عاطف دغلس - نابلس

بشيء من الرفق والحنان يُغازل المزارع الفلسطيني محمد فرعونية (أبو علاء) أشجار زيتونه مسمعا إياها بعض الترانيم الصباحية التي اعتاد سماعها صغيرا مع والديه خلال قطف ثمارها، ويحرص على ألا يؤذيها بكسر أغصانها اليانعة خلال حصادها.

ويكتمل هذا الحرص لدى أبو علاء (62 عاما) لِما بعد جني المحصول، إذ يواصل ومنذ أمد بعيد الحفاظ على عصر زيتونه بمعصرة الحجر في قريته برقة -قضاء نابلس شمال الضفة الغربية- غير آبه بالمعاصر الحديثة التي يغلب عليها طابع السرعة.

ويقول في حديثه لمجلة الجزيرة إن عصر الزيتون على الحجر لا يتوقف عند حدود الطعم وجودة الزيت بمذاقه أو شكله، بل يعد جزءا أساسيا في الحفاظ على موروث ثقافي، وتقليد سنوي اعتاد عليه وأهالي قريته وحيثما وجدت مثل هذه المعاصر.

محمد فرعونية أبو علاء يقطف زيتونه بحنان ورفق ويعصره على الحجر منذ سنوات كما اعتاد على ذلك (الجزيرة)

ذكريات الماضي
ويهون التعب والجهد على رجل ستيني مثل أبو علاء عندما تأخذه الذكريات إلى معصرة الحجر الوحيدة والمتبقية في قريته من أصل خمس كانت تعمل بذات الطريقة، بل وتحضره ذكريات جميلة كاللقاء سوية وبعض صحبه، والنظر مطولا للحجارة وهي تدور رحاها فوق حبات الزيتون محولة إياها لزيت له طعم مختلف.

ويردف قائلا "كانت هذه المعاصر غالية الثمن، وكل عائلة تشترك بشراء واحدة، ولذا سمي بعضها بأسماء العائلات المالكة لها، وتوزع أرباحها بالتساوي على المساهمين فيها".

ومثل أبو علاء يحافظ المزارع عبد الفتاح مسعود (أبو راشد) من قرية برقة أيضا على هذا التقليد السنوي بعصر زيتونه على الحجر، ليستفيد من كل الصفات الجيدة التي تجتمع بهذا النوع من الزيت.

ويستعيد أبو راشد (60 عاما) ذكرياته مع معاصر قريته الحجرية، ويعتبر وجودها والحفاظ عليها جزءا أساسيا من الأصالة والتراث، ويقف عند ذكريات كثيرة كانت ولا تزال تضفي جمالا آخر على حياته، خاصة طفولته التي عاشها وهو يتنقل بين تلك المعاصر ويرقبها.

ويضيف متحدثا لمجلة الجزيرة بعد أن غدا مشرفا على العمل في معصرة الحجر الوحيدة في قريته أن الكثير من أهالي قريته والقرى المجاورة "يتمسكون بعصر زيتونهم على الحجر، حيث كانت ولا تزال أفضل الطرق في تقديم مذاق جيد وطيب".

زيت الزيتون المعصور على الحجر أطيب وأفضل كما يؤكد الخبراء (الجزيرة)


مراحل العصر
وتبدأ عملية العصر أو (الدّراس) كما يعرفها المزارعون بوضع الزيتون داخل المصب (الحوض) ثم تنتقل عبر مضخة خاصة تفصل البذور عن الأوراق وبعض العوالق، لتستقر فوق أرضية حجرية مصنوعة من الجرانيت وتزن طنين ونصف الطن تعرف بـ"الفرشة" ثم يعمل حجران دائريان ضخمان، مصنوعان من الجرانيت أيضا ويزنان ثلاثة أطنان، على طحن بذور الزيتون.

وبعد أن يأخذ الطحن وقته يُنقل الدّريس (الزيتون المطحون) لحوض أصغر ليسكب بعدها فوق قطع من الخيش الدائري تعرف بـ"القفاف" توضع فوق بعضها على عربة حديدية تعرف بـ(الشدة) لتُضغط بواسطة آلات خاصة (مكابس) لمدة زمنية معينة يصار من خلالها لفصل الزيت عن مخلفات الزيتون الجافة المعروف بـ"الجفت".

ثم ينقل الزيت لآبار مخصصة وآلات تعرف بالفرازات، تفصل الزيت عن أية مواد أخرى كالماء والشوائب، في هذه الأثناء تكون مخلفات الزيتون (الجفت) قد تم بشكرتها (إزالتها) من فوق قفاف الخيش، حيث يستخدم هذا الجفت لإشعال النيران لدى المزارعين.

ويميز المعاصر الحجرية، عن نظيرتها الحديثة، أن الأولى تُطحن فيها بذور الزيتون تحت الحجارة الثقيلة وفق عملية بطيئة وباردة لا تحتاج للغلي بالماء الساخن تحت درجة حرارة مرتفعة تضر بطعم الزيت وتعمل على أكسدته، ولا للعمل بنظام التوربين كما حال المعاصر الحديثة، وبالتالي بالطريقة القديمة (الحجرية) يأخذ الزيتون حقه في الطحن لدرجة أن طنا من الزيتون يستغرق نحو ست ساعات من الطحن بينما لا يستغرق ثلثها في المعاصر الحديثة، كما يقول ناصر حجي أحد ملاك معصرة برقة الحجرية شمال نابلس.

عامل يزيل مخلفات الزيتون أو ما يعرف بالجفت عن القفاف الخيشية لاعادة وضع الزيتون المطحون عليها (الجزيرة)

زيت طيب
ويوضح حجي -في حديثه لمجلة الجزيرة- أن غالبية المزارعين يفضلون زيت الحجر ويرغبون بزيته لأسباب كثيرة، فبالإضافة لكونها نوعا من التراث والتقليد فهي تعطيهم زيتا مذاقه ورائحته طيبة، ومخضر اللون (قاتم) وقليل الشوائب، ويحافظ على جودته لفترة أطول إذا ما حفظ بشكل جيد بعيدا عن الشمس والرطوبة.

ويضيف أن أكثر من 90% من زبائنه يفضلون معصرتهم الحجرية التي أضحت واحدة من معاصر حجرية قليلة ليس بمناطق الشمال فحسب، بل بالضفة الغربية كلها، خاصة وأنه يرفدها بأكثر من عشرين طنا سنويا.
ويقول حجي "إن رغبة المواطنين بزيت الحجر تفوق غيره، وبعضهم يفضل شراء زيت الحجر ويحجزه من المزارعين حتى قبل بدء موسم الزيتون".

وفي المعصرة الحجرية خاصتهم والتي أنشئت عام 1983 بعد استيراد معداتها من إيطاليا، واكب ناصر والقائمون على المعصرة التحديثات المطلوبة التي تجعلها بالصدارة دوما، وتحافظ على رونقها بالوقت نفسه، حيث أضافوا لها مضخة خاصة تقوم بفصل ورق الزيتون عن الحب قبل نزوله لفرش الحجر لبدء الطحن.

معصرة برقة الحجرية واحدة من 34 أخرى مشابهة لها تتوزع في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، ويطلق عليها "نصف أوتوماتيك" بمعنى أن الأيدي العاملة تدخل بها وهو ما يساعد في خلق فرص عمل لكثير من المواطنين سنويا.

توضع القفاف بعد أن يسكب فوقها الزيتون المطحون ليتم ضغطها (الجزيرة)

البدّادة
ويُطلق على هؤلاء العمال "البدادة" ومجرد ذكر الاسم يُعطي انطباعا بأن شيئا جميلا من الزمن الماضي يعود بهم للوراء سنوات مضت وانقضت، فمثل هؤلاء البدادة يعدون من تراث المعاصر الحجرية وتقاليدها لما لدورهم في تكميل عملية عصر الزيتون ومساعدة المزارعين، وهم يأخذون أجرتهم زيتا فقط.

وهذا ما جعل ذياب سيف (50 عاما) يحرص على العمل بمعصرة برقة الحجرية لسنوات عدة، وطوال الموسم الذي يمتد لنحو شهرين من كل عام.

ويقول سيف إنه ونحو 15 بدادا يعملون بنظام المناوبة طوال الموسم ويأخذون أجرتهم زيتا، حيث يحصل الواحد منهم تقريبا على نحو 160 كيلوغراما من الزيت تكفيه طوال العام وتغنيه عن شرائه.

وأمام كل هذا التقليد والصمود لمثل هذه المعاصر، يؤكد مدير مجلس الزيت الفلسطيني فياض فياض أنها باتت "تقليدا" يتمسك به المزارعون لاعتباره موروثا ثقافيا واجتماعيا قديما، ويميزها أنها تعصر الزيتون على النظام البارد، وهو ما يغيب عن المعاصر الحديثة التي تعتمد نظام الغلي بالماء الساخن والأنظمة التوربينية.

ويضيف أن الحرارة أسوأ عنصر يضر بالزيتون إضافة للرطوبة والأوكسجين، ومن هنا يبرز مدى حرص المزارع نفسه ووقوفه على عملية عصر زيتونه في المعاصر الحديثة باشتراطه عدم استخدام الماء الساخن خلال العصر، وبنظافة المعدات وعدم اختلاط الزيتون بالورق.

وفي المحصلة، لا يرى المسؤول الفلسطيني أن هناك اختلافا جوهريا في طعم الزيت وجودته بين المعاصر الحجرية والحديثة ما دامت أساليب العصر الجيدة مطبقة بحذافيرها، لكنه يلفت الانتباه بالقول مجددا "إن المسألة لا تخرج عن كونها تراثا وتقليدا له رونقه، في حين يُصر المزارعون على عكس ذلك ويؤكدون جودة زيت الحجر أكثر لغياب الضمانة الحقيقة لعملية العصر الحديثة".

المصدر : الجزيرة