آخر تحديث: 2017/12/2 الساعة 06:51 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/13 هـ
اغلاق
خبر عاجل :أردوغان: نهدف لتطهير بعض المناطق السورية بدءا من منبج وحتى الحدود السورية العراقية
آخر تحديث: 2017/12/2 الساعة 06:51 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/13 هـ
-1/16-

المكسيك.. زوايا مجهولة

محمد المختار الخليل
مدير تحرير الجزيرة نت

عرفت المكسيك الحضارة في وقت مبكر، واشتهرت فيها حضارات قديمة انتشرت في أميركا اللاتينية والوسطى، مثل حضارة شعوب المايا والأزتيك، التي لا تزال آثارها قائمة على أرضها، بعد قرون من تشييد تلك المعالم.

وتقدر دراسات تاريخية أن الإنسان سكن أرض المكسيك منذ 21 ألف عام قبل الميلاد. وقبل أن تدوسها أقدام المستكشف الأوروبي في القرن 16 الميلادي، كانت ثقافات الشعوب الأصلية وإبداعاتها العمرانية، من معابد وأهرامات؛ راسخة في ذلك الجزء من أقاصي الأرض.

وما أضافه الغازي الأوروبي للقارة الأميركية الكبيرة على الصعيدين السكاني والثقافي، كان في جزء كبير منه على حساب أرواح ساكني الأرض وثقافتهم ولغتهم؛ ففي عام 1521 احتلت إسبانيا الأرض انطلاقا من مدينة مكسيكو، التي منها أخذت الدولة اسمها، وأديرت كمستعمرة للتاج الإسباني باسم إسبانيا الجديدة، قبل أن تنال البلاد استقلالها عام 1821، لكن تعتبر ولادة المكسيك الحقيقية مع إصدار دستور 1917، وظهور النظام السياسي الحالي في البلاد.

تنحو الصورة الذهنية عن المكسيك اليوم في ذهن القارئ العربي إلى عالم الفقر والجريمة وتجارة المخدرات واللجوء غير القانوني إلى الولايات المتحدة؛ مما دفع واشنطن إلى العمل على بناء جدار عازل على الحدود بين البلدين، حيث تقدر إحصائيات أن 9% من المكسيكيين ممن ولدوا في المكسيك يعيشون الآن في أميركا، وينحدر نحو 28.3 مليونا من الأميركيين من أصول مكسيكية.

المشاهد البائسة في المكسيك موجودة بلا شك، لكن ينطوي هذا البلد اللاتيني الكبير على صور مجتمعية أخرى، دينية وحضارية وثقافية، ولبعضها امتداد عربي؛ وتستحق التوقف عندها والتعرف عليها، وهي صور متعددة ومتسعة باتساع الأرض المكسيكية وتنوعها العرقي والثقافي، حيث تخلق مجتمعة حالة المكسيك اليوم الجاذب للأجنبي، والطارد لأبناء البلد بحثا عن لقمة العيش في دول الجوار.

مجلة الجزيرة تخصص هذا العدد لإلقاء الضوء على بعض زوايا المجتمع المكسيكي البعيدة -في الغالب- عن اهتمامات الإعلام العربي، ليجول القارئ في دهاليز النفس المكسيكية ومعتقداتها الدينية والثقافية والاجتماعية، وموقع العرب والمسلمين في هذا المجتمع؛ لنتعرف على وجوه أخرى للمكسيك غير الصورة النمطية التي تعرف بها بلاد القبعة الكبيرة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

مقدمة العدد

أعدت الملف من المكسيك
غدير أبو سنينة
تقدم هوليود صورة نمطية عن المكسيكي بأنه تاجر المخدرات والعاطل عن العمل ومحترف الجريمة. وإن كان في المجتمع المكسيكي مثل هذه المظاهر، إلا أن البلاد تزخر بإرث حضاري وثقافي وطيف واسع من المعتقدات واللغات، يستحق التعرف عليه.


مراسلة مجلة الجزيرة في نيكاراغوا غدير أبو سنينة زارت المكسيك ونقّبت في مدنه وأريافه عن قصص وظواهر لافتة، تعرف بالوجه الآخر للمكسيك، وهو ما كتبته لنا في هذا العدد الخاص.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

أكبر ناطقة بالإسبانية

أكبر ناطقة بالإسبانية
في المرة الأولى التي زرت فيها العاصمة المكسيكية، تذكرت القاهرة بشوارعها المزدحمة وجوِّها الملوث بدخان السيارات، واكتظاظها بالسكان، إذ يبلغ تعداد المكسيك 112 مليون نسمة يسكن 21 مليونا منهم العاصمة.

بيد أن هذا الربط بين تلك العاصمتين بالنسبة لي لا يقتصر على الحاضر، فقد عاشت على أرض القاهرة ومكسيكو سيتي حضارتان عظيمتان، وكلتاهما تحمل على أرضها أهرامات تشهد على ما وصلت إليه حضارتها من تقدم.

والمكسيك دولة متعددة الثقافات والإثنيات، يقع جزء منها في أميركا الشمالية والجزء الآخر في أميركا الوسطى، وهذا البلد، الذي يتقاسم أكبر مناطق حدودية مع أميركا الشمالية التي تحاول الحد من الهجرة غير النظامية من المكسيكيين لأراضيها، يتكون من 31 ولاية، إضافة للعاصمة الاتحادية الفدرالية. ونظام الحكم فيها فدرالي.
 
أحد الأحياء الفقيرة في العاصمة المكسيكية (رويترز)

ما بعد الغزو
وصلت جيوش المستعمر الإسباني إرنان كورتيس المكسيك في القرن السادس عشر. وبسهولة تمكّن من احتلال تلك المناطق بسبب البون الشاسع في الأسلحة التي يمتلكها كل طرف، كما كانت قبائل الأزتيك تشهد صراعات فيما بينها، مما سهل احتلالها وفتح الباب أمام نشوء عرق جديد هو المستيسو (الخليط).

بقيت المكسيك تابعة لإسبانيا ثلاثمئة عام، حدثت فيها تحولات كثيرة على المستويات السياسية والاجتماعية والعلمية، حيث كانت أول آلة طابعة ترسلها إسبانيا لـ"إسبانيا الجديدة" هي تلك الموجودة في المكسيك.

استقلت المكسيك عن إسبانيا عام 1821 بعد عشر سنوات من الكفاح المسلح، لكن ذلك الاستقلال لم يصاحبه تحقيق لمبادئ الديمقراطية، فقد ظلت الطبقة العليا من الأصول الإسبانية متحكمة بزمام الأمور، وعرفت تلك الفترة أيضا بكثرة الصراعات السياسية الداخلية وغزوًا من جارتها الشمالية.

وفي عام 1849، وبعد حربها مع الولايات المتحدة، تنازلت المكسيك -بموجب اتفاق ينهي الحرب- عن بعض أراضيها مثل تكساس ونيو مكسيكو وأريزونا وكاليفورنيا وأوتا ونيفادا وجزء من كولورادو. ومن الطريف أن المكسيكيين بدؤوا حملة ساخرة تطالب الحكومة الأميركية الجديدة برئاسة دونالد ترمب بإعادة تلك الأراضي بعد قرارات الأخير المتعلقة بالحد من الهجرة.
أعضاء من فرق المرياتشي الموسيقية يشاركون في مسيرات بمناسبات وطنية (رويترز)


كان بينيتو خواريس هو أول رئيس مكسيكي من السكان الأصليين والوحيد حتى اللحظة، وقد تولى الحكم بين عامي 1861 و1872، وتميّز حكمه بالإصلاحات الليبرالية. وخلال حكمه حاولت فرنسا اجتياح المكسيك وفقدت الكنيسة تأثيرها السياسي.

التبعية الاقتصادية للولايات المتحدة بدأت منذ العام 1872، حين تولى بورفيريو دياس الرئاسة، وفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية، أعقب ذلك ثورة عام 1910، التي دعمت حقوق الفلاحين والعمال بقيادة إميليانو ساباتا وبانشو فيلا، اللذين يعتبران بطلين قوميين، ومن المفترض أن سياسة المكسيك الحالية قد تأسست على مبادئ الثورة. أما ساباتا فهو المرجعية الأساسية لجيش "الساباتيستا" للتحرير الوطني، الذي تأسس عام 1994 مستندا على روح الثورة المكسيكية.

ووفقا لدستور عام 1917، فقد توحدت الولايات المتحدة المكسيكية كجمهورية ديمقراطية. وتأسس الحزب الرسمي الثوري عام 1929، الذي سيتحول للحزب الثوري المؤسسي عام 1946، وسيحكم المكسيك أعضاء منه لـ71 سنة متتابعة.

ومن الأحداث التي ما زالت ارتداداتها على المكسيكيين جلية لليوم ما حدث من قمع للطلاب الذين خرجوا في مظاهرة احتجاجية ضد الحكومة عام 1968 في مدينة تلاتيلولكو.

قوات من الجيش المكسيكي في حملة لمكافحة زراعة المخدرات والاتجار بها (رويترز)

أكبر ناطقة بالإسبانية
عدد المتحدثين بالإسبانية في المكسيك أكثر من عددهم في إسبانيا نفسها. صحيح أن الدستور لا يحدد لغة رسمية واحدة للبلاد، إلا أن متحدثي الإسبانية في المكسيك يفوق المئة مليون، إلى جانب 68 لغة محلية ونحو 200 لهجة يتحدث بها أكثر من ستة ملايين شخص.

الدين أيضا غير محدد في الدستور، فالمكسيك دولة علمانية، لكنها بلد معروف بانتشار الكاثوليكية فيه بشكل كبير، ويتخذ المكسيكيون من العذراء "غواذا لوبي" قديسة لهم حتى إن تماثيلها وأيقوناتها تطغى على أيقونات العذراء نفسها.

يتنوع المناخ في المكسيك حسب المناطق، وبالتالي فهي تحتوي على العديد من الثروات الطبيعية كالنفط والفضة والثروة الزراعية والبحرية، فهي بلد غني إذا استبعدنا التوزيع السيئ للثروة بها.

من الإجحاف الاعتماد على الصورة "الهوليودية" لمعرفة المجتمع المكسيكي، الذي تُظهر المكسيكيَّ مهرّبا للمخدرات أو عربيدا من الكاوبوي. لا يمكن نفي وجود تجارة المخدرات في هذا البلد وتهريبها وتورط حكوميين في تجارتها، يشهد على ذلك مقتل عدد كبير من الصحفيين الذين حاولوا الكشف عن الحقائق، فانتهت حياتهم بالاغتيال أو الفقد.

المكسيك إلى جانب تلك الصورة النمطية، بلد يهتم بالفن والجمال، فساحات مدنه تعرض أعمال نحّاتيه المبدعين. ومن يزور مكسيكو سيتي فلا بد له من المرور على "البيت الأزرق" الذي كانت تسكنه الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو وزوجها دييغو ريفيرا، وقد حولته الحكومة لمتحف يضم أعمال كاهلو وملابسها وأغراضها الشخصية.

كل زاوية من مدن المكسيك تعكس تاريخا وثقافة وتنوعا، وهي بلد الألوان المتعددة كشأن باقي بلدان أميركا اللاتينية، حتى إن شواهد المقابر في بعض مدنها مدهونة بألوان عدة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

أكثر من مكسيك في المكسيك

أكثر من مكسيك في المكسيك

قدم لي النادل في مطعم "تييرادينترو" (TierrAdentro) قائمة الطعام، ولم تكن مفاجأة حين قرأت على ظهرها عنوان المطعم الذي كُتب في النهاية كالتالي "المكسيك، أميركا الوسطى".

فالمطعم الداعم لحركة الـ "ساباتيستا" يقع في ولاية تشياباس، جنوب المكسيك، حيث يشعر السكان بانتماء أكبر لدول أميركا الوسطى مثل غواتيمالا والسلفادور، منهم إلى الشمال، وتحديدا للولايات المتحدة.

كان الكاتب والصحفي المكسيكي "خوان بيورو" قد أخبرني أن الكثير من سكان الوسط والشمال المكسيكيين قد زاروا الولايات المتحدة، بينما لا يفكرون بزيارة جنوب البلاد، تلك المنطقة التي تنتشر فيها جماعات من السكان الأصليين، ويتحدثون بأكثر من لغة محلية.

يقول بيورو "لا يُعجب بعض المكسيكيين أن يُقال عن بلدهم إنها من أميركا الوسطى، وحين تحدد الصحافة الإسبانية موقع المكسيك على أنها من دول أميركا الوسطى، ينتفض المكسيكيون معتبرين أن هذا التصنيف يضعهم في مصاف الدول الفقيرة. جغرافيا، المكسيك فيها جزء في أميركا الشمالية وجزء آخر في أميركا الوسطى. نحن بين القارتين، لكن الناس تفضل الارتباط بأميركا الشمالية".

يحكي بيورو عن تجربة شخصية مرَّ بها في كوستاريكا حين وُجِّه إليه سؤال "لماذا تدير المكسيك ظهرها ثقافيا لبلدان أميركا الوسطى؟".



مطعم "تييرادينترو" في سان كريستوبال يدعم حركة الساباتيستا التحررية التي تعتقد بانتماء البلاد للقارة اللاتينية (الجزيرة)


وجد بيورو هذا التساؤل منطقيا لا سيما أنه حين يتحدث أحد مثلا عن الحدود المكسيكية، فإن ما يخطر على البال هو حدود المكسيك مع الولايات المتحدة، رغم أنها تتقاسم حدودا أخرى مع أميركا الوسطى.

أبعد من ذلك، فقد صرَّح وزير التعليم المكسيكي "آوريريو نونيو" بأنه يريد للمكسيك أن تصير مثل كوريا الجنوبية، لا مثل فنزويلا. يتفهم بيورو أن نونيو كان ينتقد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لكنه يعتبر تصريحا كهذا "سخيفا" بسبب البعد الثقافي بين كوريا الجنوبية والمكسيك التي هي أقرب "ثقافيا" لفنزويلا ولدول أميركا الوسطى والجنوبية.

وفي بلدة "سان كريستوبال" التابعة لتشياباس، سألتُ روسا أو "لوشا" -بلغة التسوتسيل المحلية- عن انتمائها، كانت إجابتها "أنا من سان خوان تشامولا". أخرى قالت إنها من "سيناكانتان". كررت السؤال لعدد من الأشخاص وكانت الإجابات تتنوع بين تلك البلدتين، دون الإحالة للمكسيك، البلد الأم أو الوطن.

الكاتب "بالام رودريغس" فسر الأمر بأن تلك المجموعات من السكان الأصليين تشعر بانتماء لمجموعاتها العرقية أكثر من الوطن الأم.

مع هذا، يؤكد بيورو أن الرئيس خوان بينيتو (أول رئيس من السكان الأصليين، حكم المكسيك ما بين عامي 1858-1872) لم يهدف لمحاربة الفقر في مناطق السكان الأصليين فحسب، بل في كل المكسيك، وهو الطرح ذاته الذي تسلكه "ماريا خيسوس باتريسيو" مرشحة المؤتمر القومي للسكان الأصليين وحركة "الساباتيستا" لرئاسة المكسيك عام 2018.

 

عروض يقدمها مكسيكيون من أصول مختلفة تعكس ثقافتهم (الجزيرة)

من هو المكسيكي؟
أكثر من أي بلد آخر في القارة اللاتينية، طُرح سؤال من هو المكسيكي؟ 127 مليون نسمة هو عدد سكان المكسيك، منهم 25 مليونا في العاصمة. إثنيات وعرقيات اختلطت ببعضها حتى نتجت أمة جديدة قوامها "المستيسو" وهو ثمرة علاقة الأوروبيين بالسكان الأصليين. والكريويّو وهم الذين ولدوا في أميركا اللاتينية من آباء أوروبيين. والمولاتو هم الأبناء من تزاوج الأوروبيين بالأفارقة الذين جلبتهم إسبانيا للعمل في القارة اللاتينية. والسامبو وهم الأبناء من زواج الأفارقة بالسكان الأصليين.. إلخ.

هذا الخليط وإن لم يكن محصورا وجودُه في المكسيك فقط، فقد ساهم في طرح سؤال الهوية بالنسبة للمكسيكيين، وخصوصا بعد الثورة المكسيكية عام 1910 التي أحيت الحس القومي لدى أبناء المكسيك.

يتساءل الكاتب المكسيكي أوكتافيو باث (نوبل في الآداب 1990) عن الهوية المكسيكية في كتابه "متاهة العزلة" المنشور عام 1950. ولم يكن الوحيد الذي ناقش هذه المسألة بل كتاب آخرون كالفيلسوف "صامويل راموس". وفق بيورو، وذلك بهدف التعرف إلى المكسيكي بضعفه وعقده وخوفه وليس كتخيله شخصا غريبا عن بقية الناس.

ويتابع بيورو بأن ما طرحه هؤلاء الكتاب ينطلق من إمكانية ربط الاختلافات الصغيرة منها والكبيرة بأريحية ودون تعقيدات مع الثقافات الأخرى، بمعنى أنها دعوة لجعل الهوية المكسيكية عالمية، ولكن على أساس التمسك بالتقاليد "هي محاولة دمج العالمي مع المحلي، ففي السطر الأخير من كتاب "متاهة العزلة" يتحدث باث عن الجرأة التي علينا امتلاكها للوقوف أمام المرآة كما نحن، وعن ترك الأقنعة التي وضعناها لفترة طويلة".

ألف باث كتابا آخر تابعا لكتابه الأول، وكان يؤكد -والحديث لبيورو- أن المكسيكي ليس فقط جوهرا بل تاريخا، وأنه منفتح على التأثيرين الاجتماعي والاقتصادي. روجر بارترا كتب أيضا عن الهوية المكسيكية في "قفص الحزن" الذي يكمل فيه أسئلة باث، ولكن الإجابة تقول إن هناك طرقا كثيرة لتكون مكسيكيا في هذا البلد متعدد الثقافات.

ويعتقد بيورو أن كل الهويات هي بناء، فكل بلد يستطيع على مر الزمان أن يوضح ماهيته وما يسعى لتحقيقه. وفي السنوات الأخيرة، برز هذا في الأدب المكسيكي وظهرت شخصيات منوعة تعبر عن هويات المكسيكيين المختلفة.

وسط العاصمة المكسيكية "سوكالو"، التي تضم وحدها 25 مليونا من سكان المكسيك (الجزيرة)

العنف ليس أساس الهوية
سألت بيورو إن كان الاختلاط قد ساهم في تأجيج العنف في المكسيك، وإن أصبح مرادفا للهوية المكسيكية. العنف الذي لا يمكن إنكاره مع تنامي تجارة المخدرات والقتل واغتيال الصحفيين، فالاختلاط لم يكن نتيجة تزاوج عادي في كثير من الأحيان، بل كان ثمرة اغتصاب واحتلال.

بيد أنه لم يشاطرني الرأي، صحيح أنه لم ينكر العنف الموجود ببلاده، لكنه لا يعتقد أنه جزء من هوية المكسيكي. العنف برأي بيورو ترعرع في مناخ سمح له بالنمو، فكل البلاد -وفق تعبيره- ثمرة العنف والأفعال التعسفية المبنية على أساس القوة "معظم البلدان نتجت عن حروب واستعمار وتحرير، وليس ضروريا أن الهوية الثقافية مرتبطة بذلك".

السلوكيات العنيفة أثرت على هوية المكسيكي بسبب مناسبة الظروف. هنا، يضرب بيورو أمثلة يبدؤها بالعلم المكسيكي الذي يقول إنه يحمل الشعار الوحيد في العالم الذي يرمز للعنف، نسر يفترس ثعبانا، فالنشيد القومي المحرض على العنف أيضا، ثم اللعبة الشعبية "باراخاس" (Barajas) والتي تستند إلى الحظ، وبها كروت لعب تحمل عدة أشكال منها كرت "الشجاع" الذي يمثل رسما لمكسيكي يرتدي قبعة ويحمل سكينا تسيل منها الدماء. إضافة للعبة صراع الديوك التي ما زالت تمارس في بعض الأحياء الشعبية هناك.

ولعل أبرز ما يمثل العنف المكسيكي تجارة المخدرات. يصر بيورو على أن المكسيكي غير عنيف بطبعه، لكن ظروفا سياسية وجغرافية ساعدت في تطور العنف لديه، فجغرافيّا تتقاسم المكسيك مع الولايات المتحدة مساحات شاسعة من الحدود، والولايات المتحدة تعتبر من أكثر الأسواق المستهلكة للمخدرات ومن أكثر الأسواق التي تنتعش بها تجارة الأسلحة.

أنهى بيورو حديثه بالقول إن هناك أكثر من مكسيك في المكسيك، واحدة منها تريد أن ترتدي المظهر الغربي وتتمثل في السياسيين وأصحاب النفوذ، ومكسيك أخرى يريد سكانها حفظ انتمائهم لأسلافهم وتقاليدهم وثقافتهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

المالينشية وصفقة الرجل الأبيض

المالينشية وصفقة الرجل الأبيض
ربما تُسمى في العالم العربي "عقدة الخواجة" أو "عقدة الرجل الأبيض" وأحيانا "الفرنجي برنجي" وهي مرادفات قريبة لمصطلح "المالينشية" (Malinchismo) في المكسيك. فإذا قابلت شخصا منبهرا بالأجنبي في المكسيك، فمن المرجح أن من حوله يطلقون عليه "المالينشي" (Malinchista).

ترددت كلمة المالينشية أكثر من مرة خلال حديثي مع الشاعر والأكاديمي المكسيكي علي كالديرون، كنا نتحدث في مواضيع مختلفة فيسوقنا الكلام إلى المالينشية.

والمالينشية امرأة من السكان الأصليين يقال إنها كانت أحد أسباب انتصار الإسبان على الأزتيكا. عاشت ما بين عامي 1500-1527، واسمها الأصلي مالينالي، أو ماليتسين. كانت محظية المستعمر الإسباني إرنان كورتيس الذي وصل المكسيك عام 1519، ورغم أن أهلها كانوا قد أهدوها لكورتيس مع 19 وصيفة أخرى، كي تنقل تحركات الإسبان إليها، إلا أنها وقعت في حب كورتيس، فارتبط اسمها منذ ذلك الوقت بالخيانة وتفضيل الغريب على الأهل.

أما اللعنة، فهي ما يصيب الأمم إن فضلوا الغرباء على أهلهم. ومع أن المالينشية قبلت التعميد وتغيير اسمها إلى دونيا مارينا، فقد ظل الإسبان يعاملونها معاملة السيد للعبد، وهو تأثير آخر للعنة، إذ مهما أبديت خضوعا للغريب، سيما المستعمر، فهو يراك دوما أدنى منه.

طلاب مدرسة في زيارة للمعبد الأعظم، حيث يكرّم بحسب فيورو، الأزتيك والمايا بالماضي بينما يهمشون في الحاضر. (الجزيرة)
الفساد إرث إسباني
يعتبر كالديرون أن الفساد المنتشر في المكسيك إرث إسباني قديم، وقد تحدَّث العالم الألماني ألكساندر فون هومبولت -خلال إقامته في المكسيك عام 1802- عما يسمى "عَقد (اتفاقية) الأبيض" حيث بإمكان الأشخاص من إثنيات أخرى -مثل المستيسو وذوي البشرة السوداء والسكان الأصليين- شراء هذا العقد.
"هذا ما يعنيه الفساد، أن تدفع نقودا لتحصل على كل الحقوق التي يتمتع بها الأبيض الإسباني، أن تضطر للرشوة بسبب لون بشرتك. الفساد هو إرث إسباني وقد تغلغل في عمق روح الأميركي اللاتيني".

ويربط كالديرون ما بين لون البشرة والوضع الاقتصادي "لو كنت أبيض البشرة في المكسيك، فستكون فرصك كبيرة للحصول على وضع مادي ومكانة اجتماعية أفضل، وإن كان وضعك المادي ومكانتك الاجتماعية جيدين، فعلى الأغلب أنت ذو بشرة بيضاء".

بطريقة ما، يؤكد الكاتب والصحفي المكسيكي خوان بيورو على ما قاله كالديرون في هذا الصدد بقوله إن مجرد الصعود في المترو يعطيك فكرة عن التمييز على أساس اللون، فالمترو يعكس عدم المساواة الاجتماعية، إذ قلما تجد أشقر يصعد المترو، إذ معظمهم (الشقر أو بيض البشرة) لديهم سيارات خاصة، وإن حدث ورأيت أشقر في المترو فعلى الأرجح يكون سائحا.

مجسم لتقويم المايا موجود في المعبد الأعظم بمكسيكو (الجزيرة)

الأجنبي بالمكسيك يكسب أكثر
هز الناقد والكاتب المكسيكي ميخائيل لاماس رأسه يمنة ويسرة تعليقا على حديث كالديرون معتبرا جزءا منه "تطرفا" حين قال كالديرون إن المكسيكيين غارقون في "المالينشية" وإن العمل الأفضل في المكسيك هو أن تكون أجنبيا. وروى الأخير ما حدث عقب الانقلاب العسكري في تشيلي عام 1973، حيث وصل الكثير من المنفيين السياسيين للمكسيك دون أوراق، وقد منحوا إقامات ووظائف حتى بدون شهادات، إذ يكفي مثلا أن يقول الأجنبي (في هذا المثال، التشيلي) إنه طبيب مثلا فيحصل على وظيفة، في حين يكون من الصعب على ابن البلاد الحصول عليها. أما في الأدب، فيقول كالديرون إن معظم الكتاب المكسيكيين المعروفين من "الكريّويو" وهم المولودون في أميركا اللاتينية من آباء إسبان أو أوروبيين.

قاطعته ذاكرة له أن موحد أميركا اللاتينية "سيمون بوليفار" كان من الكريّويو، لكنه لم يجد في مقاطعتي له اختلافا مع ما ذكر، فبرأيه أن الكريويو -في تلك الفترة عموما- كانوا يدافعون عن أنفسهم ويطمحون بالحصول على مراكز سياسية أقوى، إذ كان الإسبان يعاملونهم مواطنين من مستوى ثانٍ. وما زال الكريّويو يحكمون المكسيك -علّق لاماس- بأن كثيرا من السياسيين في الحزب الحاكم من الكريّويو. قال الاثنان (كالديرون ولاماس) "إن ذوي البشرة البيضاء يدعمون بعضهم".

تأملت لاماس وقلت له "أنت أيضا أبيض البشرة". فقال "نعم، لكني في شمال المكسيك أسمر البشرة، ثم إن أغلب عائلتي من ذوي البشرة السمراء".

وجهت سؤالا آخر لكل من كالديرون ولاماس "كيف تنظران للكريّويو الذين عاشوا في المكسيك ولا يذكرون لهم أصلا سوى المكسيك؟". فأجاب كالديرون "أجانب بجوازات مكسيكية" في حين قال لاماس "المكسيكيّون البيض".

هل كان كالديرون ولاماس يحاولان القول إننا سمر البشرة ولم نحصل على شيء إلا بجهودنا الشخصية؟ ربما.

بينما تهتم الحكومة المكسيكية بآثار المايا، تهمل السكان الأصليين الذين هم في الأصل امتداد لحضارات سابقة (الجزيرة)

الآخرون يتحدثون عن المايا
من ناحية أخرى -وفضلا عن التمييز على أساس اللون- فهناك تمييز على أساس العرق. سألت بيورو -الذي أعد برنامجا من 13 حلقة للتلفاز بعنوان "أحجار تتكلم" وجال مع فريق العمل في 27 موقعا أثريا- إن كان انطباعي صحيحا بأن من يتحدث عن السكان الأصليين ليس من السكان الأصليين، فأكد لي صحة انطباعي، فـ "كنت أتوقع أن أرى في تلك الأماكن علماء آثار من المايا والناواتل والسكان الأصليين، ولم أجد سوى واحد فقط. تعلَّم علماء الآثار الأوروبيون لغة المايا، لكن تاريخ المايا يرويه الأوروبي والكريويو وليس المايا. المكسيك بلد لم يستطع أن يتعرف على نفسه بنفسه".

ويوضح ذلك بقوله إنهم في الصغر قد درسوا حضارات الأزتيك والمايا والناواتل بوصفهم شعوبا مختصة بالفلك والعلوم والرياضيات، لكنهم لم يدرسوا عن الأضحيات البشرية التي كانت تُقدَم تقربا للآلهة إلا حينما قرؤوا خارج المناهج المدرسية.

الأزتيكي الجيد
تابع بيورو تشريحه للحالة في المكسيك والتي كان الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا قد وصفها سابقا بالقول "المكسيك، الديكتاتورية المثالية". إذ لفت بيورو النظر إلى أن المكسيك تحتفي بالأزتيكيين والمايا والناواتل الذين عاشوا في الماضي، أما السكان الأصليون الحاليون والذين هم امتداد لتلك الحضارات، فنصيبهم التهميش "المكسيك تكرِّم المايا الذين يعيشون في المتاحف وفي المواقع الأثرية، أما السكان الأصليون اليوم فلن تجد منهم سفيرا أو وزيرا. في المكسيك تجد "تلفزيون الأزتيك" و"بنك الأزتيك".. إلخ، لكنهم: الأزتيك الميتون وليس الأحياء".

وبعد تأسيس جيش الساباتيستا عام 1994 -والكلام على لسان بيورو- اكتُشف في بلدة بالينكي بالمكسيك تابوت "الملكة الحمراء". وقد اهتمت الحكومة -وفي المقدمة الرئيس السابق كارلوس ساليناس دي غورتاري- بهذا الاكتشاف وأقامت له دعاية كبيرة، كأنما تقول: هؤلاء هم المايا الذين نفخر بهم، لا أولئك الفلاحون البسطاء.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

كيتسالكواتل.. "إله" لا اسم له

كيتسالكواتل.. "إله" لا اسم له

هو صورة متمثلة في أكثر من موقع أثري في المكسيك، وحاضر في الأدب والتاريخ والحاضر المكسيكي، وأحد الأسباب غير المباشرة لهزيمة شعب "الأزتيك" (واحد من شعوب المكسيك الأصليين)؛ الإله "كيتسالكواتل"، أو "الثعبان ذو الريش" أو "الثعبان المجنح".

تقول إحدى الأساطير إن إله القدر "تيسكاتليبوكا" تصارع مع الإله كيتسالكواتل، وبدأ الأمر حين احتسيا مشروبا كحوليا يدعى "بولكي"، وتحت تأثير الخمر أظهر تيسكاتليبوكا المرآة أمام كيتسالكواتل، وارتعب الأخير من رؤية نفسه على هذه الشاكلة "ثعبانا مجنحا"، لم يُعجبه شكله ولم يتعرف على نفسه ولم يتقبّلها، كان ثملا وقرر الرحيل.

يقول الكاتب المكسيكي "خوان بيورو" إن كارلوس فوينتس (أحد أبرز الكتّاب المكسيكيين) استعان بهذه الأسطورة في شرحه تحدي الهوية عند المكسيكيين، فهم كالإله الرمز في الديانة القديمة التي سادت في بلادهم؛ لا يقدّرون أنفسهم.

هذه واحدة من وجهات النظر التي استعارت صورة الإله كيتسالكواتل لتفسير تأثيره على حياة المكسيكيين، وهو الإله الذي يرمز للوحدة بين التراب كونه ثعبانا، والسماء بالنظر إلى ريشه؛ أما الريش فما زال استخدامه موجودا حتى اليوم بين السكان الأصليين.

وُجدت آثار تمثل الإله كيتسالكواتل في أكثر من موقع أثري في المكسيك، منها "تييوتيواكان" و"تينوتشتيتلان". أما "تييوتيواكان" التي تقع شمال العاصمة المكسيكية، فهي المدينة التي بُني فيها هرما الشمس والقمر، وتحمل الكثير من الأسرار؛ إذ لم يجد المؤرخون نصوصا ومخطوطات كافية لفك طلاسمها.


هرم الشمس في مدينة تييوتيواكان التي ما زالت تحمل الكثير من الأسرار التي لم تُكشف حتى اليوم (الجزيرة)


تعتقد عالمة الآثار "ليندا مانسانيا" بوجود أربعة حاكمين في تلك المدينة، وأن المدينة قسمت لأربعة أقسام تتناسب مع معتقدات "التيّيوتيواكان" بتقسيم الكون لأربعة أقسام، مما يدل على قدسية تلك المدينة الاستثنائية التي سكنتها أعراق عدة، كما تدل جدارياتها، فكان فيها مهاجرون من "بيراكروس" و"واخاكا" و"إيتيكال"، وتبين بيوتهم أن كل مجموعة كانت تمارس عاداتها دون عوائق.

وتُظهر الآثار أن توازنا قد اختل في سلطة تييوتيواكان التي تعني "حيث يتحول البشر إلى آلهة" أو "حيث ولدت الآلهة"، وقد يكون بركانا انفجر بها فأصبحت مدينة مهجورة حين وصلها الأزتيك.
من ضمن من هجر المدينة الإله كيتسالكواتل؛ فهو الإله التائه عند حضارة أميركا الوسطى. صحيح أن البعض انتقد هروبه، لكن شعب "الميشيكا" آمن بنبوءة عودته.

وفي الأدب المكسيكي، بحسب أستاذة الأدب "ديانا رودريغس فيرتيس" فقد استعان الكتاب المكسيكيون بصورة كيتسالكواتل في أعمالهم، كرواية "بطن تيبوستيكو" لخوسيه أغوستين، كما يمثل كيتسالكواتل في المخيلة الجماعية إله الميشيكا المهزوم.

أما الشاعر "أوكتافيو باث" فكانت قصيدته "حجر الشمس" التي استعار منها رموزا من ثقافة الميشيكا، بينما تعرَّض كتابه "متاهة العزلة" لنقد متنوع، ومنه أنه نظر للهوية المكسيكية انطلاقا من مفهوم "الهزيمة" المرتبط مع "هزيمة" الإله كيتسالكواتل.

جماجم بشرية على جدار بالمعبد الأعظم كان يمر من أمامه حكام المدن الأخرى حين يزورون حاكم مدينة تنيوتشتيتلان (الجزيرة)

الإله أبيض البشرة
إن مفهوم "النبوءة المنتظرة" أو عودة الإله، وفي هذه الحالة "كيتسالكواتل"، كانت سائدة عند الميشيكا، يقارنها البعض بعودة "المسيح" في الديانات التوحيدية، ويذهب آخرون إلى أن كيستالكواتل هو الإله الإنسان في ربط واضح بين صورته وصورة "المسيح".

تقول أستاذة التاريخ في جامعة إيبيرو "ماريا آسبي" إن كيتسالكواتل هو الاسم الذي منحه الميشيكا للإله الذي ليس له اسم، لكن مكانه محفوظ وعودته منتظرة، وكان الميشيكا يتوقعون قدومه في العام نفسه الذي غزا فيه المستعمر الإسباني "إرنان كورتيس" بلادهم.

وتقول نظريات أخرى إن كيتسالكواتل في الأساس ليس منهم، وإنما هو شخص غريب يرجح أن يكون من شعوب "الفايكنج" التي سكنت الأراضي الإسكندنافية، ولهذا وبسبب تشابه ملامح المستعمر الإسباني مع ما يعرفوه عن ملامح كيتسالكواتل، الإله الأبيض الملتحي، فقد اعتقدوا بأن المستعمر الإسباني هو الإله المنتظر، فاستقبلوه وقدموا له الهدايا قبل أن يدركوا خطر القادم الجديد.

استخدم الإسبان أحجارا من المعبد الأعظم في بناء الكاتدرائية وسط العاصمة المكسيكية (الجزيرة)

تينوتشتيتلان
تينوتشتيتلان، هكذا كان يُسمى مركز العاصمة المكسيكية المعروف الآن بـ"السوكالو"، وما حوله، وكان عدد سكان مدينة تينوتشتيتلان عند وصول الإسبان مئة ألف نسمة، أي أنها كانت أكبر من روما.

وفي عام مئة من الميلاد، بُنيت المدينة بشكل كامل، وحتى عام أربعمئة ميلادية كان فيها سوق تجاري وتنوع بشري، أما ازدهارها فبدأ منذ عام سبعمئة ميلادية، وكانت مدينة متصلة بالعالم المحيط بها.

وعن استيطان الميشيكا في مدينة تينوتشتيتلان، تقول الأسطورة إن مجموعات من شمال المكسيك قررت ترك مدينة "أستلان" بناء على أمر من إلههم "ويتسيلوبوشتلي" بحثا عن "الأرض الموعودة"، وفي الطريق إلى تينوتشتيتلان يتمثل ويتسيلوبوشتلي في الشمس مانحا إياهم القوة.

كانت تعبر المدينة قنوات مائية إضافة إلى التنوع البشري والتجاري فيها، الأمر الذي أدهش الإسبان، وفي الوقت نفسه حملهم على العمل على هدم الحضارة السابقة لإقامة "حضارتهم"، لذا فإن جزءا من الكاتدرائية الموجودة في السوكالو مبنية بالأحجار التي كان يستخدمها الأزتيك أو الميشيكا في البناء، ومنها أحجار المعبد الأعظم "تيمبلو مايور"، الذي عثر عليه خلال حفريات عام 1978، وبه ممر مرصوف بالجماجم البشرية يستقبل الميشيكا عبره حكاما آخرين من مدن مختلفة، كما تتواجد على درجات المعبد تماثيل للأضاحي البشرية التي كانوا يعتقدون بأن التوقف عن تقديمها سيمنع الشمس عن الإشراق.

لا تتوقف الأبحاث عن تاريخ المكسيك وحضاراته القديمة، حتى أن دعابة تنتشر بين المؤرخين المكسيكيين تقول إن حفر شارع في المكسيك لبناء سكة لقطار الأنفاق أو تمديد أسلاك أو أنابيب هو فرصة جيدة للكشف عن آثار أخرى وممالك جديدة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

سان هوان تشامولا.. فوق القانون

سان هوان تشامولا.. فوق القانون

"متحفظون جدا" هكذا تقول الكاتبة المكسيكية أمبر باست ذات الأصول الأميركية والتي أقامت أربعين عاما في مدينة "سان كريستوبال" التابعة لولاية تشياباس جنوب المكسيك. كانت تعني بحديثها السكانَ الأصليين من أهالي تلك المدينة والبلدات المحيطة بها، و"يتقاتلون على الدوام فيما بينهم"، وتستدرك: بيد أنه لا يمكن إنكار بساطتهم وبساطة عيشهم، وقدرتهم على التعامل مع الطبيعة والكون بطرائق ومنظورات مختلفة.

يعيش في سان كريستوبال ما يقارب الخمسة ملايين نسمة، الكثير منهم من السكان الأصليين وخصوصا من بلدتي "سان هوان تشامولا" و"سيناكانتان". ينتشرون في السوق الرئيسي للمدينة وفي الساحة أمام الكاتدرائية. النساء يبعن في الطريق الذرة والخضار والفاكهة، وداخل السوق يفترشن الأرض وينشرن مشغولاتهن اليدوية عليها، أو يضعنها على طاولات وفق إنتاجهن. وفي العادة، يعمل في المحل الواحد أفراد العائلة الواحدة.

يلاقي الغريب صدودا منهم وخصوصا في البداية، لهذا فقد كان عليّ أن أبتاع شيئا من مشغولاتهن اليدوية كي أتمكن من الحديث معهن، لكن الأمور جرت بشكل أفضل حينما استعنت براؤول، وهو من سكان مدينة سان كريستوبال دي لاس كاساس، والذي ينحدر من أب إسباني وأم من السكان الأصليين (مستيسو) ويتحدث بأكثر من لغة محلية.


معرض يضم ألبسة تقليدية للسكان الأصليين في مدينة سان كريستوبال (الجزيرة)


على أطراف المدينة، تقع قريتا سان هوان تشامولا وسيناكانتان. ولكل قرية عادات وتقاليد خاصة بها بل وقوانين، في حين تُطبق قوانين المدينة على كل السكان إن وجدوا بها، بغض النظر عن منابتهم.

ماركوس غوميس، أصله من سان هوان تشامولا، لكن عائلته انتقلت للعيش في مدينة سان كريستوبال وهو صغير، بعد أن قُتل جده في بلدته سان هوان تشامولا، بسبب اعتناقه المذهب الإنجيليكي. فالناس في تلك البلدة يعتنقون الكاثوليكية، وحين يغير أحدهم دينه فعليه الخروج من البلدة والنزوح إلى المدينة. وفي ثمانينيات القرن الماضي، أُحرقت بيوت من تحول من الكاثوليكية للإنجيليكية، وقُتل من بقي ونزح كثيرون إلى المدينة.

يقول غوميس إن من يعيش في البلدة نفسها أفضل حالا من الذي يسكن المدينة، إذ أن متطلبات العيش تكثر في المدينة، وعلى السكان الالتزام بقوانين الولاية ودفع الضرائب، وابتياع الاحتياجات من السوق العادية، بينما سكان بلدتي سان هوان تشامولا وسيناكانتان ليسوا بحاجة لدفع إيجار سكن أو ضرائب أو حتى العمل، طالما يربون حيوانات يأكلون من لحومها وينتفعون من حليبها وأجبانها، ويأكلون مما تنتجه أراضيهم من ذرة وفاصولياء وغيرها. لذلك فالقول إن السكان الأصليين يعيشون حياة فقيرة في بلداتهم مغالطة، لكن الحال في المُدن يختلف، فهم فيها مهمشون وينظر لهم بدونية.

راؤول، الذي يعمل في قطاع السياحة، يقول إن سكان هاتين البلدتين معروفون بأوضاعهم الاجتماعية والمادية الجيدة، إذ أنهم مكتفون ذاتيا. وتتميز ملابس النساء والرجال عن بعضها البعض في كلتا القريتين، ويكلف صنعها حوالي ثلاثمئة دولار أميركي، في حين يبعن للسياح والزائرين ملابس بجودة أقل وسعر أرخص.

تحدثت مع إيريكا كريستيانا وروسا (لوشا بلغة التسوتسيل) وماريا (ماروتش بلغة التسوتسيل) وكن يجبن باقتضاب "نحن مسيحيات، نذهب للكنيسة الإنجيليكية، ولم نذهب للمدرسة الإعدادية. علينا أن نساعد العائلة في العمل. بعضنا يحضر المشغولات في المنزل، ونحن نبيعها وأحيانا نشارك في صنعها. نتحدث لغة التسوتسيل. ليس لدينا عادات وتقاليد مختلفة عن البقية".

يجد الغريب صدودا من السكان الأصليين في قرية سان هوان تشوملا عند السؤال عن عاداتهم وتقاليدهم (الجزيرة)

الحكومة خارج الحدود
طالما أنك دخلت بلدة سان هوان تشامولا، فعليك الخضوع لقوانينها. لا شرطة في المكان، بل هناك رجال مدنيون يرتدون زيّا مميزا ويمسكون بعصا كرمز للسلطة، إن كانت في يد الرجل فقط، أما المرأة فحتى وإن اختيرت في انتخابات رسمية حكومية فلا سلطة لها داخل بلدتها.

المحاكمات تتم في ساحة المدينة التي تسمى توكلوم، وتعني "سرّة العالم" -وفق راؤول- ويُفصل بين النزاعات أيام الأحد بعد الظهيرة، وتطبق الأحكام. الدين الرسمي في البلدة هو الكاثوليكية، لكنها صورية فقط، فتقاليدهم فوق الحكومة وفوق الدين. فوق الحكومة فلا يُجبرون على دفع الضرائب، وفوق الكاثوليكية فلا يُقيَّد رجالهم بزوجة واحدة فقط بل لهم حق الزواج من أربع أو خمس نساء.

صلبان المايا
صلبان مرتفعة خضراء اللون منصوبة في طرقات البلدة، أحيانا قد يكون صليب واحد وأحيانا أخرى ثلاثة صلبان، هي تمثيل حي للمزيج الحاصل بين الكاثوليكية ودين المايا القديم. إذ يقال إن الإسبان تفاجؤوا حين رأوا ذلك الصليب في تلك البلدة.

تقول الأسطورة إن وجود الصليب أصله اعتقاد المايا أن النجوم اتخذت شكل الصليب في أول خلقها، أما وجود صلبان ثلاثة فهو من الاعتقاد بالثالوث المسيحي. مع هذا، فإن الصليب الأكبر بالنسبة لهم يرمز للشمس والأصغر يرمز للقمر. والصليب أيضا يرمز للجهات الأربع، وتُزين الصلبان بنبات الصنوبر، لما لتلك الشجرة في اعتقاد المايا من قدرات شفائية، وعادة ما تكون ألوان تلك الصلبان فيروزية لأنها تمثل شجرة الحياة، ويدا الصليب يمثلان الكونان، الساق يمثل الحياة والجذور الآخرة، والشجرة تمثل الجنة والتطهير والآخرة، مزيج يعتقد السكان الأصليون أنه يشكل حماية ذاتية لهم.

صليب المايا موجود قبل الغزو الإسباني للمكسيك يُزين بأغصان الصنوبر ولونه فيروزي كرمز للحياة (الجزيرة)

البيوت الكاليفورنيانية
في طرقاتهم ستسمع الكثير من اللغات، لكن اللغة المشتركة هي القشتالية أو التي يختصرونها بالقول الـ "كاستيا". ولأنهم -كما هو شائع عنهم- يتمتعون بقدرة مادية جيدة، فقد أصبحت بيوتهم حديثة على الأقل في شكلها الخارجي.

الكثير من سكان البلدة يهاجر للولايات المتحدة ويعود إلى سان كريستوبال لبناء بيت على طراز البناء في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، ولهذا باتوا يسمون تلك البيوت بالكاليفورنيانية. يقول راؤول إن بيوتهم القديمة أثبتت أنها أكثر مقاومة للزلازل.

في سيناكانتان، زرت إحدى العائلات برفقة راؤول، كانت الذرة بألوان عدة من تدرجات الأصفر والأحمر على لوح خشبي في المطبخ وموضوعة على شكل صليب يمثل الجهات الأربع. لا يوجد غاز في المطبخ بل تجهز التورتيا (خبز الذرة) على الحطب بواسطة إحدى نساء البيت بينما تتوزع باقي المهام على أخريات.

كنت قد سألت راؤول عن سبب عدم إكمال الكثير منهم للدراسة الثانوية على الأقل، وفي بيت تلك العائلة قال لي مشيرا إلى فتاة في الـ 14 من العمر، اسأليها، فقالت "أفضِّل مساعدة أهلي في التطريز" فعلّق راؤول "الدراسة لا تعني أنك ستحظى هنا بحياة أفضل".

ثوب مزين بالريش ترتديه الفتاة في حفل زواجها في قرية سان هوان تشامولا، والريش يرمز للخصوبة (الجزيرة)

بفضول مصحوب بتشجيع من راؤول، مددت بصري نحو حجرات البيت المفتوح على ساحة خارجية مرئية للجميع، وبها تعمل نساء تلك العائلة في تطريز مفارش الطاولات والشالات النسائية والأحزمة، وغيرها باستخدام "النول" أو تطرَّز يدويا. ومن بين تلك الملابس التي رأيتها كان هناك ثوب مطرز مزين بالريش، فقال راؤول "هذا ثوب ترتديه الفتاة في حفل زواجها، والريش يرمز للخصوبة".

وتساءلت بدوري عن علاقة ذلك بما كنت قرأته سابقا عن كيفية حمل الآلهة "كواتليكوي" التي تعني "ذات تنورة الثعبان" بإله الحرب "ويتسيلوبوتشتلي" إذ حملت به بعد أن سقطت على صدرها من السماء كرةٌ من الريش.

لم ألحظ في البيت الكثير من الأثاث، طاولة في زاوية حجرة عليها شموع وصليب استعدادا لاستقبال يوم الأموات، فرش بسيط، ومن الملابس المنشورة لم أر ملابس مختلفة عن التي ترتديها النساء. سألتهن مباشرة "ألا ترتدين بيجامات للنوم"؟ فأجبن "لا، ننام بملابسنا هذه، نرخي أحزمتنا وننام وفي اليوم التالي نستحم ونستبدلها بأخرى".

بعد أن ابتعدنا عن بيتهم، قال راؤول "هذه أحد أسباب صعوبة الزواج بين أهل بلدة سان هوان تشامولا وسيناكانتان. النساء في سان هوان تشامولا لا يرتدين ملابس للنوم، وحين يتزوج شخص من سان هوان تشامولا بامرأة من سيناكانتان فعلى أحدهما أن يخضع لتقاليد الآخر. فضلا عن ذلك، فتعدد الزوجات أمر اعتيادي في سان هوان تشامولا، بعكس سيناكانتان".
السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

سحر أبيض في معبد "سان هوان تشامولا"

سحر أبيض في معبد "سان هوان تشامولا"
ليست كأي مكان ديني رغم اسمها، "كنيسة سان هوان تشامولا"، ويسمونها معبدا كذلك، وهي للتسمية الثانية أقرب، رغم أنه قد أُشكل عليّ معرفة ما يُعبد تحديدا في تلك الكنيسة، للخلط الكبير الحاصل بين القليل من العناصر المسيحية والكثير من الطقوس الوثنية.

قوانين صارمة تمنع التصوير داخل ما يُفترض أنها كنيسة، فليست بها مقاعد للصلاة، ولم أرَ فيها راهبا أو كاهنا أو قسيسا.

تنتشر في الداخل رائحة البخور، وعلى الأرض أٌلقيت أوراق شجر الصنوبر وأشجار أخرى يعتقد السكان الأصليون بأنها طريقة للتواصل مع الرب. ويفترش أهالي البلدة الأرض في ذلك المعبد، وأفراد من العائلة الواحدة يعملون في معالجة الناس، ويتحلقون حول شموع وكؤوس، ويتمتمون صلوات بلغتهم، محتفظين بدجاجة أو ديك في صندوق كرتوني، سيستخدمونه لاحقا في العلاج.

يتوجب عليّ وصف المكان بدقة، لأن التصوير في هذا المكان "المقدس" ممنوع. سكان البلدة لا يتساهلون في أمر كهذا، فهذا الأدوات الصناعية (الكاميرا والهواتف) "تسرق الروح"، كما يقولون.
إن كنتُ سأضع انطباعا شخصيا غير محايد، فسأقول إنني شعرت بثقل في صدري في ذلك المكان، وأصابني دوار بسيط حين رأيت "مُعالِجة" تمسك ديكا بيديها، وتشد على عنقه ليختنق، بينما تركز نظرها في اتجاه آخر.
كنيسة سان هوان تشامولا، حيث يمنع التصوير داخلها تماما (الجزيرة)
لا تقل شامان!
تماسكت أكثر من مرة كي لا تفلت مني كلمة "شامان" في هذا المعبد؛ فالشامان في ثقافة السكان الأصليين هو بمثابة الأب الروحي أو العراب، الذي يحضر الأحراز ويعود إليه السكان الأصليون للاستشارات، وتطهير الروح وتحضيرها للاستنساخ مع حيوان معين حسب تقويم المايا. كما أخبرني بيذرو تشابقخاي، وهو كاتب غواتيمالي يتردد على شامانه الخاص، ويعتبر ذلك جزءا من ثقافته القريبة من سكان مدينة سان كريستوبال المكسيكية، التي تبعد ساعات فقط عن حدود غواتيمالا.

بيد أن "شامان" في بلدة سان هوان تشامولا تعني "ساحرا"، فسألت "دومينغو غوميس"، الذي يعمل معالجا منذ أربعين عاما، بعد أن طلبت منه "تطهيري" خارج المعبد، عن الفرق بينه وبين الشامان، فقال "الشامان يمارس السحر الأسود، وأنا أمارس السحر الأبيض".
 
مُعالج يصلي بلغة التسوتسيل في مركز الطب الشعبي مقابل القديسة غواذالوبي بثوبها الفولكلوري (الجزيرة)
البيضة والدجاجة
أمسك غوميس نبات الريحان ومسح به جسدي، ومسحه مرة أخرى، مستخدما بيضة، وفي تلك الأثناء كان يؤدي الصلوات بلغته، ثم أشعل الشموع وصلى على الأرض وانحنى عليها أكثر من مرة، وطلب مني أن أقرب مشروبا كحوليا إلى أنفي حينما امتنعتُ عن شربه، وهكذا تطهّرت روحي، حسب قوله.

يستخدم المعالِجون البيضة لمسح جسد المريض، البيضة في ثقافتهم كائن حي بإمكانه إخراج المرض أو "الروح الشريرة" من جسد المريض. لكن ماذا لو لم يخرج المرض أو كان الأمر معقدا مع تلك الأرواح الشريرة؟ الحل يكمن في مقايضة الأرواح، يُمسح الجسد بديك لو كان المريض رجلا، وبدجاجة للأنثى. يمرّر الديك على الجسد فيهب الروح النقية لجسد المريض، ويأخذ روحه المريضة، ثم يُخنق في المعبد لقتل المرض ويُدفن في مكان بعيد، إذ لم يعد صالحا للعيش بعد مقايضة روحه.

لم أكن الوحيدة التي شعرت بانزعاج داخل المعبد قليل الإضاءة، كثير الضوضاء والبخور، فقد رأيت نساء يرتجفن فيه، ويبكين بصوت مرتفع. أمرٌ غريب يحيط المكان لا قدرة على تفسيره.

على جدار المعبد تماثيل لقديسين وقديسات يحملون مرايا على صدورهم، في إشارة إلى أن المرآة الحقيقية هي التي يحملها الإنسان في قلبه، فتعكس حقيقته، ولهذا يجدر به تطهير قلبه وروحه أولا، وهي أفضل طرق العلاج.

وإضافة إلى استخدام البيضة والديك، تُستخدم الشموع في تطهير الجسد، فكلُّ لون من ألوان الشموع يُساعد في تحسين أمر ما؛ اللون الأخضر بحسب المُعالِج غوميس، لتحسين العمل، والشموع الحمراء لتقوية الدم، والسوداء لمقاومة الحسد، والبيضاء لتحسين الرزق، والصفراء للسعادة في الحياة، وهكذا.
وفي آخر عملية التطهير، يشرب المريض شيئا من مشروب ترتفع نسبة الكحول فيه يدعى "البوش" (Pox)، يصنعه السكان الأصليون منذ فترة ما قبل الاستعمار الإسباني، ويتكون من الذرة وقصب السكر، ويرافق سكان تلك المناطق عادة في احتفالاتهم ومهرجاناتهم وعلاجهم.
 
تماثيل في متحف المايا بمدينة سان كريستوبال توضح كيفية صلاة السكان الأصليين (الجزيرة)
مركز المايا للطب الشعبي
وفي مدينة سان كريستوبال، هناك مركز المايا للطب الشعبي، الذي يبيع الأعشاب الطبية لمختلف الأمراض وبه معالجون، التقيت أحدهم، وبالكاد فهمت منه بعض الكلمات، وفكرت حينها في كلام راؤول (أحد سكان سان كريستوبال)، إذ كان قد أخبرني أن المعالجين إما أنهم يتوارثون المهنة، أو أنّه تظهر في طفولتهم علامات جسدية، قد تكون عيوبا أو تشوهات، لكنها إشارة إلى العائلة بأن مهنة المستقبل لابنها أو لابنتها هي المُعالجة، حسب ثقافة المايا.

يقول راؤول إن مجموعة من الباحثين الألمان بحثوا هذا الأمر، ووصلوا لنتيجة مفادها بأن هذه العيوب الخلقية ناتجة عن تزاوج الأقارب الكثير، وليس كما يعتقد أهالي بلدة هوان تشامولا، بأنها علامات لمعرفة مستقبل الأبناء. والمعالجون قد يكونون رجالا ونساء على حد سواء.
 
جانب من حياة السكان الأصليين للمكسيك في متحف المايا (الجزيرة)

الولادة على طريقة المايا
ما زالت الولادة بالطريقة التقليدية متبعة بين السكان الأصليين في مدينة سان كريستوبال، بل حتى تسجيل الولادات بتقويم المايا الذي يضم 13 شهرا، يتكون كل شهر من عشرين يوما، وهناك تقويم آخر يضم 16 شهرا.

ويقول راؤول إن المسنين من السكان الأصليين قد يبلغون مئة عام حسب تقويمهم، بينما هم أصغر من ذلك بالتقويم الميلادي. أما الآن فالتسجيل يتم رسميا حسب التقويم الميلادي، في حين تحتفظ بعض العائلات بتقويم المايا داخل نطاقها فقط، وهو تقويم مهم مرتبط بمواسم الزراعة التي يعتمد عليها سكان تلك المناطق.

وفي عملية الولادة، على الزوج أن يكون حاضرا، "ليس لتصوير العملية ونشرها على فيسبوك" -هكذا قال الموظف المسؤول في متحف المايا للطب الشعبي- بل لدوره (الزوج) المهم في الإمساك بزوجته عند الوضع.

البيضة والدجاجة تستخدمان أيضا بعد الولادة التي تقوم بها امرأة متخصصة من مجتمعهم، وهي مثل "القابلة" في الثقافة العربية. وبعد الولادة تستحم المرأة في حمام بخار وأعشاب تُسمى "التيماسكال".

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

لـ"حاصدة الأرواح" يوم في المكسيك

لـ"حاصدة الأرواح" يوم في المكسيك

كانت الرياح قوية أثناء خروجي و"آنا روسا مورينو" من كاتدرائية بويبلا، في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2017، خِلتها رياحا خريفية، لكن آنا باغتتني بالقول إن هذه الرياح التي تهب باتجاهنا ما هي إلا أرواح الموتى الذين سيأتون في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني لزيارة أقاربهم الأحياء.

في ساحة السوكالو بمدينة بويبلا، جلست معها مقابل الكاتدرائية، وهي واحدة من أكبر الكنائس في أميركا اللاتينية، وواحدة من 365 كنيسة أخرى تنتشر في تلك المدينة المحافظة -إلى حد ما- حيث كان نشر الدين المسيحي في القارة اللاتينية من أنجع الأسلحة للخضوع للمستعمر الجديد.

لم تترك الشعوب الأصلية طقوسها المتعلقة بالاحتفاء بالموتى، ومزجتها مع عقائدها الكاثوليكية.


يُقال إن الإسبان غيروا تاريخ يوم الأموات وقرّبوه من عيد جميع القديسين الذي يوافق 31 أكتوبر/تشرين الأول، لأنهم لم يتمكنوا من منع السكان الأصليين من استقبال أمواتهم.

ليس صعبا أن تعرف أن لآنا روسا جذورا محلية؛ فملامح وجهها تدل على ذلك، فجدتها لأمها من "الناواتل"، وماتت منذ فترة قريبة لكنها ستعود مع والدها المتوفي لزيارتهم في يوم الأموات.

سألتها: "هل تشعرين بمجيئهما؟" فقالت "نعم، نحن نحضر الأطعمة المفضلة لهما في حياتهما وننتظر قدومهما".

فقلت "وكيف تعرفون أنهما أتيا وغادرا؟" فقالت "من طعم المأكولات، فحين يأتي الأموات لزيارتنا يتناولون طعامهم، وحين نتذوق الطعام ونجده بلا طعم، ندرك أنهم تناولوه وغادروا".

عائلة من السكان الأصليين تنظف قبر الجد استعدادا لاستقبال روحه في يوم الأموات، تشياباس جنوب المكسيك (الجزيرة)

أعمار الموتى تصبغ الصلبان
في مقبرة ببلدة "سان هوان تشامولا" التابعة لتشياباس، رأيت عائلة تنظف قبرا، علمتُ أنه للجد الذي توفي في ستينيات القرن الماضي، وكان حفيده يزيل عنه الأوساخ العالقة.

في يوم الأموات ستتحلق العائلة حول القبر ومعها زهور السيمباسوتشيتل، وسيحضرون له الشراب الذي يحب، وهو مشروب كحولي يُسمى "بوش"، منتشرا بين أوساط السكان الأصليين، ويصنع من قصب السكر والذرة بعد التخمير.

تردد الحفيد في الإجابة عن سؤالي: إن كان الجد يأتي حقا أم أنهم يحتفلون بيوم الأموات من باب العادة، شجّعته بقولي "إن أمواتي يأتون إلي في أحلامي"؛ رد مباشرة "نعم، إن الأموات يأتون في هذا اليوم، نعلم ذلك من آثار خطوات أقدامهم".

راؤول، الذي يعمل مرشدا سياحيا في تلك المنطقة، ويتحدث لغات "السنتال" و"التسوتسيل" والإسبانية؛ أخبرني أن الكثير من أهالي المنطقة يحضرون لأقاربهم المتوفين مشروب الكوكاكولا أو البيبسي، فمفعول البوش والمشروبات الغازية متقاربان، كلاهما يحمل شاربهما على التجشؤ والاسترخاء، كما أن المشروبات الغازية رخيصة الثمن ومنتشرة بشكل كبير في تلك المنطقة.

مجسمات جماجم تروج تجارتها في يوم الأموات بالمكسيك (الجزيرة)


كل مقابر المكسيك تُفتح في يوم الأموات لاستقبال ذويهم الذين يحيطون القبر بما كان يحبه الميت في حياته. وفي اليوم الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني، سيأتي الأموات إلى بيوتهم، البعض يكتفي بتحضير مذبح في البيت وتهيئة ممر البيت ليدخل الأموات ويخرجون بهدوء.

مدنٌ مثل تشياباس وواخاكا ستمتلئ مقابرها بالزوار طوال اليوم، وستكون ورود في كل مكان وأطعمة ومشروبات روحية وسكاكر ورائحة بخور وألعاب للأطفال وصورهم.

الصلبان في مقبرة سان هوان تشامولا كانت ملونة، الأزرق والأخضر -قال راؤول- للأموات من الشباب، والأسود للكهول، والأبيض للأطفال، وإن كان هناك أكثر من صليب بألوان مختلفة، فهذا يعني أن أفرادا مختلفي الأعمار من عائلة واحدة مدفونون في ذلك القبر.

الصلبان قد تُغرز في أرضية المقبرة كل عام أو كل عدة أعوام في يوم الأموات تحديدا، والصليب المنصوب في مقدمة القبر جديد، فقد كان السكان الأصليون يستخدمون الحجارة لتمييز المقابر، وبعد اختلاطهم بأهل المدينة في سان كريستوبال بدؤوا استخدام الصليب.
 
يجهّز الأهالي في المكسيك مذبحا في بيوتهم لاستقبال أقاربهم الأموات يضم صورهم وما يحبون من مأكل ومشرب (الجزيرة)

البكاء؟ إنه أمر ممنوع في تلك المقابر، لا تسمح تقاليد السكان الأصليين بتعكير صفو الأموات، سيأتون للاطمئنان على الأحياء، وعلى الآخرين إظهار أجواء المرح. يستذكر أقارب الميت في ذلك اليوم مواقفه الطريفة ويروون النكات ويضحكون.

الأرواح تأتي بالترتيب، الذين قضوا في حوادث أولا. وأشارت لي آنا روسا إلى صليب في الطريق بمدينة بويبلا، شرحت لي أنه نصب في ذلك المكان بسبب موت أحدهم في حادث سير، عندها ينصب أهله صليبا فيه ويزينونه في يوم الأموات. والغرقى يأتون بعد ذلك، فالأطفال، ثم الأموات المؤمنون وجميع القديسين (وهنا معتقد كاثوليكي).

وفي اليوم الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني، يأتي الأموات جميعا. تقول أسطورة روتها لها جدتها إن شخصا لم يكن يصدق أن الأموات يعودون للحياة ويزورون أقاربهم في ذلك اليوم، لذلك لم يجهز العطايا لهم، فإذا بهم يدخلون البيت ويخرجون منه وهم حزانى، بينما شاهد بقية الأموات يغادرون فرحين.

تقول آنا روسا وقد شارف هذا اليوم على الاقتراب، إن الأموات يأخذون معهم نور الشموع حين يغادرون.

مصنع حلويات مختص بتحضير جماجم من السكاكر احتفالا بيوم الأموات في مدينة بويبلا (الجزيرة)

سكاكر من الجماجم
في شارع فرعي من بويبلا مصنع حلويات يديره "إيميليو كينتانا راميرس"، وهو رابع جيل في إدارة المصنع الذي يعمل به أبناؤه أيضا، ويستخدم السكر والماء في قوالب من الطين على شكل جماجم بشرية بأحجام مختلفة، ثم توضع صبغات لتزيين الجماجم، ويشتريها المكسيكيون، ويطلبها الأميركيون من المكسيك، ويقيم هذا المصنع ورشات لتدريب الطلاب على صنع سكاكر الجماجم. وفي مدن أخرى يصنعون السكاكر على شكل توابيت وهياكل عظمية.

وعن أصل التقليد، تشرح ماريا أسبي، أستاذة التاريخ في جامعة "إيبوآميريكانا" في العاصمة المكسيكية؛ أن الموت بالنسبة للأديان التي سادت قبل الاستعمار الإسباني لم تكن له قيمة "أخلاقية"، تذهب بالمؤمنين للجنة والكافرين للنار، بل هو رحلة لحياة أخرى هي "الميكتلان" التي تعني "أرض الأموات".

الموت بالنسبة للميشيكا أو الأزتيكا يتمثل في الجمجمة، وهذا يفسر الاحتفاء بسكاكر وأشكال الجماجم في يوم الأموات. وفي المعبد الأعظم (تيمبلو مايور) يوجد مكان يسمى سومباتلي، كانت توضع به جماجم الأموات.

علاقة "الميشيكا" (سكان بعض المناطق في المكسيك قديما) بالموت ليست علاقة رعب وخوف، بل الموت هو انتهاء فترة وبداية أخرى؛ فحسب التقويم الأزتيكي (نسبة لشعب الأزتيك)، فإن هناك دورة للحياة كل 52 عاما، وتنتهي الدورة أو تبدأ بظاهرة فلكية، ككسوف الشمس مثلا أو خسوف القمر، لتبدأ دورة جديدة وعصر جديد، ولهذا فالموت عندهم ليس النهاية بل بداية حياة جديدة.

تضحك ماريا آسبي وهي تقول إنهم يطلقون على الموت ألقابا طريفة كـ"حاصدة الأرواح" و"العروسة"، لأن الموت يرتدي لباسا أبيض، ويسمونه "الحاكمة"، ولنأخذ بعين الاعتبار أن الموت بالإسبانية مؤنث، ولهذا فكثير من الهياكل العظمية التي ترمز له ترتدي فساتين وأثوابا نسائية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

الساباتيستا.. نغطي وجوهنا ليرانا الآخرون

الساباتيستا.. نغطي وجوهنا ليرانا الآخرون
باءت محاولاتي بالفشل للتعرف إلى أحد أعضاء جيش الساباتيستا للتحرير الوطني الذي كانت انطلاقته من ولاية تشياباس جنوب المكسيك.  ومعظم من سألتهم عن إمكانية التواصل مع أحد أفراد الجيش الذي تحول إلى "حركة" أكثر منه جيشا يحملون فكرا يساريا مقاربا ومناصرا للحركة، مع هذا فهم -على حد قولهم- لا يعرفون أفراد الحركة شخصيا لأنهم لا يكشفون وجوههم أبدا.

آخرون على علاقة مباشرة بهم طلبوا مني التواصل مع صفحتهم على فيسبوك، لكن الأمر لم ينجح، فالجميع مشغول بالحملة الترويجية لماريا هيسوس باتريسيو مارتينيس مرشحة الرئاسة عن المؤتمر الوطني للسكان الأصليين وجيش الساباتيستا للتحرير الوطني.

تمكنت في النهاية من لقاء القس هويل بادرون غونسالس من الكنيسة الكاثوليكية وأحد الداعمين الرئيسيين لحركة الساباتيستا إلى جانب الأسقف صامويل رويس (2011-1924)، وكان الأخير قد وجهت له أصابع الاتهام بدعم جيش الساباتيستا والتغطية عليه بحجة أن أفراد الجيش من السكان الأصليين كانوا متأثرين بأفكاره الرافضة للطبقية، سواء على مستوى الكنيسة الكاثوليكية أو اجتماعيا.

وكانت الحكومة تعتقد أن تلك الطبقة الضعيفة ليس بإمكانها الحراك إلا بتوجيه قوي من كنيسة يتحدث أسقفها دوما عن الرب العادل الرافض لهذا الظلم، فحين وصل رويس مدينة سان كريستوبال التابعة لولاية تشياباس ليكون أسقفا لكنيستها ساءه ما وجد من فقر السكان الأصليين وقمعهم ومصادرة أراضيهم.

يقال إنه في ذلك الوقت الذي وصل فيه تشياباس عام 1959 كان السكان الأصليون يتركون السير على الرصيف وينزلون الشارع لإفساح الطريق للأبيض والمستيسو (أبناء تزاوج البيض مع السكان الأصليين) بالمرور، وخلال بدايات التمرد لم تجد الحكومة غيره للتحدث مع الجيش للوصول إلى اتفاق، وافق الأسقف على التدخل -بحسب الأب غونسالس- لوقف القتال لا لإنهاء الحركة.

ورغم أن الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت لم تكن توافق على أعمال وأفكار الأسقف رويس فإن البابا فرانشيسكو زار قبره حين وصل المكسيك عام 2016، وصار استخدام اللغات المحلية بالصلاة في الكنائس الكاثوليكية رسميا بعد زيارة البابا، في حين كان الأسقف قد بدأ ذلك خلال سنوات عمله في كنيسة سان كريستوبال.
القس هويل بادرون غونسالس من الكنيسة الكاثوليكية (الجزيرة)
المفاجأة سبب النجاح
"كانت المفاجأة التي سببها جيش الساباتيستا للحكومة هي أهم عناصر نجاح الجيش في فرض نفسه"، ويقول الأب غونسالس مفسرا "حكومة المكسيك لم تكن تتوقع أبدا أن تخرج حركة مسلحة من الجنوب المهمش، ولاية تشياباس غنية ومليئة بالثروات الطبيعية، لكن الحال أن السكان الأصليين كانوا مجبرين على العمل طوال الوقت، وهم فلاحون بسطاء، في حين يحصل الثروات أصحاب رؤوس الأموال، لأن الاستبداد في الحكومة المكسيكية ناشئ من العمق، بعكس الصورة الديمقراطية التي تظهرها للعالم".

ظهر جيش الساباتيستا فجر 1 يناير/كانون الثاني 1994 بعد ساعات من دخول اتفاقية التجارة بين المكسيك والولايات المتحدة وكندا حيز التنفيذ، ليكون حائط صد لتنفيذ تلك الاتفاقية التي ستغرق الفلاحين والطبقة العاملة أكثر في الفقر وتمنح الأغنياء المزيد من الثروة.

وضع الأب غونسالس يديه على وجهه وهو يقول "لهذا، خرج جيش الساباتيستا وأفراده يغطون وجوههم بالأقنعة كي يصبحوا مرئيين، لأنهم إن لم يفعلوا ذلك ما التفت إليهم أحد".

تحول ذلك القناع فيما بعد رمزا لحركة الساباتيستا التي لا يظهر أفرادها في المناسبات والمسيرات والأنشطة المتعلقة بهم إلا وهم مغطو الوجوه ليراهم الناس وتراهم حكومتهم، وقد اتخذوا من جبال ولاية تشياباس مقرا لهم.

أصبحت تغطية المنتمين لجيش الساباتيستا وجوههم رمزا لثورتهم (الجزيرة)


عرفت الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت بدعمها لحقوق السكان الأصليين حتى أن الحكومة كانت قد سجنت الأب غونسالس 49 يوما عام 1991 متهمة إياه بالتآمر ضد الحكومة، في حين كانت الحقيقة برأيه أن مواعظ الكنيسة كانت تهدد الطبقة الرأسمالية في تشياباس بسبب مطالبتها بمنح الحقوق للسكان الأصليين.

ويستذكر غونسالس خروجه من السجن بقوله إن "الكثيرين خرجوا مطالبين بإطلاق سراحه، إذ يعد سجن رجل دين كاثوليكي في المكسيك سابقة، مما اضطر الحكومة إلى الخضوع لمطالب الناس وإطلاق سراحه".

11 يوما هي فترة الاشتباكات التي دارت بين جيش الساباتيستا والجيش المكسيكي، سيطر بعدها الساباتيستا على المدينة فأحرق القصر الرئاسي واحتل مقر الإذاعة، وسقط قتلى من كلا الطرفين، وأوقف القتال خروج الكثيرين في المدن المكسيكية من المؤيدين لحق الساباتيستا في التمرد على الأوضاع السيئة، ووساطة الأسقف رويس.

البعض ممن أيد الساباتيستا عارض أسلوبهم في استخدام السلاح، لم يجبني غونسالس عن سؤالي عن مصدر الأسلحة التي كانت، وما زالت بحوزة جيش الساباتيستا، في وثائقي أنتجته صحيفة لا خورناذا وتلفزيون 6 يوليو/تموز يقول أحد أفراد الساباتيستا إن مسألة تسليم الجيش للسلاح أمر غير وارد مع أنهم لا يستخدمونه.

قيادي في حركة الساباتيستا المكسيكية يخطب في أنصار حركته في اجتماع موسع (رويترز)

القائد ذو القناع والغليون
تردد اسم القائد ماركوس خلال حديثي مع الأب غونسالس، وكان ذلك طبيعيا لأن ماركوس هو من قاد التمرد وهو المتحدث باسم الساباتيستا، ولا يظهر ماركوس في جميع المقابلات الصحفية إلا مغطى الوجه ظاهر العينين وفي فمه غليون.

لفت القائد ماركوس نظر العديد من الكتاب والمثقفين، كالكاتب الأورغوياني إدواردو غاليانو والأميركي نعوم تشوميسكي، وقد أجرى معه الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز لقاء صحفيا، كما كتب عنه الكاتب المكسيكي باكو تايبو الثاني.

كشفت الحكومة لاحقا أن ماركوس هو رفائيل سيباستيان غيِّين بيسنتي، درس الفلسفة في الجامعة الوطنية المستقلة أونام، وكان محاضرا جامعيا في عدد من الجامعات، الملفت للنظر أنه كان من المستيسو (أبيض البشرة) ولم يكن من السكان الأصليين، وكان هذا واضحا من عينيه البارزتين من قناعه.

بدوره، كان ماركوس ينفي دوما أنه رفائيل، أما استخدامه اسم ماركوس فبسبب مقتل أحد رفاقه الذي يحمل الاسم نفسه خلال الاشتباكات مع الحكومة فكان استخدام الاسم رمزا لمواصلة النضال.
عام 2014، قرر ماركوس إنهاء شخصية ماركوس وانسحب من قيادة جيش الساباتيستا مسلما القيادة لغيره.

جنود في الجيش الحكومي في استعراض رسمي يرتدون الزي التقليدي لثوار حركة الساباتيستا (رويترز)

الصوت ينخفض تدريجيا
"بعكس الكثير من حركات التمرد في أميركا اللاتينية والتي تمكنت من الوصول للسلطة أحيانا، مثل "الساندينيستا" في نيكاراغوا، أو مواصلة النضال المسلح وفرض شروط على الحكومة كحركة "الفارك" في كولومبيا، تراجع دور حركة الساباتيستا في ولاية تشياباس، وباتت لا تظهر سوى في مناسبات معينة للخروج بمظاهرات ومسيرات".

طلبت من الأب غونسالس توضيح هذا التراجع، وقد وافق عليه ثم استدرك "لكن ها هم يخرجون مجددا ولديهم ناطقة رسمية هي ماريا خيسوس باتريسيو، أو ماريتشو كما يسمونها هناك، قلت له "لا أرى لها في المدينة -وأقصد سان كريستوبال- الكثير من المؤيدين، تحدثت مع أكثر من مجموعة، ومنهم حتى مسلمي تشياباس من السكان الأصليين، والجميع أبدى لامبالاة بموضوع ترشحها للرئاسة"، فعلق غونالس أنها "ليست فقط ناطقة باسم السكان الأصليين في المكسيك، بل إنها مع المؤتمر الوطني للسكان الأصليين وجيش الساباتيستا".

ويضيف "يتحدثون عن مكسيك تناسب جميع المكسيكيين، مكسيك خالية من الفساد، لكن الجميع يعلم أنها لن تنجح في السباق الرئاسي، لأن ترشحها هو مجرد محاولة للقول إننا هنا وما زلنا، وكان الساباتيستا دوما يتحدثون عن أنهم لن يخوضوا في اللعبة السياسية في المكسيك بسبب الفساد المستشري في نظامه السياسي".

هذا لا يعني غياب مؤيديها، بيد أنهم يتمركزون في مناطق معينة من الولاية كمدينة أوفنتيك، كما أن لها مؤيدين في العاصمة ومدن أخرى بالمكسيك مهتمين بحقوق الإنسان ومناهضين للفساد.

وخلال لقائي بالكاتب خوان بيورو في العاصمة المكسيكية كان قد أخبرني أن بنك أزتيكا قد رفض إقراض حملة ماريتشو الانتخابية، في حين شكك الأب غونسالس في أن تكون الحملة قد طلبت أصلا قرضا أو مساعدة من البنك لأن الرفض هو نتيجة حتمية "أعتقد أن المساعدات للحملة تأتي من الخارج".

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

المفقودون الـ43.. "أحياء أخذتموهم.. أحياء أعيدوهم"

المفقودون الـ43.. "أحياء أخذتموهم.. أحياء أعيدوهم"
ما زلت أتساءل عن السبب الذي دعا "أوغو بيلتران غونسالس" لتصحيح جملتي حين سألته عن المخيم المنصوب في شارع لاريفورما وسط المكسيك لدعم المفقودين الـ43، فقد قاطعني قائلا إن كلمة "مخيم" لها دلالة "برجوازية" ومن الأفضل أن أقول "اعتصام" أهالي وأنصار المفقودين الـ43.

وفي أحد الشوارع الحيوية وسط العاصمة المكسيكية نصب الرقم 43 بشكل بارز يوحي باهتمام حكومي بمسألة المفقودين الـ43، مع أن قضيتهم لم تحل حتى الآن.

في 24 سبتمبر/أيلول 2014 اختفت مجموعة من الطلاب في العشرين من أعمارهم يدرسون بمعهد لتأهيل المعلمين في منطقة ريفية ببلدة أيوتسينابا في طريقهم للعاصمة المكسيكية.
كان طلاب ذلك المعهد وطلاب آخرون من أماكن متفرقة من البلاد معتادين على الخروج في مسيرة في 2 أكتوبر/تشرين الأول من كل عام إحياء لذكرى المجزرة التي ارتكبها الجيش المكسيكي بحق طلاب خرجوا في مظاهرة احتجاجية بمدينة تلاتيلوكوكو عام 1968.

الطلاب -وهم يساريون ماركسيون- قرروا أولا المرور ببلدة إغوالا لمقاطعة نشاط سياسي تشرف عليه البلدية، لكن الشرطة أوقفتهم في الطريق وعندها بدأ لغز اختفائهم.

واحدة من المسيرات التي ينظمها ناشطون في قضية المفقودون الـ 43 (الجزيرة)


الرواية الرسمية -بحسب صحف مكسيكية- تقول إن الشرطة قادت الطلاب لسجن "غيريرو"، وهناك قتلوا وأحرقت الجثث وألقيت في مكب نفايات بين الجبال بأمر من رئيس بلدية إغوالا خوسيه لويس أباراكا، لأن الحدث السياسي الذي رغب الطلاب بالاحتجاج ضده كان يخص زوجته ماريا دي آنخلس بينيذا، وهما متورطان مع عصابات الجريمة المنظمة.

امتلأت القضية بالكثير من الشهود الذين تضاربت أقوالهم، وتشكلت لجنة دولية حقوقية للنظر في الأدلة والشهادات ومستجدات التحقيق، وخلصت إلى أنها لا تستند إلى براهين قوية، وأن الحكومة تخفي أمرا ما، لأن العينات التي فحصت لجثث محترقة في ذلك المكان لم تتوافق مع الحمض النووي للضحايا.

سنوات ثلاث مرت على الاختفاء القسري، 130 شاهدا في القضية لم يصدر حكم بحقهم، عائلات المفقودين ما زالت مستمرة في الخروج بمسيرات ومظاهرات واعتصامات، تصرخ "أحياء أخذتموهم.. أحياء أعيدوهم".

أوغو بيلتران غونسالس هو أحد المنظمين والقائمين على الاعتصام المقام وسط العاصمة، يتحدث للصحفيين والمهتمين عن أسباب مقرهم الدائم الذي يرفض وصفه بالحملة أو المخيم.

يقول إن الاعتصام أقيم للتذكير بكل المفقودين، وهم 26 ألف مفقود من أيام حكم الرئيس المكسيكي السابق فيليبي كالديرون الذي حكم المكسيك بين عامي 2006 و2012، بل وما قبل ذلك التاريخ، والآن يضاف إليهم الـ43.

لافتة تطالب بالمفقودين الـ 43 ضمن مسيرات متتالية ينظمها الناشطون الحقوقين في المكسيك (رويترز)


كان متحمسا للحديث وكأن المسألة تخصه شخصيا، فأحد المفقودين السابقين كان معلما له.  سألته "هل حققتم شيئا باعتصامكم؟ فيقول إن "ثلاثة من المدعين العامين تغيروا منذ الاختفاء القسري بسبب صمود المعتصمين ونشاطاتهم المستمرة، ثم يواصل الحديث عن هدف الحكومة في إخفاء النشطاء لإسكاتهم، وأن هذا هو دأبها منذ عام 1968 "في تلك المذبحة قتلوا النساء والرجال كي ينشروا الخوف ويحذروا أي شخص يجرؤ على الاحتجاج، يعتقدون أن باستطاعتهم السيطرة على أي احتجاج بتلك الطرق ومنع الناس من الخروج للشارع".

ويوضح غونسالس أن تعامل الحكومة مع تلك الفئات كونها تحمل أفكارا يسارية وقد شكلت مجموعات ثورية من المعلمين "فحتى تكون معلما في تلك المناطق الريفية لا بد أنك فقير وفلاح"، وهو ما أفقدهم الكثير من الامتيازات لدى الحكومة، مما ساهم في تصاعد الاحتجاجات منذ الستينيات وانتشار الشيوعية بين طلاب معهد المعلمين والمعلمين أنفسهم.

وكانت الحكومة لجأت لنفس الأسلوب الذي اتبعته معهم عام 1968، ويؤكد غونسالس أن اعتصامهم لن يحمل حكومتهم فقط على التفكير مرارا بتصرفات قمعية كتلك، بل حكومات دول أخرى تتبع نفس النهج.
مناصرو الاعتصام -بحسب غونسالس- هم من جميع الأطياف ويدعمونه منذ أن أقيم في 26 ديسمبر/كانون الأول 2014، أي بعد ثلاثة أشهر على اختفاء الـ43، الحكومة تولي اهتماما فقط بالقضية عند اقتراب انتخابات البلدية ثم تتناساها تماما، لأنها تراهن -والكلام لغونسالس- على تعب المعتصمين ونسيان الناس ويأس الأهالي الذين يخرجون في مسيرة بالـ26 من كل شهر.

نتائج الاعتصام قليلة بالقياس لمطالب الأهالي الذين يقولون إنهم طالما لم يتسلموا جثث أبنائهم فهم على قيد الحياة، والحكومة مطالبة باسترجاعهم، ولحين استرجاعهم عليها معاقبة المتورطين، وهو أمر لم يحدث حتى اللحظة.

الرقم 43 منصوب في أحد الشوارع الرئيسية للعاصمة المكسيكية، لكن الاهتمام الحكومي بالقضية ضعيف (الجزيرة)

لا سياسيين في الاعتصام
يشدد غونسالس على عدم استقبال مقر الاعتصام أي سياسي حتى لا يكون هذا بمثابة دعاية لذلك السياسي أو لحزبه، وحين سألته عن التعاون فيما بينهم وبين "الساباتيستا" قال إن الساباتيستا جيش وليس حزبا سياسيا، صحيح أنهم عملوا في السياسة فترة، وأن لديهم الآن مرشحة للرئاسة هي ماريا دي خيسوس باتريسيو -لم يسمها مرشحة بل ناطقة رسمية- لكنهم مع هذا ليسوا حزبا سياسيا.

وأشار إلى أكثر من لافتة في المكان حصلوا عليها من الساباتيستا، كما أن الكثير من منظمي الاعتصام هم من الساباتيستا أو من المناصرين لهم.

وعن دعم الفنانين والمثقفين لاعتصامهم أشار غونسالس إلى أنه مرضٍ نوعا ما، فقد ألفت قصائد وأغان عن المفقودين وأنجزت عنهم أعمال فنية، ومن بين أكثر المنادين للكشف عن مصير المفقودين ومعاقبة المجرمين الكاتبة المكسيكية إلينا بونياتوسكا (الحائزة على جائزة سربانتس للأدب، 2014).

 

أوغو بيلتران غونسالس، أحد منظمي اعتصام أهالي المفقودين الـ43 (الجزيرة)

من 1968 إلى 2014
إلينا بونياتوسكا، إنها "الأميرة الحمراء" ذات الأصول الأرستقراطية البولندية التي هاجرت مع عائلتها في وقت مبكر للمكسيك، التقيتها بمعرض الكتاب في العاصمة المكسيكية، قرأت مقاطع مؤثرة من أحد كتبها، وهي التي اشتهرت بروايتها "ليلة تلاتيلوكوكو" التي ستبقى شهادة للتاريخ عن أحداث تلك المجزرة عام 1968.

تمكنت من الحديث معها بعد أن أنهت التوقيع لعدد من قرائها وبدأت الحديث عن إهمال الحكومة لضحايا الزلزال الذي أصاب المكسيك في سبتمبر/أيلول الماضي، قلت لها إنني أريد الحديث عن المفقودين الـ43، وبدا أن مصائب بلادها تحتاج لأكثر من لقاء، وأنها مستعدة لنقد حكومة بلادها في كل اللقاءات.

"لماذا لم تتحرك الحكومة بعد قتل المفقودين الـ43؟" طرحت هي السؤال جازمة بمقتلهم وبدت مقتنعة -بعكس الأهالي- بذلك، وأجابت -وهي لا تنتظر مني إجابة- "لأنهم فلاحون فقراء، هذه حكومة عنصرية، وأن تكون فلاحا فقيرا فأنت لا تعني شيئا بالنسبة للحكوميين والسياسيين، هذه حكومة متلاعبة فبعد أن الاختفاء القسري للـ43 ذهبت الحكومة لمعهد تدريب المعلمين ووزعت شهادات ومنحت مكافآت مالية كنوع من التغطية على جرائمها بدل التحرك وكشف المجرمين ومعاقبتهم".

سألتها إن كان بإمكان الأدب أن يغير الواقع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه بلد مثل المكسيك، تتكرر فيه حوادث الاختفاء القسري وتكثر فيه الجريمة فلم أتمكن من الحصول منها على إجابة واضحة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

مرياتشي.. أغاني المدن المحافظة

مرياتشي.. أغاني المدن المحافظة

هم جزء من الصورة النمطية التي كرستها هوليود في أذهان الناس عن المكسيك، الصورة الأعم تخص ذلك المكسيكي الجالس بجانب نبتة الصبار مرتديا قبعة عريضة مستلقيا على الأرض سكران وإذا ما استيقظ فهو شخص عنيف.

إنها فرق المارياتشي التي اشتهرت بها المكسيك، جزء من تراث فولكلوري غنائي واسع إلا أنه الجزء الأشهر، والأصلح لاستعارة عناصره في الدعايات والإعلانات المختلفة المتعلقة بالمكسيك.
القبعة العريضة تسمى "تشارو" صارت وسما مرتبطا بالمكسيك رغم أن ارتداءها محصور في تلك الفرق الفولكلورية فقط.

في ساحة غاليباردي بالعاصمة المكسيكية تجتمع فرق المارياتشي من ساعات العصر تقريبا حتى أوقات متأخرة من الليل، وهناك تسعيرة معروفة للأغاني، تمتلئ الساحة بالسياح وبمحبي المرياتشي وتبدأ الفرق بمناداة "الزبائن" للغناء لهم، يسألك أفرادها عن الأغنية التي ترغب بسماعها كي تدفع 150 بيسوا مكسيكيا (ثمانية دولارات) مقابل الأغنية الواحدة، أما إن أردت الحديث معهم عن فن المارياتشي فستدفع خمسين بيسوا زيادة.

اقتربت من إحدى الفرق وأخبرتها عن رغبتي بإجراء مقابلة للحديث عن فن المارياتشي، بدت غير مهتمة، كان كل منها يشير للآخر، وكان انطباعي أنها لا تعرف الكثير عن تاريخه من بعض كلمات تبادلتها أمامي، وأشارت إلى أن أنتظر "كبيرها"، وهكذا وجدتني أتحدث مع أوربانو باربوسا رودريغس.


مجسم يمثل فرقة مارياتشي في ساحة تلاكي باكي بمدينة غواذالاخارا التي انطلقت منها فرق المارياتشي. (الجزيرة)

لن يرث أولادي المارياتشي
"أنا أوربانو باربوسا رودريغس، عمري 76 عاما، بدأت العمل مع فرق المارياتشي منذ أن كنت في العشرين من عمري، أبي كان عازف مارياتشي من مدينة خاليسكو، وهذه المدينة هي مسقط رأسي ومسقط رأس المارياتشي نفسه رغم أن البعض يقول إن أصلها من بلدة كوكولا".

ويضيف "أنا عضو في الاتحاد المكسيكي للمرياتشي الذي قررت فرق المرياتشي إنشاءه لتكون ساحة غاليباردي مقرنا، تعلمت العزف من والدي ومن معلمين آخرين، حفظت عنهم الأغاني المختلفة التي ما زلنا نؤديها حتى اليوم، وكنا قديما نستخدم أدوات عزف مختلفة عما نستخدمه اليوم من مزمار (ترومبيتا) وغيتار وكمان".

ويواصل تعريفه بأنشطة الفرقة فيقول "نحن لا نعزف في هذه الساحة فحسب، بل في عروض للتلفاز والمسرح، ونذهب أيضا للعزف في حفلات خاصة بمناسبات أعياد الميلاد وغيرها، كنا قبل ذلك نستخدم القبعة الواسعة "تشارو" عند العزف، لكن هذه الساحة -ويا للأسف- تمتلئ بالسكارى الذين يفقدون الوعي فيخلعون عنا قبعاتنا ويرقصون بها رغما عنا فتبدأ الخلافات، لذلك قررنا ألا نستخدمها أبدا في الساحة لتجنب تلك المواقف".

ويضيف "أنا ورثت هذه المهنة عن أبي، لكني أبعدت أبنائي عنها، لا أريدهم أن يقفوا في هذه الساحة التي ستمتلئ بعد ساعات بالسكارى والمدمنين، سأكون عازف المارياتشي الأخير في العائلة، وسأعزف وأغني ما دامت لدي القدرة على ذلك، حزين لأن فن المارياتشي يفقد شيئا فشيئا جزءا من قيمته الفولكلورية ويتحول لرمز سياحي تجاري، في الماضي كنا نعزف بشغف، الآن نعزف ونغني لكسب المال".

أوربانو باربوسا رودريغس، عمره 76 عاما، بدأ العمل مع فرق المارياتشي منذ أن كان في الـ 20 من عمره. (الجزيرة)

قبعة الأحجار الأربعة
غير بعيد عن فرقة المارياتشي رأيت فرقة من شخصين وملابس مختلفة، نوع مختلف من الموسيقى هو "هاروتشو بيراكروس"، وهو نوع غنائي قادم من مدينة بيراكروس، نزحت تلك الفرق من تلك المدينة، كما نزحت فرق المارياتشي من خاليسكو إلى العاصمة المكسيكية وانتمت لنفس الاتحاد، أما مؤسس الاتحاد الأول فهو صاحب صالون "تينامبا" الذي أسسه الخاليسكي إرناندس دياس عام 1925.

ولا تتميز الفرق عن بعضها البعض بنوعية الموسيقى والأغاني والآلات المستخدمة فحسب، بل في الزي الرسمي الذي يعكس المنطقة الذي جاءت منها الفرقة، فإذا كانت قبعة المارياتشي "تشارو" تشبه قبعات الفلاحين لأن الفرق الأولى تشكلت من فلاحي خاليسكو فإن قبعة فرق الـ"هاروتشي" تسمى "قبعة الأحجار الأربعة" بسبب تجويفاتها الأربعة.

يقال إن موسيقى المرياتشي تعكس امتزاج الثقافة الموسيقية الأوروبية والمحلية والأفريقية، وقد نشأت خلال السنوات الأولى للاستعمار الإسباني للمكسيك بين مجموعات الـ"كوكاس" من السكان الأصليين في خاليسكو.

وكانت أغاني المارياتشي في البداية دينية ثم تحولت لأغان مختلفة تتناول موضوعات شعبية منوعة، ولا سيما بعد أن غنت فرقة مرياتشي في حفل بقصر الرئيس بورفيريو دياس الذي حكم المكسيك بين عامي 1876 و1911، ومنذ ذلك الوقت رافق بعض فرق المارياتشي راقصون وراقصات، وبات من الضروري دعوة الفرق للغناء في حفلات الزواج وأعياد الميلاد وغيرها.

صورة للقبعة ذات الأحجار الأربعة وتتميز بها فرق الـ"هاروتشو" (الجزيرة)


وتعتقد أستاذة التاريخ في جامعة "إيبروأميريكانا" ماريا آسبي أن اعتبار فرق المارياتشي رمزا للثقافة المكسيكية ليس بالأمر الدقيق، فعدا عن أن هناك تنوعا كبيرا في الموسيقى المكسيكية فإن رموز الثقافة المكسيكية تتمثل أكثر في اللغة مثلا "التي تحتوي على مزيج من كلمات من لغات قديمة، والطعام المكسيكي الذي لا جدال على تفوق مطبخه".

وقد لفتت آسبي النظر إلى أن تلك الفرق الموسيقية قد نشأت في مدن ومجتمعات محافظة مثل مدينة خاليسكو التي ما زالت تحتفظ بصبغة "كاثوليكية" حتى الآن، لذلك فموسيقاها تأثرت بموسيقى الكنائس إضافة لمزج الآلات الموسيقية الأخرى من السكان المحليين والأفارقة، أما اللباس التقليدي فمن الواضح أنه محافظ.

وتنتشر اليوم فرق المرياتشي في أكثر من بلد بالقارة اللاتينية وفي الولايات المتحدة، وكان قد كوّنها مكسيكيون مهاجرون.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

مسلمو تشياباس.. مساجد متقابلة وقلوب متفرقة

مسلمو تشياباس.. مساجد متقابلة وقلوب متفرقة

أوصلني سائق سيارة أجرة لكنيسة إنجليكية اعتقادا منه أنه المسجد الذي طلبت الوصول إليه في مدينة "سان كريستوبال بتشياباس". وآخر قادني لمعبد يهودي، قال إنه يرى نساء محجبات مثلي يخرجن منه وظن أيضا أنه "المسجد".

علمت لاحقا أن المسجد معروف بـ "معبد المسلمين" فتلك المدينة في الجنوب المكسيكي معروفة بالتنوع الديني، بها كنائس كاثوليكية وإنجليكية ومركز ديني يهودي وآخر بوذي ومسجد للمسلمين المنقسمين لأربع مجموعات، تمكنت من لقاء مجموعتين منها.

مسجد الإمام مالك الذي يسميه المكسيكيون بمعبد المسلمين الإسبان (الجزيرة)

عائلة تشيفتشيف
التقيت "ماركوس تشيفتشيف" بداية، وكان قد اعتنق الإسلام عام 1996، بعد أخيه الأصغر "إبراهيم تشيفتشيف". ولهذه العائلة تاريخ مع الأديان، حيث تنتمي العائلة لبلدة "سان هوان تشامولا" التابعة لولاية "تشياباس" وهذه المدينة معروفة بقوانينها الخاصة التي لا تسمح لأبنائها بتغيير دينهم من الكاثوليكية لأي دين آخر، رغم أنها كاثوليكية مختلطة بالطقوس والدين القديمين.

كان جد إبراهيم وماركوس من أوائل من اعتنق الإنجليكية فطُرد من البلدة مع المعتنقين الجُدد وأُحرقت بيوتهم. ظل الجدُّ ملاحقا من قبل الـ "كاسيكي" وهم زعماء القبائل من السكان الأصليين، حتى أفلحوا باستدعائه لساحة المدينة عام 1986 -وفق ماركوس- وطلبوا منه التخلي عن دينه، وحين رفض قُتل في الساحة العامة للبلدة ومُثِّل بجثته.

وقد تسنى لي سؤال عن تلك "المجزرة" التي ارتُكبت في سان هوان تشامولا ثمانينيات القرن الماضي، فأخبروني أنها معروفة، وأن المعتنقين الجدد سكنوا مدينة سان كريستوبال بعد طردهم من بلدتهم الأم.
دعاني ماركوس لزيارتهم اليوم التالي، حيث يجتمعون لصلاة الجمعة ثم تناول الطعام معا وتلقي دروس في الدين الإسلامي. وصلت بعد الصلاة وقدموا لي حساء "الحريرة" المغربي.

أقيمت في المكان الصغير -الذي هو أقرب للمصلى منه للمسجد- مائدتان للرجال والنساء والأطفال. مكان متواضع مؤقت ريثما يبنون مسجدهم الخاص التابع للطريقة الأحمدية التي نشأت في باكستان نهاية القرن الـ 19. وفي المصلى تعرفت إلى العائلة المكونة من الأب والأم وثلاثة أبناء وزوجة الابن إبراهيم والأحفاد وأفراد آخرين.

من يتواصل مع مسلمي تشياباس يعرف الخلافات التي تسيطر على علاقتهم ببعضهم، والتي بدأت بعد تسع سنوات تقريبا من وجود الإسلام في المدينة التي انتشر فيها الإسلام على يد عائلتين إسبانيتين.

من اليمين إبراهيم تشيفتشيف وماركوس تشيفتشيف ومصطفى تشيفتشيف (الجزيرة)

المسلمون الإسبان
بعد ظهور حركة "الساباتيستا" عام 1994 في ولاية "تشياباس" وانتشار أخبارها في العالم، قرر الشيخ "أحمد نافع" واسمه القديم "أوريلينانو بيريس أورويلا" أن يلتقي القائد ماركوس قائد ثورة الساباتيستا ليدعوه للإسلام، لكن الأخير رفض، وفق رواية عائلة تشيفتشيف التي تختلف في تفصيل صغير عما أخبرني به "عبد الرحمن لاغوس" وهو إسباني اعتنق الإسلام أواسط التسعينيات وانتقل من مدريد إلى غرناطة ثم تشياباس.

وأخبرني لاغوس أن الشيخ نافع اعتنق الإسلام أواخر سبعينيات القرن الماضي، وأنه ينتمي للطريقة الصوفية المرابطية المنحدرة من جنوب المغرب وانتشرت في غرناطة الإسبانية.

يقول "عمر أورويلا" ابن الشيخ نافع إن هدف والده كان نشر الإسلام في أميركا اللاتينية، وحين زارها وجد أن المكسيك ليس بها مساجد كبيرة وليس هناك معرفة بالإسلام، وتوافقت زيارته مع ظهور ثورة الساباتيستا، فزار المدينة وقرر البقاء فيها.

ووفق عبد الرحمن وعمر فإن عدد المسلمين بلغ ألفي مسلم -لم يعودوا جميعا مقيمين في تشياباس- منذ قدوم الإسبان، بينما أخبرتني مجموعة مسلمي الطريقة الأحمدية أنهم ربما لا يتعدون أربعمئة مسلم فقط.

مسلمون من السكان الأصليين ينتمون للطريقة الأحمدية (الجزيرة)

بذور الخلاف
بعد استقرار الشيخ نافع في سان كريستوبال عام 1995، دعا بعض الزعماء من السكان الأصليين، ومن بينهم الوالد تشيفتشيف، وأرسل الأخير ابنه إبراهيم بدلا عنه وكان عمره حينها 15 عاما. اعتنق إبراهيم الإسلام ثم والدته نورا (خوانا إرناندس-سابقا) التي أقنعت زوجها لاحقا باعتناق الإسلام الذي كان الأسلوب الوحيد كي يهجر الخمور التي يتعاطاها السكان الأصليين بكثرة، ثم اعتنقت باقي العائلة الإسلام.

وبعد سنوات أخذوا بالابتعاد عن مجموعة "المسلمين الإسبان" بسبب تدخلات الإسبان في نظام حياتهم، كمنعهم -على حد قولهم- من أكل خبز الذرة (التورتيا) أو الحديث مع غير المسلمين من العائلة والأصدقاء، والتدخل في تفاصيل تتعلق بلباسهم، واعتبروا ذلك نوعا من فرض الوصاية عليهم خلافا لرسالة الإسلام.

تزوج إبراهيم عام 2001 بـ "جنة لوبيس" الإسبانية الأصل. سافرا مع أبنائهما عام 2007 لغرناطة، بهدف التعرف إلى الإسلام الحقيقي من مصادر مختلفة، وليس كما يدرّسه الشيخ أو "الأمير" نافع.

سفر جنة خلافا لرغبة والدها (من مجموعة الإسبان) ثم انتمائها للطريقة الأحمدية مع زوجها جعل والدها يقاطعها وعائلتها حتى هذه اللحظة، رغم أن مسجد "الإسبان" والطريقة الأحمدية يفصلهما شارع واحد فقط.

قبل هذا التاريخ، وتحديدا عام 1999، انتقل ابن عم إبراهيم، يحيى تشيفتشيف، للعاصمة المكسيكية، وهناك تعرف إلى مجموعة ذات ميول سلفية، وأسس إلى جانب عمر ويستون وعيسى روخاس مركز الكوثر الإسلامي. بينما تنتمي مجموعة أخرى للطريقة الصوفية النقشبندية الشامية، ويتزعمها إمام سوري.

تحول إبراهيم وعائلته لاحقا للطريقة الأحمدية، ما زاد من عمق الشرخ بين هذه المجموعة ومجموعة الإسبان. يقول إبراهيم مصدر مجموعتهم القرآن الكريم، وهم يتبعون سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لكن الطريقة الأحمدية تحترم هويتهم الثقافية وحرياتهم الشخصية، كما أنه ليس لديهم مشكلة مع المجموعة الإسبانية التي ترفض الاعتراف بهم كمسلمين.

من الفعاليات الجماعية التي ينظمها المسلمون في عيد الفطر (رويترز)

مع الإسبان من جديد
رغم أن المسلمين في مجموعة الإسبان خليط من إسبان وسكان أصليين وأبناء المدينة عامة، ورغم انتمائهم للطريقة الصوفية "المرابطون" لكنهم معروفون بالمسلمين الإسبان، ربما لعامل مهم يتعلق بالقيادة، فحين الحديث عن تلك المجموعات يُذكر اسم المسؤول عنهم مباشرة.

توجهت لمسجد الإمام مالك الذي لم ينته الإسبان من بنائه بعد، ولدي اعتقاد أنهم سيرفضون إجراء مقابلة صحفية، كما كان أخبرني عدد من الأصدقاء. بعكس توقعاتي، استقبلني الإسبانيان عبد الرحمن لاغوس وعمر ابن الشيخ نافع، وأخبراني أن عدم انفتاح المجموعة على الصحافة سببه تجاربهم مع وسائل إعلام كثيرة ربطت بينهم وبين مجموعات "متطرفة" أو حوّرت أحاديثهم.

توقفت عند مسألة منعهم من تناول "خبز الذرة". ضحك لاغوس حينها مع عمر وقالا إن هذه إحدى الحجج التي يسوقونها لتبرير انفصالهم. لاغوس قال إنه متزوج من امرأة من السكان الأصليين، وهي تطهو طعامهم وتستخدم خبز الذرة.

لا تتدخل أية مجموعة في السياسة رغم خروج الأحمديين في مظاهرة خلال الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014، كما أن علاقتهم مع الكنائس والمعابد الأخرى قائمة على الاحترام.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

في المكسيك من يُحيي العربية الفصحى؟

في المكسيك من يُحيي العربية الفصحى؟

بالإسبانية والعربية والسريانية، أقام الأب يعقوب البدوي قداسا بمناسبة احتفالية بلوغ فتاة من عائلة مكسيكية سن الـ 15، وهو تقليد متبع في المكسيك والقارة اللاتينية عموما. كان القداس في كنيسة "سيدة لبنان" بالعاصمة مكسيكو سيتي، لكن الاسم لا يعني أنها محصورة على الجالية المسيحية اللبنانية، بل مفتوحة لجميع المكسيكيين لإقامة قداسهم في مناسباتهم الخاصة (احتفالية الـ 15 عاما للفتيات مثلا).
الكورال الذي كان يغني في القداس من طلاب الأب يعقوب من المكسيكيين الذين علّمهم بنفسه اللغتين العربية والسريانية، لاستخدامهما في أناشيد قداس الكنيسة.

بعد لحظات من انتهاء القداس، دخل الأب بيته الملاصق للكنيسة حيث كنت أنتظره ريثما يغير ملابسه الدينية، فاللباس الديني محصور في أماكن العبادة، ويحظر على رجال الدين استخدامه خارجها، وفق دستور الدولة العلماني.

بعد لقائي به، دعاني للعشاء مع بقية "الخوارنة" وأصدقاء من الجالية اللبنانية، وكانت التبولة والحمص والخبز العربي حاضرة على المائدة بجانب التورتيّا المكسيكية.

كنيسة مار شربل من الخارج، وهي كنيسة قديمة كان يمتلكها الإسبان ثم أصبحت للبنانيين الموارنة (الجزيرة)

العربية وأصولها
عام 1999، أرسلت مؤسسة الرهبنة اللبنانية الأب يعقوب للمكسيك ضمن "الرسالة" التي أنشأتها عام 1960، في حين أنهت بناء البيت التابع لها عام 1971. بعد أسبوع من وصوله وتردُّدٍ ما بين البقاء بالمكسيك أو العودة للبنان، انحاز للخيار الأول، وبدأ تعلم الإسبانية في جامعة "أونام".

علّقتُ على هذا بقولي إن لهجته اللبنانية تظهر بشكل طفيف في كلامه، فقال إن لبنان بالنسبة له كل شيء، فهو "لبو حنون" بالسريانية التي تعني "القلب الحنون" الذي لا يمكن التخلي عنه.

ولأن الكنيسة المارونية جزء من الكنيسة الكاثوليكية المنتشرة أصلا في المكسيك، فقد سألته عن سبب إرسال الرهبنة اللبنانية رهبانا لبنانيين للجالية، فقال إن السبب هو التواصل مع اللبنانيين أينما كانوا، وإحياء الحس الوطني فيهم، مستشهدا بقول الشاعر اللبناني سعيد عقل "حيثما كنا نبني لبنان".

وهكذا، عمل الأب يعقوب بمساعدة أفراد من الجالية على تعليم جوقة الكنيسة الألحان والأناشيد الكنسية السريانية وترجماتها للعربية والإسبانية، حيث يعطي دروسا في الموسيقى الكنسية والفولكلور اللبناني، واللغتين والعربية والسريانية. كما أنه درَّس العربية لطلاب جامعة "إيبيرو" في العاصمة.

قاطعته حين قال إنه يدرّس العربية "على أصولها" متسائلة عما يعنيه ذلك، فقال إن جزءا من الجالية اللبنانية يعلّم اللهجة اللبنانية، ولديهم كتب تعليمية وأقراص مدمجة لتعليم الطلاب، أما هو فيفضل تعليمهم العربية الفصحى بقواعدها، ليكونوا قادرين على قراءة وفهم أي نص عربي وكتابته، والقدرة على التواصل مع العرب من غير اللبنانيين أيضا.

أبعد من ذلك، فهو بصدد نشر منهاج خاص لتعليم العربية يراعي التقارب في مخارج الحروف بالعربية واللهجة المكسيكية.

أول معجم إسباني عربي ألفه المهاجر اللبناني ميغيل صباغ ويحتفظ به قيصر عفيف في مكتبه (الجزيرة)

الخلفية اللغوية والثقافية والموسيقية لدى الأب يعقوب جعلت نشاطه فيما يتعلق بتواصل الجالية اللبنانية مع وطنهم يتم عن طريق الجوقة، فهي "تقربهم لله وأيضا تقربهم للبنان، لأن الموسيقى عنصر أساسي للمحافظة على الوطنية والعودة للجذور. الموسيقى السريانية عمرها أكثر من 1600 سنة، ونترجم كلماتها للإسبانية والعربية مع اللحن والتقليد السرياني الماروني".

وتُقيم الجوقة احتفالاتها بتلك اللغات والألحان سنويا في "بلاسا لوريتو" قبل عيد الميلاد والجمعة العظيمة، والدخول متاح للجميع. وهذا العام، أقامت الكنيسة في أبريل/نيسان 2017 نشاطا بعنوان "لبنان بوتقة الحضارات" وضم معارض لرسامين ونحاتين لبنانيين، كما حضر موسيقيون من لبنان للعزف مع الجوقة كالموسيقي عماد مرقص.
شرائط يعلقها مرتادو الكنيسة على تمثال القديس مار شربل ويكتبون فيها أمنياتهم التي تحققت بعد طلب شفاعته (الجزيرة)

مار شاربل مكسيكيا
قبل عام 1977، لم يكن للقديس اللبناني "مار شاربل" حضور في المكسيك. ومع انتقال ملكية كنيسة "بالبانيرا" من الإسبان للموارنة اللبنانيين، أصبح أيقونة ومقصدا لطالبي شفاعته من المكسيكيين واللبنانيين المؤمنين برسالته، على حد سواء.

يقول الأب يعقوب إن مار شربل ظاهرة غربية، ففي عام 1950 كان قد مضى خمسين عاما على وفاته، وحين فتحوا تابوته كان جسده سليما، ورشح منه دم ومياه، ومنذ ذلك الوقت يقصده المؤمنون الكاثوليك لطلب الشفاعة والاستشفاء.

وصلت كنيسة مار شربل وسط العاصمة صباحا، وكان القداس هذه المرة لتعميد طفل مكسيكي، على مدخل الكنيسة يبتاع الناس صور القديس، يحفظونها في محفظاتهم كحرز. يقصدون الكنيسة للاستشفاء وطلب الشفاعة، وبعد أن تتحقق أمانيهم يعلقون شريطا مكتوبا عليه ما تحقق من أمنيات بشفاعة القديس مار شربل.

أخبرتني "جوزيل"، وهي مهاجرة لبنانية، إن تلك عادة مكسيكية وليست لبنانية، ابتدعها المكسيك كنوع من العرفان والشكر، أما "قيصر عفيف"، وهو مهاجر لبناني يعمل في تصميم إطارات اللوحات الفنية وبيعها، فيقول إن أكثر المبيعات في متجره الواقع وسط مكسيكو سيتي هي للقديس مار شربل.

فعاليات تنظمها الجالية الفلسطينية في المكسيك في المناسبات الوطنية الفلسطينية (رويترز)

عربيان يتحدثان شعرا
عفيف مهاجر لبناني مقيم في المكسيك منذ أكثر من ثلاثين عاما، وقبل ذلك بكثير كان جده قد هاجر مع زوجته، وأقام في مدينة بويبلا حيث أنجب ثلاثة أبناء منهم والد عفيف.

دُفن الجد في بويبلا بينما كبر الأبناء في لبنان، بعد أن عادت بهم الجدة لموطنهم الأول، وكانت عودة عفيف للمكسيك بناء على وصية كان قد تركها عمٌّ له وكان عليه تنفيذها بنفسه، وحين أتم الأمر وأراد العودة للبنان اشتعلت الحرب الأهلية فقرر البقاء في المكسيك.

في متجر عفيف، كنت أقابل في كل مرة أزوره بها في مكتبه أصدقاءه من مكسيكيين أو عرب ومنهم لبنانيون، حتى مررت به في أحد الأيام فالتقيت يمنيا يهوديا من الجيل الرابع، كان يقرأ قصيدة من قصائده لعفيف بالعربية والإسبانية، حين دخلت المكتب. تمكنت من سماع جزء من القصيدة قبل أن يقول لي إنه لا يؤمن بالأعراق ولا يُمارس الدين اليهودي في عائلته، إلا من زاوية ثقافية وتاريخية، وهو ينحدر من "شبام" في اليمن، ولم يشأ أن أذكر اسمه في التقرير.

أُقيم منذ 13 عاما في أميركا اللاتينية وهذه المرة الأولى التي أقابل فيها عربيا من الجيل الرابع يتحدث لغته العربية التي قال إنها اللغة الأم في البيت، وكان يعني اللهجة اليمنية، أما العربية الفصحى فقد تعلمها في الكنيسة اللبنانية المارونية، كما أنه يتحدث العبرية.

اكتسب الرجل تلك الثقافة من الجد الأكبر الذي علّم العائلة "التفكير بالآخر" والقيم "اليمنية" المتعلقة بأخلاق احترام الآخرين، باعتبار البشر عائلة واحدة. كل ما يعرفه عن ظروف هجرة الجد الأكبر هو خروجه من اليمن ووصوله للدومينيكان، ثم استقراره في المكسيك، قبل إعلان الثورة المكسيكية عام 1910، حيث تؤكد عائلته أن العراب العربي "لإيميليانو زاباتا" كان جده، وفق قوله.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

ظلال عربية في الثقافة المكسيكية

ظلال عربية في الثقافة المكسيكية

مازحني الكاتب والأكاديمي المكسيكي "ميغيل أنخل بيريس" بالقول إنني ألفظ الكلمات الإسبانية في بعض الأحيان بطريقة "البايسانو خليل"، والبايسانو (Baisano) لفظ يقابله بالعربية "بلديّاتي" أو "قريبي"، ويستخدمه المهاجرون العرب كثيرا.

وأخبرني بيريس أنه خلال العصر الذهبي للسينما المكسيكية، أدّى الممثل المكسيكي "خواكين باردافي" دور المهاجر اللبناني في فيلم "بلدياتي خليل" عام 1942، ولم يكن الممثل ليبرع في دوره لولا تأثير اللبنانيين في مختلف مجالات الحياة في المكسيك، ومن بينها الثقافة والفن.

وعدا عن السينمائيين ذوي الأصول اللبنانية كالمخرج "ماوريسيو زكريا" والممثلين "سلمى الحايك" و"ماوريسيو غارسيس" و"غاسبر حناينة" والأخوين "ديميان" و"برونو" بشر، فقد انتشرت كتابات "جبران خليل جبران" في أوساط المهاجرين العرب في أميركا اللاتينية عموما.

وفي مكسيكو سيتي، يضم "متحف سمية" الذي بناه رجل الأعمال اللبناني "كارلوس سليم" باسم زوجته المتوفاة؛ قسما لأعمال خليل الفنية ورسائله بالإنجليزية والعربية. وتكشف الرسائل العربية جانبا ساخرا طريفا من شخصية خليل، لا يظهر في أعماله التي يغلب عليها العاطفة المفعمة بالحزن والألم.

والمتحف مبني على شكل المنضدة التي توضع فوقها المنحوتات الفنية، وبه أقسام فنية وتحف مختلفة، كان سليم قد جمعها مع زوجته خلال أسفارهما قبل أن يقرر بناء هذا المتحف وضمه جميع الأعمال الفنية والتحف الأثرية، وجعل الدخول مجانا للجميع.


نماذج من رسائل جبران خليل جبران في متحف سمية بالمكسيك تكشف جانبا ساخرا من شخصيته (الجزيرة)

إعادة بناء الجسور
ظل تأثير الأدب بين الثقافتين العربية والمكسيكية محصورا داخل حدود القارة اللاتينية عبر الفنانين والكتّاب من أبناء المهاجرين العرب، ولعل الشاعر "خايمي صغبيني" أبرز مثال على ذلك، وقد أخبرني الشاعر "بالام رودريغو" -وهو من أبناء ولاية تشياباس التي كان يقيم فيها صغبيني من وقت لآخر- أن الأماكن التي كان صغبيني يقرأ فيها شعره كانت تمتلئ بمحبي الشعر، وأن الناس كانوا يحفظون قصائده عن ظهر قلب.

وفي يونيو/حزيران 2017، منح الملتقى العالمي للشعر في المكسيك "جائزة الشعر" للشاعر المغربي "عبد اللطيف اللعبي". الجائزة نفسها يترأس لجنة التحكيم فيها الشاعر الفلسطيني "نجوان درويش"، كما أن الجائزة هي أول جائزة أدبية في المكسيك تُمنح لشعراء من العالم.

وفي الدورة الثانية من المهرجان عام 2014، كان ضيف الشرف الشاعر السوري "أدونيس"، أحد المرشحين لجائزة نوبل للآداب، ولم تخل السنوات اللاحقة من استضافات لشعراء عرب، وترجمات يُنجزها مشروع "دائرة الشعر" بالتعاون مع جهات ثقافية ودور نشر. ومن ضمن الدواوين الصادرة والمترجمة للإسبانية "نائم في غزة" لنجوان درويش.

الاهتمام بالشعر عامة والعربي على وجه الخصوص جعل التنسيق ممكنا بين الشعراء المكسيكيين المنظِّمين للمهرجان، ومنهم "علي كالديرون" و"ماريو بوخوروس"، ومن طرف آخر الشاعر الفلسطيني نجوان درويش الذي ضمه المهرجان للجنة التحكيم إلى جانب شاعر مكسيكي وآخر إسباني.
المهرجان وجائزته يقاطعان حضور شعراء من دولة الاحتلال الإسرائيلي، إذ شدّد كالديرون على القيمة الأخلاقية التي على الشعر أن يحملها، التي التزم بها المهرجان بعدم منحه منبرا باسم الشعر لدولة احتلال.

الشاعر أدونيس كان ضيف الملتقى الشعري بالمكسيك عام 2014، وبجانبه الشاعر المكسيكي الشاب علي كالديرو (الجزيرة)

الثقافة العربية ثقافة سلام
كان لقائي بالشاعرين علي كالديرون وميخائيل لاماس في مدينة بويبلا التي يدّرسان في جامعتها، وسرَّني أن الحديث عن الأدب العربي والثقافة العربية كان خاليا من الصور النمطية. وبرّر لاماس ذلك بأن الملتقيات الشعرية والتعاون الثقافي بينهم وبين الكتّاب العرب مؤخرا قد قرّبهم من المجتمعات العربية، وجعلهم يطلعون على القرآن الكريم الذي يظهر "السلام" في كثير من مواضعه.

كما أكد لاماس أهمية الترجمة، وهي من المشاريع التي يعمل عليها المهرجان، وقد تعاون مع الموقع الأدبي المغربي "إلكترون حر" للشعر، الذي يشرف عليه الشاعر المغربي "جلال الحكماوي"، ولفت النظر إلى أهمية ترجمة الشعراء العرب للإسبانية ذات اللهجة المكسيكية، حيث أنه من بين كل عشرة ناطقين بالإسبانية، هناك خمسة يتحدثون الإسبانية المكسيكية.

قراءة الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي لقصائده خلال الملتقى العالمي للشعر في المكسيك (الجزيرة)

لماذا عبد اللطيف اللعبي؟
السؤال طرحته على لاماس الذي قال إن الشعر العربي بشكل عام يثير اهتمام الناس بتياراتهم المختلفة، وبالنسبة للعبي فلم يكن اسما جديدا بالنسبة لإدارة المهرجان ولا بالنسبة لمحبي الشعر، فهو قادم من ثقافتين؛ العربية والفرنسية، ومدافع معروف عن القضايا الإنسانية التي دفع ثمن تبنيها.

شاطره الرأي نجوان درويش، الذي يقول: من بين الأسماء الشعرية المطروحة كان تحمسه باتجاه اللعبي إنصافا للشعر العربي. ورغم ما هو معروف عن نضال عبد اللطيف اللعبي على المستويين الاجتماعي والسياسي، لما يزيد على أربعين عاما، فإن الجائزة منحت له ضمن سياق شعري بحت وليس سياسيا.

كما أن إدارة اللجنة صوتت على منحه الجائزة، لتكون قيمتها أدبية ونضالية؛ فاللعبي -كما قال نجوان في اتصال هاتفي معه- "لم يركن للمكانة التي يحظى بها حاليا في الوسط الأدبي، وما زال شاعرا مشاكسا بمواقفه، التي كان آخرها مناشدته الحكومة المغربية التدخل لإنصاف نشطاء حراك الريف".

وقبل أن ينتهي لقائي بالشاعرين كالديرون ولاماس، أشرت إلى صورة شعار المهرجان لمعرفة صاحبها، ومن الإجابة عرفت أن الاهتمام بالشعر لدى المكسيكيين ليس أمرا جديدا، فقد كانت الصورة للإله "سوشيبيلي"، إله الزهور والموسيقى والفنون لدى شعوب الأزتيك.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

راهبات بويبلا يبدعن الأطباق المكسيكية

راهبات بويبلا يبدعن الأطباق المكسيكية
تحمل أطباق الطعام في المكسيك تاريخا وقصصا؛ فالبلاد ذات المكونات العرقية المتعددة ينعكس اندماجها في الحياة الثقافية، ومن ضمنها المطبخ المكسيكي المعروف عالميا، وربما أكثر ما اشتهر به خبز الذرة "التورتيا".

اعتبرت شعوب المكسيك القديمة الذرة عماد الحياة، لدخولها في معظم المكونات الغذائية، خاصة في وجبات الطعام الرئيسية؛ فطبق "التشيلاكيلي" يتناوله المكسيكيون غالبا في وجبة الإفطار، وهو مكون من قطع من خبز الذرة المقلي، مضافا إليه الجبن والكريمة الحامضة، إضافة إلى صلصة من طماطم حمراء أو خضراء وفلفل أخضر.

والتشيلاكيلي جزء أساسي على مائدة الفقير والغني في المكسيك، وقد تُضاف إليه قطع صغيرة من لحم الدجاج. وتتنوع ألوان الذرة في المكسيك من أبيض لأصفر إلى أحمر، فيكون الخبز بلون الذرة المصنوع منها.  

مطعم شعبي بتصاميم فولكلورية تأسس منذ 100 عام (الجزيرة)

الطبخ في الأديرة
السير في شوارع بويبلا ترافقه حيرة في اختيار الطبق الذي ستختاره للأكل، والأطباق فيها ارتبطت بالراهبات ومطابخ الكنائس والأديرة المنتشرة فيها، وتبلغ نحو 360 معبدا دينيا مسيحيا، بين كنيسة ودير وصومعة... إلخ؛ فحين وصل الإسبان لها ورأوا معابد السكان الأصليين قرروا بناء كنيسة فوق كل معبد قديم لطمس هوية البلد الدينية.

كان من مهام الراهبات في ذلك الوقت تحضير الوجبات واختراع وصفات جديدة، وهكذا تخصصت بعض الراهبات في فن الطهي لمناسبات اجتماعية، وأيضا بهدف بيعه للناس واستخدام مردوده لنفقات الكنيسة.

توقفتُ عند أحد المطاعم ذات التصاميم الفولكلورية الملفتة وسط المدينة، والتقيت "سيسار تينوكو كامبو" مالك المطعم، الذي أسسته جدته منذ مئة عام، وتوارثت العمل فيه أجيال من العائلة.

كنت جربت طبق "المولي" سابقا، وهو طبق يحتوي على لحم دجاج وأرز ملون وخضار، لكن ما يميزه هو صلصة ظننتها بداية "شوكولاتة"؛ فالصلصة مكونة من مسحوق بذور الكاكاو والكثير من البهارات والتوابل التي قال "سيسار" إن هناك قصصا متعددة حول اختراع هذا الطبق، لكن ما هو معروف عنها هو أن الأم الكبرى طلبت من إحدى الراهبات تحضير وجبة طعام، فقررت الراهبة خلط كل ما وقعت عليه يدها من توابل في المطبخ، واستخدمت لوحا حجريا لطحن التوابل وخلطها.

وكانت الراهبات الأخريات يقضين الوقت ممتنعات عن الكلام، فلم يستطعن السؤال عن الرائحة الزكية المنبعثة من أرجاء الدير، حتى قررت الأم الكبرى كسر الصمت حين سألتها عما تطحن، مستخدمة تصريفا خاطئا للفعل "طحن" أو "مولير" (Moler) فالتصق الاسم بهذه الوصفة التي تعني "مطحون".

 

أكبر ساندويش أعدت من التورتيلا المكسيكية الشهيرة بوزن 820 كغم وطول67 مترا (رويترز)


ومهما كانت صحة تلك القصة، فالأكيد هو أن الطبق مزج بين عناصر مما قبل الغزو الإسباني بعناصر غذائية دخلت مع الإسبان؛ فالكاكاو يستخدمه السكان الأصليون في الأطباق الرئيسية مثلا، وهو كاكاو مُرّ ليس به سكر.

والتوابل أدخلها الإسبان معهم للقارة الجديدة، وهي أصلا مستوردة من الشرق، أما الدجاج فلم يعرفه السكان الأصليون إلا بعد دخول الإسبان الذين اصطحبوا معهم حيوانات من العالم القديم، كالدجاج والخنزير والحصان، حتى أن السكان الأصليين اعتقدوا بأن هناك مخلوقا بستة أقدام حينما رأوا الإسباني راكبا على حصان، إذ ظنوا أن الرجل والحصان تحته مخلوق واحد.

ومن الأطباق الأخرى المعروفة في المكسيك التي طبخت للمرة الأولى في بويبلا الـ"تشيليس إنوغاذاس"، حيث يقول سيسار إن راهبات "سانتا مونيكا" كان عليهن تحضير طبق لاستقبال إمبراطور المكسيك "أغوستين إيتوربيد" عام 1821 في بويبلا، فجهزت الراهبات طبقا من الفلفل المحشو واستخدمن الفاكهة والبندق واللوز وأعددن صلصة، واعتبرن الطبق من الحلويات، إذ كان مزيجا من الطعم الحلو والمالح مع عشرين نوعا من التوابل.

وحينما أكل الإمبراطور من هذا الطبق سألهن عنه فأخبرنه أنه نوع من الحلويات جهزته راهبات الدير، فعلَّق بأنه طبق رئيسي. ويقال إن الراهبات قد زيّنه بطعام يعكس ألوان العلم المكسيكي؛ فالصلصة بيضاء من الطحين والسكر والقرفة، وتزين بحبات الرمان الحمراء والبقدونس.

أدخل اللبنانيون المهاجرون في المكسيك طبق التاكو العربي الذي يُستخدم فيه خبز الطحين عوضا عن خبز الذرة. (الجزيرة)

ترحيب بمطابخ جديدة
ومع وجود هذا التجانس والتصالح بين مكونات ما قبل الغزو الإسباني وما بعده، فإن أصنافا معينة من الطعام استمر وجودها لليوم، ولكن على مستوى ضيق جدا، كالطبق الذي يطهى من لحم كلب الـ"سولويتسكوينتلي" (Xoloitzcuintle)، وهو طبق من فترة ما قبل الغزو الإسباني.

أما الأطباق التي ما زالت تؤكل حتى اليوم وهي من فترة ما قبل الغزو، فهي طبق من بيض النمل المسمى "إسكاموليس" ودود يتكاثر حول شجرة "الماغاي" في مواسم معينة، حيث كانت قبائل الميشيكا تعتبر من لديه شجرة ماغاي شخصا غنيا، إذ يُستخرج من أوراقها عصير وتُستخدم أوراقها في بناء البيوت، ومن ترابها ينمو في مواسم معينة هذا النوع من الدود.

سألت سيسار عن مدى إقبال الناس على هذا النوع من المأكولات في المطعم، فقال إن معظم الزبائن يفضلون الطعام المكسيكي "المخلط"، والقليل جدا يسأل عن المأكولات القديمة.

مقابل مطعمه استوقفتني لافتة مطعم كتب عليها "تاكو عربي" (تاكوس آرابيس)، وهي رقائق من خبز الطحين مع لحم مقطع داخلها وصلصة معدّة على الطريقة اللبنانية في تحضير الشاورما، لكن حين سألت البائع عن نوع اللحم المستخدم أخبرني أنه لحم خنزير.

ووصل هذا الطبق لبويبلا بوصول المهاجرين اللبنانيين والعرب في بدايات القرن العشرين، لكن المكسيكيين استخدموا لصنعه أيضا لحم الخنزير لتوفره أكثر من لحم الضأن، ففي ما يبدو المطبخ المكسيكي كبلاده مفتوح لاستقبال الجميع.

السابق

السابق

التالي

السابق