فاطمة الصمادي - باكو


في متحف السجاد في العاصمة باكو، بعناية علقت سجادة باذخة على الحائط تمجيداً لشاعر أذربيجان المعروف فضولي، وأخرى تروي أشعار نظامي كنجوي وسط مجموعة كبيرة من السجاد النادر. كانت الألوان المنتقاة بذوق عال والسجادات المنسوجة بعناية كبيرة تقول ما لهؤلاء الشعراء من مكانة في دنيا الأدب وتاريخ البلاد التي مرت بالكثير ومر عليها الكثير، وبصورة أو بأخرى كانت تروي حكاية أذربيجان (آران قديما) البلاد التي لا تنطفئ نارها. وكما في فن نسج السجاد فأذربيجان وعلى مدى تاريخها كانت مزيجاً من الجمال والتحدي والتنوع والتعقيد.

تركت الحقب التاريخية المختلفة التي مرت على أذربيجان تأثيرها الكبير في المكونات الثقافية التي نشأت في بلد يضم إرثًا إنسانيًّا قديمًا، وفيه آثارُ واحدةٍ من أقدم المستعمرات البشرية في مدينة غوبستان، التي تعود إلى العصر الحجري المتأخر، وترتبط بثقافة غوروكاي وتطور التمدن الإنساني، وتظهر ثقافات العصر الحجري القديم الأعلى وثقافات أواخر العصر البرونزي في عدد من الكهوف الأذربيجانية.

وحُكمت المنطقة في فترة 550 سنة قبل الميلاد من قِبَل الأخمينيين، وهي الفترة التي انتشرت فيها الديانة الزرادشتية، وما زال أحد معابدها قائمًا في باكو، ثم صارت جزءًا من إمبراطورية الإسكندر الأكبر، وتعاقبت على حكمها السلالات من الساسانيين والبيزنطيين إلى العرب المسلمين بعد أن وصل الإسلام إلى تلك البلاد في القرن السابع الميلادي.

معبد النار في أذربيجان من أقدم المعابد الزردشتية (الجزيرة)


في الرحلات البحثية ينصرف ذهن الباحث وجهده في الغالب إلى التركيز على القضايا التي يحتاجها في عمله البحثي، وبالتالي فالجيوسياسي فرض حضوره في رحلتي كباحثة تقصد أذربيجان للمرة الأولى، وتحاول كمتخصصة في الشأن الإيراني أن تتعرف على المحيط الجغرافي الذي شكل "إيران التاريخية" والذي ما زالت إيران تتحرك خلاله.

وصلت مطار باكو وأنا مسكونة بتوصيات زملاء باحثين (غربيين على الأغلب، إذ نادرا ما تجد جهدا بحثياً عربياً يصرف على وسط آسيا والقوقاز) بالحذر فـ"البلد بوليسي" والتحرك صعب، وقرأت أنه سيكون من الصعب على محجبة التحرك في باكو دون إزعاج، وقلت في نفسي "لا بأس، سيزيد ذلك من صعوبة المهمة".

لكن الصورة بدت مغايرة، منذ أن وطأت قدمي أرض أذربيجان، بدا المطار الصغير مرتبا وهادئا في صباح ذلك اليوم، ختمت جواز سفري سريعا، ولم تتعرض حقيبتي للتفتيش الذي سبق وحدثوني عنه، وما أن خرجت حتى وجدت رجلا يلوح لي بيده مبتسماً، كان راميل عزيزوف من مؤسسة القوقاز للإعلام وهي مؤسسة من شركاء الجزيرة يترأسها أومود ميرزاييف الاسم البارز في الإعلام هناك.

في الطريق من المطار إلى مقر مؤسسة القوقاز للإعلام لاجتماع لتحديد أجندة اللقاءات والمقابلات، بدت العاصمة باكو مدينة حديثة نظيفة، بنمط معماري متعدد يجمع الشرقي والغربي بتمازج مريح للنظر.

أحد مساجد باكو التي يصلي فيها السنة والشيعة في جماعة واحدة دون حساسية أو تعصب (الجزيرة)


تشير التجربة الأذربيجانية إلى وجود حالة تفاعلية بين هذه المكونات الاجتماعية والثقافية، أدَّت إلى نشوء حالة دينية يمكن أن نطلق عليها "النموذج الأذربيجاني" في البلد الذي تمتد مساحته اليوم على 86,600 كم2. وإضافة إلى (المسلمين) الشيعة والسنة -الذين يشكلون المكون الأساسي والغالبية في أذربيجان- يعيش في أذربيجان اليهود، وأتباع الكنيسة الأرمينية الرسولية، والكنيسة الروسية الأرثوذكسية، وأديان أخرى منها الزرادشتية وما زال بيت النار "Atəşgah"ويعود تاريخ بنائه إلى القرن السابع عشر، وأقام فيه الكاتب الفرنسي ألكسندر دوما (الأب) ووصف نيرانه قائماً إلى اليوم كمتحف في منطقة سراخاني (وتعني الثقب ذا النافورة) الغنية بالنفط والغاز.

تميل أغلب الإحصاءات إلى أن 96% من السكان في أذربيجان من المسلمين، فيما تتوزع النسبة الباقية (4%) على ديانات أخرى كالمسيحية واليهودية والزرادشتية، فيما يقول مسؤولون حكوميون "إن 92% من السكان هم من المسلمين". وبينما تقول بعض الإحصاءات "إن الشيعة يمثلون 85% من السكان المسلمين، وأن نسبة المسلمين السنة تصل إلى 15%"، لكن مسؤولين يُديرون أمر الشؤون الدينية التقيناهم، يرفعون نسبة المسلمين السنة إلى 35%.

وترتبط الحالة الدينية كما في سياسة أذربيجان الخارجية بصورة كبيرة بتعقيدات الوضع الجيوسياسي لهذا البلد، المحاط بفاعلين سياسيين لهم وزنهم وأدوارهم في المنطقة، مثل روسيا، وتركيا، وإيران.

تأثير الفن الإسلامي يأخذ مداه في المزارات (الجزيرة)


وعلى الرغم من علمانية أذربيجان بنص الدستور، فإن الإسلام هو جزء أصيل من الهوية الاجتماعية والثقافية. تقوم أذربيجان اليوم بصياغة هوية وطنية علمانية، تكون الهوية الدينية فيها جزءًا تابعًا للهوية العامة، فيما تتبنى المؤسسات الدينية في أذربيجان سياسة صارمة لمنع نفوذ ما يطلق عليه "الجماعات الراديكالية".

وأذربيجان من دول ما بعد الاتحاد السوفياتي الذي حكمها بالحديد والنار، تعد من الدول الهامة والمحورية على الخارطة السياسية الأوروبية، وهي في الوقت ذاته في محيط جغرافي عالي التنافسية، إذ يضم روسيا وإيران وتركيا، مع علاقات قوية بواشنطن وإسرائيل. وفي محيط كهذا فإن القدرة على بناء سياسة خارجية فعالة ومتوازنة، مسألة تتجاوز فن بناء العلاقات الدولية، وتصبح فناً للبقاء.

تدرك أذربيجان المزايا التي يوفرها موقعها الجيوسياسي وتحاول تعظيم الفرص الناتجة عن ذلك. فهي بلد يقع على مفترق طرق من طرق التجارة والطاقة الرئيسية بين الشرق والغرب، وهي رغم نزعتها العلمانية لم تلغ ولا تنوي إلغاء ارتباطها بالعالم والتراث الإسلامي، وكما أنها تمثل جسرا طبيعيا بين
أوروبا وآسيا، فهي أيضا تمثل جسراً بين العالمين المسيحي والإسلامي، وبوابة للطاقة وممراً شديد الأهمية لمجموع المنطقة التي تقع فيها.

كما أن تاريخ العلاقة بين أذربيجان والروس فيه الكثير من القمع والدماء، ويأتي مرتبطًا بـ"الاحتلال والصراع"، فإن الدين والحريات الدينية للناس كانا في مقدمة الضحايا للسياسة الروسية، خاصَّة في العهد السوفياتي، وقبل قيام الاتحاد السوفياتي كان هناك حوالي ألفي مسجد في أذربيجان، وعانى مسلمو أذربيجان ومنطقة القوقاز عمومًا من سياسة سوفياتية منظمة لقمع الدين.

غوبستان واحدة من أقدم المستعمرات البشرية وتعود إلى العصر الحجري (الجزيرة)

وفي مطلع الثمانينيات ومن بين خمسة مساجد كبيرة في باكو سُمح بفتح اثنين فقط، وعدد آخر لا يزيد عن 15 مسجدًا في كافة أنحاء أذربيجان، وهو ما دفع الكثير من الناس إلى ممارسة الشعائر والصلوات في بيوتهم سرًّا. وشمل القمع السوفياتي على صعيد الحريات الدينية جيران أذربيجان في جنوب القوقاز وأرمينيا وجورجيا بحسب ما يروي شيخ الإسلام في القوقاز الله شكرباش زاده.

يبلغ عدد سكان أذربيجان اليوم عشرة ملايين نسمة، ويبلغ عدد مساجدها ألفين ومئة مسجد، ولا يجري تقسيم هذه المساجد بين الشيعة والسنة، بل هي مساجد "ترفع اسم الله ويصلي فيها الشيعة والسنة معا" بإمام شيعي تارة وسني تارة أخرى.

بعبارة مازحة ولكنها جادة في الوقت ذاته يقول رئيس لجنة الشؤون الدينية، مبارز قرباني "أتعلمين لماذا انهار الاتحاد السوفياتي؟ الجواب ببساطة، لأنه حارب الله في قلوب الناس".

في طريق العودة، ونحن نقطع شوارع باكو نحو المطار، يرتفع علم كبير لأذربيجان، يقول مرافقي "هذه الراية قامت بعد الاستقلال مكان تمثال ضخم للزعيم السوفياتي ستالين، لقد أصبح ذلك من الماضي".

المصدر : الجزيرة