آخر تحديث: 2017/10/1 الساعة 16:55 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/11 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/1 الساعة 16:55 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/11 هـ
-1/14-

العربية جسر الإسلام

محمد المختار الخليل
مدير تحرير الجزيرة نت

كما أن اللغة هي وعاء الفكر، فهي قبل ذلك الجسر الذي يعبر به الدين إلى مواطن جديدة، لذلك وصلت اللغة العربية إلى أقاصي الأرض حاملة الإسلام للقرى النائية والحضر في شتى أصقاع العالم. وبقي الظمأ لمن يعرف العربية في كل تجمع إنساني إلى الحاجة الدينية فيما يمس حياة المسلمين هناك.

وعندما ترتبط دولة بالإسلام وموطنه الأول (العالم العربي) جغرافيا وسياسيا ودينيا، فإن لغة القرآن تجد مساحة واسعة تتجذر فيها، مثل تركيا التي كانت على رأس العالم الإسلامي على مدى قرون، واكتسبت شرعيتها السياسية في المنطقة العربية من المنطلق الديني، وكانت حاضرة في سياسة جزء كبير من هذه المنطقة بحكم إدارتها والسيادة عليها.

فإلى جانب تأثر قرابة ثلث اللغة التركية الحديثة بالمفردات العربية، وخصوصا ذات الصلة بالمسائل الدينية والفقه، فإن اللغة التركية ذاتها كانت تكتب بالحرف العربي، مما سهل التواصل مع اللغة ومراجعها، قبل أن تقطع هذه الصلة على يد مؤسس الدولة التركية العلمانية كمال أتاتورك باعتماده الحرف اللاتيني في كتابة التركية.

وبحكم العلاقة السياسية بين الطرفين، اهتمت الإمبراطورية العثمانية باللغة العربية لغة تواصل مع سكان المنطقة العربية التي كانت تحت إدارتها لسنوات طويلة، لذلك يحتفظ الأرشيف العثماني بكم هائل من الوثائق العربية التي تؤرخ للمنطقة وتفاصيل حياتها السياسية والثقافية وحتى ملكية العقارات والأراضي.

الارتباط الوثيق بين تركيا والعالم العربي بدأت تدب فيه الحياة في العقد الأخير مع حكم حزب العدالة والتنمية، الذي يرى في المنطقة العربية عمقه الإستراتيجي والتاريخي، ويحرص على تجذير هذه العلاقة من خلال السياسة والاقتصاد، وأيضا من خلال نشر اللغة العربية وتعليمها في المجتمع التركي، ومخاطبة الشارع العربي بلغته فيما يخص الشأن التركي والتعريف بتاريخه وواقعه.

ملف هذا العدد من مجلة الجزيرة يسلط الضوء على جوانب من حضور اللغة العربية في المجتمع التركي، بدفع من حكومة العدالة والتنمية التي تتجه نحو المنطقة العربية سياسيا واقتصاديا وإعلاميا، وبمساهمة الحضور العربي المتزايد على الأراضي التركية لجوءا واستثمارا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/14-

العربية في تركيا.. من المنع إلى التعليم العالي

العربية في تركيا.. من المنع إلى التعليم العالي
فاطمة سلام - إسطنبول
 
الحديث عن العربية في تركيا، يستدعي التحول العميق من مرحلة ما يسميه الباحث في التاريخ التركي أقطاي ألتن "طمس اللغة العربية في تركيا" ضمن مجموعة "إصلاحات سياسية" تلت انهيار الإمبراطورية العثمانية، إلى مرحلة العودة إلى رحاب العربية، وبدء عملية طمس أخرى هذه المرة لـ "الهوّة التي أحدثت بين الأجيال" وفق ألتن.

في عهد رئيس الوزراء عدنان مندريس، سمح برفع الأذان في مساجد البلاد بالعربية، ثم إنشاء مدارس لتعلمها، صاحب ذلك إقبال شديد من الأتراك على حفظ القرآن الكريم وتعلم العربية.

وفي سنة 1996، انخرطت بلدية مدينة إسطنبول في برنامج تعليم الطلاب الأتراك ومن دول مختلفة التركية واللغات الأجنبية، وبينها العربية، بينما وافقت الحكومة في أبريل/نيسان 2010 على مقترح تقدمت به وزارة التعليم بشأن جعل العربية مادة اختيارية بالمرحلة الثانوية، وصدر القرار بالصحيفة الرسمية لتلتحق في هذا الباب بالإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية وغيرها من اللغات.

مدارس إمام خطيب ساهمت كثيرا في انتشار تعليم اللغة العربية بين الشباب التركي (رويترز)


وفي يونيو/حزيران 2013، أصدرت المديرية العامة للتعليم الأساسي التابعة لوزارة التعليم قرارا بتدريس العربية أسبوعيا لطلاب الابتدائية والإعدادية. ثم بدأت تركيا منذ سبتمبر/أيلول 2016 بتدريس العربية في صفوف الابتدائية بمدارسها الحكومية، بمعنى أنها سترافق الطلاب في كل مراحلهم التعليمية الأساسية.

وخلال مشاركته في فعالية بأحد المراكز الثقافية، قال الرئيس رجب طيب أردوغان كلمة فتحت الباب رسميا أمام الانتقال بتعليم العربية من المدارس ورياض الأطفال إلى المستوى الأكاديمي عبر الجامعات المتخصصة، وقال إنه "ليس هناك أمة في العالم لا تستطيع قراءة وكتابة تاريخها وحضارتها. ليس هناك أمة في العالم لا يمكنها قراءة شواهد قبور أجدادها" في إشارة إلى عدم قدرة الأتراك اليوم على القراءة والكتابة بالعربية والعثمانية التي كانت تكتب بالحرف العربي، على عكس ما كان عليه أجدادهم.

وقد أظهر بحث أعده موقع "تركيا بوست" بمناسبة اليوم العالمي للعربية أن التركية تحتوي على أكثر من ستة آلاف كلمة ذات أصل عربي، وأن نسبة الكلمات العربية المستخدمة في التركية تتجاوز 30%. ويقول البحث إن أكثر من 13 جامعة في تركيا تهتم بتدريس العربية، في حين افتتحت بعض الجامعات الخاصة أقساما لتدريس ومناقشة الرسائل العلمية الخاصة بها.

تزداد معاهد ومراكز تعليم اللغة العربية في تركيا بسبب الإقبال الكبير على تعلمها (الجزيرة)


تقول سمية (24 عاما) طالبة شعبة اللغة العربية وآدابها بجامعة أوروبا الإسلامية الخاصة-فرع إسطنبول إن سبب توجهها لدراسة العربية هو محبتها لأن تعرف لغة القرآن أولا ولكي "يفتح أمامي باب حضارة غنية يمكن أن أتعلم منها الكثير".

ولم تجد الفتاة صعوبة في إيجاد مؤسسة مناسبة تحقق لها هدفها، فتركيا اليوم كما تقول للجزيرة نت "باتت تضم مؤسسات عديدة تقدم ليس فقط دروس تعلم العربية، وإنما تقدم أيضا التخصص بها وعلى مستويات عالية".

تعمل سمية اليوم كمنتج ميداني في إحدى القنوات التلفزيونية الناطقة بالعربية، وتقول إن تعلمها تلك اللغة صنع أيضا عالمها المهني، دون أن توقف رحلة التعلم فـ "هي لغة تتطلب مجهودا وبحثا دائمين" كما تقول "بالأخص لمن اختار أن يجعلها مهنته فيما يخص الترجمة الفورية، وسوقها نشط في البلاد لاحتضانها لفعاليات عربية تركية كثيرة".

ومن بين المؤسسات المتخصصة في العربية، أكاديمية باشاك شهير للعلوم العربية والإسلامية، وتسعى إلى أن تصبح أول جامعة تركية مرخصة تدرس بالعربية 100%.

يقبل الشباب التركي بشكل متزايد على تعلم اللغة العربية (الجزيرة)


انطلقت الأكاديمية بست كليات، هي الشريعة الإسلامية وأصول الدين والتربية الإسلامية والدعوة والإعلام الإسلامي واللغة العربية، وتحاول توفير المواصفات اللازمة لتحقيق برنامج الإدارة، والتعليم بمستوى الإجازة والدراسات العليا، ويدرس لديها حاليا 270 طالبا وطالبة عربا وأتراكا ومن جنسيات مختلفة.

وتراهن الأكاديمية على المساهمة في استقطاب 35 ألف طالب، يهاجرون من تركيا سنويا لتعلم العربية والعلوم الشرعية في بلاد عربية.

تضاف إلى هؤلاء أعداد أخرى من المقيمين العرب في تركيا، وهي الجاليات التي تسهم في تدريس العربية من جهة، ومن جهة أخرى تبحث عن مؤسسات مسجلة لدى الدولة تمكن أبناءها من العلوم الإسلامية وآداب اللغة العربية، ما ينبئ بما يمكن وصفه بأنه "سوق تعليمي" ينمو.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/14-

الخط العربي فن زرعه الدين في الوجدان التركي

الخط العربي فن زرعه الدين في الوجدان التركي
فاطمة سلام - إسطنبول
 
يكاد يكون من الصعب أن تمر بمدينة إسطنبول التركية دون أن تلمح آية قرآنية أو أبيات مديح خطّت على جدران مسجد، أو كلمة "ما شاء الله" كتبت بخطوط عربية مختلفة على بيوت ومحلات وفي آية صوفيا، ومتحف توب كابي ومتحف صبنجة، وفي مسجدي الفاتح والسلطان أحمد آيات من جمال، وهي الرموز والتفاصيل الفارقة التي تفتح باب حكاية الاهتمام التركي بالخط العربي.

هذا الاهتمام بالخط العربي بدأ مع السلطنة العثمانية بدرجة أولى لأنه خط لغة القرآن، ولكن مع الانتقال إلى تركيا الجديدة، وتحويل أحرف الكتابة إلى اللغة اللاتينية في الدولة التركية انتقلنا إلى فصل آخر من الاهتمام بالخط العربي، عنوانه الحفاظ على الخط العربي بوصفه هوية مشتركة مع العالم الإسلامي.

وتركت الدولة العثمانية إرثا كبيرا من المخطوطات واللوحات الفنية المكتوبة باللغة العربية بخطوط مختلفة، جمعت من مصر والعراق وبلاد الشام وغيرها. ولعل مقولة ياقوت المستعصمي، وهو من أشهر خطاطي الدولة العثمانية، جامعة للروح التي جعلت العثمانيين والأتراك اليوم، كما العرب، على قلب واحد في عشق الخط العربي، فـ"الخط هندسة روحانية، ظهرت بآلة جسمانية، تقوى بالإدمان، وتضعف بالترك".
المساجد والأوقاف في تركيا متاحف للخط العربي (الجزيرة)


هذا الترك عرفته تركيا لزمن فاصل في تاريخها، قبل أن تعود في العقود الأخيرة إلى العناية بالخط العربي، والمقولة الشهيرة "نزل القرآن في مكة، وقرئ في مصر، وكتب في إسطنبول" تعكس الارتباط العقدي للأتراك، وهو ما يعبر عنه شيخ الخطاطين الأتراك حسن جلبي بقوله إن "الارتباط بالخط العربي منطلقه ديني، فالأتراك من الشعوب التي عضت بالنواجذ على الدين الإسلامي منذ دخل ديارها".

وطوّر العثمانيون في الخط العربي واستحدثوا خط الجلي الديواني وخط الطغراء، لتأتي الطفرة الهامة مع استقطاب تركيا خطاطي العالم الإسلامي عبر جوائز دولية في الخط، وعبر مراكز ومؤسسات وجامعات عنيت ليس فقط بكتابته، بل بفرز الكنوز التي يضمها إرث السلطنة العثمانية، ويقول الخطاطون إن ما أميط اللثام عنه من هذه الكنوز ما هو إلا النزر اليسير.

تقول الدارسة المتخصصة في الخط العربي حفيظة بولفراح "من الجميل في تركيا أن المساجد والأوقاف متاحف للخط العربي، وهو ما يقدم للدارس خزانا جماليا يتأسى به، ناهيك عن ما يقدمه للسائح والمشاهد من لمحة ثقافية عن البلاد وصيانتها لتراثها".

يقبل الشباب الأتراك على تعلم الخط العربي على يد شيخ الخطاطين حسن جلبي (الجزيرة)


هذا الخزان الجمالي يشعّ على سبيل المثال في مسجد السلطان أحمد، القبلة السياحية الشهيرة، حيث تستقبلك الآية القرآنية الـ238 من سورة البقرة "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ"، تستقبلك في فنائه المفتوح على السماء، وتقودك إلى عليائها.

وعند مدافن السلطان محمد الفاتح واحدة من روائع الخطاط الشهير محمد نظيف، كما يراها خبراء الخط العربي، وكتبها بخط الثلث الجلي على شاهد قبر سعادت خانم، ابنة أستاذه الأشهر سامي أفندي.

ويتخذ الخطاطون أو فنانو الخط كما يليق بهم، من إسطنبول بالتحديد قبلة لهم، لحيازتها على القدر الأكبر من إرث السلطنة العثمانية فيما يخص الخط العربي، وللمشاركة في الفعاليات التي تنظمها بلديتها حوله، وأيضا للحصول على إجازات في هذا الفن من خطاطين أتراك كبار، يعلّمون الخط العربي مجانا للحفاظ عليه بوصفه هوية، وأبرزهم شيخ الخطاطين حسن جلبي.

يمارس حسن جلبي الخط العربي ويعلمه للشباب بشغف منذ عشرات السنين (الجزيرة)


تقول بولفراح إن "الحصول على إجازة من الشيخ جلبي من أحلام الخطاطين، فالخبرة أيضا تحتاج إلى صقل، وهو ما تحققه بالصبر والحب للفن الذي بين يديك".

وإذ نقول الخط فن، فلأن الاهتمام بالخط العربي في تركيا فني أيضا، إذ يُعامل الخطاطون بما يليق بالفنانين المبدعين من تقدير، ويدرس الخط بوصفه فنا في جامعات أبرزها جامعة مرمرة وجامعة معمار سنان وجامعة محمد الفاتح، حيث فتحت أقسام دراسات عليا تبحث وتناقش الخط العربي بوصفه فنا وتراثا إنسانيا وليس فقط بوصفه تراثا إسلاميا.

وفي وقتنا الراهن يظهر الاحترام، الذي يحظى به الخطاطون من تلاميذهم، المكانة الاجتماعية والفنية للخط العربي ولأساتذته ومشايخه، حتى إن الطالب لا يبالي بعسر الحصول على إجازات منهم، فيدرس لسنوات تبدأ من أربع وتنتهي بعشر، بغية الحصول على إجازة من الشيخ حسن جلبي، على سبيل المثال.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/14-

الإنشاد الديني.. موضة شبابية تغذيها أزمات السياسة

الإنشاد الديني.. موضة شبابية تغذيها أزمات السياسة

 فاطمة سلام - إسطنبول

تلوح في الأذهان عن تركيا صورة الصوفي في جبته البيضاء وهو يدور مادا يده اليمنى إلى السماء واليسرى إلى الأرض، عندما نفكر بتركيا الروحية في ارتباطها بالعالِم جلال الدين الرومي، أو "مولانا" كما يسميه الأتراك، لكن حاليا بات يجول بالأذهان أيضا ذيوع صيت هذا البلد على صعيد الإنشاد الديني الإسلامي.

ولا يتعلق الأمر فقط بمنشدين كبار، بل بالجيل الجديد الشاب من المنشدين الدينيين الذين تعرف عليهم أقرانهم في البلدان العربية عبر الطفرة الإعلامية التي صاحبت دخول الدراما التركية للعالم العربي.

من هؤلاء المنشدين الشباب مسعود كورتيس، وهو من أسرة تركية متدينة ذات أصول مقدونية، تتمتع بتذوق عال للإنشاد الإسلامي، وتضم أصواتا جميلة، مما جعل منه منذ المرحلة الابتدائية عضوا في فرقة أناشيد للمدائح النبوية في المدرسة.

وإلى جانب كورتيس، هناك مصطفى جيجلي الذي يزاوج بين الإنشاد الديني والغناء العاطفي. والشابان معا ينضمان إلى كل من المنشد اللبناني السويدي ماهر زين والبريطاني سامي يوسف في خلق حالة شابة مهتمة بالإنشاد الإسلامي.

المنشد والمطرب مصطفى جيجلي (الجزيرة)

المنشد والصحفي المصري المقيم في تركيا محمود عبد الشافي يقول للجزيرة نت إن "ظهور المنشدين الشباب الأتراك امتداد لظاهرة المنشدين غير الناطقين بالعربية مثل سامي يوسف، لكن الإنشاد الإسلامي في تركيا سابق، وقد ارتبط بالحالة الصوفية التي تمثل عماد التدين في البلاد، وبالتالي فنحن نتحدث عن هوية قديمة".

ويصرح كورتيس بالقول إنه يسعى إلى أن يقدم الثقافة الإسلامية الشرقية للشباب المسلم في الغرب، وهو ما يذهب إليه سامي زين وسامي يوسف، لكن شبابا آخرين عربا بالتحديد، يريدون حمل أو توسيع هامش ذات الثقافة عبر الإنشاد في تركيا.

يقول عبد الشافي "وفد إلى تركيا منشدون عرب فارون من ظروف سياسية صعبة، وفي ظل الثورات المضادة، ويحمل معظمهم مواقف سياسية معارضة، وبالتالي أصبحوا مطاردين". لكن إلى جانب هؤلاء يسجل منشدون عرب آخرون حضورهم، ليس فقط من باب الاهتمام بالثقافة الإسلامية في تركيا واهتمام الأتراك بها، وإنما أيضا لاحتضان البلاد لمهرجانات دولية روحية تحتفي بالإنشاد الديني.

المنشد والصحفي المصري، المقيم في تركيا، محمود عبد الشافي (الجزيرة)

يقول المنشد المغربي عبد السلام إن "اهتمام الأتراك بالجانب الديني والعربية، يدفعهم للإقبال على المديح والسماع، وهو ما نحترفه في المغرب من منطلق تشبع روحي بالدين وبالثقافة الصوفية، وننقلها لإخوتنا الأتراك سواء عبر المحافل التي يدعوننا لتقديم وصلاتنا فيها، أو عبر المهرجانات الدولية والملتقيات الفكرية التي نحضرها معا".

وعن المنشدين اللاجئين قسرا إلى تركيا، يضيف عبد الشافي إن "معظمهم انطلقوا في هذا العالم من باب المهنة لظروفهم المادية قبل أن يتجهوا إلى الاحتراف، ويستفيدون في ذلك من تقدم التقنيات الموسيقية عن نظرائهم العرب، فقطاع لا بأس به من المنشدين العرب حتى وقت قريب كانوا يحرّمون استخدام الموسيقى في الإنشاد ويكتفون بالدفوف والطبول، بينما تقدمت تركيا موسيقيا وتقنيا".

وفد إلى تركيا في ظبل الثورات العربية جيل من المنشدين العرب (الجزيرة)

هذا التطور تعكسه اليوم جوقات وفرق في تركيا، كفرقة "دستار" وجوقة إسطنبول العثمانية، وغيرهما. فترى في حفلات كل منهم استعراضا بديعا ما بين الموسيقى التقليدية التركية والإنشاد الروحي فيما يسمونه "الفن الهادف" مستعملين الناي والقانون والعود وآلات موسيقية أخرى، في حين يحتضن مركز "يونس إمره للثقافة التركية" عددا من المهرجانات والفعاليات لتقديم السماع الروحي والإنشاد الديني.

يقول عبد السلام "كنا نعرف قديما أن مصر هي عاصمة السماع الروحي، لكننا لقينا في تركيا احتفاء به وبالإنشاد، يجعلنا اليوم أسوة ببقية المنشدين الإسلاميين نتحدث عن الحفاوة التركية بنا وبكل ما ينهل من الثقافة الإسلامية. وهذا الأمر لا يخلق منافسة بين البلدين بقدر ما يعوضنا وإن قليلا عن جراح العالم الإسلامي".

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/14-

تركيا تتحدث إلى العرب بلغتهم

تركيا تتحدث إلى العرب بلغتهم

فاطمة سلام - إسطنبول

لم تكن تركيا تقدم نفسها كبلد مستقطب لوسائل الإعلام الأجنبية، العربية منها بالتحديد، أو تقدم نفسها وسياساتها بلسان عربي، باستثناء تجارب بسيطة في هذا الباب، لكن الأمر تغير، منذ عام 2010، ليس فقط باحتضان تركيا لمؤسسات إعلامية عربية، بل بإطلاقها لمؤسسات ناطقة بالعربية موجهة للجمهور العربي.

فقد شكل إطلاق قناة "تي آر تي" الناطقة بالعربية أو " TRT Arapça" وتتبع لهيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، عكسا للتوجه الحكومي في هذا الشأن، حيث أريد للقناة أن تكون جسر تواصل بين تركيا والعالم العربي.

ولتحقيق ذلك استقدمت القناة كادرا عربيا من دول مختلفة، وفتحت مكاتب لها في عواصم عربية مهمة أيضا، وبعد عام من التحضير، أطلقت تركيا سنة 2012 النسخة العربية من وكالة أنبائها الرسمية "الأناضول" وافتتحت مكاتب إقليمية مهمة في بلدان عربية عدة، وهو ما بُرر في حينه بمواكبة تركيا لاندلاع ثورات الربيع العربي، لكن اندرج أيضا وفق المهتمين في إطار انفتاح البلاد على العالم العربي.

بعد ذلك انتقلت تركيا إلى مرحلة استيعاب الاهتمام العربي بها، وأيضا ما يمكن وصفه بالمكون العربي الوافد عليها، بعد احتضانها لجاليات عربية بعد الربيع العربي، ولآلاف اللاجئين العرب الفارين من الحروب المندلعة في بلدانهم، وهو ما أخرج نسخا عربية من مواقع وصحف تركية، مثل "يني شفق" و"تركيا بوست" و"تركيا برس" و"ديلي صباح" وغيرها.


الإعلام التركي بالعربية ينقل رسالة تركيا وثقافتها للمشاهد العربي (مواقع التواصل الإجتماعي)


وخلال افتتاح الموقع العربي لصحيفة "يني شفق" سنة 2013، علق على هذه الطفرة وزير العدل في حينه، ونائب رئيس الوزراء، المتحدث باسم الحكومة حاليا، بكير بوزداغ، بالقول إن المؤسسات الصحفية التركية الناطقة بالعربية ستقرب العالم العربي من السياسات التركية، بالأخص منطقة الشرق الأوسط التي تتقاطع معها تركيا في ملفات وأزمات كثيرة، أبرزها الأزمة السورية.

ويقول منتج الأخبار بقناة "تي آر تي العربية" محمود علوش، إن "القناة كغيرها من القنوات الحكومية الأجنبية الناطقة بالعربية شكّلت إضافة للجمهور العربي، مع تفاوت نسب هذه الإضافة، بسبب اختلاف تأثيرها وإمكاناتها، حيث إن أغلب هذه القنوات تعالج قضايا في العالم العربي يغيّبها إعلام بلدانه، ناهيك عن معالجة قضايا الأزمات والصراعات في الدول العربية من منظور مختلف".

ويستدرك في حديثه للجزيرة نت "لكن رغم هذا فإن الإعلام الأجنبي الناطق بالعربية بشكل عام لم يستطع أن ينافس في تأثيره الإعلام العربي، وهذا له أسباب عدّة أبرزها وجود قنوات إعلامية عربية كبيرة ليس من السهل اختراق جمهورها، فضلا عن إمكاناتها الكبيرة".

تركيا مؤهلة لتكون حاضنا إعلاميا ففتحت مؤسسات صحافية مكاتبها بها (مواقع التواصل الإجتماعي)


عدم توازن المنافسة بين وسائل الإعلام العربية في تركيا ونظيراتها في العالم العربي، وصفه الإعلامي محمد زاهد غول، في حفل إطلاق جمعية "بيت الإعلاميين العرب في تركيا" بالحديث عن ضعف في تواصل وسائل الإعلام العربية في تركيا مع حكومة البلاد من جهة، ومع بعضها البعض من جهة ثانية، وهو ما دفعه لإطلاق الجمعية، متحدثا عن أن تركيا مؤهلة لتكون إعلاميا عربيا وعالميا أيضا.

يساعد على هذا التمركز توفر كوادر عربية باتت مستقرة في تركيا بعد ثورات الربيع العربي، وأيضا نمو السوق الإعلامية في البلاد، ويسجل موقع "هافينغتون بوست عربي" وموقع "الخليج أون لاين" حضوره في هذا الإطار.

يقول علوش إن "الفضل في تقريب الجمهور العربي من الثقافة التركية يعود بالدرجة الأولى إلى الدراما التركية التي استطاعت بشكل غير متوقّع جذب شريحة كبيرة من الجمهور العربي لتتحول إلى منافس جدي للدراما العربية نفسها".

وخارج بوابة الدراما الفنية والسياحية أيضا، يبقى السؤال مطروحا بعد سبع سنوات على ما يمكن وصفه بالانطلاقة الإعلامية العربية في تركيا، هل يمكن الحديث عن وصول تركي إلى العالم العربي؟

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/14-

مكتبة السليمانية.. كنوز الزمن الجميل للدولة العثمانية

مكتبة السليمانية.. كنوز الزمن الجميل للدولة العثمانية
فاطمة سلام - إسطنبول
 
في مدينة إسطنبول التركية، يستقر كنز علمي وإنساني في صرح مكتبة السليمانية، أكبر مكتبات تركيا، ويحتفظ فيها بأكبر عدد من مخطوطات التراث العربي الإسلامي.

تأسست مكتبة السليمانية عام 1558 ميلادية، وتقع ضمن المجمع الثقافي الكبير إلى جانب جامع السليمانية، الذي أمر ببنائه السلطان سليمان القانوني، أقوى سلاطين الدولة العثمانية.

يتكون المجمع من مكتبتين متقابلتين، يفصل بينهما ممر صغير يؤدي إلى جامع السليمانية الشهير. وتشمل المكتبة الأولى الجنوبية خزائن المخطوطات، موزعة إلى أقسام وتخصصات، وتضم معرضا صغيرا تعرض فيه نفائس من مقتنيات المكتبة من المخطوطات والخرائط وغيرها.

وفي المكتبة الشمالية تقبع قاعات البحث والمطالعة، وأدراج الفهارس المختلفة، إضافة إلى حجرة الإدارة ومعمل التصوير ومعامل الترميم.

يقول الباحث الأكاديمي محمود سيد الدغيم، صاحب "فهرس المخطوطات العربية والتركية والفارسية" في مجموعة السليمانية، "نقلت إلى مكتبة السليمانية مجموعات كبرى من المخطوطات التي كانت محفوظة في المدارس والمساجد والتكايا والمجامع العلمية، أميط اللثام عن كنوز بعضها وما زال بعضها الآخر غابرا".

مكتبة السليمانية الملحقة بجامع السليمانية أكبر جوامع إسطنبول (رويترز)

وفي هذا الإطار يأتي فهرسه المخطوطات العربية والتركية والفارسية في مكتبة راغب باشا، ويضاف ما تحويه المكتبة الغنية لراغب باشا، الذي عمل كاتباً في القصر السلطاني العثماني، ثم والياً عثمانياً في حلب ودمشق ومصر والرقة وفي بغداد وأذربيجان، وكان حريصاً على جمع المخطوطات النفيسة لمحتويات مكتبات خاصة لأئمة ومشاهير الدولة العثمانية، جمعت من مختلف المدن التركية، وتستقر اليوم في مكتبة السليمانية.

ومن بين الكنوز التي تضمها المكتبة، نسخة من القرآن الكريم مكتوبة بالخط الكوفي على رق الغزال، وكتاب المناظر الشهير لمؤلفه ابن الهيثم، الذي يعد مؤسس علم البصريات. كما تضم محتويات مكتبة السلطان العثماني محمد الفاتح، فاتح القسطنطينية (الاسم القديم لمدينة إسطنبول)، ومخطوطات مسجد آية صوفيا، ومكتبات الوالدة سلطان وشيخ الإسلام وغيرهما، ونفائس مكتبات تكايا وأوقاف وجوامع.

ويبلغ عدد المخطوطات التي تضمها مكتبة السليمانية حوالي مئة ألف مخطوط، بالإضافة إلى ما يقارب مئتي ألف كتاب، أكثر من نصفها باللغة العربية، وكثير منها باللغة التركية وعدد قليل منها مكتوب باللغة الفارسية، أو بلغات أخرى.
 
يتكون المجمع من مكتبتين متقابلتين، يفصل بينهما ممر صغير يؤدي إلى جامع السليمانية الشهير (الجزيرة)


يقول الباحث في التاريخ التركي أقطاي ألتن للجزيرة نت إن "المكتبة إرث حضاري ليس فقط لتركيا وإنما لكل العالم وليس فقط الإسلامي، فهي لا تضم فقط كتب العلوم الإسلامية، وإنما جمعت كتب الأدب والتاريخ والفلسفة والجغرافيا والطب البشري والبيطرة والفيزياء والرياضيات وغيرها".

هذا التنوع يجعل من مكتبة السليمانية مقصدا هاما للدارسين والباحثين ليس من داخل تركيا فقط، بل من كل العالم، إذ توفر لهم كنوزا معرفية يستحيل أن يجدوا لها مثيلا، فالمكتبة تضم نسخا أصلية لكتب شهيرة كتبت بخط أيدي أصحابها، ونسخا كتبت على يد كبار الخطاطين في عصور مختلفة، وعليها توقيعاتهم وإجازاتهم وعليها أيضا حواش تضم زياداتهم.

يقول الطالب الباحث في التاريخ العثماني إمره (30 عاما) إنه "يجتمع في المكتبة ما تفرق في غيرها، فالسلاطين العثمانيون حرصوا على أن يجمعوا أمهات الكتب في مكتباتهم، وعلى أن يحظوا بحضور العلماء والفلاسفة والكتاب والأطباء وغيرهم في بلاطاتهم"، مشيرا إلى أن "ترامي أطراف الدولة العثمانية هو ما ضمن التنوع العلمي والثقافي".

يحصل إمره ومختلف الطلاب في مكتبة السليمانية على نسخ رقمية من الكتب والمخطوطات والخرائط التي تضمها، فالحكومة التركية، وحفاظا منها على هذا الكنز العالمي، أطلقت عام 2002 مشروعا ضخما لتحميل الكتب والمخطوطات على وسائط إلكترونية، وهو ما تطلّب فرقا متخصصة للتعامل مع الكتب والمخطوطات والخرائط النادرة لتصويرها رقميا، ثم حفظها وفق فهرسة حرصت على مراعاة تصنيفات الكتب ومجالاتها، كما تم إدخال خاصية القارئ الآلي على الوسائط الإلكترونية.
 
الباحث في التاريخ التركي، أقطاي ألتن (الجزيرة)

هذه الرعاية تشمل أيضا مجال التنقيب والبحث في كنوز مكتبة السليمانية، وهو ما يقول عنه الباحث الأكاديمي محمود سيد الدغيم إنه "يحتاج قبل الصبر حبا للعمل، فالبحث حياة بأكملها، يستمر العمل فيها لأشهر وسنوات حتى تخرج بعمل يحترم النفائس التي تكون بين يديك".

في مكتبة السليمانية لا تحصل فقط على العلم، وإنما تحصل أيضا على السلام الداخلي، فبين هذه الجدران التي تعود لعشرات السنين، تعرف أن للتاريخ أهلا يصونون قدره، وأن الأمم حضارات.

وإذ تخطو خارج باب المكتبة يقودك الممر الصغير إلى فناء مسجد السليمانية، ومنه تعبر للفناء الخلفي، حيث إطلالة على قبب شاهدة على عظمة من بنوها، ورؤية شاملة لمضيق البوسفور وأحياء المدينة.

وتقودك الخطوات إلى الجهة الأخرى للأزقة الأثرية لمنطقة السليمانية، والتي كانت مخصصة لسكن عليّة القوم في زمن الدولة العثمانية، وتعمرها اليوم المكتبات والمقاهي، وجميعها حافظت على اللمسة العتيقة للمكان، في الوقت الذي تلفتك فيه بين الحين والآخر آية قرآنية أو بيت شعر كتب بالخط العربي على الرخام، تزينه حواش تذكّر بتلك التي تضمها كتب مكتبة السليمانية، وبعضها نادر لم تزين به كتب غيرها.
السابق

السابق

التالي

السابق

-7/14-

مقهى دمشق.. روح شامية حطت في جنين

مقهى دمشق.. روح شامية حطت في جنين

عاطف دغلس - جنين


لم يثنه كبر سنه ولا انحناء ظهره عن الذهاب لمكانه المفضل، بدا الرجل وهو يدخل للمقهى ويجلس على طاولته المعهودة كما لو كان فتى يافعا أو شابا في مقتبل العمر، إنه الشيء الذي يواظب خليل أبو زينة على فعله منذ سنوات طويلة، بعد أن قضى جُلّ عمره مغتربا للعمل بدول عربية وأخرى أجنبية.

عند أعتاب آخر مدن الضفة الغربية شمالا يرقد مقهى دمشق، لا يحتاج الزائر لوقت كبير أو لخريطة سياحية للوصول إليه، فطبيعة المكان وموقعه كافيان ليكون بحد ذاته معلما بارزا، ذاك ما يخبرك به أي سائق سيارة أجرة أو أي من المارة.

كان أبو زينة يتوسط المقهى ويجلس وهو يطالع الجريدة بأدق تفاصيلها بينما كنا نهمُ بلقائه. يملك الرجل الذي أوشك على إنهاء عقده الثامن ثقافة عالية وذاكرة جيدة تجعل لسانه ينطلق دون تلعثم للحديث باللغة الإنجليزية، تلك المهارة اكتسبها في متوسط سبعينيات القرن الماضي عندما سافر إلى بريطانيا للعلم والعمل. 

الحاج خليل أبو زينة يواظب على زيارة المقهى يوميا ويقرأ الجريدة منذ افتتاحها (الجزيرة)


يوميا يزور الرجل مقهى دمشق، حيث يطالع الجريدة ثم يختمها بحل الألغاز والبحث عن الكلمة الضائعة، أو فكّ الكلمات المتقاطعة خلال فقرات التسلية بالجريدة، إضافة للقائه الأصدقاء لتبادل الأحاديث بشأن العمل أو غير ذلك من قضايا تهم المجتمع، كما يقول.

أبو زينة يستهويه المكان أكثر من أي شيء آخر، فمقهى دمشق لم يعد مجرد مقهى عاديا، بل هو مقهى اجتماعي وثقافي وتراثي في وقت معا، يُقدم فيه الطعام والشراب كما الأرجيلة وفنجان القهوة ويميزه جلساته الهادئة بطابعها الشامي.

في بيت قديم أقام غسان السعدي مقهاه الخاص (مقهى دمشق) محولا مكانا رثا، استخدم حينا من الزمن مكبّا للنفايات بعد هجر أهله له، إلى متحف وبيت شامي تتأصل فيه حكاية المعنى، بما حواه من تصميم خارجي وداخلي.

ربما اجتمعت لدى السعدي باعتباره فنانا تشكيليا فلسطينيا وحرفيا أيضا عناصر من الجمال لم تكن لدى غيره، فعلى طريقته صمم المقهى، وأشرف على آلية التنفيذ كذلك من حيث القناطر (الأقواس) وساحة النافورة وأرض الديار الواسعة والشُرفات و"مشربياتها" (الأحواض) المتدلية من النوافذ وقد تلونت بألوان الورد والزهور لا سيما الياسمين الشامي.

بعض اللوحات التشكيلية للفنان غسان السعدي شكلت جانبا آخرا من تنوع المقهى وثقافته (الجزيرة)


يقول السعدي للجزيرة نت إنه لم يستصلح بيتا بني عام 1929 وكان مهجورا لمدة طويلة، بل أسس مكانا يستهوي به أفئدة الجمهور وليس نقودهم. "وإلا كنت اكتفيت بمقهى بلدنا الخاص بعائلتي"، الذي يعود تاريخه لأكثر من ستة عقود ولا يزال موجودا، ولكنه أراد مكانا تجتمع فيه قيم الجمال والثقافة والعمل والترويح عن النفس، وفق تعبيره.

ومنذ إنشائه قبل ثلاث سنوات، يواصل السعدي توسيع المقهى المقدر بنحو ألف متر مربع، إذ قسَّمه لأقسام عدة لتلبية احتياجات الزبائن، بدءا من قاعة الأراجيل والمشروبات الباردة والساخنة، وثانية للعب الورق والشطرنج، وثالثة للجلسات الشبابية، وأخرى حديثة خصصت للعائلات والفتيات وأطلق عليها "كافيه حلب".

"وهنا يكمن السر" يضيف السعدي. ويتابع أن عشقه للشام التي لم يزرها قط كان وراء إنشائه للمقهى، ويردف "هناك تقارب كبير بين الشام وفلسطين التي أطلق عليها قديما سورية الجنوبية".

وكما برزت دمشق باسمها وعلمها وتراثها في المقهى كانت فلسطين حاضرة وبقوة أيضا، بدا ذلك واضحا على الجدران والرفوف الخشبية، حيث القطع الأثرية والتراثية الفلسطينية من التحف الجديدة والقديمة، التي جمعها الفنان السعدي منذ سنوات طويلة ووزعت في أقسام المقهى، إلى جانب قطع "الأرابيسك" والأثاث المنمق والمقاعد الخشبية والبلاط الشامي القديم، وما صُنع منه حديثا.

مقهى دمشق الذي انشأه غسان السعدي جمع فيه مقتنيات تراثية (الجزيرة)


ولا يكاد زائر مقهى دمشق يجلس إلى إحدى طاولاته حتى تأخذه عيناه إلى ماض بعيد، قبل أن ينخرط في قراءة أخبار ومقالات الصحف الفلسطينية، مثل جريدة القدس.

يقول السعدي "هي ليست الجريدة اليومية، وإنما أرشيف من جريدة القدس يمتد لعقدين من الزمن حصلت عليه من منزل قديم لإحدى العائلات العريقة بمدينة جنين". ويضيف أن الجريدة شكلت لوحة فنية جمالية وتثقيفية للمقهى في الوقت ذاته.

في ردهات المقهى أيضا تحضر فلسطين بتاريخها وحضارتها القديمة بما استطاع الرجل جمعه ويُعده من لوحات تشكيلية وقطع أثرية وتراثية قديمة، لا سيما للحقب التي تعاقبت على حكمها، والتي أصبحت بحد ذاتها مقصدا سياحيا.

كما لم يفت الفنان السعدي أن يذكر المرتادين من زبائنه بالنضال والمقاومة الفلسطينية وممن خاضوها سياسيا وعسكريا وثقافيا، فقد جرَّب باعتقاله لسنوات عدة بسجون الاحتلال ظلمه وجوره.

لكن ما أراده السعدي في مقهاه لم يكن وليد اللحظة أو صدفة، فقد أضاف لمساته بكل زواياه، فضلا عن مساهمة أصدقائه بالأفكار خاصة تلك التي تهتم بالجانب الثقافي.

مقهى دمشق حافظ على التقليد الشامي من حيث ارض الديار والبحرة والنافورة وغيرها (الجزيرة)



يقول غسان مسَّاد صديق السعدي وأحد روّاد المقهى "لغسان وعائلته مقهى آخر، يعد أقدم المقاهي بمدينة جنين، لكنه لم يخرج عن كونه مقهى عاديا، لذا أراد عبر مقهى دمشق تجسيد أفكاره وإبداعه بالشكل الذي يريد".

يعرف مسَّاد جيدا المقاهي الشامية، ونقل كل ما رآه بها لصديقه، فقد أنهى الرجل دراسته الجامعية بالمحاماة بدمشق وكانت المقاهي الشامية مراده وأنيس جلساته.

في جعبة مسَّاد أفكار كثيرة تدور رحاها حول سعيه ومحاولته وصديقه الفنان السعدي تطوير المقهى لا سيما في الزاوية الثقافية، بما يتيح مجالا لعقد ندوات وجلسات ثقافية، إضافة لكونه مأوى سياحيا ترفيهيا. ويقول "إن من بين المرتادين لمقهى دمشق مثقفين وأدباء وغيرهم أيضا من الطبقة العاملة وعامة الناس، وكل يجد مبتغاه".

لن تمل وأنت تزور مقهى دمشق، إذا سيتوسط المقهى قلب من أتاه زائرا تماما كما يتوسط مدينة جنين وقلبها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/14-

موسم "مشيش" بالمغرب.. التصوف في خدمة التنمية

موسم "مشيش" بالمغرب.. التصوف في خدمة التنمية

وصال الشيخ - العرائش (شمال المغرب)

تشهد مدينة "العرائش" شمال المغرب منذ 150 عاما فعاليات وطقوس الموسم الديني لإحياء ذكرى مؤسس "المدرسة المشيشية الشاذلية" الطريقة الصوفية التي امتدت تعاليمها وأورادها نحو تونس ومصر والمشرق العربي وصولا إلى الهند.

يقوم الموسم على قيم صلة الرحم، لذلك يحضره زوّار كثر من المغرب، وتقطع القبائل الصحراوية المغربية مسافة تبلغ ألفي كيلومتر، وزوّار من مدن فاس أو وزان أو شفشاون والقبائل المجاورة أبرزها قبيلة "بني عروس" الذين يعرفون باسم "جْبالة".

يزور الناس ضريح الإمام عبد السلام بن مشيش وفق "نياتهم" فالنية من ضروريات الزيارة، فقد يأتون للتبرك أو الدعاء لقضاء حوائجهم أو التحلّق للذكر وقراءة القرآن، أو زيارة مجردة للسياحة وشراء حلويات "جبالة" الشهيرة، ربما أيضا الصناعات التقليدية كالمنديل و"الشاشية" التي تصنعها النساء غالبا.

يتوافد الزوار باكراً بحيت تسنح لهم فرصة التبرك والجلوس قبل موعد الاكتظاظ (الجزيرة)

يشتمل الموسم على فعاليات دينية إلى جانب فقرات تعكس الموروث المحلي للمنطقة، فقد أطلقت الفرقة الفنية لـ "الطقطوقة الجبلية" بارودها وغنت ورقصت احتفالا بعودة الموسم بعد ثلاث سنوات من الانقطاع، بسبب شهر رمضان الذي تزامن مع موعد انطلاق الموسم في الأول من يوليو/تموز من كل عام. أمّا فرقة "الحضرة العيساوية" فقد غنّت وفق ميزانها "المصرّف" و"الحضاري" و"المجرد".

خُتم حزب من القرآن ورُددت المدائح النبوية والأذكار، وأعطى الحاجب الملكي "الهيبة" للزاوية، وناقش المحاضرون شعار الدورة "السلم والتسامح في خدمة التنمية". وألقى الضيوف كلماتهم، ومنهم محجوب الحاجب من شيوخ القبائل الصحراوية من جهة العيون الذي قال للجزيرة نت "حضرنا موسم عبد السلام بن مشيش من أجل صلة الرحم بأهل الشمال، نتعرّف عليهم ونتحدث معهم، وتستمر زيارتنا عادة ليوم واحد، لكننّا نلتقي مرتين أو ثلاث مرات خلال العام بالمواسم الرسمية".

جبل "العَلم" أو "العِلم"، حيث يقع ضريح العلّامة المتصوّف عبد السلام بن مشيش فوق قمته تحت شجرة وارفة الظلال، حيث التقى بمريده أبو الحسن الشاذليّ الذي علّمه أسرار "الصلاة المشيشية وأورادها" وعلوم الظاهر والباطن ونشرها في أفريقيا وتونس ومصر.

تحارب الصوفية التطرف من خلال تنمية المجتمعات عبر التربية الروحية القائمة على القيم والأخلاق (الجزيرة)

يقول مدير اللجنة المنظمة للموسم نبيل بركة للجزيرة نت "يعتبر الموسم حفلا دينيا أسسه عبد الهادي محمد بركة منذ 150 عاما تقريبا، ينطلق من قيمة صلة الرحم بين القبائل إلى ترسيخ قيم الصوفية كالوسطية والتسامح والانفتاح على الآخر، وبأنّ الصوفية علم قائم على الشريعة وليس بدعة، والتعريف بدور هذه القيم في خدمة المجتمعات البشرية، ونقلها للأجيال الشابة، وإتاحة فرصة للمريدين أن يزوروا الضريح سنويا".

وتأخذ المواسم الدينية بالمغرب أبعادا اجتماعية واقتصادية ونوعا ما سياسية. فاجتماعيا يلتقي الناس ويتعارفون ويتعرفون على المنطقة الجبلية ويتزاورون.

تقول فاطمة القادمة من قرية باب تازة "أحضر سنويا مع العائلة وصديقاتي في الجمعية للمكان للزيارة فقط، بعض الناس يزورنه من أجل الدعاء أو البحث عن إجابات معينة، نراهم يشعلون الشمع، لكننا نحن نزوره للتنزه وشراء بعض الحاجيات".

الحاج محمد عبد السلام الصمدي جاء سائحا متجولا يحمل أغراضه بيده، ويقول "أتيت لقراءة القرآن". وحول قيم الصوفية التي استقاها من المكان خلال زياراته المتكررة، يقول "يجب أن نعرف الشريعة حتى نعرف الصوفية، وتبقى الطبيعة البشرية فيها الصالح والطالح، هنا نقرأ القرآن والأدعية، لأنّ المغرب معروف بأوليائه والمشرق بأنبيائه، وهناك من يتبرك أو يتحير، أو يذهب لمواجهة مصيره عند صخرة "المساخيط"". ويضيف "أتاحت الطرق المعبدة زيارة الآلاف للضريح سنويا، وهي زيارة مشهورة بصلة الرحم".

الحلوى الجبلية هي مما يتميز به سوق مولاي عبد السلام، تُصنع محلياً وتعتبر مصدر دخل أساسي للكثيرين (الجزيرة)

أما اقتصاديا، فتنتعش المنطقة وتروج تجارتها، أهمها بيع الحلوى والصناعات التقليدية مثل المنديل أو الشاشية أو "الجلّابة" الصوف. كذلك تنتعش الألعاب الشعبية مثل شاب يفترش لوحا من الأرقام ويحصل الناس على المال مقابل الرقم الذي حظوا به. آخرون يفترشون لبيع البخور وجالبات الحظ، أو يبيعون الشمع للتبرك عند نافذة الضريح، في حين يترزق بعضهم مقابل إلقاء الدعوات للمتبركين.

يقول بركة "نحرص على إقامة معرض للمنتجات الفلاحية للمنطقة، لفكّ العزلة عنها ونشجع السياحة الروحية والسماع على الطريقة المشيشية. ويضيف "نبحث مستقبلا عن تمويل مشروع من شأنه النهوض بمولاي عبد السلام خدماتيا، كتوفير فنادق وتوسيع الطرق وإقامة مواقف لركن السيارات، وهو مشروع تطالب به نقابة الشرفاء العلميين من الحكومة لتوفير الدعم المالي اللازمة لاستيعاب مئتي ألف مريد أو يزيد".

وعن البعد السياسي أو الوطني، يقول بركة "عندما تأسست المدرسة الشاذلية المشيشية كان نقيب الشرفاء يطلب من الإدارة البرتغالية التصريح للقبائل الصحراوية بالتجمع خلال الموسم، فنحن نهدف إلى تأكيد وحدة المغرب وصلة الرحم بين القبائل، وتعني الهيبة الملكية اهتمام العاهل المغربي بالبعد الروحي للبلاد".

مطبخ الزاوية يعتبر إطعام الفقراء ومريدي الزاوية ركن أساسي في زوايا المغرب (الجزيرة)

وترى المدرسة المشيشية الشاذلية أنّ من شأن التصوف أن يخدم المجتمعات من خلال القيم الروحية السليمة. في هذا الصدد، اعتبرت المتخصصة في الفكر الصوفي ليلى حبيب الله أنّ للتصوّف دورا في "الحفاظ على السلم وتنمية المجتمع، بعد أن طغت الجوانب المادية على الحياة الفردية، وتستوجب ظروف عدم الاستقرار والتطرف والمشاكل النفسية النظر في التربية الروحية كعلاج في تهذيب النفس وتحقيق السعادة".

أما الباحث في الفكر الصوفي محمد السمّان فيرى أنّ "الصوفية باب لإيقاف الحروب من خلال إيجاد السلام الروحي والطمأنينة في النفس البشرية، ويمكن لهذا الفكر أن يوقف الحروب ابتداء من القضاء على الطمع وتهذيب النفس الأمّارة بالسوء".

في علاقة استكمالية لفعاليات الموسم، تحرص الزاوية على أن توفر الطعام لضيوفها ومريديها. محمد العافية، مسؤول المطبخ، وحياة الشعل وفاطمة الشعل، عمل ثلاثتهم بدأب لتوفير طعام الضيوف في أوقاته.
يقول العافية "نعمل ليلا نهارا مع موظفين تتوفر فيهم شروط الصحة والطبخ الجيد، نتعب كثيرا ونعمل تحت ضغط كبير خلال المواسم المشيشية، نعد أطباقا مغربية بمنتجاتنا المحلية، ويعتبر الطعام جزءا أساسيا في خدمة الزاوية".

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/14-

ساحة جامع الفنا.. تفرّقت الحلْقات وانبسطت الموائد

ساحة جامع الفنا.. تفرّقت الحلْقات وانبسطت الموائد


اعتماد بلعيد - مراكش


في "كافي كلاصيي" المقهى المراكشي الشهير التقيت "محمد باريز" أشهر حكواتيي ساحة جامع الفنا وبالعامية "جامع لفْنا" الذين مازالوا على قيد الحياة، اختار هو مكان اللقاء في المقهى الذي يقع على حافة الساحة، فيمنح للجالس فرصة مراقبة ما يحدث أمامه.

ولعل باريز أراد أن يراقب الساحة التي شكلت على مدار عقود مسرحه الأثير، روى فيها بأسلوبه الاستعراضي روائع القصص، وحظي بإعجاب الجماهير وسخاء عطاياهم، قبل أن يتغير الأمر كما أخبرني، ليقرر جمع "دوزانه"(أغراضه) وينسحب منها، بعدما تراجع الاهتمام بفنون الحلْقة و"الحْلايْقية" (مقدمي العروض/الحكواتيين) الذين شكلوا أساس الساحة التي بلغت شهرتها الآفاق، وجذبت الرواد والزائرين من الأقاصي والأداني.

تقع ساحة جامع الفنا في قلب مدينة مراكش، على بعد أمتار قليلة من مسجد وساحة الكتبية، تحيط بها أحياء القصبة والملاّح وباقي أسواق وتعرجات المدينة القديمة، ويعود تاريخ إنشائها إلى عهد المرابطين حيث أقيمت الساحة حينها لتكون فضاء للتسوق، ثم مكانا لاستعراض الجيش قبل خوض المعارك، فمسرحا للرواة وحلقات الحكاية والفنون المختلفة.

ساحة جامع الفنا ويبدو زوار الساحة متحلقين حول حلقات مربي الأفاعي والعرافين والموسيقيين وغيرهم (الجزيرة)


وفي عام 2001 أدرجت منظمة اليونسكو الساحة ضمن التراث الشفوي اللامادي للإنسانية، باعتبارها حاضنة للتراث الشفوي وفضاء للتسامح والتعايش بين الثقافات، يجسد الامتداد الحضاري والثقافي في القرن 21.

وعلى الرغم من خفوت وهجها مقارنة مع عهودها السابقة -وفق من عايشوها- فإن أسرار الساحة التي استعصى كشفها على مرّ الزمن تجعلها مثار إعجاب الكثيرين، ويعضدُ سحرَها النفوذُ الذي يمارسه المكان في نفوس الزائرين، وهم يستشعرون حميمية الساحة وألفة الوجوه المبثوثة فيها.

تلك أجساد متراصة تتحلق حول عروض الحلايقية والموسيقيين ومروضي الثعابين ومربي القرود، وهؤلاء سياح وعابرون ودراويش، إلى جانب صعاليك ومتسولين وباعة "البيجامات" زهيدة الثمن، الذين يلفتون نظر المشترين بالنداء تارة وبالغناء تارة أخرى.

شابان يعملان في مطعم متنقل بساحة جامع الفنا، يقومان بدعوة زوار الساحة إلى مطعمهما (الجزيرة)

وهنا مشاجرة بين نقاشات الحناء بعدما أقنعت إحداهن زبونا كانت ترغب الأخرى في إقناعه، وهناك عرافون يتحايلون على العشاق والعاطلين ببشرى حبيب آت، وثروة على الطريق، وعطارون يعدون زبائنهم المتعبين بالقوة الخيالية التي تمنحها أعشابهم، وفقهاء يصنعون تمائم يدّعون أنها تحمي من الحسد والعين مقابل دولارين اثنين، في حين تشتد منافسة شرسة بين نادلي المطاعم على اصطياد الزوار الجوعى وضمهم إلى الموائد المنبسطة، وفي آخر فصول هذا المزيج المتناقض والمتآلف في نفس الآن، أضيف إلى الساحة مهاجرون من دول أفريقية أخرى، يقيمون حلقة للرقص والغناء بلهجاتهم المحلية، ومنهم من اكتفى بعرض زي محلي للبيع بمعية مجوهرات مزورة أوهواتف صينية الصنع.

ولا عجب من أن موقع "إنسايدر" العالمي اعتبر ساحة جامع الفنا ضمن أفضل ستة أماكن حول العالم لتناول الطعام في الشارع لدى الباعة المتجولين، فالمطاعم المتنقلة والموائد- التي تنبسط يوميا من العصر وحتى دنو الفجر في الساحة مقدمة ما لذ وطاب من المطبخ المغربي- أصبحت تتصدر الوجه الحديث للفضاء، بعدما اشتهر فيما مضى بحلقات الحكاية التي كان يرابط خلالها زوار جامع الفنا ساعات طويلة منتبهين ومنصتين لباريز أو عبد الرحيم الأزلية، وقبلهما الشرقاوي "مول الحمام" و"الصاروخ" و"فليفلة" وغيرهم ممن أتقنوا فن القول ورواية القصص والتاريخ، وأبدعوا في سرد سير سيف بن ذي يزن، وعنترة بن شداد، وحكايا "ألف ليلة وليلة" بأسلوب بديع وماتع.
 
ساحة جامع الفنا تحولت إلى فضاء للألعاب الترفيهية فيما تقلصت المساحة التي كانت مخصصة للحكواتيين (الجزيرة)


هذا الزمن الجميل لفن الحكاية يتذكره الحكواتي محمد باريز بحنين وحسرة، قائلا "كانت الساحة جنة" مضيفا أن الدريهمات القليلة التي ينفحها الزوار لأي من "الحلايقية" الذين يقدمون عروضهم في الساحة لا تضمن لهم عيشا كريما ولا تؤمن حتى مصاريفهم اليومية.

الساحة ذاتها اتسعت فيما مضى لرواة الشعر والأمثال الشعبية ومفسري القرآن والسيرة النبوية، قبل أن تتحول معظم مساحتها إلى مطعم مفتوح في الهواء الطلق، وهو ما لخصه الفنان المراكشي الراحل محمد حسن الجندي في قوله إن ساحة جامع الفنا "تغذي العقل فأصبحت تغذي البطن".

وقد تم تصنيف ساحة جامع الفنا قبل سنتين كثاني أفضل ساحة في العالم، لكونها توفر فضاء ممتعا للزوار يجمع بين الفرجة الشعبية والمنتوجات التقليدية والمأكولات المتنوعة، وقد جذب هذا المزيج من الروائح والأصوات ومظاهر الفرجة التي توفرها الساحة العديد من مشاهير العالم الذين حرصوا على زيارتها والتقاط صور تذكارية فيها، ومن بينهم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، والمغنية كاتي بيري والممثل ليوناردو دي كابريو، ونجم ريال مدريد كريستيانو رونالدو، وغيرهم من الزعماء والفنانين والرياضيين والأدباء.

محلات بيع المنتوجات التقليدية تحيط بساحة جامع الفنا وتعرض جزءا من بضاعتها على أرضية الساحة (الجزيرة)


بل إن هناك دولا رغبت في إنشاء ساحة شبيهة بساحة جامع الفنا، وهو ما رد عليه الأديب والمفكر الإسباني خوان غويتيصولو أحد كبار المفتونين بمراكش وبساحتها حتى أنه اتخذها مسكنا إلى أن وافته المنية فيها قبل بضعة أسابيع، بقوله "لا يمكن لقرار إداري أن يصنع ساحة مثل جامع الفنا لأنها ساحة ولدها التاريخ لا قرار إداري".

وفي هذا القول، تكثيف لمعاني فضاء إنساني وثقافي ومعيشي واقتصادي يجعل من مدينة مراكش -ما بقيت الساحة- وجهة أثيرة لدى المغاربة والسياح من مختلف دول العالم. وفيه أيضا العواطف القوية التي تتملك الملايين تجاه هذا المكان العصيّ على النسيان.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/14-

سوق الشرق في نيكاراغوا.. له من اسمه نصيب

سوق الشرق في نيكاراغوا.. له من اسمه نصيب

غدير أبو سنينة - مناغوا


في سوق الشرق أو كما يطلق عليه في نيكاراغوا "ميركاذو أورينتال" بدأت تيريسا غارسيّا العمل في محل "دير دبوان" لبيع الأقمشة المملوك لتاجر فلسطيني هو شريف سالم عواودة، وما لبثا أن تزوجا بعد وقت قليل من بدء العمل لديه، كان ذلك عام 1980 وبعد ثمانية أعوام من وصول عواودة إلى نيكاراغوا.

كان على عواودة أن يشهد زلزال العاصمة مناغوا في العام الذي وصل فيه، أي عام 1972، وهو العام نفسه الذي بدأ تغيير تنظيم العاصمة إثر الضرر الذي أصاب وسط المدينة، مما حمل الكثير من التجار على الانتقال إلى الجانب الشرقي منها الذي كان شبه فارغ، وذلك قبل أن يسكنها كثير ممن دمر الزلزال بيوتهم مؤسسين حيا هو "سيوذاذ هارذين" الذي شكل امتداده في مرحلة لاحقة أكبر سوق بأميركا الوسطى هو "ميركاذو أورينتال"، أما حي "سيوذاذ هارذين" فقد تركز وجود العرب فيه لفترة طويلة نظرا لقربه من متاجرهم.

على حصان أو حمار كان عواودة يحمل حقيبة مليئة بالأقمشة والملابس ويدور بها على القرى لبيع بضائعه، ثم تمكن من شراء سيارة نقل صغيرة، وذلك قبل أن يشتري متجره الخاص من قريب له قرر الرحيل من نيكاراغوا ككثير من العرب بعد انتصار الثورة الساندينية عام 1979.

متجر دير دبوان وسط سوق الشرق في مناغوا، نيكاراغوا، وهو مملوك لتاجر فلسطيني (الجزيرة)


كنت أعرف أن أرملة تاجر عربي وابنته تعملان في ذلك المتجر، لكني صدمت حين أخبرتني تيريسا أن زوجها قد توفي عام 1989، فسمحت لنفسي أن أسألها -رغم تخميني الإجابة- إن كانت قد تزوجت بعد وفاته، وكان النفي متبوعا بكلام تدفق من قلبها وبان أثره في عينيها.

مات شريف عواودة بعيدا عن فلسطين وعن أبناء آخرين من زواج أول لم يلتحق به أحد منهم به إلا ابنته الكبرى نادية التي لم تتوقف تيريسا عن مدحها رغم أنها حملت جثة أبيها معها إلى وطنه وبعيدا عن ابن وابنة آخرين من زوجته تيريسا، هما رجيب وفريدة.

28 عاما مرت على رحيل عواودة ولم تفكر تيريسا في تغيير اسم المتجر الذي أطلق عليه زوجها اسم قريته الفلسطينية "دير دبوان"، ولم يطل الترميم أقواسه وقبته ذات الطابع العربي.

قلت لفريدة وأنا أهم بالانصراف: لقد التقينا قبل ذلك. لكن أمها تيريسا كانت من بدد شكي، لا بد أنك التقيت بها في المسجد، أبنائي مسلمون، أنا مسيحية.

تيريسا غارسيا وابنتها فريدة عواودة غارسيا (الجزيرة)


الحاج فهمي حسان كان من أوائل من شهدوا ولادة السوق الجديد عام 1972، وكان وصوله نيكاراغوا قادما من البرازيل في أواخر خمسينيات القرن الماضي وفي عمر الـ18، سافر بالطائرة من القدس إلى بيروت وبالبحر للإسكندرية حتى نابولي فلشبونة ثم ريو دي جانيرو، شهر كامل من الترحال ثم التحق بأقارب آخرين له في نيكاراغوا.

كان معظم المهاجرين يفضلون اللحاق بأقاربهم في المهجر، ولذلك فمن الطبيعي في دول أميركا اللاتينية عامة أن يكون هناك جزء كبير من عائلة ما أو من بلدة ما في فلسطين منتشرين بمدينة محددة من البلاد التي هاجروا إليها، المعاملات التجارية كانت تتم بسهولة أكبر بين الأقارب بسبب الثقة، كما دأبوا على معاونة القادمين الجدد، فضلا عن إمدادهم بالبضائع دينا في البداية.

ليس جديدا -على الأقل في نيكاراغوا- ما أخبرني به الحاج حسان من أن العرب هم المؤسسون الفعليون للسوق، وقد يختلط الأمر على البعض فيظنون أن اسم السوق "الشرق" مرتبط بهم، بل إن أحد المهاجرين الفلسطينيين امتلك 12 متجرا وحده في بداية تأسيس السوق، وما لبثت أن ازدادت المحلات فيه وانتشرت الأكشاك بعشوائية.

كان العرب يحضرون الأقمشة من دول أميركا الوسطى كالهندوراس وغواتيمالا والسلفادور ثم من المنطقة الحرة في بنما ومن الصين، أما سبب ازدهار تجارة الأقمشة فيعود إلى قلة وجود الألبسة الجاهزة في ذلك الوقت، حتى أن الناس كانوا يقفون في طوابير أمام محال الأقمشة، ولم يكن بيت نيكاراغوي يخلو من ماكينة خياطة.

عاملات في محل أقمشة مملوك لتاجر فلسطيني، في سوق الشرق بالعاصمة النيكاراغوية مناغوا (الجزيرة)

في تاريخ نيكاراغوا الحديث هناك حدثان أسهما في إحداث تغييرات بالبلد، الأول زلزال عام 1972 والحرب الأهلية التي انتهت بانتصار الثورة الساندينية عام 1979 والتي يقول البعض إنها أحدثت فوضى تصاحب الثورات عادة، مما دعا كثيرا من العرب لبيع محالهم التجارية والانتقال إلى أميركا الوسطى والجنوبية والولايات المتحدة، بسبب ما اعتبروه تضييقا حكوميا على تجارتهم، فالدولة نفسها كانت من منافسيهم الأقوياء، فضلا عما فرضته من إجراءات مشددة على استخدام بطاقات التأمين.

كما صاحب تلك الفوضى تمدد واسع للأكشاك التي أغلقت الجزء الأكبر من السوق إلا من ممرات ضيقة لا تتسع إلا لمرور العربات الصغيرة، مما كان له أثر كارثي، ففي عام 2008 نشب حريق هائل بالسوق لم تتمكن الإطفائيات من السيطرة عليه بسبب عدم تمكنها من المرور، استمرالحريق ليلة كاملة أرسلت خلالها دول الجوار طائرات محملة بالمياة لإطفائه، ورغم حرق أكثر من ألف كشك وخسائر تقدر بملايين الدولارات دون خسائر بشرية فقد عاد الحال إلى ما كان عليه قبل الحريق.

وبحسب البعض، فإن الانفتاح الاقتصادي حدث حينما أجريت انتخابات رئاسية بعد 11 عاما من انتصار الثورة فازت فيها الرئيسة السابقة فيوليتا تشامورو عام 1990.
 
الأكشاك التي امتدت في سوق الشرق أغلقته تماما وأبقت على ممرات ضيقة (الجزيرة)


من محال الأقمشة نفسها تصنع النيكاراغويات مراييل العمل التي تميزهن عن غيرهن من النساء العاملات، ولا يرتدي مريولا (مئزرا) كهذا إلا العاملات في الأسواق الشعبية في نيكاراغوا، وهو مشهد مألوف لبائعات الفاكهة والألبسة والأحذية على العربات.

ويحتوي المريول أو المئزر على أكثر من جيب لتقسيم العملات النقدية المعدنية والورقية، خصوصا أن البائعة هي صاحبة العربة ومن تتولى تحصيل الثمن، أما في محلات الأقمشة فترتدي العاملات مآزر أخرى تحوي جيوبا أقل، ليس فقط للحفاظ على نظافة الملابس المعرضة للاتساخ من غبار الأقمشة، بل لوضع المقصات والأدوات المستخدمة في عملهن.

وتصنع تلك المآزر المزخرفة في مدينة قريبة من العاصمة مناغوا، هي "ماسايا" المعروفة ببضاعتها اليدوية التي تصدرها إلى كثير من الدول المجاورة وللولايات المتحدة، ويتراوح ثمن المئزر بين عشرة وثلاثين دولارا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/14-

كتاتيب النيجر.. احتفاء بالقرآن رمزا للهوية

كتاتيب النيجر.. احتفاء بالقرآن رمزا للهوية

رميساء خلابي - نيامي


تقول الأسطورة النيجرية إن خليفة المسلمين المجاهد عثمان بن ديفو بعث بجنوده إلى"دوغن دوتش" بمنطقة دوسو، وهي إحدى ممالك الهوسا السبع، من أجل دعوة سكانها لترك السحر والشعوذة وتعلم القرآن، لكنهم عادوا أدراجهم عندما جفت الأنهار ونفد زادهم من المياه.

ويقول رواة الأسطورة إن سحرة "دوغن دوتش" قد حولوا الأنهار لأراض جرداء، تماما كما فعلت ملكتهم "سارونيا مانغو" باختفائها عندما قرر الفرنسيون إلحاق أطفال المنطقة بالمدارس الحكومية.

مرت مئة سنة على اختفاء المملكة، ولم تتحول "دوغن دوتش" إلى منارة تعليمية، بل ظلت كما في الأسطورة "مدينة السحرة".

الأستاذة فاطمة أحمد أستاذة بمدرسة فرونكو أراب، والمشرفة على اختبارات الطلبة الأجانب بمكتب جامعة محمد بن سعود بنيامي تقول إن الخليفة عثمان بن ديفو كان أول من أسس لنظام الحلقات الدراسية في كل من النيجر ونيجيريا، وإنه اختار علماء القبائل ملوكا لها "فكان لكل ملك مسجد وحلقة دراسية ملحقة ببيته، وهي عبارة عن بهو مخصص لحفظ القرآن ودراسة علومه".

الفقيه أثناء شرحه للدرس باللغة العربية في إحدى الكتاتيب بنيامي (الجزيرة)

ولقرون، حافظت ممالك الهاوسا السبع على تقليد الخليفة المجاهد، بل تطور الأمر إلى أن مكّن كل طالب أتم حفظ القرآن وأتقن علومه من فتح حلقة دراسية وبناء مسجد عند بيته. وهكذا تكاثر الأئمة العلماء، وزاد عدد المتعلمين، إلى بدايات القرن الماضي حيث شهد تاريخ المنطقة تحولا كبيرا.

تقول القصة المتواترة هنا إن أحد الرؤساء الفرنسيين قام بدعوة شيوخ القبائل وعلمائها ليعرض عليهم أدوية ضد الأوبئة، فعندما كان الموعد واجتمعوا قام بحرقهم جميعا. وتكمل بأن بقية العلماء فروا خارج البلاد بعد الحادثة، والبعض اختفى ولم يعرف عنه أي خبر.

وتقول فاطمة "لم يكتف الفرنسيون بعمليات استهداف العلماء، بل قاموا بحرق كل الكتاتيب بما فيها من كتب، واليوم نحن لا نملك أي مرجع تاريخي موثوق يؤرخ لتاريخ النيجر العلمي ما قبل الاستعمار". إلا أن هذا التاريخ يحكي عن علماء كالشيخ عثمان بن سمبو الفلاتي من منطقة أزاواغ، والشيخ محمد العابد من منطقة أغاديز، ممن قاوموا إغلاق المدارس القرآنية إلى أن استشهدوا".

التلاميذ أثناء انتهاء الحصة الصباحية في ساحة الكتّاب (الجزيرة)

وتضيف أن الدولة كانت تعتمد اللغة العربية قبل المستعمر، أو الهوسا بحروف عربية، حتى في القضاء والمعاملات المالية.

وقد ورد في مرسوم صادر عن ويليا بونتي أحد المستعمرين الفرنسيين بتاريخ 08/05/1911 متحدثا عن وضع النيجر قبل احتلال الفرنسيين "لقد أثار انتباهي ما يحدث من عراقيل بسبب استعمال اللغة العربية في تحرير الأحكام الصادرة عن القضاة، وفي المراسلات الرسمية، والمعاملات الإدارية".

بعد تلك المرحلة، تم فتح المدارس النظامية معتمدة اللغة الفرنسية دون غيرها، ثم إجبار الأطفال من مختلف القبائل على الالتحاق بالمدارس، لكن المحاولة فشلت في بادئ الأمر.

وتقول فاطمة عن تلك الحقبة "كانوا يطرقون الأبواب بابا بابا لإحصاء عدد الأطفال الموجودين، ليرسلوهم إلى المدارس، كانت الأمهات يكذبن ويخفين أبناءهن، فلم يكن أحد قد تقبل فكرة التعلم على يد محتل، ناهيك عن الفرنسية التي لا تمت لكل أطياف الشعب بصلة".

ما زالت المدارس القرآنية هنا تستعمل الحفظ على اللوج إلى يومنا (الجزيرة)

مع مرور الوقت، رأت فرنسا أن تغير من طريقتها القمعية لتقنع الأطفال بارتياد المدارس، فأعلنت أن من ينهي المدرسة الابتدائية سيصبح جنديا، ومن سينجح في الإعدادية سيصبح مدرسا للصف الأول والثاني، وهكذا
نجح الأمر نسبيا، إذ لاحظ الفرنسيون أن كثيرا من الأسر ترسل أبناءها إلى نيجيريا ومصر والسودان لتعلم اللغة العربية المرتبطة بالدين وبتاريخ المجتمع، فأسست مدارس تدعى "فرونكو أراب" تدرس باللغتين العربية والفرنسية، وهي موجودة إلى اليوم في المدن الكبرى، وإن كانت صفوفها التعليمية محدودة.

ولا تعترف الحكومة النيجرية اليوم سوى بشهادة المدارس النظامية، ولا تسمح لخريجي الكتاتيب مهما كانت درجة معرفتهم بالحصول على وظيفة، لأن خريج الكتاتيب لم يتلق دروسا في التربية الجنسية والبدنية ولا يتقن الفرنسية، وهو ما تحرص عليه المناهج الحكومية.

تنتشر في العاصمة نيامي اليوم مئات الكتاتيب، أو "ماكارانطا" كما تسمى باللغة المحلية، يقول أهل البلد إنها عادت بعد استقلال النيجر، وإن كانت بشكل مختلف قليلا، إذ أصبح الفقيه يأخذ عن كل طالب أربعمئة فرنك سيفا شهريا على الأقل، كما يدفع طلبة الكتاتيب الداخلية 25 ألف فرنك سيفا، مقابل الأكل والشرب والنوم، وتعلم علوم القرآن الكريم.

عند تخرج الطالب من الكتاب بإمكانه أن يصبح فقيهاً ويفتح كتّاباً لتدريس الأطفال (الجزيرة)

وتؤكد فاطمة "لدينا في نيامي خمسون كتّابا داخليا تقريبا، وأزيد من خمسمئة كتّاب عادي، لا نجد الكتاتيب الداخلية في مدن كطاوة وزيندر وتيفا، إذ يفضل الأهالي هناك إرسال أبنائهم إلى نيجيريا، بينما يهاجر أبناء مدينة أغاديز إلى ليبيا".

تعتبر نيجيريا المحطة الثانية في حياة الخليفة عثمان بن فودا، وكانت قبل حدود المستعمر الفرنسي جزءا من ممالك الهوسا، وقد اشتهرت كوجهة أولى لتعلم القرآن وعلومه للنيجريين منذ قرون.

وتؤكد فاطمة أن "مناطق ساي وزيندر آزاواغ -التي كانت محطات للعلماء الكبار يومها- ترسل أبناءها إلى كتاتيب نيجيريا ليتعلموا على يد مشايخها، حتى إذا ما عاد الطالب المتخرج أصبح إماما لقريته".

يتحدث الفقيه مامادو عن بعض العادات المندثرة في المدارس القرآنية فيقول "عندما ظهرت هذه المدارس أيام حكم الخليفة عثمان بن فوديو لدولة سوكتو، كان كل من أتم من التلاميذ حزبَ "سبّح" (من القرآن الكريم) يقيم وليمة داخل الكتّاب، وعندما يصل إلى سورة "الجمعة" حفظا عن ظهر قلب لكل الأحزاب الخمسة فإنه يقيم وليمة أخرى، وهكذا إلى أن يتم ختم القرآن الكريم، إذ تقيم أسرته وليمة في بيته ويكرم كالعريس".

 

الكتاب من الخارج، وقد بني من الحديد فقط، لعدم تمكن أهل القرية من توفير مصاريف بناءه بالطوب (الجزيرة)

ويضيف أنه تم فتح أول مدرسة قرآنية بعد الاستقلال، سنة 1991 والتي تعنى بتحفيظ الطلاب كتاب الله تعالى في خمس سنوات، واسمها "كتّاب أنصار" ويؤكد أنه يوجد في النيجر أكثر من مئتي كتاب من هذا النوع اليوم، وأن حفاظ هذه الكتاتيب هم المشاركون في المسابقات القرآنية العالمية باسم الدولة.

ولا ترعى اليوم أي مؤسسة حكومية الكتاتيب، أو المدرسة القرآنية كما يطلق عليها، لكن أغنياء القبائل يخرجون صدقاتهم لها في المناسبات الدينية. كما أن كثيرا من الجمعيات الخيرية التابعة لدول عربية تتبرع لبناء المساجد في القرى، والتي يتم استغلالها كفضاء لتعليم القرآن وتدريس علومه من طرف الإمام.

ورغم التاريخ المتقلب الذي عاشته الكتاتيب هنا، فإن غالبية الأسر ما زالت تحافظ على تقليد إرسال أبنائها إلى الكتّاب قبل التحاقهم بالمدارس النظامية، إيمانا منهم بأن حفظ القرآن في الصغر كالنقش على الحجر.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/14-

متنزهات لندن.. من الشجر ما صنع التاريخ

متنزهات لندن.. من الشجر ما صنع التاريخ

حميد عبد الصمد - لندن


ترتبط لندن في مخيلة كثيرين بالضباب، فقد لقبت بـ"عاصمة الضباب" بسبب استخدام سكانها الخشب من أجل الطاقة قبل الثورة الصناعية وقبل استعمال الفحم، ذلك الخشب الذي كان يسبب احتراقه دخانا على شكل ضباب في سماء المدينة.

لكنها الآن ترتبط عند سكانها وزائريها بأشياء أخرى، فهي مدينة ذكية للمال والأعمال ومدينة للمتاحف، وأيضا للمتنزهات والحدائق، إذ يوجد من الأخيرة أكثر من 1700، مما يجعلها من أكثر العواصم العالمية اخضرارا.

وبين أشهر هذه الحدائق "هايد بارك"، و"غرين بارك"، و"ريجنت بارك"، و"ريتشموند" وغيرها، وهي ليست حدائق بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هي أراض شاسعة المساحة تتوسطها أحيانا غابات صغيرة وبحيرات، وقد خصصت في البداية لنزهات ملوك بريطانيا، وليمارسوا فيها هواياتهم -ولا سيما صيد الغزلان- قبل أن تصبح هذه الحدائق رمزا من رموز المدينة محملا بحكايات وذكريات.

يعد منتزه هايد بارك من أكبر المنتزهات في العالم وأعرقها إذ أنشأه هنري الثامن عام 1536 (الجزيرة)


ومن أشهرها في لندن -بل وفي العالم كله- حديقة هايد بارك التي أنشأها الملك هنري الثامن عام 1536 من أجل الصيد، والتي فتحت للعموم في القرن الـ17، لتتجمع فيها أكثر من أربعة آلاف شجرة على امتداد 142 هكتارا.

ويرتبط تاريخ حديقة هايد بارك بالعديد من الأحداث المهمة، على رأسها المعرض العظيم الذي أقيم فيها برعاية الأمير ألبرت زوج الملكة فيكتوريا عام 1851، وكان معرضا تاريخيا يجسد أحدث ما وصلت إليه الصناعة العالمية آنذاك.

كما ارتبط المتنزه أيضا بتفجير دامٍ في يوليو/تموز 1982 عندما فجر الجيش الجمهوري الإيرلندي خلال عرض عسكري قنبلتين -إحداهما في "ريجنت بارك"- مما تسبب في مقتل 11 شخصا وبعض الخيول.

على يسار هذا المتنزه يقع "ركن الخطباء" الذي طبّقت شهرته الآفاق، وهو ركن مفتوح لقرائح المفوهين يشبه سوق عكاظ، أو هو برلمان في الهواء الطلق يدافع فيه كل عن قضيته، قصده الفيلسوف الألماني كارل ماركس، والروائي البريطاني جورج أورويل، والثوري الروسي فلاديمير لينين، وكريستبل بانكرستا التي قادت مسيرة تحرر المرأة البريطانية، وغيرهم كثير.

تمثال في هايد بارك لدوق ويلزلي الذي انتصر على نابليون بونابرت في معركة واترلو عام 1815 (الجزيرة)


وأشير إليه بأنه مهد حرية التعبير في أوروبا رغم أن الألفاظ الفاحشة أو التجديف أو إهانة الذات الملكية ممنوعة فيه قانونا.

ومن أجمل المتنزهات في لندن أيضا متنزه ريجنت بارك الذي يقع شمال غرب المدينة وراء القبة السماوية، ومتحف مدام توسو الذي يضم تماثيل شمعٍ لأشهر الشخصيات في تاريخ البشرية، مثل أدولف هتلر، ووليام شكسبير، وونستون تشرشل وآخرين.

يضم هذا المتنزه حديقة زهور مشهورة، حيث تتفتح العشرات من الزهور ذات الألوان والأنواع المتباينة، وتوجد فيه أيضا حديقة حيوانات لندن القديمة التي تعد أعرق حديقة علمية في العالم، إذ افتتحت في أبريل/نيسان 1928 وفتحت أمام العامة بعد ذلك لعدة سنوات، وهي الآن تضم حوالي سبعمئة نوع من الحيوانات، ورغم أنها ليست كبيرة مقارنة بحدائق أوروبا وأفريقيا فإن المرء يحتاج يوما كامل لزيارتها.

والمثير في الحديقة أنها لا تتلقى تمويلا حكومي، بل تعتمد في ذلك على ما يجمع من أصدقاء الحديقة وزوارها وأعضائها.

ويوجد فيها مسجد ريجنت بارك المسمى أيضا مسجد لندن المركزي الذي يعد أحد أكبر أماكن العبادة في المدينة، إذ تتسع قاعته الرئيسية لأكثر من خمسة آلاف مصلٍ.

نهايات الأسبوع تعد وقتا مثاليا لسكان لندن للاستراحة بين منتزهاتها هربا من أسبوع عمل حافل (الجزيرة)



ومن أجمل الحدائق اللندنية أيضا "هولاند بارك" التي تقع في الجهة الغربية من وسط لندن، وتبلغ مساحتها حوالي 22 هكتارا، واسمها مرادف للثراء والعصر الفكتوري.

وتضم هذه الحديقة بقايا بيت هولاند التاريخي الذي عرف باتساع مساحته، وقد دمر القصف الألماني أجزاء كبيرة منه خلال الحرب العالمية الثانية، ورغم ذلك اشتراه بحطامه ثري من بلدية لندن في عام 1952.

وتحيط بهذا المنزل عدة حدائق، أبرزها الحديقة اليابانية، فضلا عن ملاعب للكريكت (اللعبة الشهيرة في إنجلترا( والتنس، وتضم الحديقة عددا من طيور الطاووس، أما المنازل المحيطة بها فتعد من أغلى المنازل في لندن بل والعالم بأسره.

ومن حدائق لندن أيضا التي تشكل الرئة الخضراء للمدينة حديقتا "سانت جيمس"، و"غرين بارك" اللتان تقعان شرق قصر باكنغهام مقر العائلة المالكة البريطانية في العاصمة، وقد استحدثتا في القرن الـ16 في عهد الملك هنري الثامن، وهما الآن مسرح للاحتفالات الملكية، إذ تخترقهما مواكب الحرس الملكي من القصر إلى برلمان "ويستمنستر" في المناسبات الرسمية التي تستدعي حضور الملكة.

وتجسد حدائق سانت جيمس التي تمتد على مسافة 23 هكتارا صورة حية للطراز الإنجليزي الكلاسيكي في هندسة المناظر الطبيعية.

حدائق لندن ينتشر فيها أهم وأكبر عدد من النصب التذكارية العسكرية (الجزيرة)


وقد اشترى هنري الثامن أرض الحديقة عام 1532 بنية تحويلها إلى قصر ملكي، ولكن مع مجيء جيمس الأول للحكم حولها إلى حديقة تضم الإبل والفيلة والتماسيح والطيور الفريدة، أما الملك تشارلز الثاني ففتحها للعموم، لتتحول في القرنين الـ17 والـ18 إلى مكان لتربية الأبقار.

وعلى مساحة 19 هكتارا يمتد متنزه غرين بارك الذي قيل إنه كان مخصصا في البداية لدفن ضحايا مرض الجذام، ولا سيما أنه يجاور مستشفى قريبا في سانت جيمس، وقد عرف أيضا بأرض المبارزة، إذ شهد عام 1730 مبارزة شهيرة بين سياسييْن بارزين في تاريخ بريطانيا، هما وليام بولتيني الأول من إيرل باث، وجون هيرفي الأول من بريستول.

وغير بعيد عن هذه الحدائق تقع واحدة من أشهر أشجار العالم، إنها شجرة بلوط تدعى الشجرة الملكية، وقد فر إليها ملك إنجلترا تشارلز الثاني من جنود أنصار البرلمان في معركة "وورستر" في 1651.
تلك الشجرة أتلفها السياح في القرنين الـ17 والـ18 بقطفهم أغصانها كتذكار، ولم تبق إلا شجرة أخرى في مكانها قيل إنها تبلغ من العمر ثلاثة قرون وتسمى ابنة الشجرة الملكية، وقد فقدت كثيرا من أغصانها بسبب عاصفة شديدة هبت عليها عام 2000.

وقد أصبح اسم "الشجرة الملكية" اسما شائعا يطلق على بعض حانات لندن ومطاعمها، كما خصص لها يوم للاحتفاء بها سنويا كرمز لإعادة توطيد أركان الملكية هناك، وكانت هناك عطلة رسمية باسمها لردح من الزمان قبل أن يلغى الأمر عام 1859.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/14-

صعود التطرف الهندوسي.. "يوغي أديتياناث" مثالا

صعود التطرف الهندوسي.. "يوغي أديتياناث" مثالا

دهيريندرا كجا-أوتار براديش (الهند)


في فبراير/شباط 2002 وقعت أعمال شغب قتل فيها أكثر من ألف شخص -معظمهم من المسلمين- بولاية غوجارات الغربية في فترة حكم رئيس الوزراء آنذاك نارندرا مودي.

في هذه الأجواء الملتهبة وجد شاب سياسي في منطقة غوراخبور النائية الفقيرة بولاية أوتار براديش شمال الهند فرصة سانحة للاستقطاب الديني المتصاعد.

كان يوغي أديتياناث -الذي مثل غوراخبور في البرلمان الهندي- من حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي، وكاد يفقد أمله بالفوز في الانتخابات، لكن مع اندلاع أعمال العنف في ولاية غوجارات أعلن أديتياناث تشكيل منظمة تعرف باسم "الهندوس يوفا فاهيني" (هيف) أو مركبة الشباب الهندوس.

وعلى الرغم من أنها سجلت منظمة ثقافية عملت "هيف" مثل المليشيا القومية الهندوسية لإخافة الأقليات -خاصة المسلمين- من محيطهم الهندوسي، وكان تكتيكها المفضل هو التمييز بين الهندوسي والمسلم كهوية دينية، والقيام بأعمال شغب طائفية صغيرة.

الهندوسي المتطرف يوغي أديتياناث بعد فوزه برئاسة حكومة ولاية أوتار براديش - رويترز (رويترز)


بعد حوالي ثلاثة أشهر من تشكيل "هيف" في 16 يونيو/حزيران 2012 انتشر خبر اغتصاب وقتل فتاة هندوسية في مونديرا، وهي قرية ذات أغلبية مسلمة على بعد حوالي ثلاثين ميلا من غوراخبور، واتهمت عائلة الضحية خادم أسرة مسلمة بالجريمة الذي اعتقل وأدين لاحقا بالجريمة.

وبعد ثلاثة أيام وصل أديتياناث ومليشياته إلى القرية فألقى خطابا استفزازيا، مما أدى إلى اندلاع أعمال عنف بين القرويين، وفي ساعات قليلة تم إحراق 47 منزلا للمسلمين.

وفي غضون ستة أشهر من تشكيل "هيف" شهدت غوراخبور والمناطق المجاورة على الأقل ستة أعمال شغب طائفية كبرى، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من الاشتباكات المحدودة، وعلى الرغم من هزيمة حزب بهاراتيا جاناتا في الانتخابات الوطنية عام 2004 فاز أديتياناث في غوراخبور، وارتفع معدل فوزه بـ142 ألف صوت.

أعضاء "هيف" مطيعون جدا لقائدهم حتى أنهم لا ينادونه باسمه، وبدلا من ذلك يشيرون إليه بمسمى شرف طويل هو "غوراكشا بيثادهيشوار بارامبوجيا يوغي أديتياناث جي ماهاراج -غوراكشا، مهراجا يوغي أديتياناث"، وغالبا ما يكررونه عدة مرات.

أنصار يوغي يحتفلون بفوزه برئاسة حكومة ولاية أوتار براديش  (رويترز)


كان سونيل سينغ (29 عاما) طويل القامة ممتلئ الجسم عدوانيا وعاطلا عن العمل لمدة ثلاث سنوات، وبعد حصوله على درجة الماجستير في اللغة الهندية من جامعة غوراخبور بدأ العمل مع أديتياناث عام ١٩٩٨، وجاء سينغ من نفس الطبقة العليا -وهي مجتمع ثاكور- مثل أديتياناث وأصبح واحدا من أوائل المنضمين إلى "هيف".

وسرعان ما ترقى سونيل سينغ إلى منصب رئيس المنظمة، كما كفلت رعاية أديتياناث حصول سينغ على عقود مربحة من الحكومة المحلية لبناء المباني العامة.

يرتدي سينغ عقدا من الزعفران الطويل حول عنقه، وهو علامة على كونه عضوا في الفاهيني، بدأ هو وأعضاء آخرون في وقت مبكر بتجنيد الشباب الهندوس في غوراكبور التي يبلغ عدد سكانها حوالي مليون نسمة.

وأضاف أن "الرد كان هائلا"، لقد وسعوا من انتشارهم وتوظيفهم في جميع أنحاء شرق ولاية أوتار براديش، وهي منطقة فقيرة في الأغلب، ويبلغ عدد سكانها نحو ثلاثين مليون نسمة.

وكانت المهام الرسمية للناشطين الفاهينيين الاختلاط مع الطبقات الدنيا من الهندوس من خلال توزيع وجبات الغداء على جميع الطوائف لخلق الوحدة الهندوسية وزيادة العضوية وتنظيم الاجتماعات والمسيرات العامة.

الأهالي يجهزون جثث ضحايا العنف الهندوسي تجاه المسلمين في ولاية أوتار براديش قبل دفنهم  (رويترز)


انتشر سينغ وحزبه في العديد من القرى بولاية أوتار براديش الشرقية في محاولة لتجنيد حوالي 250 رجلا من كل قرية، وبعد التوظيف سوف يضعون أسماءهم على لوحة في القرية، وأوضح سينغ "أنهم مطالبون أيضا بوضع أعلام الزعفران الثلاثية للفاهيني على منازلهم".

واستمر العدوان والعنف الطائفي الذي ترتكبه مليشيا أديتياناث، ففي 27 يناير/كانون الثاني 2007 ألقى أديتياناث كلمة عن "الانتقام" لوفاة صبي هندوسي أصيب في اشتباك بين مجموعتين خلال مهرجان ديني مسلم، ثم توفي في وقت لاحق، فهدد أديتياناث بحرق وتدمير أبراج تازيا، وهي تماثيل صغيرة ترمز للحسن والحسين ويحملها المسلمون خلال مواكب المهرجان، فاندلعت أعمال الشغب في غوراخبور والمناطق المجاورة، وقتل شخصان وأحرقت ممتلكات تبلغ قيمتها ثمانية ملايين دولار.

وحتى ذلك الحين كانت الحكومة المحلية سلبية في اتخاذ إجراءات ضد المليشيات، ولكن مع انتخابات الدولة المقرر إجراؤها في الأشهر المقبلة يعتقد السياسيون أن التقاعس سيكلف الحزب الحاكم أصوات المسلمين، فتم إلقاء القبض على أديتياناث وسجن لمدة 11 يوما، وتم سحب حراسه الشخصيين من قبل شرطة الولاية.

يوغي أديتياناث أثناء حملاته الانتخابية التي أوصلته لحكم ولاية أوتار براديش (رويترز)


وبعد إطلاق سراحه في مارس/آذار 2007 مثل أديتياناث أمام البرلمان الهندي ليسرد تجربته، وتحدث عن الخوف على حياته، وقال للبرلمان إنه يخشى أن يتم اغتياله مثل سونيل ماهاتو، وهو سياسي من ولاية جهارخاند المجاورة وقد قتل قبل أسبوع، وسأل أديتياناث رئيس مجلس النواب في البرلمان "هل سأحصل على الحماية أم أن حالتي هي نفس حالة سونيل ماهاتو؟".

وكان للبكاء العام والمرافعة للحماية تأثير سلبي على صورة الرجل القوي بين أتباعه -خاصة الطبقة العليا "ثاكورس"- الذين يرون أنفسهم ناشطين شجعانا، نظروا إليه على أنه متخاذل وتحطمت صورته كمحارب شجاع "الهندوسي الناري" فأصابه الكثير من العار، وتوقف نشاطه الذي كانت تقوم به مليشياته.

مرت عدة سنوات بهدوء قبل أن يعود أديتياناث إلى المشهد العام مع مليشياته، وقد أدلى بخطابات كراهية ضد الأقليات لكنه امتنع شخصيا عن قيادة مليشياته والمشاركة في أعمال العنف، وقد كانت لحظته الكبرى في الفترة التي سبقت الانتخابات الوطنية عام 2014، حيث بدأ مودي حملته ليصبح رئيس وزراء الهند.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2013 خلال تجمع حملته في بالرامبور -وهي منطقة أوتار براديش المتاخمة لنيبال- قال أديتياناث "المسلمون إرهابيون، ويجب على الهندوس أن يتحدوا ويظلوا في حالة تأهب أينما يعيش المسلمون ويواجهونهم إذا تطلب الأمر ذلك".

يوغي في مراسم تعيينه حاكما لولايةأوتار براديش بحضور رئيس الهند ورئيس وزرائه (رويترز)


وذهب سينغ أبعد من ذلك حين قال "لإنهاء الإرهاب الإسلامي يجب على الهندوس تعطيل المدارس والمساجد حيث يتم التدريب للإرهاب، ويجب منع الآذان، ولن يسمح عمال الهندوس للمسلمين بالعيش في هندوستان".

بعد انتصار مودي في الانتخابات الوطنية عام 2014 استخدم أديتياناث مليشياته ليدرج نفسه مرشحا وزاريا لحزب بهاراتيا جاناتا في انتخابات 2017.

وفي يناير/كانون الثاني 2015 أجبر رجال الفاهيني ما يقارب ثلاثمئة مسلم من قرية غازيبور بمنطقة كوشيناغار في شرق ولاية أوتار براديش على اعتناق الديانة الهندوسية، وفي فبراير/شباط 2015 أجبروا 82 مسلما من قرية بيباني في كوشيناغار على دخول الهندوسية، وعلى الرغم من أن أديتياناث امتنع عن زيارة هذه القرى فإنه أشعل النار من خلال خطابات كراهية متكررة ودعم مليشياته.

وفي انتخابات ولاية أوتار براديش في فبراير/شباط، ومارس/آذار 2017 انتصر حزب بهاراتيا جاناتا القومي، وعين مودي أديتياناث رئيسا لوزراء ولاية أوتار براديش، وكان هذا دفعة كبيرة لمليشيا الفاهيني، وقال زعيم الفاهينى لصحيفة "إنديان إكسبرس" إن المجموعة التي تضم حوالي مئتي ألف عضو تتلقى أكثر من خمسة آلاف طلب عضوية كل يوم منذ أن أصبح أديتياناث رئيسا للوزراء.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/14-

إسرائيل تفرق بين المرء وزوجه في الضفة وغزة

إسرائيل تفرق بين المرء وزوجه في الضفة وغزة

جاكلين أشلي - رام الله


يتصل لؤي تيلخ بعائلته يوميا في قطاع غزة المحاصر، لكنه يتجنب مكالمات الفيديو التي يمكن أن تتركه مكتئبا لأيام عدة. وقال للجزيرة وهو يدخن سيجارته بعمق "أشعر بالفشل كوالد". ورغم أن زوجته وأطفاله الثلاثة يعيشون على بعد ساعتين بالسيارة من منزله في رام الله، فإنه لم يرهم منذ عامين.

يقول تيلخ "كنت أعرف أنني سأواجه بعض الصعوبات في جلب عائلتي إلى الضفة الغربية، ولكن لم أتخيل أنني سأكون في وضع يحرمني من رؤيتهم بهذا الشكل".

قبل أكثر من عقد من الزمان، انتقل تيلخ، الذي حصل على درجة الدكتوراه في الزراعة من بلغاريا، من الضفة الغربية إلى غزة للعمل في وزارة الزراعة. تزوج من شيرين عام 2004، ورزقوا ثلاثة أطفال، هم كريم (13 عاما) ويوسف (9 سنوات) وسالم (7 سنوات).

وعندما استولت حماس على قطاع غزة عام 2007، فرضت الحكومة الإسرائيلية حصارا خانقا على القطاع، مما حدّ بشدة من حركة الفلسطينيين داخل وخارج الأراضي، وهنا بدأت حياة تيلخ تتعقد.

يتجنب لؤي تيلخ مشاهدت أبنائه عند الحديث معهم على الهاتف حتى لا يعاني الاحباط والألم لبعدهم (الجزيرة)


واحتجاجا على فرض حماس سيطرتها على غزة، أمرت السلطة الفلسطينية، الخاضعة لسلطة حركة فتح، موظفيها الحكوميين برفض العمل مع الحكومة الجديدة بالقطاع، وأجبرت نحو سبعين ألف موظف على البقاء في منازلهم.

وكان تيلخ من بين خمسين ألف موظف في السلطة الفلسطينية قرروا مواصلة العمل في القطاع العام في ظل الحكومة الجديدة، ولكن نتيجة استمرار الخلاف بين حماس والسلطة الفلسطينية لم يتلقوا سوى جزء من رواتبهم، وأحيانا لا يتلقون شيئا على الإطلاق، مما أغرق العديد من الأسر في حالة من الفوضى المالية.

يقول تيلخ "كنت أعرف أنني سأواجه بعض الصعوبات في جلب عائلتي إلى الضفة الغربية، ولكني لم أفكر قط أنني سأكون في وضع لا يسمح لي برؤيتهم مجددا".

وقال محمود أبو رحمة من مركز الميزان لحقوق الإنسان إن الانقسام بين فتح وحماس أدى إلى زيادة انقسام الفلسطينيين.

وأوضح أبو رحمة للجزيرة أن "الموظفين الذين أجبرتهم سلطات غزة على البقاء في المنزل هم في الغالب تحت خط الفقر بسبب الرواتب المتقطعة التي تدفع لهم"، مشيرا إلى أن الوضع جعل أعضاء الحركتين عرضة للأعمال الانتقامية.

يكتظ معبر رفح بالفلسطينيين المرضى وذوي الظروف الإنسانية الصعبة كلما أعلن عن فتح المعبر (رويترز)

وفي عام 2014، شنت السلطات الإسرائيلية هجوما عسكريا لمدة 51 يوما على القطاع المحاصر، مما أسفر عن مقتل أكثر من ألفي فلسطيني. وعن ظروف الحرب يقول تيلخ "كانت هذه أسوأ أيام حياتي".

وأجبرت العائلة على الهرب من منزلها خلال الغارات الجوية الإسرائيلية، واللجوء لمنزل شقيقته.
ويضيف "كنا نستمع إلى الإذاعة خلال القصف الإسرائيلي العنيف، وكنا باستمرار نسمع اسم صديق أو أحد أفراد العائلة جرح أو قتل أو دمر منزله". وعثرت العائلة في نهاية المطاف على ملجأ في المكان الوحيد الذي اعتقدوا أنه سيبقيهم في مأمن من الهجوم الإسرائيلي، وهو مستشفى للأطفال.

يقول تيلخ "عندما انتهت الحرب، كان حيّنا يعبق برائحة البارود، واشتعلت الحرائق في كل مكان".

ويواصل وصفه للمشهد "وقفت هناك وبدأت أبكي كالطفل، حتى بعدما توقف القصف، لم يتوقف التوتر والإجهاد مطلقا، فالسنوات التي لم أحصل فيها على راتب ثابت، إلى جانب الحرب، جعلتنا لا نحتمل البقاء على قيد الحياة أكثر من ذلك، لذلك قررت أنا وعائلتي أن نترك غزة".

وبعد عام، حصل تيلخ على فرصته. فقد كانت أمه المسنة في الخليل في حاجة إلى معيل، وحصل تيلخ، الذي يقيم في الضفة الغربية الآن، على إذن للخروج من غزة لهذا السبب. وفي الوقت نفسه، حصل على وظيفة في وزارة الزراعة في السلطة الفلسطينية بجنين، وأصبح مديرا للزراعة التجريبية. غير أن طلب تصريح زوجته للانتقال للضفة رفضه جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشين بيت) لأسباب أمنية.

ولم يستجب المتحدثون باسم وزارة الداخلية الإسرائيلية والشين بيت لطلبات الجزيرة للتعليق على القضية.

السياج الفاصل بين رفح الفلسطينية ورفح المصرية يقطع أوصال عائلات كثيرة بين داخل وخارج غزة (رويترز)

وناشد تيلخ وزارة الشؤون المدنية الفلسطينية، المسؤولة عن إرسال طلبات لمّ شمل الأسر إلى السلطات الإسرائيلية، وإلى العديد من منظمات حقوق الإنسان. بل إنه بعث برسالة إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي يزعم أنه أحال القضية شخصيا إلى وزير الشؤون المدنية الفلسطيني حسين الشيخ.

ولكن مرت أشهر دون رد، وبقي تيلخ وحيدا في منزله، عاجزا عن النوم. ويقول "كل يوم يسألني أولادي إن كان بإمكانهم الحضور. ولا أعرف ماذا أقول لهم".

يؤكد تيلخ أن التوتر الدائم يسبب له آثار سلبية على صحته، مشيرا إلى أنه على مدى العامين الماضيين اكتسب الوزن وأصيب بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم. وقد لاحظ المعلمون في غزة أيضا أن أطفاله قد بدؤوا في الإخفاق في المدرسة، وانخفضت درجاتهم منذ ترك والدهم لهم.

يقول المتحدث باسم مجموعة "جيشا" لحقوق الإنسان في غزة شاي غرونبرغ للجزيرة إن "هذا الوضع الذي لا تستطيع فيه العائلات أن تلتقي وتضطر إلى العيش بعيدا عن بعضها، ما هو إلا نتيجة القيود المفروضة على حركة تنقل المواطنين التي تفرضها إسرائيل".

وأفادت المجموعة بأن أكثر من نصف مليون من سكان غزة لهم أقارب في الأراضي المحتلة عام 1948 والضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، ولا تسمح السلطات الإسرائيلية في الغالب برؤية بعضهم بعضا.
 
يعيش قرابة خمسة ملايين فلسطيني تحت الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة  (رويترز)

ووفقا لإجراءات الجيش الإسرائيلي في غزة، فإن التنقل من الأراضي المحاصرة إلى الضفة الغربية المحتلة يقتصر على "الحالات الإنسانية الاستثنائية للغاية"، ولا يسمح بإعادة التوطين على أساس العلاقات الأسرية.

حتى سكان غزة الذين يستوفون المعايير الإنسانية الإسرائيلية، مثل وجود حالة طبية مزمنة، والذين يحتاجون أقاربهم من الدرجة الأولى من الضفة الغربية لرعايتهم، يجب أن يثبتوا أولا أنه ليس لديهم أفراد من الدرجة الأولى أو الثانية في غزة يستطيعون رعايتهم، ومن ثم يجري التحقيق في حالاتهم للحصول على تصريح مؤقت.

ويجب على المحظوظين بما فيه الكفاية أن يتقدموا بطلب تجديد للتصريح، الذي يمكن إلغاؤه في أي وقت. ويستغرق الأمر إقامة سبع سنوات لسكان غزة من أجل إعادة التوطين الدائم في الضفة الغربية المحتلة.

يأمل تيلخ أن تتمكن زوجته وأطفاله من الخروج من غزة عبر معبر رفح الذي تتحكم فيه مصر، مما يسمح لهم بالاجتماع في مصر لبضعة أسابيع. ولكن لأكثر من عام، انتظرت أسرته بفارغ الصبر مع 25 ألفا من سكان غزة الآخرين، الذين يبقون على أمل المغادرة عند فتح معبر رفح من حين لآخر.

وقال تيلخ "أشعر بالقلق إزاء الآثار النفسية الطويلة الأمد التي سيعاني منها أبنائي، إن لم يتم لمّ شملنا قريبا".

ويضيف "أبقى كل ليلة مستيقظا للصلاة والدعاء بأن يكون اليوم التالي هو يوم اجتماعي بهم ولمّ شمل أسرتنا".
السابق

السابق

التالي

السابق

التعليقات