ياسين الكزباري - كينشاسا

قبل أن أزور الكونغو قرأت أنها أكبر دولة فرانكفونية من حيث عدد السكان، فتوقعت أن تكون الفرنسية هي اللغة السائدة، مثلما هي الحال في بلداننا المغاربية، ولكن الأمر لم يكن كذلك.

كان كريستيان يتحدث مع الناس طول الوقت "باللينغالا"، لكن حين دخلنا إحدى الإدارات تحدث بلغة مختلفة، عرفت من خلال شبهها بالعربية أنها السواحيلية. إنها تعطي لصاحبها الهيبة والاحترام في الإدارة، كما يقول كريستيان (اسم مستعار)، وهو خبير اقتصادي يعمل سكرتيرا عاما في منظمة أجنبية تعنى بمشاريع التنمية البشرية.

ويواصل كريستيان حديثه "اللغة السواحيلية لها هيبتها لأنها لغة الرئيس، وحاشية الرئيس، وقادة الجيش، وجل المسؤولين الكبار؛ فجلهم أتوا قبل 15 سنة من شرق البلاد، متمردين على سلطة موبوتو، فأخذوا الحكم ووزعوا المناصب فيما بينهم، وحلوا في هياكل الدولة، وحلت معهم لغة أهل الشرق السواحيلية، بعدما كانت اللينغالا هي لغة السلطة، واللغة الرسمية للجيش أيام الرئيس موبوتو، وهي لغة قياسية وضعها البلجيكيون، وهي هجينة بين الفرنسية واللغات المحلية السائدة غرب البلاد.

وإلى جانب اللينغالا والسواحيلية هناك الليتشوبا، وهي لغة أهل كاساي منبع الألماس، والكيكونغو لغة سكان مصب نهر الكونغو أو الكونغو السفلية، حيث ظهرت مملكة الكونغو قبل 17 قرنا، ويرى أهل هذه اللغة أنفسهم الأصل، إنها اللغات الأربع الرسمية إلى جانب الفرنسية. لكنها ليست الوحيدة.

فالكونغوليون يتحدثون أكثر من مئتي لغة، وأكثر من مئتي لهجة، بعضها لغات واسعة الانتشار يتحدثها الملايين من الناس، وبعضها لغات يتحدثها بضع مئات فقط، مثل لغة قبيلة لونزو، ويتحدثها ثلاثمئة شخص فقط، وهناك أيضا لغات خاصة فقط بزعماء بعض القبائل، ولغات أخرى خاصة بكهنتها، ويورثونها عموديا لأبنائهم؛ في ثراء لغوي يتماهى مع ثراء الأرض الطبيعي.

استعملت القبائل القديمة الأقنعة المختلفة للعب أدوار معينة في الرقصات والعروض التمثيلية (الجزيرة)

تاريخي مغيب
قبل وصول البلجيكيين إلى الكونغو وصل العرب، وقبل العرب وصل البرتغاليون في القرن الـ16، وحينها لم يجدوا بشرا بدائيين، بل وجدوا مملكة الكونغو العظيمة، التي يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن الرابع الميلادي، والتي كان نظامها فدراليا، حيث تتكون من أربعة أقاليم تتبع إقليما مركزيا حيث الملك.

وكانت تدار البلاد بنظام إداري متطور، فكل إقليم كان ينقسم إلى سبعة أجزاء تسمى "كينكوسو"، وكل كينكوسو يتكون من فروع تسمى "كيمبوكو"، التي بدورها تنقسم إلى عدة "كيكاييي"، وهذه الأخيرة تتكون من عدد كبير من "الكيفوكو"، وكان هناك نظام ضريبي قائم على عملة تسمى نزيمبو، ونظام عسكري، كما كانت لديهم اتفاقيات تجارية مع الشعوب المجاورة وشعوب بعيدة كالبرتغال والعرب.

وكان سكان مملكة الكونغو حرفيين ماهرين، يحيكون المنسوجات ويزخرفونها بالألوان والأصداف والأحجار المصقولة، ويفصلون منها ملابسهم وأفرشتهم وخيامهم، وكانوا ينحتون الأخشاب ليصنعوا منها أثاثهم وتماثيلهم، ويذيبون النحاس والحديد لصناعة أدوات مختلفة.

وكانوا متطورين فنيا، حيث صنعوا آلات وترية وإيقاعية متنوعة، وصمموا رقصات وعروضا تمثيلية، كما كانت لديهم أعياد ومناسبات، وطقوس دينية يقدسون فيها حكمة أجدادهم، وكانوا يدخنون بأدوات شبيهة بالأرجيلة العربية والغليون الأوروبي.

ولعل هذه المظاهر الحضارية هي ما دفع الرحالة ويليام شيبارد سنة 1889 إلى وصف قبيلة كوبا الكونغولية بأنها أحد أكثر الشعوب تحضرا في العالم.

منسوجات نسائية تقليدية في المجتمع الكونغولي (الجزيرة)


مسيحيون بثقافة إسلامية
في إحدى الأمسيات طلب مني الكولونيل أن أشرح له معنى كلمات مكتوبة في تميمة كان يعلقها في رقبته، فكانت الكلمات أسماءَ الله الحسنى، فأخبرته بمعناها، وأنها إسلامية المصدر، وتوقعت أنه لا يدري، لكنه أجابني بأنه يعرف أنها إسلامية، فاستغربت، ثم زاد استغرابي حين حكى لي: أنا في الأصل مسلم، كنت كذلك إلى اليوم الذي قطعت فيه عدة كيلومترات لحضور صلاة العيد، وهناك سُرق حذائي، وكان جديدا، فعدت أدراجي حافيا وغاضبا وحزينا، وقررت يومها أن أكف عن الذهاب للمسجد، وأن أذهب إلى الكنيسة، وكان عمري حينها 16 عاما.

وطلب مني طلبا غريبا: أريدك أن تقرأ لي سورة من القرآن لا أذكر اسمها، لكن لحنها مميز جدا، إذا سمعتها سأعرفها، وبعد بضع محاولات وجدناها، وكانت سورة الرحمن، فقرأتها له مرة، ثم طلب مني أن أعيدها، مرة ومرتين، وقد ترك ذلك في نفسي أثرا عميقا.

في الكونغو لا يكفي أن يكون اسم شخص ما مصطفى أو عبد الله ليكون مسلما، وليس غريبا أن تقابل قسا مسيحيا اسمه مصطفى أو عبد الرزاق، كما ليس غريبا أن تضع امرأة مسيحية الحجاب، أما الخنزير والخمر فحرام عند المسلمين والمسيحيين على حد سواء، و"السلام عليكم" تحية الجميع مسلمين ومسيحيين. وأكثر من كل هذا، فإن ذكرت النبي محمد فأضاف أحدهم "صلى الله عليه و سلم"، فلا تجزم بأنه مسلم، لأن المسيحيين أيضا يصلون عليه.

إنها ثقافة الناس في شرق الكونغو، حيث كان الإسلام حاضرا بقوة في حياتهم لقرنين من الزمن، قبل أن يتحول جزء كبير منهم إلى المسيحية، سواء بسبب عمليات التنصير الممنهجة، أو بسبب الصدمة الحضارية التي جعلت الناس يلتحقون بالمتغلب، لكن دون أن تختفي فيهم ثقافة الإسلام.

تماسيح للبيع في السوق، تباع حية أو مقطعة (الجزيرة)

أطباق من وحي الأدغال
كنت في السوق حين اقتربت من سلة لأتفحص محتواها، وقد توقعت أنها نوع من القطاني، غير أنها كانت يرقات مجففة، أما سعرها فأغلى من اللحم بكثير، يبدأ من 15 دولارا، وقد يصل إلى خمسين دولارا. إنها وجبة فاخرة ليست في متناول الجميع، تلتقط اليرقات من الغابات، وتنشر على الأرض لتجف، أو تباع حية طرية، وتصلح للأكل جافة أو مطبوخة مع المرق.

وفي السوق نفسه، غير بعيد عن اليرقات، كانت هناك كائنات لم تتوقع أن يأتي عليها حين من الدهر تصير فيه مأكولة، بعد أن عاشت ملايين السنين تفترس غيرها، إنها التماسيح، وتباع حية أو مقطعة، ولا ينصح بشرائها حية، لسبب وجيه طبعا.

ومن الأطباق المميزة أيضا لدى الكونغوليين جلود فرس النهر، والسلاحف، والشامبانزي المشوي، لكن هذا الأخير أقلع عنه الناس مؤخرا، للاشتباه بنقله عدوى إيبولا.

وفي كتاب "شبح الملك ليوبولد" يذكر آدم هوتشيلد أن القبائل الكونغولية كانت تعيش أساسا على تربية الأنعام والدواجن والزراعة، لكن المستعمر البلجيكي دفع كثيرا منها للعيش في حالة هروب دائم متوغلة باستمرار داخل الغابات، مما اضطرها إلى تغيير عاداتها الغذائية.

سيدة قروية تدق الذرة لإعداد عصيدة الفوفو كوجبة تقليدية (الجزيرة)


عادات مشتركة
وفي سياق الحديث عن الأشياء المشتركة بين العرب والكونغوليين، أخبرني باكا -وهو موظف حكومي في الخمسين من العمر- أنه كان لجدي 12 زوجة، وأضاف أنه "رغم أن تعدد الزوجات ممنوع في القانون الكونغولي الذي وضعه الأوروبيون فإننا متشبثين بتقاليدنا الأفريقية، ويندر أن تجد رجلا غنيا مكتفيا بزوجة واحدة، ولتفادي المنع القانوني يلجأ الرجل إلى تسجيل زوجته الثانية أو الثالثة لدى قبيلته.

وللقبائل في الكونغو -كما في غيرها من الدول الأفريقية- استقلالية نسبية تراعي خصوصياتها الثقافية، فما لا يجوز في القانون الرسمي للبلاد يجوز في قوانين القبائل، وبدا لي أن ظاهرة التعدد هذه يمكن أن تكون أرضية مشتركة صلبة تجمع العرب والكونغوليين.

لكن أكثر التقاليد فرادة لدى الكونغوليين ما أخبرني عبد الله نزامبالا -وهو ممثل كوميدي معروف في كينشاسا- بأن لديه عرضا كوميديا في المساء، ودعانا لتصويره إن أحببنا، وحين سألته عن مناسبة العرض، أخبرني أنه عزاء. فحين يموت أحد الكونغوليين يبكي عليه أهله في الصباح، لكن في المساء يحضرون فنانا فكاهيا فيضحكون ثم يأكلون ويشربون، فيشغلون الموسيقى ويرقصون. وهم بذلك يعتقدون بأن ميتهم يشاركهم الفرح والضحك.

المصدر : الجزيرة