الجزيرة نت - كانبرا (أستراليا)

يقول السكان الأصليون في أستراليا (الأبوريجينز) "إذا أردنا أن نقول أو أن نكتب المياه نرسم الأمواج. وإذا أردنا أن نشير إلى رجل نرسم جسدا في وضعية الجلوس".

ليس في الأمر سحر أو شعوذة، فهذه نظرتهم إلى الحياة، لأنهم يرتبطون بعضهم ببعض، فالأجداد يتواصلون روحانيا مع الأجيال الجديدة، لكن الأهم من هذا كله أنهم يرون أنفسهم جزءا لا يتجزأ من الأرض والغيم والمطر والضوء والألوان.

تمتد فنون الشعب الأبوريجيني لآلاف السنين، فقد وجد الباحثون لوحات رمزية في غاية القدم منحوتة في الكهوف الرملية القريبة من السواحل وأماكن المياه الموسمية وأودية الأنهار، وقد عمق هذا القدم ارتباطهم بالأرض، التي برعوا في رسم كائناتها من طيور وحيوانات برية، وبرعوا كذلك في رسم الدروع والسلال، وكلاهما مرتبط بشكل الحياة التي يعيشونها، وتتمحور كلها حول قناعتهم بحقهم الأساسي بأهلية الأرض بحكم كونهم الورثة الشرعيين لها جسديا وفنيا وروحانيا.

إقبال كثيف من الزوار على معرض الفن التشكيلي الأوبورجيني في أستراليا (الجزيرة)


ويشتهر الأبوريجينز بأنهم مهرة في التعبير عن حياتهم ومعتقداتهم عن طريق الرسم الرمزي حيث
لا توجد مجسمات مرسومة بالكامل تظهر أيا من أشكال الحياة، مقارنة بالفنون عند الحضارات القديمة.

حيث لا توجد حضارة في العالم تشبه إرثهم، لأنهم ظلوا معزولين تماما، ولم يدخلوا فيما عرف بتمازج الحضارات. وقد أجمع علماء التاريخ على أن رسوماتهم الموجودة في الكهوف والتلال من أقدم الحضارات العالمية.

وينتشر فن الرسم الأبوريجيني انتشارا واسعا في جميع المدن، ويطالعك في كل مكان تزوره، فهنا يتعلم الزوار والسياح أن شعبية هذه الفنون ليست طارئة أو حديثة، إنما هي جزء أساسي من التاريخ يرتبط بالشعب الأصلي لهذه البلاد.

وفي السنوات الأخيرة بدأ تأثير الفن التشكيلي ينطلق إلى جميع أنحاء العالم، وصار أصحاب المجموعات التشكيلية في العالم يتهافتون على شراء أعمالهم، حتى إن لوحة واحدة بيعت في مزاد علني بنحو نصف مليون دولار.

لوحات لفنانين أوبورجينيز في معرض الفن التشكيلي (الجزيرة)


كما أن معارض وصالات فن الرسم عند السكان الأصليين انتشرت في كل مكان، وتتوفر اللوحات الفنية المرسومة على الورق والقماش والخشب والحجر. كما تجدها في أماكن السياح وفي التجمعات السكنية المتنقلة التي تعتمد على مواسم الأمطار.

التقينا الشاب الأبوريجيني أليكس فولي، وسألناه عن الفنون التي يمارسها أهله، فابتدر حديثه بعفوية قائلا "قد لا تصدقون أن الألوان التي يستخدمها الأبوريجينز في أعمالهم ألوان طبيعية خالصة، وهي مستخرجة من التراب وجذور الأشجار ونشارة الخشب المحروق والمَحار وعظام الحيوانات المطحونة.
 وتمزج بالزيت أحيانا وبالماء أحيانا أخرى، ليحصل الرسام على الكثافة اللونية، حسب مزاجه الخاص.

وعن مشاركة هؤلاء الفنانين في المعارض، أكد فولي أن "العديد منهم خرجوا من العزلة وأصبحوا يعرضون أعمالهم في العديد من الصالات في المدن داخل وخارج أستراليا، لكن بالطبع ما زالت هنالك مجموعات من الفنانين في حالة ترحال وتنقل داخل الصحراء الأسترالية، رغبة منهم في البقاء على اتصال بمعتقداتهم الروحانية، ويرسمون على جنبات الطرق الوعرة في الغابات، فما لا تتمكن من رؤيته في المعارض تشاهده في الطبيعة على الصخر وجدران الكهوف".

لوحات تشكيلية تعبر عن ثقافة الأوبورجينيز الخاصة (الجزيرة)


ويضيف فولي "أروع مثال على هؤلاء المبدعين هي الفنانة سوندا التي تتميز بأسلوب فريد في اتباع النمط التقليدي، الذي لا يرتكز على رسم خطوط أو دوائر أو تموجات، واشتهرت بلوحتها التي تظهر تمساحا محاطا بالنمل، وعلى عشرات آلاف من النقاط المتناهية الصغر، ومن على البُعد تبدو هذه النقاط كأنها خطوط ترسم الفكرة، لكن عن القرب وبعدَ تمحيص هذا الأسلوب الفريد تكتشف النقاط. وتعتبر سوندا أن هذه الطريقة ساعدت على إبقاء شعلة شعبها وتاريخه ومعتقداته على قيد الحياة.

وفي جولة داخل المعرض الوطني نشاهد لوحات فنية في غاية الدقة تترجم ببساطة الأفكار المرتبطة بالأرض ورمزية عناصرها وحيواناتها وغاباتها ومياهها بأسلوب التنقيط على القماش، فهؤلاء الفنانون لا يمكن الوصول إلى قلوبهم إلا من خلال الحديث معهم حول معتقداتهم وأفكارهم الروحانية، التي يصورونها في أعمالهم الفنية من خلال رسم على جدار أو قطعة قماش يسكب فيها حنينه وتمسكه بالأرض.

لقد أكسبتهم فلسفة الأحلام رؤى تجاوزت ما يصفه الأبوريجينز باضطهاد المستعمر الأبيض من مجازر وقتل ومحاولات التخلص كليا من العرق الأسود، واستعباده وطمس معالم هويته على مدى قرنين من الزمن.

ولكل هذا وذاك فهم حين يقررون الرسم أو ممارسة أي نوع من الفنون يتمسكون بمعتقدات وتقاليد يؤمنون بها إيمانا قاطعا، ويرون روحهم تتجسد في تلك الأمكنة التي عاش فيها الأجداد وتصير كلها مع الوقت ينابيع ماء.
وحيث مشوا تمشي معهم الأنهار.
وحيث ماتوا ودفنوا.. تنبت الأشجار.
وحيث سالت دماؤهم .. تجمعت البحيرات.

المصدر : الجزيرة