ظلت "كامبيتشي" لفترة طويلة أهم ميناء في شبه جزيرة "يوكاتان" وقد تحولت المدينة إلى قلعة حصينة بعد تعرضها للعديد من هجمات القراصنة، وتندرج حاليا على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، وتسعى لجذب المزيد من السياح.

وتدب الحركة والنشاط في مدينة كامبيتشي بعد غروب الشمس، عندما يهدأ لهيب الحرارة وينتشر نسيم البحر الكاريبي في الأزقة والطرقات، ويبدأ سكان المدينة في الخروج من منازلهم، وتظهر مجموعة من الأشخاص يعزفون على الغيتار في الميدان الرئيسي، وتظهر من خلفهم الكاتدرائية والأروقة المضيئة.

ولا تخلو هذه الصورة من بعض العشاق الذين يتنزهون في الميدان، وبعض الأطفال الذين يمرحون بالكرة، كما يظهر بعض الرجال والنساء بملابسهم الأنيقة، يتجاذبون أطراف الحديث وهم يجلسون على مقاعدهم القابلة للطي.

ومن الأمور المثيرة للدهشة رؤية أعداد محدودة من السياح بالميدان الرئيسي بالمدينة، على الرغم من أن البلدة القديمة مدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، والتي تشتمل على مجموعة فريدة من نوعها من المنازل الاستعمارية القديمة، المطلية بألوان الباستيل وأسوار المدينة القديمة والقلاع والحصون، وقد تأثرت هذه الكنوز المعمارية بالزلازل الأخيرة، إلا أنها لم تتعرض لأضرار جسيمة.


يمكن للسياح الاستمتاع بمناظر الغروب على أسوار كامبيتشي المكسيكية (الألمانية)


ويوضح "ويلبرت أليخاندرو سالاس بيش" أن الكثير من السياح الأجانب يأتون إلى كامبيتشي في طريق رحلاتهم، وليس من المتوقع قدوم الكثير من السياح هنا نظرا لأن هذه المدينة أقل شهرة من "ميريدا" التي تقع على مسافة ثلاث ساعات بالسيارة في اتجاه الشمال.

ويعتبر بيش "32 عاما" من الأشخاص المحبين لوطنهم، ويحمل اسم أسرة "المايا" القديمة التي كان يطلق عليها اسم "آه كين بيش" قبل أن يقوم الإسبان بغزو المدينة.

ويضيف بيش أن الغزاة الإسبان قاموا بتدمير منازل المايا وبنوا مدينتهم على أطلالها، وهناك بعض الأحجار الداكنة التي تشير إلى أساس أول كنيسة صغيرة أنشأها "فرانسيسكو دي مونتيغو" عام 1540، وتأسيس مدينة "سان فرانسيسكو دي كامبيتشي".

غير أن الإسبان قاموا بغزو ميريدا عاصمة يوكاتان التي تقع داخل البلاد بسبب قيام القراصنة بالعديد من الهجمات على كامبيتشي، وقد نهب الإسبان الفضة وكنوز قبائل المايا في سفنهم، بالإضافة إلى أخشاب شجر الدم التي كان يُستخلص منها أصباغ قيمة تعرف باسم الذهب الأسود.
.. ويمكن للسياح زيارة سور المدينة الضخم الذي كان يحميها ضد هجمات القراصنة (الألمانية)


وبعد تعرض المدينة لهجوم عنيف عام 1685 قام الإسبان ببناء سور ضخم حول المدينة، يبلغ سُمكه مترين ونصف المتر، ويرتفع ثمانية أمتار ويمتد بطول 2,5 كلم، وتمت تقوية السور المسدس الشكل بواسطة ثماني قلاع.

وعند التجول وسط أزقة المدينة، سيشاهد السياح بقايا هذا النظام الدفاعي المثير للإعجاب، وعلى الرغم من قيام السكان بتدمير الجزء الأكبر من هذا السور مع نهاية القرن 19 فإن 40% من السور لا يزال قائما.

وفي "بورتا دي تييرا" يمكن للسياح مشاهدة مدفع برونزي ضخم ومتحف صغير للقراصنة، ويزخر الطريق إلى "فويرت دي سان ميغيل" بالعديد من الكنوز مثل الهيكل العظمي المزين بسلاسل اللؤلؤ لأحد ملوك المايا بالمتحف الأثري.

وتتضمن "بالوارت دي سانتياغو" أكبر المفاجآت، والتي تتمثل في الحديقة النباتية في كامبيتشي، حيث تتيح للسياح الاستمتاع بأجواء باردة ولطيفة وسط لهيب الحرارة وبعيدا عن ضجيج السيارات.

يوجد العديد من المنازل الاستعمارية المطلية بألوان الباستيل التي تندرج ضمن قائمة التراث العالمي (الألمانية)


وبعد قيام الثورة المكسيكية عام 1910 تم إلغاء الميناء وفقدت كامبيتشي أهميتها وأصبحت فقيرة، وهو ما أدى إلى الحفاظ على المباني التاريخية القديمة التي تم تأسيسها منذ أكثر من مئة عام لعدم توافر الأموال لبناء منازل جديدة، وبالتالي انعكس ذلك على النشاط السياحي.

وقد تم طلاء أسوار المنازل بألوان الباستيل، ويظهر نقش بعام 1999 على النافورة الموجودة بساحة المركز الثقافي، وهو العام الذي تم فيه ترشيح المدينة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

وهناك الكثير من المنازل التي تهدمت خلال الفترة الماضية، حيث قامت الحكومة خلال العقدين الماضيين باستثمار المزيد من الأموال من شركة النفط الحكومية "بيمكس" في أعمال التجديدات والترميمات.

وقد ظلت السياحة من الأنشطة الاقتصادية غير الأساسية، ولكن مع هبوط أسعار النفط عالميا بدأت الحكومة تتجه إلى تعزيز النشاط السياحي بالمدينة، ولكن لا تزال أعداد السياح محدودة.

المصدر : وكالة الأنباء الألمانية