ياسين الكزباري - رواندا


جنوب كيغالي، في ضاحية هادئة تحيطها التلال الخضراء، وقفت جانيث مع زوجها جوفينال أمام كنيسة البلدة، التي امتلأت بنحو خمسة آلاف شخص، لم يكونوا بصدد تأدية صلاة أو قداس ديني، كانوا جميعا صامتين؛ فقد قتلوا هنا قبل 22 سنة، واليوم لم تبق منهم سوى هياكلهم العظمية.

وتحكي جانيث عن يوم المجزرة "بلغنا أن المليشيات تقترب، فأصابنا الرعب، وتوجهنا إلى البلدة أملا في حماية السلطات، لكن مسؤولا خاطبنا "إن عدتم إلى بيوتكم أو فررتم إلى الغابة أو بقيتم هنا، ستقتلون". ثم صاح قس القرية "في بيت الرب، لا أحد سيؤذينا"، فهرعنا نحوه، وكنا خمسة آلاف.

وتواصل حديثها، وبعد ساعات أحاطت المليشيات بالكنيسة، فقام شيخ وقال "اطمئنوا، سأخبرهم بأن الأطفال والنساء فقط هنا، ولن يؤذوكم". ففتح الباب لتنهال عليه السواطير؛ فقتل الجميع يومها، إلا قلة نجت تحت الجثث، وكنت منهم".

جانيث تحمل صورة لشقيقها الذي قتل في حرب الإبادة (الجزيرة)

رعاة ومزارعون
وعن جذور الكراهية بين العرقيتين، سألت أستاذ التاريخ بجامعة كيغالي جون ماكينزي، فأجاب "عاشت مجتمعات المنطقة خلال قرون على تربية الماشية والزراعة، وكان المزارعون يسمون هوتو، والرعاة يسمون توتسي، ولأن المواشي يزيد عددها بشكل طبيعي، فإنها توفر ثروة أكبر من الزراعة، وهكذا كان زعماء المجتمع وحكماؤه من أصحاب المواشي.

وكانت الأدوار الاجتماعية مفتوحة، فمن ينجح في امتلاك الماشية يتحول إلى توتسي، ومن يفقدها يتحول إلى هوتو؛ وبالتالي فإن توتسي وهوتو لا تدلان في الأصل على عرقيتين، وإنما على مكانتين اجتماعيتين".

ويوضح ماكينزي "وصل الألمان سنة 1887، فوجدوا التوتسي أقلية قوية اقتصاديا واجتماعيا، فقرروا توظيفها لحكم المنطقة، ففتحوا لها أبواب المدارس والوظائف ومنعوها عن الهوتو، ولما جاء البلجيكيون، فرضوا على الناس حمل بطاقات هوية تميز بين التوتسي والهوتو، ومن حينها حكم على من كان توتسي أو هوتو أن يظل كذلك إلى الأبد".

ويضيف "وكان الأوروبيون يعتقدون بتفاضل الأعراق، فأشاعوا أن التوتسي أقرب إليهم تحضرا وأرقى عرقيا من الهوتو؛ مما رسب مشاعر الكراهية لدى الهوتو تجاه التوتسي".

هياكل ضحايا مذبجة نتاراما تحفظ ذكرى الحقبة السوداء بتاريخ رواندا (الجزيرة)

ثلاثة شهور قتل
ويقول ماكينزي "قبيل الاستقلال، سلمت بلجيكا السلطة للهوتو، وقادهم زعماء متطرفون نفذوا سياسات إقصائية تجاه التوتسي، فمنعوا من الأنشطة السياسية والوظائف والمدارس، وقتل في تلك الفترة منهم نحو سبعين ألفا بتهم مختلفة، فرد الجيش الذي يقوده التوتسي في بوروندي سنة 1972 بقتل مئتي ألف من الهوتو".

ويواصل حديثه، أنه بعد سنة من مذبحة الهوتو في بوروندي، انقلب على الحكم في رواندا وزير الدفاع جوفينال هابياريمانا، وعلّق الدستور وحل البرلمان، واتخذ سياسات أكثر تطرفا وعنفا ضد التوتسي.

وردا على سياسات هابياريمانا ضد التوتسي لجأ مئات الآلاف منهم إلى دول الجوار، وهناك ستتشكل الجبهة الوطنية الرواندية، مدعومة من بوروندي وأوغندا، والتي وقعت مع الحكومة الرواندية بعد ثلاث سنوات من الحرب اتفاقية أروشا لتقاسم السلطة، حيث أصبح زعيم الجبهة بول كاغامي وزيرا للدفاع ونائبا للرئيس سنة 1993".

وفي السادس من أبريل/نيسان 1994، قتل الرئيس الرواندي في حادث تحطم طائرته مع رئيس بوروندي، وكلاهما كانا من الهوتو.

كنيسة نتاراما حيث قتل خمسة آلاف من الأبرياء. (الجزيرة)



وعن ذلك يعود جوفينال زوج جانيث ليقول "سمعنا زعيما يقول في الإذاعة "لقد قتلوا رؤساءنا، اقتلوا الآن كل التوتسي الخونة"، وبثوا أخبارا عن مذابح يرتكبها التوتسي في حق الهوتو، واتضح لاحقا أنها مكذوبة، لكنهم نجحوا في تحريضنا على قتل جيراننا، بعدما صوروا لنا أن اتفاقية السلام مؤامرة لاستعباد الهوتو، وأن حادثة الطائرة بداية لقتلنا. وكان جوفينال في الـ17 حين شارك في مذبحة كنيسة نتاراما.

وفي اليوم التالي السابع من أبريل/نيسان أنذر كاغامي قوات حفظ السلام بأنه سيستأنف الحرب ضد الحكومة إن لم يتوقف القتل الذي بدأ قبل يوم.

ويحكي جوفينال "لم يتوقف القتل طوال ثلاثة شهور، ولم تتدخل قوات حفظ السلام الأممية، وكنا نتحرك في مناطق القوات الفرنسية بكل حرية".

بعد شهرين، دخلت الجبهة إلى كيغالي، ونجحت في وقف الإبادة، لكن بعدما قتل أكثر من مليون من المواطنين -أغلبهم من التوتسي- واغتصبت نصف مليون امرأة، ونزح نصف الشعب داخل البلاد وخارجها، ورفضت الأمم المتحدة طلب زيادة قوات حفظ السلام لوقف الإبادة.

وحول انتصار الجبهة، يقول جوفينال "كنا نتوقع أن الجبهة ستنتقم من الهوتو بإبادة مقابلة، لكن كاغامي قال "لم نأت لأجل الانتقام، فلدينا وطن لنبنيه، وبينما نمسح دموعنا بيد، سنبني باليد الأخرى".

متهمون بانتظار المحاكمة في إحدى محاكم الغاكاكا الشعبية في رواندا للمصالحة المجتمعية (الجزيرة)

الوحدة والمصالحة
أسس كاغامي حكومة وحدة وطنية، وهيئة وطنية للوحدة والمصالحة، كما تأسست محكمة دولية لجرائم الإبادة في أروشا بتنزانيا لمحاكمة القادة والمخططين، بينما حوكم مئات الآلاف من المتهمين بالمشاركة في أعمال القتل داخل المحاكم الرواندية، لكن المحاكمات كانت بطيئة، فخلال عشر سنوات لم يحاكم سوى عشرة آلاف شخص.

ولمواجهة هذه المعضلة، أبدعت الحكومة الرواندية حلا فريدا، حدثنا عنه ستيفان كينزر عضو هيئة الوحدة والمصالحة "كان المتهمون مئات الآلاف، وستستغرق محاكمتهم عقودا، وسيحتاجون عشرات السجون، وميزانية قدرت بأربعين مليار دولار، بينما كان ناتجنا الإجمالي مليارين فقط، فقررنا اللجوء إلى نظامنا القضائي التقليدي، ويسمى غاكاكا".

وعن تفاصيل ذلك يضيف "شكّلنا عام 2002 أكثر من 12000 محكمة في كل الأحياء والقرى، وفي كل محكمة تسعة قضاة يختارهم السكان، وتقام المحاكمات في الساحات، أما تمويلها، فكان بأن يدفع كل متهم مستطيع دولارا واحدا".

لكن الفرادة ليست في صيغة هذه المحاكم فقط، وإنما في عمقها الفلسفي وأثرها الاجتماعي، إذ يقول جوفينال "لا تقوم غاكاكا على فكرة القانون والعقاب، وإنما على فكرة الاعتراف بالخطأ والتكفير عنه، فالقضاة هم كبار قريتك، وأقاربك وجيرانك وأقارب ضحاياك حاضرون، وهذا يعطي للمحاكمة معنى مختلفا". ثم سألني "هل تستطيع إنكار ذنبك حين تنظر في عيني طفل شاركت في قتل أمه؟ محال".

بعد انطلاق عمل غاكاكا، أصدر بول كاغامي -وقد صار رئيسا للبلاد- مرسوما يقضي بالعفو عن كل مدان يعترف بجريمته، شرط أن يغفر له أقارب ضحاياه.

يقول جوفينال "ترددت كثيرا في الاعتراف، كنت خائفا من الألم الذي سأشعره إن غفروا لي بعدما آذيتهم، لقد كان الإعدام أهون علي من النظر في عيونهم".

جوفينال ممن اعترفوا بجريمتهم وطلبوا الصفح من أهالي الضحايا (الجزيرة)


واعترف جوفينال بذنبه، وقابل أقارب ضحاياه، وكانت جانيث من بينهم، وعن ذلك تقول "ما أن دخلت القاعة، حتى جثا على ركبتيه أمامي وأجهش بالبكاء، ثم رجاني ألا أغفر له وأن أنزل عليه العقوبة التي أريد، لكنني غفرت له. وفي تلك اللحظة، شعرت بأنني إنسان آخر، وكأن الألم الذي سكن قلبي عقدا من الزمن زال تماما".

وبعدما أطلق سراحه، تحكي جانيث "طرق بابي وأخبرني بأنه نذر حياته لخدمتي، فأخبرته أنه في حل من ذلك، لكنه أصر، فأخبرته بأنني بحاجة للمساعدة لتأهيل بيتي. وبعد أسبوع، عاد مع مجموعة من الشباب، وبنوا لي بيتا جديدا. ثم وعدني بأن يعمل في حقلي مدى حياته". لتختم حديثها "ماذا سيفيد أن أنتقم منه؟ لا شيء، لكن الصفح يفيد".

في سنة 2012 أنهت غاكاكا محاكمة مليونين من المتهمين، وأدانت 65% منهم، وتفاوتت العقوبات من السجن إلى العمل في حقول الضحايا أو تنظيف القرية.

ويقول ستيفان "المدهش أن المئات من أقارب الضحايا كانوا يزورون السجون يوميا ليغفروا للجناة، مما أثر بشكل عميق في نفسية المجتمع، وداوى الجراح العميقة التي لم تشفها عقوبة الإعدام".

وتعيش رواندا اليوم على وقع مسيرة تنموية واعدة، فبمعدل نمو 8% سنويا، قفز ناتجها الإجمالي الخام من ملياري دولار سنة 2002 إلى ثمانية مليارات دولار سنة 2013، كما قفز عدد الجامعات من واحدة سنة 1994 إلى 29 جامعة سنة 2010، وانتقل ترتيبها في سلم الفساد من 185 سنة 2005 إلى 52 سنة 2012.

وتبشر هذه الأرقام بتحقيق رؤية "رواندا 2020"، التي أعلنها بول كاغامي سنة 2000، والتي تهدف إلى تحويل رواندا من دولة فقيرة إلى دولة متوسطة الدخل. وقال حينها "تفكيرنا منصب على الناس، وفي الموازنة السنوية نركز على التعليم والصحة، ونتطلع إلى التقنية والمهارات والابتكار والإبداع، نفكر دوما في الناس، والناس، والناس".
 

المصدر : الجزيرة