ياسين الكزباري - كينشاسا

أخبرني القنصل في سفارة الكونغو أن الفساد صار جزءا من الماضي، وبأن التأشيرة ستسلم خلال ثلاثة أيام، والتي امتدت إلى عشرة أيام، استلمت التأشيرة وسألت القنصل عن البطاقة الصفراء فأخبرني بأنها لم تعد ضرورية، وحين وصلت سألني ضابط الجوازات عنها فأخبرته بما أخبرني به القنصل، فرد علي "إنه بعيد هناك، فكيف له أن يعرف ماذا يجري هنا؟" فقلت لنفسي مرحبا بك في كينشاسا.

حين سألت الخبير الاقتصادي كريستيان (اسم مستعار) الذي يعمل سكرتيرا عاما في منظمة أجنبية تعنى بمشاريع التنمية البشرية عن الفساد لم أتوقع أن يعود بي نصف قرن إلى الوراء.

فقال إنه في سنة 1966 أقر البرلمان قانونا يلغي الملكيات المسجلة قبل الاستقلال، وكانت جل الأراضي ملكا للأجانب، وبعد سبع سنوات أعلن الرئيس موبوتو أن "الأرض وما تحتها ملك للدولة" فأممت ممتلكات الأجانب، وتعرضت البلاد لمقاطعة الغرب فاختنق الاقتصاد وعجزت الدولة عن دفع الرواتب.

خطب موبوتو في الشعب "الموظفون يأخذون رواتبهم مباشرة من الشعب، فصار المواطن يدفع مقابل أي خدمة إدارية، والمعلم يستلم راتبه من آباء التلاميذ، والجندي يمر في السوق ويتناول ما يشاء".

ويقول عقيد سابق "في ذلك العهد كان راتبنا عشرة دولارات فكنا ننام نهارا، ونترصد الناس ليلا، فإذا مر أحدهم نأخذ ماله". "لقد كنا مشردين" قالها فدمعت عيناه، ثم استرسل "ولما جاء كابيلا صرنا نتقاضى مئة دولار، وحينها شعرنا بالاحترام أمام الشعب، ومع مرور الزمن تبدلت الأحوال وغلت المعيشة فعاد الموظفون يعتمدون على الرشوة، أما كبار الموظفين -خصوصا العسكريين- فقد أغدقت عليهم الدولة الامتيازات حتى تأمنهم".

على ضفة نهر الكونغو الساحر هممت بالتقاط صورة لشجرة رائعة الجمال فإذا بجندي يجري نحوي "هذه شجرتي، لا تصورها". فسألته "إنها تبدو أكبر منك عمرا فكيف تكون شجرتك؟". فأجابني "لقد زرعتها وأنا صغير".

تبادلت معه أطراف الحديث فأخبرني بأن راتبه 46 دولارا. طلب منه مرافقي أن يلتقط له صورة مع سلاحه فوافق وهم بإعطائه له قبل أن أمنعه لخطورة ذلك عليه وعلينا، ثم ودعناه وأنا أتساءل كيف لجندي بائس أن يحمي وطنا؟. وتذكرت العقيد حين أخبرني بأن الموظف والجندي الكونغولي يراد لهما أن يظلا مشردين حتى لا يجد البلد من يحميه ولا تجد القوانين من يطبقها.

العملة المحلية في الكونغو تدنت قيمتها كثيرا بسبب انهيار الاقتصاد (رويترز)

22 على سلم الفساد
في تقرير منظمة الشفافية الدولية تحتل الكونغو الرتبة الـ22 على سلم الفساد، قرأت ذلك ولكن لم أدرك معناه إلا حين زرت البلاد.

"عندكم فاتورة بألف دولار لم تسدد بعد" قالها موظف شركة الكهرباء فطلبت منه أن يعود لاحقا حتى نستفسر عن الأمر، ثم اكتشفت أن كثيرا من الناس لا يدفعون فواتير الكهرباء، وحين يأتي الموظف لقطعها يدفعون له بضعة دولارات فيعود أدراجه.

وإذا تضخمت الفواتير المستحقة يذهب صاحبها إلى الشركة ويرشو المسؤول ليلغي الخط القديم ويفتح له خطا جديدا باسم آخر، وهكذا تتراكم الديون على شركة الكهرباء فلا تتمكن من تحسين خدماتها، ولعل هذا ما يجعل الكهرباء في متناول 10% فقط من الشعب.

وبهذا الخصوص زرت بلدية الحي وقابلت رئيسها فأخبرني بأن دخل البلدية للشهر السابق كان أربعين دولارا فقط، الدولة لا تدفع رواتب حقيقية للموظفين فيعيشون على دخل المؤسسات التي يعملون فيها، وهكذا وضع جميع الإدارات.

أين اختفى فلان؟ سألت كريستيان عن زميل له فأخبرني أنه حصل على فرصة ليكمل دراسته الجامعية في الخارج، "لكنه في الخمسين من العمر!" قلت له مستغربا، ولم أكد أصدق ما حكاه لي "الأمر بسيط جدا، لقد ذهب إلى الأحوال المدنية وغيروا تاريخ ولادته في كل الوثائق الرسمية ليصير عمره 25 سنة"، وحين أراد أن يدفع للمسؤول قال له "احتفظ بمالك فستكون بحاجة له هناك". لقد صار الوضع في الإدارة أقرب للتكافل منه إلى الفساد.

بدا لي كلام كريستيان وجيها، فماذا تعني بضعة دولارات تقدم لموظف تحت خط الفقر، بينما ملايين الدولارات تتطاير في الأعالي.

شرطة المرور لا يتقيدون بتنفيذ القانون فيلجأون إلى الركوب في السيارة المخالفة و مرافقتها إلى مقر الشرطة (الجزيرة)

الفساد في الأعالي
في لقاء مع رجل أعمال صيني سألته عن أشكال الفساد في عالم المشاريع الكبرى فحكى لي أن مستثمرا صينيا اهتم بدخول الكونغو، وبدل أن يتوجه إلى وزارة الاستثمار توجه مباشرة إلى رئيس الدولة واجتمع به في طائرته الخاصة التي حلقت فوق منجم ذهب يريد الاستثمار فيه، وهناك في الأعالي عقد الاتفاق، الرجل الصيني يحصل على المنجم، والرئيس يحصل على 22 % من الأرباح، لم أكد أصدق فضحك الصيني وقال "إنها مسألة شخصية، فما دخل الدولة فيها؟".

ثم أخبرني أن مشروع الطريق السريع الذي عقدته الحكومة مع شركة صينية بعقد قدره مئتا مليون دولار، كان هو الوسيط فيه، فالمشاريع الضخمة هنا لا تعتمد طلبات العروض وفتح المغلفات، وإنما تعتمد بالأساس على الوساطة، كم ستقدم الشركة للمسؤولين؟ هذا هو السؤال، وفي هذه الوساطة حصل الرجل على 0.5% من التكلفة الإجمالية للمشروع، أي مليون دولار.

وفي 2011 باعت الحكومة الكونغولية لرجل الأعمال الإسرائيلي دان غرتلر 25% من شركة جيكامين التي تعتبر رئة الدولة، فصرح وزير المعادن بأنه لم يخبر ولم يستشر بشأن هذه الصفقة الكارثية، أما صندوق النقد الدولي فقد ألغى قرضا للكونغو بقيمة 532 مليون دولار بعدما عجزت الحكومة عن إثبات جدوى الصفقة.

وفي 2006 باعت الحكومة اثنين من حقول البترول بقيمة خمسمئة ألف دولار، "إنهما أرخص من بعض الفيلات في كينشاسا" قال كريستيان، وأكمل "وبعد ست سنوات اشترت الحكومة الحقلين بـ194 مليون دولار، أي أغلى بـ380 مرة من سعر البيع".

مظاهرة لأحزاب المعارضة ضد الرئيس الكونغولي كابيلا احتجاجا على أوضاع البلاد السيئة (أسوشيتد برس)


ويقول جبريل وبعدما كثرت الانتقادات الموجهة للحكومة تفتق ذهن المسؤولين عن حل جذري بدل أن يسأل العالم: أين تذهب الثروات؟ فلنقل إنها نضبت أو إنها لم تكتشف أصلا. وهكذا صارت شركات تنقيب خاصة تابعة لرجال أعمال محددين تكتشف ثروات جديدة، ومن دون أن تعلن رسميا يتم استخراجها وبيعها لكن خارج إطار الدولة.

وقبل أن يزودني بتحقيق صحفي أعده باتريك فوريستيي عن تهريب اليورانيوم في إقليم كاطانغا قال لي جبريل "العالم كله مساهم في استمرار الفساد في هذه البلاد، لأنها الطريقة الوحيدة التي تمكنه من الاستمرار في سرقتها".

يكشف التحقيق الصحفي حقائق كثيرة، أبسطها أن الأجهزة المستعملة بالكشف عن خام المعادن غير فعالة أو غير حقيقية، وأخطرها أن مناطق شاسعة مغلقة من طرف الجيش، ويتم استغلال ثرواتها من طرف العصابات بالتعاون مع شركات عالمية.

"علينا أن نبقي المقابلة عامة، فموضوعنا هو دور الوكالة في تنظيم تجارة اليورانيوم" قاطع مسؤول التواصل في الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصحفي باتريك حين سأل عن تهريب اليورانيوم في الكونغو.

وفي نهاية المقابلة سأل الصحفي "هل أستطيع مقابلة خبير متخصص في حالة الكونغو؟" ليجيبه المسؤول "لا، الكونغو موضوع لا نستطيع الحديث عنه".

المصدر : الجزيرة