آخر تحديث: 2017/11/1 الساعة 07:41 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/12 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/1 الساعة 07:41 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/12 هـ
-1/14-

المهن ثقافة وتراثا

المهن ثقافة وتراثا

محمد المختار الخليل
مدير تحرير الجزيرة نت

تعتري المجتمعات ما يصيب إنسانها من تقادم السن وتغير الذوق والمزاج تجاه تفاصيل الحياة التي يعتادها لسنوات، تحت وطأة التطور وتسارع تكنولوجيا الإنتاج والانفتاح على العالم، مما يجعل كثيرا من تلك التفاصيل تبدو قديمة وغير ملائمة للحياة المتطورة.

ومن القطاعات التي تتأثر بالحداثة المجتمعية والصناعية، الحرف التقليدية التي تؤمّن احتياجات التجمعات السكانية صغرت أو كبرت، وتتوارثها هذه التجمعات عبر الأجيال، أو قد تكون مهنا عامة يتراجع الإقبال عليها لعدم جدواها ماديا أو قلة الحاجة لها.

في كثير من الأحيان تتجاوز بعض المهن طابعها المعيشي والاقتصادي إلى البعد الثقافي والتراثي في بلد أو تجمع إنساني ما، ويسيء للتراث أن تُهمل هذه المهن وتترك وحيدة في مواجهة أطماع السوق والربح السريع، الذي قد يوفره الانفتاح الاقتصادي على الخارج. وإغراق الاقتصادات الكبرى الأسواق النهمة لكل ما هو مستورد وزهيد.

وتعرف بعض البلدان أو المدن -وحتى الأحياء- بمهن ذات طقوس وأجواء خاصة، إلا أن المزاج العام، وظروف المهنة انتهت بها لتصبح "فلكلورا" يجتذب السياح وزائري المكان، وتجد مساحة من العرض في الفعاليات والمناسبات الوطنية.

ولذلك تحرص الدول التي تحترم ثقافتها وتراثها على إنعاش مهنها التقليدية، ومدها بأسباب الحياة والاستمرار، مخافة أن تفتقدها الأجيال القادمة، أو تغدو غريبة عليها وتعجز عن التفاعل معها. فتنظم باستمرار المعارض والمهرجانات التي تحيي تراثها في الفن والملبس والمأكل والمصنوعات اليدوية البسيطة.

فكرة تراجع المهن التقليدية، واتجاه بعضها نحو الانقراض، تستدعي اهتمام المنظمات الثقافية الدولية والمحلية في محاولة لإنقاذها من الاندثار في بطن التاريخ. وهو ذاته ما أثار اهتمام مجلة الجزيرة لتسليط الضوء على بعض هذه المهن -التي تطول قائمتها- من مناطق جغرافية مختلفة وأنماط متنوعة؛ للفت النظر إلى أهمية القضية ثقافيا وتراثيا، وتجاوز بعدها المعيشي والمالي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/14-

صانع الدمى بطنجة.. وهج القديم لا ينطفئ

صانع الدمى بطنجة.. وهج القديم لا ينطفئ

وصال الشيخ - طنجة


في أزقة البلدة القديمة في طنجة شمال المغرب، يقع حيّ شهير باسم "بن ريسول"، فيه سلالم توصل إلى مقهى "بابا" وبازارات تجارية وثلة من الخياطين التقليديين المهرة. عند كل درجة يقع محلّ صغير المساحة يشغله شباب وشيوخ، للعمل بدأب متواصل بالإبرة والخيط.

حيّ هادئ يبعث على الراحة والسكون، وتتنوع فيه الروائح والزوار والأماكن ذات الطابع التقليديّ البحت. هناك أجانب يملكون بيوتا في الحيّ نفسه، ولكثرة التخالط والتعايش بينهم نجد أصحاب الحيّ يتحدثون الدارجة المغربية والفرنسية والإسبانية والإنجليزية.

عند محل صغير يحشر نفسه بين تلك المحلات، استثنائي وغير منخرط بمهنة الخياطة التقليدية التي يتقنها الغالبية هنا، نجد العمّ محمد العبّاري يجلس أمام عتبة محلّه وأمامه طاولة مليئة بالدمى التقليدية الصغيرة والكبيرة، وعن يساره بعض الحقائب والثياب والمقتنيات المعلقة "كديكور" أكثر مما هي للبيع.

ينصرف العمّ العبّاري إلى الحفاظ على صناعة خفّ وهجها، حيث بات الوحيد الذي يُعرف بصانع الدمى التقليدي في المدينة التقليدية.

شهدت الدمى رواجا كبيرا خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي بسبب النشاط السياحي القوي (الجزيرة)



تعلّم العبّاري منذ أربعين عاما أن يستخدم الخيط والإبرة بطريقة مغايرة تماما، ووجهها لصناعة الدمى على شكل حيوانات، مثل الجمل والفيل والحصان، وعلى هيئة شخصيات مستوحاة من الحياة الريفية أو الجبلية للمغرب. فمثلا نجد عنده دمى على هيئة امرأة "جبالة" -أي قادمة من الجبل- مختلفة تماما في طريقة لباسها، وقد نجد الدمية تحمل رضيعا أو سلة خضار، كما نجد مثلا "القرّاب" أي حامل قربة الماء، أو التبوريدي" أي حامل البارودة؛ أشكال يريد منها العبّاري أن تصل للعالم وتقول إنها من المغرب، وليست من مكان آخر.

عرّفنا العباري بنفسه أنه "صانع دمى تقليدية"، وهو ما يضطره للذهاب إلى مدينة تطوان المجاورة، من أجل شراء جلد الكبش الخفيف والمريح لإبرته، الذي يستخدمه في صناعة الدمى.

يصف طريقته في الإبداع للجزيرة نت فيقول "أشتري جلد الكبش من سوق تطوان أو محلات الحقائب الجلدية بتكلفة تصل خمسة يوروات. أرسمها ثم أقص قطعتين منها بحسب الشكل الذي أريد، ثم أخيط القطعتين وأحشو الدمية بالقش أو التبن الذي أشتريه من سوق اكزناية (سوق تابع لطنجة)"، ويضيف "أحرص عند شراء الجلد أن أنوّع الألوان، الأحمر والبرتقالي والبنيّ، حتى تناسب الدمى جميع الأذواق، ثمّ أضيف لها الزينة ومكملات أخرى مثل السرج أو الأحزمة بشكل يوحي بأنها حقيقية".

شهدت الدمى رواجا كبيرا خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، بسبب النشاط السياحي القوي الذي كانت تشهده طنجة، وفق العباري. وكان الناس يشترون بعملتهم القديمة قبل أن يحلّ اليورو محلّ البسيطة الإسبانية أو المارك، ولكن اليوم "ضعفت السياحة، والسياح يأتون للتنزه فقط".

إلى جانب دمى الحيوانات يصنع العباري دمى على هيئة شخصيات مستوحاة من الحياة الريفية (الجزيرة)


يحدّث العباري بأنه ممن يعيشون على مبدأ "يوم لك ويوم عليك"، ويقول "أحيانا أبيع دمية واحدة وأحيانا أكثر، وتمر أيام عدة دون بيع. ويبلغ سعر الدمية عندي ما بين يوروين إلى عشرة يوروات، ويفضل السيّاح والعائلات دمية الجمل أكثر من غيرها، فقد يشترونها هدية أو دمية لأطفالهم".

يحافظ العباري على أسلوبه في الخياطة وتميزه في طريقة البيع والشراء، ويفرش بضاعته أمام دكانه كي يراها السيّاح في سبيل تشجيعهم على شراء الدمى. "الأمر يعجبهم نظرا لأنها صناعة يدوية وليست مستوردة"، على حدّ قوله، ويضيف "منهم من يقف ليلتقط الصور لصانع الدمى الوحيد الذي يصادفونه في الأزقة".

ولكنه ليس الوحيد حقيقة، يقول: "يوجد صناع دمى آخرون في طنجة، ولكنهم لا يصنعونها في دكاكين إنما في بيوتهم. أنا الوحيد ممن لديه دكان، وهم يرسلون مئتي قطعة أو أكثر للمعارض، ولكن أنا أعمل بدكاني هنا منذ عشرين عاما، ولا باب رزق آخر لدي".

يحتاج العبّاري يومين لصناعة خمس دمى على الأكثر، إضافة إلى مجموعة من الأدوات مثل السكين والخيط والإبرة والمقص وكباسة الحديد والدبابيس والقماش، وقطع الزرابي لتزيين الدمية وإخراجها بالشكل المطلوب، لذلك فإنه يقصد دكانه الصغير من العاشرة صباحا حتى العاشرة مساء.

تعلّم العبّاري منذ أربعين عاما أن يستخدم الخيط والإبرة ووجهها لصناعة الدمى على شكل حيوانات (الجزيرة)

سألته الجزيرة نت إن كان لديه مساعد، فأجاب "هذه مهنة لم تعد تفيد جيل الشباب الجديد، فهم يبحثون عن الثراء السريع، ولن يستطيع أحدهم توفير متطلبات الحياة من صناعة الدمى، أمّا نحن فجيل مختلف عنهم، نصبر في عملنا".

دكان العبّاري دون اسم يذكر، ولكن ابتسامته ولطافته وكرمه مع الغرباء ودُماه الفريدة في شكلها تبقى محلّ ذكر، سواء عند أهل الحيّ أو المارّين من هناك.

تبقى المدينة القديمة لطنجة محلّ أسرار، أزقة ودكاكين لها روح أصيلة، أناس بخبراتهم البسيطة انعكست مرآتها على الحاضر، وظلت -رغم المصير الذي تنحدر إليه هذه الصناعات- تعبر عن شغف أهلها بما تعلموه واحترفوه قديما. صناعات مثل الدمى التقليدية أو أحذية "الرافيا" أو صناعات النحاس مفخرة واعتزاز لهؤلاء الذي يعبرون بنوع من الصوفية عن قناعتهم برزقهم وإخلاصهم لما بين أيديهم.

وقد نشأت الصناعات التقليدية نتيجة حاجات محلية، فصناعة الدمى قديما نشأت لقلة توفر هذا النوع في المغرب، حيث عبّرت عن حضارة وسلوكيات هذا المجتمع في تلك الفترة الزمنية، وظلّت تعبر عن هويته وثقافته الخاصة حتى اللحظة.
 
السابق

السابق

التالي

السابق

-3/14-

"القرّاب".. أمانة السلف تعيش أزمة الخلف

"القرّاب".. أمانة السلف تعيش أزمة الخلف

اعتماد بلعيد - مراكش


بينما تشق طريقك وسط زحام الأسواق الشعبية أو الساحات العمومية بالمغرب، يصل إلى سمعك رنين جرس نحاسي موصول بنداء "برد أعطشان"، وسرعان ما يتبين لك أن مصدرهما شخص ذو زي أحمر مميز يحمل قربة ماء وأكوابا براقة.

يذهب الرجل ويجيء وهو يواصل النداء ودق الجرس؛ لكي يجذب اهتمام المشّائين العطشى إليه، وإلى مياهه الباردة، مقابل دراهم زهيدة. إنه "القرّاب" أو سقاء الماء، الذي كان في ما مضى حاضرا في كل الساحات والأسواق، قبل أن تفقد مهنته وهجها مع استغناء الناس عن خدماته.

مهنة القرّاب ضاربة جذورها في القدم، وهناك من الباحثين من يرجع أصولها إلى أيام الأندلس، لكن آخرين يرون أن سقاية الماء أقدم من ذلك بكثير، حيث ارتبطت بوجود الإنسان وحاجته الدائمة إلى الماء من أجل الحياة.

يقول الباحث والكاتب د. محمد آيت لعميم للجزيرة نت "إن مهنة السقاء كان يزاولها الناس في أزمنة غابرة، واكتست طابعا خاصا حين زاولها بعض القرشيين خلال موسم الحج، وقد أشار القرآن الكريم إلى سقاية الحاج".

الكراب مهنة رجالية بامتياز لكن هناك عددا قليلا من النساء اللواتي امتهن أيضا سقاية الماء (الجزيرة)

ويضيف آيت لعميم "القرّاب يصدح بجملة لها دلالة عميقة، وهي "الماء لله ومن أعطى شيئا فهو لله"، وهذه الجملة تختزل الرمزية العميقة لهذه المهنة المرتبطة بواهب الحياة، الذي جعل من الماء كل شيء حي".

وبالإضافة إلى نداءاته المتلاحقة وأصوات أجراسه النحاسية، يتميز "القرّاب" بهندامه الفريد، إذ يرتدي بذلة حمراء قانية وقبعة تقليدية مزركشة، كما يحمل القربة (وعاء المياه المصنوع من جلد الماعز) بالإضافة إلى طاسات (أكواب نحاسية).

يقول الدكتور آيت لعميم "إن لباس القرّاب يوحي بأنه لباس ينحدر من عالم خدمة الملوك؛ فاللون الأحمر والقبعة الكبيرة ذات الأهداب، والقربة النظيفة المرصعة بقطع النقود القديمة، والطاسات النحاسية اللماعة؛ تشكل كلها مجتمعة مشهدا لافتا".

ويضيف أن من بين الأمثال الشعبية التي درج الناس على قولها مثل يحث على العناية بسقاء الماء، مفاده "إذا أردت القرّاب في الصيف فاعتن به في الشتاء".

تحت شمس أكتوبر/تشرين الأول التي ما زالت لاهبة في مراكش، رغم انقضاء فصل الصيف، يقضي صلاح الدين المكبس يومه متجولا في ساحة جامع الفنا، باحثا عن زبون ظمآن أو سائح كريم.

صلاح الدين المكبس يومه متجولا في ساحة جامع الفنا، باحثا عن زبون ظمآن أو سائح كريم (الجزيرة)

المكبس تجاوز عقده الخامس، وورث حرفة سقاية الماء عن جده، الذي كان يقوم بسقاية الماء للمنازل والبيوت، التي لم تكن حينها ترتبط بشبكة المياه الصالحة للشرب.

ورغم أن المكبس امتهن هذه المهنة منذ عقدين تقريبا، فإنه لا يخفي حسرته وحزنه بسبب ما آل إليه وضعها؛ إذ يقول "لم يعد يقصدنا أحد لشرب الماء، بل إن جل زبائننا من السياح الأجانب الذين يرغبون في التقاط صورة معنا فقط. ويشير إلى قربته الجلدية "إنها فارغة وأنا لم أعد أملأها بالماء".

ومقارنة بباقي زملائه السقائين، فإن المكبس كان محظوظا عندما اختارته غرفة الصناعة التقليدية بمدينة مراكش للمشاركة في تظاهرات تراثية ومعارض في الخارج، وهي مناسبات تشكل فرصة ذهبية -كما يرى- للحصول على تعويض مادي جيد يغني عن التجول في الساحات والأسواق، ومن بين التظاهرات التي شارك فيها المكبس "الأسبوع المغربي التراثي بأبو ظبي".

غير أن مناسبات كهذه تبقى قليلة، ولا يستفيد منها جميع السقائين، ففي ساحة جامع الفنا وحدها ما زال نحو 16 سقّاء يزاولون عملهم، وهو عدد قليل مقارنة بما كان عليه الأمر قبل بضع سنوات فقط، إذ كانت الساحة تحفل بعشرات السقائين، ومثلهم في "باب دكالة"، وغيره من أحياء وساحات المدينة.

كثير من السقائين أقعدهم المرض، وبعضهم وافته المنية، وبعضهم الآخر كَلَّ من مهنة تعبها كثير وربحها قليل، لكن "سي عمر" -أحد شيوخ السقائين في مراكش- له رأي آخر؛ فقد عمل هذا الرجل سقاء منذ أكثر من خمسين عاما، وما زال -وهو في طريقه لإكمال عقده التاسع- يواظب على حمل قربته والتجول في الساحات والأسواق.

الجرس النحاسي من الأدوات الأساسية لدى الكراب وبدونه لا تكتمل إطلالته التراثية (الجزيرة)

يقول سي عمر بابتسامة عريضة "هذه حرفتي وسأزاولها حتى أموت". وفي رده على سؤال الجزيرة نت عما إذا كان يكفيه مدخوله منها لمجابهة مصاريف الحياة، قال "احنا عايشين مع الجواد"، أي أن هناك أشخاصا كرماء في عطاياهم، مضيفا أن "الأمر لم يعد كما كان عليه في الماضي، لكن لا شيء يبقى على حاله في هذه الدنيا".

ومع رواج المياه المعبأة في عبوات بلاستيكية تراجع الدور الوظيفي للقرّاب بشكل كبير، إذ أصبح بإمكان كل شخص اقتناء قنينة بثمن رخيص، بدل الاضطرار إلى البحث عن القرّاب لإطفاء عطشه، وهناك فئة أخرى تخشى أن تشرب من كؤوس القرّاب، التي يتناوب عليها عدد كبير من العطشى مخافة انتقال أمراض معدية.
ويعلق المكبس على ذلك بإن سقّائي الماء، خصوصا أولئك المنتظمين في عملهم بساحة جامع الفنا، كانوا يخضعون لفحص طبي إجباري بشكل دوري قبيل السماح لهم بالعمل، كما أن وحدة طبية كانت تنتقل إلى مكان عملهم بشكل دوري من أجل فحص جودة المياه التي يقومون ببيعها، وما إذا كانت مياهها صالحة للشرب أم لا، حفاظا على صحة الشاربين.

ويضيف المكبس أن هذه الإجراءات لم يعد معمولا بها حاليا، بعد تراجع الإقبال على القرّاب ومياهه الباردة. ورغم انتفاء الإقبال على خدمات القرّاب، فإن هناك من يفضل الشرب من قربته بدل العبوات البلاستيكية، وهو حال "محمد" الذي يقول إن شربة القرّاب لا مثيل لها، خاصة طعم القطران الذي يضعه في قربته الجلدية فتصير المياه بطعمه.

وفي ظل انحسار الاهتمام بالسقاء وانعدام الحاجة إلى خدماته، وجد الكثير من السقائين أنفسهم شبه عاطلين عن العمل، واستبدلها البعض بمهنة أخرى تضمن له مكاسب معقولة، فإن كثيرين من الذين ما زالوا يمارسون مهنة القرّاب تحولوا إلى متسولين يمدون أيديهم ويستجدون السياح والزوار.

كثير من رواد الساحة يكتفون بالتقاط صور تذكارية فقط مع الكراب (الجزيرة)

تحوّل شخصية تراثية مثل القرّاب إلى متسول أمر بات يزعج الكثيرين ممن عايشوا العصر الذهبي للقرّاب، ومن بينهم الحاجة فاطمة التي تقطن في المدينة القديمة بمراكش، وتقول "إن القرّاب يرمز إلى إرث جماعي، وينبغي تكريمه، لا تركه ذليلا يتسول الأعطيات".

ويعلق آيت لعميم على هذا الوضع قائلا "إن قامة القرّاب كانت تسامق صومعة الكتبية في البطاقات البريدية، لكن دوام الحال من المحال، فقد أصبح القرّاب بلباسه الملوكي يستجدي المارة".

وبالإضافة إلى مدخولها الزهيد، فإن مهنة القرّاب ليست منظمة قانونيا، ولا يحصل مزاولوها على امتيازات قانونية أو اجتماعية، من قبيل الضمان الاجتماعي أو التغطية الصحية، وكلها عوامل تجعل هذه المهنة منبوذة من قبل الجيل الناشئ، ودون خلف يحافظ عليها.

وبحسب سي عمر فإن عدم اهتمام الأجيال الشابة بالمهنة يعجل باندثارها نهائيا، "أبنائي لم يهتموا بها بل طلبوا مني تركها".

التحولات التي عرفها نمط الحياة قلصت دور السقاء وألغت وظيفته، حتى أضحى وجوده رمزيا فقط في بعض الساحات، لكن رغم ذلك ما زال عدد من السقائين يصرون على ملء قربهم بالماء العذب كل صباح، والنزول إلى الأسواق والساحات، ليس فقط من أجل البحث عن عطشى تروي شربة ماء من الكؤوس النحاسية ظمأهم، لكن من أجل إحياء مهنة تراثية يعتبرونها أمانة يجب الحفاظ عليها، وإن عانوا في سبيل ذلك.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/14-

الطربوش بمصر.. أنقذته الدراما من الاندثار

الطربوش بمصر.. أنقذته الدراما من الاندثار

دعاء عبد اللطيف - القاهرة


قبل قرابة مئتي عام، سافر صبي من القاهرة إلى أسوان جنوبي مصر، كانت رحلة متعبة وشيقة وتبعاتها امتدت نحو قرنين في سلالته.

سافر الصبي أحمد -الذي سيصير بعد ذلك الحاج أحمد الطرابيشي- مع المئات غيره، تنفيذا لقرار والي مصر محمد علي باشا -في أوائل القرن التاسع عشر- إرسال عدد من الصبية والشبان إلى أسوان -التي كانت وقتئذ مركزا للتدريب على الصناعات اليدوية- لتعلم حرف جديدة تساهم في بناء دولته الجديدة.

تعلم الصبي حرفة صناعة الطرابيش، وبدا ماهرا فيها، فاختير ليكون ضمن البعثات التي سافرت إلى عاصمة الدولة العثمانية إسطنبول "لتشرّب الصنعة بشكل أفضل"، كما يروي حفيده للجزيرة نت.

الطربوش هو غطاء للرأس كالقبعة، لونه أحمر، وتتدلى من جانبه الخلفي خيوط سوداء تسمى "شراشيب"، ولا يُعرف تاريخ محدد لدخوله إلى مصر وانتشاره فيها، لكنه صار خلال حكم أسرة محمد علي من الزي الرسمي للموظفين الرجال في دواوين الحكومة، ولطلاب المدارس والجامعات، إلى جانب ارتباط ارتدائه بالباشوات.

عاد أحمد من إسطنبول ملما بأسرار حرفة صناعة الطرابيش، وفي سن الثامنة عشرة منحه والي مصر ورشة في منطقة الغورية وسط القاهرة، لا تزال تعمل حتى الآن تحت إدارة أحفاده، رغم الصعوبات الكبيرة التي تهدد باندثار هذه الصناعة في البلاد.

ورشة أحمد محمد أحمد أقدم ورشة لتصنيع الطرابيش في مصر  (الجزيرة)


يقول الحفيد "أحمد" إن ورشة الأجداد توسعت في أربعينيات القرن الماضي وعلى مدى عشرات السنين ليصير لها 42 فرعا في محافظات مصر المختلفة، تُصنع فيها طرابيش الملوك والباشوات والمواطنين، وكان أهم زبائنها الملك فؤاد والملك فاروق، ومشاهير المقرئين كالشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ مصطفى إسماعيل، إلى جانب الفنانين مثل يوسف وهبي ومحمد عبد الوهاب.

ويحاول الحفيد أن يؤكد ما رواه عن زبائن الورشة، فيترك جلستنا ويذهب ناحية رف قديم يفتحه ويُخرج منه صندوقا متآكل الأطراف على شكل طربوش كبير، ويرفع غطاءه بحرص شديد ليُخرج منه طربوشا تبدو الدقة الشديدة في صنعته، ويقول "هذا طربوش الملك فاروق، لم يسعفنا الوقت لإرساله إلى الملك، فقد قامت ثورة يوليو وترك فاروق البلد وبقي الطربوش هنا".

الأمور تغيرت تماما مع قيام ثورة 23 يوليو/تموز 1952، فسارع ورثة الحاج أحمد لبيع كل أصولهم التجارية -ما عدا ورشة الجد الكبير في الغورية- خلال 48 ساعة فقط؛ خوفا من أن يطولها التأميم الذي جرى في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عقب الثورة، وبموجبه نقلت أملاك خاصة إلى القطاع العام.

وازداد ضيق الخناق على مسيرة صناعة الطرابيش بإصدار حُكام يوليو قرارا يجعل ارتداء الطربوش غير إلزامي في الدوائر الحكومية والمدارس والجامعات، مما أدى إلى إغلاق مئات الورشات والمتاجر الخاصة بصناعة الطرابيش وبيعها والمنتشرة في محافظات مصر.

طربوش الملك فاروق الذي عزل عن منصبه قبل أن يرتديه (الجزيرة)


يقول حفيد أحمد الطرابيشي إن العائلة أصرت على استمرار الورشة رغم الكساد التام الذي أصاب بيع الطرابيش، مضيفا أن "عدد الورشات التي تنتجها الآن في مصر لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة".

ويوضح أن الورشات المتبقية تعتمد على صناعة عمائم أئمة الأزهر والطرابيش السياحية التي يشتريها السائحون باعتبارها من التراث المصري، إلى جانب تلك المستخدمة في المسلسلات التاريخية. ويتابع أن "الطرابيش التي ظهرت في مسلسل باب الحارة، ومؤخرا في مسلسلي الجماعة -الجزء الثاني- وواحة الغروب، من إنتاج ورشتنا".

وهناك زبون آخر للطرابيش، وهو بعض أبناء الباشوات الذين هاجروا من مصر بعد عام 1952، فزياراتهم إلى مصر تشمل زيارة الورشات القليلة المتبقية لشراء ما يُذكرهم بماضيهم.

تركنا ورشة أحمد محمد أحمد إلى ورشة أخرى أكثر حداثة في شارع المعز لدين الله الفاطمي -والحداثة هنا تعني أن عمرها ثمانين سنة- ليحدثنا صاحبها محمد عبد الصمد عن مراحل تصنيع الطربوش.

يقول عبد الصمد إن هناك أنواعا عديدة من الطرابيش، فطربوش الأفندي يمتاز بلونه الأحمر القاني، أما طربوش الباشا فلونه "نبيتي" (عنابي)، وأيضا لرجال الدين الإسلامي طرابيش "عمائم" خاصة، تأخذ شكل أقرب للمعين.

وطربوش الإمام يختلف عن طربوش المقرئ، فالأول لونه "نبيتي" (عنابي)، وله شراشيب لونها أسود، أما الثاني فيميل لونه إلى الوردي مع شراشيب لبنية.

مرحلة كبس القماش على الخوص (الجزيرة)


ويوضح عبد الصمد أن الطربوش يُصنع من "الخوصة"، أو ما يُعرف بالخوص المضغوط، الذي يوضع في آلة تسمى "الوجاء"، يكون فيها قالب نحاسي على شكل الطربوش المحدد لتأخذ "الخوصة" شكله، ثم يتم تفصيل القماش عليها، ويكون من صوف مضغوط أو جوخ، ويلصق القماش فوق الخوص بواسطة مادة "النشا" اللاصقة. وبعد تمام الالتصاق يُلف شريط من الجلد على حافة الطربوش من الداخل، ثم تركّب "الشراشيب" في الجانب الخلفي للطربوش.

وتستغرق مراحل تصنيع الطربوش قرابة ثلاث ساعات، "ولكن أحيانا لا يستغرق الأمر أكثر من نصف ساعة، وفي هذه الحالة يكون الطربوش بجودة أقل، لأن المادة اللاصقة لا تكون ألصقت الخوص بالقماش بشكل متين"، كما يشرح صانع الطرابيش.

ويضيف أن الطرابيش تتراوح مقاستها بين 52 و63 وهي أرقام تخص محيط دائرة الطربوش، مشيرا إلى أن أسعارها تتراوح بين عشرة جنيهات (نصف دولار) ومئة جنيه (ستة دولارات).

ورغم عدم الإقبال على شراء الطرابيش خاصة مع المعاناة الاقتصادية التي تعيشها البلاد في السنوات الأخيرة، فإن عبد الصمد مُصرّ على الاستمرار في المهنة التي ورثها عن أبيه وجده.

ويقول "لو حولت هذه الورشة إلى متجر يبيع الملابس أو ألعاب الأطفال فسأكسب أكثر بكثير من دخلي الحالي، لكني أجد في صناعة الطرابيش برّا بوالدي وجدي، وأجد في حرفتي السعادة والرضا".

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/14-

ساحر الأفاعي.. ينحسر إلى المناطق النائية في الهند

ساحر الأفاعي.. ينحسر إلى المناطق النائية في الهند

سيد فايز الحق - نيودلهي




الذين عاشوا بالهند في العقود الماضية يتذكرون أن ساحر الأفاعي كان أحد أشهر معالم الترفيه في أنحاء البلاد، وكان عرض رقص أفاعي الكوبرا على نغمة الموسيقى واحدة من لوازم المهرجانات الشعبية الهندية، قبل أن تتراجع هذه العروض مؤخرا.

بالشعر الطويل، والعمامة البيضاء، والأقراط والقلائد من الخرز، كان ساحرو الأفاعي يتجولون في شوارع المدن وأزقة القرى مع ثعابينهم داخل سلال الخيزران التي تتدلى فوق أكتافهم، ويتابعهم الأطفال بفرحة وترقب لمشاهدة العرض المشوق.

وبمجرد أن يجد الساحر موقعا مناسبا، يقوم بوضع الأواني والسلال على الأرض، ويجلس أمام السلة بعد أن يرفع غطاءها، ثم يبدأ العزف الموسيقي من ناي يعرف باسم "كان" أو "بونجي"، وفور سماع الأفاعي لحن الناي تطل برأسها متمايلة مع اللحن.

وللأفاعي علاقة خاصة بالثقافة الهندوسية لارتباطها بالمعتقدات الدينية لدى الهندوس؛ فقد ورد ذكر ساحر الأفاعي في الكتب الدينية الهندوسية وملاحمها التاريخية، وأُنتجت أفلام هندية كثيرة مرتبطة بقصص الأفاعي وعلاقتها بالمجتمع الإنساني حسب معتقدات الهندوس.

أفعى الكوبرا تدخل في صميم عقيدة الهندوس لذلك تصنع لها تماثيل للعبادة والتقديس (غيتي )


وتكرر في كثير من الأفلام الهندية أن يتحول البطل إلى أفعي حسب متطلبات القصة والفيلم، ويكون ساحر الأفاعي من أهم أبطال الفيلم، لكن مع مرور الزمن لم نعد نرى هذا اللون من الأفلام والقصص.

ويكاد مشهد ساحر الأفعى يغيب تماما في مدن الهند الكبيرة، مع بعض الحضور في المناطق النائية والأرياف؛ ويرجع خبراء اجتماعيون ذلك إلى حملات التوعية بحقوق الحيوانات التي نشطت مؤخرا في عموم الهند، ووجدت مساندة من الأجهزة الأمنية؛ تفعيلا لقانون حماية الحياة البرية.

فضلا عن ذلك، فإن القبائل الهندية التي امتهنت سحر الأفاعي لم تعد تجد هذه المهنة مصدرا لدخل يكفي احتياجاتها التي تزداد مع الوقت، كما أن وسائل الترفيه تغيرت كثيرا لدى الأجيال الجديدة، وباتت تعتمد على التكنولوجيا والهواتف المحمولة.

أستاذة الاقتصاد والعلوم السياسية ميريام روبرتسون تقول إن قبيلة "كالبيليا"، من إقليم راجيستهان (شمالي الهند) من القبائل التي كانت تمتهن سحر الأفاعي وتسمى "جوغي ناث". وهي قبيلة بدوية كانت تتنقل باستمرار، أما الآن فلديهم بيوت ثابتة، وإن كانت متواضعة، وبات معظمهم متعلما، ويتقنون مهنا أخرى، وتصنف -اجتماعيا- هذه القبيلة ضمن الطبقة السفلى، حسب النظام الاجتماعي الهندوسي.

عروض ساحر الأفاعي لا يزال يلقى جاذبية لدى الهنود خاصة في القرى والمناطق النائية (الجزيرة)


وتفيد ميريام بأن رجال هذه القبيلة كانوا يصطادون الأفاعي والثعابين من الغابات أو المزارع، ويزيلون أنيابها وسمّها بطريق خاصة، لتجنب أي خطر على مشاهدي العرض.

سونو جومار (24 سنة) من قبيلة كالبيليا يسكن مع أسرته في عشوائية بالعاصمة الهندية نيودلهي، ويقول "إنه وصل إلى نيودلهي مع والديه وشقيقتيه حين كان عمره تسع سنوات؛ فقد كان والده يبحث عن مصدر دخل أفضل، لأن عمله التقليدي في راجيستهان لم يكن يكفي احتياجات الأسرة".

ويضيف في حديثه للجزيرة نت "بعد بضع سنوات من وصولنا نيودلهي توفي والدي، وتحملت مسؤولية رعاية والدتي وشقيقتي، وأعمل الآن في ورشة لتصليح السيارات، وعندما يكون لدي وقت فراغ أعمل ساحرا للأفاعي، لكن بعيدا عن أعين أجهزة الأمن والناشطين".

ويمضي في حديثه عن عمله "لا أجد وقتا كافيا للعمل ساحرا الأفاعي، لأني أعمل في ورشة السيارات من الصباح إلى المساء في معظم الأيام، وهذا هو مصدر رزقي الأساسي، فشقيقتاي تدرسان في المدرسة، ويجب تسديد رسوم مدرستهما، ووالدتي تساعدني في رعاية الأفاعي عندما أكون في الورشة رغم أنها مريضة".

مؤسسة آشا لحماية الحيوانات تنشط في جمع أفاعي الكوبرا وغيرها لحمايتها من الصيادين (رويترز)

ويؤكد جومار أن "سحر الأفاعي مهنتي التقليدية، لكنها لم تعد تكفي لتأمين احتياجاتي، ولم أرغب في أن أترك هذه المهنة، لأني كبرت معها، كبرت مع الأفاعي منذ صغري ولا أخافها، هكذا نشأت مع هذه المهنة، وأحيانا أفكر في إطلاق الأفاعي في الغابات، إلا أنني أتراجع لأني لا أطيق البعد عنها.

في المقابل، يقول وسيم أختر -الذي يعمل في مجال حماية الحياة البرية في نيودلهي- "الآن لا يوجد ساحرو الأفاعي، كما كنا نراهم في الشوارع والإشارات في نيودلهي، وإن كانوا موجودين فهم يتسترون ويخفون هويتهم، وأصبح عملهم محدودا للغاية بسبب ملاحقة القانون لهم، وزيادة وعي الناس حول هذه المهنة".

وباتت مهنة ساحر الأفاعي منحسرة بشكل واضح، ولم يعد لها حضور واضح إلا في المناطق النائية والأرياف التي يغلب عليها الجهل والبعد عن يد القانون، مثل إقليم راجيستهان والأقاليم المجاورة له، وقد يصبح مشهد ساحر الأفاعي من التراث والحكايات الشعبية، ليس أكثر.
السابق

السابق

التالي

السابق

-6/14-

نيكاراغوا.. الفقر ينقذ أمناء المكتبات

نيكاراغوا.. الفقر ينقذ أمناء المكتبات

غدير أبو سنينة - مناغوا




انقطع التيار الكهربائي خلال حديثي مع نورا أليسيا رييس أمينة مكتبة "سالمون دي لا سيفا" في الجامعة الوطنية المستقلة بالعاصمة النيكاراغوية مناغوا. استخدمتْ الضوء في هاتفها وكذلك فعلت أنا والطلاب الآخرون الذين بدؤوا الخروج مستخدمين مصابيح هواتفهم، كان ذلك في الخامسة والنصف مساء بينما تنتهي آخر محاضرة في الجامعة عند تمام الثامنة.

لم يكن هناك مولد كهربائي بديل في المكتبة ليعوض انقطاع التيار. فكرت في الظروف المتخلفة التي ما زال قطاع التكنولوجيا يعاني منها في ثاني أفقر بلد في أميركا الوسطى بعد هايتي.

بدأت رييس العمل أمينة للمكتبة في تلك الجامعة منذ عام 1988 بتقديم خدمات للطلاب، قبل أن تلتحق بكلية "إدارة المعلومات" لتسهيل عملها في المكتبة.

تصرُّ رييس على أنه لا يمكن الاستغناء عن أمناء المكتبات، ولا سيما في المكتبات الحكومية التي لا تتوفر فيها تقنيات متطورة. مع هذا، لا تنكر أن الاتجاه اليوم يذهب نحو الاستعانة بكل ما هو تقني، إلا أن المكتبة لا تحظى بدعم مادي كبير لتطوير التقنيات التي تسهل على الطلاب العثور على مصادرهم ومراجعهم. ضربت مثالا بأن فضاء المكتبة يتسع لـ360 طالبا، بينما ارتفع فيه عدد الطلبة إلى 1500، لكن بإطلالة سريعة على الطاولات المنتشرة في المكتبة تدرك أن مرتاديها يعدّون على أصابع اليد

إقبال ضعيف من الطلبة على الاستفادة من مكتبة سالمون دي لا سيلفا (الجزيرة)


"نحن نستقبل الطلاب، نجيب على تساؤلاتهم، ندلهم على طرق استخراج المعلومات والمخطوطات، لكن بعضهم يدخل إلى موقعنا الإلكتروني قبل المجيء ليتأكد من وجود الكتاب الذي يرغب في استعارته". وتشير إلى أنهم يقدمون تدريبا بين فترة وأخرى لمن يرغب من الطلاب.

حتى عام 1995، كان تخصص "أمناء المكتبات" يُدرَّس في جامعة "سنترو أميركانا"، ثم أُغلق هذا التخصص لضعف الإقبال عليه بحسب رييس التي قالت إن مدة الدراسة فيه هي خمس سنوات، بينما فرص العمل محدودة جدا. مع هذا، فهي تعتبر قسم "إدارة المعلومات" التابع لكلية العلوم الإنسانية بديلا عن تخصص "أمناء المكتبة"، إذ "بإمكان الخريجين العمل في المكتبة أو أرشيف أي مؤسسة أو في الصحف والمكاتب والشركات"، ويستوعب القسم خمسين طالبا كل عام، وكان افتتاحه عام 2008.

فما بين عامي 1995 و2008، لم يكن هناك تخصص يتعلق مباشرة بأمانة المكتبة، أما تفاؤلها ببقاء المهنة رغم محدودية المكتبات وتوفر قواعد بيانات، فهو لأن أمين المكتبة الآن هو خريج إدارة معلومات متخصص وبإمكانه تسهيل البحث على الطلبة.

في مكتبة "إسبامير" -وهي مكتبة خاصة لبيع الكتب، وتعد من كبرى المكتبات في نيكاراغوا، ويقصدها الكثيرون وخصوصا من الوسط الثقافي، حيث تشارك في نشر الكتب وتقيم حفلات التوقيع والأمسيات الأدبية باستمرار- التقيت "نستور لوبيس سانشيس"، خريج الأدب الإسباني وأحد أمناء المكتبة، إضافة إلى زميل له تخرج في الكلية نفسها، حيث تجد المكتبات خريجي الأدب أنسب لهذه المهمة.

نستور لوبيس سانشيس أمين مكتبة إسبامير مناغوا عاصمة نيكاراغوا (الجزيرة)


رفض سانشيس أن يتحرك من مكانه حينما حدثته للمرة الأولى قائلا إن عليه تقديم المعلومات للقراء والزبائن، ثم تابعنا الحديث بعد إغلاق المكتبة. وبدا مدافعا عن مهنته محاججا بأن مهنة أمانة المكتبة ولدت قبل ولادة التقنيات، أما التقنيات فهي تدعم وتسهِّل العمل، إلا أن من المستحيل إهمال العامل البشري. "هناك علاقة تنشأ بين أمين المكتبة والقارئ لا يمكن أن تحدث بينه وبين الأجهزة الصماء، فأمين المكتبة يجيب عن أسئلتك ويرشدك ويقنعك وينصحك، لا يمكن للتكنولوجيا أن تشكل بديلا.
صحيح أننا في زمن تدفق المعلومات من الإنترنت، لكن القارئ يفضل التحدث مع إنسان يشبهه، وليس مع آلة لا ردة فعل لديها".

ويبرر رأيه قائلا إن "مشروع كتب غوغل مثلا، هو تطبيق يهدف لعمل مكتبة افتراضية، ومع ذلك لم يحقق النتيجة المتوقعة، لأن النتائج الافتراضية ليست كالواقع".

كارميلو تشافاريا، مدرس في الجامعة وباحث لغوي يرتاد المكتبة من وقت لآخر، لم يكن متفقا تماما مع ما ذكره رييس وسانشيس، إذ إنه كباحث يعود كثيرا للشبكة العنكبوتية، ويعطي وقتا أقل للمكتبة، مدلّلا على ذلك بإلغاء كلية "أمانة المكتبة"، وجعل مهمة الأرشفة ضمن كلية "إدارة المعلومات" التي يمكن لخريجيها العمل في أكثر من مجال وليس في نطاق المكتبات فحسب.

طلاب يرتادون المكتبة للدراسة وليس بالضرورة لاستعارة الكتب (الجزيرة)

تخرجت الدفعة الأولى من أمناء المكتبات في نيكارغوا عام 1978، حين كان القسم جزءا من كلية العلوم الإنسانية في جامعة أميركا الوسطى (أوكا)، بمبادرة من مؤسسيهْا "نويل لاكايو باريتو" والتشيلي النيكاراغوي "والتيريو لوبيس". فيما افتتحت مكتبة سالمون دي لا سيلفا -التابعة للجامعة المستقلة الوطنية- عام 1983، أي بعد أربع سنوات من انتصار الثورة الساندينية (اليسارية) عام 1979.

وفي عام 1980، كان على أمناء المكتبات أن يواجهوا تحديا كبيرا بالتصدي للأمية التي كانت منتشرة في نيكاراغوا، بحيث كان أكثر من نصف شعبها لا يتقن القراءة والكتابة.

ومنذ ذلك العام، قررت وزارة التعليم تخصيص يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام للاحتفاء بأمناء المكتبات وتكريمهم، نظرا لما قدموه في سنوات انتصار الثورة الأولى من جهود لنشر المكتبات في مدن نيكاراغوا وبلداتها للتخلص من الأمية.

أما اختيار هذا التاريخ، فلأنه يصادف اليوم الذي قتل فيه القائد النيكاراغوي "كارلوس فونيسكا أملذور"، مؤسس الحركة الساندينية الذي كان معروفا بعشقه للقراءة، بل كان هو نفسه أمينا لمكتبة معهد ميغيل راميرس غويينا الوطني.
السابق

السابق

التالي

السابق

-7/14-

النعال الجلدي.. تراث يقتصر على السياح والتذكار بالنيجر

النعال الجلدي.. تراث يقتصر على السياح والتذكار بالنيجر

رميساء خلابي - نيامي


أخذ أحد الصينيين قدرا حديدية من أحد الباعة في السوق المركزي بالعاصمة النيجرية نيامي، رفعها إلى الأعلى وتركها تسقط أرضا، فسأل البائعَ "إن اشتريت منك هذه القدر واستعملتها للطبخ يوميا، فكم من الوقت ستتحمل معي قبل أن اضطر لشراء أخرى؟". فأجاب البائع "في حدود عشر سنوات". فقال له الزبون الصيني "إذن، أنت لا تربح شيئا يا صاحبي".

هكذا تحكي الرواية النيجرية عن سر نجاح التجار الصينيين في البلد، حين قام تجار صينيون بجولة في المنطقة عام 2002.

يقول إبراهيمو -التاجر المعروف في السوق الملحق بحديقة الحيوانات- عن تلك الواقعة المتوارثة "كان النيجري معروفا بصناعة كل شيء بإتقان بغض النظر عما سيجنيه، لكن الصيني علّم التاجر المحلي كيف يربح بشكل سريع".

وعن حرفته قبل اقتحام الصينيين السوق النيجري، يقول البائع إبراهيمو "في السابق كان المواطن مضطرا لشراء النعال التي نصنعها، يعطي خمسة آلاف فرنك سيفا (قرابة تسعة دولارات) مقابلا لها، لكن مجيء الصينيين قلب كل شيء، إذ يمكنك الحصول على زوج من الأحذية بألفي فرنك سيفا فقط (3.5 دولارات)، وإذا اشتريت ثلاثة أزواج فيمكن الحصول عليها بثمن الزوج الواحد من نعالنا".

داخل هذه الأحواض يتم نقع الجلود وتنظف لمرات عديدة لضمان بقاء الجلد على طبيعته (الجزيرة)


ويؤكد إبراهيمو -وهو رجل أربعيني- أن صناعة النعال الجلدية لم تكن قبل تسعينيات القرن الماضي مهنة لكسب لقمة العيش، لكن الأمر تغير نسبيا مع الانفتاح الذي عرفته البلاد منذ تعيين أول رئيس ديمقراطي سنة 1993، إذ سمحت الدولة لكثير من الحرفيين بمزاولة أعمالهم في المدن الكبرى بعدما كان النظام القديم يرى فيهم تخلفا وعودةً بالبلاد إلى سنوات الاستعمار.

إبراهيم القاسم، نيجري من قبيلة الهوسا، وهو مسؤول إحدى الجمعيات الخيرية الأجنبية بنيامي، يقول عن هذه المهنة التقليدية "لقد أعطى السياح قيمة لتراثنا الثقافي، وانتعشت الحرفة معهم، وأصبح التاجر يبيع زوج الأحذية بثلاثة أضعاف السعر الذي يبيعه للمواطن المحلي".

لكن يبدو أن الشباب اليوم غير مهتم بهذه الحرفة، سواء لتعلق الأمر بالناحية الاقتصادية إذ إن ثمنها غير مشجع للأغلبية الساحقة، أو لنوعية الأحذية الموجودة في الأسواق إذ يُنظر إليها كرمز للتحضر كونها لا تختلف عن الأحذية التي يرتديها بقية الناس في العالم المتقدم، بخلاف النعل الجلدي الذي يذكرهم بحقبة التخلف التي عاشتها النيجر في ظل المستعمر الفرنسي".

ويقول إبراهيمو إن كل بائع فيما مضى كان له ملحق صغير بدكانه يصنع فيه أحذيته بنفسه، وإن "90% من الباعة اليوم ما زالوا على هذه العادة نفسها، لكن البقية منهم يتعاملون مع صانعين محترفين يوفرون لهم مكانا لبيع منتجاتهم، ويتفاهمون على طريقة تقسيم الأرباح".

في هذه الورشة الملحقة بالمعمل يتم إضافة اللمسات الأخيرة على الجلود قبل تسليمها لأصحابها (الجزيرة)


ويضيف "في نيامي هناك البازار القديم والسوق الملحق بحديقة الحيوانات، إن كنت تريدين لبضاعتك أن تباع فعليك إيجاد مكان بينهما، وللأسف الدكاكين مملوكة لأصحابها منذ عقود، لهذا فإن كثيرا من الحرفيين الجدد يفضلون بيع منتجهم لأحد التجار المعروفين بدل أن يفتحوا ورشة تخصهم في مكان آخر من المدينة".

في أحد الفنادق المعروفة بالعاصمة، تحدثت إلى أحد الباعة الذين خصص لهم صاحب الفندق رواقا لعرض تحفهم الفريدة أمام رجال الأعمال والمشاركين في المؤتمرات، وحتى السياح العابرين. يقول البائع "نحن لا نستعمل سوى جلود الأغنام، ونادرا ما نستعمل جلود ثعابين أو تماسيح، وهي في الغالب تُستخدم في الإكسسوارات كالأحزمة والحقائب الصغيرة وحاملات المفاتيح، والزوار الأجانب يقبلون عليها بشكل أكثر، لكن تلك الجلود غير رائجة عندنا لأن الحصول عليها صعب جدا، ولأنها مكلفة".

ورغم انتشار أكل لحوم التماسيح والقردة وحتى الحمير في بعض دول الجوار، فإن دولة النيجر تحرم اصطياد هذه الحيوانات، وتعتبر التجارة بلحومها أو جلودها جريمة يعاقب عليها القانون.

وعن نوعية الجلود المستعملة، يقول إبراهيمو إن أفضل الأنواع هو الجلد الأبيض، إذ إن تلوينه ليس معقدا على خلاف الجلود البنية التي تظهر ألوان الصباغة عليها باهتة، مما يجعل الجلود البيضاء هي الأغلى ثمنا.

ومن أجل فهم مراحل تحويل جلود الأغنام إلى جلود صالحة للاستعمال من صانع النعال الجلدية، قادنا البحث إلى المعمل التابع للمذبح الرسمي في العاصمة نيامي.

رئيس المذبح (يمين) قطعة جلدية جاهزة سيتم تسليمها لأحد الحرفيين لتصنيعها (الجزيرة)


يقول رئيس المعمل "أغنامنا هي ثروتنا، في مذبحنا نستقبل مئات الأبقار كل يوم، نحن نذبح أكثر من 14,500 طن سنويا. يقوم العمال هنا بتنظيف الجلود وتجفيفها ودبغها، ولدينا ورشة لصباغة الجلود وتلميعها. وبعض العائلات من الطوارق والعرب يستعملون هذه الجلود زرابي للجلوس، وبعض التجار يأخذها ليحولها إلى نعال جلدية".

ويضيف "بإمكان الصانع أن يستخرج من جلد بقرة سليمة أكثر من عشرة أزواج من النعال، ومن جلد الخروف ثلاثة أزواج على الأقل. وكلما كانت يد الحرفي ماهرة، تمكن من استغلال الجلد بأفضل طريقة".

ويقول إبراهيم القاسم إن دولة النيجر من أكثر دول غرب أفريقيا أغناما، وإن دولا -كنيجيريا وساحل العاج- تستفيد من ثروتها الطبيعية، لكنه يرى أن من الأسباب التي تركت مهنة صناعة النعال الجلدية تخبو، أن قبائل مشهورة -كالطوارق والعرب- ما زالوا يستعملون الأبقار والإبل وسائل للتنقل في صحراء النيجر، حيث يقيمون أو يتنقلون.

أما قبيلة "فلاتة" المعروفة بتربية المواشي والأغنام، فهم يفضلون أن تموت البقرة على أن يذبحوها. ويقول القاسم "عند قبيلة فلاتة، يعتبر من العيب والعار ألا يوجد في بيت الفلاتي بقرة واحدة على الأقل، بل من الشائع أن تجدي فلاتيا يملك مئة بقرة لكنه يسأل قوت يومه".

وعن ثمن الأبقار، يقول إن "البقرة الواحدة لا يقل ثمنها عن 250 ألف فرنك سيفا (ما يعادل خمسمئة دولار)، وتعتبر الأبقار معيار الغنى عند الفلاتيين، فهي مقدسة عندهم، وقد يعتني بها الفلاتي أكثر من اعتنائه بصحته".

محل لبيع التحف المحلية بفندق تيرمينال بالعاصمة (الجزيرة)


يقول إبراهيمو "كانت الطرق في بلادنا وعرة وأشبه بمسالك ضيقة بالكاد يمر منها الحيوان دون أن يتعثر، لهذا فقد وجدنا أنفسنا نصنع نعالا تتحمل مشقة السفر. في السابق كنا نبيع زوجا واحدا من الأحذية بخمسة آلاف فرنك سيفا (تسعة دولارات)، أما اليوم فلا يمكنني بيعه بأقل من عشرين ألف فرنك (36 دولارا).

ويرى إبراهيمو أن تصدير الجلود إلى الخارج قد ضيّق على الحرفيين أمثاله نشاطهم ومصدر رزقهم الوحيد، لكنه متفائل بالسياح الذين يتوافدون اليوم من كل الأقطار، ويقول "باستطاعتي تعويض خسائر السنة مع أول موجة من السياح الوافدين".

ولإحياء التراث النيجري، أُسِّس مؤخرا بجهود فردية تجمعٌ يعرف باسم "سافيم"، يقول القائمون عليه إنه مفتوح على باقي دول القارة السمراء، وقد بدأت الفكرة بغرض مساعدة الأرامل والمطلقات عبر تخصيص ورشات لتعليمهن صناعة الحقائب والأحذية الجلدية والملابس التقليدية، وتمكينهن من تأسيس مشاريعهن الخاصة؛ غير أن المشروع تطور ليشمل اليوم قطاع صناع النعال الجلدية أيضا. وقد نجحت الفكرة على المستوى المحلي بشكل ملحوظ، كما لقيت ترحيبا من الدول الفرانكوفونية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/14-

صناعة الخيزران والقش تقاوم الحداثة بصعوبة

صناعة الخيزران والقش تقاوم الحداثة بصعوبة

خلود حدق - أكرا /غانا


تشتهر أفريقيا -ومنها غانا- بخيزرانها الذي يعد من أجود الأنواع في العالم، واعتمد الأفارقة بشكل عام على الخيزران والقش والقصب في صناعة المفروشات التقليدية التي يعتمد عليها المجتمع من أسرّة وطاولات وكراسي، لكن هذه المهنة تتراجع تدريجيا لأسباب عديدة.

يعمل "أليكس" في هذه المهنة منذ زمن طويل، وقد ورثها عن أجداده وحاول أن يطورها لتواكب الحداثة على حد تعبيره، كتنفيذ تصاميم عصرية، لكنه لا يزال يرتطم بحائط من الخيبة يحول بينه وبين تطوير مهنته، فيقول "إن مهنة مفروشات الخيزران مهنة عريقة وقديمة ورثناها عن أجدادنا ونحاول التمسك بها، بعد أن تخلى عنها كثير من الصناع المهرة ومن الزبائن أيضا".

ويضيف أن "بعض الناس من ذوي طبقات معينة من المجتمع لم تعد تلائمهم مفروشات الخيزران التقليدية، واتجهوا نحو الحداثة في اقتناء المفروشات المستوردة ولا سيما الصينية منها لأنها أرخص ثمنا، فقد أصبحت المنافسة شديدة بسبب اهتمام الصين بهذه الصناعة وإغراق السوق العالمية بها، بينما نحن ما زلنا نعمل بأدوات بدائية وعلى الأرصفة".

اعتمد الأفارقة بشكل عام على الخيزران والقش والقصب في صناعة المفروشات التقليدية (الجزيرة)


تواجه مهنة صناعة مفروشات الخيزران تحديات أخرى تجعل منها مهنة تلفظ أنفاسها، على حد تعبير "آيزك" أحد العاملين المهرة في هذه المهنة. فهو يرى أن استغلال الحرف الفنية لمجرد أنها يدوية الصنع في أفريقيا ما زالت تعترض طريق التراث الأفريقي الغني للوصول إلى الأسواق العالمية.

يقول آيزك "يأتي أحيانا بعض التجارة فيشترون منتجاتنا بأبخس الأثمان، لكن الحال لم يعد كما كان في السابق، فاليوم حتى المواد الخام التي نعتمد عليها ونقطع مسافات طويلة للحصول عليها، أصبحت غالية الثمن بسبب استغلال التجار، بحجة قلة المحاصيل وانتشار العمران".

ويضيف "من جهة أخرى فإن الحكومات لا تعتني بالحرف اليدوية والحفاظ عليها ولا نتلقى أي دعم منها. نعمل لنؤمن قوت يومنا، وفي موسم المطر نعاني لأن المطر يعيق عملنا، وأحيانا قد يكون السبب في فقدان العديد من القطع والمواد، فمياه الأمطار تجعل بعض الأخشاب رطبة وغير صالحة للاستخدام".

ساعدت الطبيعة في خلق ذاك الحس الفني الفطري عند بعض الحرفيين، ففي غانا يشتهرون بنحت الخشب وصناعة تماثيل تجسد تراثهم وثقافتهم وبيئتهم، من الأقنعة الخشبية التي كان يستخدمها زعماء القبائل والحيوانات وتجسيد الإنسان التراثي الأفريقي.

القبعات والسلال الصينية المستوردة جعلت المصنوعات التقليدية تعاني الكساد (الجزيرة)


يعمل "ماوكو" منذ أن كان صغيرا في نحت التماثيل وصناعة الأبواب وصناديق الحلي، وقد ورث هذه المهارات كمهنة علمه إياها والده لتأمين لقمة عيشه، لكنه -كغيره من النحاتين- يملك حسا فنيا وموهبة حقيقية في تجسيد ثقافته، خاصة عندما نرى الأدوات التي تنتج هذه التحف الفنية المميزة، وهي عبارة عن إزميل ومدق خشبي. أما عن نعومة ملمس التمثال، فقد يستغرب البعض أن هذه النعومة ناتجة عن حف يدوي لا دخل لأي آلة فيه.

يقول ماوكو "بات السياح يهتمون أكثر باقتناء هذه المنحوتات كتراث أفريقي، بينما لم يعد ذلك يثير اهتمام الناس هنا، خاصة بعد فتح باب استيراد الأبواب المصنعة والمنحوتات والتحف الصينية، فباتت هذه الحرفة لا تكاد توفر شيئا للعاملين فيها، كما تراجع اهتمام الناس بها، لكن بالنسبة لي فلا أستطيع التخلي عنها ولا أعرف مهنة غيرها".

لا نستطيع نكران واقع الحداثة الذي اجتاح العالم من أوسع أبوابه وشتى مجالاته، خاصة في البلدان النامية التي تعتبر بيئة تجارة حية، بسبب فقر مواردها وضعف صناعاتها.

لكن أفريقيا ما زالت تصارع تلك الحداثة، وتحاول الإبقاء على صناعاتها وحرفها التقليدية حية، على الرغم من بساطتها ومحدوديتها، ولا سيما في وجود قرى لا تزال بدائية لم تطرق الحداثة بابها البتة، بسبب بعدها عن مراكز الثقل الاقتصادي، مثل شمال غانا الذي تقطنه الأغلبية المسلمة، حيث ما زالوا يعتمدون على ملابس مصبوغة ومنقوشة بطرقهم البدائية القديمة، وكذلك الأحذية والحقائب النسائية والحلي وسلال القش والقبعات.

في غانا يشتهرون بنحت الخشب وصناعة تماثيل وأقنعة خشبية تجسد تراثهم وثقافتهم وبيئتهم (الجزيرة)

تقول "أسانتوا" -وهي سيدة شمالية نزلت إلى العاصمة أكرا لطلب الرزق ولا تزال تتكلم لغة القبيلة المحلية- إنها تعلمت مهنة صناعة قبعات القش من والدتها، وصناعة السلال التي يعتمد عليها أهل القرى كثيرا في وضع حاجياتهم بغرض التسوق أو تخزين الطعام، وتصنع منها أحجاما وأشكالا مختلفة، وتعتمد على القش كمادة أساسية، خصوصا القش الملون الذي يساعدها على إضافة لمسة فنية إلى منتجاتها.

وتقول "البيع في الشمال أكثر من العاصمة، لكنه أرخص، وعلى كلا الحالتين المواد متوفرة فقط في منطقة "كوماسي" وسط البلاد، ويجب أن أسافر للحصول عليها، وبذلك تكون تجارتي وصناعتي غير رابحة بشكل جيد، لكنني أحاول الحفاظ عليها قدر المستطاع. هناك العديد من الناس الذين باتوا يفضلون القبعات المستوردة وخاصة المستعملة التي تباع بسعر زهيد، والحقائب أيضا، عوضا عن السلال التي أصنعها".

إذا كانت الحداثة والتكنولوجيا الصناعية قد ساهمت إلى حد كبير في انقراض العديد من المهن حول العالم، فهل ستواجه هذه المهن والحرف الفنية في غانا وأفريقيا موجات الحداثة وفيضان البضائع المستوردة؟ أم إنها ستنقرض وتطوى صحائفها وتندثر معالمها التي صمدت مئات السنين؟
السابق

السابق

التالي

السابق

-9/14-

"متحف فلسطين" في ديار مانديلا

"متحف فلسطين" في ديار مانديلا

سامح الخطاري - كيب تاون


بعد 27 عاما من انتهاء النضال ضد نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا وسقوط الفصل العنصري (الأبارتيد)، انصرف المناضل الجنوب أفريقي الدكتور "أنوه ناجيا" إلى التفكير في نصرة قضية أخرى مماثلة، تحدث عنها الزعيم الراحل نيلسون مانديلا بقوله "لن نشعر بحريتنا في جنوب أفريقيا إلا بعد تحرر فلسطين". ومن هنا عكف ناجيا على التفكير في إنشاء أول متحف لفلسطين خارج حدودها، آملا أن يسهم هذا المتحف في التوعية بعدالة القضية الفلسطينية وفي التوثيق التاريخي للأحداث.

في وسط مدينة كيب تاون (إحدى أهم مدن جنوب أفريقيا) يقع مبنى متحف فلسطين ذو الطوابق الثمانية، مطلا على قلاع التفرقة العنصرية البائدة، ومذكرا بجرائم الاحتلال الصهيوني. هنا أصبح الحلم حقيقة.

ناجيا يعد واحدا من الرموز العديدة للتحرر والنضال الجنوب أفريقي ضد العنصرية، ولد عام 1957 في مدينة كيب تاون، وشارك في مقتبل عمره في الحركة الطلابية ضد العنصرية، ومن بعدها تنقل ضمن الحركات المدنية للتحرر، وأسهمت القضية الفلسطينية وأخبارها بشكل كبير في بث الأمل والصمود لدى شعب جنوب أفريقيا في التحرر والنضال.

أعضاء مجلس القضاء الإسلامي بجنوب أفريقيا في زيارة المتحف ولقاء أنو ناجيا (يسار) (الجزيرة)


وبسؤال المناضل ناجيا عن فكرة المتحف وكيف خطرت له؟ قال "منذ الصغر، منذ أن كنا في المدرسة الثانوية، كنا نسمع من خلال الراديو عن نضال الأمم في العالم من أجل التحرر، خاصة الفلسطينيين، فقد كانت قضيتهم مشابهة لنا، فقد كانت لديهم تفرقة عنصرية على أرض واحدة، مثل ما حدث لنا في جنوب أفريقيا، ووقعت فيهم مذابح وظلم وإبادة على أسس عنصرية، مثل ما حدث مع أصدقائي وأسرتي بشكل خاص".

ويشرح بقوله "نظام التفرقة العنصرية يصنف أسرتي إلى أربعة أجناس؛ فأبي من أصول هندية، وأمي من الملونين، وأنا صنفت كمالاي، وأخوتي كملونين. وقد واجهتنا صعوبات عدة وتعرضنا لظلم بغيض طوال تلك الفترة، وكنا نستمع إلى أخبار ياسر عرفات وليلى خالد وحركات التحرر الفلسطينية، وهذا شجعنا بلا شك على أن نؤسس مثلهم حركات للتحرر والنضال، وأن تظل القضية الفلسطينية في وعينا وقلوبنا حتى بعد أن حصلنا على استقلالنا".

وأكد ناجيا أنه نذر نذرا بعد التحرر، أنه إن آتاه الله المال، فسيخصص هذا المال من أجل إنشاء متحف لنصرة القضية الفلسطينية. ويضيف "لقد عملت بكد وبجد طوال حياتي، حتى صرت رجل أعمال مشهورا، وأنفقت من أموالي الخاصة ثلاثة ملايين دولار أميركي لإنشاء متحف يعبر عن فلسطين ونضالها وثقافتها وشعبها، ويوثق جرائم الاحتلال ومجازره، وكذلك يوثق أسماء جميع الشهداء الفلسطينيين والمعتقلين".

إحدى الندوات المقامة بقاعة مؤتمرات متحف فلسطين في مدينة كيب تاون (الجزيرة)


يقع متحف فلسطين وسط مدينة كيب تاون مطلا على جبل "المنضدة" الشهير، ويتكون المبنى من ثمانية طوابق. ويقول ناجيا إن الطابق الأول للمتحف مخصص لمرحلة "فلسطين ما قبل الاحتلال"، والطابق الثاني، "فلسطين تحت الاحتلال"، وفي الطوابق التالية يقع مسرح فلسطيني وقاعة محاضرات، ولدينا مكتبة بها خمسون ألف كتاب، وأقسام عن الأديان في فلسطين، ومسجد، وكذلك صمم بأحد الطوابق الجدار العازل، كنموذج لما أقامه الصهاينة على الأرض للفصل العنصري".

ويواصل وصفه "كذلك يوجد بالمتحف أول مركز حقوقي مدني بجنوب أفريقيا، ويعاوننا فيه طلاب جنوب أفارقة وعدد من المؤسسات الحقوقية، ونعمل فيه على توثيق أسماء جميع شهداء فلسطين، وجميع القرى المحتلة، وكذلك جميع أسماء المعتقلين الفلسطينيين".

وبسؤال ناجيا عن المدة الزمنية التي استغرقها بناء المتحف، قال إنه بدأ أعمال البناء عام 2011، وواجهته صعوبات كثيرة من مسؤولي مدينة كيب تاون، حيث إنه تحت سيطرة حزب "الدي اي" الذي يتبنى سياسات مؤيدة للكيان الصهيوني، ومناهضة لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، وأنه ظل يناضل خمس سنوات حتى استطاع استكمال المتحف بشكله الحالي.

بعض النشطاء والحقوقيين والعاملين بمتحف فلسطين من أعلى مبنى المتحف (الجزيرة)


يذكر المناضل ناجيا في حديثه للجزيرة نت أن اللوبي الصهيوني بكيب تاون حاول مرارا إعاقة عملية بناء المتحف، منذ أن بدأ بشراء الأرض، وأن المتحف تم إحراقه بعد أن اشترى مبنى أثريا قديما من طابق واحد، مما اضطره إلى هدم المبنى وإعادة بنائه، وفي هذه المرة سمحت له هيئة الآثار بأن يبنى ثمانية طوابق.

ومن الصعوبات التي واجهها ناجيا أن إدارة مدينة كيب تاون تعنتت في أمر توصيل المياه والكهرباء، حتى نجح قضائيا في الحصول على هذا الحق، وذكر أن شركات المصاعد في جنوب أفريقيا رفضت أن تمده بمصاعد، وغالت جدا في الثمن بشكل غريب، مما اضطره إلى استيراد مصاعد من ماليزيا.

يؤكد ناجيا أن هذا المتحف هو أول متحف لفلسطين في التاريخ خارج حدود فلسطين، وأنه غير مملوك لدولة أو منظمة حكومية، بل بالجهد الذاتي، وأن رسالته هو تسليط الضوء على حياة الفلسطينيين قبل الاحتلال وتحت الاحتلال، والتذكير بالجرائم والظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون يوميا، كذلك من ضمن رسالة المتحف أن يعرّف بظروف المعيشة في فلسطين، والتعريف بالثقافة الفلسطينية، والجوانب الحياتية، ومنها "الطعام الفلسطيني والزراعة وأهم الصناعات".

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/14-

"ليخرج من الخراب كتاب".. لإنقاذ مكتبات الموصل

"ليخرج من الخراب كتاب".. لإنقاذ مكتبات الموصل

أميمة يونس - الموصل


"نريد أن نصنع من الموصل مدينة لا تفكر فقط بالخبز". بلهجة موصلية جميلة، استهلت طالبة الماجستير بجامعة الموصل تهاني صالح حديثها حول ما تعرضت له مدينتها "الحدباء" من دمار على يد تنظيم الدولة الإسلامية، الذي طال أبرز معالمها الثقافية والتاريخية، فضلاً عن تدمير البنى التحتية لثاني أكبر مدن العراق.

وخضعت الموصل (شمال بغداد) لسيطرة التنظيم في يونيو/حزيران 2014، حيث عانت خلالها أزمة أمنية وإنسانية كبيرة، نتيجة سعي عناصر التنظيم لفرض أحكامه على جميع نواحي الحياة فيها.

وتؤكد تهاني أن مكتبة جامعة الموصل كانت أبرز المعالم الثقافية التي تعرضت للتدمير الشامل، مبينة "أن الشق الأيسر منها -الذي يضم نحو ست مكتبات، أهمها البخاري وابن النفيس وأشوربانيبال- دُمر بشكل كامل".

وتابعت بحزن "أما الجانب الأيمن الذي يضم الدوريات الأجنبية وقسم "المايكروفيلم" فقد دمرت ذاتياً بفعل القصف والحرق، الذي حرص عناصر التنظيم عليه، من أجل إخفاء دورهم في سرقة المخطوطات والكتب الثمينة التي لا نعرف مصيرها".

الفريق التطوعي لحملة إنقاذ مكتبات الموصل (الجزيرة)


وعن حملة إنقاذ ما تبقى من الكتب، أشارت تهاني إلى أن "الحملة التي أطلقتها صفحة "عين الموصل"، بعد تحرير الجانب الأيسر للمدينة، حفزت العديد من الشباب على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المكتبة، التي تعد من كبريات مكتبات العالم العربي".

ولفتت بفخر إلى أنه "بجهود عشرين شابة وشابا، استطعنا إنقاذ نحو 37 ألف كتاب ومخطوطة، فضلاً عن النوادر والدوريات والمعاجم القديمة التي تعنى بالتراث، بالإضافة إلى الصحف الصادرة مع بداية الدولة العراقية".

ولا تخفي أن نسبة ما تم إنقاذه من الكتب لا يصل إلى ما بين 5 و10% من أصل موجودات المكتبة التي كانت تضم مئات الآلاف من الكتب والمخطوطات الثمينة، وعما إذا كانت هناك جهات تدعم حملتهم، قالت "لم يصلنا أي دعم من أي جهة، سواء حكومية أو خاصة". وأشارت إلى أن غياب مثقفي الموصل من المشهد أثر وأسهم في "تغول" تنظيم الدولة، الذي نفذ مخططه في محو كل أثر ثقافي وفني فضلاً عن التاريخي.

وتعترف بأن الكثير من المعوقات والصعوبات باتت تعرقل حملتهم، موضحة "أن سياسة تكميم الأفواه بدأت تمارس ضد النشطاء المدنيين الذين ينتقدون سياسة إعادة إعمار المدينة، لا سيما مكتباتها وجامعتها التي لا زالت تحتاج إلى الكثير من أجل إعادة الحياة فيها". وتشير إلى أن "صفحتها على فيسبوك تعرضت للاختراق لانتقادها إحدى الشخصيات المسؤولة في المحافظة".

وتضم الموصل سكاناً متعلمين ومتنوعين نسبياً، وهم الذين يسعون إلى الحفاظ على المواقع التراثية والمكتبات فيها.

تهاني صالح(يسار) استطاعت بمساعدة عشرين شابة وشاب إنقاذ نحو 37 ألف كتاب ومخطوطة (الجزيرة)


ويعد الدكتور جاسم الفارس الأستاذ في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة الموصل أحد أهم الشخصيات التي دعمت حملة الشباب لإعادة إحياء مكتبات المدينة، ويقول في اتصال هاتفي "إن المدينة أمام تجربة قاسية بكل المعاني، فقد تحولت إلى صحراء ثقافية قاحلة".

ويعترف الفارس بأن أبرز أساتذة الجامعات والمثقفين فضلوا مغادرة المدينة على البقاء فيها، جراء ممارسات تنظيم الدولة، فضلاً عن الظروف التي تلت احتلال البلاد عام 2003، وسلسلة الاغتيالات التي طالت الأساتذة والرموز العلمية في المدينة.

وعن حجم الدمار، قال "إن الأمر لا يمكن استيعابه أو حصره؛ فالخراب لامس البشر أيضاً". لافتاً إلى أن أبرز ثلاث مكتبات في المدينة تعرضت للتدمير؛ فمكتبة الأوقاف كانت تضم أهم المخطوطات التاريخية المعنية بالفقه والشريعة، كما عمد تنظيم الدولة إلى تدمير المكتبة المركزية، التي تأسست قبل نحو قرن من الآن، على يد أحمد النيلا، أحد أهم الشخصيات التي أسهمت في إنشاء العديد من مكتبات الوطن العربي.

وكشف الفارس عن أن مخطوطة التوراة الأصلية التي هربت إلى إسرائيل، كانت سرقت من المكتبة المركزية عبر إحدى الشخصيات المتنفذة (لم يسمها) التي رافقت قوات احتلال البلاد، لافتاً إلى أن "الخسائر التي تعرضت لها مكتبة جامعة الموصل لا يمكن تعويضها، خاصة أن ما يتوفر في المدينة من مكتبات خاصة يعد على أصابع اليد".

يذكر أن أغلب محتويات مكتبة جامعة الموصل، البالغة نحو مليون كتاب، كانت قد تعرضت للتدمير خلال إحدى الغارات الجوية لقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على المكتبة في آذار/مارس 2016، لاعتقادهم بأن المكتبة تستخدم مركزا للقيادة تابعا لتنظيم الدولة.

آلاف الكتب نجت من الحرق والتلف بفضل مبادرة الشباب العراقي (الجزيرة)


كما عمد التنظيم في يناير/كانون الثاني من العام ذاته، وبعد استعادة الجانب الأيسر من قبل القوات الأمنية العراقية، إلى إحراق ما تبقى من الكتب في مشهد محزن شهده أهالي المدينة الغاضبون.
ويجد المسؤول عن صفحة "عين الموصل"، الذي رفض الكشف عن اسمه لدواع أمنية، أن مبادرة "ليخرج من الخراب كتاب" التي أطلقها مع عدد من شباب مدينة الموصل والمهتمين بالشأن الثقافي لإعادة الحياة إلى مكتباتها، التي تعرضت للحرق والتدمير على يد تنظيم الدولة، السبيل الوحيد أمام إعادة "المدنية" إلى مدينته.

ولا يخفي الناشط مشاعره الغاضبة وهو يتحدث عن لحظة إشعال النار في الكتب والمخطوطات، قائلاً "لقد عشت لحظات حرق المكتبة، كانت لحظات مؤلمة". مستدركاً أن من ضمن الكتب الثمينة المسروقة أطروحة بينيتو موسليني التي كتبها عام 1924.

وبحسب مراقبين، يعتقد بأن المجموعات التي دُمرت في المكتبة المركزية هي الصحف العراقية التي يرجع تاريخها إلى أوائل القرن العشرين، والخرائط والكتب من الإمبراطورية العثمانية.

وبالعودة إلى مبادرته، قال الناشط الموصلي إن "الفكرة تدعو كل مؤلف أن يتبرع بكتاب للموصل، خاصة مع وجود الآلاف منهم، وبشتى الاختصاصات حول العالم". ويضيف "سيكون جميلا لو أن كل مؤلف سيعرف أن كتابه موجود في الموصل التي صمدت بوجه إرهاب مميت".

وقال "نريد أن نفتح أبواب مدينتنا للعالم ليدخلها، وللموصل أن تعود إلى العالم مرة أخرى، عبر نشر الثقافة والعلوم"، كما شدد على "أنها رسالة للجميع بأننا لسنا من أنتج الإرهاب، بل هو أمر طارئ، سلط على رقابنا بدون رحمة".

وأشار الناشط إلى أن مشاركة العالم في التبرع لمكتبة الموصل ستزيد فرص حصول الموصل على ما يكفي من الاهتمام.

جانب من مشاركة الشباب في حملة إنقاذ مكتبة جامعة الموصل (الجزيرة)

وعن جحم التفاعل مع المبادرة، قال "الاستجابة كبيرة جداً من قبل المجتمع الدولي، لكنها ضعيفة من المجتمع العربي، لكننا نطمح إلى مساهمة دور النشر والمؤسسات العلمية العربية للمساهمة في إحياء المكتبة من جديد".

وعن أعداد الكتب، قال "تسلمنا بشكل فعلي نحو مئتي ألف كتاب، كما تلقينا رسالة من مؤسسة فرنسية مقرها مارسيل أبدت استعدادها للتبرع بنحو عشرين طناً من الكتب، فضلاً عن عروض بعض المتبرعين الذين تكفلوا بنقل كميات كبيرة من الكتب من الولايات المتحدة إلى الموصل".

ويقول الكاتب والأديب ماجد السامرائي إن حزناً وأسى شديدين تملكانه عند رؤية مكتبة جامعة الموصل وهي محترقة، ويزيد واصفاً مشاعره "إن هولاكو الجديد مر من هنا، فما حصل ليس بالأمر السهل، ولا مكتبة جامعة الموصل مثل أي مكتبة، ففيها على ما أعلم من كنوز الكتب والوثائق ما لا يوجد في سواها من مكتبات الجامعات العراقية".

ويجد السامرائي أن مبادرة "ليخرج من الخراب كتاب" مبادرة طيبة، إلا أنها ليست مجدية، وإن كانت لها رمزيتها. مستدركاً "ثم من قال إن المكتبة أحرقت بكل كتبها؟ ما يجعلني أتساءل (تساؤل الشك) هذا هو ما رأيت في الأيام الماضية من أكداس من الكتب، والمراجع والمصادر، معروضة في شارع المتنبي (أشهر أسواق بغداد للكتب)، ومختومة بختم مكتبة جامعة الأنبار".

وعن دور المثقفين، قال السامرائي "مبادرة المثقفين طيبة، ولكنها تظل "رمزية" دلالاتها أكبر بكثير مما يتحقق منها عملياً".
السابق

السابق

التالي

السابق

-11/14-

"الحبوس".. حي برجوازي يتقمص روح أحياء المغرب العتيقة

"الحبوس".. حي برجوازي يتقمص روح أحياء المغرب العتيقة

فاطمة سلام - الدار البيضاء

هي الدار البيضاء -أو كازابلانكا- العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية، إذا أردتُ أن أقول إنها مدينة الألفة لكل من تقودهم سواقي الحياة إليها من خارجها. مكان فيه أكثر من غيره، يجعل الارتباط بهذه المدينة لا يشبه غيره، اسمه حيّ الحبوس، وباسم أكثر رسمية وقوة: الأحباس. ويعني أن أراضيه محبوسة، لا تباع ولا تشترى.

بني هذا الحي في أواخر القرن 18 وبداية القرن 19، في عهد السلطان العلوي المولى يوسف، بالتحديد في عام 1917، إبان العهد الاستعماري الفرنسي للمغرب (1912-1956).

يقول ابن الحي الكاتب المغربي عبد الحميد الغرباوي إن "الوثائق التاريخية تشير إلى أن أحد اليهود المغاربة -واسمه حايين بن دحان- وهب الأرض التي أقيم عليها الحي للسلطان المولى يوسف تقرّبا إليه، لكن السلطان قام بتحبيسها، وخصصها لبناء مسجد وحي سكني".

 

تستوقفك في الحبوس أبواب البيوت والمباني ذات الطرز التقليدية بالعمارة (الجزيرة)

أشرف على بناء الحي ثلاثة مهندسين فرنسيين، حلموا أن يجعلوا منه امتدادا لأحياء المدن العتيقة في المغرب مثل مراكش وفاس، ولسطوة الجمال البسيط والأصيل للمدن المغربية.

تتفهم كيف أمضى هؤلاء المهندسون عشر سنوات من حياتهم يحاولون أن يخلقوا فضاءا مغربيا، شاءت ظرفية المغرب في حينه أن تسكنه فقط النخبة الفرنسية والبرجوازية المغربية، قبل أن يستقطب الصناع والحرفيين التقليديين من مدن فاس ومراكش، لتكتمل للحبوس هوية الأحياء العتيقة.

وتتناقل في هذا الباب حكايات عن الحي، تقول إنه كان من ثقافته أن تحافظ العائلات على تعلم الحرف التقليدية، حتى إنه لم توجد شابة أو شاب فيه لا يتعلم صنعة أو حرفة، ودرجت العادة -منذ ذلك الحين في الثلاثينيات إلى اليوم- على أن يتزوج أبناء الحي من بناته فلا يتشاركان فقط تدبير أمور الأسرة، بل نقل الخبرة لجيل آخر أيضا.

والحبوس يحفظ أصالة الحرف المغربية، ويتماشى مع العصر بالقدر الذي لا يفسد عراقتها.
ولنقترب أكثر من صورة هذا المكان، الذي يبدو رصينا بتاريخه من جهة ويعمره من جهة ثانية الجمال والحميمية، قد يسعف الحديث عن أزقته المقنطرة (المقوسة) في العبور إلى فضائه.

يحاكي حي الأحباس الأحياء المغربية العتيقة بكل تفاصيلها (الجزيرة)

هذه الأقواس المتراصة واحدة بعد أخرى يتقاسم خصوصيتها المغاربة مع الأندلسيين. تدلف عبرها من زقاق إلى آخر، تستوقفك حجارتها، ولونها التبني ويحيط به الجير الذي ضمخت به الجدران. وتستوقفك أبواب البيوت، خشبها عتيد، وعلى جوانبها نقشت على الجص زخرفات ناعمة حوطتها قطع الفسيفساء البديعة.

ويقوى الارتباط أكثر بين المغربي والأندلسي في الحبوس، عبر معمار "المسجد المحمدي" الذي يتوسط الحيّ كمنارة بمساحة شاسعة تصل إلى تسعمئة متر مربع. وصمم صحن المسجد على معمار المساجد الأندلسية، فتوسطته نافورة رخامية كبيرة، وعلى الجانبين تظللت نافورتان أخريان بقبّتين مزخرفتين بالجص والخشب.

في هذا الفضاء، تتعثر بالنعمة النفيسة التي تسمى الكتب، حيث كان بديهيا أن يرتبط هذا الحي بالذات بالمكتبات، أزقة كاملة من المكتبات. نجد فيها على سبيل المثال لا الحصر: "دار الثقافة" المغربية التي كانت تحمل في الأربعينيات اسم مكتبة الأطلس، قبل أن تحمل اسم دار الثقافة، ويتوسع نشاطها الثقافي بعد الاستقلال في نهاية الخمسينيات، وتصبح صوتا مغربيا واضحا في العالم العربي.

وتجد "المركز الثقافي العربي" الذي تأسس كمكتبة بالدار البيضاء سنة 1958، وكدار للنشر في بيروت بلبنان سنة 1978، وهو يربط بين الإبداعات والمبدعين المغاربة والعرب.

الحبوس امتدادا لأحياء المدن العتيقة في المغرب مثل مراكش وفاس (الجزيرة)

وفي هذا الفضاء وارتباطاته يقول الصحفي الشاعر القاص المغربي سعيد منتسب: "في الحبوس لا تحتاج إلى ركن منعزل لتنظر إلى نفسك بوثوق. كل شيء هنا مسقوف بالكتب، والكلمات لا تكذب على الإطلاق".

ويضيف "لهذا المكان -الذي نسميه الحبوس- روح تضع الأغاني الأكثر عذوبة في القلوب. تنثر عليك أشعارها وحكاياها بسخاء، وتجعلك تسأم الأمكنة الأخرى التي تتراكم على تبرمك من السرعة والدخان والأحذية التي لا تلوي على شيء. إن الحبوس زهرة مضمومة على آلاف الكتب، وآلاف المصائر".

ترى هذه المصائر تتحرك على أرجل، وهي تتأبط كتابا، تصطحب أقدارها إلى مقهى "موريطانيا" الذي ولد بأصالة الحي، ويحمل بساطة شفيفة واسما نفيسا للبلد الأخ/الجار للمغرب: موريتانيا.

وغير بعيد عنه نثرت مقاه صريحة وغير متكلفة كراسيها تحت الأشجار الظليلة، وصولا إلى مقهى "زاينة"، الاسم الأمازيغي الذي يقدم المطبخ المغربي بلمسة الأمهات. إن الحبوس قدر إنساني وجمالي، وإن الأقدار غير قابلة للصرف إلا بالتجربة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/14-

"الأنبوب".. حكاية أقدم مترو في العالم

"الأنبوب".. حكاية أقدم مترو في العالم

عثمان بوشيخي - لندن


بعد أن كان فكرة في الأذهان، صار أيقونة مرتبطة بالمدينة وجزءا من الحياة اليومية لساكنيها ومسرحا لحكايات وموضوعَ مسابقات وهدفا لتفجيرات. ذلك هو مترو أنفاق لندن الذي كان في ثلاثينيات القرن التاسع عشر مجرد حبر على ورق، ليرى النور في شتاء عام 1863 ويصبح أول شبكة مواصلات حديثة في عالمنا المعاصر.

وقد حُفِر أول نفق تجريبي قبل ذلك بسنوات في بلدة صغيرة تُشبه العاصمة، قبل التحول لحفر أنفاق لندن الشهيرة.

وفي أول يوم خدمة، ركِب تلك العربات الخشبيةَ المضاءةَ بالغاز والتي تسحبها قاطرات البخار، أكثر من 38 ألف راكب، ليتضاعف العدد مع مرور السنوات وتُقِلَّ عربات المترو حاليا ما لا يقل عن 4.8 ملايين راكب يوميا، كما تضاعف عدد محطاته ليصبح حوالي 270 محطة تمتد على طول أربعمئة كيلومتر، في 11 خطا رئيسيا. وقد زُود بعضها بنقاط اتصال مجانية بالإنترنت منذ صيف 2012، وذلك بالموازاة مع احتضان لندن أولمبياد تلك السنة.

كما دشنت خدمة النقل العمومي في المدينة صيف 2016 خدمة ليلية للمترو، وإن كانت لا تزال محدودة حتى الآن.

ويلقِّبه سكان لندن "بالأنبوب" لأن أنفاقه العميقة تكاد تشبه الأنبوب بشكله الأسطواني، رغم أن 45% من خطوطه تمتد فوق الأرض. أما أعمقُ محطة فيه فهي محطة "هامنستيد" وهي على عمق 58.8 مترا، ومن بين الخطوط التي يجري الاشتغال عليها حاليا خط "إليزابيث" الذي من المفترض أن يُفتتح عام 2018.

أُنشِئت حواجز تذاكر أويستر منذ صيف عام 2003 ويعني اسمها المحار (الجزيرة)


لكن هناك محطات مغلقة أو مهجورة، مثل محطة المتحف وسط لندن التي أغلقت أبوابها بعد شائعات عن وجود أشباح مومياوات مصرية. ومن بين المحطات المرتبط ذكرها بالأشباح محطة شارع "ليفربول" التي قال بعضهم عام 2000 إنه شاهد فيها ليلا رجلا بإزار أبيض يجلس على كرسي مهجور كأنه ينتظر قدوم قطار.

وقد رصدت كاميرات المراقبة هذا "الرجل الشبح"، بيد أن أحد موظفي المحطة عندما هُرع للنزول أسفلها واستطلاع الأمر عاد ليؤكد عدم وجود أي شخص، ورغم ذلك أكد مراقب الكاميرات أنه شاهد الموظف والشخص المجهول كليهما على شاشات الكاميرات، وعند تَفَقدهم الكرسي لم يجد الموظفون إلا إزارا أبيض.

كما اشتكى العديد من رواد محطة "بيثنال غرين" شرق لندن من سماعهم بين الفينة والأخرى أصوات صراخ تعود لنساء وأطفال، زُعم أنهم كانوا من بين ضحايا التدافع في أنفاق المترو أثناء سماعهم أصوات صفارات إنذار تجريبية في ذروة القصف الألماني خلال الحرب العالمية الثانية. فيما زَعم آخرون أن محطة "بانك" يسكنها شبح "الراهبة السوداء"، وادعى بعضهم أن إحساسا طافحا بالحزن والتعاسة يتملكهم عند المشي داخل المحطة.

حكاياتُ المترو لا تنتهي، إذ له علاقة وطيدة بقصص حقيقية هذه المرة عن الموت والميلاد، بعد أن شهد أول إنجاب على متن مقصورة فيه عام 1924.

كما أسهم "الأنبوب" في إنقاذ حياة المئات باستخدامه ملجأً من قنابل القصف الألماني في ذروة الحرب العالمية الثانية، إذ تحولت بعض محطاته إلى ملاذ للمدنيين وقاعدة عمليات للعسكريين ومصنع أرضي لإنتاج أسلحة الدفاع عن بريطانيا ضد ألمانيا.

من العقبات التي واجهت عمال حفر أنفاق مترو لندن هي تجنب مواقع الدفن الجماعي لضحايا طاعون عام 1665 (الجزيرة)


ويعود تاريخ استخدام المترو ملجأ إلى أيام الحرب العالمية الأولى، إذ سعت وزارة الأمن الداخلي في البلاد لبناء عشرة ملاجئ لإيواء آلاف المدنيين، بيد أنها لم تتمكن إلا من بناء ثمانية كلها كانت قريبة من محطات المترو.

وكما أسهم المترو في حماية الأرواح، كان في المقابل مسرحا لإزهاقها؛ إذ شهد صيف 2005 تفجيرات متزامنة أودت بحياة 42 شخصا وخلفت سبعمئة جريح، لتكون أكثر الهجمات دموية في تاريخ المملكة المتحدة منذ تفجير طائرة لوكربي عام 1988.

وخلال شهر سبتمبر/أيلول من العام الحالي، كانت محطة "بارسونز غرين" في الجنوب الغربي من العاصمة مسرحا لهجوم آخر بعبوة ناسفة، أدى إلى جرح حوالي ثلاثين شخصا.

وقد وقعت تلك الهجمات في ساعات الذروة التي يشتد فيها الزحام لدرجة أن بعض محطات قطارات أنفاق المترو تغلق أبوابها من شدة الاكتظاظ، فيما يضيِّع بعض المسافرين قطارهم الأول وينتظرون الثاني أو الثالث، كما يمكنك أن تجد على متن بعض القطارات أربعة أشخاص محشورين في متر مربع واحد.

لذلك تنصح هيئة النقل في لندن كل المسافرين بتفادي استخدامه -إن أمكن- خلال هذه الفترات المرتبطة بعودة الموظفين من مكاتبهم، ويُمكن رصدها صباحا من الثامنة إلى التاسعة والنصف، ومساء من الخامسة إلى السادسة والنصف.

ويمنح القضاء البريطاني المسافرين حق الحصول على تعويض مادي إذا تأخرت رحلتهم 15 دقيقة بسبب ظروف باستطاعة هيئة النقل في لندن التحكم فيها. وقد وصل عدد المطالبين بتعويض في عام 2010 إلى 330 ألف راكب، فيما صُممت تطبيقات هاتفية ذكية لمساعدة المتضررين على المطالبة بتعويضات ناجمة عن التأخر.

محطة دائرة أكسفورد الشهيرة تقع في قلب شارع أوكسفورد الذي يضم أكثر من 300 متجر (الجزيرة)


وإلى جانب الاكتظاظ يرتبط اسم مترو لندن بكثرة إضراب عامليه وسائقيه، إذ أجْرَت صحيفة لندن المسائية استطلاعين منفصلين، لتجد أن غالبية كبيرة من سكان العاصمة يفضلون منع عمال المترو من خوض أي إضراب، وأكد 59% من المستطلعة آراؤهم عام 2013 أن عمال المترو يبالغون في إضراباتهم.

وفي استطلاع آخر أجري عام 2014، أيد 56% فرض حظر قانوني على إضرابات المترو، وفي عام 2015 وصف 46% إضرابات المترو في صيف تلك السنة بغير المبررة.

ويشتكي مستخدمو المترو كذلك من ارتفاع أسعار تذاكره مقارنة بباقي المدن الأوروبية، وهي تذاكر تسمى "بأويستر" تتخذ شكل بطاقات دفع زرقاء خاصة للسفر، بدأ العمل بها عام 1983، وتُستخدم بلمس دائرة صفراء عند ركوب القطار، ثم جرى بعد ذلك اعتماد البطاقات البنكية أيضا للسفر.

وكان المترو محل اهتمام الكثير من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، من بينها "حكايات أنبوب"، و"ذئب أميركي في لندن"، و"أبواب منزلقة" وغيرها من الأعمال. وأكدت هيئة المترو تلقيها أكثر من مئتي طلب للتصوير داخل المترو عام 2010 وحده.

وكان المترو حاضرا في العديد من المقطوعات الموسيقية، ومن أشهرها أغنية بعنوان "منتصف الليل في محطة مترو"، كما كُتِبَت رواية بعنوان "ابتعد عن رصيف القطار"، وهي مأخوذة من العبارة الشهيرة المكتوبة على أرصفة محطات قطارات المترو.

أما على جدرانِه، فظهرت أولى الملصقات بالأبيض والأسود أواخر القرن 19، قبل أن تصبح ملونةً في عام 1905، وكان من بينها ملصقات تسويقية تشجع على استخدام المترو.
يحتل الموسيقيون مساحات عدة من محطات مترو لندن في مبادرة من بلدية المدينة لتشجيع الفن (الجزيرة)



بعد ذلك كُلِّف أكثر من 150 من الفنانين برسم ملصقات للمترو. أما في عام 1986 فدُشِّنت حملة فنية على "الأنبوب"، كما نُشرت في الخانات المخصصة للإعلانات قصائدُ لوليام بلايك ومقاطع خالدة وكلمات مأثورة من مسرحيات وليام شكسبير.

وفي عام 2009 أعد فنان بريطاني يدعى جيريمي ديلير كراسا يتضمن أقوالا فلسفية وتاريخية وسياسية مأثورة لغوته وسارتر وفكتوريا وغيرهم، وأمثالا من ثقافات أخرى كي يختار منها السائقون جملا يقرؤونها على الركاب كلما كانت اللحظة سانحة، وذلك بهدف تحسين مزاج الركاب والاستحواذ على انتباههم.

ومنذ عام 1959 انطلقت مسابقة تعرف "بتحدي الأنبوب"، وهي لأسرع وقت يقضيه المتسابق للوصول إلى كافة محطات مترو أنفاق لندن، وقد اعترف سجل غينيس للأرقام القياسية بهذه المسابقة منذ ستينيات القرن الماضي.

ويحوز على الرقم القياسي الآن الفنلندي أندي جيمس الذي زار كل محطات مترو المدينة في مدة لا تتجاوز 15 ساعة و45 دقيقة و38 ثانية عام 2016.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/14-

حي "السلايمة" الفلسطيني بالخليل سجن كبير

حي "السلايمة" الفلسطيني بالخليل سجن كبير
تقطع الطالبة الفلسطينية أنسام أبو رميلة (14 عاما) عدة حواجز عسكرية إسرائيلية يوميا للوصول إلى مدرستها في البلدة القديمة من مدينة الخليل (جنوبي الضفة الغربية المحتلة). وتقطن أنسام مع عائلتها في حي "السلايمة" (وسط البلدة القديمة من مدينة الخليل)، التي يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي، وزاد من معاناة الطالبة وسكان الحي فصل الحي بجدار سلكي عن محيطه.

وتعيش في حي السلايمة نحو مئة عائلة فلسطينية، وبات على السكان الولوج عبر بوابة يتحكم بها جندي إسرائيلي للتنقل من وإلى الحي.

تقول أنسام عندما كانت عائدة من مدرستها "جندي إسرائيلي يتحكم في سكان الحي حسب مزاجه، يفتح الباب متى يشاء، ونصل مدرستنا متأخرين كثيرا بسبب الإعاقة على البوابة أو الحواجز العسكرية الأخرى". وتضيف "باتت حياتنا سجنا كبيرا، ونمنع من اللهو والذهاب والإياب".

يقطن حي السلايمة نحو 100عائلة فلسطينية (الأناضول)

وبجوار الحي يقع شارع لا تمر عبره سوى مركبات المستوطنين، وقوات الشرطة والجيش الإسرائيلي، وتشير إليه الطالبة قائلة "انظر.. يعيشون بحرية في مدينتنا ونحن محرومون".

وقُبالة الحي نقطة عسكرية إسرائيلية دائمة، تحرس أطفال المستوطنين الذين يلهون في حديقة، كانت قبل نحو عشرين عاما متنفسا لسكان الحي، لكنهم اليوم محرومون من الاقتراب منها.

ويصف وسام أبو رميلة (أربعون عاما) -أحد سكان الحي- الوضع "بالخطير، والمعاناة التي لا تطاق". ويضيف -وهو عائد من عمله- "اليوم سمح لي بالدخول عبر البوابة للحي، لكننا نمنع كثيرا، ونضطر لسلوك طرق أخرى تصل لنحو كيلومتر، لدخول منازلنا، في حين تفصلنا بضعة أمتار عنه".

ويؤكد أبو رميلة أن الجيش الإسرائيلي يغلق مدخل الحي بشكل كامل عند الساعة العاشرة ليلا، مما يعني تعذر إخراج أي حالات إنسانية مرضية ليلا لكبار السن أو الأطفال، "هذه سياسة إسرائيلية تسعى لتهجير السكان من منازلهم والاستيلاء عليها".

وعبّر عن خشيته من تعرض أطفاله لاعتداءات المستوطنين والجيش بشكل يومي، فقد "بات سجنا، ولا يوجد متنفسا للأطفال للهو".

يعاني سكان مدينة الخليل في حركتهم وسكنهم بسبب عدد قليل من المستوطنين في المدينة (الأناضول)

ومنذ نحو عشرة أعوام لم يتمكن أي من سكان الحي والبلدة القديمة بشكل عام من الوصول لمنازلهم بمركباتهم، حيث يضطر السكان للمشي على الأقدام صيفا وشتاء، كما يحتاجون إلى التنسيق مع السلطات الإسرائيلية عبر السلطة الفلسطينية في حال الحاجة لنقل مريض بمركبة إسعاف فلسطينية.

بدورها، تصف الفلسطينية نهاية أبو رجب حي السلايمة "بالسجن الكبير"، وأن "إسرائيل مثال للفصل العنصري، فقد حوّلت البلدة القديمة لكانتونات (معازل)، إنهم يسعون لتهجيرنا من بيوتنا التي ولدنا وعشنا فيها".

وتُصر السيدة على البقاء في منزلها، رغم المضايقات اليومية والانتهاكات، وتقول "هذه أرضنا، لا يوجد مكان نذهب إليه، هم الأغراب، عليهم أن يرحلوا عنا".

أما نضال أبو رجب، فقال -وكان يحمل طفله بين يديه عائدا لمنزله- "ليلا أُصيب طفلي بحمى، ولم أستطع الخروج لأن البوابة مغلقة، الحالة لم تكن حرجة، لكن لو أصيب مريض بحالة خطيرة، فقد يفقد حياته جراء الإجراءات الإسرائيلية وإغلاق الحي".

جدار سلكي يفصل حي السلايمة عن باقي أحياء مدينة الخليل (الأناضول)

ويضيف "هذه سياسة إسرائيلية مدروسة للتضييق على السكان، بينما يعيش المستوطنون حياة رفاهية في منازل سيطروا عليها بالقوة".

من جانبه، يصف منسق تجمع "شباب ضد الاستيطان" عيسى عمرو فصل حي السلايمة بسياج حديدي بالسلوك العنصري، الهادف إلى تهجير السكان وقتل الهوية الفلسطينية في البلدة القديمة من مدينة الخليل، واعطاء المستوطنين حرية الحركة. وبيّن الناشط الفلسطيني أن فعاليات أسبوعية، ستقام في مدينة الخليل رفضا للممارسات الإسرائيلية والمستوطنين.

ويسكن في البلدة القديمة لمدينة الخليل نحو ستمئة مستوطن يهودي، يشرف على حمايتهم 1500 جندي إسرائيلي. وبحسب اتفاقية وقعت بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1997، فقد تم تقسيم المدينة إلى قسمين: منطقة H1، الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية، ومنطقة H2 التي بقيت تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، ومن ضمنها البلدة القديمة.

وأدرجت "الخليل" في التاسع من يوليو/تموز الماضي على لائحة التراث العالمي، بعد أن صوتت 12 دولة أعضاء في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) خلال اجتماعها في بولندا لمصلحة الطلب الفلسطيني المقدم بهذا الشأن، ولقي القرار استنكارا إسرائيليا وأميركيا، في حين اعتبرته وزيرة السياحة الفلسطينية نجاحاً فلسطينياً جديداً.

وكالة الأناضول

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/14-

ميركل.. الحياة الخاصة لأقوى سياسية في العالم

ميركل.. الحياة الخاصة لأقوى سياسية في العالم


يعلم الجميع الصورة التي تظهر بها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل جنبا إلى جنب مع زعماء العالم، ولكن ما الصورة التي تظهر عليها أقوى امرأة بالعالم في حياتها الخاصة؟ وكيف كانت طفولتها؟ وماذا يشغلها عندما تبتعد عن مناقشة الأمور الجسيمة والمشاكل التي تقض مضجع الكوكب؟

ولدت أنجيلا دوروتيا كاسنر بمدينة هامبورغ في 17 يوليو/تموز 1954، وهي ابنة لقس بروتستانتي، وأمها مدرسة لغة إنجليزية ولاتينية. وعندما كانت في الثالثة من عمرها قرر والدها هورست كاسنر العودة إلى الجانب الشرقي من البلاد، حيث ألمانيا الشيوعية، بالرغم من معارضة والدتها هيرلند، المولودة في مدينة جدنسك البولندية.

على هذا النحو، أمضت ميركل -التي لا تزال تحتفظ بلقب زوجها الأول أورليخ ميركل- الجانب الأكبر من طفولتها مع شقيقين يكبرانها، هما ماركوس وإيريني، وسط الغابات والمروج الخضراء والبحيرات ببلدة تمبلين، التابعة لمقاطعة أكمارك، في زمن جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وتقع على مسافة ساعة ونصف الساعة شمال برلين. في ذلك الوقت انشغل والدها ببعض الأعمال الكنسية، من بينها رعاية الأشخاص المعاقين، ونشأ أبناؤه وسط هذه الأجواء.

تعلمت ميركل المشي في سن متأخرة، وكان صعود السلم تحديا كبيرا لها خلال طفولتها. وتتذكر المستشارة الألمانية قائلة "كنت بالفعل طفلة حمقاء". في المقابل كانت تتمتع بلسان طليق منذ حداثة سنها، وتعلمت الروسية في سن مبكرة، ولا تزال تتحدثها بطلاقة إلى الآن".

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وزوجها الحالي يواكيم ساور في افتتاح مهرجان فاجنريان في بايرويت ( الألمانية)

على مستوى الدراسة، كانت طالبة متفوقة ومجتهدة، ولم تكن تهمل في واجباتها مطلقا؛ لذا كانت محط أنظار أقرانها الذين كانوا يلقبونها "بكاسي" لأنها كانت تستطيع فعل أي شيء، وتتذكر معلمتها الروسية إيريكا بن.

في منزلها كانت تناقش الأمور السياسية الجارية، التي لم يكن نقاشها مسموحا به خارج جدران المنزل في ذلك الوقت، وكانت تتابع منذ صغرها المناقشات الدائرة في البرلمان (البوندستاج)، وكان يبثها الراديو، وكانت تعتبر السياسة مجالها.

ألقت أول خطاب لها وهي في الخامسة من عمرها أمام جدتها، وفي الثامنة كانت ملمة بأسماء التشكيلة الوزارية بالحكومة، و"استمعت إلى جلسة تنصيب جوستاف هاينمان رئيسا فيدراليا لألمانيا عام 1969، وهي مختبئة في مرحاض المدرسة، كما كانت منذ الصغر مهتمة بما يحدث على الجانب الآخر من الجدار الذي كان يقسم البلاد.

ورغم ذلك، بوصفها مواطنة من ألمانيا الشيوعية، قررت ميركل الابتعاد عن العمل السياسي حتى سقوط جدار برلين في نوفمبر/تشرين الثاني 1989، وهو الحدث الذي فاجأها بينما كانت في ناد صحي اعتادت التردد عليه مع صديقتها.

حقيقة الأمر أن ميركل من شدة ولعها باللغات كانت ترغب في أن تصبح مترجمة، ولكنها اختارت الفيزياء، حسب ما أوضحته بنفسها، بالرغم من سيطرة الحكومة الشيوعية على كل شيء تقريبا، لكن لم يكن بوسعها التدخل في قوانين الطبيعة، كما تقول.

تتسوق ميركل بنفسها أثناء حملتها الانتخابية في بارث (رويترز)

التقت الفيزيائية الشابة أنجيلا ميركل زوجها الحالي يواكيم ساور عام1981 في أحد ممرات المعهد المركزي للكيمياء الفيزيائية بأكاديمية العلوم في ألمانيا الديمقراطية ببرلين، وتعتبر ميركل هذه اللحظة الأكثر خصوصية في حياتها، حسب ما أعلنته مؤخرا زعيمة الاتحاد المسيحي الديمقراطي في لقاء مع مجموعة أطفال، كانوا يسألونها عن حياتها الخاصة.

وردا على سؤال إذا كانت قد وقعت في غرامه، قالت "لقد أعجبت بذكاء أشيم". في إشارة إلى اسم التدليل الذي تنادي به زوجها في حياتهما الخاصة بعيدا عن الرسميات.

ورغم التكتم الشديد بشأن حياتهما الخاصة، وكيف نشأت العلاقة العاطفية بينهما، توجد إشاعات قوية تشير إلى أن العلاقة بدأت بعد انفصال ميركل مباشرة عن زوجها الأول عام 1981، وتسببت هذه العلاقة في انهيار زواج ساور بالرغم من إنجاب طفلين. وظلت العلاقة مستمرة بين أنجيلا ويواكيم دون زواج، إلا أن قررا أن تتخذ العلاقة شكلا رسميا في الثلاثين من ديسمبر/كانون الأول 1998.

وظلا يعيشان في شقة بالإيجار وسط برلين سنوات طويلة، ولم يغيراها حتى بعد فوزها بمنصب المستشارية في انتخابات عام 2005، على عكس سلفها جيرهارد شرودر، الذي كان يقيم في الطابق الأخير بمقر المستشارية فوق مكتبه.

يساعدها في الابتعاد عن أمور السياسة الانشغال بأمور الحديقة، خاصة زراعة البطاطس، وإعداد الوجبات المنزلية في منزلها الريفي في أكرمارك، وهو المكان الذي تلوذ به كلما سنحت لها الفرصة. أثناء ذلك، تمارس حياتها الطبيعية كمواطنة عادية، تتسوق في المحلات بنفسها، وتتحدث مع الجيران حول شؤون الحياة اليومية، بعيدا تماما عن السياسة.

وتقول عن نفسها "أنا شديدة الولع بالطهي، خاصة لفائف اللحم المحشوة، وحساء البطاطس، ولا يشكو زوجي مطلقا، باستثناء أنني لا أضع في طبقه سوى القليل من الطعام، والقليل من الحلوى، وهذا أمر طبيعي فهو ابن حلواني".

عرفت ميركل بموقفها الإيجابي تجاه اللاجئين الذين تدفقوا على أوروبا (رويترز)

وردا على سؤال عن أهم مبادئها، تقول "في السكينة تكمن القوة"، أما أهم سماتها فهي "التحلي بالهدوء في أصعب المواقف"، وهو ما تجلى بوضوح خلال لقائها الرئيس الروسي في منتجع سوشي الصيفي عام 2007، حينما اصطحب فلاديمير بوتين خلال اللقاء كلبا أسود ضخما، حيث قالت "لا أخشى الكلاب، ولكن تصيبني بالقلق، لأنني تعرضت لعضتها ذات مرة، وأعتقد أن الرئيس الروسي كان يعلم بذلك، ومع ذلك اصطحب كلبه معه".

تعشق ميركل السباحة في البحيرات الريفية في أكرمارك، وهي مولعة أيضا بالموسيقى الكلاسيكية، وتحرص على حضور الحفلات الافتتاحية لمواسم الموسيقى الكلاسيكية في بايريوت مع زوجها أثناء إجازتها الصيفية السنوية، قبل التوجه للجبال لممارسة رياضة التسلق"، وتقول "يرهقني النزول أكثر من الصعود".

برغم المهام الجسيمة الملقاة على عاتقها، تحاول ميركل -التي فازت بولاية رابعة في منصب المستشارية- الاحتفاظ بابتسامتها والبحث عن سبب يجعلها تضحك من قلبها، حيث تقول أثناء حوار مع مجلة بيرجيت "لا أعدم سببا لكي أنفجر في الضحك".

تحملت ميركل بحكم منصبها على مدار 12 عاما الماضية الكثير من المهام الجسيمة على صعيد السياسة الدولية، بخلاف أمور أخرى اقتصادية وثقافية وحتى رياضية، حيث حرصت على تشجيع منتخب بلادها، والتقاط صور مع اللاعبين في غرف تغيير الملابس، لتهنئتهم بالفوز بمونديال البرازيل. ورغم ذلك حينما سئلت عن الشخص الذي تود اصطحابه معها لو كانت تفضل العيش في جزيرة مهجورة، قالت "زوجي بالتأكيد".

الألمانية

السابق

السابق

التالي

السابق