دعاء عبد اللطيف - أسوان



أحيانا يعتقد أن جِنّيًّا سكن هذه الآلة لترافقه أيامه، فهي تعرف أمزجته اليومية، عندما يكون حزينا لا يجد فيها سوى صوت الحزن يعزفه بأنامله فيصفق من حوله كأن لم يسمعوا لحنا حزينا قط، وفي الفرح يشعر بأن سعادة العالم كله سكنت أوتارها.

وهي رفيقة رحلة دامت ستين عاما، منذ أن هام بها وهو طفل لم يتجاوز العاشرة في أحد أعراس قريب لوالده، فصاحبت آلة الطنبور أيام العجوز السبعيني رمضان محجوب أو كما يناديه أهل النوبة عم رمضان الطنبوري؛ إذ كون فرقة نوبية تشتت مع الزمن ليبقى منها هو وابن أخته فقط.

وآلة الطنبور هي رمز الموسيقى النوبية، حيث تعد اختراعا نوبيا صرفا، كما يؤكد محجوب الذي يشدو الأغاني النوبية بست لغات هي العربية والنوبية -الكنزية والفادجية- والعبرية والإيطالية والفرنسية والإنجليزية.

يضحك العجوز فتتكشف أسنانه المتآكلة ثم يقول "أهل القناة سرقوا مننا الطنبور وسموه السمسية"، موضحا أن أهل قناة السويس -مدن بورسعيد والإسماعيلية والسويس- عرفوا الطنبور عن طريق أهل النوبة الذين شاركوا في حفر القناة قبل نحو 150 عاما.

النوبة يعتزون بموسيقاهم وآلاتها التقليدية في قرية أدندان قرب أسوان (رويترز)

وفي اللغة النوبية يسمى الطنبور "كيسر" بمعنى البطن المجوفة، حيث تتكون الآلة من صندوق بيضاوي مجوف له وجه مقعر وآخر مسطح به ثقوب ويمتد به خمسة أوتار. ويعزف على الطنبور بطريقة مخافة لكل الوتريات، إذ يضغط العازف على كل الأوتار باليد اليسرى ويضرب على الأوتار كلها باليد اليمنى، والوتر المراد سماع نغمته هو ما يتركه.

ويشارك الطنبور في عزف الموسيقى النوبية الدف وأحيانا الطبلة، وقد دخلت على الإيقاع النوبي آلات حديثة وفق لما يحكيه العجوز، فالسكسفون والأورج أصبحا آلتين ضروريتين في أغاني هذه الأيام. ويتأسف الرجل على دخول آلات جديدة يصفها بأنها مزعجة على الإيقاع النوبي.

وأثناء حديث محجوب عن الطنبور يقاطعه ابن أخته محمد موتو عازف الدف، ليبين أهمية آلته في الفن النوبي بشكل عام، إذ تعتمد غالبية الأغاني القديمة على استخدام إيقاع الدف فقط، دون أية آلات أخرى.

ويسمى الدف باللغة النوبية -الكنزية والفاديجية- التار، وهو آلة مصنوعة من جلد الماعز، حيث يُشد الجلد على جسم خشبي دائري مفرغ من الوسط حتى يخرج الصوت بدرجة عالية وواضحة.

ويعتمد العزف على ضرب العازف بأصابع يده على سطح الدف بإيقاعات منتظمة تسمى الخشخشة. ويوضح موتو أن الضرب وسط الدف ينتج عنه إيقاع يسمى "دم" أما النقر الخفيف من طرف الدف فيسمى "تك"، مضيفا أن كل الإيقاع النوبي عادة يستخدم السلم الخماسي.

رمضان محجوب يعزف على آلة الطنبور (الجزيرة)



هم يرقصون للحياة، أو ربما يحركون أجسادهم لإرضاء الحياة كي ترقص لهم، فالرقص بالنسبة للنوبي جزء من شخصيته وجميع رقصاته مستوحاة من بيئته، وتعتمد على التعبير الجماعي للرجال والنساء بتحريك الجسد ببطء.

وغالبية الرقصات تتضمن وقوف الرجال والنساء في صفوف منتظمة متشابكي الأيدي رمزًا للتماسك والتضامن، وهناك الرقص بسعف النخيل والتلويح بالأيدي في اتجاه الشمس، كما يقول حمزة عبد الغفور من مؤسسة فرقة توشكي للفنون الشعبية.

ويوضح عبد الغفور وجود العديد من الرقصات التي تأخذ شكل لوحات تحكي قصة كاملة أو حدثا مهما للنوبيين كموسم حصاد البلح، وأسبوع المولود، والصيد النيلي، والأعراس، لافتا إلى رقصة "أراجيد" -وتعني البهجة باللغة النوبية- التي تعتمد على وقوف الرجال والنساء في صفوف منتظمة دون تلامس والتمايل يمينًا ويسارًا، ثم العودة مرة أخرى إلى مكان البدء، وقد يخرج عن الصف رجل أو امرأة ويؤديان الرقص بمفردهما، ولا يستخدم في هذه الرقصة سوى آلة الدف.

وهناك رقصة الأيدي، وهي كما يشرحها عبد الغفور تعتمد على استخدام الراقصين أيديهم في شكل متناغم، وتشارك الفتيات في هذه الرقصة وهن مغطيات الوجوه، فضلا عن رقصة "النجرشاد" التي يأخذ فيها الراقصون شكل نصف هلال مع ضرب الأقدام بالأرض.

متحف النوبة تماثيل من الشمع تجسد رقصة نوبية (الجزيرة)

ويشير مؤسس فرقة توشكي إلى الإيقاعات النوبية المميزة مثل "كونبنكاش" و"سكي" و"نجرشاد" و"تندك" و"بلونش"، موضحا أن جميع الرقصات يرتدي خلالها الرجل الجلباب الأبيض الطويل مع العمة البيضاء أو الجلباب الملون القصير والسديري مع الطاقية المزركشة، أما المرأة فترتدي الزي التقليدي للسيدة النوبية "الجرجار".

أما الأغاني النوبية فتعبر عن تاريخ النوبة وثقافة أهلها وكثير منها يحكي عن الحنين إلى الأرض التي هاجروا منها، ويترجم عبد الغفور مقطعا من أغنية تتحدث عن التهجير "ماذا لو عدتي لنا يا نوبتي.. يا نوبة عودي إلينا.. الفرد الذي حبك مثل حبي.. مثل تمر النخيل المتراكم على أراضيكي.. ياما عشنا متجاورين في النوبة القديمة.. يا سلام لو تعودي إلينا أيتها النوبة قبل الغرق.. فإني ألوم عليكي لأنك لم تعودي".

ويذكر مقطعا آخر عن تاريخ الحضارة النوبية في أغنية أخرى "عِزة نفسي ما تزول، اسألوا التاريخ والماضي مين أنا.. أنا ابن مينا وترهاقا، أنا ابن كوش ونباتا، أصل بطبعي نوبي أنا فخور أنا بحضارتي".

المصدر : الجزيرة