رافع أبو رحمة - توربان

ما إن تُذكر الصين حتى يُذكر معها سورها العظيم، ذلك السور الذي بقي لغزاً في أذهاننا إلى أن وقفنا على أطرافه مشدوهين بتعرّجاته التي تحتضن الجبال، ومأخوذين بجماليته وتاريخه الضارب في القِدم، فاعتقدنا أن وصف العظمة قد انتهى مع نهايات ذلك البناء التاريخي الشاهد على الحضارة الصينية العريقة.

ولكن من يزور إقليم شنغيانغ ذاتي الحكم لقومية الإيغور، فيزور منها مدينة توربان -الواقعة على بعد 192 كلم شرق العاصمة أورومتشي- سيشهد بيئة إيكولوجية متميزة وتاريخاً طويلاً ومواقع أثرية وثقافية، مثل أطلال مدينة جياوخه والمقابر القديمة والكهوف الصخرية والواحات.

وسيعلم زائر الإقليم أنه في ذلك المكان إنما يقف فوق قناة الصين العظيمة (سور الصين العظيم الثاني الواقع تحت الأرض)، وهي قناة محفورة تحت الأرض أطلق عليها السكان المحليون اسم "كاريز"، وهي كلمة ذات أصول فارسية قديمة تعني بالعربية "قناة" وينطقها أهل الصينية العامة "كا آر جينغ"، وهي خزان مياه يضمّ أكثر من 1100 قناة بطول خمسة آلاف كيلومتر.

لقد أجبر مناخ مدينة توربان الحار والجاف مع قلة الأمطار وارتفاع معدلات التبخر، سكان المنطقة القدماء على التفكير في طريقة تحفظ لهم عصب الحياة المتمثل في المياه. فبحسب بيانات مركز معلومات المدينة، فإن درجات الحرارة العظمى في فصل الصيف تصل إلى نحو خمسين درجة مئوية، ومعدل الأمطار السنوي يقارب 17 مم، أما معدل التبخر السنوي فيصل إلى 3000 مم.

هذا الوضع دفع السكان  لبناء خزانات للمياه تحت الأرض، والتي تطوّرت بحكم الحاجة والخبرة إلى قناة "كاريز" المكونة من عدة فتحات عمودية في سطح الأرض على مستويات مختلفة، وقناة أرضية مفتوحة تصل في ما بينها على التوالي، وتنتهي بسدٍ يمنعها من الفيضانات في منطقة تسمى الخزان أو الواحة، وتغطيها على الجانبين أشجار متلاصقة تحميها من التبخر بفعل أشعة الشمس.

عامود لقياس درجة الحرارة في توربان تحت الشمس يشير إلى قراءة 78 درجة في الصيف (غيتي )


ولإنجاح تلك الفكرة استثمر منفذوها منحدرات الجبال لبناء الفتحات العمودية والأنفاق في الصحراء القاحلة، لضمان تدفق المياه، ولتجميع أكبر قدر ممكن من مياه الثلوج والأمطار والمياه الجوفية وجلبها إلى واحة كاريز لتمكين الناس من الشرب والري، دون الحاجة إلى أي قوّة دافعة أو محركة. ومن ثم عمدوا إلى استخدام الطين اللزج الغني بالكالسيوم لتبطين المجاري المكشوفة من القناة وتلك الموجودة تحت سطح الأرض وكذلك الآبار، لتكون حلاً فعالاً لمشكلة التبخر وشحّ مياه الأمطار.

وتعتبر قناة كاريز التي تنقل المياه من أعماق الأرض إلى السطح، واحدة من أعظم الهياكل القديمة التي صنعها الإنسان في الصين، جنبا إلى جنب مع سور الصين العظيم والقناة الكبرى. ولا تزال في الوقت الحاضر مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة تروى بمياه كاريز التي كانت تستخدم سابقاً للتنمية الزراعية وللشرب في الاستخدام المنزلي.

وتقع معظم قنوات كاريز وواحاتها في الصين بمنطقة توربان، والتي تبين الدراسات التاريخية أنه يعود تاريخ بنائها إلى عهد أسرة هان، أي إلى ما قبل ألفي سنة مضت، ولكن في الواقع العملي على الأرض لم يتمكن المختصون من العثور على كاريز واحد يزيد تاريخ بنائه عن ألف عام.

وللوقوف على الخدمات التي تقدمها قنوات كاريز لمدينة توربان ولإقليم شنغيانغ في الوقت الحالي، في ظلّ تطور أساليب ووسائل معالجة المياه ونقلها، وجهنا بعض الأسئلة للخبير في الشؤون الزراعية بالمدينة تشن شين ووي، فأجاب بأنه رغم وصول المياه إلى البيوت وتطور وسائل معالجة ونقل المياه.

 إلا أن قنوات كاريز لا تزال تشكّل مجالات خدمية حيوية تتمثل في الريّ الزراعي ومياه الشرب لأكثر من خمسين ألفا من الأشخاص ومئة ألف رأس من الماشية. كما تعتبر مصدراً مهماً للمياه النوعية ذات الجودة العالية في المنطقة لما تحتويه على معادن ومكونات طبيعية. وتشكّل واحات كاريز مكانا للترفيه والاستجمام بحكم وجود الأشجار الكثيرة والمياه الباردة والهواء العليل.

وحول أصل التسمية لهذه الشبكة المائية، وعلاقة هذا الاسم وتصميم الشبكة بشبكة المياه الإيرانية التي يعود تاريخها إلى أكثر من 2500 عام حسب ما هو معلن، قال الخبير تشن إن آبار وقنوات كاريز موجودة في الدول المجاورة للصين أيضاً، بما في ذلك أفغانستان وإيران وباكستان، وتوجد أيضاً في مقاطعات صينية أخرى مثل: كانسو وشنشي وشانشي، ولذلك فإن الأصول التاريخية للاسم والفكرة تقوم على عدة نظريات لم يثبت تقديم إحداها على الأخرى.

أحد قنوات الماء (كريز) مغطاة بالزجاج للحفاظ على نظافة الماء (الجزيرة)


فمن حيث الاسم اشتركت منطقة آسيا الوسطى في مرحلة ما باستخدام اللغة الفارسية القديمة، أو على الأقل تداخلت بين مناطقها بعض الكلمات والمسميات. ومن حيث هيكلية البناء، يظهر اختلاف بين مجموعة قنوات كاريز في تلك الدول، وقد يكون المرجع في ذلك الاختلاف الطبيعة الجغرافية المميزة لكل منطقة، وقد يكون الفارق الزمني في بنائها، بمعنى تطوير واحدة عن أخرى.

وباعتبارها أحد مكونات "التراث الثقافي الحي" النادرة التي لا تزال قيد الاستخدام على طريق الحرير، تواصل قنوات كاريز أداء دور هام حتى اليوم، ولكنها تواجه تحديات هائلة أيضاً، الأمر الذي دفع باتجاه إطلاق مشروع لصيانة قنوات الكاريز في شنغيانغ كان قد بُدئ في مراحله الأولى مع نهاية العام 2009، واكتملت حتى الآن أربع مراحل من أعمال الحماية بتكلفة بلغت 45 مليون يوان صيني (سبعة ملايين دولار)، وشملت المرحلة الأولى إصلاح 108 قناة، وعززت القنوات التحتية على امتداد نحو 18 كلم، وجرّفت الأتربة المتراكمة في نحو 600 كلم، وأعيد فتح نحو عشرة آلاف فتحة عمودية.

وفي المرحلة الخامسة التي بدأ الإعداد لها مع بداية العام الجاري، يجري العمل على تجديد 15 قناة لغايات حماية "سور الصين العظيم الثاني الواقع تحت الأرض".

وما إن تنقضي مرحلة الصيانة والحماية وتمرّ على توربان المرحلة العصيبة من تجديد شريان حياتها، حتى يعود الكاريز ليغذي الحقول والكروم الخضراء، ويعود بمياهه العذبة الباردة واحة تطلّ على صحراء، فتعود توربان كما وصفها كتاب صحراء غوبي بأنها "جزيرة خضراء في بريّة رملية".

المصدر : الجزيرة