سامر علاوي - مسقط


طوّر العمانيون عبر آلاف السنين نظاما متميزا للري، يعرف باسم الأفلاج، يقوم على سحب المياه الجوفية في قنوات طويلة تحت الأرض تمتد إلى داخل الجبال، وتوزع على المزارعين في حصص متساوية.

وأصبحت هذه الأفلاج في العصر الحديث علامة فارقة للتراث العماني، فهي تستعصي على التغيير أو التطوير مخافة الإضرار بالتراث أو الإخلال بالتركيبة الاجتماعية، وما زال الأهالي يتولون إدارتها والإشراف عليها، بينما يقتصر دور الدولة على المساعدة في ترميمها والحفاظ عليها، بوصفها قيمة إنسانية وتراثية.

 

تجمع مياه الأفلاج في أحواض قبل توزيعها على المزارعين في حصص تعتمد الأثر لمعرفة الحصص (الجزيرة)

أفلاج معدنية
تعد قرية "غلا" في العاصمة مسقط نموذجا لإدارة الأفلاج وتنظيمها، حيث يشرف وجهاء القرية على تنظيم عملية الري من عين ماء معدنية ساخنة، معتمدين نظام الحصص، وهو ما يطلق عليه محليا "الأثر"، نسبة إلى الأثر الذي تتركه المياه في جدار الحوض الذي تجمع فيه، حيث يلتزم كل مزارع بحصته حسب أثر المياه على جدار الحوض، مما يشير إلى حصة كل مزارع.

ويشمل تقسيم وقت الري ليلا ونهارا، حسب الجدول الذي يقره الوجهاء والشيوخ، وحسب رأي أحمد عبد العزيز الرئيسي -أحد وجهاء قرية غلا- فإن الأفلاج تمثل جزءا أصيلا من حياة أهل القرية وتراثهم وتقاليدهم، إضافة إلى الهدف الأساسي المتمثل في ري مزارع النخيل والحمضيات، ولذلك فإنهم يرفضون تطوير الأفلاج بما يخالف ثقافتهم أو التأثير على منسوب الينابيع بحفر قنوات مائية موازية للعيون والأفلاج التاريخية.

ويضيف -في حديثه لمجلة الجزيرة- أن منسوب المياه لا يتأثر بزيادة كمية الأمطار ونقصها، ولم يعرف أنه نقص أو زاد صيفا أو شتاء، أو بزيادة كمية الأمطار ونقصها على مدار التاريخ.

ويرى الرئيسي -وهو ضابط متقاعد في سلاح الجو العماني- أن "الأهالي يحرصون على عدم ضياع حصص المستفيدين من الأفلاج في ري مزارعهم". ويضيف أن "هذه الحصص قائمة وفق نظام عادل متعارف عليه منذ زمن بعيد، وأن محدودية مصادر مياه الأفلاج تجعلهم يخشون استثمارها تجاريا، بوصفها حقا لأهل المنطقة الذين يرفضون أي تدخل من شأنه أن يحدث تغييرا على بنيتها الأساسية".

سد القريات بالقرب من العاصمة العمانية مسقط (الجزيرة)

السياحة
يتردد الزوار بشكل يومي على عيون غلا للاستحمام والاستجمام في مياهها المعدنية الحارة، لما فيها من فوائد صحية، لكن هذه العيون تبدو غير مهيأة سياحيا. ويعزو الحاج علي بن خلفان الرقادي عدم وجود مرافق سياحية بجوار أحواض السباحة إلى الطبيعة المحافظة للشعب العماني، والخشية من تهديد السياحة للتقاليد والتراث.

ويقول الرقادي لمجلة الجزيرة إن "الأهالي لا يرغبون في استخدام الأفلاج في أغراض غير التي خصصت لها مثل السياحة، فهم يخشون من أن تؤثر المشاريع السياحية على تقاليد وثقافة الأهالي، وتعكر صفو حياتهم واستقرارها".

ويرى أن "الأفلاج خط أحمر لا يسمح بالمساس بها، باستثناء أعمال الصيانة، فيمنع حفر مسارات جديدة للمياه، لكن الأهالي لا يمانعون حفر آبار ارتوازية في محيط المنطقة لزيادة الموارد المالية إلى جانب الأفلاج".

إدارة المياه واحدة من عناوين التراث العماني (الجزيرة)

تنمية منضبطة
ويؤكد رجل الأعمال والناشط الاجتماعي سليمان بن أحمد الصلتي أن قرية غلا تمثل النمط العماني في الحفاظ على التراث؛ فبعض الولايات تحافظ بشكل كبير على تقاليدها كما تحافظ على مصادر مياهها التقليدية، على الرغم من بحث الدولة عن مصادر مياه جديدة تلبي الزيادة المضطردة للسكان، وتحسين مستوى حياتهم، كما حدث بالفعل في ولاية عبري والمنطقة الشرقية.

ويفضل الصلتي -في حديثه لمجلة الجزيرة- وجود تنمية سياحية منضبطة، ويعني بمنضبطة عدم التأثير على ثقافة السكان المحليين وابتزازهم بما قد يجلبه السياح معهم من انفتاح غير مقبول لدى المجتمع العماني.

ويضيف أن "المجتمع العماني رغم ما وصل إليه من الانفتاح على الآخرين خارجيا والتحرر داخليا، مثل المشاركة الفاعلة للمرأة في الانتخابات التشريعية وجلوس الشباب والفتيات إلى جانب بعضهم بعضا في الجامعات ومكاتب العمل، فإنه غير متصور أن يقبل المجتمع العماني الانفتاح السياحي المعروف في بعض الدول، الذي وصل إلى درجة الابتذال".

ويؤكد ضرورة أن تكون السياحة العمانية ضمن إطار الحفاظ على أخلاق المجتمع وتماسكه الأسري والاجتماعي والثقافي.

المصدر : الجزيرة