دعاء عبد اللطيف - أسوان




يشق المركب الشراعي صفحة النهر ببطء، وعند منحنيات بعينها يتوقف تماما بسبب التيار الذي يعاكس اتجاه الإبحار، فيترك المراكبي مجدافه ليوجه الشراع على هوى تيار المنحنى.


وربما رغبة في التخفيف عن زبائنه من معاكسات التيار والنهر، يقول المراكبي بعد انقضاء ساعتين "السياح يرفضون المراكب الحديثة ذات الموتور ولا يركبون سوى الشراعية إلى غرب سهيل كي يستمتعوا بجمال النيل"، فيمر بالجوار مركب حديث سريع وبه سياح مستمتعون.

ومن كورنيش مدينة أسوان إلى قرية "غرب سهيل" النجع القبلي مر المركب على قريتي "جبل تقوق" شرق النيل و"غرب أسوان" غرب النيل وجزيرتي "أسوان" و"سهيل"، وكلها مناطق نوبية، فضلا عن الكثير من البيوت النوبية المتناثرة على تلال النهر، دون أن يجمعها نجع أو قرية.

السياح يصلون غرب سهيل عبر المراكب النهرية (الجزيرة)

وعند صخور ممهدة تتقدم ضفة النهر المحاذية لغرب سهيل، يأخذ المركب مكانه بين صف من المراكب الراسية، ليشاركهم تكوين منظر جمالي أسفل بيوت القرية بنحو عشرة أمتار.

وغرب سهيل هي قرية تنقسم لنجعين "القبلي والبحري"، وهي آخر قرى النوبة التي تحد خزان أسوان من ناحية الشمال، بفارق نحو خمسة كيلومترات عن جسم المانع المائي. وكان المكان الأصلي للقرية في الجنوب وراء السد العالي، لكن أهلها هاجروا منها عام 1902 بعد غرقها إثر تشغيل خزان أسوان.

وغرب سهيل النجع بحري يمكن اعتبارها سفيرة النوبة، فغالبية بيوتها مبنية على الطراز النوبي القديم، حيث تبنى من الطين وترسم على جدرانها المطلية بطلاء رخيص رسومات للنيل والأطفال والنخيل، وداخل البيوت توجد أحواش غير مسقفة وحجرات تسمى "الديوان" لاستقبال الضيوف.

وتنتشر في شوارعها المتدرجة بعمق التل الرملي الواقعة عليه البازارات التي تبيع تماثيل وإكسسوارات تعبر عن الثقافة النوبية، إلى جانب كثير من الدكاكين التي تبيع الأعشاب والعطور التي تميز النوبة كالحناء والنعناع والخُمرة والدلكة والكركديه. فضلا عن الشاي بالليمون الذي يُختصون به، وكثير من سيدات القرية يجلسن أمام البيوت لعرض رسم الحناء على أيدي السائحات، وأخريات يصنعن مشغولات يدوية كالحصير والحلي ويتجولن لبيعها.

تنتشر دكاكين بيع العطارة النوبية في غرب سهيل (الجزيرة)

أعرض عليها أن أصورها، فتعرض علي شراء منتجها الذي تحمله فوق رأسها فيما يشبه المقايضة. لكنها تبتسم للكاميرا في ود وتزيح ما على رأسها ثم تقول "طلعيني حلوة". وما على رأس "بيونزينا" هو رزقها، فهي تبيع تماثيل صغيرة لفلاحين نوبيين، لكن لا أحد يشتري بسبب قلة السياح، كما تقول السيدة الستينية.
وأمام دكانه الصغير يستوقف محمد السائحين المارين بابتسامة مذيلة بجملة "خذ ما شئت وادفع في وقت آخر". ونادرا ما يتوقف أحد ليشتري من البائع الذي يقول "السياحة توقفت، السياح الآن لا يعدو واحدا على عشرة ممن كانوا يزورون غرب سهيل قبل الثورة".

ويسرد الرجل مزيدا من المعاناة بعد ثورة 25 يناير "غالبية السياح مصريون من محافظات أخرى، وأصبح الأجنبي عملة نادرة". مشيرا إلى أن ذلك دفع الباعة لخفض سعر منتجاتهم لتتلاءم مع السائح المصري.

سياح داخل حوش ببيت في غرب سهيل (الجزيرة)

وعموما غرب سهيل هي المنطقة السياحية الأرخص في محافظة أسوان، فما يُشترى من السوق التجاري بقلب المدينة تجده بالقرية النوبية بربع الثمن أو أقل، ويقول عطوة شريك محمد بدكان العطارة "نحن أمناء ولا نستغل أحدا".

وإلى جانب الفنادق الموجودة بالمنطقة، التي لا تتجاوز سعتها عشر غرف، هناك بيوت سكنية تستقبل السياح للضيافة.

والضيافة في بيوت غرب سهيل تعني الجلوس في الحوش مع احتساء الشاي، ورؤية التماسيح التي اعتاد نوبيو سهيل على تربيتها في أحواض خرسانية لجذب السياح.

يمسك سائح بعصا ويحاول بها ملامسة ذيل تمساح بأحد المنازل السياحية، فينتفض فاتحا فاه لتهتز الشبكة الحديدية الموضوعة فوق الحوض الخرساني، ومربيه عبده حمزة يقول إن التماسيح لا تأكل خلال الشتاء فتصوم عن الماء والطعام ثلاثة أشهر من ديسمبر/كانون الأول إلى فبراير/شباط.

ولكنها في الصيف تأكل بشراهة السمك واللحم، كما يقول حمزة، الذي يشتري التماسيح الصغيرة من صيادي المراكب خلف السد العالي بسعر رخيص لا يتجاوز ستة دولارات، ويتكفل بتربيها وما إن تكبر وتبلغ نحو مترين حتى يقتلها ويحنطها ليضعها وسط الحوش أو أمام البيت للزينة.

الفنادق النوبية تبنى وفق الفن المعماري النوبي وما يميزه من ألوان (الجزيرة)

وجميع أهالي القرية البالغ عددهم حوالي 4000 نسمة يعملون بالسياحة، مباشرة أو بشكل غير مباشر، كما يقول مراد يوسف أحد مؤسسي جمعية تنمية المجتمع بغرب سهيل بحري. مشيرا إلى وجود سبعة فنادق إلى جانب عشرين بيتا سكنيا تفتح أبوابها للسياح.

وقد أسس يوسف جمعية تنمية غرب سهيل مع بعض الأهالي في أوائل تسعينيات القرن الماضي، لخدمة القرية عبر إقامة مستوصف طبي وفصل لمحو الأمية، فضلا عن مركز لتعليم السيدات عمل المشغولات اليدوية، إلى جانب مسرح وحضانة للأطفال، كما تنظم في الصيف رحلات تثقيفية لشباب القرية إلى المحافظات الأخرى.

وتقوم كل أنشطة الجمعية بالجهود الذاتية، إذ ترفض الحكومة تلقي الجمعيات التنموية النوبية أي دعم مالي من أي جهة داخلية أو خارجية، كما يقول مراد.

المصدر : الجزيرة