ياسين الكزباري - كينشاسا

في مناسبة أعياد الميلاد سنة 2000 لم تتمكن شركة سوني اليابانية من تزويد السوق بكمية كافية من لعبتها الجديدة "بلاي ستيشن 2" فاعتذرت لزبائنها الغاضبين عن عدم تلبية طلباتهم، بسبب نقص حاد في معدن لم يكن للناس به عهد من قبل وهو "الكولتان"، وأرجعت سبب ذلك النقص إلى الحرب الدائرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

والكولتان معدن نادر يستخدم في صناعة المفاعلات النووية ومحركات الطائرات والصواريخ والأجهزة عالية الدقة، ويمتاز بكونه لا ينصهر إلا عند درجة ثلاثة آلاف مئوية، أما جمهورية الكونغو الديمقراطية فهي الدولة التي تملك 80% من الاحتياطي العالمي المكتشف من هذا المعدن.

تقول لوسانج لوسيكو رئيسة تحرير جريدة Le souverain "في تلك السنة كان الجميع يتحدث عن الكولتان، كانت عشرات الشاحنات تخرج يوميا محملة بأطنان منه، وتضاعف سعره عشر مرات، فتضاعفت ثروات أمراء الحرب، أما السكان فتضاعفت فقط أعداد القتلى والنازحين منهم".

منجم ألماس تقليدي في إحدى قرى مدينة بوميجاي (الجزيرة)

كفارة أكل اللحم
يعمل كريستيان سكرتيرا عاما في منظمة أجنبية تعنى بمشاريع التنمية البشرية، ويتقاضى أربعمئة دولار في الشهر. قلت له "راتبك جيد بالنظر إلى متوسط الدخل في البلد"، فوافقني الرأي ثم أضاف أنه مع ذلك لا يصمد أمام الغلاء الجنوني في كينشاسا، كنا في السوق نتفقد حزمة أخرى من الأرقام، أو الأسعار.

كيلو الطماطم بـ15 دولارا، الخس بـ19، البطاطس بسبعة دولارات، البرتقال بعشرة، الجزر بدولار واحد، للحبة الواحدة. في السوق الشعبي لا يشتري الناس بالكيلو إنما بالحبة، ومعظمهم يشترون حبة أو حبتين من كل نوع، حتى الفواكه الاستوائية التي تنبت من تلقاء نفسها في كل مكان هنا أسعارها مرتفعة "وكأنها مستوردة".

قلت لكريستيان فوافقني "بالفعل هي مستوردة، فالمكان الذي تأتي منه لا تربطه أي طريق بالعاصمة، ونقلها من هناك أصعب من نقلها من برازافيل مثلا".

أما السكن فأجرة الشقة الفاخرة تصل إلى عشرة آلاف دولار، ومتوسط سعر شقة بثلاث غرف 2500 دولار، أما الغرفة الصغيرة المفروشة فبألف دولار، لم أعلم أني كنت أتجول في إحدى أغلى المدن في العالم، أغلى حتى من لندن ونيويورك وباريس.

يستأجر كريستيان غرفة بمئتي دولار، والباقي يذهب جله للأكل، والطبق الرئيسي في الأغلب يتكون من الفوفو وأوراق المانيوك المهروسة وأحيانا مرق السمك، والأصل وجبتان في اليوم، وهناك من يكتفي بواحدة.

كنت أسأل كريستيان عن نمط عيشه حين قال لي "حري بك أن تسأل عن أولئك الذين راتبهم خمسون دولارا، وأشار إلى شرطي مرور في الشارع".

عدنا أدراجنا، وعند باب المؤسسة سألني كريستيان عن الحارس "هل تعرف كم راتب هذا الرجل؟ إنه 150 دولارا، هل تعرف ماذا كان يعمل في السابق؟ لقد كان ممرضا".

ويحكي يوسف -وهو حارس المؤسسة- "كان ابني الأكبر يعينني على مصاريف العيش، لكنه توفي قبل أشهر، وحينها لم أستطع دفع الإيجار، مما اضطرني للبحث عن عمل آخر".

عند العشاء خطر ببالي ما إذا كان يسع يوسف -مثلا- أن يحضر لأسرته لحما على العشاء، فشاركت كريستيان أفكاري فقال "نعم يستطيع، لكن غالبا سيضطر وأسرته إلى صيام ثلاثة أيام لتعويض عجز الموازنة". أجابني وسكت برهة، ثم أضاف "إنها كفارة أكل اللحم هنا".

بسبب غياب الجسور والطرق الرابطة بين المدن الرئيسية يعتمد على عبارات متهالكة في قطع نهر الكونغو (الجزيرة)

الأغنى بالموارد
هي أسعار موجهة لأقل من 2% من الشعب، وحوالي نصف مليون من الأجانب -منهم قوات حفظ السلام ودبلوماسيون وموظفون- برواتب عالية، فضلا عن رجال أعمال من كل أنحاء العالم اختاروا الاستثمار في بلد يوصف بكونه الأغنى من حيث الموارد الطبيعية.

في فبراير/شباط 2009 قدرت مجلة "أفريكان بيزنس" المتخصصة أن احتياطي الكونغو الديمقراطية من المعادن غير المستغلة 24 تريليون دولار، وهو ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2009 لكل من الولايات المتحدة والصين واليابان، أو ما يقارب ثلث الناتج الإجمالي العالمي لسنة 2014 الذي يقدر بـ77 تريليون دولار.

تمتلك الكونغو الديمقراطية نصف احتياطي العالم من الكوبالت، وثلثه من الألماس، وعشره من النحاس، وتمتلك 13% من طاقة العالم الهيدروليكية، وهو ما يكفي لإضاءة أفريقيا جنوب الصحراء كلها، وتمتلك أيضا سادس احتياطي من الخشب، وأراضي زراعية قادرة على توفير الغذاء لمليارين من البشر.

غير أن الأرقام أعلاه لا تنعكس على حياة الناس، فالناتج الإجمالي المحلي حوالي 35 مليار دولار، أي أقل من نصف الرقم المسجل في دولة صغيرة مثل كوبا، وحصة المواطن السنوية من هذا الناتج سبعمئة دولار، وهذا الرقم قريب من ذاك المسجل في الصومال، والمحصلة أن 71% من الشعب يعيشون تحت خط الفقر، و27% يعيشون على أقل من أربعة دولارات في اليوم، فيما 2% فقط خارج دائرة الفقر.

على بعد خمسين كيلومترا من كينشاسا في منطقة تسمى كاسانغولو وقفنا داخل أحد المناجم بدا لي ضخما جدا، هذا المنجم أصغر بمئة مرة من مناجم كاطانغا العملاقة، وقال لنا مديره "في السابق كان يستخرج منه الألماس، لكنه اليوم يصلح فقط لاستخراج الحجر، ويريد صاحبه بيعه بخمسين مليون دولار فقط".

وفي طريق عودتنا إلى كينشاسا توقفنا قليلا في القرية، وكان آخر شيء يمكن للمرء تخيله وهو يتأمل حال الناس هو أنه على بعد مئات الأمتار فقط توجد مناجم تدر على أصحابها ملايين الدولارات.

كان كريستيان يقلب صفحات التقارير الدولية ويشرح لي النكبة التي حلت ببلده فقاطعته "تبدو مغارة علي بابا خاصتكم واسعة جدا"، ليجيبني "الأمر لا يتعلق بمغارة، الأمر هنا يتعلق بثقب أسود يبتلع بلدا بأكمله".
عمل شاق في نقل البضائع مقابل دخل متدني كحال غالبية الشعب الكونغولي (الجزيرة)

سلام مكلف
في السابق لم يكن الناس يعرفون الغلاء، وبعد الحرب ومع بدء إحلال السلام بدأت المناجم تتوسع، وفروع الشركات تنتشر، والعقار يزدهر، والفنادق تستقبل رجال الأعمال الأجانب فتفاءل الناس واستبشروا كما يقول جون جاك ووندو.

لكنه يضيف "كنا نتوقع أن تتحسن حياتنا، لكنها كانت تسوء، ولم نكن نفهم ماذا يجري وأين تذهب الثروات؟ ثم اكتشفنا أن السلام الذي فرحنا به كان بندا واحدا من بين عدة بنود في صفقة لم يكن الشعب طرفا فيها، فقط: الجيش والشركات العالمية، وكانت تقايض الثروة بالسلام، والسلام مقابل السلطة، ولأن عدد الذين قتلوا في الحرب تجاوز عشرة ملايين إنسان وافقنا، ولم نعلم أن المقابل الذي سندفعه لأجل السلام هو ثروة بلدنا كلها".

"هل من أفق؟" سألت جون جاك، فقال "المشكلة هي أنه بدل أن يعم السلام صار عدد الفصائل المتمردة أكثر من سبعين فصيلا بعدما كانت بضعة فصائل فقط، وصار عدد قوات حفظ السلام 23 ألفا بعدما كان ستة آلاف قبل 15 سنة، ويبدو أننا عالقون".

"إنه سلام مكلف" قلت لجون جاك، فقال لي "سلام مكلف نعم، لكنه بالنسبة لمعظم الناس أقل تكلفة من الحرب"، فخطر ببالي أن الثقب الأسود لم يبتلع البلاد فقط، وإنما نزع من قلوب أهلها حتى الأمل، والأمل أغلى ما يمكن للمرء فقدانه.

المصدر : الجزيرة