ياسين الكزباري - كينشاسا


"أمر ما ليس على ما يرام". هكذا حدثت نفسي، ثم توجهت للسائق: هل أنت يهودي؟ فقال لا أنا مسيحي. جلت ببصري داخل سيارة الأجرة، ثم سألته من جديد "هل الشركة التي تعمل فيها إسرائيلية؟" نظر إليّ مستغربا وقال "لا هذه سيارتي وأنا أعمل لحسابي". فسألته "لماذا إذن تعلق علم إسرائيل؟" فأجابني مستغربا "إنها أرض الميعاد".

في كينشاسا رأيت علم إسرائيل أكثر مما رأيت علم الكونغو نفسها؛ على واجهات المحلات، في السيارات، في أيدي الباعة المتجولين، على ملابس الأطفال، ولا يمكنك أن تمضي بضع ساعات في الخارج دون أن تصادف علم "أرض الميعاد".

جلست في أحد المطاعم الأنيقة، وكان النادل يتحدث الفرنسية والإنجليزية، ولغة ثالثة كان فخورا بها، إنها العبرية. قال "تعلمتها في بيت يعقوب، هناك يعمل والدي حارسا". وأضاف "أختي تدرس الآن في إسرائيل، إنها بلاد رائعة أحلم بزيارتها يوما ما". كانت عيناه تلمعان وهو يتحدث عن حلمه الإسرائيلي، وسألته عن صاحب المطعم، فأخبرني أنه تابع لمؤسسة غرتلر الخيرية.

وضع علم إسرائيل في السيارة أمر شائع في كينشاسا (الجزيرة)

ملك الكونغو الجديد
في يوليو/تموز 2000، اتصل المسؤول الإسرائيل أفيغدور ليبرمان بصديقه ضابط المخابرات يوسي كاميسا، ودعاه إلى اجتماع مهم، بعد بضعة أيام اجتمعا، وكان برفقتهما شخص ثالث.. صديقنا دان يعمل على الحصول على عقد احتكار لتصدير الألماس الكونغولي، لكنه يحتاج مساعدتك، وافق كاميسا على المساعدة، وطلب كتابة عقد رسمي، لكن غرتلر وقف ومد يده لكاميسا قائلا: في مجال الألماس لا نكتب عقودا، وإنما كل شيء يتم بمصافحة.

كان دان غرتلر في الـ27 من العمر حين عرض على رئيس الكونغو الجديد شيكا بعشرين مليون دولار، مقابل عقد لاحتكار الألماس. كانت خزينة البلاد فارغة، فاضطر كابيلا لقبول العرض، واشترط أن يحصل على تدريب عسكري من إسرائيل، وكان ذلك.

ثم انفضحت القصة، حين رفع كاميسا دعوى قضائية ضد شريكيه، لأنهما استغنيا عنه عندما وجد بديلا أفضل، وكان البديل هو مائير داغان رئيس الموساد نفسه.

اغتيل كابيلا في السنة نفسها، فسافر ابنه إلى واشنطن ورتب له غرتلر لقاءً مع جورج بوش، وهناك وقع على العقود التي رفضها والده. كما يقول الصحفي آمبا بودوين. وبعد احتكار غرتلر الألماس، اشترى أهم حقلي بترول في البلاد، ثم 20% من شركة جيكامين الحكومية التي تدير 75% من إنتاج البلاد من المعادن. وفي السنة نفسها، انضم رئيس الكونغرس اليهودي الأميركي وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة "إيباك" جاك روزِن إلى مجلس إدارة الشركة التي توصف بأنها رئة الكونغو.

شلومو بنطليلة حاخام يهود الكونغو رفقة الرئيس كابيلا (الجزيرة)


عندما نتحدث عن غرتلر، فإننا نتحدث عن إسرائيل، أخبرني جبريل سيفو النائب البرلماني وتاجر الألماس السابق أن غرتلر حفيد موشي شنيتزر الرئيس السابق لبورصة الألماس الإسرائيلية التي تبيع 50% من ألماس العالم، وتشكل مبيعاتها ثلث صادرات إسرائيل. من هنا يفهم دور غرتلر والجالية الإسرائيلية في الكونغو.

في 27 فبراير/شباط 2011، هاجم مئة مقاتل مسلحين بالبنادق الرشاشة والقذائف الصاروخية القصر الرئاسي في كينشاسا. يحكي جبريل أن كابيلا أجرى مكالمة هاتفية في تلك الليلة. وحده الله يعلم ما دار فيها، لكن الناس يعلمون أن المسلحين انسحبوا على إثرها.

وبعد أربعة أيام فقط، أقامت منظمة حاباد حفلا بمناسبة مرور عشرين سنة على نشاطها في أفريقيا، وهناك رقص رئيس وزراء الكونغو وآخرون مع كبار أعضاء المنظمة اليهودية الأكبر في العالم، وألقى كابيلا خطاب شكر للجالية الإسرائيلية على ثقتها في بلاده. سألني جبريل: متى يمكن لمنظمة إقامة حفل دولي في بلاد عرفت قبل أربعة أيام محاولة انقلاب؟ ثم أجاب "فقط حين تكون تلك المنظمة وراء محاولة الانقلاب تلك".

في "غومبي" أو حي الأعمال في كينشاسا، وعند بوابة "بيت يعقوب"، طلبنا مقابلة الرجل الذي اتصل عليه كابيلا عشية الانقلاب، لكن لم يسمح لنا. إنه الرجل الأكثر نفوذا من غرتلر نفسه، بل إنه صاحب فكرة "غرتلر" نفسها.

ولد أصلان بيها سنة 1948 في لومومباشي، وأنهى دراسته في بلجيكا سنة 1973، ليرأس في السنة نفسها شركة أليمكس للتصدير والاستيراد، وسيمضي بعدها أربعين سنة رئيسا لكبريات شركات الألماس، وسيترأس أيضا اللجنة المهنية لتجار الألماس، واتحاد شركات الكونغو (يضم 2500 شركة)، واللجنة الوطنية للمعادن النفيسة، والهيئة الوطنية للاقتصاد والمالية، وفي سنة 2012 عُيّن سفيرا شرفيا لإسرائيل في كينشاسا.

بيت يعقوب هو مقر الجالية الإسرائيلية في الكونغو الديمقراطية (الجزيرة)

العودة بعد التيه
وصل اليهود إلى الكونغو بداية القرن العشرين، وتركزوا في لومومباشي عاصمة إقليم كاطنغا الغني بالمعادن، بلغ عددهم ثلاثة آلاف منتصف القرن، وبعد استقلال الكونغو سنة 1960 أعلن مويز تشومبي إقليم كاطانغا دولة مستقلة، لكن لومومبا اعترض، فنسق تشومبي مع الرئيس كاسافوبو حليف بلجيكا، فاعتقل لومومبا وأرسل إلى تشومبي ليقتله.

كان تشومبي يهوديا، فخشي اليهود الانتقام، وغادر بعضهم البلاد، وبعد أربع سنوات انقلب جوزيف موبوتو على كاسافوبو، ثم غيّر اسمه إلى سيسي سيكو، واسم الدولة إلى زائير، ومنع ارتداء البذلة الأوروبية، ثم أمّم ممتلكات الأجانب ومنعهم من دخول مناطق المناجم، فغادر باقي اليهود.

يواصل جبريل سرده قائلا وبعد سقوط موبوتو سرعان ما عاد اليهود إلى الواجهة؛ فمويز كاتومبي، رجل الأعمال اليهودي، صار محافظا لإقليم كاطانغا، والسنة الماضية رفض استقبال الرئيس كابيلا. متى يمكن لمحافظ أن يرفض استقبال رئيس الدولة؟ سألني جبريل ولم ينتظر جوابي كعادته "فقط حين يكون هذا المحافظ أقوى من الرئيس نفسه"، واستقال كاتومبي ليترشح للرئاسة.

قضيت بعض الأيام برفقة بعض الشباب، كان جاك أكثر تدينا، كان ممسكا طول الوقت بالإنجيل، غير أنه يبتعد كلما تطرقنا للحديث عن إسرائيل، أخبرته أنني مهتم بسماع رأيه، فقال لي ضجرا "تلك أرضهم، الرب وعدهم بها"، ثم دخل إلى غرفته. لكن باتريك الذي أمضى جزءا من حياته في أوروبا أجابه صائحا "ليست تلك المشكلة، المشكلة في أنهم حين عادوا إلى أرضهم، أخذوا يقتلون الفلسطينيين" فصاح جاك "لم يفعلوا". فرد باتريك "بلى فعلوا، رأيت ذلك بعيني"، ثم أضاف مازحا "إذن سأطردك الآن لأن باكونغو أرض أجدادي، بينما أرضك في كيفو، اجمع حقائبك". فضحك الجميع.

يهود من السكان الأصليين في الكونغو الديمقراطية (الجزيرة)

حساب قديم
لم أتمكن من مقابلة أصلان بيها، ولم أحظ برد منه على اتصالاتي، فلجأت إلى قراءة افتتاحياته في صحيفة "كاديما" الصادرة عن بيت يعقوب. وفي إحدى الافتتاحيات كتب "إذا كانت الوطنية تقاس بحب البلاد والعمل فيها، فاليهود كونغوليون قبل غيرهم".

لم أفهم كيف يمكن لليهود أن يكونوا كونغوليين أكثر من الكونغوليين أنفسهم، إلا حين طالعت صفحة غابرة من التاريخ.

يذكر فوربس مونرو أستاذ تاريخ الاقتصاد في كتابه "الشركات البحرية والإمبراطوريات" أنه عندما أراد ليوبولد الثاني استكشاف أفريقيا، اقترض التمويل من صديقه ليون لامبيرت، وكان ليون مصرفيا كبيرا. وعندما اكتُشفت الكونغو وأراد ليوبولد تأسيس مستعمرته وجد ليون في خدمته، وكان ليون يهوديا من عائلة كوهن، وكان وكيلا لبنك الإخوة روتشيلد في بلجيكا وفرنسا، واستطاع إقناع عائلة روتشيلد بجدوى تمويل مشروع ليوبولد.

وعلى موقع الجالية الإسرائيلية في الكونغو ظهر ليوبولد الثالث منحنيا بتواضع أمام ليفي مويز حاخام يهود وسط أفريقيا. تأملت الصورة، فبدا لي شرح كل شيء.

المصدر : الجزيرة