ياسين الكزباري - كينشاسا


كنت أتجول في كينشاسا حين رأيت لوحة ضخمة تعلن عن محاضرة دينية، يقدمها "النبي باراكا نغوشو" فسألت مرافقي "هل يسمي الكونغوليون أبناءهم باسم نبي"؟ فأجابني "لا، إنه ليس اسما وإنما صفة". ويعني أنه نبي يُوحى إليه.

يسأل مدعي النبوة صائحا "هل قررت السحرة هذه الليلة قتلكم؟ سأنزل الصواعق على مخابئهم قبل أن يؤذوكم، باسم يسوع القادر، فلتغادر أرواح الموت أجسادكم". فتهتز القاعة وتمتلئ بصياح الأتباع، وهم يصلون، ويتمرغ بعضهم على الأرض ويغمى على البعض.

وفي مهرجان ديني آخر، يقف أتباع أحد أشهر "أنبياء" الكونغو "باسكال موكونا" في صف طويل، بينما يخطب فيهم نبيهم "ادفع عشرين أو خمسين دولارا، وإن لم يكن بوسعك فخمسة دولارات، أعط ما تستطيع، أعط من مالك للرب وإن كنت فقيرا، وإن لم تعط فستصير أكثر فقرا". فيمر الأتباع الواحد تلو الآخر يضعون في سلة ما استطاعوا، ويحظون بلمسة اليد للمباركة. يروج لنفسه على أنه نبي حقيقي، يتنزل عليه الوحي، ويأتي بالمعجزات، ويشفي المرضى، ويبطل السحر، ويطرد الأرواح من الأجساد.

يدعي موكونا أنه قبل 15 سنة أخبره الوحي بأنه نبي، وهو اليوم يمتلك 130 كنيسة، في كل واحدة منها نبي مبتدئ، يدفع 10% من دخله الشهري لزعيمه، ويقدر أتباع كنيسته في كينشاسا وحدها، بمئة ألف شخص، وقد صار باسكال موكونا اليوم مليونيرا، بعدما كان صحفيا متواضعا.

مشهد مألوف في كينشاسا، ويتكرر في ثلاثة آلاف كنيسة، انتشرت في العقد الأخير لتملأ كل الشوارع والأزقة، إنها كنائس اليقظة، المتفرعة عن الكنيسة الخمسينية البروتيستانتية، التي تؤمن بأن كل مسيحي بإمكانه أن يصير نبيا.

كنيسة القدس الجديدة مركز الكيمبانغية واسعة الانتشار في الكونغو الديمقراطية (الجزيرة)

ولكي يصير نبيا، يجب أن يمتلك معجزات المسيح، فيشفي المرضى، ويكلم الملائكة، ويكلمه الرب مباشرة، وهذه الأخيرة هي المفضلة لدى الأنبياء، ولدى أتباعهم، وهي الكفيلة بجعل مئات الآلاف منهم يتبرعون بأموالهم. كما يقول الأستاذ هود، الذي يضيف "لقد صار ادعاء النبوة مهنة من لا مهنة له".

في عام 1921، رأى سيمون كيمبانغو "رؤيا مقدسة"، أمرته بعلاج المرضى، فصار يدّعي هو ويدّعي أتباعه أنه "يعالج العميان والصم والبكم والمعاقين، وصار أيضا يحيي الموتى". فلقبه الناس بالمسيح، وصاروا يحجون إليه بالآلاف، وحين خشي البلجيكيون منه، منعوا نشاطه، فزاد التفاف الناس حوله، وبعد بضع سنين صارت الكيمبانغية ديانة جديدة، وصار اسم قريته الصغيرة نكامبا "القدس الجديدة"، ثم حرّم الخمر والتدخين والخنزير والقردة والرقص والسحر والتعدد والتنورات، في شريعة أشبه بخليط من المسيحية والإسلام، واليوم تعد الكيمبانغية ديانة رسمية، ويقدر أتباعها في وسط أفريقيا بنحو 42 مليونا.

ويقول الباحث في العلوم الاجتماعية جون ووندو "ينص دستور جمهورية الكونغو الديمقراطية على أنها دولة علمانية، لكن شعبها -في المقابل- أحد أكثر الشعوب تدينا، والدولة تشجع هذه الظاهرة". ويفسر ذلك "أن هذه الكنائس تقنع الناس بأن حياتهم الحقيقية تنتظرهم في الآخرة، أما حياتهم الدنيوية فحري بهم أن يعرضوا عنها، وإن مرضوا فعليهم الذهاب إلى النبي بدل الطبيب، وإذا فقدوا عملهم أيقنوا أنه نتيجة سحر وليس نتيجة ظلم مشغِّلهم؛ إنها كنائس تخدير وليست كنائس يقظة".

ولأنهم يعدون بالآلاف، فالأنبياء يحرصون على التميز؛ فقد سمعت ذات صباح غناءً وموسيقى فظننته حفلا ليليا، وحين أصغيت كان قدّاسا دينيا، وكانت الأصوات من كنيسة تقيم الصلاة في الفجر.

وذات مساء، دعونا الحدائقي ليشاركنا الطعام، فاعتذر قائلا "أنا من الكنيسة النباتية، بالهناء والشفاء". فقلت في نفسي "إذا كان أتباعك لا يملكون شراء اللحم فأفضل عزاء تقدمه لهم هو أن تخبرهم بأنه حرام أصلا".

لكن غرائب الأنبياء تكون أحيانا قاتلة، ففي ليلة رأس سنة 2014 اقتحم 12 شابا ثكنة عسكرية بعدما قتلوا حراسها، وتبادلوا إطلاق النار مع الجنود، فقتل تسعة منهم وقبض على البقية، وأثناء التحقيقات قالوا إن نبيهم أخبرهم أن الرب أذن لهم أن يحكموا البلاد.

أحد مدعي النبوة في الكونغو يواسي أحد أتباعه (الجزيرة)

سألت الأستاذ هود "كم عدد المسلمين في الكونغو؟" فأجابني "الكونغوليون أصلا لا يعرفون عددهم، فكيف سنعرف عدد المسلمين منهم؟!" وواصل حديثه "آخر إحصاء أجري كان سنة 1984، وكان عدد السكان حينها ثلاثين مليونا، وعدا هذا الرقم فلا تتوفر سوى تقديرات، وبالنسبة للمسلمين فتقديرات المنظمات الغربية تقول أنهم سبعة ملايين، لكن المسلمين يتفقون على أنهم أكثر بكثير، وأكثر التقديرات اتزانا تقول إنهم 15 مليونا، وهم يتركزون في الشرق".

وتعد الكوميكو (الجمعية الإسلامية في جمهورية الكونغو الديمقراطية) الهيئة الرسمية للمسلمين، لكن أثرها في واقعهم شبه منعدم، لضعف إمكاناتها المادية. ويقول محمد (اسم مستعار) "إضافة إلى سوء الإدارة، والفساد، فالهيئة مرتهنة لصراعات مختلف التيارات الإسلامية الحاضرة في البلاد".

و يقول محمد -وهو عضو سابق في مجلس الكوميكو- مقر الكوميكو بني على أرض تبرعت بها جمعية التنمية البشرية، وهي مؤسسة سنية، وأما تجهيزه وتأثيثه، فتبرعت به جمعية الرسول الأعظم، وهي مؤسسة شيعية، ويضيف أن "الرئيس الحالي للكوميكو سني وصل بدعم من التيار السني، بينما الرئيس السابق شيعي وصل أيضا بدعم من التيار الشيعي، وهذا يدل على غياب الاستقلالية في المؤسسة".

أما التيارات المتنافسة على قيادة المسلمين في الكونغو فهي -في الأساس- التيار الشيعي وتمثله الجالية اللبنانية والإيرانية، والتيار السني وتمثله الجاليات المغاربية والسودانية والتركية، ثم التيار الصوفي وتمثله الجالية الغرب أفريقية، ثم التيار الأحمدي ممثلا في الجالية الهندية والباكستانية.

مؤسسة الكوميكو التي تعد الهيئة الرسمية للمسلمين وإن كان أثرها محدودا (الجزيرة)


ويقول محمد لمجلة الجزيرة "العرب دوما يأخذون معهم مشاكلهم أينما حلوا؛ فقبل عقد من الزمن، لم يكن الناس يعرفون الفرق بين سني وشيعي، لكنهم اليوم يفعلون، وقبل سنة وصل رئيس سني للكوميكو، فقام الرئيس السابق بتأسيس الكوميشي (الجمعية الإسلامية الشيعية)، وأرسلت أول فوج من الطلبة والأئمة إلى إيران".

وبشكل رسمي، هناك مؤسسة عربية واحدة، هي مؤسسة آل مكتوم الخيرية، التي افتتحت قبل 15 سنة، ويدرس فيها اليوم نحو ألف طالب، يحصلون على الكتب واللباس الموحد ومنح للمتميزين منهم، وتعتمد المؤسسة البرنامج الحكومي، بالإضافة إلى درسين اختياريين في اللغة العربية والتربية الإسلامية، كما قامت المؤسسة ببناء مسجد في وقت لم يكن فيه أي مسجد كبير في كينشاسا.

وتنشط بعض الجمعيات الإسلامية في مجال التعليم، مثل مدرسة شفق التركية-الكونغولية التابعة لحركة الخدمة بقيادة فتح الله غولن، ويدرس فيها قرابة ستمئة طالب، وجمعية التنمية البشرية المغربية التي تجري عمليات جراحية مجانية، وأنشأت مستشفيين، ولديها مئة فرع في الكونغو.

المصدر : الجزيرة