دعاء عبد اللطيف - أسوان

كل التواء به يلوي جغرافيتهم، وكل تعرج بصخوره محفور بتعرجات الذاكرة، وما بينهم تركيبة عشق ربما نُقشت طلاسمها على حين غرة من الأجداد، فتداولها الأحفاد كمسلمات ممهورة بختم الزمن. ويُخيل لرائيهم أن ملامحه انطبعت عليهم، فتشق مياهه خطوط وجوههم وتنعم أعينهم بصفائه، وابتساماتهم الدافئة هي نتيجة انعكاس أشعة الشمس على صفحاته.

وأن تسأل نوبيا عما يعنيه نهر النيل له، فهذا عين الصعوبة لك وله، فهو لن يقدر على الشرح وأنت ستخجل من سؤالك، فالأمر أشبه بعلاقة التنفس باستمرار الحياة، فالنيل هو وطنه الذي سكن ضفافه وجزره آلاف السنين.

ويسير النيل في أرض النوبة بجنوب مصر نحو 350 كيلومترا في حنيات صغيرة متعددة، وتتخلله العديد من الجزر سواء الصالحة للعيش على سطحها أو تلك المكونة من صخور جرانيت ملساء، وظيفتها تأكيد أنه لا جمال على هذه الأرض سوى هنا.

وبالتبعية كان النوبيون يمتدون لصق النهر -قبل التهجير في القرن الماضي- حيث يضيق الوادي جنوبا، فتبدأ قراهم شمالا من منطقة الشلال وتحديدا قرية "دابود" حتى "أدندان"، وهي تعد بوابة مصر الجنوبية، ويدخل تخطيطهم الجغرافي جنوبي محافظة أسوان.

التلال الرملية تحاصر ضفاف نهر النيل (الجزيرة)

ومن شدة التصاق النوبي بالنيل، قال بعض من الأوائل إن النوبة هي تحريف لكلمة نيل، لكن قال مؤرخون إن كلمة "نب" في اللغة المصرية القديمة تعني الذهب، وهو الذي كان يستخرجه الفراعنة من أراض قريبة من بلاد النوبة، ومن هنا ولدت التسمية.

وبعيدا عن الذهب والنيل، يذكر عالم الجغرافيا الدكتور محمد رياض في كتابه "رحلة في زمان النوبة" أن أغلب المؤرخين يميلون إلى اشتقاق اسم النوبة من اسم قبيلة "النوباتي"، التي استقدمها الرومان في القرن الثالث الميلادي من مواطنهم في الصحراء بين الواحة الكبرى والنيل النوبي، ليكونوا بمثابة إمارة حاجزة للغارات القادمة من الجنوب.

بتروٍّ وإيجاز يُلخص عبد المالك محمود فضل النيل على الإنسان النوبي "لولاه ما زرعنا وما عشنا، فكنا ملوكا به"، ومحمود، الزاحفة سنواته ناحية الثمانين، يصف نفسه بـ"الفلاح الماهر"، يصمت هنيهة ليفرك يديه، ربما من ذكريات حرث الأرض، ثم يصحح وصفه "كنت فلاحا ماهرا".

ويستطرد في شرح كيف أثرت السدود المائية -التي بنيت في القرن الماضي- على طبيعة الزراعة النوبية "لم نعد نزرع على ضفاف النيل، اختفى النخيل وراحت الذرة، ولم يعد يعرف الصغار معنى الكشرنجيج".

ويحكي محمود، الذي عاش عقوده بجزيرة هيسا -وهي من أقدم جزر شمال النوبة- كيف كانت الزراعة تتركز شتاء في النوبة، إذ كان منسوب النهر يرتفع صيفا مع الفيضان، ثم ينخفض شتاء ليترك سهلا فيضيا وأحواضا من المياه، ليبدأ النوبي في الزراعة.

 

النيل منح الإنسان النوبي الزراعة والصيد والاتصال بالعالم (الجزيرة)

فيقول "بعد إنشاء خزان أسوان تغير الحال، وأصبح موسم المياه المنخفضة من يوليو/تموز حتى أكتوبر/تشرين الأول، واضطر الآباء إلى استغلال الأرض التي تنكشف عنها المياه بعد تفريغ الخزان، ثم بعد بناء السد العالي توقفت الزراعة تماما على ضفتي النهر".

وكان النوبيون يزرعون الذرة والدخان والشعير والعدس والفاصوليا والبطيخ والكشرنجيج، وهو نوع من اللوبيا يزرع وينمو في أي وقت، واستخدمه النوبيون غذاء لهم وعلفا لماشيتهم، أما النخيل فكما يقول العجوز "حكاية أخرى منفصلة".

والنخيل بطوله السامق كان رمزا للحياة وسط صحراء جرداء، فكأنه يقول للغريب المار بأرض النوبة "انتبه، على هذه الأرض حياة"، ولكن النخيل اختفى، كما يقول محمود.

ويوضح أن نخيل النوبة كان يُنتج أجود أنواع التمور، وكانت فلوق سيقانه تُستخدم في بناء أسقف البيوت، أما السعف فاستغلته النساء في عمل مشغولات يدوية كالحصير والأطباق الخفيفة لحفظ الخبز والحلوى. يقول الرجل بفخر "وقت التهجير في الستينيات حصرت الحكومة أكثر من مليون نخلة مزروعة بأراضي المهجرين".

ويلفت إلى استخدام الشادوف في الري، وهو الأداة التي استخدمها المصريون منذ آلاف السنين لرفع المياه من النهر إلى الأراضي المرتفعة، إلى جانب الساقية.

جزيرة سهيل شمال أرض النوبة وشمال خزان أسوان (الجزيرة)

وكان النوبيون يشربون من النهر دون أي دخائل مُنظفة قبل أن تُعكر السدود المياه، يقول صادق هلال قبل أن يرتشف الشاي ويقاطع حديث محمود.

"حتى الشاي لم يعد له طعم بسبب المياه التي لم يعد لها طعم". هكذا يقارن هلال الرجل الأربعيني مذاق الشاي قديما وحاليا. ثم ينتقل إلى سرد ميزة أخرى انعدمت من النهر وهي الطمي الذي كان يجعل أراضيهم الأخصب في مصر.

يبتسم قبل أن يقول "اخترعنا الزراعة بسبب هذا الطمي"، ثم ترتسم عيناه بالجدية قبل أن يعدل من وضعية نظارته الطبية ليتحدث بلهجة ناصحة "عليك قراءة شخصية مصر".

وفي موسوعة شخصية مصر يقول مؤلفها الدكتور جمال حمدان "كان النوبي أول إنسان زرع ورعى الماشية منذ أقدم الحضارات، ساعده في ذلك ترسب التربة الطينية الصالحة للزراعة على جوانب النيل مع قدوم الفيضان، مما جعل الأراضي النوبية حول شريان النيل".

وإلى جانب الزراعة وهب النيل أسماكه للنوبيين كالقراميط والساموس والبياض والبلطي، لكن كثيرا منهم لم يقبل الهبة، اتباعا لموروث تحريم اصطياد وأكل الأسماك.

عبد المالك يترحم على أيام الزراعة النوبية التي قضت عليها السدود المائية (الجزيرة)

ويعتقد بعض أهل النوبة أن الأسماك هي الأحوات وهي محرمة، لأن الحوت هو الذي بلع النبي يونس، لذا فكثير من صيادي النوبة هم صعايدة من محافظات قنا وسوهاج يرتحلون إلى النوبة في أبريل/نيسان للصيد ويرحلون إلى ديارهم في أكتوبر/تشرين الأول.

وبخلاف الزراعة والصيد، استمر النيل في منح فضائله للنوبي، إذ ظل النهر شريان الاتصال لآلاف السنين بين قرى النوبة بعضها وبعض، والعالم كله شماله وجنوبه.

والقوارب الشرعية تلتها "الفلوكات" التي ظلت تشق نيل النوبة شمالا وجنوبا لتاريخ طويل إلى أن ظهرت الصنادل النيلية والإكسبرس- وهي باخرة كانت تُبحر مباشرة دون توقف من منطقة الشلال شمالا إلى آخر قرى النوبة- إلى جانب "البوستة"، وهي السفينة التي كانت تتوقف عند كل قرية نوبية وتنقل الناس والبضائع والبريد والتحويلات المالية، لذا سميت بهذا الاسم.

يقول هلال "كان أجدادنا يبيعون للغرباء المارين بالسفن بنظام المقايضة، فيعطون الغريب التمر مقابل الشاي أو السكر أو الأرز". ثم يجدها فرصة لإبراز كرم الشخصية النوبية فيردف "وأحيانا كنا نعطيهم التمر بلا مقابل".

وعند سؤال الرجل الأربعيني عن سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على أراضيها وتأكيد خبراء الري تأثيره السلبي على مياه النهر الواصلة لمصر، لم يكن له رد طويل "النيل يستحيل أن يهجر أرضنا". واتفق معه محمود قائلا "الله لن يمنع النيل عن مصر".

المصدر : الجزيرة