الجزيرة نت - القاهرة





الفقر في مصر يشبه الصورة الكبيرة، التي إن دققت فيها وجدت تفاصيل كثيرة تحتاج كل منها خطة، وربما خططًا للحد من قسوتها، ناهيك عن القضاء عليها.

الحياة في المقابر، أو التُرَب كما يسميها المصريون، هي واحدة من أبرز هذه التفاصيل وأكثرها قسوة، حيث يعيش أكثر من مليون ونصف مليون مصري مع الأموات، وذلك وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

"سكان المقابر" عنوانٌ عريضٌ تندرج تحته عشرات العناوين الفرعية التي تعج بالحرمان والقلق والأمل الذي مازال معلقًا على جدران الانتظار منذ عقود، حتى أوشك على الذبول.

سكان المقابر تعايشوا من أجواء الموت لعشرات السنين حتى ألفوها (الجزيرة)


حياة مع الموتى
ففي قلب العاصمة القاهرة، تعيش آلاف الأسر -الممعنة في الفقر- أياما تختلط فيها رائحة الموت برائحة الحياة، ويتداخل فيها سكون الموتى بصخب الأحياء. ينامون ويأكلون ويتزوجون وينجبون في ضيافة الموتى.
من على جبل المقطم، أو من على حصن القلعة، الذي قصف منه نابليون بونابرت القاهرة عندما ثارت عليه، تشكل "تُرَب الغفير" و"باب النصر" لوحة صفراء تنضح بالوحشة.

وتتباين رؤية هذه المقابر من الخارج كثيرا عن رؤيتها من الداخل، فالمشهد من الخارج مرتبط بالأموات فقط، أما من الداخل فهو مرتبط بموتى آخرين مازالوا على قيد الحياة، مجرد أرقام مدونة في إحصاءات السكان وكشوف الناخبين.

عندما تعبر البوابة الرئيسية للمكان تجد أن ثمة ضريبة لابد من دفعها، طالما أنك لم تنسق مع أحد البلطجية أو مع أحد رجال الأمن. عليك إخراج كل ما في جيبك، حتى إن قررت مغادرة المكان، فستكتشف أن الدخول إلى هنا ليس كالخروج.

لكن قدرا لا بأس به من المساومة ووعود الصحفيين الكبيرة، مكنتنا من دفع مائتين وخمسين جنيهًا (ثلاثين دولارا) مقابل التجول بين المقابر والتحدث لبعض ساكنيها، مع الالتزام بالتقاط الصور في أضيق الحدود.

"إياكم أن تصوروا وجه أحد، وإلا فعلنا معكم الغلط" هكذا قال لنا أحد البلطجية وهو يحصي المال الذي حصل عليه منا، فالشك في الغرباء هو الأساس، فما بالك بالصحفيين.

ارتفاع نسبة الفقر في المجتمع المصري دفع أكثر من مليون شخص للعيش داخل المقابر (الجزيرة)

مظاهر الموت
شارع رئيسي تتفرع منه شوارع صغيرة، تتجاور فيها أحواش وضعت عليها أرقام ولوحات رخامية نقشت عليها عبارات من قبيل "كل نفس ذائقة الموت" أو "هنا يرقد المغفور له بإذن الله فلان".

مع الاقتراب من هذه الأحواش تأتيك أصوات أناس عقدوا صداقات قديمة مع الموتى، يتقاسمون مقابر مازال أصحابها يأتون لزيارتها في الأعياد والمواسم، وقليل منها هجرها أصحابها منذ زمن، فهي تخص عائلات ما قبل ثورة يوليو/تموز 1952.

على جانبي الشواهد تقف غرف صغيرة متهالكة، لا تنم عن أي حياة لولا أن بها أثاثا قديما لا يخص الموتى في شيء. دولاب بلا أبواب وكنبة بنصف حشو وبوتاجاز عفا عليه الزمن وسرير أشبه بأسرة المستشفيات الحكومية.

بعض الأسر تدفع إيجارًا شهريًا للتربي (حارس المقابر) شريطة إخلاء المكان قبل مواعيد الزيارة السنوية أو الأسبوعية لذوي الموتى، وكثير من الأسر تتشارك في دورة مياه واحدة، وتعتمد على الشارع في غسل ملابسها وطهي طعامها.

وحدها مقابر الصدقات التي لا يسكنها أحد، فهي لله كما قالوا، وقد بنيت بجهود شخصية لاستقبال مجهولي الهوية من الموتى. أما مقابر "الغلابة" فهي تحتضن الفقراء من الأحياء والموتى.

في المساء يضع أحدهم حصيرة أو بطانية فوق مصطبة تتوسط الحوش، ثم يغط في نوم عميق، هذه المصطبة ليست إلا قبرا بداخله نائم آخر، لكن أحدهما لا يشكو من الآخر. ينامان هكذا منذ زمن دون أدنى خلاف.
حياة يطبعها البؤس وانعدام مظاهر الحياة الحقيقية (الجزيرة)


وحول هذه المقابر ضرب سياج من الطوب والحديد، تتوسطه أعمدة للإنارة يرفرف فوقها علم مصر، وعلى بعضها وضعت صور لبعض مرشحي الانتخابات.

رجل على مشارف السبعين سألنا "ما الذي جاء بكم؟ لقد شبعنا من الأسئلة والتقاط الصور". لكنه أخبرنا -بعدما وضعنا بعض المال في يده- أنه يعيش في هذا المكان منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر.

يقول الرجل إن ساكني المقابر يعيشون غالبًا على الصدقة، ففي أيام الخميس وفي الأعياد يأتي الناس لزيارة موتاهم فيوزعون الطعام والمال على السكان الذين يجتهدون في تنظيف الأحواش وري الصبار الموجود أمامها لاستعطاف ذوي الموتى.

وتابع حديثه لمجلة الجزيرة "قبل سنوات كثيرة نشبت خلافات بيننا وبين أصحاب المقابر، ثم اتفقنا على أن نعيش في المقابر مقابل حمايتها والاهتمام بها، وعندما وقع زلزال 1992 انخرطنا وسط المنكوبين للحصول على مساكن من الدولة، لكن منكوبي الزلزال وشوا بنا، فطردنا بالقوة" هكذا قال الرجل ثم طالبنا بالانصراف.

في الشوارع الصغيرة تتناثر قطع الأثاث والأواني والملابس المعلقة على حبال الغسيل، نساء يقمن بأعمالهن المنزلية ورجال يتكئون على جدران الأحواش في انتظار أي طلعة "زيارة" أما الأطفال فكما هم في كل مكان، يلعبون ويضحكون من قلوبهم ويستعطفون الزوار لمنحهم أي شيء، مالا أو طعاما، بعضهم يمشي نصف عار، لكن ضحكته تغطي وجهه الصغير.

مظاهر متناقضة يمكن مشاهدتها في أحياء المقابر (الجزيرة)


خوف وبلطجة
بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، استغل البلطجية المكان للقيام بأعمال غير مشروعة كتجارة المخدرات والدعارة وإخفاء المسروقات، وفق بعض السكان.

وفي المساء تخلو الشوارع مبكرا، إلا من هؤلاء الذين يعقدون الصفقات الحرام، تحت جنح الظلام وهالة الصمت، دون أن يحرك جلال الموت لهم ساكنا.

إحدى السيدات قالت لمجلة الجزيرة إنها تعيش هنا منذ أكثر من ثلاثين عاما، حتى إنها لم تكن ترغب في الرحيل "لولا تغير الأوضاع وانتشار الخوف بالمكان بعد الثورة". وأضافت بصوت خافت "لم نعد نخاف جوار الأموات، فالأذى كله يأتي من الأحياء".

وتفتقر هذه المقابر لكل الخدمات تقريبا، لأنها ليست للأحياء، فلا يوجد صرف صحي ولا مياه ولا كهرباء، إلا في أضيق الحدود وبطرق مخالفة.

وخلال فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، نظم سكان المقابر وقفات وعقدوا مؤتمرات صحفية حضرتها كاميرات القنوات المصرية ونقلت مطالبهم بتوفير مساكن بديلة لهم، أما اليوم فلا وقفات تنظم ولا مؤتمرات تعقد ولا كاميرات تأتي، أما المطالبات فهي أقرب للتوسل منها للمطالبة.

المصدر : الجزيرة