آخر تحديث: 2017/4/1 الساعة 12:43 (مكة المكرمة) الموافق 1438/7/5 هـ
اغلاق
خبر عاجل :لافروف: ترمب يدعو بوتين لزيارة واشنطن
آخر تحديث: 2017/4/1 الساعة 12:43 (مكة المكرمة) الموافق 1438/7/5 هـ
-1/14-

ألبانيا.. مخاضات الإيديولوجيا والحرب

محمد المختار الخليل
مدير تحرير الجزيرة نت

دول كثيرة مرت بحقب مختلفة من أنظمة الحكم، ويختزن تاريخها القديم والحديث بالأحداث والحروب وتغير الخريطة الجغرافية للبلاد وفقا لمسارات تلك الأحداث والحروب، ولعل ألبانيا واحدة من أبرز تلك الدول، فهي بحكم موقعها الجغرافي كانت على الدوام ساحة صراع بين القوى البارزة في الإقليم، وبين أبناء البلد والدول المجاورة، وفي مراحل كثيرة داخل البيت الألباني في سياق الصراع الأيديولوجي وتدافع الحكم الشمولي مع الباحثين عن حرية المجتمع.

الموقع الجغرافي المهم لألبانيا جعلها مطمعا للقوى الكبرى المجاورة، فقد خضعت للحكم العثماني لخمسمئة عام، قبل أن تنال استقلالها لأول مرة في تاريخها عام 1912 حين ضعفت الإمبراطورية العثمانية، وهو ما شجع اليونان وصربيا وبلغاريا على غزوها واقتطاع جزء من أراضيها، مما أخرج نصف السكان الألبان خارج الأراضي الألبانية الحالية.

وكانت تلك الأحداث بوابة سلسلة من الحروب والغزو الأجنبي، كان أبرزها الغزو الإيطالي والألماني، ثم دخلت البلاد في غيبة طويلة تحت الحكم الشيوعي بقيادة أنور خوجة الذي عزل البلاد عن محيطها، وكمم الأفواه حتى باتت ألبانيا تعرف بأنها من أكثر الأنظمة الشيوعية قمعا وانغلاقا في العالم.

غير أنه بعد وفاة خوجة عام 1985 دخلت ألبانيا عهد الانفتاح التدريجي حتى فاز أول رئيس من خارج المنظومة الشيوعية عام 1992 وهو سالي بيريشا، ومن حينها تتجه ألبانيا -شأنها شأن العديد من دول المعسكر الاشتراكي السابق- نحو اقتصاد السوق والركض خلف الرأسمالية الغربية، لتعويض ما فاتها زمن الانغلاق الشيوعي.

ورغم أن المسلمين يشكلون أكثر من نصف المجتمع في ألبانيا، والبعد الزمني عن نظام الحكم الشيوعي، إلا أن التدين -سواء الإسلامي أو المسيحي- لم يصبح ظاهرة في المجتمع، ولا تزال النزعة للبعد عن الدين هي الطاغية، وربما كان ذلك نتيجة طبيعية لحكم شيوعي حارب الدين ومظاهره حربا شعواء، فتتطلب عودة روح التدين إلى المجتمع أجيالا تتصالح مع التدين في أجواء عامة إيجابية في البلاد.

ولأن رحلة الدولة الألبانية طويلة وغنية بما يقال فقد خصصت مجلة الجزيرة ملف هذا العدد لإلقاء الضوء على بعض زوايا هذه الدولة التي قد لا يعلمها القارئ العربي عن بلد انغلق على نفسه عقودا طويلة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/14-

رحلة ألبانيا الدامية نحو الانفتاح

رحلة ألبانيا الدامية نحو الانفتاح
شادي الأيوبي - تيرانا
دخلت الشيوعية ألبانيا عام 1920 وسيطرت عليها بعد الحرب العالمية الثانية برئاسة أنور خوجة، وكان ذلك دون تدخل عسكري سوفياتي، وخلال سنوات حكمه نكل أنور خوجة بمعارضيه فقتل وعذب وشرد الآلاف منهم حتى إنه شرد أسر المعارضين بعد قتلهم.

عام 1967 قام خوجة بقتل رجال دين من جميع الطوائف في ألبانيا وأعلن ألبانيا دولة ملحدة، وما إن حلت حقبة السبعينيات حتى كان أخمد كل معارضة له، وقد ألف أنور خوجة أكثر من عشرين كتابا، كما كانت "البروباغاندا" التي تطلقها أجهزة حكمه قوية للغاية وكانت تصور ألبانيا دولة مثالية داخل أوروبا.

جرت عدة محاولات انقلابية ضد أنور خوجة بدعم غربي لكنها لم تنجح، وقام النظام بإغلاق الحدود بشكل محكم بحيث لا يدخل ولا يخرج أحد، ولا أحد يعرف ما كان يجري في الخارج، وكان يسمع عن ألبانيا في الخارج أنها أفضل دولة في أوروبا.

توفي أنور خوجة عام 1985 تاركا وراءه إرثا ثقيلا من الظلم، ومباني شعبية لا تزال حتى اليوم تعرف بمباني أنور خوجة، وجاء نظام رامز عليا ليجد الأمور مستقرة بعد إخماد أي معارضة للنظام فسار على نفس طريق القمع والتنكيل، وحتى عام 1990 كان الجيش الألباني يصل إلى ثلاثمئة ألف عسكري أي 10% من عدد السكان البالغ عددهم آنذاك مليونين وثلاثمئة ألف شخص.
يقول د. بليدار كوميني، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الكندية للتكنولوجيا في تيرانا، إنه خلال الأعوام 1989 حتى 1990، ومع سقوط حائط برلين والتغيرات في دول أوروبا الشرقية، لم يكن ممكناً للشعب الألباني أن يُسقط النظام الشيوعي، وان كان هذا الحادث شجع الالبان على المعارضة.
الرئيس الألباني السابق صالح بريشا في حملة انتخابية بعد انهيار الحكم الشيوعي (الجزيرة)

الطلاب يقودون التغيير
مع سقوط حائط برلين عام 1989 والتغيرات في دول أوروبا الشرقية لم يكن ممكنا للشعب الألباني أن يسقط النظام الشيوعي، وإن كان هذا الحادث شجع الألبان على المعارضة، وكان طلاب الجامعات في ظروف صعبة فانتفضوا ضد النظام في ما تعرف بمظاهرات ديسمبر/كانون الأول، مطالبين بتحسين ظروفهم، وقد أيدهم مجتمع العاصمة الألبانية، ثم بدأ الطلاب المطالبة بالحرية، وانضم إليهم مجموعة من الأساتذة والمثقفين فاتسعت دائرة الاحتجاجات وأصبحت ظاهرة يومية.

ويقول بليدار حتى عام 1999 كان ثمة مخاوف لدى الشعب من عودة الشيوعية، ومع إعلان ألمانيا الغربية بأنها ستساعد ألمانيا الشرقية على الدخول في النظام الديمقراطي تشجع الشعب الألباني أكثر على المطالبة بحقوقه وإسقاط النظام.

واجه النظام الجديد مشكلات اقتصادية بشكل خاص، حيث الدولة كانت فقيرة ولا صناعات ناجحة فيها، وكان معظم الإنتاج زراعيا وموجها للاستهلاك الداخلي، كما كانت هناك مشكلة تأميم الأراضي، حيث كان النظام الشيوعي قد صادر أراضي المواطنين وأقام عليها منشآت ومصانع خاصة في المدن، الأمر الذي صعب على الدولة إعادة تلك الممتلكات.

وينقل  بليدار عن الرئيس السابق صالح بريشا قوله إنه وجد في خزينة الدولة مليون دولار فقط، وهو مبلغ لا يكفي لدفع رواتب الموظفين الهائل فشرع في القيام بإجراءات ضرورية مثل تقليص الجيش إلى 80% ثم إلى 50%، وأغلق الصناعات غير المثمرة وفتح السوق الحرة.

وفي محاولة للتواصل مع الشرق انضمت ألبانيا إلى منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1992 بقرار من الرئيس صالح بريشا.

مبنى الرئاسة الألبانية في تيرانا (الجزيرة)


الاستثمارات الأجنبية
وقد دخلت بعض الاستثمارات الأجنبية ألبانيا منذ أوائل التسعينيات، ولا سيما الصناعات الخفيفة مثل الملابس والأحذية، كما دخل مستثمرون كانوا يستوردون بضائع يبيعونها داخل ألبانيا.

واهتم الاستثمار الخارجي بالمعادن والنفط والاستثمار في القطاع السياحي، وفي بداية الأمر فتحت الحكومة الأسواق أمام المستثمرين دون سن قوانين تشجع الاستثمار، وقد ساهمت اضطرابات عام 1997 في تقليص الاستثمار الخارجي، فيما أسهم تعزيز العلاقات مع دول الجوار -ولا سيما إيطاليا واليونان وتركيا- وشق شبكة من الطرق السريعة في زيادته، وفي عام 2009 دخلت ألبانيا استثمارات صربية في مجال المحلات التجارية الكبرى.

ويعتقد بليدار أن مرور خط الغاز الروسي التركي عبر ألبانيا سيكون فرصة اقتصادية مهمة للبلد، فيما ينوه بدور السياحة الألبانية الكبير ومساهمتها في الاقتصاد المحلي.

وقد سنت الحكومات الألبانية عدة قوانين لتشجيع الاستثمار، مثل قانون صالح بريشا المسمى "ألبانيا يورو واحد" أي تأجير الممتلكات الحكومية للمستثمرين الأجانب بسعر يورو واحد للمتر المربع، ومشروع "ألبانيا ديجيتال" الذي يهدف الى تسريع عملية إنشاء الشركات في البلد بحيث يقدم المستثمر أوراقه من خارج ألبانيا، كما حاولت الحكومات الألبانية تطوير مرافئ البلد وقامت بمفاوضات مع الصين لهذا الهدف، لكن المشروع لم يجد بعد الدعم المطلوب.

ويقول بليدار إن ألبانيا تطبق منذ سنوات المعايير الأوروبية في التعليم، وقد زادت الكفاءات الشبابية في البلاد مع فتح الجامعات الخاصة، بحيث لم تعد لسوق العمل المحلية قدرة على استيعابها، مما أدى إلى هجرة تلك الطاقات إلى بلاد أوروبا والولايات المتحدة ودول الخليج العربي.

من معارض عرقية التشام التي تعرف بقضيتها (الجزيرة)

الاقتصاد الريعي
بالموازاة مع هذه الأحداث، جاءت إلى ألبانيا مؤسسات خيرية وأخرى تبشيرية، كما كان هناك دعم عربي رسمي لإنشاء بنية تحتية في البلد، فمع قدوم النظام الديمقراطي جاء إلى ألبانيا مستثمرون عرب ومؤسسات خيرية عربية وتركية.

يقول المحلل السياسي بشكيم فيزو إن تلك المؤسساات لعبت دورا كبيرا في تقوية الاقتصاد الألباني، ولا سيما في دعم التعليم وكفالة الأيتام وبناء المساجد التي هدمها الشيوعيون وبناء عدد من المدارس الإسلامية وترميم المدارس الحكومية.

وقد تربى بعض السياسيين بهذه الكفالات مثل رئيس بلدية تيرانا اليوم، مشيرا إلى أن الشعب الألباني والحكومة يعترفان اليوم بهذا الدور الطيب للمؤسسات الإسلامية.

وبالتوازي مع المؤسسات الإسلامية دخلت مؤسسات تبشيرية، وفي عام 2006 كانت هناك 245 مؤسسة خيرية في ألبانيا، منها 34 مؤسسة إسلامية و189 مؤسسات تبشيرية مختلفة، ثم تقلصت المؤسسات الإسلامية إلى نحو 18 مؤسسة اليوم.

ويقول فيزو إن المؤسسات التبشيرية كانت على الدوام أقوى اقتصاديا، وقد قدمت الكثير من المشاريع والخدمات في الجانبين الاجتماعي والتعليمي، وفتحت مراكز تعليمية وبيوتا للمسنين والأيتام ومطاعم مجانية للأسر الفقيرة.

وعلى رأس المؤسسات التبشيرية تأتي مؤسسة جورج سوروس التي عملت منذ سنين واستهدفت شريحة من الطلاب المتميزين ليكونوا في قيادة المجتمع، وقد نجحت تلك المساعي إلى حد ما.

وإلى جانب الأعمال الخيرية قامت المؤسسات التبشيرية بترميم الكنائس المهدمة وبناء كنائس جديدة، وقد وصل عدد تلك الكنائس إلى 1100 كنيسة مقابل 640 مسجدا رممتها المؤسسات الإسلامية.

وإضافة لهذه المؤسسات هناك جهود من طرف التكايا البكتاشية وجماعة شهود يهوه التي لديها 19 مجموعة في ألبانيا تدعو إلى منهجها.

ويشير فيزو إلى أن القوانين الألبانية سهلت للمؤسسات التبشيرية القيام بعملها، فيما جاءتت ضربة 11 أيلول/سبتمبر لتطال المستثمرين العرب والعمل الخيري الإسلامي بشكل خاص.

وتسعى ألبانيا اليوم للالتحاق بالاتحاد الأوروبي، لكن شبابها مولعون بالقيم الأميركية إلى حد كبير، وهذا ما يلاحظه الزائر في أي تجمع شبابي يصادفه، ولعل هذا مرده إلى شعور الألبان بالامتنان للولايات المتحدة لقصفها الجيش الصربي في كوسوفا، وإلى مسيرة البلد البعيدة عن العالمين العربي والإسلامي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/14-

البونكير.. إرث الحرب الباردة ونظام خوجه

البونكير.. إرث الحرب الباردة ونظام خوجه
شادي الأيوبي - تيرانا

أنى توجهت في ألبانيا ستلفت نظرك مجموعات من الملاجئ الإسمنتية الموزعة في طول البلاد وعرضها وفي سهولها وجبالها وعلى شواطئها. إنها الملاجئ التي بناها نظام أنور خوجه خلال فترة الحرب الباردة، وتُعرف محلياً باسم "بونكير"، ويقدر عددها بحوالي 750 ألف ملجأ من مختلف الأحجام والأهداف.

بنى نظام أنور خوجه (1944-1985) هذه الملاجئ بعد ازدياد عزلة ألبانيا ومقاطعتها من المعسكر الشرقي (حلف وارسو) في ظل تربص حلف الناتو الغربي بها. وقد كان جزءٌ منها مخصصاً للمواطنين الألبان ويقع داخل المدن والمناطق السكنية، في وقت كان الجزء الآخر خاصا بالجيش.

أصبح منظر البونكير اليوم معتادًا ولا يعني الكثير لدى جيل الشباب الذين ولدوا بعد انتهاء تلك الحقبة. فيمر معظمهم عليها دون كثير من الاكتراث، لكنها بالنسبة للذين عاشوا ذاك الزمن تعني الكثير من الذكريات القاسية والأيام الصعبة.

وفي بعض الأماكن بدأ بعض المواطنين بتكسير بعض تلك الملاجئ للاستفادة من القضبان الحديدية فيها، في حين أصبح معظمها مهجورا ومردوما بالتراب والحجارة.

آلاف الملاجيء بناها نظام خوجه زمن الحرب الباردة (الجزيرة)


وقد أقامت بلدية تيرانا مؤخرا بونكير سمته باسم "بونكارت" عرضت فيه تلك الفترة بطريقة فنية. حيث تمّ حفر نموذج للبونكير أسفل الساحة القريبة من بلدية تيرانا، عُرضت فيه مقتنيات من فترة الحرب الباردة، كما ركز المعرض على الأساليب التي كان نظام أنور خوجه يتبعها في قمع معارضيه والتجسس عليهم.

ولعل أهم الملاجئ هو ملجأ أو مخبأ أنور خوجه السري في جبل دايتي القريب من العاصمة تيرانا. هذا الملجأ لم يكن معروفاً إلا لعدد محدود في البلد حتى سنوات قليلة خلت. وقد بناه أنور خوجه خلال سنوات السبعينيات.

أراد أنور خوجه من هذا المبنى المحصن بطريقة مُحكمة أن يكون ملجأً له ولأركان حكمه، في حال تعرض البلاد لهجوم نووي أو كيميائي من أي جهة معادية. وهو يتكون من عدة طوابق تقود إليها سراديب تحوي مئات الغرف، التي كانت معدة لاستقبال الكثير من الأشخاص لفترة طويلة.

للملجأ مخارج عدة في الجبل تحتاج إلى ملاحظة دقيقة لرؤيتها. وأبوابه السميكة مصنوعة من الإسمنت المسلح. وهو مجهز بمولدات كهربائية ونظام تهوية. كما يمتد على مساحة كبيرة عبر سراديب طويلة بحيث تحتاج زيارته إلى يوم كامل تقريبا.

تُعرض اليوم في الملجأ مقتنيات وأدوات كان أنور خوجه يستعملها خلال فترة حكمه، مثل السرير الذي كان معداً له والمكتب وأجهزة الاتصال الخاصة به. ويستطيع الزائر سماع خطابات أنور خوجه وخطابات التلفزة الألبانية وأغاني تلك الفترة في الغرف والممرات، كما تُعرض لوحات بالألبانية والإنجليزية تشرح ما كان يجري في تلك الفترة.

سجين في غرفة انفرادية ضيقة (الجزيرة)


كما تعرض في عشرات الغرف في الملجأ خرائط ونسخ عن وثائق سرية من أيام الحرب الباردة، إضافة إلى صور أسلحة ونماذج للبدلات الواقية من الأسلحة الكيميائية، وأعلام وشعارات من تلك الفترة، وصور من معارك الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وتظهر كذلك شخصيات لعبت دورًا في التاريخ الألباني الحديث، وملفات التجسس الذي كانت أجهزة خوجه تقوم به على المواطنين الألبان، إضافة إلى صور ومجسمات لمواطنين أعدمتهم أجهزة النظام الشيوعي أو اعتقلتهم وعذبتهم.

تحول ملجأ أنور خوجه اليوم إلى متحف يزوره السياح والمهتمون من داخل وخارج ألبانيا، لكنه لم يأخذ بعد حظه من الشهرة. فلا تزال الدعاية له متواضعة، كما لم تخصص السلطات المحلية أي خط مواصلات لنقل الزوار إليه.

يقول المؤرخ والدبلوماسي السابق عبدي باليتا إن الغرب كان قد عزل ألبانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت ألبانيا محاطة ببلاد معادية لها من المعسكرين الشرقي والغربي.

ويضيف باليتا للجزيرة نت إنه درس الدبلوماسية لمدة سنتين في موسكو، ثم انقطعت العلاقات بين ألبانيا والاتحاد السوفياتي، فاضطر إلى العودة لبلاده حيث تابع دراساته. وفي تلك الفترة لم يجد أنور خوجه خيارا إلا تحسين علاقاته مع الصين.

وقال إن "خبرته الشخصية تقول إن جارتي ألبانيا يوغوسلافيا واليونان بذلتا جهوداً حثيثة لعزل ألبانيا عن الصين والقوى العظمى عموما".

مجسم سجين في قضبان حديدية (الجزيرة)


في الستينيات، ومع استمرار عزلة ألبانيا، اختارت قيادتها البدء بمشروع بناء البونكير، كما يوضح باليتا، الذي كان دبلوماسياً آنذاك. ويذكر أنه وكثير من زملائه كانوا يتساءلون لماذا هذا العدد الكبير من البونكير في البلد؟ ويقول إنه اليوم يعتبر أنه ربما كانت ألبانيا بحاجة لعدد من هذه الملاجئ في مناطق معينة منها، لكن ليس لكل هذه الأعداد المنتشرة في كل مكان.

كان لدى ألبانيا أسلحة مختلفة وطائرات من الصين والاتحاد السوفياتي، لكنها مع مرور الوقت واستمرار العزلة لم تعد نافعة أو كافية. وهكذا بدأ الجيش الألباني ببناء الملاجئ أو البونكير لتعويض هذا النقص في القدرات الدفاعية. وقد اقتنع معظم الشعب آنذاك بضرورة هذه الملاجئ للبلد، في وقت انتقدها آخرون بصوت منخفض.

كانت القيادة الألبانية تعتبر أن البلد محاصر بالأعداء من كل النواحي، لذلك يجب أن تكون قوية وجاهزة، وكانت محقة نوعا ما. وكانت الدعاية الرسمية تقول إن البلد بحاجة لهذه الملاجئ لأنه لا دبابات لديها.

يقول باليتا إن جوابنا على زملائنا الدبلوماسيين الأجانب الذين كانوا يسألوننا عن حاجتنا لهذا العدد الكبير منها كان التالي "أنتم لديكم دبابات، ونحن لا دبابات لدينا، دباباتكم تتحرك، وملاجئنا لا تستطيع الحركة".

عن تكلفة البونكير، يقول باليتا إن البعض يقدرها بـ250 ألفا، في حين يقدرها آخرون بـ700 ألف دولار أميركي آنذاك، موضحا أنها بقيت مثار اهتمام ومحط آمال للمواطنين حتى سقوط النظام الشيوعي بداية التسعينيات من القرن الماضي.

ويقول إن هذه الملاجئ باقية في مكانها اليوم ولا إمكانية للاستفادة منها بأي طريقة. ويضيف أن "الشباب اليوم لا يعيرونها انتباها، في وقت هي تبقى ذكريات مؤلمة للذين عاشوا تلك الفترة وعانوا من ويلاتها".

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/14-

التشام.. قصة تشرد انتهت بالتميز

التشام.. قصة تشرد انتهت بالتميز
شادي الأيوبي - تيرانا
يجلس كل من سيرفت ميحميتي وسامي سوليوتيس في إحدى مقاهي تيرانا، ويمضيان ساعات في الحديث عن تشاموريّا شمال غرب اليونان، وعن قصة تشرد وكفاح عمرها حوالي سبعين عاما.

سيرفت يُعتبر عميد التشام في تيرانا، فهو الرئيس الفخري لجمعية التشام الثقافية، وهو أحد حافظي ذاكرة التشام ومن شخصياتهم المعروفة في ألبانيا. ينتمي هو وصديقه سامي إلى المنطقة نفسها في تشاموريّا التي طردتهم منها السلطات اليونانية خلال فترة الحرب العالمية الثانية بتهمة التعاون مع الألمان النازيين وارتكاب جرائم حرب بحق اليونانيين الأرثوذكس.

رغم مرور السنوات، لا تزال حياة التشام وأحاديثهم تدور غالباً حول أراضيهم وحياتهم السابقة، وحول المعاناة التي كابدوها بعد وصولهم إلى ألبانيا. يتذكر سيرفت أن أسرته عندما جاءت عام 1942 مع مئات الأسر اللاجئة إلى مدينة فييري، وكان عمره آنذاك أربعة أعوام، كانوا لا يمتلكون شيئا.

ويقول في حديثه للجزيرة نت إن الدولة الألبانية كانت أيضا فقيرة ولا تستطيع المساعدة، مما جعل التشام حينها يقومون بأي عمل منتج من زراعة أو أعمال بناء أو بيع أشياء بسيطة لكسب مبالغ قليلة من المال.
معرض أقامه ناشطون من التشام لعرض قضيتهم التاريخية (الأوروبية)

توفي والد سيرفت عام 1946 لتبقى أمه مع سبعة أيتام، ويصف والدته بأنها كانت حكيمة وقوية. كانت ظروف العيش تضطر الأسرة لتناول طعام بسيط بشكل متكرر، الأمر الذي كان يدفع الأطفال للاحتجاج، لكن الأم كانت تجيبهم بأن "هذا الطعام هو الطعام الحلال الوحيد المتوفر، أما سائر الأطعمة فليست حلالا لأنها ليست ملكاً لنا".

ويقول إن هذه التربية الصارمة أثرت إيجاباً عليه وعلى سائر إخوته -ثلاثة ذكور وأربع إناث- فلم يتطلعوا يوماً إلى أملاك الآخرين، موضحاً أن خمسة من إخوته توفوا وبقي اثنان.

ويصف سيرفت التشام بأنهم كانوا أعلى ثقافة من الألبان المحليين، ولديهم تراث شعبي واسع، يحتفظ بأكثر من 2300 أغنية شعبية، 80% منها حفظتها النساء من الضياع. وقد شكلت هذه الأغاني والرقصات الشعبية والوطنية الغذاءَ الروحي للتشام في معاناتهم.

ويقول إن التشام لا يزالون ملتفين حول بعضها بعضا، ولا تزال قضيتهم حاضرة لديهم عبر احتفالاتهم ومناسباتهم وتجمعاتهم، ولهذا أسسوا جمعية ثقافية وحزباً سياسياً للحفاظ على قضيتهم.

ويوضح أنه لا خلافات بين التشام وجيرانهم اليونانيين الذين كانوا يسكنون معهم، فالخطأ كان آنذاك من طرف الحكومة اليونانية.

أما صديقه سامي فقد لجأ إلى فييري مع أسرته، ثم انتقل إلى تيرانا ليدرس الهيدروجيولوجيا. ويقول للجزيرة نت إنه نجح قبل عامين بمساعدة أحد أصدقائه وبحجج مختلفة في الدخول إلى قريته القديمة في منطقة سولي، حيث كان كبار السن لا يزالون يتكلمون الألبانية بشكل جيد، مما جعله يتفاهم معهم بسهولة لأنه لا يعرف اليونانية.

لم يصدق سامي أنه وصل قريته. دخل منزله القديم ليجد فيه أسرة من التشام الأرثوذكس. كان يعرف أفراد الأسرة وهم يعرفونه. واساهم في موت والدهم، وقال إنه جاء ليرى منزله فقط. تصرفت الأسرة معه بشكل لائق، وتمنى كل طرف السعادة للطرف الآخر.
سيرفت وسامي وألبينا ناشطون سياسيون من عرقية التشام في ألبانيا (الجزيرة)


قصة نجاح
نجح التشام بالكثير من العمل والمثابرة في تحويل مأساتهم إلى قصة نجاح. فبعد أعوام من قدومهم إلى ألبانيا وهم لا يملكون شيئا، أصبحت لهم مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلد، وبرز منهم كثيرون في كل مجال.

وللحفاظ على قضيتهم، أسسوا في البداية جمعيات ثقافية واجتماعية، ثم لما احتاج الأمر إلى المزيد من المشاركة، أسسوا حزبا سياسيا تحت اسم حزب العدالة والوحدة والاندماج.

ويقول النائب التشامي في البرلمان الألباني طاهر محيي الدين إن وجود النظام الشيوعي ساعد في إسكات التشام وتكميم أفواههم عند لجوئهم إلى ألبانيا، وذلك لحسابات سياسية. في حين ساعد مجيء النظام الديمقراطي في التسعينيات في تغيير أوضاع التشام ماديا واجتماعيا.

ويقول إن أسرته لجأت إلى تيرانا حيث سكنت مع عدة أسر أخرى في مخزن خشبي متهالك يعود إلى أيام الإيطاليين، وكانت حالة تلك الأسر في غاية البؤس، لكن الجيران ساعدوهم بشكل كبير.

ويوضح محيي الدين للجزيرة نت أنه أنهى المرحلة الإعدادية وبدأ العمل مباشرة، وكان في تلك الفترة بلا جواز سفر، لكنه كان يتلقى مساعدة متواضعة من الحكومة حتى سن 16 عاما.

يقول "أتممت اليوم 48 عاما في العمل بدأتها في مجال إصلاح السيارات، وكنت أذهب للثانوية المهنية المسائية. كنت أعمل وأمارس رياضة كرة قدم في الوقت نفسه. ثم بعد الخدمة في الجيش وجدت عملا في مجال المياه الجوفية".

ويوضح محيي الدين أنه في ظل النظام الشيوعي لم يكن ممكناً له دخول الجامعة، لذلك فقد بادر بمجرد زوال الشيوعية إلى التسجيل في جامعة تيرانا حيث درس الحقوق.

ويقول إن النظام الشيوعي أضرّ جدا بالتشام وسجن وقتل وطارد الكثيرين منهم حتى الذين أيدوه، بزعم أنهم جواسيس لدول أجنبية، ومن جملة من قتلهم تسعون من كبار الموظفين التشام.

ويضيف أن التشام اليوم مهتمون جداً بالتعليم وقد أرسلوا أبناءهم للدراسة في جامعات الخارج، وقد وصل الكثيرون منهم اليوم إلى مناصب سياسية واجتماعية مرموقة، ثم شكلوا حزب التشام بعدما تبين لهم أن الأحزاب الأخرى غير مهتمة بقضيتهم.

مسيرة قام بها التشام مؤخرا على طريق اللجوء الذي سلكه أجدادهم قبل سبعين عاما (الجزيرة)

حزب سياسي
وتوضح عضوة مجلس بلدية تيرانا عن حزب التشام ألبينا ناناي إن التشام يبلغ عددهم نحو 200 ألف موزعين على أنحاء ألبانيا خاصة في فلورا وفيير.

وتوضح ناناي، وهي أول امرأة محجبة تدخل مجلس بلدية تيرانا، أنها ليست من التشام لكنها فضّلت الحزب لأنه حزب وطني ويدعمه الكثير من غير التشام ولديه برنامج محافظ، ويحمل رياح تغيير للبلد.

وتقول إن حزب العدالة والوحدة والاندماج لديه اليوم خمسة نواب في البرلمان الألباني، وثلاثة محافظين في محافظات ألبانية لا تتعدى أعمارهم الثلاثين عاماً. وتقول إن الحزب يأمل في انتخابات يونيو/حزيران المقبلة في مضاعفة عدد نوابه.
 
السابق

السابق

التالي

السابق

-5/14-

البكتاشية.. باطنية ألبانيا

البكتاشية.. باطنية ألبانيا
شادي الأيوبي - تيرانا
يدخل مئات البكتاشيين إلى تكيتهم في تيرانا للاحتفال بعيد النيروز، التكية قديمة ومتقنة البناء، في المدخل متجر يبيع صورا لأئمة آل البيت ورموز البكتاشية، فيما يعرض عاملون في التكية لوحات تاريخية باللغة العثمانية، ويبيعون كتبا تشرح نظرتهم إلى الدين، ومنسوجات تقليدية وأدوات منزلية مختلفة.

تضم التكية مبنى من طابقين وهو مخصص لسكن زعيم الطائفة ومعاونيه، ومبنى آخر للعبادة ومتحفا، إضافة إلى قباب تضم قبور زعماء الطائفة ورموزها، كما أن للفرقة أماكن مقدسة في أنحاء أخرى من ألبانيا.

داخل القباب البيضاء يدفن البكتاشيون كبار زعمائهم ويزينون قبورهم بالخشب الفخم، كما يزينون الجدران بسور وآيات قرآنية وزخرفات مختلفة، أما الدراويش الأقل رتبة فيدفنونهم أمام القباب.
وفي المتحف الذي أقيم تحت التكية تستعرض صور ووثائق وأدوات خاصة بالبكتاشية ومجسمات لزعمائهم الروحيين ومصاحف وكتب قديمة، ونماذج عن مجالسهم.

حضور رسمي وشعبي
ويحضر الاحتفال الذي يضم خطابات وتراتيل ولوحات فنية تراثية وأغاني قومية ودينية ممثلون عن الدولة الألبانية والسفارات الأجنبية وبعض رجال الدين من مناطق البلقان.

وتتجمع في هذا اليوم فرق موسيقية مختلفة، حيث تلعب الموسيقى دورا مهما في الاحتفال وفي حياة البكتاشيين عموما.

يصطف البكتاشيون في صفوف طويلة لإشعال الشموع وزيارة أضرحة رموزهم والتمسحح بها والدعاء عندها، ويتساهلون مع دخول الفتيات المتبرجات إلى الأضرحة وأماكن العبادة.

ولا ينسى معظم الزوار وضع شيء من المال في الصناديق الحديدية المثبتة داخل الأضرحة، حيث تعتمد تكايا البكتاشية على هبات وتبرعات أتباع الطريقة ولا تدعمها الدولة.

عرض تؤديه فرقة محلية في الاحتفال بيوم النيروز (الجزيرة)


لمحة تاريخية
يوضح الباحث المختص في شؤون البكتاشية آفني لالا أن علاقات البكتاشيين بالعثمانيين كانت قوية حتى مجيء السلطان محمود الثاني الذي قتلهم وأغلق معابدهم وصادر أموالهم، فترك كثيرون منهم تركيا وجاؤوا إلى يانينا غرب اليونان، حيث استقبلهم واليها علي باشا الذي يبدو أنه كان لهم صلات اعتقادية معهم.

ويقول لالا للجزيرة نت إن البكتاشيين في العالم ليسوا متفقين على كون ألبانيا مركزهم العالمي مقدرا عددهم في البلد بنحو نصف مليون شخص، أي 20% من عدد مسلمي البلد.

وقد جاء إلى ألبانيا عام 1915 نحو ثلاثين من كبار رجال البكتاشية قادمين من تركيا فرارا من مطاردة نظام أتاتورك للطرق الصوفية، وفيها أسسوا تكيتهم بموافقة الملك أحمد زوغو، وكان رئيسهم آنذاك صالح نيازي دادا الذي اغتاله مجهولون.

وفي عام 2009 اعترف البرلمان الألباني بأربع طوائف دينية في البلد، وهم المسلمون والأرثوذوكس والكاثوليك والبكتاشية، إضافة للطوائف المذكورة هناك فرق صوفية تنشط في ألبانيا دون اعتراف رسمي بها من الدولة.

ويورد الدكتور محمد أرناؤوط المختص في الشؤون البلقانية في كتابه "الإسلام والمسلمون في البقان" أن البكتاشيين أعادوا افتتاح تكيتهم عام 1991 كمقر عالمي للبكتاشية، وأصبح على رأسها الشيخ رشاد بارذي وأصدروا مجلة الحكمة، ثم عقدوا مؤتمرهم السادس في تيرانا عام 1993 حيث قسموا ألبانيا إلى ست مشيخات تشرف على 64 تكية افتتحت في البلد.

البكتاشية تتساهل في دخول المتبرجات إلى قبور شيوخ الطريقة طلبا للبركة (الجزيرة)


المعتقدات والعبادات
يقول البكتاشيون إنهم فرقة شيعية على مذهب الإمام جعفر الصادق، وقد أسس طريقتهم حجي ولي بكتاش قبل ثمانمئة سنة، وإنهم يسعون للتقارب مع جميع الشيعة في العالم. ويقول بكتاشيو ألبانيا إن مركز البكتاشية العالمي انتقل من تركيا إلى ألبانيا.

وتبدأ مراتب البكتاشية الدينية بالمحب أي المبتدئ في الطريقة ثم الدرويش وهو المتبحر فيها، ثم بابا أي المسؤول المحلي للرعية، ثم خليفة بابا وهو مسؤول البلد، ويتطلب الدخول في سلك رجال الطريقة أن يكون الراغب قريبا من سن الأربعين، وفي حال تم اختياره درويشا فهو لا يخلع أبدا لباس رجل الدين مطلقا.

ويوضح الباحث لالا أن للبكتاشية نظاما ظاهريا وآخر باطنيا، وأنهم يقولون إن أحدا لا يمكنه أن يفهمهم إلا بالدخول في طريقتهم، وفي حال أراد الدخول فعليه بحفظ أسرارهم، وأنهم لا يؤدون الصلوات الخمس، لأنهم يعتبرون أنهم يصلون ويناجون الله بشكل دائم، وقد ذهب زعيمهم الحالي بابا موندي إلى الحج منذ سنوات.

يقول لالا إن البكتاشيين متأثرون بكثير من الملل والأديان، مثل المسيحية والشيعة، وبفلسفات مثل الهندوسية وفلسفات أخرى عالمية، وهم يؤمنون بتناسخ الأرواح، أما كتبهم وأنظمتهم الداخلية فهي شفهية غير مدونة وتنتقل عبر الأجيال.

ويضيف أن صرامة التعاليم البكتاشية بالنسبة لرجال الدين جعلت الشباب يعرضون عن الدخول في هذه التجربة، ويزيد من هذا الإعراض أن الترقي في درجاتهم الدينية يأخذ وقتا طويلا، الأمر الذي جعل عدد رجال الدين لديهم قليلا.

ويلاحظ لالا أن رجال البكتاشية قديما كانوا يعرفون اللغات وعلوم الدين، أما رجالها الحاليون فهم أقل معرفة وثقافة بكثير.

ويقول إن للبكتاشية في ألبانيا رئيسا واحدا، وله نواب في المناطق المختلفة، وهم يعتبرون أن رئيسهم معصوم من الخطأ شأن بابا روما، كما أنهم يقومون بالاعتراف لرجل الدين كما يجري في الطقوس المسيحية.

تكية الطريقة البكتاشية في تيرانا (الجزيرة)


المرأة والزواج
عن المرأة والزواج يقول إن المرأة لديهم مساوية للرجل، لكنها لا تدخل في سلك رجال الطريقة إلا في الحدود الدنيا.

ويقول إن فرقة من البكتاشية تسمى "باباغان" أي مجرد لا تبيح الزواج لرجال الدين، فيما تبيحه فرقة أخرى، لكن كبار رؤسائهم غير متزوجين، وفلسفتهم في هذا هي أنهم يجب أن يخدموا الطريقة، فإن تزوجوا تغيرت النية.

وعن مراسم الزواج يقول إن الزوجين يذهبان إلى الدرويش في التكية القريبة، ويطلبان من البابا البركة والدعاء، وهذا يتم بلا شهود ولا عقد، ثم يقومان بعقد زواج مدني في سجلات الدولة.

البكتاشية والسياسة
ويوضح لالا أنه ليس بين البكتاشية وإيران صلات كبيرة كما يظن الكثيرون، حيث يختلفون معها في مسائل الاعتقاد.

ويقول إن البكتاشيين يرغبون بدعم إيران المادي، فيما تريد منهم أن يكونوا أداة في يديها وأن تستقطبهم عقائديا، وهي إجمالا لا تقدم الكثير من الدعم المادي.

ويضيف أن للبكتاشية علاقات مع تركيا، حيث تعتبر الدولة التركية أنهم خرجوا من عندها.

ويعتبر الأتراك أن البكتاشيين الجدد اختلفوا عن أسلافهم، أما في الدولة الألبانية فلديهم بعض الشخصيات، دون أن يعني ذلك أن لهم نفوذا قويا فيها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/14-

ألبانيا وجهة سياحية جاذبة

ألبانيا وجهة سياحية جاذبة
شادي الأيوبي - تيرانا
يستعد محمد لمغادرة مسجد أدهم بيه وسط العاصمة الألبانية تيرانا بعدما أدى فيه صلاة الظهر. فقد جاء الشاب الماليزي محمد ضمن مجموعة من السياح الماليزيين في رحلة منظمة تزور ألبانيا ودولا بلقانية وأوروبية.

وتبقى هذه المجموعات مدة يومين في البلد لزيارة آثار تيرانا وبعض المعالم السياحية القريبة منها. ويمر هؤلاء بشكل منتظم بمسجد أدهم بيك العثماني في وسط العاصمة وببرج الساعة المجاور له.

يمثل مسجد أدهم بيك الذي بني في القرن 18 وسط تيرانا، أهم معلم سياحي في المدينة، حيث تمر عبره الرحلات السياحية المختلفة، وهو أحد الآثار العثمانية القليلة التي نجت من بطش نظام أنور خوجه الشيوعي.

أما البرج القريب منه فهو يعطي فرصة جيدة للزائر لرؤية وسط المدينة من أعلى. كما توجد في العاصمة عدة كنائس أرثوذكسية وكاثوليكية. ويقصدها الزوار المسيحيون من البلاد المجاورة.

كما يمثل المتحف الوطني في تيرانا معلما سياحيا هاما، إذ يضم آلاف اللوحات والقطع التي تسرد تاريخ ألبانيا القديم والوسيط والمعاصر. كما تلفت أنظار الزوار في وسط تيرانا تلك المباني الملونة التي تعود إلى النصف الأول من القرن الماضي، زمن النفوذ الإيطالي في ألبانيا.

إضافة إلى المعالم القديمة، فقد اجتهدت بلدية تيرانا في ترميم الأسواق القديمة بشكل فني جذاب، جعل منها تحفة فنية تجتذب السياح والسكان كونها قريبة من وسط المدينة.
آثاار رومانية من مدينة دوروس على بحر الإدرياتيكي غرب تيرانا (الجزيرة)

وتتميز العاصمة بعدد جيد من الفنادق التي تتراوح بين الفنادق المتوسطة التكلفة والفخمة، كما أن أسعار السلع مشجعة مقارنةً بغيرها من بلاد البلقان.

ولا يوجد في العاصمة الكثير من المتاجر السياحية إلا بعض المتاجر والأكشاك الصغيرة التي تبيع للسياح والزوار القطع واللوحات التي تمثل تاريخ وهوية البلد وبعض المنتجات اليدوية التي تتميز بكثرة الألوان وجودة الإنتاج.

وفي جبل دايتي المجاور للعاصمة تيرانا أنشأت إحدى الشركات الاستثمارية مصعدا كهربائيا (تلفريك) اختصر مسافة الصعود إلى قمة الجبل في رحلة مبهجة، حيث يمكن للزائر أن يتناول شيئا من الطعام والشراب وهو ينظر إلى المدينة من أعلى.

وفي الوقت نفسه أسهم افتتاح ملجأ أنور خوجه في الجبل المذكور في جلب المزيد من السياح، وإن كان هذا المعلم الذي يعود إلى حقبة الحرب الباردة لم يأخذ بعد حظه من الشهرة.

تتميز ألبانيا بسلسلة من الجبال والمدن الجميلة التي تستهوي السياح. وتأخذ تلك المدن صفات وطبائع الجبال والسواحل التي تقع فيها، وتمتاز بالكثير من التفاصيل والألوان الزاهية.

ولعل ما يسهل السياحة الألبانية هو المسافات القصيرة نسبياً بين المدن والمناطق الألبانية. حيث يمكن للزائر أن ينتقل خلال ساعتين أو ثلاث من منطقة إلى أخرى. كما تقدم المطاعم الألبانية مأكولات متميزة من المنتجات المحلية كاللحوم الحيوانية والأسماك المختلفة.

الموقع الجغرافي لألبانيا منحها فرصا كبيرة لصناعة السياحة (الأوروبية)

تقول درينالدا بيرو مسؤولة التسويق في المؤسسة الألبانية للسياحة وهي مؤسسة خاصة مدعومة من الحكومة، إن السياحة الألبانية بدأت بشكل خجول مع انتهاء الحقبة الشيوعية التي عزلت ألبانيا عن سائر البلاد، في وقت شهدت السنوات العشر الأخيرة تزايدا ملحوظاً في أعداد السياح.

وتوضح بيرو أن الصيف هو الفترة الأكثر استقبالاً للسياح، ويأتي الأوروبيون في مقدمة زائري البلد، خاصة الإيطاليين والألمان والإنجليز، كما تأتي مجموعات من الآسيويين، لا سيما من الصين، لتقضي يومين أو ثلاثة في البلد، ثم تتابع رحلتها إلى البلدان المجاورة.

وتقول إن "السياح الإيطاليين، ومعظمهم من الشباب، يفضلون جنوب ألبانيا حيث تقع أجمل الشواطئ في البلد مثل سواحل مدينة فلورا، كما تأتي أعداد من السياح من أسكندنافيا ومن صربيا وكرواتيا". وتوضح أن الأوروبيين يفضلون الطبيعة الألبانية على سائر معالم البلد.

وعن السياح العرب، تقول بيرو إنهم يفضلون القدوم في فصل الصيف في مجموعات من شخصين أو ثلاثة، ويقضون حوالي عشرة أيام مفضلين مدنا مثل شكودرا وبيرات المحمية من منظمة اليونيسكو، موضحة أنهم يهتمون بزيارة المعالم الأثرية في ألبانيا مثل المتاحف والمباني التاريخية.

أحد الشواطيء الألبانية الجاذبة للسياحة (الأوروبية)

وقالت إن "السياحة تتقدم في ألبانيا رغم وجود عوائق مثل نوعية الخدمات التي تحتاج إلى تطوير، وعدم قدرة المنشآت السياحية على استيعاب الأعداد الكبيرة من السياح، خاصة في فصل الصيف".

وأوضحت أن الكثيرين خارج ألبانيا لا تزال لديهم أفكار مغلوطة ومشوهة عن البلد، مما يعيق الاستثمار في المجال السياحي، لكن وزارة السياحة الألبانية تعمل على حل هذه العوائق.

وقالت إن وكالتها تعمل على التنسيق مع وكالات سياحية خارج البلد للترويج للسياحة الألبانية، معتمدة على الجمع بين البحر والجبال والتسلية، كما أن تكلفة السياحة في البلد تُعدّ مناسبة جدا للزوار الأجانب.

وتمثل السياحة أملا حقيقيا للاقتصاد الألباني، حيث كان إسهامها في الدخل الوطني عام 2014 حوالي 6%، في وقت تسهم بشكل غير مباشر بنحو 20%. ووفقاً لأرقام المنظمات السياحية الدولية فقد استقبلت ألبانيا عام 2013 حوالي 4.2 ملايين سائح جلهم من بلاد أوروبا، في حين زاد العدد بنسبة 20% عام 2014.

وقد استطاعت ألبانيا إدراج نفسها ضمن الأماكن السياحية المقصودة عالمياً، حيث تتمتع بطبيعة في غاية الجمال، كما أنها تتمتع بتنوع بيئي فريد حيث توجد أنواع نادرة من النباتات والحيوانات والأسماك، إضافة إلى أعداد هامة من الجبال والبحيرات والأنهار.
 
السابق

السابق

التالي

السابق

-7/14-

اليونان وألبانيا وبينهما الدين والعرق

اليونان وألبانيا وبينهما الدين والعرق
فيهاب كولا - تيرانا
العلاقات اليونانية الألبانية موضوع مهم للدراسة من قبل علماء السياسة، إذ إن هذين البلدين الجارين لهما تاريخ طويل من العداء وماض متداخل بشكل وثيق.

انفصلت اليونان عن الإمبراطورية العثمانية قبل قرن من انفصال ألبانيا، وظلت تطالب باستمرار بضم الأراضي التي يقطنها ألبان إليها، إذ تعتبرها محافظات يونانية. ففي مؤتمر السفراء بلندن عام 1913، وعقب إعلان ألبانيا استقلالها، رسمت حدودها بطريقة ألحقت أكثر من نصف الأراضي التي يقطنها ألبان لليونان، وصربيا والجبل الأسود، وبقيت أقلية يونانية تقطن على الحدود الجنوبية لألبانيا وتُركت تحت حكم الدولة الألبانية الوليدة.

وكان الرئيس الأميركي الأسبق ويلسون قد رفض في مؤتمر السلام عام 1919 ادعاءات اليونان بحقها في الأراضي الألبانية، لكن ظلت اليونان وألبانيا منذ 1940 في حالة حرب من الناحية النظرية. وأعلنت اليونان حالة الحرب من برلمانها، بعد أن هاجمت قوات الاحتلال الإيطالية الأراضي اليونانية من الأراضي الألبانية المحتلة. وحتى بعد احتلال إيطاليا ألبانيا وإلغاء نظامها الدستوري واستقلالها، وبعد أن تم التوقيع على عدد من الاتفاقيات الثنائية التي تؤكد التعاون التام والعلاقات الممتازة والدعم المتبادل، لم تلغ اليونان القانون الذي مرره برلمانها لإعلان الحرب على جارتها الشمالية.

لقاء يجمع رجال الدين المسلمين والمسيحيين في ألبانيا

وتأتي قضية "التشام" من بين القضايا الساخنة في العلاقات بين البلدين. والتشام هم ألبان مسلمون ظلوا يعيشون شمال غرب محافظة تشاميرا اليونانية، كما ظلوا يتعرضون للقمع والاضطهاد المنظمين والقتل بعد تأسيس دولة اليونان الوطنية عام 1921. وتم طرد التشام وترحيلهم من البلاد في ظل مذابح وتدمير للعقارات عشية تحرير اليونان من الاحتلال الألماني عام 1944. وتمت مصادرة عقاراتهم وأراضيهم ومدخراتهم المالية وإلغاء جنسيتهم اليونانية، حتى يستحيل عليهم المطالبة بممتلكاتهم.

وأسس التشام خلال العقد الماضي حزبا سياسيا، وحصلوا على تمثيل مقدر في البرلمان الألباني، وبدؤوا يضغطون على الحكومات الألبانية لوضع قضيتهم على الأجندة الرسمية للمحادثات بين ألبانيا واليونان. ومؤخرا اعترفت المفوضية الأوروبية بقضية التشام، ووافقت على تسلم ملف من ألبانيا ضمن القضايا المتأزمة بين البلدين.

وعقب الأخذ بالنظام الديمقراطي في ألبانيا عام 1990، برزت نزاعات وتحديات جديدة بين البلدين. فهناك أكثر من 700 ألف مهاجر ألباني يعيشون ويعملون في اليونان، وبدأت اليونان تعمل على ترحيل هؤلاء المهاجرين كوسيلة للضغط على ألبانيا. وزعمت اليونان أن هناك ما بين 200 و400 ألف يوناني يعيشون بوصفهم أقلية في ألبانيا، وتمارس عليهم سياسة التمييز على أساس الدين والجنسية، وهو ما تنفيه ألبانيا تماما.

وأضافت قيادة الكنيسة الأرثوذكسية المسيحية اليونانية مستوى آخر من التعقيد لهذه العلاقة المعقدة أصلا، وهو تحدٍ يبدو أنه انخفض عقب منح ألبانيا الجنسية الألبانية للأسقف أناستاسيوس اليوناني بالميلاد.

مظاهرة لعرقية التشام الألبانية للمطالبة بحقوقها (الأوروبية)

وفي سياق الملفات الكثيرة المتوترة بين البلدين، تستخدم اليونان بلدة ساحلية بجنوب غرب ألبانيا تقطنها أغلبية يونانية كمبرر للتوتر، بادعائها أن تمييزا تمارسه ألبانيا ضد هذه الأقليات اليونانية.

ويرى الألبان أن أوروبا والولايات المتحدة تتبنيان دائما موقف المتفرج من هذه العلاقات، لأن الدور اليوناني ونفوذها أكبر كثيرا من الدور والنفوذ الألبانيين.

وتتأرجح قصة انضمام مقدونيا للاتحاد الأوروبي رغما عن اليونان، كسيف فوق رأس ألبانيا، التي تتهم اليونان بالوقوف خلف الاضطرابات الأهلية الألبانية عام 1997 كلون من سياسة الانتقام من المواقف الألبانية التي تعتبرها أثينا مستفزة.

ويقول الألبان المهاجرون إلى اليونان إن الخطاب القومي المتعصب المتنامي في البلاد أجبر بعض المسلمين على تغيير أسمائهم وتعميد أبنائهم كمسيحيين للتمكن من توفير فرص عمل وحياة كريمة لهم في اليونان.

وكانت نتيجة آخر إحصاء قد أظهرت أن نسبة السكان المسيحيين الأرثوذكس تساوي 5% فقط، لكن تم تجاهل هذا الإحصاء، رغم أنها منطقية تماما إذا أخذنا في الاعتبار الهجرة الكثيفة وسط المسيحيين الأرثوذكس.

ويمكن ملاحظة سياسة العداء الديني اليوناني لألبانيا من خلال مناهضتها الشديدة للتقارب الألباني التركي.

فرغم أن ألبانيا دولة علمانية، فإن أي مشروع للتعاون بينها وبين تركيا تسعى اليونان لعرقله وإثارة الضجة حوله.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/14-

بعد انكماش الإلحاد.. هل تتعايش الأديان بألبانيا؟

بعد انكماش الإلحاد.. هل تتعايش الأديان بألبانيا؟
فيهاب كولا- تيرانا
أظهرت دراسة أجرتها مؤسسة "بيو" الألبانية عام 2010 أن 80% من الألبان مسلمون و18% مسيحيون كاثوليك وأرثوذكس. كما أظهرت بيانات من إحصاء مختلف على نتائجه أن نسبة المسلمين 60%، وأن أكثر من 20% من السكان رفضوا الاستجابة للاستطلاع أو أعلنوا أنهم ملحدون.
يعود تاريخ تحوّل الألبان من المسيحية إلى الإسلام للقرن 18، بعد حوالي ثلاثة قرون من الفتح العثماني للمناطق التي يقطنها ألبان في البلقان الغربي. ولم يتسبب التعدد الديني في الانقسام والصراع بألبانيا، أفقر الدول الأوروبية. فتشكلت أول حكومة ألبانية بعد الاستقلال عام 1912 من عدد متساو من المسلمين والمسيحيين.

ومرت ألبانيا بعملية تحديث تحت حكم الملك أحمد زوغو، ومرت بعد ذلك بحقبة الحكم الشيوعي الذي وضع أول دستور إلحادي في العالم. وجرى تعذيب وسجن وإعدام المئات من رجال الدين من المسلمين والمسيحيين، وهُدمت المساجد والكنائس، وحُظرت الأنشطة الدينية تحت الحكم الشمولي الاستبدادي.
لذلك ليس من المستغرب أن تبدأ عملية التحول الديمقراطي التي انطلقت عام 1990 باحتفالات دينية في المساجد والكنائس.

تشهد الأوساط المسلمة في ألبانيا عودة قوية إلى التدين رغم المعوقات الكثيرة (أسوشيتد برس)

وكان الحظر المشدد لأي نوع من الممارسات الدينية هو السمة البارزة للنظام الشيوعي الدموي. وكان من الممكن أن يؤدي غياب القادة الدينيين المميزين الذين اجتثهم النظام الشيوعي المتعطش للدماء إلى انقسام المجتمع الألباني وتوتره، لكن القادة الدينيين الجدد في المجتمع الألباني بعثوا من جديد تقاليد التعايش السلمي فيما بينهم.

لكن يبقى السؤال عن عمق التعايش الديني وصلابته في الوقت الحاضر. هل هو تعايش صادق وأصيل بين القادة الدينيين من مختلف الأديان وقائم على حوار جاد بينهم؟ أم إنه مجرد احترام سياسي متبادل لمعتقدات الآخر؟ وهل تتم معاملة المجتمعات الدينية بتوجهات متوازنة وعادلة من قبل الدولة؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق تركيزا معمقا ووضوحا أكاديميا وعاما.

يبدو أن المشهد اليومي في ألبانيا لا يثبت أن هناك تعايشا وانسجاما دينيا. فالرواية التاريخية الرسمية تؤكد أن الألبان تحولوا إلى الإسلام بالعنف على يد الإمبراطورية العثمانية، وفي الوقت نفسه يتم تصوير الدور السلبي المفترض للتركيب الديني لسكان ألبانيا باعتباره عائقا تجاه الاندماج في الاتحاد الأوروبي.

وفي كثير من الأحيان تدعو النخبة الفكرية للعودة إلى الجذور المسيحية للمجتمع، كما تتعرض النساء المسلمات على وجه الخصوص إلى التمييز الديني، فيُنظر إلى الزي الإسلامي على أنه يتعارض مع القيم العلمانية للبلاد. ويشكو كثير من المسلمين من تبني النخبة العلمانية الثقافة الكاثوليكية ورموزها، وهو ما أثار ويثير جدلا حادا بين ممثلي المجتمعين الدينيين.

من زيارة بابا الفاتيكان إلى ألبانيا التي نشطت فيها الكنيسة بعد انهيار الحكم الشيوعي (الأوروبية)

وفي الواقع، لا يوجد حوار ديني أكاديمي بين المجتمعين الدينيين باستثناء الفعاليات التي ينظمها المانحون الأجانب مثل السفارة الأميركية التي تؤكد على أهمية الانسجام الديني الداخلي ومقاومة التطرف العنيف.

وينتقد كثير من المسلمين غياب دور ممثلي المسلمين في الدولة في محاربة الفساد والجريمة المنظمة والظلم الاجتماعي وضعف التعليم في البلاد. في مقابل دور نشط للكنيسة الكاثوليكية في فرض رؤية غربية في إدارة البلاد فيما يتعلق بالقضايا السياسية والاجتماعية المهمة.

كما أن ظاهرة التخويف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) التي انتشرت في الغرب بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 ظلت مستمرة لأكثر من عقد ونصف العقد من الزمن. ولا يزال الخطاب الغربي المبني على فكرة التخويف من الإسلام والسلوك العدائي تجاه المسلمين هو السائد في المجتمع الألباني. وهو ما يثير التساؤل بشأن حقيقة التعايش الديني في ألبانيا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/14-

حلم ألبانيا الصعب برأسمالية أوروبية

حلم ألبانيا الصعب برأسمالية أوروبية
فيهاب كولا- تيرانا
عاشت ألبانيا في ظل دكتاتورية شيوعية لأكثر من 45 عاما إلى أن دخلت دول شرق ووسط أوروبا عملية لا رجعة فيها من تغيير أنظمتها. وكان سقوط جدار برلين الحدث الرمزي لسقوط الدكتاتوريات واحدة تلو الأخرى، وبدء تبني النظام الديمقراطي وبدائل سياسة معادية للشيوعية.

وكان الوضع الاقتصادي والاجتماعي لأكبر دولة معزولة في العالم، أي ألبانيا، حرجا للغاية. ولم يكن الاقتصاد المؤمم لهذه الدولة قادرا على توفير الاحتياجات الأساسية للثلاثة ملايين نسمة من سكان ألبانيا الفقراء.

كان حادث مقتل بعض الطلاب المحتجين عام 1991 بمدينة شكودور الشمالية بداية تغيير النظام السياسي بسلاسة في ألبانيا. وفازت المعارضة المناهضة للشيوعية بقيادة أخصائي القلب سالي بيريشا بالانتخابات العامة عام 1992، أعقبها تنفيذ إصلاحات هيكلية واقتصادية قاسية لتأهيل البلاد لاقتصاد السوق والتحاقها بأوروبا.

ولم تتوان أوروبا والولايات المتحدة في تقديم حزمة من المعونات الطارئة والمساعدات الفنية لبناء القدرات الذاتية وتحديث التشريعات والإدارة العامة، وتعزيز الديمقراطية وحكم القانون وتحسين حقوق الإنسان والحريات.
مباني تعود لعصر أنور خوجه بنيت لتكون مساكن شعبية ولا تزال موجودة بكثيرة في ألبانيا (الجزيرة)

لكن عملية انتقال ألبانيا من الاشتراكية إلى الاقتصاد الحر ذهبت أكثر مما ينبغي. فقد كانت البلد الأفقر في أوروبا، وكان اقتصادها معتمدا على المشروعات والاستثمارات الصغيرة، مع معدلات استثمار خارجي منخفضة وبنية تحتية متخلفة للنقل.

وفشلت الحكومة الديمقراطية في معالجة قضية الملكيات الخاصة بعدالة وإصلاح الأراضي، ولم تستطع تفكيك العقد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي خلفتها حقبة الحكم الشيوعي. وعجلت أزمة مالية طاحنة، تسببت فيها المشروعات الهرمية، باضطرابات عام 1997، التي استفاد منها الشيوعيون السابقون لتنظيم وقيادة ثورة عنيفة. واستقالت الحكومة الليبرالية وفازت المعارضة اليسارية.

وتعثرت عملية اندماج ألبانيا في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وحدثت هزة عنيفة للجيش الألباني بتمرد المجموعات المسلحة، كما ظل اقتصاد البلاد يعاني من معدلات تضخم مرتفعة بلغت 43% ومعدلات بطالة عالية. وفقد الشعب مدخراته المالية التي قدرت بثلاثة مليارات دولار أميركي بعمليات الاحتيال. وهو ما أحدث أزمة اقتصادية عنيفة دفع الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي إلى تقديم مساعدة فنية ومالية، لكن لم تخرج ألبانيا من هذه الأزمة إلا عام 2001.

ووافقت المفوضية الأوروبية قبل نهاية عام 2003 على طلب ألبانيا بدء مفاوضات جديدة لتعزيز ارتباط ألبانيا بالاتحاد، انتهت بتوقيع اتفاق في 2005، لكن تفشي الفساد وتباطؤ النمو الاقتصادي جعل إحياء الاقتصاد من جديد مهمة صعبة.
الألبان يجدون في الأسواق الشعبية متنفسا يلبي حاجاتهم (الجزيرة)

حالة الركود الشديد في الاقتصاد والبطالة المرتفعة والنسب العالية للفقر، دفعت الحكومة الليبرالية الجديدة، التي كان يقودها الرئيس السابق سالي بيريشا، إلى تنفيذ مجموعة من الإصلاحات الليبرالية القاسية، ومنها تسهيل إجراءات الاستثمار والأعمال، وتطبيق ضرائب شاملة بنسبة 10%، ومكافحة الفساد، وتطوير بنية تحتية حديثة.

وازدهرت تدفقات الاستثمارات الخارجية المباشرة حيث تم تمويل مشروعات بالمليارات من قبل مؤسسات وصناديق التمويل الخارجية، في حين تجاوزت معدلات النمو نسبة 5% المقررة لتبلغ 10% قبل نهاية 2007.

كما خضعت القوات المسلحة الألبانية في هذه الأثناء لإعادة هيكلة وتحديث مع خدمة العديد من وحداتها إلى جانب القوات الأميركية والألمانية والتركية في إطار مهمات حلف الناتو الدولية للسلام. وفي عام 2009 تمت الموافقة على منح ألبانيا العضوية الكاملة بحلف الناتو، وهي مرحلة مهمة في سعي البلاد للاندماج في أوروبا وتحقيق الاستقرار الداخلي.

ورغم أن الليبراليين قد فازوا بفترة حكم جديدة في انتخابات 2009، بدت الحكومة وكأنها تخلت عن الوتيرة التي تنفذ بها الإصلاحات، وتسبب اشتراء الفساد في إرباك قطاع الأعمال. وقارب الدين العام نسبة 60% وأصبحت الحكومة تتأخر في سداد ما تلزمها بها التعاقدات العامة.

وفي عام 2010 وافق الاتحاد الأوروبي على إدخال ألبانيا في نظام تأشيرة "شينغن" الموحدة. ومُنحت البلاد وضع العضو المرشح عام 2014، لكن مفاوضات الموافقة على العضوية الكاملة لم تبدأ بعد.

ومنذ عام 2013 وعدت الحكومة الاشتراكية الجديدة بخفض الدين العام، واستعادة معدل النمو وتسريع عملية الاندماج. إلا أن الدين العام ارتفع ليبلغ نسبة 75% حتى اليوم.

فندق حديث وسط العاصمة الألبانية يعكس توجه الدولة نحو اقتصاد السوق والمنافسة الرأسمالية (الجزيرة)

وعاشت ألبانيا انتكاسة في جهود محاربة الجريمة المنظمة بعد أن انتخب بعض أعضاء هذه المجموعات أعضاء بالبرلمان أو عمدا لمدن وبلدات، وهو ما وضع البلاد في حالة طوارئ لمكافحة الجريمة بالحياة السياسية. حيث تضاعف إنتاج حشيش القنب المخدر بالبلاد وتهريبه إلى دول الاتحاد الأوروبي.

وكان المجلس الأوروبي قد طلب من ألبانيا في ديسمبر/كانون الأول الماضي تلبية سبعة شروط إضافية، بينها تطهير الحياة السياسية من الجريمة، ومكافحة الجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات، وحماية حقوق الإنسان.

ومع ما تتصف به الأسواق الألبانية من بنية احتكارية واستشراء الجريمة في الحياة السياسية، وعدم وضوح فرص دخول الاتحاد الأوروبي بعد 25 عاما من تغيير النظام، تتصاعد الشكوك حول تحقيق الحلم بنظام رأسمالي وبمشروع اندماج ناجح.
 
السابق

السابق

التالي

السابق

-10/14-

"آخر النينجا".. كشف الأسرار لخدمة السياحة

"آخر النينجا".. كشف الأسرار لخدمة السياحة
فادي سلامة - طوكيو

العملاء المتخفون.. جواسيس الظلام.. المرتزقة الأشداء.. تلك بعض الصفات التي أطلقها اليابانيون على محاربي النينجا الذين يقال إنهم برزوا في حقبة "كاماكورا" باليابان في القرن الـ14 حين تحولت البلاد إلى إقطاعيات يتقاسمها قادة عسكريون يطلق عليهم لقب "الشوغون" ويعمل تحت إمرتهم محاربون أشداء هم "الساموراي."

كانت أخلاق الفروسية تفرض على الساموراي القتال بشرف وجها لوجه لكن ذلك لم يخدم دائما القادة العسكريين الذين كانوا يحتاجون أحيانا لمن يقوم بعمليات اغتيال وتخريب وتجسس فلجؤوا إلى النينجا.

كان النينجا يعرفون باليابان بأسماء كثيرة أشهرها "شينوبي "و"رابا" و"سوبا" و"داكو" و"كاماري"، ولم يظهر اسم نينجا إلا في خمسينيات القرن الماضي كإحدى قراءات حروف "الكنجي" الصينية التي تشكل كلمة "شينوبي" وتعني "المحارب الخفي".


وما زالت مدينة إيغا في وسط اليابان تعرف بمدينة النينجا، فقد اشتهرت قبل ألف عام بأنها تضم أكبر تجمع لمدارس تعليم فنون قتال النينجا في البلاد، ولكن وكما اختفى الساموراي والشوغون اختفى محاربو النينجا أيضا، ولم يبق منهم سوى رجل واحد يطلق عليه اليابانيون لقب "آخر النينجا".

عائلة يابانية ترتدي زي النينجا التقليدي ضمن فعاليات الاحتفال بيوم النينجا الوطني (رويترز)
 
آخر النينجا

"جينئيتشي كاواكامي" المعلم 21 لمدرسة "كوغا" الشهيرة لفنون النينجا القتالية، بدأ كاواكامي بتعلم فنون القتال الخاصة بالنينجا من أبيه منذ أن كان عمره ست سنوات، ولكنه خلف عهدا لطالما حفظه أجداده من معلمي النينجا، وهو إخفاء هويتهم، فالنينجا لا يكشف عن هويته أبدا لأن ذلك يعد من أهم الأسلحة لتنفيذ المهام السرية التي توكل إليه.


لم يكشف كاواكامي هويته وتاريخ عائلته من النينجا فقط أمام اليابانيين بل أمام العالم، ففي مؤتمر صحفي عقد بطوكيو في مقر جمعية الصحفيين الأجانب في اليابان قال إنه يضحي بكشف هويته من أجل هدف نبيل هو المحافظة على تراث النينجا من الاندثار.

هدف آخر هو الترويج للسياحة في اليابان فقد أعلن عن تأسيس مجلس النينجا الياباني، وهو منظمة غير ربحية تضم بين أعضائها عمداء ومسؤولين محليين من مدن وبلدات يابانية اشتهرت بأنها كانت موطنا للنينجا، ومن بينها مدن "إيغا" و"أوداوارا" و"ناغانو"، وتضم المنظمة أيضا كبير الباحثين اليابانيين في تاريخ النينجا "يوجي يامادا".

وقال "آخر النينجا" لمجلة الجزيرة إن مجلس النينجا سيشرف على إقامة أكاديمية للنينجا، يتم فيها تدريب "نينجا حقيقيين" على فنون قتال "النينجيتسو" والمهارات الأخرى التي تميز النينجا، ولن يقتصر قبول المنتسبين على اليابانيين، فالأكاديمية مفتوحة أمام كل الجنسيات.

كما أعلن مجلس النينجا عن تحديد يوم وطني للنينجا هو يوم 22 فبراير/شباط من كل عام، وتم اختيار شهر وأيام فيها رقم اثنين لأن رقم اثنين يلفظ باليابانية "ني" وهو جزء من كلمة نينجا.


عرض بأزياء النينجا وأسلحتهم التقليدية في مهرجان النينجا الوطني (رويترز)
 
النينجا في خدمة السياحة

ويحظى مجلس النينجا بدعم الحكومة اليابانية ممثلة بوزارة السياحة التي تأمل الاستفادة من الشعبية والشهرة التي يحظى بها النينجا حول العالم لجذب مزيد من السياح، فقد ارتفع عدد السياح الأجانب في العام الماضي إلى رقم قياسي تجاوز 24 مليونا، وتشير إحصائيات وزارة السياحة إلى أن نحو مئتي ألف سائح يقصدون سنويا مدينة إيغا (مدينة النينجا) لزيارة متحف مخصص للنينجا فيها.

وتخطط الوزارة لتمويل إقامة متحف ضخم في حي "سوميدا" بطوكيو يضم أدوات وثيابا ومقتنيات أصلية للنينجا، كما ستقام عروض دائمة للفنون القتالية الخاصة بالنينجا في المدن الرئيسية مثل طوكيو وكيوتو وأوساكا.

وقد سألت مجلة الجزيرة "يوسكيه" قائد فرقة عروض النينجا الذي قدم عرضا في نادي الصحفيين الأجانب عن الرسالة التي يود إيصالها من خلال عروضه، فقال إنه يريد أن يعرف العالم أن "النينجا ربما كانوا محاربين أشداء، ولكنهم لم يكونوا أشخاصا خارقين بل أناسا عاديين، وفي كثير من الأحيان كانوا مزارعين يسخرون قوتهم ومهاراتهم لإطعام أبنائهم".
السابق

السابق

التالي

السابق

-11/14-

جدران سجن كويوتوبي تردد صدى التعذيب

جدران سجن كويوتوبي تردد صدى التعذيب
غدير أبو سنينة
ماسايا / نيكاراغوا
فوق تلة ترتفع 300 متر فوق مستوى سطح البحر وفي مدينة ماسايا النيكاراغوية التي تبعد 31 كم جنوب العاصمة مناغوا، تقبع قلعة كويوتوبي. وجاء اسم المدينة من انتشار الكلاب البرية "Coyotes" في تلك المنطقة.

لا بدّ للوصول إليه من السير في طريق متفرع من ماسايا، تصعد السيارة الطريق لتصل قمة التلة بعيدا عن ضجيج المدينة قليلة عدد السكان أصلا، ويمكن ملاحظة كيف يُشرف ذلك المكان على العاصمة مناغوا، والأهم من ذلك إشرافه على مدينة غرناطة معقل المحافظين في بدايات القرن العشرين.

تحولات مختلفة شهدها المكان وأوقعته أخيرا في أيدي الكشافة والسيّاح، بعد أن كان قلعة تدار منها المعارك ثم ثكنة عسكرية وسجنا.

يستقبلك غلام في الثالثة عشرة من عمره وستعرف أنه من الكشّافة ويحدثك عن تاريخ "كويوتوبي" بلهجة مدرسية، بينما يقودك عبر أقبية السجن والزنازين، ولربما التصق ببالك مشهد ذلك الجدار الملطخ بدماء سالت من آثار التعذيب قبل ما يزيد عن أربعين عاما.

ورغم الوظائف العديدة التي ألصقت بذلك المكان فإن وصفه كسجن هو الأكثر شهرة بسبب ما كان يحدث به من ممارسات تعذيب للسجناء وحكايات سوريالية نسجت خلف أسواره.

قلعة كويوتيبي التي تحولت لثكنة عسكرية ثم سجن ثم مقر للكشافة ومزار سياحي (الجزيرة)
ثورات ومعارك وقلعة
كان خوسيه سانتو سيلايا، الذي يعده النيكاراغويون بطلا قوميا، قد أمر ببناء تلك القلعة عام 1893 بعد وصوله لرئاسة البلاد عبر ثورة مسلحة، بهدف حماية مدينة ماسايا أثناء الحرب الأهلية بين الليبراليين والمحافظين.

وفي 12 سبتمبر/أيلول 1912، رست سفنٌ حربية أميركية على شواطئ نيكاراغوا، إثر نشوب حرب أهلية لأسباب حزبية، حيث استعان المحافظون في مدينة غرناطة بقيادة أدولفو دياس وإيميليانو تشامورو، بالقوات الأميركية التي تصدى لها الليبراليون الذين كانت مدينة ليون معقلهم، وكانت القلعة من نصيب من ينتصر في المعارك.

وقد قاد المعارك ضد التدخل الأميركي الجنرال بنيامين سيليدون (33 عاما) الذي قُتِل أثناء الحرب، وعرضت القوات الأميركية جثته في الشوارع، ما أثار سخط النيكاراغويين، ومن بينهم البطل القومي أوغوستو سيسار ساندينو، أيقونة الثورة الساندينية في نيكاراغوا.

ساندينو تمرّد ضد التدخل الأميركي منذ عام 1926 وحتى وفاته غدرا على يد رجال أناستاسيو سوموسا غارسيا عام 1934.
سجن سوموسا

بتنصيب أناستاسيا سوموسا غارسيا رئيسا لنيكاراغوا من قبل الحكومة الأميركية التي انسحبت قواتها من البلاد تاركة رئيسا تابعا لها وسيطرة شبه كاملة على مقدّرات نيكاراغوا، بدأ عهد الاستبداد.

وعام 1936، أمر سوموسا باستغلال قلعة كويوتوبي وبناء سجن تحتها، وكان له ما أراد. لكن رينيه شيك، رئيس نيكاراغوا بين عامي 1963 و1966، منح المكان للكشافة عام 1966، إلا أن أناستاسيو سوموسا ديبايلي "الابن" (حكم بين عامي 1967 و1972 ثم لفترة رئاسية ثانية بين عامي 1974 و1979)، وهو آخر رئيس من عائلة سوموسا، استردّ المكان من الكشافة وحوّله لثكنة عسكرية وسجن.
 
غرافيتي على جدران السجن وتظهر فتحات صغيرة كان الحراس يراقبون منها الطريق (الجزيرة)

ويمكن ملاحظة فتحات التهوية على أرضية القلعة قبل النزول لمشاهدة الأقبية، وهي موزعة على مستويين، أولهما يضم مساجين القضايا الجنائية وبه 25 زنزانة، والمستوى الثاني خصّص للمعتقلين السياسيين ويضم 13 زنزانة.

ولئن كانت ظروف المكان لا تختلف في كلا المستويين فإن إجراءات التعذيب الممارسة في المستوى الثاني هي ما كانت تحدث فرقا.

زنازين مكتظة بالمساجين في ظلام دامس ومعاملة سيئة كان ما يلقاه نزلاء السجن، أما معتقل المعارضين السياسيين، خصوصا من شباب الحركة الساندينية، فقد كانت أساليب التعذيب تتنوع، من التعليق على الحائط والضرب وخلع الأظافر واستخدام الكهرباء وغيرها، حسب الكشاف أنريكي لوبيس الذي أخبرني أن أشهر مساجين كويوتوبي هما كاميلو أورتيغا، شقيق دانييل أورتيغا، رئيس نيكاراغوا الحالي والمناضل توماس بورخيس.

بانتصار الثورة الساندينية في نيكارغوا عام 1979 انقلبت المعادلة، فأخرجت حكومة الثورة مساجينها من كويوتوبي، لكن "الانتقام" كان سيد الموقف، إذ زجّت الثورة بـ"فلول" الحكومة السابقة في السجن نفسه، ومورست أساليب التعذيب -وإن كانت أخف وطأة- مع المعتقلين الجدد هذه المرة، وفق الكشاف لوبيس وما هو منشور عن ذلك السجن في الصحف النيكاراغوية الرسمية.

لكن هيرمان بورخاس إسبينال، الذي عمل في إدارة السجن بعد انتصار الثورة الساندينية، قال للجزيرة نت عند سؤاله عن هذه النقطة تحديدا إن حكومة الثورة كانت مضطرة لاستخدام السجن نفسه مع سوء ظروفه، لأنه لم يكن هناك بديل آخر، دون أن ينفي وجود حصة من التعذيب.

ورغم امتداد حكم الساندينيستا من عام 1979 حتى 1990، ظلّت قلعة الكويوتوبي سجنا حتى وصول فيوليتا تشامورو سدة الحكم عام 1990، إذ حسّنت من ظروف السجن وأمرت بتقديم المزيد من الخدمات وبتزويد حصص المساجين من الطعام، قبل أن تقرر إغلاق السجن نهائيا وإعادة منحه للكشافة النيكاراغوية.

رموز شيطانية على جدران سجن كويوتبيبي حيث أصبح السجن ملاذا لعبدة الشيطان قبل أن يتسلّمه الكشافة أوائل التسعينيات (الجزيرة)
قصص حول السجن
في الفترة التي أغلق فيها السجن وحتى تسلّم الكشافة المقر الجديد، بقي سجن كويوتوبي فارغا على المستوى الإداري، مفتوحا أمام من يتمتع بقلب قوي يسمح له بالولوج لتلك الأقبية المظلمة المثيرة للفزع.
لوبيس ليس الوحيد الذي تحدّث عن تردّد المشرّدين على ذلك السجن، إضافة لعبدة الشيطان الذين رأوا فيه مكانا أمثل لممارسة طقوسهم، فجدران السجن مليئة برموز يؤكد لوبيس أنها "شيطانية". وقد أبقت الدولة الغرافيتي كما هو للحفاظ على تاريخ السجن بلا تغيير.

ذلك التاريخ الطويل وتلك القصص المرعبة عن وحشية أساليب التعذيب ووفاة كثير من المساجين أثناء جلسات التعذيب ثم اتخاذ السجن مقرا لعبدة الشيطان والمشردين جعلت كثيرا من الأقاويل تنتشر حول سماع الناس لصراخ وبكاء وحشرجات حتى هذه اللحظة.
 
السابق

السابق

التالي

السابق

-12/14-

غول المخدرات يفترس الطلبة في مصر

غول المخدرات يفترس الطلبة في مصر

دعاء عبد اللطيف - القاهرة



من المؤكد أنه لم يجر بمخيلة المُعلم أكرم علي أن المدرسة الثانوية، التي يعمل بها بإحدى قرى محافظة الجيزة جنوب القاهرة، ستكون خلال يوم دراسي مسرحا لجريمة قتل بسبب المخدرات، ومؤكد أنه لم يتصور أنه هو نفسه سيكون القتيل.

وخلال استغراق المعلم في شرح مادته داخل الفصل في يوم دراسي عادي من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، اكتشف أن الطالب إسماعيل عبد الحميد يدخن سيجارة "حشيش".

وبّخ المعلم تلميذه لتعاطيه المخدرات، وسرعان ما تطور الأمر لمشاجرة انتهت بضرب الطالب مدرسه ضربا مبرحا حتى لفظ أنفاسه الأخيرة متأثرا بإصابته داخل الفصل.

وتقول التقارير الصادرة عن صندوق مكافحة وعلاج الإدمان، وهو جهة حكومية، إن نسب تعاطي المخدرات في مصر تقترب لضعف المعدلات العالمية، حيث بلغت نسب التعاطي 10.4% من المصريين.

وقبل أيام أعلن رئيس صندوق مكافحة الإدمان الدكتور عمرو عثمان أن 79% من الجرائم التي يتم ارتكابها تحدث تحت تأثير إدمان الجاني مخدرَ الحشيش، كما قالت وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي إن 27% من المدمنين إناث.

وآخر إحصائية لنسب التعاطي داخل المدارس والجامعات المصرية، أجرتها وزارة الصحة عام 2012 -تجري الوزارة مسحا شاملا كل خمس سنوات- وأظهرت أن نحو 60% من طلاب الجامعات يتعاطون المخدرات. غير أن هناك دراسة أجريت العام الماضي على سائقي النقل كشفت أن 20% منهم مدمنون.

وقبل نحو عام أطلقت وزارة التضامن الاجتماعي حملة قومية لمواجهة الإدمان تحت شعار "أقوى من المخدرات"، واستعانت بفنانين ورياضيين لهم شعبية بين الشباب في الترويج للحملة.

كذلك أعلنت الوزارة عن إجراء مسح ميداني الشهر الجاري على عينة من طلاب المدارس الثانوية تبلغ خمسة آلاف طالب في 150 مدرسة، من خلال توزيع استمارة قياس تتضمن بعض الأسئلة للطالب عما إذا كان يتعاطى مواد مخدرة، وهو ما أثار جدلا حول جدوى تلك الخطوة.

الممارسات القمعية التي تنتهجها الطلبة تؤثر على الصحة النفسية للطلبة (الجزيرة)


إحصاءات مُضللة
فقد اعتبر مدير المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام مصطفى خضري الحديث الحكومي عن الإدمان أحد أهم المبررات التي يستخدمها النظام السياسي في تصدير مسؤوليته المجتمعية إلى الغير، وتبرير فشله في إدارة الدولة.

وأوضح افتقار مصر لإحصاء حقيقي حكومي لحجم المدمنين -دون نظر للبيانات الطبية للمدمنين المترددين على المستشفيات الحكومية أو معدلات إدمان السائقين- نتيجة تحاليل تُجرى قبل منح رخص القيادة "وهي إحصاءات قطاعية لا يمكن تعميمها على المجتمع"، حسب قول خضري لمجلة الجزيرة.

وأرجع مصطفى خضري عدم وجود إحصاء حكومي حقيقي عن المدمنين إلى خوف المدمن من ذكر حقيقة مرضه إلى جهة حكومية.

وذهب مدير المركز البحثي إلى وصف التصريحات الحكومية عن معدلات الإدمان في مصر بالمضللة، وأردف "الحديث عن أن هناك 10% من المصريين مدمنون يعني وجود فرد مدمن داخل كل أسرة على الأقل، وهو ما يتنافى مع الواقع".

ولفت إلى نتائج الدراسة التي أعدها المركز -الذي يرأسه أجريت في أكتوبر/تشرين الأول 2016 وغطت محافظات مصر- وأظهرت أن نسبة مدمني المخدرات بالقاهرة الكبرى تبلغ 4.8% مقابل 3.6% في محافظات الوجه البحري، و3.9% في الوجه القبلي، ونسبة المدمنين من النساء 13% من مدمني القاهرة، و9% من مدمني الوجه البحري، و2% من مدمني الوجه القبلي.

وهناك فرق بين الإدمان والتعاطي، وهو ما حاول أخصائي نفسي في صندوق مكافحة الإدمان -رفض ذكر اسمه- أن يوضحه.

وأضاف لمجلة الجزيرة أن نسبة المدمنين تكون بحد أقصى ما بين 2.5% و5% من نسبة المتعاطين، وتابع "وبالتالي فإن نسبة 10% يتعاطون المخدرات لا تعني مطلقا أن 10 ملايين مصري مدمنون".

وقال إن المشكلة الأساسية في مصر هي عدم وجود هيئة قومية تعمل على توحيد جهود تقوم على مناهج علمية للتصدي للمشكلة، مشيرا إلى ضرورة التدقيق في عوامل ارتفاع معدلات التعاطي والإدمان.

ومن تلك العوامل انتشار المواد المخدرة، وثقافة تعاطي المخدر، وقلة أعداد الأسّرة المخصصة للعلاج، حسب توضيح الإخصائي النفسي، لافتا إلى أن زيادة نسب الإناث المتعاطيات هي مشكلة عالمية، وأوضح أن "تقرير الأمم المتحدة يقول إن ربع من يتعاطون المخدرات في العالم نساء".

الظروف الاقتصادية الصعبة تؤدي لسقوط الأبناء في براثن الإدمان (الجزيرة)


تفكك المجتمع
أما الكاتبة الصحفية المتخصصة في الشؤون الاجتماعية فاطمة عبد الرؤوف فرأت في ارتفاع معدل إدمان المخدرات بمصر دليل واضح على وصول المجتمع لمرحلة حرجة من التفكك.

وثمة أسباب عديدة للتفكك المجتمعي منها انسداد الأفق السياسي والاقتصادي، مما أوصل كثيرا من المواطنين إلى الإدمان، وفق قول فاطمة لمجلة الجزيرة.

وأوضحت أن المعاناة الاقتصادية التي تعيشها معظم الأسر المصرية تُشغل الآباء والأمهات بالعمل لتوفير الاحتياجات المادية، مما يفقدهم التواصل مع أبنائهم الذين يتحولون لأهداف سهلة للإدمان.

وساهم رخص أسعار الأنواع الجديدة من المخدرات وسهولة توفرها -في ظل غياب الدور الأمني- في انتشار الإدمان بين قطاعات واسعة كالنساء وطلاب المرحلة الإعدادية، حسب رأي الكاتبة الصحفية.
وأشارت إلى كون أكثر المدمنات ينتمين للفئات الفقيرة ماديا، وتابعت "تعاني الفقيرات من التحرش وزنا المحارم وأزواج وآباء مدمنين مما يدفعهن للإدمان".

وانتشار الإدمان في الجامعات والمدارس سببه الأساسي افتقاد الأجيال الجديدة للقدوة والثقة، حسب تأكيد الخبير بالمركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي الدكتور محمد فتح الله.

وأضاف لمجلة الجزيرة أن طلاب المدارس والجامعات لم يعد لديهم أمل في مستقبل جيد في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد والممارسات القمعية التي تنتهجها السلطة، موضحا أن تلك الأجواء تؤثر سلبا على الصحة النفسية للطلبة.

وضرب فتح الله مثلا "شباب الألتراس وهم معظمهم من الطلبة مروا بظروف نفسية سيئة بسبب أحداث دامية خلال السنوات الماضية سواء مذبحة بورسعيد التي راح ضحيتها 74 مشجعا أهلاويا داخل ملعب بورسعيد، أو مذبحة ملعب الدفاع الجوي التي راح ضحيتها 22 مشجعا زملكاويا".

وعن الخطوة الحكومية لإجراء مسح على عينة من الطلاب، اعتبر الخبير التربوي استخدام الاستبيانات مع الطلبة للكشف عن إدمانهم من عدمه أداة للتضليل، مستبعدا أن يعترف أي شخص بإدمانه لمجرد أن شخصا غريبا وزّع عليه ورقة بها أسئلة.

وأكد ضرورة إجراء فحص طبي على الطلبة عبر سحب عينات دم، وتحويل المدمنين إلى مصحات علاجية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/14-

الصين تزاحم عالميا في "ذهب الحفش الأسود"

الصين تزاحم عالميا في "ذهب الحفش الأسود"
علي أبو مريحيل - بكين
في ظل الحصار المفروض على إيران والعقوبات المفروضة على روسيا، ظهرت الصين بوصفها لاعبا جديدا على الساحة الدولية في صناعة وإنتاج ما يعرف بالذهب الأسود (الكافيار)، بعد أن كان البلدان يهيمنان على السوق العالمية بوصفهما أكبر مصدرين للكافيار في العالم.

فقد خطت الصين خلال السنوات العشر الأخيرة خطوات هامة في صناعة وإنتاج الكافيار، وهي في طريقها -وفق تقارير محلية- إلى غزو العالم انطلاقاً من مزارع ومنشآت توفر ما يقارب ثلث الإنتاج العالمي الذي يبلغ 150 طنا سنويا.

وعلى الرغم من تدني سمعة المنتج الصيني نظرا للمشاكل التي عانت منها البلاد في السنوات الأخيرة والمرتبطة بسلامة الأغذية، فإن الصين استطاعت أن تثبت نفسها مصدرا موثوقا لإنتاج الكافيار، إذ يعتبر الكافيار الصيني اليوم واحدا من أجود أنواع الكافيار الأسود في العالم.
 
مزارع سمك الحفش في بحيرة شان دياو تنتج 45 طنا من الكافيار سنويا (الجزيرة)

كالوغا مصدر الكافيار الأسود
في بحيرة تشان داو، الواقعة بمقاطعة تشيجيانغ جنوبي شرقي الصين، وعلى مساحة نحو ستمئة كيلومتر مربع من المياه العذبة، تمتد مزارع "كالوغا كوين" التي يربى فيها حوالي خمسين ألف سمكة من نوع "الحفش" المنتج للكافيار الأسود، والذي كان حتى وقت قريب مهدداً بالانقراض.

أوضح شيا يونغ نائب رئيس "مجموعة كالوغا كوين" لإنتاج الكافيار أن الصين حديثة العهد في إنتاج الكافيار، لكنه أشار إلى أنها استطاعت خلال سنوات قليلة أن تصبح واحدة من أهم مصدري هذا المنتج في العالم.

وقال إن إنتاج مزارع كالوغا من الكافيار بلغ العام الماضي 45 طنا، وهو رقم غير مسبوق على مستوى المزارع المنتجة للكافيار في العالم، مشيرا إلى أن الإنتاج السنوي الروسي من الكافيار لم يتجاوز 32 طنا، رغم أن روسيا كانت حتى وقت قريب تتربع على قائمة أكبر مصدري الكافيار إلى جانب إيران.

وأضاف يونغ في حديثه لمجلة الجزيرة، أنه نظراً للنجاح الذي حققه الكافيار الصيني، والثقة الكبيرة التي حظي بها من المستوردين، عمدت العديد من الشركات العالمية إلى التعاقد مع مجموعة كالوغا كوين، وقال إن شركة خطوط الطيران الألمانية "لوفتهانزا" واحدة من شركات الطيران التي تقدم الكافيار الصيني على متن طائراتها لركاب الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال.

بيض الكافيار بعد استخراجه مباشرة من سمكة الحفش (رويترز)

استخراج الكافيار
لا شك أن إنتاج الكافيار يخضع لعمليات دقيقة ومعقدة، وحول تلك العمليات قال لوو مينغ، وهو عامل في إحدى المنشآت التابعة لمجموعة كالوغا كوين، إن أسماك الحفش التي يُفضل أن تعيش في المياه العذبة، لا بد أن تخضع لعناية شديدة أثناء فترة نضوجها خلال مدة تتراوح بين 7 و10 سنوات، قبل أن يتم البدء في استخراج الكافيار منها.

وأوضح مينغ، في حديثه لمجلة الجزيرة، أن هناك طريقتين لاستخراج الكافيار، إما عن طريق قتل السمكة، وإما بتمريرها عبر ماسح ضوئي يؤدي إلى تخديرها قبل شق بطنها وإعادة كبسه يدوياً، وهي طريقة أشبه بالولادة القيصرية.

وأشار إلى أن الطريقة الثانية غير محبذة نظراً لأن الأشعة التي تتعرض لها السمكة تؤثر على جودة الكافيار ولونه وطعمه، وإن كانت هذه الطريقة تبقي على حياة السمكة، وبالتالي تزيد من كمية الكافيار المنتجة، لكنه أكد أن الشركة التي يعمل فيها تفضل الجودة على الكمية.

عملية تعبئة الكافيار للتصدير بعد تنقيته ومعالجته (رويترز)


ثقافة جديدة
يبلغ سعر كيلوغرام من الكافيار الأسود في الصين نحو ألف وخمسمئة دولار، وهو مساو تقريباً لسعره الدولي، ورغم أن الصينيين لا تربطهم علاقة تاريخية بالكافيار، فإنه بدأ يلقى رواجا كبيراً في الأسواق المحلية، ولم تقتصر استخداماته على تناوله كغذاء للجسم، بل أيضا دخل في مستحضرات التجميل والوصفات الطبية.

ويتوقع مراقبون أن تصبح الصين رائدة في إنتاج وصناعة الكافيار خلال وقت قياسي، نظراً للدعم الذي تلقاه تلك الصناعة من السلطات الصينية، حيث تشير تقارير محلية إلى أن الحكومة رصدت نحو خمسة ملايين دولار لدعم وتطوير هذه الصناعة في الصين.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/14-

ورزازات.. هوليود أفريقيا وقبلة عدسات السينما

ورزازات.. هوليود أفريقيا وقبلة عدسات السينما

 
رجاء غرب 
ورزازات - المغرب

لن يضيع السائل عن مدينة ورزازات المغربية، فالمدينة الواقعة وسط جنوب البلاد أصبحت في العقود الأخيرة قبلة لأشهر المخرجين العالميين، وتشد كبرى شركات الإنتاج الرحال إليها لتصوير أضخم الأفلام السينمائية.

مدينة ورزازات، أو المدينة الهادئة، أو هوليود أفريقيا أضحت اليوم أستوديو كبيرا ساعدته الطبيعة على توفير كل المعدات والديكورات التي يحتاجها العمل السينمائي المتكامل.

كلما اقترب الزائر من مدينة ورزازات عانقه دفء شمسها، ورحبت به واحات النخيل وجبالها، فتنوع طبيعة المدينة جعل المخرجين السينمائيين يقصدونها بكثرة، فالمنطقة تتميز بالضوء الكافي الذي يوفر الإنارة الطبيعية للمخرجين طول أيام السنة، والجبال تعتبر أستوديوهات جاهزة لتصوير كل اللقطات المتعلقة بالمعارك والحروب، بالإضافة إلى وجود نهر وادي درعة وسط المدينة، والواحات والقصبات كلها عوامل أهلت المدينة لتكون هوليود أفريقيا.

أفلام عالمية يتم تصويرها في ورزازات وبتجهيزات فنية عالية (الجزيرة)


تعود قصة مدينة ورزازات إلى مئة سنة خلت، حيث تم تصوير أول فيلم فيها وهو "راعي الماعز المغربي"، بعدها اختارها المخرج الإيطالي ألفريد هيتشكوك سنة 1938 لتصوير أول عمل سينمائي له في المغرب لتصبح قبلة تصوير أفلام من فرنسا وأميركا وإسبانيا وإنجلترا والبرازيل ودول جنوب أفريقيا.

توجد بمدينة ورزازات ثلاثة أستوديوهات رئيسية، كل أستوديو يتوفر على ديكور مخصص لتصوير نوعية محددة من الأفلام السينمائية دون غيرها، فأستوديو الأطلس تم تدشينه سنة 1983 وتبلغ مساحته الإجمالية تبلغ عشرين هكتارا.

ويتميز هذا الأستوديو بوجود التماثيل الفرعونية والبيوت الطينية والقصبات والحي اليهودي والأصنام والمكتبات العريقة والرسومات والآبار والمنازل القديمة، وهو مخصص لتصوير الأفلام التاريخية التي وقعت أحداثها في دول عربية كمصر، بالإضافة إلى الأعمال التي تحكي قصة الرسل والأنبياء، والتي تحتاج إلى طبيعة كالصحراء والجبال لتصويرها.

في أستوديو الأطلس تم تصوير فيلم "كليوباترا" الشهير سنة 1998، وفيلم "جوهرة النيل" لمايكل دوغلاس سنة 1984، وفيلم "المصارع" ( (Gladiatorالذي حاز على خمس جوائز أوسكار، من بينها جائزة أفضل فيلم، كما نال جائزة غولدن غلوب لأفضل فيلم دراما وأفضل موسيقى، وفيلم (Kingdom of Heaven) أو "مملكة السماء" للمخرج العالمي ريدلي سكوت.

قدرات فنية وبيئة مناسبة لنوعيات عديدة من الأفلام السينمائية العالمية (الجزيرة)

بالإضافة إلى أستوديو الأطلس تحتضن مدينة ورزازات أستديوهين آخرين، الأول أستوديو "كلا" والثاني أستوديو "كان زمان"، هذا الأخير الذي يوجد خارج المدينة وتبلغ مساحته ستين هكتارا، ويتميز بوجود معامل المونتاج، ومخازن ملابس الفنانين والكومبارس، وفنادق، وأستوديوهات التصوير، بالإضافة إلى معهد متخصص في المهن السينمائية.

تتميز ورزازات بانخفاض كلفة الإنتاج، فتقل بنسبة 40% عن مثيلاتها من المدن السينمائية العالمية، الأمر الذي أكده مالك أستوديو الأطلس أمين التازي لـ"مجلة الجزيرة" بقوله "إن الاستقرار الأمني للبلد يشجع وبشكل كبير المنتجين على اختيار المغرب لتصوير أعمالهم السينمائية".

من جهته، أعلن المركز السينمائي المغربي في الحصيلة السينمائية لسنة 2016 أن مداخيل تصوير الأفلام الأجنبية -ومعظمها صور في ورزازات- وصلت إلى61 مليون دولار، تتصدرها الأفلام الأميركية تليها الفرنسية ثم الهندية.

ورغم أن المدينة من أشهر مدن التصوير السينمائي في العالم فإن مستوى معيشة أهلها متوسط رغم عمل أغلبهم في قطاع السينما، فالأجور تختلف حسب شركات الإنتاج ونوعية الأعمال التي يشتغل فيها أبناء المدينة الذين رضوا مضطرين بدور "الكومبارس" لعلهم يدخلون عالم الشهرة ولو من أضيق أبوابها.
يوسف مرشوقي يشتغل ممثلا بديلا أو مؤديا أو مجازفا في استوديوهات ورزازات (الجزيرة)

يوسف مرشوقي ابن مدينة ورزازات يشتغل ممثلا بديلا أو مؤديا أو مجازفا أو "كاسكادور" بلغة أهل السينما. يقول يوسف في تصريح لـ"مجلة الجزيرة" إنه يزاول هذه المهنة منذ 12 سنة، ابتدأ في أوائل العشرينيات من عمره، وأدى أدوارا صعبة اتسمت بالخطورة في أفلام عالمية كفيلم (American Sniper)، كما أنه أدى دور المسيح عليه السلام في فيلم (Jesus) الذي تم تصويره في أستوديوهات ورزازات، بالإضافة إلى أدائه أدوار مقاتلين في تنظيم الدولة الإسلامية، ودور الجنود المحاربين ودور الفارس.

ويضيف مرشوقي (33 عاما) أن شركات الإنتاج تختار الشخصيات التي تحتاجها وفق معايير واضحة، يحددها مخرج الفيلم قبل بدء التصوير، لتصوير اللقطات التي يصعب على الممثل أداؤها لخطورتها.

وحسب المعطيات التي حصلت عليها "مجلة الجزيرة" من أشخاص امتهنوا هذه المهنة، يتقاضى المجازف مبلغا يصل 2500 درهم مغربي أي ما يعادل 250 دولارا، لكن هذا المبلغ يتغير مع تغير شركة الإنتاج ومخرج العمل وفصل التصوير.

وعلى خلاف "الدوبلور" يشتغل عدد من أبناء المنطقة في دور "الكومبارس" لكن بأجر قليل جدا يصل إلى 25 دولارا في اليوم كحد أقصى، وذلك في غياب التغطية الصحية وعدم الاعتراف الرسمي بهؤلاء الممثلين من طرف المركز السينمائي المغربي.

بالإضافة إلى المجازف والكومبارس يشتغل عدد كبير من أبناء المنطقة في أستوديوهات ورزازات في أعمال مختلفة كتقني الأسلحة وصيانة الديكور.

في ورزازات يمكن أن تطوف بالكعبة في مكة المكرمة، وعلى بعد أمتار تزور معبد ابن سنبل وسط مصر، وفي الجهة الأخرى يمكنك الوقوف أمام المسجد الأقصى في فلسطين، كل ذلك فوق أرض واحدة، أرض المغرب الهادئة.
 
السابق

السابق

التالي

السابق