من مرحلة انتقالية صعبة.

ولم تقبل فرنسا -التي اكتشفت هذا المعدن الثمين في مستعمرتها القديمة- بمطلب ديوري، ورأت فيه مساساً مباشراً بمصالحها الاقتصادية في المنطقة. وفي العام 1974، دبرت أول انقلاب في البلاد وأطاحت بديوري، وأبعدته عن الحياة السياسية حتى وفاته. وقد عاش الرجل بقية حياته في منفاه بالمغرب حتى توفي عام 1989 في العاصمة المغربية الرباط. وتولى عسكريون بعد ذلك قيادة البلاد، تحت حكم الحزب الواحد.


تسعى فرنسا للحفاظ على استخراج اليورانيوم بأقل التكاليف ما أمكن (الجزيرة)

محاولة ثانية
بعد 24 عاما، وهي فترة كافية لينسى الشعب مرارة الإطاحة بأول رئيس يتحدث عن حق بلاده في اليورانيوم، تجرأ رئيس آخر على إعادة المحاولة، معولاً في ذلك على رغبة شركات منافسة لشركة أريفا الفرنسية في تقديم عروض أكثر تشجيعاً مقابل اليورانيوم.

وانتهج الرئيس السابق محمدو تانغا خطة استثنائية في تاريخ النيجر، فعقب انتخابه عام 1999 بدأ فتح أبواب التعاون الاقتصادي مع شركات صينية وإيرانية وكورية جنوبية وهندية، كما أعطى تراخيص التنقيب عن اليورانيوم والنفط لشركات كندية وهندية وصينية، وعيّن في سفارة بلاده بالعاصمة الصينية بكين ابنه عثمان تانغا، ليتولى المفاوضات السرية مع الشركات الصينية الراغبة في الاستثمار بالنيجر.

ولم تنته طموحات الرجل عند هذا الحد، بل قام عام 2010 بمطالبة شركة أريفا الفرنسية بزيادة حصة بلاده من عائدات اليورانيوم. وقد تم له ذلك، وإن على الورق، ليكون بذلك أول رئيس نيجري ينجح في إعادة التفاوض مع أريفا منذ استقلال البلاد.

لكن فرنسا، التي لم يهدأ لها جفن منذ أن تجاوز الرجل القواعد الكلاسيكية، وفتح أبواب النيجر أمام الصين، دبرت خطة محكمة لإنهاء حكمه.

بدأت في النيجر حالة من الاستياء الشعبي تلقي بظلالها على المستوى المحلي، فتانغا انتهج سياسة الإطاحة بالوصاية الفرنسية على بلاده، ولنجاح هذه السياسة قام بتغيير الدستور بما يمكنه من دورة رئاسية ثالثة، وهو ما أزعج المعارضة النيجرية.

دخلت فرنسا على خط الأزمة مستغلة الظرف السياسي المتوتر، وأطاحت بالرئيس تانغا في فبراير/شباط 2010 مستعينة بضباط الصف الثاني الذين لم تكن تربطهم مصالح قوية بالنظام، فقاد الانقلاب العسكري سالو جيبو، وتولى بعد ذلك رئاسة المجلس الأعلى لاستعادة الديمقراطية.

وبعد سنة، أي عام 2011، عاد الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، حيث تمكن المهندس والمدير التقني السابق في شركة أريفا والعضو في الحزب الاشتراكي الديمقراطي النيجري محمدو إيسوفو من تولي زمام الأمور، بعد مخاض سياسي وصفه البعض بأنه أكثر الانقلابات دهاء.

أعيدت الانتخابات الرئاسية في يونيو/حزيران 2016، وللمرة الثانية يفوز صديق الشركة القديم محمدو إيسوفو ليصبح رئيساً للبلاد إلى الآن.

ليس ببعيد عن منجم سومايير فتيات المنطقة سعيداتٌ رغم الفقر والحر والقمامة (الجزيرة)


امتعاض شعبي
لم يكن الامتعاض النيجري من الاستنزاف الفرنسي لثروات البلاد منحصراً في الطبقة الحاكمة، بل امتد إلى كافة مستويات المجتمع. لقد اندلعت في النيجر منذ عقود حركة عصيان مسلح سميت "حركة النيجر لأجل العدالة"، أعضاؤها طوارق بالأساس، واستهدفت عبر سلسلة من الاغتيالات، العاملين في الشركات الأجنبية، كما وقفت ضد كل الحكومات المتعاقبة التي لم تمكنهم من الاستفادة من عائدات اليورانيوم -فضلاً عن تعويضهم بسبب الخسائر المترتبة عن الإشعاعات في مناطقهم- الذي احتكرته الشركة الفرنسة أريفا لعقود طويلة، والذي تدار مناجمه في الشمال، موطنهم بالأساس.

وبعيداً عن المقاومة بالسلاح، بدأت احتجاجات الرأي العام النيجري تتصاعد منذ العام 2006 بشكل واضح، عقب إخلال شركة أريفا باتفاقها مع الرئيس المخلوع تانغا، الذي ينص على زيادة عائدات النيجر من اليورانيوم من 5.5% إلى 12%، حيث ينظم تحالف يضم 38 جمعية مناوئة لممارسات شركة أريفا؛ نشاطات منتظمة، منددا بالضرر الاقتصادي الذي تلحقه أريفا بمصالح شعب النيجر.

وحتى المناجم لم تسلم من الاحتجاجات، ففي العام 2012 شن عمال منجم "إمورارن" -الذي كان متو
قعاً بدء إنتاجه عام 2014 بمعدل 5000 طن من اليورانيوم لمدة 35 عاما، إلا أن أسعار اليورانيوم غير المشجعة حالت دون ذلك- إضرابا عن العمل يوم 25 أبريل/نيسان لمدة سبعة أيام ضد المعاملة غير الإنسانية لهم من قبل شركة أريفا، لكونها لا تحترم قوانين العمل الخاص بالنيجر.

ويذكر أن 54.66% من أسهم المنجم تمتلكها شركة أريفا، بينما تمتلك جمعية تراث مناجم النيجر (Sopamin) 35.33%، والشركة الكورية الجنوبية للطاقة الكهربائية (Kepko) 10%.

مساحات شاسعة تحيط بأول منجم لليورانيوم في النيجر سومايير (الجزيرة)

رأي آخر
يرى كثيرون أن انقلابات النيجر إرادة شعبية وليست صناعة فرنسية، وأن صفقات اليورانيوم والنفط التي عقدها الرئيس المخلوع تانغا، مانحاً كثيراً من الامتيازات لدول كالصين وإيران، بما يتعارض مع حسابات ومصالح فرنسا، لم تكن سوى صدفة زمنية.

يقول عضو الحزب الاشتراكي الديمقراطي فانداتو عثمان "إن الضربة لم توجه إلى الرئيس المخلوع وحده، بل هو عقاب علني على خياراته الإستراتيجية التي هدفت إلى إدخال البلاد في مسار مجهول العواقب". ويضيف "دفع تانغا ثمن تورطه في توسيع رقعة التعاون مع إيران والصين بإقصائه من الحكم".

كما يرى كثير من النشطاء أن صفقات اليورانيوم لم تكن سوى ذريعة لبقائه أطول مدة ممكنة في الحكم، ويقول الناشط الشعبي إبراهيم أنيسو "مع اقتراب انتهاء ولايته الثانية، تلاعب بالدستور ليتمكن من البقاء رئيساً للحكومة بقدر ما يشاء". ويضيف "لقد تجاهل مطالب الشعب لصالح مطالب حفنة من السياسيين الفاسدين المحيطين به، وأوهمهم بأنه الرجل الوحيد القادر على حمايتنا من التحكم الاقتصادي الفرنسي".

وكان الرئيس المخلوع محمدو تانغا قد عقد استفتاء شعبيا على بقائه في الحكم، رغم تعهده قبل توليه المنصب عام 1999 بعدم تمديد فترة بقائه في السلطة ومغادرة مقعد الحكم فور مدة رئاسته.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/15-

الكونغو الديمقراطية ممر اليورانيوم المهرب

الكونغو الديمقراطية ممر اليورانيوم المهرب
رميساء خلابي - النيجر
 
وسط عاصمة أكثر دول أفريقيا ثراء، يمتد سور على طول بضعة مئات من الأمتار، لا تعلوه أسلاك شائكة، ولا كاميرات مراقبة. يحسبه المرء سور بناية مهجورة، فعندما يحل الظلام، لا يمكن سوى للمزارعين الذين اعتادوا زراعة بعض النباتات المحلية جوار المبنى، أن يعرفوه. أما في الصباح، فلا عجب إن التقيت بمجموعة من طلبة جامعة كينشاسا، وهم يجتازون، عبر الثغرات الواسعة للسياج، ممرا مختصرا للوصول إلى أحيائهم السكنية البعيدة.

إنه مركز كينشاسا للبحوث النووية CREN-K، ويضم مفاعلين نوويين، ورغم عدم اشتغال أي منهما، فإن البحوث النووية ما زالت مستمرة فيه. ويخزن المركز 183 من قضبان الوقود النووي، و23 كيلوغراما من النفايات النووية، فضلا عن 15 كيلوغراما من اليورانيوم.

وكان السفير الأميركي السابق لدى جمهورية الكونغو الديمقراطية روجر ألين ميس قد أفاد في وثيقة سرية بتاريخ 8 سبتمبر/أيلول 2006 بأن "الأمن الخارجي والداخلي للمركز ضعيف ويجعله معرضا للسرقة".

وكانت وثيقة صادرة عن ويكيليكس في نفس السنة قد كشفت تورط شركات صينية وأوروبية وهندية وكورية جنوبية في عمليات تهريب اليورانيوم من أفريقيا. وجاءت الكونغو الديمقراطية ضمن القائمة، كما أشارت الوثيقة إلى دراية الدبلوماسيين الأميركيين العاملين في تلك الدول بتدني المعايير الأمنية في مناجم اليورانيوم ومراكز الأبحاث النووية.

قرب بناية المفاعل النووي غرين كي في كينشاسا بالكونغو الديمقراطية  (الجزيرة)

إقرار حكومي
أكثر من خمسين صندوقا صادرتها أجهزة أمن الدولة في جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال السنوات 1998-2004. كانت الصناديق تحتوي على اليورانيوم أو السيزيوم، في كل من العاصمة كينشاسا والمناطق المجاورة لها، وقد كانت آخر شحنة بُلِّغ عنها في مارس/آذار 2004، وقد احتوت على أكثر من مئة كيلوغرام من اليورانيوم.

لكن حجم الكارثة لم يقتصر كما يبدو على ما اعترفت به الجهات الرسمية في الحكومة. ففي عام 2004، ادعى فريق من الخبراء الذين زاروا عين المكان أن الوضع كان أكثر بكثير مما يقال. وكان الفريق قد طلب من جمهورية تنزانيا الاتحادية الحصول على معلومات تخص كافة نشاطات التهريب المتعلقة باليورانيوم.

ووفق الوثائق التي قدمتها الحكومة التنزانية، فقد كانت هناك أربع محاولات تهريب فقط خلال السنوات 1996-2005. وعن حجم الكميات المصادرة، فضلت الحكومة التنزانية عدم الإفصاح عن ذلك، ولكنها أكدت أن الشحنة الأخيرة -والتي تم إيقافها في أكتوبر/تشرين الأول 2005- كانت بلا شك من يورانيوم مدينة لوبومباشي، حيث وصلت الشاحنة الحاملة لها برا إلى دار السلام (عاصمة تنزانيا) مرورا بزامبيا.

 
أطفال كاتانغا يلعبون برواسب المعادن، حيث لا يوجد في قاموس الطفولة سوى لعبة، كانت حجراً طينياً أو حجر يورانيوم  (الجزيرة)

مناجم متورطة
على بعد تسعين ميلا شمال مدينة لوبومباشي في مقاطعة كاتانغا، يقع منجم الأسماء المتعددة (شينكولوبوي، كاسولو، تشينكولوبيو، شينكولوبوي). إنه مكان مهجور، كما تدعي الحكومة التي تقول إن نشاطه الصناعي متوقف منذ سنة 1961، وإنها وضعت بلاطات إسمنتية ضخمة فوق الجدران المحيطة به، خوفا من تسرب الإشعاعات العالية منه، أو ربما اتقاء شر المهربين.

ورغم صدور مرسوم رئاسي عام 2004 يحظر ممارسة جميع الأنشطة الحرفية بالمنجم، إلا أن كثيرا من رجال الشرطة الحدودية يعتقدون أن مواد مشعة تهرب بالتحايل عليهم، إذ يفتقرون لأجهزة المراقبة الفعالة التي تقوم برصد كل عينة في الحاويات ذات الأطنان الهائلة. فغالبا ما تعمل الأجهزة المتوفرة لديهم بشكل كلاسيكي.

فمثلا، تمر شاحنة تدعي أنها تحمل معادن أخرى كالنحاس والكوبالت، ولكنها في الوقت نفسه تضم كميات من صخور اليورانيوم الخام داخل نفس الحاويات، وفي هذه الحالة يصعب تمييز اليورانيوم عن بقية المعادن بواسطة أجهزة المراقبة التقليدية.

بضعة كيلومترات تفصل ساكني نهر الكونغو عن مناجم كاتانغا ليسوا على علم بالثروات المخبأة هناك (الجزيرة)

منجم آخر
على بعد أربعين كيلومترا غرب لوبومباشي، تدير شركة مناجم جنوب كاتانغا CMSK منجم لويزويشي للنحاس والكوبالت. ورغم عدم توفر أي بيانات أو أرقام حول إنتاجية المنجم لليورانيوم، فإن أصابع الاتهام تتجه إليه في كثير من حالات التهريب.

ففي برقية بتاريخ 11 يوليو/تموز 2007، أفاد السفير الأميركي لدى جمهورية الكونغو الديمقراطية أنه حصل على معلومات مؤكدة من مصادر مختلفة، تفيد أن شركة مالطا فورست العامة التابعة لمجموعة فورت الدولية -والتي تمتلك 60% من أسهم شركة مناجم جنوب كاتانغا وتعمل بالمنطقة منذ 1915- تستخرج وتصدر اليورانيوم من جمهورية الكونغو الديمقراطية بطرق غير قانونية.

وجاء في البرقية كيف أن شركة مالطا فورست تقوم بالتحايل على القانون مستعينة بمسؤولين حكوميين فاسدين. إذ تصدر الشركة صخورا تحتوي على عدة معادن، كان اليورانيوم الخام من ضمنها.

وتقوم الشركات الأجنبية التي تشتري تلك الصخور بتنقيتها لعزل باقي المعادن عن اليورانيوم الخالص. وبهذا تبدو الشركة المصدرة وكأنها قامت ببيع معادن أخرى كالكوبالت والنحاس المتوفر بكميات ضخمة في المنطقة.

ففي عام 2006، أبلغ المفوض العام للطاقة الذرية في كينشاسا البروفيسور لومو فورتونيت باديمبايي ماتو حاكم محافظة كاتانغا السابق مويس كوتومبي أن شركتين مجهولتي الهوية أبلغتا وكالة الطاقة الذرية أنهما حصلتا على طن من اليورانيوم من جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وقد نفت الكونغو الديموقراطية اجتياز أي شحنة يورانيوم حدودها، إلا أن مراقبين يعتقدون أن كوتومبي نفسه متورط في القضية. إذ يمتلك الرجل شركة مناجم كاتانغا MCK التي تأسست سنة 1997، والمتعاقدة مع كل شركات التعدين بالمنطقة، بما في ذلك الجمعية العامة للمحاجر والمناجم البلجيكية التي تشترك بنسبة 40% من أسهم شركة مناجم جنوب كاتانغا، وهي المتهم الرئيسي في عمليات تهريب اليورانيوم المبلغ عنها.

وكان البروفيسور ماتو قد أخبر كوتومبي أن لجنة الطاقة الذرية بالكونغو سترسل مجموعة من الخبراء لمراقبة نسبة الإشعاع في محافظة كاتانغا، وأنه سيكون مشرفا عليها.

وبعد سنة، تمت إقالة لومو من طرف سيلفانوس موشي بونان مدعيا تورط البروفيسور في عمليات التهريب، وأن حكومته قامت بتفكيك شبكة من المهربين مرتبطين بشركات بريطانية وجنوب أفريقية. وقد تم تعيينه وزيرا للبحث العلمي في نفس السنة.

الحفارون الصغار، أثناء تنقيبهم عن صخور معدنية في الجنوب الشرقي للكونغو الديموقراطية (الجزيرة)

تجار صغار
في سنة 2015، استقال كوتومبي من منصبه كحاكم لمحافظة كاتانغا، وبيعت شركته MCK مناجم كاتانغا إلى مجموعة نيكوترانس الفرنسية Necotrans المتخصصة في الخدمات اللوجستية الدولية.

لم يسمع أي خبر تهريب من المنطقة منذ ذلك التاريخ، لكن مراقبين يرون أن القضية لم تنته بعد. فإغلاق المناجم ليس نقطة النهاية، إذ ينتشر "الحفارون الحرفيون" كما يطلق على التجار الصغار في محافظة كاتانغا بشكل كبير.

ويزاول التجار الصغار عملهم غير القانوني في أماكن لا تبتعد كثيرا عن المناجم، وهناك بإمكانهم إسكات رجال الأمن بحصة منتظمة من الأرباح، كما يحكي أحد التجار "الجيش يعلم بكل شيء، نحن لا نربح الكثير كما هو الحال في المناجم، لكن بإمكاننا أن ندبر أمورنا إن عثرنا على زبائن جيدين".

فعلى طول الحزام الفاصل بين منجم شينكولوبوي مثلا ومدينتي ليكاسي وكوزويلي، تنتشر رواسب اليورانيوم والصخور المشعة، فضلا عن الكوبالت والنحاس، بكميات وفيرة. ونادرا ما يسمع في الإعلام المحلي عن إلقاء قبض على المهربين الصغار. فتلك المناطق تبقى بعيدة عن أعين الجيش -الحاكم عمليا لجمهورية الكونغو الديمقراطية- آمنة للباحثين عن لقمة عيش في أرض خصص حق استخراج ثرواتها للأجنبي فقط.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/15-

أفريقيا الوسطى.. مجازر وانقلابات لعيون اليورانيوم

أفريقيا الوسطى.. مجازر وانقلابات لعيون اليورانيوم
رميساء خلابي - النيجر
 
في شمال البلاد، حيث تمتد الصحاري وتقل الغابات، نشبت مواجهات مسلحة بين سكان البلد الواحد، قيل عن تلك المواجهات إنها الأكثر دموية في تاريخ أفريقيا الوسطى.

يقول سكان الشمال إنها ثورة شعبية تمتد بداياتها إلى سبعينيات القرن الماضي، وإنها كانت تجهض بقمع عسكري في كل مرة، أما سكان الجنوب فيدعون أنهم يطبقون القانون ضد المتمردين بحراكهم المسلح، حفاظا على مسار الديمقراطية في البلاد، وأنهم يحظون بدعم دولي.

تلك المناطق المحاذية لتشاد شمالا وجنوب السودان شرقا، تختزن خامات يورانيوم عالية التخصيب، هي الأعلى جودة في مناجم أفريقيا جنوب الصحراء. لكن النصف الآخر من الصورة يكشف عن شريحة من المواطنين، حرمت من أبسط الحقوق -التعليم والانتخاب والتوظيف- فضلا عن فقر يهدد حياة ثلثي السكان.
خلف بيوت الصفيح، هذه، يوجد منجم باكوما لليورانيوم معلق إنتاجه حتى إشعار آخر أما حياة الناس هنا فهي معلقة على افتتاحه (الجزيرة)

 القصة باختصار
تعود بداية القصة إلى أحداث 2003، عندما أطاح فرانسوا بوزيزيه بالرئيس آنجي فيليكس باتاسيه، بانقلاب عسكري أيدته فرنسا. ومنذ استقلال البلاد عام 1960 شهدت خمسة انقلابات عسكرية، وأصبحت السيطرة فيها على القوة والسلطة من خلال أساليب غير دستورية، أمرا معتادا. لكن الرجل، لم يهدأ له جفن منذ وصوله إلى سدة الحكم، فسكان الشمال -غير الداعمين لانقلابه- اتهموه بتعزيز سياسة التهميش والإقصاء.

تلك المعارضة تحولت مع تزايد حدة القمع إلى مليشيات مسلحة أتعبت النظام، فرأى أن يخرج من الأزمة باتفاق "ليبرفيل" الذي ينص على تشكيل حكومة وطنية تضم المعارضة أيضا.

لم تُحترم الاتفاقية، وعصفت بالبلاد أزمة اقتصادية واجتماعية زادت الفقراء فقرا، وفرقت بين أبناء البيت الواحد، وعلت الأصوات في الشمال بالإطاحة بفرانسوا بوزيزيه.

لم يسمع لفرنسا صوت طوال الأزمة، بل حظيت انتخابات 2011 -التي نصبت فرانسوا بوزيزيه مرة ثانية رئيسا للبلاد بأغلبية مطلقة- برضاها المعلن. لكن دعم الفرنسيين لم يستمر طويلا، فقد رفعوا يدهم عن عون الرجل فور إحساسهم أنه أصبح يشكل خطرا على مصالح فرنسا، وذلك بتعاونه مع القوى المنافسة لها.

حيث قام بوزيزيه بتغيير ولائه والاستغناء عن حرسه التشاديين (الفرنسيي الولاء) والاستعاضة عنهم بجنود من جنوب أفريقيا، وفتح المجال أمام الصين للاستفادة من ثروات البلاد، خاصة النفط واليورانيوم.

تلك السياسات أزعجت فرنسا، فأيدت وصول جتوديا ميشيل، بعدما وصلت البلاد إلى حالة إنسانية كارثية بانقلاب عسكري سنة 2013.
ترفع الرايات في شوارع أفريقيا الوسطى في أيام السلم والحرب  (الجزيرة)

البحث عن البديل
تعتمد فرنسا على نحو 75% من حاجتها الكهربائية على الطاقة النووية، وتتركز مصادرها الأولية من اليورانيوم في أفريقيا التي تمتلك خامات مهمة منه، خصوصا في النيجر وتشاد وجنوب الجزائر؛ إلا أن تلك المناطق أصبحت بؤرة للعمليات اللوجستية من قبل الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، ضمن ما يسمى بـ"الحرب على الإرهاب".

وهروبا من مناطق الصراع، لجأت فرنسا لمنطقة باكوما جنوب شرقي البلاد، كبديل استثنائي لتأمين احتياجاتها من اليورانيوم الخام، حيث يوجد أكثر من 41 مليون باوند من يورانيوم 308، بنسبة استخراج تصل إلى 27%، أي ما يعادل عشرين ضعفا من نسبة الاستخراج في مناجم يورانيوم جمهورية ناميبيا جنوب القارة الأفريقية.

وهكذا فإن شركة أريفا -العملاق الفرنسي لإنتاج الطاقة النووية- نجحت في إبرام اتفاقية مع الرئيس المخلوع فرانسوا بوزيزيه سنة 2008، حيث قامت شركة أورامين (UraMin) -التي تمتلك شركة أريفا 90٪ من أسمهما- باستثمار نحو مئتي مليون دولار أميركي في مشروع باكوما، لاستخراج اليورانيوم بمعدل إنتاج يصل إلى نحو 1200 طن مطلع سنة 2015.

لكن نظرا لانخفاض أسعار اليورانيوم -كما جاء على موقع الشركة في الإنترنت- فإنها أوقفت عملياتها الاستكشافية والتعدينية في أفريقيا الوسطى مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2011.

حد المواجهات
كان حجم التنديد بالمواجهات بين مليشيات أنتي بالاكا الداعمة للرئيس المخلوع فرانسوا بوزيزيه، وسيليكا التابعة لميشيل جتوديا -والتي راح ضحيتها الأبرياء- قد وصل صداه إلى ربوع العالم، لكن البعض كان يشكك في فاعلية التدخل العسكري الفرنسي -الذي أتى متأخرا وخجولا- في إرساء السلام، خصوصا أن عدد القتلى بقي في ازدياد.

تقول الصحفية في جريدة أخبار "كاليدونيا" (LNC) إيفي مالونغا "لقد أرادت فرنسا أن تخلق بيئة آمنة تمكنها من استئناف مشروعاتها النووية الطموحة، خصوصا أن افتتاح منجم أورامين تزامن مع الاتفاقية التي أبرمتها أريفا في النيجر مع الرئيس السابق مامادو طانجا، لرفع حصة النيجر من عائدات اليورانيوم إلى 12%".

وتضيف الصحفية في حديثها للجزيرة نت "لم يكن سوى استمرارية لسياستها في أفريقيا، إنها تستخدم الأداة العسكرية من أجل حماية أهدافها الاقتصادية، تحث غطاء حماية المدنيين من العنف الطائفي".

فيما يؤكد الناشط الحقوقي كريستيان توابوي أن " التدخل الفرنسي في بلادي لم يكن جديدا علينا، لقد احتفظت فرنسا بقاعدة عسكرية في بانجي، ودائما تتدخل لدعم الانقلابيين".

وكانت فرنسا قد قامت بتصفية قاعدتها بهدف خفض وجودها العسكري في القارة سنة 1997، مع احتفاظها بنحو ثلاثمئة جندي بحجة حفظ السلام في البلاد. وكانت هذه القوات قد دعمت انقلاب بوزيزيه كما ساعدته على القضاء على المعارضة المسلحة في الشمال والوسط سنة 2005.

يقول النازح التشادي صابر غليانو "من جاء بانقلاب سيذهب بانقلاب مضاد، لقد فهمنا الدرس منذ زمن"، ويضيف "لقد عانينا الاحتلال وفساد الحكام، بلادنا غنية باليورانيوم والماس والذهب، يتقاسمون بينهم الغنيمة، ونحن من يدفع بدمائه الثمن".
الانقلاب لم يكن كافيا

وبعد فشل بوزيزيه في نيل رضا فرنسا لضمان بقائه أطول مدة ممكنة في سدة الحكم، انتقلت السلطة إلى جتوديا ميشيل -قائد مليشيات سليكا وابن الشمال المعارض- بانقلاب عسكري هو الآخر، لكن الرجل لم ينل استحسان فرنسا أيضا، وسرعان ما غادر منصبه.
مسلو إفريقيا الوسطى بعد انتهائهم من الصلاة يحملون ألبسة لإخوانهم الفقراء (الجزيرة)

فبعد أيام قليلة من توليه منصب الرئاسة، أعلن جتوديا ميشيل أنه سيقوم بمراجعة كل اتفاقيات التعدين التي أبرمت في عهد بوزيزيه والتدقيق فيها بما يلبي طموحات الشعب. التقطت فرنسا الرسالة مدركة خطر وجود الرجل في السلطة ومحاولته تثبيت دعائم نظامه.

قدم الرئيس الجديد استقالته تحت ضغوط دولية بعد سنة ونصف من توليه الحكم، لينتقل إلى منفاه الأخير في بينين سنة 2014. وكان الاتحاد الأفريقي قد رفض الاعتراف بحكومته، معتبرا الإطاحة بفرانسوا بوزيزيه إجراء غير دستوري، كما تم تعليق عضوية بانجي في الاتحاد.

وتولت كاثرين سامبا بانزا -رئيسة بلدية العاصمة بانجي- رئاسة الجمهورية، بعدما تم اختيارها من قبل المجلس الانتقالي الذي تشكل إثر استقالة ميشيل.

وكانت وثائق صادرة عن موقع ويكيليكس السنة الماضية، قد كشفت عن عقود واتفاقيات غير قانونية أبرمت بين أفريقيا الوسطى والصين في عهد بوزيزيه ميشيل، حيث مُنح لفرع PTI-IAS -رغم العقوبات الدولية المفروضة على البلد- التابع لمجموعة بولي التكنولوجية الصينية سنة 2007، حق استخراج النفط من شمال شرقي البلاد بشكل سري، مقابل تزويد الشركة -المدارة من قبل الحكومة الصينية- نظام بوزيزيه بالسلاح.

كما جاء في الوثائق أيضا، عدم اتخاذ شركة أريفا أيا من احتياطات السلامة من أجل حماية العاملين في منجم أورامين من الإشعاعات المرتفعة في منطقة باكوما.

وكان مستشار جوتديا ميشيل السابق محمد سعيد إسماعيل، قد حكى في أكثر من لقاء صحفي معه، أن فرنسا دعمت مليشيات سيليكا على نحو غير مباشر للانقلاب على بوزيزيه، لأنه لم يعد الشخص الذي يصلح لحماية مصالحها الاقتصادية في أفريقيا الوسطى، المتمثلة بالأساس في حاجتها الماسة لليورانيوم، ومكنت المليشيا من الوصول إلى السلطة لكن سرعان ما انقلبت عليها هي الأخرى، عندما أدركت استحالة تحقيق أحلامها النووية في ظل حكم ميشيل، فأرغمت الرجل على التنحي وترك البلاد للعباد.
السابق

السابق

التالي

السابق

-6/15-

الموت القادم من بحيرة ملاوي

الموت القادم من بحيرة ملاوي
رميساء خلابي - النيجر
 
أطلق عليها دافيد ليفينكستون "بحيرة النجوم" لكن من يزورها لن يلمح نجوما تتألق هنا، بل سيرى ألوانا فوسفورية تتراقص على وجهها، وأسماكا ميتة تستلقي على امتداد الشاطئ، ناهيك عن روائح تبعث على التقيؤ، إنها بحيرة ملاوي.

بالنسبة لعشرات آلاف السكان الذين يعيشون في كارونغا، بمنطقة البحيرة في شمال ملاوي، فإن حياتهم تدور حول الصيد. لكن، ومنذ أن ألقت البحيرة بأطنان الأسماك الميتة إلى الشاطئ، في ديسمبر/كانون الأول 2014، أصاب السكان قلق كبير، واعتبروا أن موت أسماكهم ناجم عن الثلوث البيئي الذي يسببه منجم كايليكيرا، أكبر استثمار أجنبي في البلاد.

غير أن الشركة الأسترالية التي تمتلك المنجم Paladin Energy LTD تقول إنها ملتزمة بكافة الشروط البيئية، وإنها تقوم بالمراقبة الروتينية للحياة المائية في البحيرة، وترفض أية مسؤولية لها عن الأسماك الميتة.
 
بحيرة مالاوي قبل افتتاح المنجم يقوم الصيادون بتجفيف أسماك السردين، حفاظاً عليها في غياب الثلاجات وفي انتظار الزبائن (الجزيرة)


تحرك رسمي
بعد مرور سنة كاملة على الكارثة، خرجت الحكومة الملاوية بتقرير بتاريخ 10 يناير/كانون الثاني 2015، تقول فيه إنها تحقق في أسباب موت السمك في منطقة كارونغا، وهي أول مرة تناقَش فيها قضية الأسماك الميتة على المستوى الحكومي في الفترة الأخيرة.

فمنذ سنة 1999، لوحظ موت الأسماك بشكل واسع أكثر من أربع مرات. أما ما يتحدث عنه صيادو القرية، فهو تاريخ يرجع إلى خمسين سنة ماضية، حين كان موت الأسماك ناتجا عن تغيرات في تركيب الأوكسجين في المياه بعد هبوب رياح قوية. غير أن المتهم الوحيد الآن هو منجم كايليكيرا الذي لم يتخلص من النفايات السائلة من مرافق التخزين حتى الآن.

قلق الناس لم يبدأ في الحقيقة مع موت الأسماك، فمنذ افتتاح المنجم سنة 2009 من قبل الرئيس السابق بينغو موتيكا، لم تهدأ المعارك القانونية والخلافات والقلق العام بشأنه، ووصل الأمر إلى ما يطلق عليه البعض لعنة الموارد الأفريقية.

فباعتبارها واحدة من أفقر دول القارة -باحتلالها المرتبة 174 من أصل 187 دولة، في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة- فإن ملاوي في حاجة ماسة للنقد الأجنبي، فضلا عن فرص العمل والبنية التحتية.
يقول كثير من النشطاء هنا إن القوانين الفاسدة وعدم وجود الشفافية ناهيكَ عن الفساد يبقى عقبة أمام استفادة الشعب من عمليات استخراج تلك الثروة.

يحكي المدير التنفيذي لـ "مواطنون من أجل العدل" (موانكوندا) "أعطت الحكومة الأولوية لاستخراج اليورانيوم، والقوانين أتى دورها بعد ذلك. على ماذا يدل هذا؟ أعطى الضوء الأخضر للمنجم بالعمل في أي ظروف كانت، بعد ذلك طالب بوثائق التأمين والعقود، وتأكد أن القوانين في مكانها".
منجم كايليكيرا بعد إغلاقه، ليس بسبب مسؤوليته عن موت أطنان من الأسماك، ولكن في انتظار ارتفاع أسعار اليورانيوم  (الجزيرة)

المنجم يخسر القضية
يحكي مختار القرية هاريس مويسو أن المنجم تسبب عند افتتاحه في فرص وظائف لبضعة آلاف من سكان المناطق المعوزة، إلا أن العدد تناقص منذ ذلك الحين. لكن أحد العاملين السابقين بالمنجم (فيليب سيمبو) قال إن الحكومة باعت حياة الملاويين نقدا فـ "الشركات الأجنبية مثل (بالاداين) ترى أننا مغفلون وسذج، وأننا شعب يمكن خداعه ببعض الحسنات، ما أعرفه الآن يعرفه كل سكان قريتي، على المجتمعات الأخرى ألا تسمح لشركات المناجم الأجنبية باستغلالها، لأن ما ستستفيده لن يعادل حجم الأخطار التي ستلحق بها".

في سنة 2007، استطاعت NRJN أن تربح قضية ضد الحكومة وشركة بالاداين في المحكمة. وخلاصة الدعوى أن ملاوي لم تكن تمتلك القوانين المناسبة من أجل تعدين اليورانيوم. وقد سويت القضية، ووافقت شركة بالاداين على عدد من التنازلات، أهمها دفع دولار لكل عشرة أمتار لمشاريع التنمية الاجتماعية.

أما الحكومة، فقد تعهدت بنص قانون جديد يخص تعدين اليورانيوم، ومراجعة عقد 1981 للمناجم والتعدين، واستثمار عائدات المنجم في المشاريع التنموية والاجتماعية.

بعد أن واجهت بالاداين انتقادا من الحكومة في يناير/كانون الثاني من العام ذاته، حول تسرب سببته الأمطار الغزيرة ما أدى إلى موت الأسماك، وقررت الشركة أن تعالج مياه الأمطار المتدفقة وتحررها من خلال نهر سيري الذي يصب نهاية المطاف في بحيرة ملاوي.

التصريف الذي بدأ فعليا في أبريل/نيسان 2007 وافقت عليه الحكومة، ولكن نشطاء NRJN حاولوا منعه. وقالت شركة بالادين إن مياه الأمطارالمتدفقة تم إصلاحها بما يتوافق مع المعايير الدولية وهي بحاجة إلى تصريفها، لأن إنتاج المنجم سيتوقف في مايو/أيار 2014 بسبب انخفاض أسعار اليورانيوم.
وقال وزير الموارد الطبيعية بولوتو أن الحكومة ستراقب بشكل مستقل تصريف المياه. وقال إنها تعلمت درواسا كثيرة من منجم كايليكيرا.

غير أن المشاكل المحيطة بعمليات المنجم ظلت حبيسة شائعات وشكاوى طيلة سنة كاملة، ويعجز المواطنون عن الوصول إلى المعلومة أو الطاقة نفسها، إلى أن جاءت الانتقادات من مصادر خارجية.

تحقيق مستقل
شهر واحد بعد إعلان الحكومة بدء تحقيقاتها بخصوص الأسماك الميتة، كان المهندس النووي الفرنسي برونو شاريريون بدعم من نشطاء NRJN قد وصل إلى كايليكيرا في مهمة بحث مستقلة.

وعبر شاريريون عن قلقه من قرار بالاداين بتصريف المياه المعالجة، قال برونو "بالادين قالت إن المياه المصرفة ستحتوي بقايا يورانيوم أقل مما حددته منظمة الصحة العالمية، وهو 30 ميكروغراما للتر الواحد من مياه الشرب. لكنه معروف منذ عقود أنه في قضية التفريغات الهائلة، والتي تخص الكائنات الحية، فإن حد الأمان هو 0.3 ميكروغرام للتر الواحد. إذن هناك خلاف علمي".

كما عبر المهندس النووي عن قلقه تجاه صحة بعض عمال المنجم، وقال "بمتابعة زيارتنا للمنجم في فبراير/شباط، تشكلت لدينا شكوك جدية بخصوص تطبيقات الحماية من الإشعاعات ودقة تقييم الجرعات التي تنفذها بالاداين".

غير أن بالاداين كان لها رأي آخر. فقد قال مدير عام الشؤون الدولية للشركة في ليلونغوي (غريك ويلكير) إن العمال في المنجم تعرضوا في الواقع لمستويات منخفضة من الإشعاع بشكل منتظم ما بين 2 و4 مللي في السنة، وإن المعيار الدولي للتعرض في أي سنة هو 50 مللي. لكن السؤال الأهم: ماذا عن خطر تعرضهم الطويل للإشعاع؟

المشكل الأكبر وفقاً لشاريون، هو استقرار مخزن نفايات المنجم. لأن تلك النفايات السائلة واللزجة تحوي مخاطر كيميائية، بما في ذلك الحمض المستعمل في تركيز اليورانيوم، المعروف بالكعكة الصفراء.
مزارع الذرة المحاذية لنهر سيري لم تسلم من التأثر بالنفايات الإشعاعية فرغم نموها إلا أن تناولها يشكل خطرا على صحة السكان  (الجزيرة)


وأضاف "إنه لمروع أن بالادين تخلصت من ملايين الأطنان من النفايات الكيميائية والمشعة الخطرة على هضبة ذات خصائص جيولوجية وهيدروجيولوجية سلبية للغاية. عندما سألنا عمالهم إن كانت هناك خطة طوارئ، قالوا لا. عليهم على الأقل أن تكون لديهم خطة استجابة للطوارئ في حالة إخفاق الخزان".

قبل وصول المنجم، كان شعب كايليكيرا يعيش بالأساس على الزراعة. الكثير كان يأمل أن المنجم سيجلب الازدهار، ولكن المكان يبقى مفتقدا للبنى التحتية، ولا يوجد مستشفى ولا محطة لمعالجة المياه. ومن المفارقات أنه لا توجد كهرباء.

كسيسيكا، أم لثلاثة أولاد وحامل الآن، قالت إنها مهتمة بالتلوث في نهر سيري وتأثير الغبار من الصخرة المفجرة بالمنجم "سمعنا أن اليورانيوم يمكن أن يسبب تشوهات للرضع. سيكون لدينا مشاكل كثيرة إن سمم اليورانيوم نهر سيري. نأكل السمك، نغسل ملابسنا ونسقي محاصيلنا، بما في ذلك الذرة، من مياه النهر".

وعودٌ لم تتحقق
مرت تسع سنوات الآن على الدعوى التي ربحها نشطاء NRJN، غير أن كثيرا من المقيمين اشتكوا أن بالاداين أخفقت في إنشاء مستشفى وعدت به، لكن الشركة قالت إنها حفرت عدة آبار، وجددت خمسة مستوصفات ومدرسة ابتدائية، وشيدت قاعة اجتماعات.

وعلق ويلكر أن بالاداين لم تعد أبدا بمستشفى "ما قلناه إننا سنبني مستوصفا صحيا بكايليكيرا، وهذا شيء تعهدنا به. لقد صرفنا بالترتيب ربع مليون دولار في تطوير مستشفى في كارونغا، صرفنا ما يقارب دولار لكل متر، نبني نظاما لتزويد المياه".

ما تزال القصة مستمرة، فالمنجم لم يغلق، ومياه الأمطار الغزيرة لم تتوقف عن الهطول، ما يخشاه نشطاء NRJN الآن هو أن ترتكب الحكومة نفس الأخطاء مع مشاريع كبيرة أخرى. فيحكي أحد النشطاء "المعركة كانت طويلة، ولكنها كانت ضرورية، كان على أحد ما أن يضع الحكومة وبالاداين في الاختبار. إنها بيئة محفوفة بالمخاطر، ولكن إذا تمسكت بالحقائق وأديت وظيفتك بمهنية، ولم تقل أشياء ليست صحيحة، من سيقدر على تحدي الحقائق؟".
السابق

السابق

التالي

السابق

-7/15-

مانديلا: السلاح النووي والفصل العنصري سواء

مانديلا: السلاح النووي والفصل العنصري سواء
رميساء خلابي - النيجر
 
عندما سُئل رئيس نظام الفصل العنصري السابق بيك بوتا عن رأيه في كتاب "المسيرة الطويلة من أجل الحرية" الذي يروي السيرة الذاتية لنيلسون مانديلا، والذي حقق أفضل المبيعات في العالم سنة 2006؛ أجاب "لقد قرأت الكتاب، لكنني لا أعتقد أنه أفضل الكتب في العالم".

وأضاف "لقد بحثت قضية اعتقال مانديلا مع رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر، ومع المستشار الألماني السابق هيلموت كول، أحدهما اقترح علي أن أطلق سراح الرجل ثم أعتقله مرة أخرى، إلا أنه كان لدي رأي آخر، لقد خيرت مانديلا بين ترك العنف أو السجن، فاختار السجن".
حقبة جديدة
بتبنيه سياسة الانفتاح، قام آخر رئيس أبيض لجنوب أفريقيا فريدريك ويليام دي كلارك، بتعديلات دستورية أدت إلى إلغاء نظام الفصل العنصري سنة 1991، ومهدت لتولي حزب المؤتمر الوطني السلطة بقيادة نيلسون مانديلا، كما أصدر تعليمات خطية بإنهاء برنامج الأسلحة النووية وتفكيك جميع الأسلحة الموجودة.

وكانت جنوب أفريقيا قد انطلقت في برنامجها النووي أواخر سنة 1950. وفي عام 1957 أصبحت رابع دولة تحصل على اتفاق تعاون كامل تحت رعاية الرئيس الأميركي دوايت ديفيد آيزنهاور، في برنامج الذرة من أجل للسلام.
منجم روسين بناميبيا كان تابعاً لجنوب أفريقيا قبل الاستقلال بدأ إنتاجه سنة 1976 ويعد ثاني أكبر منتج لليورانيوم في أفريقيا (الجزيرة)



بعدها بثلاث سنوات، استطاعت جنوب أفريقيا -بفضل حصولها على المفاعل النووي للبحث العلمي "سفاري 1" من الولايات المتحدة- أن تشيد بنية تحتية نووية قوية، أصبحت فيما بعد حاسمة في جهود الدولة للحصول على سلاح نووي.

وبحلول العقد التالي، كان الوضع السياسي قد تغير في البلاد جذريا. فبعدما أصبح البرنامج النووي لجنوب أفريقيا أول أهدافه، بدأ المجتمع الدولي -بما في ذلك الولايات المتحدة- بفرض عقوبات على حكومة الفصل العنصري.

ونظرا إلى عزلة البلاد وحاجتها الماسة إلى مساعدة خارجية، بدأت جنوب أفريقيا التعاون سرا مع إسرائيل لبناء سلاح نووي. كانت تخشى التوسع السوفياتي، كما كانت قلقة من ازدياد القوات الكوبية في أنغولا، لكن بعدما أصبح واضحا أن جنوب أفريقيا كانت تخطط لاختبار قنبلة نووية، تدخل المجتمع الدولي -باستثناء إسرائيل- لإجبار الدولة على التخلي عن خططها لتنفيذ تجربة نووية.

بدأت جنوب أفريقيا إنهاء برنامجها النووي في سبتمبر/أيلول 1989 مع انتخاب دي كلارك الذي زعم أن بلاده كانت تطمح بشكل مستمر إلى الانضمام للمجتمع الدولي، لكن برنامج الأسلحة النووية كان عقبة أمام تحقق ذلك.

أضافت جنوب أفريقيا اسمها إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (NPT) في 10 يوليو/تموز 1991، إلا أن أحد دبلوماسييها السابقين قدم أسبابا مختلفة كانت وراء تفكيك البرنامج النووي، وأوضح أن قرار جنوب أفريقيا للتوقيع على المعاهدة إنما كان بدافع القلق من أن تقع أي مواد نووية غير معلنة في يدي المناضل السابق، زعيم فصائل "أم كاي" (MK) (رأس الحربة) الجناح العسكري لحزب المؤتمر الوطني، نيلسون مانديلا.

ففي 11 فبراير/شباط 1990، كان مانديلا قد أعلن من على شرفة بلدية كيب تاون -في ذات اليوم الذي أطلق فيه دي كلارك سراحه- "أن الكفاح المسلح للمؤتمر الوطني الأفريقي لم ينته، وأن لجوءنا إليه في عام 1960 كان عملا دفاعيا خالصا لمجابهة التمييز العنصري، والعوامل التي ألجأتنا إليه ما زالت قائمة إلى اليوم، لذلك ليس لدينا خيار آخر إلا الاستمرار في النضال المسلح".

وأضاف الدبلوماسي السابق -في حديثه للجزيرة نت- "كان البعض يتساءل ما إن كان سيتم إحياء البرنامج النووي في البلاد عندما أصبح مانديلا رئيسا، وما إن كانت بلاده ستطور أول قنبلة نووية. من الواضح أنهم كانوا يجهلون ذاك الرجل الذي قضى 27 عاما في السجن، رافضا أن يطلق سراحه مقابل تنازله عن المقاومة المسلحة".

 
رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر أثناء زيارتها لمنجم روسين لليورانيوم بناميبيا سنة 1989 (الجزيرة)

أعداء الأمس
وكان لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي -الذي انتخب مانديلا رئيسا له سنة 1952- موقف مضاد للأسلحة النووية، ولسنوات قاد الجهود لفضح وإلغاء البرنامج النووي.

وإلى حين تحرر مانديلا سنة 1990، رفضت حكومة مارغريت تاتشر البريطانية أي لقاء مع الحزب، فضلا عن رفضها فرض عقوبات على نظام الفصل العنصري، وخرجت اللجان الطلابية التابعة لحزبها المحافظ -إثر اعتقال مانديلا ورفاقه سنة 1963 بتهمة الخيانة العظمى- بلافتات كتب عليها "أعدموا مانديلا وكل إرهابيي حزب المؤتمر الوطني".

أما في الولايات المتحدة الأميركية، فحاول الرئيس السابق رونالد ريغان في عامه الأخير بالحكم 1989، منع الكونغرس الأميركي من فرض عقوبات على نظام الفصل العنصري، رافضا ما وصفه بـ"إرهاب" حزب المؤتمر الوطني.

ولم تكن فرنسا بعيدة عن توجيه الاتهامات للحزب وتحركاته، فبالرغم من التصريحات الرسمية ضد نظام الفصل العنصري، حافظت باريس على أنواع مختلفة من التعاون مع هذا النظام، بعدما كان رئيسها السابق جاك شيراك قد وقع اتفاقية في يونيو/حزيران 1976 من أجل بناء منشأة نووية في البلاد.

غير أن تلك الآراء المعادية لزعيم الكفاح ضد نظام الفصل العنصري وحزبه سرعان ما تحولت إلى آراء مناصرة ومعجبة بعد موت نيلسون مانديلا، فانطلقت الشخصيات العامة لتوضح أن الولايات المتحدة دعمت بشكل لا لبس فيه كفاح الرجل من أجل الحرية!

فقد جاء على لسان الرئيس السابق باراك أوباما أن "مانديلا ترك ميراثا من الحرية والسلام"، فيما وصفه وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بأنه "رجل عملاق كان يتمتع بحضور قوي"، في حين وصفه رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون بأنه "نور قد خبا".

مسيرة الحرية في كيب تاون للإفراج عن نيلسون مانديلا من السجن (الجزيرة)

مواقف شجاعة
منديلا الذي كان في كفاحه لا يفرق بين محاربة الانتشار النووي والاستعمار، أو بين ذلك والعنصرية؛ أعلن في 30 أغسطس/آب 1993 في معهد جنوب أفريقيا للهندسة المدنية، أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي سيلتزم بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي، وأنه يدعم بشكل كامل إعلان منظمة الوحدة الأفريقية التي تطمح إلى قارة أفريقية خالية من الأسلحة النووية.

وبعد خمس سنوات من ذلك، خاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة بصفته رئيسا للبلاد، وأعلن مانديلا أن جنوب أفريقيا وقفت جنبا إلى جنب مع سبع دول أخرى، لطرح مشروع قرار بعنوان "نحو عالم خال من الأسلحة النووية، الحاجة إلى خطة جديدة".

وقد ناشد رئيس جنوب أفريقيا العالم القضاء على الأسلحة النووية، وقال "يجب علينا أن نطرح هذا السؤال الذي قد يبدو ساذجا لأولئك الذين اخترعوا حججا متطورة لتبرير رفضهم القضاء على هذه الأسلحة الرهيبة والمروعة: لماذا يحتاجونها على أية حال؟".

عن عمر يناهز 85 عاما، انتقد مانديلا بشدة قرار الولايات المتحدة غزو العراق عام 2003، وقال "قبل 57 عاما، عندما كانت اليابان تتراجع على جميع الجبهات، أسقطتم القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي، هل كانت تلك القنبلة ضد الأبرياء الذين قتلوا؟ كلا، تلك القنبلة لم تسدد ضد اليابانيين، بل كانت ضد الاتحاد السوفياتي. انظروا أيها السوفيات، هذه هي القوة التي لدينا. فهل تجرؤون على معارضة ما نقوم به؟".

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/15-

"النووي" الإيراني تنفس من الرئة الأفريقية

"النووي" الإيراني تنفس من الرئة الأفريقية
رميساء خلابي - النيجر
 
عندما استعادت معظم دول أفريقيا حريتها، في ستينيات القرن الماضي، سارعت إيران إلى بناء علاقات اقتصادية معها، مقدمة ورقة النفط، ثروتها النفيسة. ومرت عشر سنوات، لتتمكن إيران من استثمار عائدات النفط، في سبيل علاقة صداقة استثنائية، جمعتها مع جنوب أفريقيا، الدولة الوحيدة في القارة التي تأخر استقلالها عن المحتل البريطاني عشرين سنة أخرى. وكان النفط الإيراني مقابل الكعكة الصفراء الجنوب أفريقية.

ويرى الصحفي الجنوب أفريقي سيفيوي ميبي أنه "في سنة 1976 تعهدت إيران بتمويل العمليات التكنولوجية لتطوير اليورانيوم المخصب في جنوب أفريقيا، كما حصلت على الكعكة الصفراء بقيمة 700 مليون دولار باتفاق سري جمع البلدين".

حصار دولي.. ولكن
ويعتقد ميبي أن اكتشاف اليورانيوم في غينيا وأوغندا كان له دور في دفع طهران إلى تعزيز علاقاتها الثنائية مع تلك الدول، "فإيران التي عانت من ضغوط المجتمع الدولي، ومن ويلات العقوبات الاقتصادية، وجدت في إبرام اتفاقيات التكنولوجيا النووية، في إطار التعاون المتبادل، بين دول تتقاسم معها نفس الجرح، فرصة ذهبية".

ففي غينيا كمثال، تم اكتشاف اليورانيوم عام 2007، على يد الشركة الأسترالية مورتشيسن يونايتد Murchison United NL، لتتحول غينيا من بلد هامشي إلى محط أنظار الدول النووية. ولم تفلت إيران الفرصة، بل شرعت مباشرة في برنامج التعاون الاقتصادي مع البلد، ليرتفع مستواه إلى 140% خلال ثلاث سنوات.
 
المفاعل النووي الإيراني الأول أيام حكم الشاه رضا بهلوي (الجزيرة)


وفي زيمبابوي مثلاً، يواجه الرئيس روبرت موغابي عقوبات دولية تقيد حتى حريته في السفر وذلك منذ سنة 2002، واستغلالاً لمقاطعة بلاده للولايات المتحدة الأميركية، قامت إيران بدفع 500 مليون دولار، توزعت ما بين قروض ومنح، كما تؤكد مصادر صحفية محلية.

وينسب ميبي إلى مصادر وصفها بالمطلعة أنه "في عام 2012، تولت طهران مهمة تحديث وتطوير القدرات الدفاعية لزمبابوي، ومدها بالسلاح، وتحقيق التعاون الاستخباراتي بين البلدين، مقابل بيع زيمبابوي لإيران اليورانيوم تحت عقد سري".

فخلال زيارته إلى العاصمة هراري في أبريل/نيسان 2010، أكد رئيس زيمبابوي (روبرت موغابي) لنظيره الإيراني حينها، محمود أحمدي نجاد دعم بلاده لإيران في الملف النووي.

وكان نائب وزير المناجم في زيمبابوي (جيفت شيمانيكيري) والذي ينتمي إلى المعارضة التي هزمها موغابي خلال الانتخابات العامة في 31 يوليو/تموز 2012، قد أوضح أن هذا العقد السري الذي يتضمن تصدير بلاده لليورانيوم إلى إيران، وقع بدون علمه.

ويؤكد ميبي أنه "طبقاً لشروط تلك الصفقة؛ فإن إيران ستحصل على 455 ألف طن من اليورانيوم الخام الذي يمكن أن ينتج 20 ألف طن من اليورانيوم المخصّب بين سنوات 2013 و2018".

ولم تكن تلك هي الزيارة الوحيدة لأحمدي نجاد، فقد زار أثناء فترة الحصار المفروضة على بلاده، أكثر من خمس دول أفريقية، من بينها النيجر، التي تعتبر أول منتج لليورانيوم في القارة السمراء، والمنتج الرابع على مستوى العالم.

وكان تقرير صادر عن مؤسسة كارنيجي واتحاد العلماء الأميركيين سنة 2013، قد كشف أن شح موارد إيران من اليورانيوم وانخفاض مستوى جودته يجبرانها على الاعتماد على مصادر خارجية لليورانيوم الطبيعي والمعالج "برغم تأكيد القيادة الإيرانية عكس ذلك فلا تكفي احتياطيات إيران من اليورانيوم بأي حال لإمداد برنامجها النووي".

لكن إيران كانت تؤكد على الدوام أن العقوبات الغربية لن تبطئ وتيرة نشاطها النووي، وأنها لا تعاني من أي نقص في اليورانيوم الخام، وأن مناجمها تمدها بما يحتاجه نشاطها النووي.

لكن حرص إيران على التعامل مع القارة السمراء يبقى في مقدمة أولوياتها. فقد أكد الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد في أكثر من مناسبة حرص بلاده على أولوية التعاون المتبادل مع دول أفريقيا.

فأمام القمة الثانية عشر للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا عام 2009 قال نجاد "أفريقيا قارة تعج بالقيم البشرية والثقافية وقدرات كبيرة في مجالات مختلفة، وفي المقابل تتمتع إيران بقدرات هائلة تمكنها من الدخول في تعاون عملي ومربح مع القارة الأفريقية".

وفي تصريح آخر يقول نجاد "إن القارة الأفريقية هي الأكثر غنى إذ تحتوي أفضل أنواع الموارد الطبيعية من البترول واليورانيوم والغابات الشاسعة وأفضل الموارد البشرية".
 
شاه إيران محمد رضا بهلوي رفقة إليانور روزفلت، زوجة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في طهران (الجزيرة)

صداقة حميمة
لقد نجحت إيران، في أن تكون المصدر الأول للنفط لجنوب أفريقيا إلى يومنا. ويرى كثير من المحللين أن هذا الاعتماد كان له الفضل في حيادية جنوب أفريقيا تجاه القضية النووية الإيرانية، عندما امتنعت عن التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على انتهاك إيران لحقوق الإنسان في انتخابات 2009.

ويعتقد ميبي أن "جنوب أفريقيا تعاملت مع العقوبات المتصاعدة ضد البرنامج النووي الإيراني بالتأكيد مراراً أن الدول الأعضاء في اتفاقية عدم الانتشار النووي لهم الحق في الحصول على مصادر الطاقة النووية السلميّة".

فيما ترى الصحفية المختصة في الشئون الأفريقية في جوهانسبرغ منكولوليكو كودانا، أن "الضغوط الدولية على جنوب أفريقيا، بسبب مواقفها، كانت تتزايد، مما أدى إلى توقف كثير من الشركات الجنوب أفريقية استثماراتها في إيران. كشركة (سيسول)، وهي أكبر الشركات المنتجة لوقود السيارات من الفحم في العالم".

ويعود تاريخ الصداقة بين البلدين، إلى فترة الكفاح التي مر منها حزب المؤتمر الوطني في جنوب أفريقيا. فقد كانت القيادات الإيرانية فضلا عن النظام الحاكم، تعلن دوماً دعمها للسود، وأن معاناتهم هي معاناتها، وأن حاكمهم البريطاني، لا يقل عدوانية عن العائلة البهلوية التي حكمت إيران لقرن من الزمن.

وهذا ما أكده الرئيس الإيراني حسن روحاني أثناء زيارة رئيس جنوب أفريقيا جاكوب زوما لطهران العام الماضي بقوله "إن الجمهورية الإسلامية، كانت على علاقات وطيدة مع حزب المؤثمر الوطني، خصوصاً بعد توليه الحكم وانتصاره على نظام الفصل العنصري".

ويبدو أن الحزب، حفظ ذاك الجميل لإيران، ولم يقدر على وضع نقطة نهاية لصداقتهم الحميمة والطويلة.
ورغم عجزها عن الدعم المباشر لطهران في ملفها النووي، وتأرجح آرائها بين المحايدة والمتحفظة، إلا أن جنوب أفريقيا انتقدت دوماً التوجّه الأميركي في القضية النووية الإيرانية، ووصفته بأنه منافق بسبب دعمه الضمني للنشاطات النووية الإسرائيلية، ودعت كلّ الأطراف إلى إيجاد حلول من خلال التعامل الدبلوماسي.
 
ملتقى الزهراء في العاصمة أبيدجان بساحل العاج، ويعد إحدى الأماكن المهمة لنشاط الجالية اللبنانية الشيعية ( (الجزيرة)

إشاعات مؤكدة
لكن قصة أخرى، تروى عن علاقة مزدوجة كانت تلعبها إيران لعقدين من الزمن، في سبيل حصولها على إمدادات نووية.

فبعد سقوط الشاه، وانتصار الثورة، وأثناء انشغال العالم بالأوضاع الداخلية غير المستقرة في إيران، تسربت معلومات تتحدث عن استخدام النظام الجديد لأسلحة نووية أفريقية أثناء حربه الطويلة مع العراق.

ووفقاً لتقريرسابق صادر عن (الوكالة الدولية للطاقة الذرية)، فإن إيران كانت دوماً تلبس معاملاتها النووية غطاء من السرية والتكتم، ويشير التقرير إلى اتفاقيات تعاون جمعت طهران في عهد الرئيس الأسبق هاشمي رافسنجاني مع أكثر من عشر دول بينهم بريطانيا ممثلة في نظام الفصل العنصري الذي أحكم قبضته على جنوب أفريقيا عقوداً طويلة، وبلجيكا، التي كانت تمتلك الكونغو الديموقراطية أرضاً وشعباً.

وعن ذلك يقول سيفيوي ميبي "تلك السنوات ساعدت إيران على تحديث برنامجها النووي ومنحتها المجال لتوسيع رقعة نشاطها النووي السري".

ويشير التقرير أيضاً، إلى سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية مطلع التسعينيات من جنوب أفريقيا، تزامناً مع حرب الكويت وما تلاها من حصار على العراق، إلا أن تلك المساعي باءت بالفشل، مع انتصار حزب المؤتمر الوطني ونيله زمام الحكم تحت رئاسة نيلسون مانديلا، حيث كان الرجل من أوائل المناهظين لفكرة امتلاك بلده أسلحة نووية.

ويرى خبير الشؤون الأفريقية الدكتور أيمن شبانة، أن إيران تمكنت بفضل توظيفها المتكامل لأدوات السياسة الخارجية، من زيادة حجم التجارة والاستثمارات في القارة، خصوصاً في الدول التي تحتوي على مخزون مهم من اليورانيوم، بما في ذلك زيمبابوي وغينيا ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

ويضيف "من المكاسب المهمة التي جنتها إيران في تعاملها مع دول القارة، هو إصدار معظم الدول الأفريقية تصريحات تؤكد تأييدها لحق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية".
السابق

السابق

التالي

السابق

-9/15-

هيروشيما ضحية يورانيوم الكونغو

هيروشيما ضحية يورانيوم الكونغو
رميساء خلابي - النيجر
 
"سيدي، إن عنصر اليورانيوم ربما يكون مصدراً جديداً ومهما للطاقة في وقتنا الحالي، وهذا العنصر الفريد قد يقودنا إلى بناء قنبلة ستكون حقيقة، نوعا جديدا شديد القوة ولم يعرف من قبل.. وإن أهم مصدر لليورانيوم هو الكونغو البلجيكية".

هكذا كتب عالم الرياضيات ألبرت آينشتاين للرئيس الأميركي السابق روزفلت في رسالة مؤرخة يوم 2 أغسطس/آب 1939.

بعد ست سنوات على رسالة ألبرت، وأثناء انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت هناك قنبلتان ذريتان قد دمرتا هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين. سمع العالم بأسره بخبر المدينتين، لكن خبر فاجعة أخرى وقعت بالتزامن، لكن أريد لها أن تبقى قيد الكتمان، كما يردد نشطاء في الكونغو.

فبعد وقت قصير من انتهاء الحرب في نوفمبر/تشرين الثاني 1945، كان المضربون يحتجون على المعيشة المزرية وظروف العمل القاسية في كل من ليوبولدفيل (كينشاسا الآن عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية)، وميناء ماتادي (الذي تم من خلاله شحن معظم اليورانيوم).. أيامٌ قليلة وعوقب المحتجون بقتلهم مع نسائهم وأطفالهم.

كانت الكونغو مستعمرة بلجيكية، وقد عانى الكونغوليون من واقع استعماري تأسس على العنصرية والتفرقة وعدم المساواة. وفي كتابها الأخير "من قتل همرشولد؟"، كتبت سوزان وليامز "إن السلطة الأخلاقية للنضال ضد الفاشية لم تطبق على عدم المساواة والظلم في الكونغو"، وأضافت أن "عمال منجم شينكولوبوي لم يتمتعوا بأي حماية ضد الإشعاع".
 
 منجم شينكولوبوي، بمنطقة كاتانغا بجمهورية الكونغو الديموقراطية أوائل القرن الماضي (الجزيرة)


وكانت الكونغو البلجيكية تملك أغنى يورانيوم في العالم.. كانت مادته الخام تحتوي في المتوسط على نسبة 65% من أكسيد اليورانيوم، مقارنة مع الخام الأميركي أو الكندي الذي تضمن أقل من 1%. وبعد الحرب، أصبح المنجم بؤرة للصراع في الحرب الباردة بين القوى العظمى، بعدما كان مركزا لانطلاق مشروع مانهاتن في الحرب العالمية الثانية.

أغلق المنجم، لكن لا يزال بعض العمال يذهبون إلى الموقع لانتشال اليورانيوم والكوبالت، ويقولون إنهم يعملون بشكل مستقل لكسب لقمة العيش.

وبعدما عثرت الكاتبة سوزان على وثائق مهمة كانت مخفية عن الجمهور في محفوظات جامعة أكسفورد، التي منحتها حق الاطلاع عليها بسبب تقادم قضية موت الأمين العام السابق للأمم المتحدة داغ همرشولد، كتبت تصف كيف أن مكتب أميركا للخدمات الإستراتيجية (OSS) -رواد وكالة المخابرات المركزية- جنّد فرقة لتوصيل اليورانيوم إلى الولايات المتحدة وعدم سقوطه في أيدي ألمانيا النازية، فقالت "رتبت الولايات المتحدة لصالحها زمن الحرب وكالة استخبارات ومكتب الخدمات الإستراتيجية لإرسال وكلاء إلى الكونغو لحماية عبور الخام ومنع تهريبه إلى ألمانيا".

وتضيف "وقد تضمنت الفرقة مجموعة من الضباط المدربين جيداً بغرض التجسس، وكانوا يدّعون أنهم منقبون عن المطاط أو محققون في قضية تهريب الماس، لكنهم لم يتفوهوا يوما بكلمة يورانيوم. بل حتى في البرقيات المشفرة، كانوا يشيرون إلى: المواد الخام، والماس، أو ببساطة الأحجار الكريمة، لكنهم لم يقولوا يوماً لماذا كانت الولايات المتحدة بحاجة ماسة إلى تأمين إمدادات منتظمة من خام اليورانيوم العالي الجودة من الكونغو البلجيكية".

وكان اتحاد المناجم قد باع كميات كبيرة من خام اليورانيوم إلى ألمانيا. (تشير الكاتبة إلى ما كان يحدث في بلجيكا نفسها، حيث كانت الشركات التي تتعامل مع ألمانيا النازية عام 1943 وحده، قد سلمت 155 قاطرة من اليورانيوم إلى المانيا). ومع ذلك، كان إدغار سينجير مدير الجمعية العامة لبلجيكا ورئيس اتحاد المناجم في كاتانغا العليا (UMHK) أثناء الحرب العالمية الثانية، حليفا رئيسيا للولايات المتحدة.

وقد حصل بعد الحرب على ميدالية الجدارة، التي كانت آنذاك أعلى جائزة مدنية للحكومة الأميركية.
ويروي الباحث الأميركي توم زولنير في كتابه "تاريخ اليورانيوم" كيف أن إدغار سينجير تدخل لصالح الأميركيين وأمدهم باليورانيوم اللازم لمشروع مانهاتن، إذ "قام بشحن 1000 طن من خام اليورانيوم من منجم شينكولوبوي، وإرساله إلى مستودع نيويورك عام 1939، فضلاً عن كمية متواضعة تم جلبها من الغواصة الألمانية يو 234 التي أسرت بعد استسلام ألمانيا في مايو/أيار 1945".

وكما أن أمر الوكلاء الجواسيس كان سراً، فقد بقي سراً لسنوات طويلة أيضاً؛ اعتماد المشروع الذري الأميركي على الخام الكونغولي. فبعد قنبلة هيروشيما، لفت بيان صادر عن رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل الانتباه إلى "المادة الخام التي لا غنى عنها في المشروع" ويقصد اليورانيوم، وقال إن كندا منحتها، ولم يشر مطلقاً إلى الكونغو.

تلك الاتفاقيات السرية التي لم يتعدّ صداها الحدود الجغرافية لجمهورية الكونغو الديمقراطية، كان أثرها جليا تماما على المجتمع المحلي.
 
على حدود المدينة تخرج النساء كل صباح لبيع الخضروات التي قد تحمل داخلها آثارا إشعاعية لا تظهر آثارها إلا بعد الإصابة المميتة (الجزيرة)

أوليفر تشينوكيا صحفي في المجتمع المدني الكونغولي في جنوب أفريقيا، نشأ قرب منجم شينكولوبوي، يذكر أن مدينته كانت تجلب الخوف للزائرين، "فكانوا يحسون بالضيق ولا يعرفون السبب.. لم يكونوا مرضى، كانوا فقط ضيوف مدينة مسكونة بشبح القنبلة".

ويضيف أوليفر في حديثه للجزيرة نت "هناك تركة رهيبة أخرى، فإلى جانب القنابل التي ألقيت على اليابان والتي كان مصدرها اليورانيوم، كانت النفايات المشعة في شينكولوبوي قد أودت بحياة الكثيرين، وتسببت في تشوهات خلقية وسرطانات قاتلة".

فبعد انهيار أحد أنفاق المنجم، طلب من الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية التحقيق في الظروف المحيطة بالعمل. وقد وجدت دراسة أن 6000 من عمال المناجم كانوا ينقبون عن الكوبالت على نطاق ضيق جدا.. "الجميع كان يعمل دون توقف، غير مكترثين لخطرالمشاكل الصحية المتزايدة بسبب المستويات العالية للإشعاع".

الباحث المتخصص في صراع البحيرات العظمى ليونارد مولوندا كان أحد المشاركين في الذكرى الـ71 لكارثة هيروشيما، التي أحيتها الجالية الكونغولية بمتحف جنوب أفريقيا في كيب تاون يوم 6 أغسطس/آب 2016، ويقول "هل أخبر صناع القرار سكان منطقة ليكاسي لماذا كان يستخرج اليورانيوم من أرضهم؟ هل تشاوروا معهم إن كانوا لا يمانعون أن يموت 150 ألف ياباني بريء في هيروشيما وحدها باليورانيوم المستخرج من أرضهم؟ طبعاً لا".

ويضيف مولوندا للجزيرة نت "ليس لدينا حتى سجلات موثقة حول تأثير التعرض للإشعاع على جمهورية الكونغو الديمقراطية على مدى العقود السبعة الماضية.. لقد كنا دائماً خارج اللعبة، ودائماً كنا وحدنا من يدفع الثمن".

عندما سمع ألبرت آينشتاين بما صنعته القنبلة النووية بأرواح الأبرياء في هيروشيما وناغازاكي، وضع رأسه بين كفيه، وقال "كان عليّ أن أحرق أصابع يدي قبل أن أكتب رسالتي تلك إلى روزفلت".. لكن الأوان كان قد فات.
السابق

السابق

التالي

السابق

-10/15-

إسرائيل تستثمر "الفصل العنصري" نوويا

إسرائيل تستثمر "الفصل العنصري" نوويا
رميساء خلابي - النيجر
 
في كامبالا، عاصمة أوغندا، وقف أمام قبر شقيقه الأكبر للحظات. لحظات، ربما تشفع لعقود من القطيعة. "لقد أراد ببساطة إيصال رسالة مفادها أن بلده عازم على التعاون مع دول القارة في محاصرة الإرهاب، وهو أقوى سلاح تلوح به تل أبيب منذ بداية علاقاتها مع القارة"، هكذا علقت الدبلوماسية الصومالية السابقة شمسة محمود على الزيارة التاريخية لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو إلى أوغندا.

وكان بوناثان شقيق نتنياهو قتل أثناء عملية تحرير ركاب طائرة كانت تحلق من تل أبيب إلى باريس، اختطفها مقاتلون فلسطينيون ومتعاطفون ألمان مع القضية الفلسطينية إلى أوغندا عام 1976.

لكن نشطاء رأوا في الزيارة إعادة لإحياء تاريخ سيئ مع إسرائيل، عنوانه العريض سلاحٌ إسرائيلي مقابل يورانيوم أفريقي. "كل من أراد كسب صداقتنا يضع أمامنا ورقة توفير السلاح من أجل أمن أفريقيا"، هكذا علق سباستيان نيمث، أحد النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي.
 
على يسار الصورة وزير الدفاع الإسرائيلي شمعون بيريز، ثم رئيس المخابرات الجنوب أفريقية فان دان هيندريك (الجزيرة)

تاريخ العلاقات السرية
تبدأ القصة عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، عندما أصبح شمعون بيريز وزيرا للدفاع، حيث قام بأول زيارة سرية لنظام الفصل العنصري. في تلك الأثناء، كانت 31 دولة أفريقية قد قطعت -بقرار ملزم صادر عن منظمة الوحدة الأفريقية- علاقاتها الدبلوماسية مع تل أبيب.

بعد الزيارة السرية الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني 1974 لجنوب أفريقيا، والزيارة التي تلتها في مارس/آذار 1975، والتي شهدت لقاء موسعا بين كبار المسؤولين في وزارتي الدفاع من كلا البلدين؛ تقدمت إسرائيل بعرض لجنوب أفريقيا، يتضمن بيع صواريخ أرض أرض من طراز أريحا، وهي صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، وفقا لتقارير أجنبية.

وكان قائد الأركان العامة بجنوب أفريقيا الجنرال رب آرمسترونغ، قد كتب في مذكرة عسكرية مؤرخة بـ31 مارس/آذار 1975، كيف أن دولته تعاونت مع إسرائيل لتطوير برنامجها النووي لردع روسيا والصين عن زيادة أنشطتهما في القارة الأفريقية.

واقعة مشهورة
كان كثير من الغموض يشوب علاقة البلدين، إلى أن أفاق العالم في 22 سبتمبر/أيلول 1979 على خبر مؤكد مفاده أن تفجير نوويا وقع في منطقة المحيط الهندي، التقط صورته قمر التجسس الأميركي "فيلاه". وقد وافق خبراء الطاقة النووية في الاستخبارات الأميركية -رغم تكذيب الجانبين حينها- على أن الحادثة ترجع بالفعل إلى تفجير نووي.

واعترف نائب وزير الخارجية بجنوب أفريقيا عزيز فاهد -في حوار له مع جريدة هآرتس الإسرائيلية عام 1997- بصدق الإشاعة، معولا على تقادم القضية، مؤكدا أن ما حدث سنة 1979 كان تجربة نووية بالفعل. لكنه رفض الإفصاح عما إذا كانت بلاده من قام بالتجربة بالتعاون مع إسرائيل أم أنها تجربة إسرائيلية جرت بعلم المسؤولين في بلاده.

لكن ساشا بولاكو سورانسكي، مؤلف كتاب "التحالف غير المعلن.. العلاقة السرية لإسرائيل مع جنوب أفريقيا"، وهو يهودي أميركي من أصول جنوب أفريقية؛ ذكر -باعتماده على معلومات وصلته من أندري بيوس المسؤول الكبير السابق في نظام الفصل العنصري- أنه على يقين تام من أنها كانت تجربة نووية إسرائيلية، لأن بلاده لم تكن قد استكملت مشروعها في بناء قنبلة مماثلة للغرض ذاته.

ويضيف الكاتب أن كل المعلومات التي توفرت لديه تؤكد أن جنوب أفريقيا لم تكن تمتلك ذلك النوع من القنابل، الذي كان يعتبر حينها أكثر الأسلحة تطورا.

رغم اختفاء مناجم اليورانيوم من جنوب أفريقيا، إلا أن الأراضي ما زالت غنية بالمعادن الثمينة (الجزيرة)

انتهاز الفرصة الذهبية
استفادت إسرائيل من الحظر الإجباري على الأسلحة الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على جنوب أفريقيا، لتلعب دور الوسيط في شراء أسلحة لنظام الفصل العنصري من دول رفضت التعامل معه، أو حتى تزويده بآخر المعدات العسكرية مقابل تمويل الأخير الأبحاث الخاصة بتطوير الأسلحة الإسرائيلية، لتكون إسرائيل بذلك الدولة الرائدة في مجال تزويد نظام الفصل العنصري بالسلاح.
حيث ورد في أول تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأميركية في أبريل/نيسان1987، أن إسرائيل كانت تنتهك بشكل منتظم الحظر الدولي على مبيعات السلاح.

لكن العلاقة لم تتوقف على السلاح الإسرائيلي مقابل المال الجنوب أفريقي، فبعد اكتشاف الضربة القوية التي يسددها السلاح النووي، سعت إسرائيل للحصول على المادة الأولية لتطوير برنامجها العسكري، اليورانيوم.

ولتأمين وصول اليورانيوم الجنوب أفريقي إلى إسرائيل دون معاكسات دولية، نسقت إسرائيل مع تاجر السلاح في جنوب أفريقيا، يان بلاو، أحد أفضل طياري الحرب العالمية الثانية والذي لعب دورا مهما في عملية التبادل السري بين البلدين، حيث اشترك مع وزير التعدين باني بوتا في عمليات نقل بلاده اليورانيوم إلى إسرائيل.

وقد ظل بلاو من الأصدقاء المقربين لإسرائيل، بعدما تحول لتجارة السلاح فور خروجه من الجيش.

علاقة بالنور
في عام 1976، قامت إسرائيل بتوجيه دعوة إلى رئيس حكومة جنوب أفريقيا بج بورستر لزيارتها رسميا. وقام بالفعل بزيارة إسرائيل لمدة خمسة أيام، التقى فيها رئيس الحكومة الإسرائيلي إسحاق رابين ووزير الدفاع شمعون بيريز والعديد من كبار المسؤولين في تل أبيب، كما قام بزيارة حائط البراق ومتحف تخليد ذكرى المحرقة النازية.

يذكر أن بورستر نفسه كان من أعضاء الحركة المؤيدة للنازية في جنوب أفريقيا، وسجن إثر ذلك خلال الحرب العالمية الثانية.

لكن يبدو أن البلدين كانا يتطلعان إلى أهداف أكثر سرية، عندما قررا إخراج علاقتهما الغامضة إلى النور والحديث عنها بشكل علني.
 
ينتظرون أن تملأ طاساتهم ليس بخطابات الرؤساء ولكن فقط ببضع فرنكات (الجزيرة)

وعود كاذبة
فبعد أقل من سنة من زيارته العلنية لتل أبيب، كشف تقرير أعده الجاسوس الروسي بجنوب أفريقيا جرهاد، أن نظام الفصل العنصري يخطط لتجربة نووية تحت الأرض. وبعدما قامت روسيا بالتوجه إلى الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر مبدية مخاوفها مما جاء في تقرير جرهاد، قام الأخير بممارسة ضغوط على نظام الفصل العنصري للتراجع عن خطته، وكنتيجة لذلك، وعد رئيس الوزراء بجنوب أفريقيا بج بورستر الأميركيين بوقف تجارب حكومته النووية، وعدم الخوض في هذا الأمر مجددا. لكن بورستر لم يف بوعده، حيث توجه بطلب للجنة الطاقة النووية في بلاده، وكذلك طلب من جيشه التسريع في خطة برنامج بلاده النووية في سرية تامة.

ففي عام 1985 قامت جنوب أفريقيا بتزويد إسرائيل بكميات هائلة من اليورانيوم بهدف تشغيل مفاعل ديمونة النووي، وكان وزير التعدين في جنوب أفريقيا باني بوتا قد وافق على بيع مئة طن من الكعكة الصفراء لإسرائيل.

لكن مسؤولين عن لجنة الطاقة النووية رفضوا تزويد إسرائيل باليورانيوم، مما دفع بوتا إلى إرسال خطابات تهديد لهم، وكان الأخير قد أشار في أكثر من حديث صحفي له إلى الصداقة التي جمعت بين تل أبيب وبلاده خصوصاً في ما يتعلق بالتبادل النووي.

يذكر أن جنوب أفريقيا زودت إسرائيل بمخزون احتياطي من اليورانيوم يزن خمسمئة طن، لتصنيع القنبلة النووية. وفي المقابل باعت إسرائيل لجنوب أفريقيا ثلاثين غراما من خام الترينيوم من أجل برنامجها النووي، وهو مادة ذات قوة إشعاعية، كما تعد مادة حيوية تمنح قوة جبارة خلال عملية الانفجار النووي.

رسالة حميمة
بعد ثلاثة أيام من قيادته للعملية الجوية لقصف المفاعل النووي في العراق، كتب الوزير الإسرائيلي رئيس الأركان السابق إتان رفائيل، إلى وزير الدفاع في جمهورية جنوب أفريقيا ميغناس ميلان -برسالة مؤرخة في 10 يونيو/حزيران 1981- يقول فيها "إلى العزيز الجنرال ميلان.. حسنا، لقد قمنا بالعمل بعزم حديدي حتى لا نسمح لأولئك العرب المجانين بإنتاج أسلحة نووية. كل من يحاول القول إن مفاعل العراق النووي كان فقط من أجل أغراض بحثية، خبيث، وما يسري في عروقه نفط وليس دما بشريا".

ويضيف: نحن لسنا قلقين من كل "الأرواح الطيبة" التي لن تستطيع كل تماسيح أنهار جنوب أفريقيا أن تمدها بما يكفي من الدموع لمسح نفاقها".

ثم ختم رسالته بالقول "سيكون هناك بلا شك ارتفاع للاحتجاجات في العالم، ولكن البديل لوجودنا كان يمكن أن يكون أسوأ من ذلك سبعة أضعاف. أنا متأكد من أنك ستتفهم ذلك جيدا بلا شك".
السابق

السابق

التالي

السابق

-11/15-

"هوبيت هاوس" مقهى إسطنبولي يحتضن الأطفال المحتاجين

"هوبيت هاوس" مقهى إسطنبولي يحتضن الأطفال المحتاجين
فاطمة سلام - إسطنبول
في قلب الأحياء القديمة بمدينة إسطنبول يقع حي "بلاط" العتيق، وكأن المدينة شاءت أن تخبئه كي يزداد عتاقة، وكما صندوق العجائب الذي كلما فتحته تكتشف شيئا جديدا وعجيبا فإنك كلما زرت حي بلاط ستكتشف ركنا جديدا أو زاوية عجيبة أو فضاء مختلفا، فتنالك الدهشة لمقدار جمال وإنسانية الحي والذين يسكنونه.

من بين هذه الفضاءات العجيبة فضاء يحتل ثلاثة طوابق من إحدى البنايات المعمرة التي فتحها الزوجان التركيان الشابان سنام ومراد أمام الأطفال الأتراك المحتاجين وأطفال اللاجئين في البلاد من أجل تعليمهم والعناية بهم وتسليتهم أيضا.

أول ما تراه من هذه البناية الألوان المزركشة التي تعلن عن اسم يشد هو "هوبيت هاوس" أي "بيت الأقزام" كناية عن الحكاية العالمية الشهيرة ثم ترى أنه مقهى لكنه ليس عاديا بالمرة.

تصادف أمام البناية/المقهى متحفا حرا يضم رسومات الأطفال المحملة بالأحلام والتوق لحياة أفضل، ووعاء كبيرا مملوءا بشوربة لذيذة، يتناوب الأطفال القادمون لتوهم من حجرات الدرس بالمدرسة المجاورة على سكب بعض منها بشهية مفتوحة، ومرح يستمر مع تنقلهم إلى باقي أرجاء "هوبيت هاوس".
الزوجان سينام ومراد جعلا من مقهى هوبيت هاوس ملجأ لأطفال اللاجئين والمحتاجين (الجزيرة)

اختار الزوجان مراد وسنام إطلاق "هوبيت هاوس" على هذا الفضاء الذي "كان فكرة صغيرة قبل أن تصبح مبادرة كبيرة يساهم فيها أشخاص آخرون" كما يقولان للجزيرة نت.

تنبني المبادرة على روح التطوع والعطاء من أجل إسعاد أطفال في وضعية صعبة، من بينهم يتامى ومتخلى عنهم، وأطفال لاجئون، معظمهم من السوريين الذين فروا من ويلات الحرب في بلادهم.

لدعم هذه المبادرة واستمراريتها لا يكون التبرع لـ"هوبيت هاوس" بالمال فقط، لكنه يجوز أيضا بأشياء عينية تفيد الأطفال الذين يقصدونه، قد توفر لهم أوقاتا سعيدة خلال الفترة التي يمضونها يوميا في "البيت" كما تسميه الطفلة حسناء (11 سنة) سورية الجنسية، والتي تتحدث اللغة التركية بطلاقة.

قد تشمل التبرعات العينية الملابس والأحذية والكتب ومعدات الطهي والألعاب والفرش وحتى المواد الغذائية أو وجبه أعددتها في بيتك.

هذه التبرعات يتم تسليمها بشكل شخصي في عين المكان، أو ترسل عبر أشخاص أو البريد، وإذا زادت هذه التبرعات عن حاجة "هوبيت هاوس" وأطفاله فإن الزوجين يشرفان على تسليمها للمحتاجين، وهو ما يطلقان عليه التبادل الاجتماعي.

يقول مراد للجزيرة نت إن "كل التبرعات مرحب بها، فالأشياء القديمة نعيد استخدامها أيضا لنستفيد منها، والمواد الغذائية نقوم بطبخها لتغذية الأطفال، والأدوات القرطاسية والملابس نوزعها عليهم بشكل دوري".

أما زوجته سنام فتقول إن ما يقومان به "يمكن تسميته نظام الخير، وهو مفتوح لجميع من يفكر في القيام بعمل خيري ولا يعرف من أين يبدأ".

أمام باب هوبيت هاوس (الجزيرة)

وتشدد سنام على أن "عمل الخير لدينا ليس تقديم المال بل التردد على المكان أيضا، فالاعتناء بالأطفال عمل إنساني".

أثناء وجودنا في "هوبيت هاوس" صادفنا مجيء السيدة كبرى التي أتت لزيارة المنزل حاملة معها كمية من الحلويات والكيك، قالت للجزيرة نت إنها تقدر كثيرا مبادرة مراد وسنام، مضيفة "قد تكون مساهمتي بسيطة لكنها تنفع أيضا، وسأعمل دائما وقدر استطاعتي على تقديم ما يساعد على استمرار هذا الفضاء واستقباله عشرات الأطفال يوميا".

الحضور إلى المقهى والحصول على خدماته أيضا يوفر مالا يساعد الأطفال، وعندما نقول خدماته فإننا نتحدث عن مقهى متكامل يقدم واحدة من أجود وجبات الإفطار في إسطنبول، والتي تشرف عليها سنام أو أي من جاراتها إن تطلب الأمر غيابها، ويشمل الأمر أيضا رعاية الأطفال.

ويمكن القول إن هذا الفضاء يمنح الأطفال أيضا الفرصة لتبصم طفولتهم وجوه وشخصيات من بلدان عديدة تزور حي بلاط الشهير والمقهى/الفضاء.

"هوبيت هاوس" يملأ أيضا أوقات فراغ الأطفال، ويكسبهم مهارات تفيدهم في حياتهم الشخصية وتفيد المجتمع، كما يعمل على دمج الأطفال في ما بينهم مهما تباينت خلفياتهم وظروفهم ولغاتهم، ويعلمهم التسامح والتعايش مع الآخر.

أحمد (9 سنوات) طفل سوري، يتحدث اللغة التركية إلى جانب العربية بطلاقة، يقول إن "الحرب جعلتنا نغادر سوريا، أمي تعمل لذلك آتي إلى هنا مباشرة بعد خروجي من المدرسة، وأنا أحب هذا المكان لأن فيه كل شيء، الأكل واللعب والأصدقاء أيضا، كما أني أحب سنام".

وتوافق تولين (7 سنوات) -وهي طفلة تركية- أحمد في حب "هوبيت هاوس"، وتضيف "الأنشطة التي نقوم بها في هذا المنزل -خصوصا الرسم- (مشيرة إلى مجموعة من اللوحات المعلقة على الجدران والتي رسمتها بمعية باقي الأطفال) تجعلنا سعداء هنا".

هذه السعادة التي تضن بها الحياة تفسح بعض سبلها هنا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/15-

عبق الورق المعتق بأسواق الكتاب المستعمل بالمغرب

عبق الورق المعتق بأسواق الكتاب المستعمل بالمغرب
رجاء غرب - الدار البيضاء
وأنت وسط ساحة السراغنة الشهيرة في مدينة الدار البيضاء يخيل لك أنك تتجول وسط سور الأزبكية بمصر أو شارع المتنبي في العراق، فرائحة الكتب هنا معتقة يملأ نسيمها سماء الساحة، ويجذب عشاق الكتاب لأروقة نصبها أكثر من ستين كتبيا طوال أبريل/نيسان الماضي بمناسبة الدورة الـ11 لمعرض الكتاب المستعمل في المغرب.

معرض الكتاب المستعمل مناسبة سنوية يلتقي فيها الكتبي والكتاب والزبون، لإحياء تجارة يحرص أصحابها على حمايتها من خطر الزحف الإلكتروني، لكن المهنيين وعشاق الكتب صامدون من أجل حماية الكتاب المستعمل كما يقول رئيس الجمعية البيضاوية للكتبيين يوسف بورة في حديثه للجزيرة نت.

قدم معرض الكتاب المستعمل في المغرب نحو أربعمئة ألف كتاب بالعربية والفرنسية والإنجليزية وكذلك الأمازيغية، تتراوح مجالاتها بين الأدب والفكر والدين والعلوم الإنسانية والاجتماعية والمقررات الدراسية، بالإضافة إلى كتب الطبخ والأطفال أيضا.

يوسف بورة هو كتبي يمارس مهنة تجارة كتب المستعملة منذ سنة 1987 التقته الجزيرة نت في أروقة معرض الكتاب المستعمل باعتبار الجمعية التي يرأسها هي الجهة المنظمة لهذه التظاهرة الثقافية السنوية.يمتلك بورة محلا صغيرا في سوق لقريعة الشهير، يفتح أبوابه طوال أيام السنة، ويقصده زوار من فئات المجتمع الاقتصادية والثقافية.

مراسلة مجلة الجزيرة تحاور يوسف بورة رئيس الجمعية البيضاوية للكتبيين (الجزيرة)


يوضح بورة للجزيرة نت أن انخفاض ثمن الكتب المستعملة هو السبب الرئيسي الذي يحافظ على هذه المهنة، ويجعل لها زبائن أوفياء، فنفس الكتاب الذي يباع في المكتبات بـ150 درهما (15 دولارا) يمكن لزبون أن يقتنيه بعشرة دراهم (دولار واحد) فقط، فالفرق الكبير في الثمن يجعل القارئ يقصد محلات بيع الكتب المستعملة التي عليها إقبال، والأمر يبقى متعلقا بالمشكلة الاقتصادية بدرجة أولى، لأن دخل المواطن المغربي لا يسمح له باقتناء الكتب الجديدة من المكتبة بشكل دائم لذلك يضطر إلى الالتجاء للكتاب المستعمل.

وبالإضافة إلى الثمن تزخر خزائن تاجر الكتاب المستعمل بمخطوطات ومطبوعات نادرة، منها القادم من العراق وأخرى طبعت في روما، والثانية كتبت في عهد العثمانيين ببلاد الأناضول، وكتب خلفها الاستعمار الفرنسي إبان مغادرته المغرب قبل سنوات.

عشاق الكتب النادرة كما يصفهم يوسف بورة مستعدون لشرائها بأثمان مرتفعة رغم أنه سبق استعمالها أكثر من مرة بحكم درايتهم أن مثل هذه الكتب لم تعد متوافرة في سوق الكتاب الجديد، وإن وجدت فهناك نسخ قليلة تتوزع على شرق الكرة الأرضية وغربها.

يحصل الكتبي في أغلب الأوقات على الكتب المستعملة من المكتبات المنزلية التي يتوفى أصحابها وتتخلى عنها عائلته جهلا بقيمتها، وفي أحيان أخرى يتبرع بها أصحابها أو يبيعونها بثمن قليل لتجار الكتب المستعملة، كما أن الجمعية البيضاوية للكتبيين تنظم بين فترة وأخرى حملات في الجامعات المغربية تحث فيها الطلبة على التبرع بكتبهم القديمة مقابل حصولهم على كتب أخرى، وبهذا يتم توفير أكبر عدد من الكتب المستعملة.

تجار الكتب المستعملة لا يبخلون كذلك في إعارة الكتب مقابل دراهم قليلة تضمن أن يعيدها المستعير.

ويؤكد بورة في حديثه أن عملية الإعارة لا تعود بأي نفع مادي على الكتبي، لكنه بهذه الطريقة يساهم في كسب زبائن جدد، وغالبا ما يفقد الكتبي الكتب التي يعيرها. ويضيف على سبيل المداعبة "يقول المثل القديم من أعار الكتاب فهو أحمق، ومن أعاده فهو أكثر حمقا".

الكتب المستعملة يبتدأ ثمنها من درهمين فقط  (الجزيرة)



وظيفة الكتبي لا تقتصر على عملية البيع والشراء فقط، ويعتقد بورة أن "الكتبي يجب أن يتوفر على دراية ثقافية ومستوى معرفي يخول له التجاوب مع الزبائن، وتقديم الكتب لهم ومساعدتهم على البحث واختيار العناوين التي يقصدونها".

وغير بعيد عن ساحة السراغنة وفي سوق لبحيرة بالمدينة العتيقة في الدار البيضاء تتراص المحلات الصغيرة منذ خمسينيات القرن الماضي، هذا المكان الذي يشهد على تاريخ المغرب بنمط معماري يشي برمزية التراث المعتق للمغرب.

رواد سوق لبحيرة من جميع شرائح المجتمع المغربي من طلبة ومن ذوي الدخل المحدود وكذلك من الطبقة المتوسطة وما فوق يقصدون كتبي الكتب المستعملة للبحث عن عناوين كتب لا يجدونها في سوق الكتاب الجديد.

عبد المؤمن محو صحفي في القسم الثقافي في أحد المواقع العربية يقصد سوق لبحيرة بشكل مستمر للحصول على الإصدارات القديمة تساعده في البحث عن مواضيع تاريخية وتراثية لإغناء مقالاته.

يقول عبد المؤمن محو للجزيرة نت إن زيارته لسوق لبحيرة أصبحت طقسا شهريا لا بد منه، يوفر من راتبه الخاص لاقتناء مجموعة من الكتب التي لم يجدها في مكان آخر غير هذا السوق، كما أن تردده على هذا المكان جعله يربط علاقات خاصة مع الكتبيين ويستشير معهم في نوعية الكتب ومضمونها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/15-

مصريون في المنفى.. تغريبة الوطن والحياة

مصريون في المنفى.. تغريبة الوطن والحياة

دعاء عبد اللطيف - القاهرة


منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013 الذي أطاح بمحمد مرسي أول رئيس مصري منتخب بعد ثورة 25 يناير، أجبر مصريون كثيرون على الخروج من وطنهم، إما لاتهامهم في قضايا سياسية أو لفصلهم من عملهم والتضييق عليهم بسبب معارضتهم للسلطة.

وملايين من المصريين غيرهم قرروا الاغتراب بحثا عن عمل -بعدما ضاق بهم رزق الوطن- أو فرصة تعليم أفضل، غير أن تغريبتهم في سياقها الاستثنائي جرت بلا إرادة؛ فالبقاء داخل بلدهم كان يعني السجن أو الموت. وباتت وسائل التواصل الاجتماعي الخيط الوحيد الذي يصلهم بالحياة في الوطن.

منذ الانقلاب العسكري أجبر كثيرون على الخروج من مصر بسبب الملاحقة الأمنية (الجزيرة)

أيام القلق
يقول مريد البرغوثي في سيرته "رأيت رام الله" إن "الغربة كلها شبه جملة، الغربة شبه كل شيء"، وغربة الشيخ محمد عوف بدأت من قبل أن تخطو قدماه أرضا غريبة، بدأت عندما صار سؤال "كيف سأعبر الحدود؟"، سؤالا ضخما بلا إجابة تُشبه الإجابات العادية.

اقترح بعض أصدقائه اتخاذ طرق برية لخروج آمن من مصر، مبدين تخوفات من السفر عبر المطارات، فـ"عدد كبير من أئمة وزارة الأوقاف مطلوبين للنظام باعتبارهم من المعارضة، وكوني إماما في الأوقاف وسبق اعتقالي فكان الخروج عبر المطار أمرا مستحيلا"، هكذا يشرح عوف للجزيرة نت أيام القلق قبل رحيله عن وطنه.

ورغم الأصوات الممانعة، قرر الشيخ -المحكوم عليه بالسجن خمس سنوات غيابيا بتهمة الاعتداء على وزير الأوقاف في مكتبه- أن يسافر عبر أحد المطارات، يقول "استخرت الله وتوجهت للمطار، ويسر الله لي إنسانا لا أعرفه يعمل في المطار لأصل إلى صالة الانتظار دون تفتيش. هو طلب مني جواز السفر وأنهى الإجراءات".

السودان كان مقصد إمام الأوقاف، لكن غلاء المعيشة وصعوبة الحصول على عمل، دفعه للرحيل أبعد. ويضيف "الحصول على تأشيرة دول أخرى من السودان أمر شديد الصعوبة، لذلك اضطررت لإرسال جواز سفري إلى مصر للحصول على تأشيرة المرور لتركيا".

والتأقلم مع ثقافة ولغة ومستوى اقتصادي ونظام معيشة وطقس مناخي مختلف، بدا صعبا في بدايات عوف في تركيا، لكن الوقت والاضطرار كانا كفيلين بتدبير كل شيء.

وبقيت مواقع التواصل الاجتماعي سبيله للاطمئنان على أسرته داخل مصر، وكذلك هي سبيل آخرين داخل مصر لمحادثته عن طريقة للخروج من البلد هربا من الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية المتردية.

التأقلم على الحياة المختلفة من المشكلات التي واجهت محمد عوف في غربته (الجزيرة)

موت متعدد
الاستثناء في حياة أسرة المعلم جمال عبد الرحمن بات شيئا عاديا، منذ أن كُتب عليها الشتات بعد مذبحة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في أغسطس/آب 2013.

ألقي القبض على الأب جمال عبد الرحمن وابنه في سبتمبر/أيلول 2013 على ذمة قضية أحداث العدوة، وبعد خمسة أشهر أخلي سبيلهما على ذمة القضية، إلا أن القضية صدر فيها حكم بالإعدام على 529 متهما باقتحام قسم شرطة العدوة بمحافظة المنيا وقتل رقيب شرطة احتجاجا على فض الاعتصامين.

خرج الأب -الذي كان معلما في إحدى مدارس المنيا- ليجد نفسه محولا للقسم الإداري بعيدا عن التدريس، يقول "علمت أنه صدر أمر بالقبض على المخلى سبيلهم مرة أخرى، فتركت بيتي وظللت مطاردا أنا وابني داخل مصر لمدة ثلاث سنوات".

قرار الرحيل عن البلد لم يكن اختياريا، واستقر عبد الرحمن في السودان، أما ابنه الذي كان طالبا في السنة الثالثة بكلية الطب فكان مقصده ماليزيا.

الغربة ورحلة البحث عن عمل -التي استمرت ستة أشهر- لم تكونا وحدهما مصدر الألم، فإخفاء ابنه الثاني قسريا لمدة 110 أيام كان نوعا آخر من الموت.

يضيف الأب للجزيرة نت "ابني الأصغر عبد الرحمن كان طالبا في كلية العلوم، وخلال العطلة الصيفية في أغسطس/آب الماضي ذهب إلى مدينة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة للعمل، ليوفر احتياجات باقي الأسرة في المنيا، لكنه اعتقل وأخفي لمدة 110 أيام".

وفي خبر اعتيادي لمتابعي النشرات الإخبارية بمصر، أعلنت وزارة الداخلية في ديسمبر/كانون الأول الماضي عن تصفية شباب وصفتهم بالمسلحين والمطلوبين للعدالة، وكان من بينهم الابن الأصغر للعائلة المشتتة بين ثلاث دول.

أما الغربة التي اضطر لها الشاب محمد هيكل ليتجنب الملاحقة الأمنية في مصر، فهي بالنسبة له سجن كبير، لذلك يصف نفسه بابن الجدران الأربعة.

خرج هيكل من مصر في ديسمبر/كانون الأول 2014، كي لا يكون رقما ضمن قائمة المقتولين على يد رجال النظام، بحسب قوله، وبات يتنقل بين ثلاث دول.

والحصول على فرصة عمل ليست بالأمر السهل لمطارد هارب من وطنه، لذلك لم يجد هيكل عملا سوى منذ ستة أشهر وفي غير تخصصه الأكاديمي. يقول "المآسي كثيرة، قابلت مطاردين مرضى يعتمدون على قليل من الجنيهات ترسل إليهم من ذويهم في مصر، ومنهم من ينتظر من يتصدق عليه في البلاد الغريبة، وهو كان في وطنه معطاء كريما".

المعلم جمال عبد الرحمن تعرض للملاحقة الأمنية والتضييق في عمله بسبب الانتماء السياسي (الجزيرة)

متى يعودون؟
أعدت الشبكة العربية لحقوق الإنسان في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تقريرا عن الهجرة غير الطوعية للخارج، تضمن عينة من المهاجرين لثماني دول عربية وأوربية وآسيوية، إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية.

وأظهر سؤال حول إمكانية عودة المهاجرين حال توفرت لهم إمكانية ذلك، أن 12% فقط يرفضون العودة إلى مصر مرة أخرى، فيما أجاب 88% من حجم العينة بالرغبة في العودة المشروطة بالانفراج في المجال العام وعدم الملاحقة الأمنية.

بدوره قال مدير التنسيقية المصرية للحقوق والحريات عزت غنيم إن عشرات الآلاف من الشباب تركوا مصر بعد الانقلاب العسكري لأسباب سياسية واقتصادية، مشيرا إلى تعرض الكثيرين للفصل من عملهم أو النقل بسبب رأي سياسي.

وأضاف غنيم للجزيرة نت أن عددا قليلا ممن هاجروا حصلوا على لجوء سياسي، موضحا أن هؤلاء لا يمكنهم العودة إلا بتغير النظام في مصر، وفق قوانين اللجوء الدولية.

وبالنسبة للمهاجرين والصادر بحقهم أحكام قضائية، أكد غنيم أن عودتهم قبل انقضاء الدعوى الجنائية يعني تعرضهم لقضاء العقوبة، وأردف أن "قضايا الجنح تسقط بعد ثلاث سنوات أما الجنايات فبعد 25 سنة".

وهناك الكثير من التداعيات السلبية لظاهرة الهجرة غير الطوعية، منها أن المهاجر قد يكون عرضة للأفكار المتطرفة، خاصة أنه عادة ما يجد صعوبة في الحصول على عمل، فضلا عن الطلبة الذين يضطرون إلى ترك دراستهم، وفق رؤية مدير تنسيقية الحقوق والحريات.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/15-

الروهينغا في الهند.. معاناة مضاعفة وأفق مغلق

الروهينغا في الهند.. معاناة مضاعفة وأفق مغلق
فايز الحق - نيودلهي
على شاطئ نهر يامونا طريق ضيق يقود إلى قطعة من الأرض سميت بـ"دار الهجرة" في قلب الهند، أي في عاصمتها نيودلهي، هذه الدار تحتضن أكثر من مئتي روهينغي مسلم منذ أكثر من أربع سنوات، هم جزء من آلاف الروهينغيين الذين فروا من ميانمار، خاصة من إقليم أراكان (راخين)، خوفا من عمليات القتل والقمع التي يقوم بها البوذيون المتطرفون منذ 2012 في إطار حملة للتطهير العرقي ضد المسلمين.

وفّرت مؤسسة الزكاة الهندية قطعة الأرض لمئتي لاجئ روهينغي ليقيموا عليها في نيودلهي حتى يتم حل قضيتهم، والحال نفسها تكررت في مدينة حيدر آباد، وجامو في شمال وغرب الهند، وميوات قرب دلهي.

وكانوا الروهينغيون يأملون بحياة جديدة آمنة، لكنهم يقولون إن وضعهم لم يتحسن كثيرا إلى الآن، فمستقبلهم غامض لأن لا أحد يهتم لأمرهم.

أطفال الروهينغيين المسلمين هم أبرز ضحايا غربة آبائهم في الهند (الجزيرة)



يقول اللاجئ الروهينغي سليم الله إنه كان يتمتع بجنسية ميانمار في إقليم أراكان، لكن على الرغم من هذه الجنسية "كانت لي حقوق محدودة، فليس لدي جواز سفر، ولم تكن الحكومة تسمح لنا بالخروج من إقليمنا إلى الأقاليم الأخرى داخل البلد"؛ ويضيف "كنا نعمل مزارعين ولم نرَ في حياتنا إلا الاستغلال البشع والعنف والقمع. ومنذ أن تولت أونغ سان سوتشي الحكم في ميانمار أصبح الوضع أسوأ للروهينغيين".

يعيش سليم الله في دار الهجرة مع زوجته منذ وصوله إلى نيودلهي عام 2012، بعد أن عبر من ميانمار إلى بنغلاديش المجاورة التي لم تسمح له بالإقامة فيها، فأكمل طريقه إلى الهند. لكنه يشعر أن التهديد وعدم الأمان يلاحقه بعد إعلان السلطات الهندية أنها ستطرد آلاف الروهينغيين إلى ميانمار.

كان معظم اللاجئين الروهينغيين مزارعين أو سائقين أو يملكون ويعملون في المحلات التجارية، إذ ليس لديهم حظ من التعليم أو التدريب المهني يساعدهم في تأمين وظيفة ولو بسيطة في الهند، كما أنهم لا يجيدون اللغة الهندية التي قد تساعدهم في المهن المتواضعة، وفضلا عن ذلك ليست لديهم جوازات سفر تسهل لهم الخروج إلى بلاد أخرى، كما يصف سليم الله حالهم في الهند.

أما (أحمد كبير) الذي يقيم مع والدته المريضة في مخيم دار الهجرة، فيقول "إن اللاجئين لا يملكون إلا بطاقات هوية وفرتها لهم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في نيودلهي".

ويضيف للجزيرة نت "وجدت فرصة للعمل في صالات عرض للدراجات، لأني تعلمت اللغة الهندية بسرعة. لكن راتبي قليل جدا ولا يكفي للعيش وتوفير العلاج لوالدتي المريضة"، ويواصل حديثه "أنا أسكن هنا وحدي مع والدتي لأني فقدت شقيقتي في راخين أثناء حوادث القتل على يد البوذيين، لا نعرف أين هما، لا ندري هل هما موجودتان في ميانمار أو نجحتا في الخروج منها. هذه أزمة لأسرتي بكاملها".

ويعاني مخيم دار الهجرة من عدم توفر المرافق والخدمات المناسبة للحياة الآدمية، مما يشكل تهديدا بانتشار أمراض وبائية. فأشباه المنازل في هذا المخيم مصنوعة من الأغطية البلاستيكية والخشب، والمساحات ضيقة جدا. ويضطر أهالي المخيم لبناء الأكواخ من طابقين لاستيعاب الأسرة بأكملها. وهذا يشكل خطورة كبيرة في حال اندلاع حريق في المخيم الذي يفتقد إلى معدات مكافحة الحريق.

وبحسب إحصائيات مفوضية الأمم المتحدة لحقوق اللاجئين، يعيش في الهند قرابة 14 ألف لاجئ روهينغي يعانون من مشاكل مالية ومن التمييز العنصري في الهند، بحسب تقارير المنظمات الحقوقية.

دار الهجرة حي بائس يعيش فيه الروهينغيون في العاصمة الهندية (الجزيرة)



يقول الصحفي المختص بحقوق الإنسان افتخار غيلاني -في حديثه للجزيرة نت- إن "المشكلة الأساسية هي أن الهند لا توجد فيها سياسة ثابتة تجاه المهاجرين. فالمهاجرون أو اللاجئون من جميع الجنسيات يواجهون مشاكل حقيقية هنا، مثل الأفغان والصوماليين. لكن تبقى معاناة اللاجئين الروهينغيين أكبر بسبب موقف الهند السياسي تجاه قضيتهم.

أما الناشط الاجتماعي أنيس الرحمن الذي يرأس مؤسسة سبيريت (The Spriti Foundation) الناشطة في مساعدة اللاجئين الروهينغيين في نيودلهي وضواحيها، فيقول إن منظمته حاولت توفير بعض المساعدات وتوظيف معلم وقاعدة لتدريس أطفال اللاجئين وإماما للمسجد، لكنها تبقى مساعدات قاصرة طالما لم تقدم الحكومة الهندية المساعدة الحقيقية لهم.

ويضيف للجزيرة نت أن "المشكلة الأساسية هي من جهة الحكومة الهندية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. لا يوجد ضغط سياسي محلي أو دولي كافٍ لصالح الروهينغيين الذين يختلف وضعهم تماما عن اللاجئين من الجنسيات الأخرى".

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/15-

جاليريات طنجة.. كازيرما جاذبة للفنون

جاليريات طنجة.. كازيرما جاذبة للفنون
وصال الشيخ - طنجة

 

يرى البعض أن القاعات الفنية "الجاليري" بمدينة طنجة المغربية قليلة، فيما يعتقد آخرون أن المدينة غنية بحاضنات الفنون، وبغض النظر عن دقة الرأيين، إلّا أن المتفق عليه هو صمود حواضن الفن أمام المنافسة والنمو الديموغرافي الهائل، وضعف اهتمام الفرد بمسألة الفنّ أمام حاجياته اليومية واستهلاكه السريع لها.

برصد الأماكن الجغرافية لموقع بعض الجاليريات أو القاعات الفنية بطنجة، نجد أنها قريبة إمّا من مراكز ثقافية مثل قاعة "مدينة آرت جاليري" القريبة من جامعة "نيو انجلند"، أو تقع على مسارات سياحية هامة في المدينة القديمة (القصبة) مثل قاعة "فيلوبولس"، أو تلتحق بمراكز دبلوماسية بوسط المدينة مثل قاعتيّ "ديلاكروا" التابعة للمعهد الفرنسي، و"سيرفانتس" التابعة للمعهد الإسباني، وعلى بُعد خطوات من بعضها البعض.

القاعتان الأخيرتان هما فقط الممولتان مادياً من مؤسسات البعثات الأجنبية، والباقية هي مبادرات واستثمار خاص ترتفع أمامهما المخاطرة، وصراع البقاء في حالة فقدهما للشغف وحبّ الفنّ.

يعيش بالمدينة (947 ألف) نسمة باهتمامات وثقافات مختلفة، من بينهم الأميركية كلارا مع زوجها الفنان المغربي الشهير محمد الرايس اللذان افتتحا قاعة "فوليبلوس" منذ عام 1993، عندما حولّا الفرن القديم إلى قاعة فنية مرتبطة بمنزلهم الخاص.

تقول كلارا للجزيرة نت "كان المكان عبارة عن فرن صغير لرجل عجوز أراد أن يبيعه فاشتراه حينها زوجي الرايس، لقد أضفنا للمكان هندسة جديدة حتى أصبح بشكله الحالي، ويحتوي على قاعتيّ عرض سفلية وأخرى علوية، تحوّلت بذلك لأول جاليري خاص بطنجة".

لوحة معروضة في قاعة ديلاكروا (الجزيرة)

وتضيف "لقد تغيرت المدينة وكبرت، لا أدري بما يدور حالياً وأعتقد أن جاليريات أخرى كثيرة ظهرت للوجود بعد أن سكن المدينة أناس مهتمون بالفنّ، فالمنافسة الفنية قوية. والفنّ عموماً غير قابل للملكية الشخصية، فهو حاجة أولية مثل الطعام والماء، ولا أحد يفكر أن يبيع أو يستثمر بالفنّ. وهذا يعود إلى أن المغرب بلد يعيش بالزخرفات والتصاميم منذ قرون قديمة، وإلى ارتباط الفنّ بطرق التعليم والتربية".

يشير واقع المدينة وتحولاتها الاقتصادية والسياحية إلى نمو مجتمع متشابك ومعقد تقلّ فيه نسب المطالعة والحياة الثقافية، إلّا أن كلارا مصممة الملابس وزوجها "واصلوا فتح فيلوبلوس لأنهما يحبان الفنّ"، وواصلت كلارا تعلنها من تجربتها في "اللاب" الفني على حدّ وصفها.

وتقول، "إنّ الفنّ بذاته حركة، وهي حركة تنمو في مدينة لم تفقد كاريزمتها الفنية بعد"، وتضيف "نرى تحوّلاً ضخماً في وجود فنانين موهوبين قادرين على الوصول إلى ثيمات جديدة، يخلقون عبرها حركة ثقافية جديدة، وأجدهم مؤثرين على الدوام، إلّا أنهم يفضلون العرض في أوروبا لبيع لوحاتهم بأسعار أعلى مما هي بالمغرب، ولأننا أيضا نواجه اهتمام سطحي من طرف الغالبية الذين لا يحيطون أنفسهم بالفنّ".

شرط بسيط يضعه "فيلوبليس" أمام الفنان العارض لأعماله في القاعة، هو المساهمة نسبياً في تكاليف الافتتاح التي تستدعي طبع الدعوات والأوراق وتقديم الضيافة وإجراءات أخرى، ليستمر الجاليري من خلالها.

تأسست الجاليريات الخاصة بمبادرات شخصية طموحة كما في حالة صاحب "مدينة آرت جاليري" عمر صالحي الذي قال للجزيرة نت "فكرت بداية بحبّي للفنّ، لم أهتم بالمال أو الاستثمار، كانت مبادرة جريئة رغم معارضتها حينها من قبل المقربين، لم أعرف بداية أين سأصل لكنني اليوم سعيد بتجربتي وبمبادرتي الفنيّة".

افتتح صالحي القاعة الأولى عام 1999 بالمدينة القديمة لطنجة، وكان المتلقي للأعمال الفنيّة أجنبيّ بالدرجة الأولى، لكنّ عندما انتقل لمكان آخر صار المتلقي مغربياً، واختلفت معه مواضيع الاهتمام بالفنّ والاستثمار فيه.

تحتوي طنجة (مساحتها 124 كم مربع) على "أربعة جاليريات شخصية"، ويعتقد صالحي أن ضعف المبادرات من هذا النوع يعود إلى "أولوية الاحتياجات الفردية، وأسباب ثقافية منها الهندسة الداخلية للبيوت المغربية، التي تحتوي على الفسيفساء المزخرفة، بالتالي لا يستطيع المغربي أن يقتني لوحات فنيّة.

ويشترط صالحي في عرض الأعمال الفنية الجودة، كمعيار أساسي ووحيد، بهدف التعريف بمسار الفنان المغربي والأجنبي، والبحث عن فنانين مجهولين رغم ضعف نسب الجمهور المهتم بالفنّ، فيقول "لقد عرضنا لفنانين مختلفين منهم إسبانيون يهتمون بالثقافة المغربية منذ القرن 18 بحثاً عن ثيمات جديدة وضوء جيد للوحاتهم، لقد عرضنا للفنان باسوا دي كابو، مانيويل كاستييرو، مانيويل سارينس ممن رسموا بالمغرب وركزوا على البعد الجمالي في المعاناة المغربية".

قاعة ديلاكروا للمعارض الفنية في طنجة (الجزيرة)



خلافاً لذلك، تتربع قاعة "ديلاكروا" نسبة للفنان الفرنسي الشهير رائد المدرسة الرومانسية على قائمة الجاليريات الفنية الأبرز بطنجة، حيث تنال دعمها المادي منذ الثمانينيات من معهد البعثة الفرنسية مما ساعدها على الاستمرار وبقوة حتى اليوم.

تقول مسؤولة القاعة نجاة الهندوزي للجزيرة نت "تعرض القاعة شهرياً أعمال فنانين محليين وعالميين لا نطلب منهم مقابل، ونركز على المعارض الثقافية أكثر من التجارية التي تشمل أعمالاً في الفن المعاصر أو التشكيل أو الفوتوغراف أو النحت أو الفن الخام والرسم".

وتضيف "ما يشجع الفنانين على عرض أعمالهم هو الاحترافية ومساحة القاعة ومكانها في شارع الحرية، والعرض المتواصل على مدار الأسبوع تقريباً، وهذه الاستمرارية خلقت جمهورا يحبّ رؤية الفنّ من كافة شرائح المجتمع، كذلك نخصص زيارة أسبوعية لطلبة المدارس ودعوتهم لمشاهدة الأعمال وطرح أسئلتهم حول الفنّ".

قبل توليّ الهندوزي منصبها عام 1999، كان الفنانون المغاربة يعتقدون بأنّ العرض في القاعة صعب المنال. فتقول "عندما كنت أبحث عن الفنانين وجدتهم قلقين من العرض بالقاعة، ويعتقدون بأنّ الأمر محال، لكننّي تمكنت من كسر هذه الحواجز، وبدأوا بعرض أعمالهم دون خوف أو قلق".

وتضيف "يجب فقط على الفنان أن يكون جاداً، وأعماله قابلة للعرض. من جهة أخرى قد يكون الفنان موهوباً لكنه لا يدرك معنى تعليق اللوحة بذاك الشكل أو ذلك، لذلك نحن في القاعة نساعدهم على ترتيبها بما يؤثر على المتلقي وعملية الشراء أيضاً".

السابق

السابق

التالي

السابق

التعليقات