آخر تحديث: 2016/9/3 الساعة 11:49 (مكة المكرمة) الموافق 1437/12/2 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2016/9/3 الساعة 11:49 (مكة المكرمة) الموافق 1437/12/2 هـ
-1/13-

كلمة العدد

 مدير موقع الجزيرة نت  
محمد المختار الخليل

 

شكل التصوف حالة ثقافية مبكرة في حركة الإسلام ما لبثت أن تحولت من سلوك نخبة إلى حالة اجتماعية سائدة أو لنقل "حركة اجتماعية" بمنطق علم الاجتماع الحديث.

 

فمنذ أن كتب الحارث المحاسبي (المتوفى 243) رسالة المسترشدين أيام تدوين العلوم الإسلامية، برز الخلاف بين بعض الصوفية وبعض أهل الحديث وأهل الفقه، وظلت حالة التلاقي أو التلاغي تتجدد أو تنحسر حال أي شد فكري في أي مجتمع.

 

مدرسيا لا جدال ان التصوف مدرسة سلوكية أساسها الزهد والترقي في مدارج الإحسان، وتطبيقيا ستتباين السلوكيات تباين الثقافات التي احتضنتها أو الأفكار التي تلاقحت معها أو حتى البيئات التي انغرست فيها.

 

هل بقي التصوف تاريخيا متكئا على تكيته منزويا في زاويته؟ هل اقتصر على همهمات وتسابيح أم عبر عن شواغل وهموم ومشاعر وخلجات المجتمع والفرد أم أنه خرج إلى الفضاء ملهما ومحركا ومحررا؟

 

شواهد الحال وحقائق التاريخ تتضافر على أنه كان للتصوف أثره الفعال في حياة المسلمين، فقاد دولا وأسقط أخرى وفتح بلدانا ونشر الإسلام في مناطق عديدة هي جل العالم الإسلامي المعروف اليوم.

 

كأي فكرة تتخذ من جمهور العامة مادة لها علقت بالتصوف كل المعطيات المتعلقة بالمسلمين، فنجده متوثبا قائدا لحملات الفتح والتحرير كما نجده إشراقة روحية وصلابة فكرية.

 

لكن نجد بعض مدارس التصوف أيضا لا يخلو من أدران المجتمع شعوذة ودجلا وانبطاحا وتحالفا مع الاستعمار ووكلائه، وتخليا عن وهج الفكرة وسموها إلى حالة دركية بعيدة عن أشواق الأرواح وتجليات النفس المطمئنة.

 

حالة التصوف حالة متجددة في حياة المسلمين وكأي مدرسة فكرية تحولت إلى ظاهرة عامة تقترب من الفكرة أو تبتعد عنها تثير من الجدل والتجدد في حياة الناس ما يسترعي الانتباه ويشد المتابعين.

 

الراصد الاجتماعي والفكري يجد أن هناك "حالات" من التصوف لها من بيئاتها تأثرٌ ولها فيها تأثير. فالمدارس الصوفية السائدة اليوم لها تجلياتها المختلفة وتمظهراتها المتعددة، وإن تلاقت جميعا في الهدف وتشابهت في التحديات.

 

وقد اتخذ التصوف في أفريقيا أشكالا ومساحات عدة للنشاط والتوسع والتأثير المجتمعي، ولم يحصر نفسه بين جدران زوايا التعبد والعزلة عن المجتمع، وهو ما استحق إلقاء الضوء عليه في هذا الملف، للتعرف على هذا اللون من السلوك الاجتماعي للدين، وذلك في قارة فيها الكثير من المجهول الذي يستحق تسليط الضوء عليه على شكل ملفات وتحقيقات صحفية معمقة.

 

ملف مجلتنا عن بعض التجليات الحية لهذه الحركة الاجتماعية في تلك القارة البكر. قراءة ماتعة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/13-

ملف العدد

أعد الملف
ياسين الكزباري

 

 

 

 

 

 

نفوذ يتمدد خارج زوايا التصوف
للطرق الصوفية في أفريقيا ألوان وأدوار في حركة المجتمع تفوق مثيلاتها في بقاع أخرى من العالم الإسلامي.

من أجواء الاحتفال بالمولد النبوي في لامو بكينيا (الجزيرة)

 

الشيخ بامبا.. أيقونة التصوف في غرب أفريقيا­­
لا أحد في غرب أفريقيا لا يعرف الشيخ بامبا حيث يلقب بغاندي أفريقيا لمقاومته السلمية للاستعمار. 

رسم للشيخ بامبا على شجرة في إحدى حدائق دكار (الجزيرة)

 

الشيخ عمر طال.. تاريخ غني بالكرامات وجهاد الاستعمار
تحكي عنه القصص الشعبية الكثير من  الكرامات منذ مولده لكنه في الوقت نفسه قاد المقاومة المسلحة ضد الاستعمار.

صور نادرة للشيخ عمر طال ورسم تقريبي لابنه (الجزيرة)

 

طوبى.. حج الفقراء إلى ضريح بامبا
في ذكرى نفي الشيخ بامبا إلى الغابون تصبح مدينة طوبى مقدما لآلاف الفقراء لطلب البركة وقضاء الحاجات.

يعتبر مسجد طوبى من أكبر المساجد في غرب إفريقيا، أما مئذنته فهي الأعلى (الجزيرة)

 

الطريقة المريدية.. تصوف ونماء
مؤسسات تجارية وقوة اقتصادية تتمتع بها الطريقة المريدية خارج زوايا التصوف التقليدية.

السيد شعيب كايبي من مقدمي الطريقة المريدية في دكار (الجزيرة)

 

الطريقة التيجانية.. نفوذ سياسي ينافس الملوك
ليس للطريقة مؤسسات اقتصادية وقوة مالية لكن انتشارها الواسع مكنها من نفوذ سياسي في دول غرب أفريقيا.

مركز الطريقة التيجانية في غرب أفريقيا ويوجد في مدينة كاولاك في السنغال (الجزيرة)

 

تصوف جنوب أفريقيا.. نكهة إندونيسية
نفى الاستعمار الهولندي في إندونيسيا رموز المقاومة إلى جنوب أفريقيا لينشروا الإسلام والطرق الصوفية هناك.

 

جزيرة روبن التي سجن فيها الشيخ أحمدعبد الله السنونسي وهي نفسها التي سجن فيها مانديلا (الجزيرة)

 

"القادرية" شرق أفريقيا.. وفاء للجيلاني المؤسس 
من الحبشة التي استقبلت الإسلام أول مرة انطلقت دعوات  الطرق الصوفية في شرق أفريقيا خصوصا  الطريقة القادري.

أحد أقدم المساجد في هرار يقدر عمره بألف عام (الجزيرة)
السابق

السابق

التالي

السابق

-3/13-

نفوذ يتمدد خارج زوايا التصوف

نفوذ يتمدد خارج زوايا التصوف

 

تشكل قصة التصوف الجزء الأكبر من قصة الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء، فقد لعبت فيها الطرق الصوفية أكثر الأدوار محورية وشهدت أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ مسلمي القارة. وكانت الطريقة القادرية أول تلك الطرق وصولا، وقد وصلت إلى غرب أفريقيا مع قبيلة كنتة العربية بدايات القرن 16.

 

ولعبت قبيلة كنتة دورا مهما في نشر الطريقة القادرية في منطقة حوض نهر النيجر (من نيجيريا إلى غينيا مرورا بالنيجر ومالي)، ثم وصلت الطريقة مع التجار العرب إلى سواحل شرق أفريقيا، فصارت مقديشيو وهرار (شمال أثيوبيا) وغيرهما مراكز كبرى للإسلام. ثم لحقت بالقادرية الطريقتان الشاذلية والرفاعية، فسبقتاها إلى تانزانيا وأوغندا وزامبيا وموزمبيق وغيرها.

 

وفي نهاية القرن السابع عشر، وصل التصوف إلى جنوب أفريقيا، مع الطريقة الخلوتية التي جاء بها مجاهدو وعلماء إندونيسيا الذين نفتهم السلطات الاستعمارية إلى رأس الرجاء الصالح، والذين كانوا أول من دعا إلى الإسلام وأول من بنى مسجدا في الجزء الجنوبي من القارة.

وبعدها بقرن تقريبا ظهرت الطريقة التيجانية في الجزائر والمغرب أواخر القرن 18، وسرعان ما انتشرت جنوبا وتسلمت المشعل من القادرية، لتصير عنوانا لاعتناق الإسلام في غرب أفريقيا.

 

وتنتشر في أفريقيا عشرات الطرق الصوفية، غير أن بضعة منها فقط تصدرت واستقرت في قلوب المسلمين الأفارقة، وأهمها حسب الانتشار الجغرافي: في غرب أفريقيا نجد الطريقة التيجانية (ويبلغ تعداد أتباعها عشرات الملايين)، ثم المريدية (ويقدر أتباعها بستة ملايين) وبعدهما تأتي القادرية بحضور ضعيف. أما في شرق أفريقيا فنجد القادرية والشاذلية وتعداد أتباعهما كذلك يقدر بعشرات الملايين، أما في منطقة جنوب أفريقيا فنجد الطريقة الخلوتية والقادرية والسنوسية والعلوية وغيرها..

 

مسيرة لمريدي إحدى الطرق الصوفية غرب أفريقيا في إحدى العواصم الأوروبية بمناسبة المولد النبوي  (الجزيرة )

مقاومة الاستعمار

وقد لعبت الطرق الصوفية دورا هاما في الدفاع عن الإسلام والمسلمين ضد الحملات الاستعمارية الأوروبية، ففي غرب أفريقيا أواسط القرن 19، قاد الشيخ عمر الفوتي ضد الفرنسيين قرابة ثمانين معركة، وكان خليفة الطريقة التيجانية في بلاد السودان، وقد عمل على توحيد القبائل المتصارعة ضد الفرنسيين وأسس مملكة توكولور التي امتدت رقعتها لتشمل أجزاء من مالي والسينغال وغينيا وغيرها.


أما في شرق أفريقيا فقد قام الإمام الجراني بتوحيد القبائل الصومالية لمواجهة الغزو الحبشي، وتمكن من بسط نفوذه على بلاد الحبشة كلها أواسط القرن السادس عشر، قبل أن ينهزم أمام البرتغاليين في وقت لاحق.


وفي حوض الكونغو قام المسلمون بقيادة الشيخ المرجبي بمقاومة غزو ملك بلجيكا ليوبولد وقد بذلوا من أرواحهم في مواجهته قرابة 600 ألف شهيد.

أما في جنوب أفريقيا، فقد تصدر قادة الطرق الصوفية حركة مناهضة نظام الفصل العنصري، وقد برز منهم زعماء وطنيون كبار كالشيخ عبد الله هارون الذي استشهد تحت التعذيب في سجون نظام الفصل العنصري. 

 

أحد التجمعات الدينية لدى الطريقة التيجانية حيث تتم قراءة الأوراد والقصائد بصوت جماعي (الجزيرة )

الاقتصاد

لعبت ولا تزال الحركات الصوفية في أفريقيا دورا اقتصاديا مهما، ففي فترة تاريخية طبعت فيها أحوال المسلمين بالتخلف والضعف حتى صارت التقوى مرادفة للدروشة والإيمان مرادفا للتواكل، قامت حركات صوفية ببعث روح العمل والإنتاج في الأتباع، وحثهم على الكسب والاجتهاد، فما لبثت أن تحولت إلى قوى اقتصادية لا يستهان بها.


وفي فترة تاريخية طبعها غياب الدولة ومؤسساتها، سواء بسبب الفوضى وكثرة الإمارات المتحاربة وفقدان الناس الثقة في الحكام، أو بسبب الاستعمار، قامت الطرق الصوفية بدور المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، فكانت تجمع الزكاة والصدقات من الأتباع الذين يدينون لها بالثقة والولاء، ثم تستثمرها في التجارة والزراعة، مما يمكنها من القيام بأدوار اجتماعية مهمة، كالتعليم وكفالة الأيتام وتمكين الفقراء من أسباب الاسترزاق، وبناء المساجد وإقامة "الرباطات"، وتأطير الأتباع للدفاع عن الأمة بالمقاومة والجهاد.

 

الاحتفال سنة 1994 بمرور 3 قرون على وصول الشيخ يوسف المكسري إلى كيبتاون (الجزيرة)

السياسة

ونتيجة لهذا الحضور القوي الذي تتمتع به الطرق الصوفية في ضمائر ملايين المواطنين المسلمين في مختلف الدول الأفريقية، ونتيجة كذلك لحضورها الاقتصادي المؤثر في كثير من الدول، كان من الطبيعي أن يصير لها تأثير كبير على الساحة السياسية، إذ يحرص السياسيون على كسب ودها طمعا في الفوز بأصوات أتباعها.

 

كما تلعب الطرق الصوفية أدوارا مهمة لإرساء السلام الاجتماعي بين مختلف الطوائف والتدخل لحل بعض الإشكالات التي تعجز عنها مؤسسات الدولة، كما أنها تتخذ أحيانا مواقف معارضة لبعض السياسات والقوانين التي تراها في غير صالح المجتمع، وباتساع جغرافية انتشارها فإن دائرة تأثيرها السياسي تتسع تبعا لذلك لتشمل قضايا إقليمية وأحيانا دولية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/13-

الشيخ بامبا.. أيقونة التصوف في غرب أفريقيا

الشيخ بامبا.. أيقونة التصوف في غرب أفريقيا

بجلباب أبيض بسيط وعمامة يتلثم بطرفها، فلا يرى وجهه كاملا، لكن تجاعيد السنين على جبينه تحكي عن شيخ جاوز الستين، بينما هيئته المنتصبة تخبر عن حيوية وروح شباب العشرين، أما هيبته فتقول ما تقول عن شيخ أو ولي من الصالحين.



هي صورة وحيدة، لم يلتقط له غيرها خلال حياته المديدة، لكنها بالمقابل الصورة الأكثر شهرة في غرب أفريقيا كلها، أما في السنغال فيكاد عدد نسخها يجاوز عدد جميع السكان، إذ تراه في كل مكان، داخل البيوت وعلى الأبواب والحيطان، وفي المتاجر والمطاعم، وعلى مكاتب الموظفين وعربات الباعة المتجولين، ونوافذ السيارات والحافلات، ولا تكاد تجد سيارة أجرة لم يعلق عليها صاحبها هذه الصورة، فإن لم يفعل فالراجح أنه غير مسلم.

 

من صاحب الصورة إذن؟ سألت سائق سيارة الأجرة في دكار، فأجابني باستغراب أقرب إلى الاستنكار "أو لا تعرف الشيخ بامبا؟!"  لم أعرف الشيخ بامبا، لكن لا أحد في السنغال والدول المجاورة لا يعرفه.



إنه المجدد وخديم الرسول وولي طوبى صاحب الكرامات، بينما يلقبه آخرون بـ"غاندي أفريقيا" ويصفونه بكونه أول من سن المقاومة اللاعنفية ضد الاستعمار.

 

أما اسمه الحقيقي فهو أحمد (وينطق أهمادو/آمادو) ابن محمد بن حبيب الله، ولد بدايات خمسينيات القرن الـ19 عام 1853، في بيت علم وجاه وثراء، لأب من سادة الطريقة القادرية، كان قاضيا ومستشارا ذا حظوة لدى أمير سلطنة "كيور" في زمن عرفت فيه البلاد سلطنات كثيرة وسلاطين غلب بينهم التنافس والتشاكس.

 

غير أن أحمد بامبا لم يجد منه متاع الدنيا وزخرفها منذ فتوته إلا زهدا فيه وبعدا عنه، وحين توفي والده رأى المقربون من الأمير أن يقترحوه مستشارا في منصب أبيه، فما أجابهم إلا منشدا:

 

شيخا الطريقة المريدية والتيجانية وتتسم العلاقة بين الطرق الصوفية في غرب أفريقيا بالتفاهم والود (الجزيرة)

قالوا لي اركن لأبواب السلاطين - تحز جوائز تغني كلما حين

فقلت حسبي ربي اكتفيت به - ولست راضيا غير العلم والدين

ولست أرجو ولا أخشى سوى ملكي - لأنه جل يغنيني وينجيني

أنى أفوض أحوالي لمن عجزوا - عن حال أنفسهم عجز المساكين


إلى أن قال:

يا من يلوم فلا تكثر ودع عذلي - إذ لست من فقدتي الدنيا بمحزون

إن كان عيبي زهدا في حطامهم - فذاك عيب نفيس ليس يخزين

 

ومن حينها أسخط عليه وجهاء القوم وأمراءهم، لكنه استمر يعلم الناس في حلقة أبيه، وكان أوكل إليه تدريس علوم جاوز في إتقانها جل المعلمين، فأمال إليه طلاب العلم والقرآن، كما أمال عليه طلاب الدنيا ووعاظ السلطان، إذ راحوا يحرضون ضده الأمراء بأنه يوشك أن يصير أميرا ينازعهم ملكهم.


فقرر الشيخ بامبا الرحيل، وخير طلبته بين الانصراف عنه أو مرافقته حيث ارتحل، وأخذ العلم عنه بالتربية والممارسة، لا فقط بالحفظ والمدارسة، ثم سار بخيرتهم شرقا نحو مئة ميل، وبنى بيتا كبيرا أسماه "دار السلام" وبعدها بعام اختار مكانا قريبا منه، وأسس فيه مدينة طوبى سنة 1887.

 

وفي هذه النازلة يحكي د. مصطفى بوسو الباحث في تراث بامبا، أن الشيخ لم يكن راضيا عن أسلوب التعليم بالحفظ والتلقين، كما جرت العادة ذلك الحين، لأنه يعطي عقولا عالمة لا قلوبا تقية، وأن التقوى والورع يكتسبان بالتربية على مجاهدة النفس ومكابدتها، لا بقراءة المتون وحفظها، وحيث تعذر عليه تغيير منهج التعليم في مدرسة أبيه، انتقل من إمارة كيور وأسس مدرسته الخاصة، وكان ذلك إعلانا عن انفصاله عن الطريقة القادرية.

 

مسجد دار السلام أول مسجد بناه الشيخ بامبا (الجزيرة)

مطلب الفوزين

وفي طوبى، ألف الشيخ بامبا كتاب "مطلب الفوزين" وبين فيه لمريديه أن التدين ليس بالانصراف عن الدنيا إلى التعبد في الزوايا، وليس بالتعويل في الرزق على الصدقات والعطايا، وأن ما سار عليه طلبة العلم من الدروشة والمسكنة ليس أبدا من المزايا، وإنما المسلم مطالب بالفوز في الآخرة بالمداومة على الفرائض والطاعات، والفوز في الدنيا بالعمل في الزراعة والتجارة والصناعات.

 

وهكذا دفع الشيخ بامبا مريديه للزراعة والتجارة والعمل في مختلف الحرف كالحدادة والنجارة، فكان أقربهم إليه أنشطهم الذي أحيا أرضا أكبر، وأمهرهم الذي صنع أدوات أكثر، فذاع صيت طوبى بين العباد، وصارت مركزا علميا واقتصاديا جذب الطلبة والتجار من كل البلاد.

 

لكن المستعمر الفرنسي الذي كاد يستتب له الأمر، أقلقه ما صار للشيخ بامبا من قوة وأتباع، وخشي أن يثور ضده كما فعل غيره من شيوخ الطرق الصوفية، وفي هذا يقول د. بوسو إن الشيخ اتهم بإعداده الجهاد ضد الفرنسيين، لكن الشيخ كان قد رأى أنه لا سبيل للنصر دون بناء الذات وتحصيل الممكن من القوة، سواء الروحية والتربوية منها أو المادية، وكان هذا هدفه من تأسيس طوبى.

 

ويتابع أن أحد أسباب توجس الفرنسيين منه أن كثيرا من أتباع المجاهد لات ديور الذي قاد المقاومة ضد الفرنسيين لربع قرن من الزمن التحقوا بالشيخ بامبا في طوبى بعد وفاة قائدهم، كما أن زعماء قبائل وإمارات كثيرة أسلموا على يديه واتبعوا طريقته. ثم زاد شكهم في أمره حين رفض تلبية استدعائهم له أكثر من مرة. وفي النهاية سجن في دكار ثم نفي إلى الغابون.

 

ضريح الشيخ بامبا في مدينة طوبى (الجزيرة)

الغيبة البحرية

وفي سنة 1895، نفي الشيخ بامبا إلى إحدى جزر الغابون، ومكث فيها سبع سنوات وبضعة أشهر، أما أتباعه فيسمون نفيه "الغيبة البحرية" ويقولون إنها دامت سبع سنوات وسبعة شهور وسبعة أيام، وإنه ذهب بموافقته وليس مرغما.



وأما الكرامات التي يحكى أنها حصلت له في منفاه فلا تعد ولا تحصى، فمن قائل إن الله عجل بعقاب من آذوه في الدنيا قبل الآخرة، فمنهم من مات مقتولا ومنهم من مات مسحورا، ومن قائل إن أسدا أدخله عليه الفرنسيون إلى الزنزانة فلم يمسسه بسوء، أو أن أهل بدر دافعوا عنه حين الخطر، أو أنه سار على الماء، ومنهم من ذهب أبعد فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم والملائكة وجبريل عليهم السلام كانوا يزورونه ويبلغونه الأوراد يقظة لا مناما.

 

وفي هذا يقول د. بوسو إنه معروف أن الجماعات المستضعفة تلجأ إلى المبالغات في سرد الكرامات ونسبة القوى الخارقة للشيخ أو الزعيم، وهم في ذلك يلبون حاجة نفسية جماعية، فيسلون أنفسهم ويعزونها بتلك الأخبار، ويمدون بعضهم البعض بأسباب الصبر والثبات.

 

وبعد سبع سنين عاد الشيخ من منفاه، بعدما ترك آلاف الأتباع الجدد في الغابون، لكنه لم يمض سنة في طوبى حتى حلت به كتيبة عسكرية دمرت الأكواخ والبيوت، وفتشت عن أسلحة ومدافع قيل إن الشيخ وأتباعه يخفونها قصد مهاجمة الفرنسيين، ولم يجدوا منها شيئا، ولكن الشيخ نفي مرة أخرى إلى موريتانيا سنة 1903 ومكث هناك أربع سنوات، ثم أعيد مرة أخرى لكن هذه المرة حكم عليه بالإقامة الجبرية بعيدا عن مدينته طوبى، فلازم إقامته عشرين سنة إلى أن توفي رحمة الله عليه سنة 1927.

 

توفي الشيخ بامبا لكن بقي ذكره طيبا لدى ملايين الأتباع في غرب أفريقيا، ولم تنسب طريقته له، وإنما نسبت إلى المريدين الذين بنوا مدينة طوبى، فسميت "المريدية" وتميزت بالانفتاح على باقي الطرق الصوفية في المنطقة، فلم يحل الشيخ بامبا دون قراءة أتباعه أوراد الطرق الأخرى، إذ قال:

 

وكل ورد يورد المريد - لحضرة الله المجيد

سواء انتمى إلى الجيلاني - أو انتمى لأحمد التيجاني

أو لسواهما من الأقطاب - إذ كلهم قطعا على صواب

 

فكانت حركته من أسباب وحدة صف المسلمين في السنغال وغرب أفريقيا، كما ساهمت في تنشيط اقتصاد المنطقة وبعث روح العمل والاجتهاد في نفوس المسلمين.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/13-

الشيخ عمر طال.. تاريخ غني بالكرامات وجهاد الاستعمار

الشيخ عمر طال.. تاريخ غني بالكرامات وجهاد الاستعمار

 

تقول الحكاية الشعبية إنه في أحد أيام سنة 1796، وفي غرة رمضان، جاء السيدة آدمة المخاض، وكانت حاملا في شهرها الثامن، فلما وضعت كان الرضيع نظيفا من سوائل المشيمة وآثار الحمل، فعجبت أمه.

 

لكن الرضيع رفض ثديها، فقلقت عليه، وأحضرت له مرضعة، فرفضها كذلك، ثم ثانية وثالثة، لكن الرضيع أباهن كلهن. وحين عاد والد الرضيع إلى البيت قبيل المغرب، سارعت الأم منفطرة القلب تطلب منه أن يلتمس لابنه طبيبا، وبينما كانت تحمله بين يديها أذن المغرب، فإذا بالرضيع يمد يده إلى صدر أمه، فلما ألقمته ثديها رضع هذه المرة، فسرت الأم وشكرت الله.

 

نموذج يبين زي وسلاح المجاهدين في مختلف المناطق في السنغال (الجزيرة)

لكن في الصباح التالي رفض الرضيع الرضاعة مرة أخرى. ثم اكتشف أهل البيت أن وليدهم ليس مريضا، بل يصوم رمضان، وقد أكمل صيام الشهر كله، بل ولم يفطر في رمضان منذ ذلك اليوم، حتى صار الناس يعرفون به رمضان والعيد. أما حين بلغ ثلاث سنين فقد صار يتلو كل يوم ألف مرة سورة الإخلاص.

 

كانت هذه بعض كرامات الفتى عمر، وحين كبر، حفر ذكره في التاريخ بعيدا عن أخبار الكرامات، فقد صار الشيخ عمر بن سعيد طال الفوتي أحد كبار المجاهدين في تاريخ المسلمين، وأشهرهم على الإطلاق في غرب أفريقيا.

 

كان والد الشيخ عمر طال، سعيد بن عثمان، عالما زاهدا متوكلا، يرجع نسبه إلى الصحابي الجليل عقبة بن عامر، وكان شيخا للطريقة القادرية، أما ابنه الشيخ عمر، فقد صار خليفة الطريقة التيجانية في بلاد السودان، واليوم لم يمكن للمرء أن يزور إحدى دول غرب أفريقيا، من نيجيريا شرقا إلى غينيا والسنغال غربا، دون أن يرى اسمه Omar Tall، مكتوبا في كل مكان.

 

وفي منطقة تعرف طرقا صوفية كثيرة، يعد أتباع الطريقة التيجانية الشيخ عمر طال منبع فخر لهم ودليلا يقدمونه للآخرين على نصاعة سيرة طريقتهم في الجهاد والمقاومة، وأحيانا يظهر بعض مريدي التيجانية على رفاقهم من طرق أخرى قائلين إن هذا جهادنا .. فأرونا مجاهديكم!

 

حفظ الشيخ عمر القرآن في الثامنة، ثم ضبط التجويد والعلوم الشرعية والعروض والحساب، فلما بلغ 32 سنة قرر الحج إلى بيت الله الحرام، وهناك التقى بالشيخ محمد الغالي، وكان من خليفة الطريقة التيجانية في الحجاز، فأهداه كتاب "جواهر المعاني"، الذي دخله شخصا ثم خرج منه شخصا آخر.

 

قرر عمر طال أن يصير تيجانيا، فاتخذ محمد الغالي شيخا ومربيا، ومكث معه في المدينة المنورة ثلاث سنين، ويحكى أن الشيخ أحمد التيجاني قد تجلى لهما بما يفيد أن مهمة محمد الغالي في تبليغ رسالة أحمد التيجاني قد تمت، ثم عين الشيخ عمر خليفه له في بلاد السودان.

 

المسجد الذي بناه الشيخ عمر طال من الخشب (الجزيرة)

وقبل عودته إلى بلاده، مر ببيت المقدس ومصر وناظر علماءهما فأبهرهم على صغر سنه، إذ لم يكن جاوز 35 سنة، وفي طريقه توقف في إمارة سوكوتو شمال نيجيريا، ومكث ثماني سنوات يعلم الناس ويدعوهم إلى الإسلام، ثم انتقل غربا وتوقف في إمارة ماسينا وسط مالي، ثم غادرها نحو بلاده فوتو شرق السنغال، بعدما ترك خلفه آلاف الأتباع، وفي بلاده وجد إقبالا أكبر.

 

وعن أسباب هذا الإقبال حدثني الدكتور باصيرو محمد أستاذ التاريخ بجامعة كوناكري، قائلا "قبل الطريقة التيجانية، كانت الطريقة التي يعرفها الناس هي القادرية، غير أن هذه الأخيرة وصلت للمسلمين في غرب أفريقيا عن طريق العرب أو "البيض"، أما الشيخ عمر طال فقد كان أفريقيا، وقد أخذ خلافة الطريقة، وهي ثاني مرتبة في هرمها، بشكل يكاد يكون مباشرا من مؤسس الطريقة نفسه، الذي يقال إنه أيضا أخذها مباشرة من النبي، فكان مفهوما أن ينضم إليه المسلمون".

 

أسس الشيخ عمر وأتباعه مجتمعا صغيرا على حدود إمارة دونغراوي الوثنية، لكن مجتمعه الصغير ما لبث أن كبر حتى أثار حفيظة حاكم الإمارة، وعن هذا يقول الدكتور باصيرو "كان جل الذين اتبعوا الشيخ عمر من المسلمين حديثا، وقد تركوا قبائلهم الوثنية، فرأى أمير تلك المنطقة في تحولهم إلى الإسلام خيانة له وتهديدا وجوديا في المدى البعيد، فقرر أن يقضي على الخطر قبل أن ينتشر".

 

وبالفعل، هجم جيش الأمير ييمبا ساك على تجمع الشيخ عمر طال، وقتل حينها عشرات المسلمين، لكن رجال الطريقة استطاعوا رد الهجوم، ثم قرر الشيخ عمر أن يذهب إلى أعدائه قبل أن يأتوا إليه، فشكل جيشا قويا من أتباعه المتحمسين، وخلال 12 سنة استطاع بسط نفوذه على رقعة واسعة ضمت جل الإمارات الوثنية في المنطقة الواقعة بين الحدود السنغالية والمالية حاليا، وسميت دولة "توكولور"، وقد كانت أول دولة يؤسسها أتباع الطريقة التيجانية، وحصل هذا أواسط القرن التاسع عشر.

 

الزعماء الذين قادوا الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي (الجزيرة)

وغير بعيد من دولة الشيخ عمر طال، كان الفرنسيون يراقبون تحركاته، وكانوا يتلمسون خطواتهم داخل غرب أفريقيا، وقد اتخذوا من السنغال بوابتهم للسيطرة على المنطقة، وقد جاء في تقرير مؤرخ في فبراير 1856، كتبه القائد العسكري الفرنسي لويس فيديرب "إن حماس أتباعه مثير للدهشة، فهم يندفعون نحو الرماح والنيران دون خوف كأنهم يسعون للموت"، ثم أضاف "إن عمر طال يجيش الناس للثورة علينا".

 

وكانت معلومات الفرنسيين صحيحة، لكن متأخرة، وعن ذلك يحكي الدكتور باصيرو "حين كان الشيخ عمر يقاتل الإمارات الوثنية، كانت أعينه في الحقيقة مصوبة نحو الفرنسيين عند الساحل، وما أن استتبت له الأمور، حتى هاجم الفرنسيين سنة 1856 في منطقة كارت وسيطر عليها، فعرض عليه الفرنسيون اتفاقية سلام تقوم على الاعتراف بنفوذه في المناطق التي سيطر عليها، على أن يوقف حربه عليهم، لكن عمر طال علم أنها لن تكون سوى مراوغة مؤقتة في أفق سحقه، فرفض عرضهم".

 

وبعد أشهر قليلة هاجم عمر طال منطقة سابو سير، وسيطر عليها، ثم اتجه بـ15 ألف مجاهد، نحو واحدة من الحاميات الفرنسية الاستراتيجية في منطقة خاسو عند نهر السنغال، وحاصرها، فأرسل الفرنسيون المدد على سفينة حربية، لكن الشيخ طال استبقها بجماعة من جنوده نصبوا لها كمينا فأعطبت وحوصر من فيها حتى ماتوا داخلها.

 

وفي فترة قصيرة، كان الشيخ عمر قد هاجم الفرنسيين في مناطق مختلفة، وتسبب لهم بخسائر بشرية ومادية فادحة، لكنه أمام التفاوت الكبير في موازين القوى، اعتمد في جهادهم ما يشبه حرب العصابات، فصار جنوده ينصبون الكمائن للسفن الفرنسية على طول نهر السنغال، فعطل الحركة التجارية للاستعمار الفرنسي.

 

سجن جزيرة غوري، التي اتخذتها فرنسا قاعدة لاستعمار غرب أفريقيا (الجزيرة)

ثم أرسل للإمارات الإسلامية في مالي ومناطق أخرى طالبا منهم المدد والدعم، وفي هذا يقول الدكتور باصيرو "لقد أدرك الشيخ طال أنه أضعف من أن يصد وحده الاستعمار الفرنسي، فراسل إمارة ماسينا، وغيرها، موضحا لهم خطر الفرنسيين وضرورة صدهم في السنغال قبل أن يصلوا إلى قلب بلاد المسلمين، ولكن تلك الإمارات لم تدرك الخطر، أو رأت في حركة الشيخ عمر خطرا عليها فرفضت دعمه".

 

وقد رأى الشيخ عمر في رفضها دعمه خيانة للإسلام الذي يوجب على جميع المسلمين صد المستعمر الفرنسي، وبعدما تجاهل رسائل لخليفة الطريقة في الجزائر تحضه على ترك مواجهة فرنسا، قرر الشيخ عمر أن يتراجع للخلف ليحصن ظهره، قبل أن يعود لمحاربة الفرنسيين، فاتجه شرقا باسطا نفوذه على إمارات وثنية جنوب مالي، وأخرى إسلامية شمالها، فتحالفت جميعها عليه، لكنه تغلب عليها، فاتسعت دولته لتشمل مناطق من كل من غينيا والسنغال ومالي إلى تمبكتو.

 

ومرض الشيخ عمر طال من أثر المعارك فمكث في ماسينا، ثم اغتيل سنة 1864، لكن بعد أن أرسل ابنه أحمد على رأس جيش أكبر لاستئناف صد الفرنسيين في معارك بطولية ملحمية.

 

توفي الشيخ عمر طال بعدما قاد أكثر من ثمانين معركة، أما الجيش الذي أسسه فقد استمر في جهاده الفرنسيين بين كر وفر إلى نهاية القرن التاسع عشر، فجمع بين منازلة جيوش الفرنسيين وكراماته التي حيرت العقول.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/13-

طوبى.. حج الفقراء إلى ضريح بامبا

طوبى.. حج الفقراء إلى ضريح بامبا

 

يقيم في عاصمة السنغال دكار نصف السنغاليين، أي قرابة ستة ملايين نسمة، وهذا ما جعلها إحدى أكثر عواصم غرب أفريقيا ازدحاما، خصوصا أنها شبه جزيرة يحيط بها المحيط من جل جوانبها، وهذا بالضبط ما جعلني أستغرب حين خرجت فوجدت الشوارع فارغة والمحلات مغلقة، ولم يكن اليوم أحدا، ولا عيد استقلال، ثم زاد استغرابي حين أخبرني صديق بأن اليوم ذكرى نفي الشيخ بامبا إلى الغابون، وأن دكار بزحامها قد انتقلت إلى طوبى.

 

وبالفعل فقد ذكرت التقديرات لاحقا أن عدد الذين حجوا إلى طوبى في ذلك اليوم (1 سبتمبر/أيلول 2015) قد وصل إلى خمسة ملايين زائر جلهم من العاصمة، وبعضهم جاء من مدن ودول بعيدة.

 

وعلى بعد عشرات الكيلومترات من طوبى، بدا كأن نهاية العالم أقرب من نهاية الزحام في الطريق. مئات السيارات والحافلات والشاحنات تسير ببطء شديد، تحمل آلاف المريدين المحشورين داخلها صامدين صابرين، وعزاؤهم أنهم في النهاية سيزورون ضريح الشيخ، وربما سيحالفهم الحظ بالحصول على مصافحة مباركة من يد خليفته وربما دعاء منه مستجاب تقضى به حوائجهم.

 

أهلا وسهلا بكم في طوبى المحروسة (الجزيرة )

وكانت بعض الشاحنات تحمل قطعانا من الأبقار والأغنام، لكن معظم الزوار يتخففون من الأحمال، فيحضرون معهم ما تيسر من مبالغ، ويسمونها "هدية" كما تنطق باللغة العربية، وشيوخ الطريقة لا يشترطون للهدية مبلغا محددا، لكن "ما نقص مال من صدقة"، و"يضاعف الله لمن يشاء" وفي هذا يسع المرء تأليف مجلدات من قصص أولئك المريدين الذين بدؤوا من الصفر، ثم صاروا أثرياء بفضل التصدق لطوبى.

   

السيارات لا تدخل المدينة، وإنما تتوقف خارجها، ويترجل الراكبون ليكملوا الطريق إلى المسجد الكبير على الأقدام. ويبدو الجميع في أحسن حللهم، وجلهم يرتدون ملابس تقليدية ويمسكون في أيديهم سبحهم، لكن قلة منهم يرتدون ملابس غريبة ويعلقون في رقابهم سبحات هائلة الأحجام، وحول أحزمتهم وأذرعهم يعلقون تمائم وصور الشيخ، وقد أخبرنا صديق أنهم "المجاذيب" مضيفا أنهم "غريبو الأطوار، ويأتون بأفعال يعجز عنها الناس الطبيعيين، فبعضهم يصعد شجرة ويسقط منها نفسه فيقع رأسه على الأرض دون أن يتأذى، وآخر يشرب الماء الشديد الحرارة، ومنهم من يأكل الزجاج، وكثير من الناس يعتقدون أنها قدرات تثبت بركة الشيخ وما ينسب له من كرامات وعجائب".

 

يظهر المسجد مهيبا للزائر قبل أن يصل المدينة، ويقال إنه أكبر مسجد في غرب أفريقيا، وإن صومعته هي أعلى صوامع مساجد أفريقيا جنوب الصحراء، وقد بني قبيل وفاة الشيخ بامبا بفترة قصيرة، لكنه وسع وحسن أكثر من مرة، وغطي كله بالرخام. ولم يكن ضريح الشيخ فيه أول ما توفي، وإنما نقل إليه رفات الشيخ من حيث دفن في مقر إقامته الجبرية، بعدما سمحت السلطات الفرنسية بذلك.

 

طوبى في مشهد ليلي (الجزيرة)

على مقربة من ساحة المسجد، عشرات مكبرات الصوت تنشد أورادا وقصائد الشيخ بامبا، ومئات الشباب يوجهون الجموع لينتظموا في صفوف حلزونية ستصل بهم في نهايتها إلى الضريح، لكن بعد أن يقطعوا وهم في باحة المسجد، مسافة قريبة من تلك التي قطعوها من مدخل المدينة.

 

يدخل الزوار من باب ويخرجون بعد أن يسلموا على الشيخ ويتبركوا بضريحه ومنهم من يسأله الدعاء لتيسير قضاء حاجة ما، كزواج أو منحة دراسية أو تجارة أو غير ذلك، ثم يسلمون على خليفته، ثم يسلمون الهدية لأمين الصندوق، وهو أحد حفدة الشيخ، ثم يغادرون مبتهجين وقد قضوا ما يكاد يكون لديهم فرضا لا يعذر المسلم بتركه.

 

سألت أحد الزوار عن المبلغ الذي أهداه إلى المسجد، فكان قرابة عشرين دولارا، ومعظم الزوار يقدمون ما بين عشرة إلى عشرين دولارا، لكن الأغنياء منهم والتجار وأولئك الذين ينسبون الفضل في نجاحهم إلى بركة الشيخ منهم من يقدم سنويا عشرين ألف دولار، أما المليونيرات فمنهم من يقدمون سنويا مئة ألف دولار، ومنهم من يتبرع بالسيارات ومختلف التجهيزات للمسجد وللمدينة، وبعملية حسابية بسيطة سنجد أن مجموع الهدايا التي دخلت صندوق الضريح في هذا اليوم تتجاوز مئة مليون دولار، وهو رقم خرافي بالنسبة إلى اقتصاد السنغال، إذ يشكل حوالي 0.7% من الناتج الإجمالي الخام للبلاد.

 

داخل مسجد طوبى المميز بزخارفه  (الجزيرة)

فجأة، توقفت حركة الصف اللانهائي، ثم قيل أن مسؤولا كبيرا جاء للزيارة، ولعله وزير أو نائب الرئيس، ولم آخذ الخبر على محمل الجد، وتأكد لاحقا أن الزائر لم يكن نائب الرئيس، وإنما الرئيس نفسه. ينزل بطائرة عمودية في مطار صغير قرب المسجد، ويصل على وجه السرعة بسيارة خاصة، فيدخل من الباب المخصص لكبار المسؤولين، يسلم على ضريح الشيخ، ثم يسلم على خليفته، ويترك هو الآخر هدية، تكون عادة حقيبة سوداء. ثم يغادر مطمئنا على ملايين الأصوات. هكذا تتم الأمور منذ سنوات.

 

وبينما يغادر جزء من الزوار، يفضل جزء آخر البقاء ليلة أو بضع ليال، وفي هذه الحالة يبيت الزوار بالمسجد في ضيافة الطريقة، ويمكنكم البقاء شهرا دون أن يمنعهم أحد. فالمسجد مسجدهم، والطريقة طريقتهم، والمدينة كلها مدينتهم.

 

لكن لطوبى قوانينها الخاصة، فعلى خلاف بقية المدن، الخمر والقمار واللباس غير المحتشم والعلاقات غير الشرعية وأشياء أخرى، كلها ممنوعة، وقد نجحت الطريقة في استصدار قوانين خاصة بمدينة طوبى قبل قرابة ثلاثة عقود، وفي سنة 2013 قررت الحكومة الجديدة أن تجعل ذكرى نفي الشيخ بامبا عطلة رسمية.

 

يخضع مسجد طوبى دوريا للترميم والتطوير (الجزيرة)

وحين سألت مقدم الطريقة في دكار الشيخ شعيب كايبي عن الهدف من هذا التجمع المهيب، قال "لقد أمرنا الله عز وجل بالحج لكي يجتمع المسلمون من كل الشعوب والألوان والألسن، ويشعروا بوحدة أمتهم وعظمتها، ولكن في العهود الماضية، لم يكن يستطيع كل الناس الحج إلى المسجد الحرام، خصوصا في فترة الاستعمار، فجلهم كان فقيرا، وكان من قلة الذين تيسر لهم الحج أن الناس يعظمونهم ويلقبونهم "الحاج". وبعد وفاة ولي الله خادم الرسول بسنين، ارتأى خليفته أن يجعل من ذكرى نفيه مناسبة يجتمع فيها المسلمون في مكان واحد، فتتحقق مقاصد شرعية بإظهار قوتهم أمام الأعداء واستشعارهم عظمتهم ووحدتهم".

 

وفي طوبى أيضا فرصة للقاءات التجارية، فليس أفضل من أن تتعامل مع مريد مخلص من نفس طريقتك، وأي صفقة أكثر بركة من صفقة تعقد في طوبى؟

 

غالبنا التعب فالتفتنا عصرا مغادرين، ولم تلبث الشمس -من بطء حركتنا في الزحام- أن غادرت قبلنا وأخذت زرقة الغسق تخيم على كل شيء في السماء، والنجوم الثاقبة تلوح في الآفاق بعيدة فوق خمائل واراها الظلام. أما على الأرض، فلم يبد أن طوبى بأنوارها ومكبرات صوتها الصاخبة تنوي.. أو ينوي أحد من زوارها النوم هذه الليلة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/13-

الطريقة المريدية.. تصوف ونماء

الطريقة المريدية.. تصوف ونماء

 

حافلات "إلى طوبى"، مطبعة "خادم الرسول"، "قهوة طوبى"، "ماء الرحمة"، عقارات "دار السلام"... كثيرة هي المنتجات والشركات التي تحمل أسماء تجارية مرتبطة بشخصيات وأماكن ومناسبات مقدسة لدى الطريقة المريدية في السنغال وما جاورها، وقد اعتقدت طويلا أنها أسماء تسويقية أو على سبيل التبرك وحسب، ثم اكتشفت أنها شركات تعود للطريقة المريدية بالفعل، وأنها تشكل إحدى أكبر المجموعات الاقتصادية المحلية في غرب أفريقيا، وتنشط في مجالات الزراعة والصناعات الغذائية والنسيج والطباعة والعقار والنقل والبنوك وغيرها.

 

صورة تاريخية لإحدى تعاونيات زراعة الفول السوداني التابعة للطريقة المريدية (الجزيرة)

من الزاوية إلى التعاونية

بدأت القصة في الربع الأخير من القرن 19، وكانت فترة مني فيها المسلمون في المنطقة بهزائم عديدة على يد الفرنسيين، فقد كانت موازين القوى متفاوتة جدا، وكانت قبائل المنطقة مشتتة، فلا تكاد تجمع على كلمة حتى تختلف على أخرى، وفي هذا السياق قرر ابن شيخ الطريقة القادرية ومستشار أمير مملكة كيور، أن يؤسس مدينة جديدة ويجعلها نواة مجتمع مسلم نموذجي، وكان اسمه أحمد بامبا، وقد سمى مدينته الفاضلة "طوبى"، وطريقته "المريدية".

 

لم تختلف الطريقة المريدية عن باقي الطرق الصوفية كثيرا، فقد أذن الشيخ لمريديه أن يتعبدوا بأوراد التيجانية والشاذلية والقادرية، لكن الفرق الجوهري كان في مزاوجته بين العبادة والعمل.

 

وفي هذا يقول الدكتور مصطفى بوسو الباحث في تراث الشيخ بامبا "لقد رأى الشيخ أن ما يحتاجه المجتمع المسلم في تلك المرحلة، هو التخلص من التبعية الاقتصادية للمستعمر الفرنسي، وتطوير قدرات المسلمين الإنتاجية، وتحصيل القوة الاقتصادية الضرورية لمواجهة الاستعمار الفرنسي وحملته التنصيرية التي تستغل فقر المسلمين وتخلفهم".

 

ولم تكن ثقافة العمل قوية مثلما هي اليوم، وعن ذلك يقول بوسو "لقد مضت قرون اعتاد فيها الناس حياة بسيطة، وعيشا سهلا، وكانت فكرة الدولة جديدة نسبيا، ولم تكن الملكية الشخصية تعني أكثر من كوخ وآنية لطهي الطعام وفراش للنوم وملابس بسيطة من جلود الحيوان، لهذه الأسباب لم تكن لدى الناس دوافع قوية للعمل على ضمان "المستقبل"، فمستقبلهم مضمون، ويكفي الخروج للغابة للصيد والتقاط بعض الفواكه".

 

وكانت عادة المريدين أن يعتكفوا في الزوايا لطلب العلم والتعبد، لكن الشيخ بامبا قصر الاعتكاف على مجموعة من النجباء فقط، ووجه بقية مريديه للقيام بأعمال في نظام أشبه بالتعاونيات، قائلا لهم "اليد العليا خير من اليد السفلى"، وكانت البداية مع زراعة الفول السوداني الذي كان الطلب عليه كبيرا من المصانع الفرنسية، والذي وفر للطريقة موارد مالية مكنتها من بناء مسجد طوبى الكبير، كما أتاحت لها تقديم خدمات اجتماعية لليتامى والأرامل وتمكين الفقراء من أسباب طلب الرزق من خلال قروض حسنة غير مستعجلة السداد.

 

من أحواض الملح التابعة لإحدى شركات الطريقة المريدية في دلتا سالوم (الجزيرة)

مريد برتبة رجل أعمال

ومع مرور السنين، تنوعت مجالات عمل المريدين واتسعت رقعة نشاطهم، كما تطورت خبراتهم وكبرت ثرواتهم، وقد دأب المريدون على أن يتصدقوا بما جادت به أنفسهم للطريقة، فتقوم الطريقة ببناء المساجد وتجهيز المدينة الفاضلة بما تحتاجه من مرافق، كما يعاد استثمار الأموال في مشاريع جديدة.

 

وقد كلف الشيخ بامبا أحد مريديه الحذقين بإدارة أعمال الطريقة، وكان اسمه آنتا مباكي وقد وصفه تقرير للحاكم العسكري الفرنسي قائلا "إنه مثل رجل أعمال، وليس مثل الشيخ أحمادو بامبا، إنه رجل يسافر كثيرا، يذهب ويجيء، ولديه بيوت في كل مكان، ولديه علاقات مع الجميع".

 

وخلال فترة الاستعمار، دشنت الطريقة المريدية مشروع بناء مسجد طوبى الكبير، الذي يعد أحد أكبر المساجد في أفريقيا، كما دشنت أكبر مشاريعها بربط مدينة طوبى بسكة الحديد. وحين نالت السنغال استقلالها، كانت الطريقة المريدية تضم مجموعة كبيرة من رجال الأعمال الذين شكلوا إلى جانب غيرهم النخبة الاقتصادية للبلاد.

 

وأخبرني الشيخ شعيب كايبي، وهو مقدم للطريقة في دكار قائلا "في الستينيات، كان أمادو مباكي، يملك مشروعا زراعيا للأرز، ونسبة من شركة ملح سينسالوم، وكان يدير شركة سيجيني للاستيراد والتصدير. أما باسيرو مباكي فكان يملك شركة فيولمار للبناء، ومودو بوسو كان يملك شركة لتصدير اللبان العربي، ومحمد مرتضى يملك مزرعة للدخن (يعد مادة غذائية أساسية في غرب القارة)".

 

وحين سألته عن الحجم الاقتصادي لهذه المشاريع، قال "كمثال في الستينيات كان الحاج أبابكر كيبي يملك شركة سيم كيبي للعقار التي تدر أرباحا تقدر بمليون دولار سنويا، وكذلك شركة لاستيراد النسيج برقم معاملات مشابه، وشركة كيبي وإخوانه لتصدير واستيراد المواد الغذائية ومواد البناء برقم معاملات يصل إلى مليوني دولار، وكان يملك أيضا سلسلة فنادق ومجموعة عقارية للفيلات ونسبة من البنك السنغالي الكويتي ومصحة حديثة، وفي سنة 1979 تبرع لمسجد طوبى بمناسبة إحياء ذكرى نفي الشيخ بامبا بمبلغ 160 ألف دولار، وقد كان من المريدين المقربين لشيخ الطريقة".

 

كما كان من مريدي الطريقة الكبار من احتلوا مناصب مهمة، كالحاج عمر سورانغ الذي كان رئيسا لغرفة التجارة، ورئيس جمعية رجال أعمال السنغال، والأمين العام لغرفة التجارة الإسلامية العالمية، وقد كان نشاطه في مجال النقل. وأسماء كثيرة غير هذه منها بعض أبناء وأحفاد الشيخ بامبا.

 

تعتبر هدايا المريدين لمسجد طوبى إحدى الموارد المادية المهمة للطريقة (الجزيرة)

دولة مصغرة

وحين سألت المقدم شعيب كايبي عن رأي الإسلام في اغتناء عائلة الشيخ والمقربين منهم من أموال المريدين، أجابني "إذا نظرنا إلى الطريقة على أنها مؤسسة خدمت المجتمع على كل المستويات، في الوقت الذي لم تكن فيه مؤسسات الدولة موجودة، فإنه من الطبيعي أن يكون للقائمين على الطريقة أجر لقاء ما قدموه ويقدمونه".

 

ثم أضاف "لقد لعبت الطريقة دور صندوق استثماري فأدارت أموال المسلمين، ووزارة التعليم فعلمت أبناءهم، ووزارة الشباب فدربتهم على المهن، ووزارة الشغل فأوجدت لهم الوظائف، ووزارة الشؤون الاجتماعية فكفلت اليتامى والأرامل والعجزة، فكانت أشبه بدولة مصغرة".

 

ولم تكن المريدية في السنغال الطريقة الوحيدة التي حضت على العمل والإنتاج، ففي شرق أفريقيا في بدايات القرن 16، أسس الشيخ حسن جبرو وكان شيخا للطريقة القادرية مركزا عند بلدة برديوة على ضفاف نهر جوبا، فكانت أول مركز استيطان لجماعة صوفية بغرض زراعة الأرض واستخراج خيراتها.

 

غير أن المريدية كانت نموذجا من بين نماذج قليلة استطاعت أن تجدد فهمها للتصوف، ليصير مرادفا للعمل والكسب، ونجحت في تأسيس مدينة من الصفر وجعلها مركزا اقتصاديا وثقافيا كبيرا، بعدما استطاعت أن تفلت من خناق الاستعمار، وأن تتجاوز سني الجفاف التي ضربت الزراعة في السبعينات. لكنها لم تتجاوز بعد المبالغة في إضفاء هالات القداسة على شيخ الطريقة حتى حين يتعلق الأمر بالتجارة، فـ"قهوة طوبى" نسخة أصيلة من تلك التي قدمها الشيخ لمريديه، بعدما أعطاه النبي (صلى الله عليه وسلم) وصفتها، أما ماء الرحمة فهو من عين نبعت من تحت أقدام الشيخ ذات جفاف، وأما الحافلة التي على ناصيتها "إلى طوبى" فعجلاتها مباركة من كثرة الزيارة، فطوبى لراكبها وطوبى لشارب القهوة والماء.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/13-

الطريقة التيجانية.. نفوذ سياسي ينافس الملوك

الطريقة التيجانية.. نفوذ سياسي ينافس الملوك

 

في زيارة لمحطة إرسال فضائي بإحدى دول غرب أفريقيا، لاحظت وأنا في قسم البث عددا من القنوات الدينية التقليدية، وحين سألت زميلا عن مدى قدرة أصحاب تلك القنوات على دفع نفقات البث الفضائي الباهظة، أخبرني بأن تلك القنوات تبث مجانا، فبادرته مستفسرا "إذن صاحب المحطة رجل متدين؟" ليجيبني "لا .. إنه رجل سياسي".

 

فأما صاحب المحطة فكان رجل أعمال وسياسي نيجيري، وأما القنوات فكانت للطريقة التيجانية، وأما قيمة الخدمة التي تقدمها المحطة مجانا فتقارب مليون دولار سنويا، لكن المبلغ سيبدو متواضعا إن علمنا أن قرابة نصف مسلمي غرب أفريقيا تيجانيون، وأن ضمان أصوات أتباع الطريقة يعني ضمان الفوز في الانتخابات.

 

لا تملك الطريقة التيجانية في غرب أفريقيا إمبراطورية اقتصادية كطرق غيرها، ولكن مكانتها في وجدان مسلمي غرب أفريقيا وضخامة أعداد المنتسبين إليها، واتساع رقعة انتشارهم مكنها من نفوذ سياسي كبير محليا وإقليميا.

 

رئيس السنغال مكي صال في زيارة لمدينة طوبى (الجزيرة)

الخليفة النقابي

الأول: إنه لأجل تلبية حاجات الفلاحين، صدرت توجيهات لتوزيع البذور على الجميع من خلال التعاونيات.

الثاني: إنها بالتأكيد مبادرة جيدة منكم، ولكني أشك في أنها ستحقق أهدافها، وانطباعي بأن عملية توزيع البذور وظفت لأهداف أخرى.

الأول: أنا هنا لأصغي إلى ما تخبرونني بشأنه، وهاجسي الحالي هو التصحر الذي يجلب الجفاف والفقر. وخطتي أن ننشئ 13 سدا خلال الأربعين سنة المقبلة، للحد من زحف الصحراء، وإعادة الخضرة لأريافنا، وتوفير 500 ألف هكتار للمزارعين.

الثاني: أربعون سنة؟! إنها مدة كبيرة، المزارعون بحاجة لتوفير رزق أبنائهم، وهم يعولون عليكم بشكل كامل.

الأول: شكرا لكم، ولدينا علم كامل بحاجات المناطق الريفية، لذلك وضعنا مشروع قانون لإدارة المياه، ففي بلادنا كل شيء يتوقف على حسن إدارة المياه. وسيكون هنالك سدود وآبار وخزانات. ولهذا الغرض سأتوجه من الغد إلى السعودية لبحث التمويل. وقد شرعنا هذه السنة ببناء ثلاثة سدود، ولن نتوقف. وسوف أضعكم في الصورة بخصوص السياسات الموجهة للمناطق الريفية، لأحصل على آرائكم واقتراحاتكم.

 

كان هذا مقتطفا من حوار دار في القصر الجمهوري في دكار سنة 1980، أما "الأول" فكان الشاعر والفيلسوف ورئيس السنغال ليوبولد سيدار سينغور، وأما "الثاني" فلم يكن رئيس نقابة للمزارعين، كما يتوقع المرء، وكما يفترض له أن يكون، وإنما كان خليفة الطريقة المريدية عبد الأحد مباكي، الذي قابل الرئيس بعدما التقى بخليفة الطريقة التيجانية واللاهينية وتدارسوا ما يعانيه المزارعون بسبب الجفاف، ثم نقلوا للرئيس مشاكلهم مطالبين بحلول عاجلة.

 

وفي السنغال كذلك لم تتوقف إضرابات المعلمين شهورا طويلة، ولم تفلح الحكومة في إقناعهم بوقف الإضراب، لكن خليفة الطريقة التيجانية أحمد تيجان نياس خرج مطالبا المعلمين بالعودة إلى وظائفهم، ومن يومها توقف الإضراب. وفي حديث لي مع جار مسيحي في السنغال عبر لي عن سعادته بتوقف الإضرابات، قائلا "هذه السنة كانت المدارس الحكومية شبه متوقفة، فاضطررت لنقل ابني إلى مدرسة خاصة، لكن مصاريفها مكلفة، لذلك سأعيد الآن ابني للمدرسة الحكومية"، ثم أضاف جادا "لكن قبل ذلك سأذهب يوم الأحد إلى الكنيسة لأصلي لأجل الشيخ نياس!"

 

مسجد للطريقة التيجانية في دكار (وكالة الأنباء الأوروبية)

الخليفة صانع السلام

غادرت بريطانيا نيجيريا ذات الغالبية المسلمة سنة 1960، بعدما وفرت شروط التخلف والحروب الإثنية والطائفية وزرعت بذور النزعات الانفصالية، ثم انتهت أربعة عقود من حكم العسكر، وقد تفاقم الفقر والتفاوت الطبقي وتضاعفت النزعات الانفصالية، فلم تكن عشر سنوات من الديمقراطية كافية لإصلاح ما أفسده الاستعمار والعسكر بين المسلمين والمسيحيين، وفي سنة 2010 نفذت مجموعة مسلحة مسيحية هجوما في مدينة جوس الواقعة على الخط الفاصل بين الشمال الغربي ذي الغالبية المسلمة والجنوب الشرقي ذي الغالبية المسيحية، فقتلت حوالي ثلاثمئة مسلم، وارتكبت الجريمة احتجاجا على بناء مسجد في أحد الأحياء المسيحية بالمدينة، وسرعان ما جاء الرد من مجموعة مسلحة مسلمة، قتلت بدورها قرابة خمسمئة مسيحي. وبهؤلاء وصل عدد ضحايا الصراع منذ نهاية ديكتاتورية العسكر إلى قرابة 14 ألفا، بوتيرة أربعة قتلى كل يوم منذ عشر سنوات.

 

وبعد سنتين من جهود الحكومة النيجيرية لوقف العنف بين الجماعات المسلحة والمسيحية المتقاتلة، لم يزدد الوضع إلا سوءا، فقام الرئيس السابق أولوسيغون أوباسانجو برحلة عمل دبلوماسية، ليس إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وإنما إلى مدينة كاولاخ الصغيرة في السنغال، هناك حيث قابل خليفة الطريقة التيجانية الشيخ أحمد نياس، وبلغه رسالة من الرئيس يدعوه فيها إلى المساعدة في وقف الصراع الطائفي بين المسلمين والمسيحيين في نيجيريا.

 

وقيل إن الخليفة بعدما تدارس الوضع مع كبار المسؤولين النيجيريين، تدخل من خلال ممثليه ومئات المقدمين ومئات آلاف المريدين، وقرابة أربعين مليون مسلم نيجيري يتبع الطريقة التيجانية، فكان لتدخله الأثر الكبير في تخفيف حدة التوتر، ما ساعد بشكل كبير في وقف دورة العنف الطائفي.

 

الخليفة السفير

ولد الشيخ أحمد التيجاني مؤسس الطريقة التيجانية في عين ماضي بالجزائر سنة 1737، وتوفي في فاس بالمغرب سنة 1815، فشكل للبلدين تراثا صوفيا مشتركا وسببا كافيا للتآلف والتحالف، لكن الشقيقتين المتشاكستين أبتا إلا أن تجعلا منه سببا للاختلاف والتنافس.

 

في 2014، نظم المغرب مؤتمرا كبيرا بمناسبة مرور قرنين على وفاة الشيخ أحمد التيجاني، وحضر خلفاء الطريقة وشيوخها الكبار من جل البلدان، خصوصا بلدان غرب أفريقيا، وقد أكرم الضيوف، وخص كبارهم بلقاءات مع ملك المغرب. وعن خلفية هذا المؤتمر سألت السيد باكاري الدكتور في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة سان لويس بالسنغال فأجاب "لقد اعتمد المغرب منذ عهد الحسن الثاني على الطريقة التيجانية لبناء علاقات دبلوماسية قوية مع دول غرب أفريقيا، وكان الهدف هو مواجهة المعسكر الاشتراكي في القارة الذي كان يدعم انفصال الصحراء، وقد أدت الطريقة من خلال نفوذها الاجتماعي والسياسي دورا دبلوماسيا حاسما لصالح المغرب في كل دول غرب أفريقيا وصولا إلى الغابون والكونغو برازافيل، إذ كل هذه الدول كانت مواقفها دائما لصالح المغرب".

 

وفي زيارة للمسجد الكبير في أبيدجان (عاصمة ساحل العاج) ذي الطراز المغربي، سألت المؤذن عن تاريخ المسجد، فأخبرني بأنه مسجد للطريقة التيجانية وضع أساسه ومول بناءه الحسن الثاني. وفي دكار، كان المسجد الكبير أيضا على الطراز المغربي، وقد وضع أساسه الحسن الثاني، وفي كوناكري كذلك. فكان جليا أنها كانت أكثر من مساجد، وإنما سفارات وقنوات دبلوماسية إقليمية.

 

عكس أوطاننا العربية، لا يجد الزائر لدول غرب أفريقيا صور الرؤساء والملوك معلقة في كل مكان، وإنما يجد صور شيوخ الطرق الصوفية، ورغم أن ذلك يعبر عن تدين الناس وتعلقهم بزعمائهم الروحيين، فإنه ينطوي كذلك على دلالة بليغة، تفيد بأن أولئك الشيوخ ربما جاوزوا بنفوذهم الرؤساء والملوك.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/13-

تصوف جنوب أفريقيا.. نكهة إندونيسية

تصوف جنوب أفريقيا.. نكهة إندونيسية

 

وصل التصوف إلى غرب أفريقيا من الشمال القريب ضعبر الصحراء الكبرى، ووصل إلى شرقها عبر القرن الأفريقي الذي لا يفصله عن جزيرة العرب غير خليج عدن. ولكنه لكي يصل إلى جنوب القارة، كان عليه أن يبحر على ظهر سفينة دي فويتبوغ الهولندية، قاطعا عشرين ألف كلم عبر المحيط الهندي. ورغم بعد المسافة التي قطعها، فإن التصوف وصل إلى جنوب أفريقيا قبل شرقها بأكثر من قرن من الزمان.

 

في سنة 1644، توجه الأمير عبادين يوسف إلى الحج، وكان للتو بلغ 18 سنة، وكان حفيدا للسلطان علاء الدين حاكم إمارة غووا في منطقة مكسر وسط الأرخبيل الإندونيسي، وهناك قرر عبادين أن يمكث لطلب العلم والتفقه في الدين، فمكث عشرين سنة، ثم بلغه أن الهولنديين قد احتلوا بلاده، فقرر العودة للمشاركة في الجهاد لتحريرها.

 

وبعد 16 سنة قضاها عبادين يوسف في الدعوة للإسلام ولجهاد الهولنديين وحلفائهم، حتى تجمع حوله من أتباعه الخلص قرابة خمسة آلاف، ألقي القبض عليه وسجن في جاكرتا، وفي السجن سرعان ما صار له مريدون وأتباع، ثم نقل إلى سريلانكا وهناك أيضا دعا الناس فأثر في السجناء والحراس كذلك، فنقلته السلطات الاستعمارية أبعد إلى حيث لن يجد من يفهم كلامه، إلى رأس الرجاء الصالح، وفرضت عليه الإقامة الجبرية في ضاحية زاندفليت قرب كيب تاون، ومنعت عليه الدعوة إلى الإسلام وأخبر بأن عقوبة ذلك هو الإعدام.

 

ولكن الشيخ عبادين يوسف لم يحل شيء بينه وبين دعوة الناس للإسلام، ولم تمض سنتان حتى صارت زاندفليت أول تجمع إسلامي في جنوب أفريقيا، وقد أسلم على يدي الشيخ عبادين يوسف آلاف العبيد الأفارقة، الذين كانوا يتسللون ليلا إلى بيته متخفين، وقد شكلوا أول جماعة لمريدين من الطريقة الخلوتية في أفريقيا جنوب الصحراء، وكان الشيخ عبادين أحد شيوخها.

 

الاحتفال بالمولد النبوي في ضاحية مكسر قرب كيبتاون (الجزيرة)

 

وعن سر تأثيره الكبير في مجتمع مختلف اللون والثقافة واللسان، شرح الأستاذ زينال عابدين، أستاذ الفلسفة والباحث في التصوف في جامعة كيب تاون قائلا "كان الفضل في إقبال العبيد على الإسلام عائدا أولا لتعاليم الإسلام نفسه، وما يقرره من مساواة بين البشر من بيض وسود. وثانيا: لقد وجد العبيد في الإسلام السلاح الذي يردون به على الكنيسة الهولندية التي قدمت نفسها ممثلا حصريا عن الإله، والديانة التوحيدية السماوية الوحيدة، وبهذا برر الهولنديين لأنفسهم وللأفارقة الاستعمار بأنه واجب إلهي لإدخالها في الحضارة وفي "الملكوت"، فكان إسلام العبيد بمثابة الرد على المستعمر الهولندي، بما فحواه بل هناك دين سماوي آخر يقرر المساواة بين الناس ويضمن لهم الحرية. وقد كان الشيخ معالجا خبيرا بالأعشاب والرقية بالقرآن، ما زاد من شعبيته إذ صار قبلة للمرضى من العبيد الفقراء وقد اشتهر لديهم بكرامات كثيرة ما زالت تروى إلى اليوم".

 

وبالإضافة إلى كل هذه الأسباب، كان الشيخ يوسف ذا شخصية نادرة، يصعب على الناس مقاومة جذبها وتأثيرها، وقد توفي الشيخ سنة 1699، بعد خمس سنوات في كيب تاون قضاها تحت الإقامة الجبرية، ممنوعا من الدعوة تحت تهديد الإعدام، لكنها كانت لرجل من طينته مدة كافية وظروفا سانحة لتأسيس مجتمع إسلامي قوي كالبنيان المرصوص.

 

وإلى اليوم، ما زالت طريقته الخلوتية حاضرة في وجدان مسلمي جنوب أفريقيا، ولا يزال ضريحه يستقبل آلاف الزوار سنويا، أما اسم الضاحية "زاندفيلت"، فقد تحول إلى "مكسر"، التي اعتاد المسلمون تسميتها بها، فلم يحضر الشيخ إلى كيب تاون الطريقة الخلوتية فقط، وإنما أحضر معه اسم بلاده أيضا.

 

وبعد أربعة عقود وصل كيب تاون داعية صوفي آخر كان له تأثير بالغ في انتشار الإسلام، وكان اسمه الشيخ سعيد العلوي، أتى من اليمن منفيا هو الآخر، وكان أول من أدخل الطريقة العلوية إلى جنوب أفريقيا، وكان أول من أم المسلمين في صلاة علنية.

 

ضريح الشيخ يوسف المكسري الذي نشر الإسلام في وقت قصير في جنوب أفريقيا (الجزيرة)

وبعد مرور عقدين من وصول الطريقة العلوية، وصلت الطريقة السنوسية مع الرجل الذي سيعرف معه الإسلام في المنطقة نقلة نوعية، وكان الرجل هو الأمير عبد الله قاضي حاكم سلطنة تيدور في إندونيسيا، وقد نفي إلى سجن جزيرة روبين سنة 1767، وفي سجنه كتب نسخة من القرآن الكريم معتمدا على حافظته، وما زالت النسخة محفوظة في متحف بوكاب في كيب تاون، كما ألف كتابه "معرفة الإسلام والإيمان"، وأمضى في السجن 26 سنة، ثم غادره سنة 1793 إلى كيب تاون، وكان أول شيء قام به في تلك السنة هو بناء أول مدرسة إسلامية في جنوب أفريقيا.

 

أما عن الأثر الكبير لتلك المدرسة على الإسلام والتصوف في جنوب أفريقيا فيحدثنا الأستاذ زاينال عابدين قائلا "لقد كانت تلك أول مدرسة قامت في النصف الجنوبي من القارة، وكانت أول مدرسة تمكن فيها العبيد والأفارقة الأحرار من التعلم، وقد كانت مفتوحة للجميع".

 

ويضيف "رغم أن المدرسة بدأت صغيرة متواضعة، فقد كان أثرها كبيرا، خصوصا على العبيد الذين تحسنت أحوالهم كثيرا عندما بدؤوا يتعلمون، فصار لديهم تقدير ذاتي أكبر ومعرفة أكبر بحقوقهم، كما تمكنوا من الحصول على مهامّ ووظائف أفضل لدى الملاك الهولنديين، وكانت المدرسة تعلم اللغة العربية والأفريكانية، وقد ساهمت في تصحيح التصوف وتنوير المسلمين بشأن بعض الخرافات التي علقت به. كما خرجت المدرسة مجموعة من الدعاة والنخب المسلمة كان لها دور عظيم في المجتمع".

 

وبعد سنة من بناء المدرسة، تزايد بناء المساجد والمدارس الإسلامية، وتوالى الدعاة والزهاد، وبعد قرن ونصف تقريبا ظهرت الحركة الإسلامية الجنوب أفريقية ونضجت مبكرا، فأسست حركات مدنية تصدرت النضال ضد نظام الفصل العنصري، وضمت في أعضائها مسلمين ومسيحيين بيضا وسودا، ولعبت أدوارا اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية مهمة داخل المجتمع، فكان واقع المسلمين في جنوب أفريقيا رغم نسبتهم القليلة إلى السكان (قرابة 3%) أفضل من واقعهم في بلدان كثيرة.

 

ولعل جزءا من الفضل يرجع للطريقة السنوسية وجهود الأمير عبد الله قاضي، الذي صحح التصوف وقومه بالشريعة، وأكد على رفض تمييع العبادات وتحويلها لفولكلور، وكذا على إنكار المغالاة في تعظيم الشخصيات وأسطرتها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/13-

"القادرية" شرق أفريقيا.. وفاء للجيلاني المؤسس

كانت الحبشة أول بلاد دخلها الإسلام خارج جزيرة العرب، وفيها ظهرت إمارات إسلامية كان لها فضل كبير في انتشار الإسلام في أفريقيا، وكانت هرار (في شمال إثيوبيا حاليا) أكبرها وأشهرها، وفيها ولد أحمد بن إبراهيم سنة 1506، ودرس العلوم الشرعية على يد شيوخها وعلمائها، ثم سافر إلى اليمن وهناك التقى برجال الطريقة القادرية، فتأثر بهم أيما تأثر.

 

وبينما هو في اليمن تعرضت إمارة إسلامية في الصومال لهجوم قاده بطريرك حبشي، فقتل أهلها وسلب ونهب وسبى أم أميرها، وكانت إمارات إسلامية كثيرة تحت نفوذ إمبراطور الحبشة.

 

فعاد أحمد بن إبراهيم إلى هرار محاولا إقناع أميرها بالخروج عن سيادة إمبراطورية الحبشة، لكنه لم يجد آذانا صاغية، فثار عليه لكن ثورته فشلت فالتجأ إلى بلاد أبت في الصومال، وصار يدعو المسلمين للتوحد وتشكيل قوة تحميهم من مظالم الأحباش.

 

أطلال أحد المساجد في تانزانيا (الجزيرة)

وسرعان ما تم له ذلك وهو لما يجاوز الثلاثين، لكن أبا بكر -سلطان هرار- رأى أن الشيخ أحمد إبراهيم يشكل خطرا عليه فأرسل إليه جيشا يقاتله لكنه انهزم، وبعد ذلك سقطت إمارة هرار في يد الشيخ أحمد إبراهيم، وأعلن استقلال الإمارة عن إمبراطورية الحبشة فقامت الحرب بين المسلمين والنصارى، واتخذ المسلمون راية عليها شعار "بسم الله الرحمن الرحيم، إنا فتحنا لك فتحا مبينا، نصر من الله وفتح قريب"، وبعد حرب دامت ثماني سنوات دخلت جيوش المسلمين أكسوم عاصمة إمبراطورية الحبشة، وقد بسطت نفوذها على كامل الإمبراطورية سنة 1537.

 

ودامت سيطرة المسلمين على كامل الحبشة أربع سنوات إلى أن وصلت أساطيل البرتغال مسلحة بالمدافع فاستشهد الشيخ أحمد بن إبراهيم بعد معركة ملحمية دامت ثلاث سنوات، ولكن السنوات القليلة التي حكم فيها المسلمون البلاد شهدت فيها الحبشة أكبر موجة لاعتناق الإسلام كما يذكر سبينسر تريمينغهام في كتابه "الإسلام في إثيوبيا".

 

أما الطريقة القادرية فلم يكتب لها الانتشار مع الشيخ أحمد بن إبراهيم الذي قتل وعمره 37 سنة، وقد بقيت هرار عاصمة لمسلمي الحبشة الذين صاروا يشكلون ثلث سكان البلاد، فيما جاوز عدد مساجد هرار وزواياها المئتين، بعضها جاوز عمره الألف عام، مما جعل اليونسكو تعتبرها رابع أقدس مدينة لدى المسلمين.

 

صلاة العيد في مدينة هرار بإثيوبيا (الجزيرة)

زنجبار من التجارة إلى الدعوة

وفي الربع الأخير من القرن الـ15 وصل الشيخ أبو بكر العيدروس إلى هرار قادما من اليمن وكان متصوفا كبيرا، ولكن طريقته لم تنتشر بين الأفارقة، إذ كانت طريقة عائلية مغلقة، وكان على أفارقة شرق أفريقيا أن ينتظروا ثلاثة قرون حتى مجيء الشيخ حسن جبرو إلى الصومال عام 1819، وكان من كبار شيوخ الطريقة القادرية.

 

وعلى ضفة نهر جوبا أسس الشيخ جبرو أول مستوطنة لجماعة صوفية بهدف زراعة الأرض واستخراج خيراتها، وسرعان ما كبرت جماعته وصارت المستوطنة بلدة سميت بارديرا، وأصبح لمدرسته مئات المريدين والطلبة، كان الشيخ أويس محمد البراوي واحدا منهم وأشهرهم، وانتشرت طريقته القادرية الأويسية جنوبا عبر الساحل الشرقي للقارة فدخلت جزيرة لامو في كينيا وزنجبار في تنزانيا.

 

في سنة 1884 سمع سلطان زنجبار برغاش عن الشيخ أويس البراوي فدعاه إليه وسلمه مقاليد التعليم والثقافة في الجزيرة، وكان الشيخ أويس صوماليا ولم يرقه ما وجده من قلة طلبة العلم من الأفارقة الذين شكلوا نصف سكان الجزيرة، وكان جلهم خدما ورقيقا لدى العرب الحاكمين، فكان أول ما فعله أن فتح أبواب المدارس وطلب العلم في وجوه الأفارقة، وكانت هذه هي الخطوة التي غيرت وجه الإسلام في شرق أفريقيا.

 

وبشأن هذه الحيثية يشرح الشيخ عبد الله فوندي الكونغولي من أصول عمانية، قائلا "لقد وصل الإسلام إلى ساحل أفريقيا الشرقي منذ عهد الدولتين الأموية والعباسية، وقد انتشر عبر الساحل مع التجار العرب طوال قرون، ولكنه لم يدخل إلى أعماق القارة، وكان السبب الرئيسي هو أن جل العرب كانوا مهتمين بالتجارة أكثر من الدعوة، وما داموا يجدون من يبيعهم العاج والذهب والعبيد قريبا من السواحل فلا حاجة للتعمق في القارة".

 

مدرسة الشيخ أويس في زنجبار (الجزيرة)

ثم يضيف "والأمر الثاني أنه عبر قرون من إقامة العرب في لامو وزنجبار وغيرها لم يهتموا كثيرا بفتح المدارس للأفارقة فكان قلة جدا من الخدم من وصلوا لدرجة عالية في العلم، وهناك أسباب أخرى في الإجمال جعلت الإسلام يقف عند السواحل الشرقية ويظل ينظر له على أنه دين النخبة الإقطاعية، أما حين ظهر دعاة مثل الشيخ أويس الذي اهتم بتعليم الأفارقة وتحريرهم فقد ظهر منهم علماء ودعاة حملوا الإسلام إلى قراهم البعيدة".

 

وعن الفرق الذي أحدثه الشيخ أويس يستطرد "وإذا علمنا أن المسلمين استطونوا جزيرة لامو (قبالة كينيا) قبل زنجبار (قبالة تنزانيا) بمدة ونشطت فيها تجارتهم بنفس الدرجة، ثم إذا علمنا أن نسبة المسلمين في كينيا لا تتجاوز 15% رغم أنها أقرب إلى الجزيرة العربية، أما نسبتهم في تنزانيا فتتجاوز 70% فحينها سنفهم الفرق الذي أحدثه الشيخ أويس في زنجبار، إذ جعلها قاعدة لنشر الإسلام أكثر منها قاعدة للتجارة".

 

وكان من أوائل طلبة الشيخ أويس ومريديه المخلصين الشيخ عبد الله مجانا خيري من الصومال، والشيخ مزي فريجي من العبيد الملاويين، والشيخ محمد رمية من العبيد الكونغوليين، وقد ساهم هؤلاء الثلاثة في تضييق دائرة تجارة الرقيق، كما يعزى لجهودهم إسلام الملايين في تنزانيا وأوغندا والكونغو وموزمبيق ومدغشقر وملاوي التي صار ثلثها مسلمين. وقد أسس الشيخ محمد رمية مدرسة في باغامويو (تنزانيا) خرجت بدورها عشرات الدعاة الذين ما زال الإسلام والطريقة القادرية ينتشران بفضلهم، وما زالت المدرسة وفية لشيوخ الطريقة القادرية، إذ كتب على ناصية بابها "لا إله إلا الله محمد رسول الله.. الشيخ عبد القادر الجيلاني صفي لله.. الشيخ أويس ولي الله".

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/13-

تقارير منوعة

عقابا الفلسطينية.. تدر لوزا 
قرية فلسطينية تشكل زراعة اللوز وتجارته مصدر الرزق الأساسي لسكانها الذين توارثوا المهنة عبر الأجيال.

جانب من تعريض اللوز للشمش في عقابا الفلسطينية (الجزيرة)

 

تورن البولندية.. مدينة الصليبيين والأساطير
مدينة في بولندا لا تزال أجواء الحروب الصليبية حاضرة فيها إلى جانب أساطير وتقاليد قديمة.

مدخل المدينة المطل على فيستولا  (الجزيرة)

 

ألبوم صور
ا
لتصوف الأفريقي.. قصة مختلفة

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/13-

عقابا الفلسطينية.. تدر لوزا

عقابا الفلسطينية.. تدر لوزا
 عاطف دغلس- طوباس/ فلسطين

 

غير آبه بالشمس الحارقة أو بظروف العمل القاسية ينتظر بزوغ الفجر ليوقظ أهله، زوجته وبعض أبنائه يتوجهون للعمل، إنه موسم اللوز، ومن دون ذلك لن يتمكن من توفير لقمة العيش له ولعياله.

 

يستغل عماد صوافطة (أبو ضياء) موسم اللوز ليعمل فيه وأسرته فيه لعله يحسّن بذلك دخله ويقهر الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيش، لذا فالمواسم الزراعية المختلفة فرص لا يضيعها الرجل.

 

في بلدة عقابا بمدينة طوباس شمال الضفة الغربية -حيث ينحدر أبو ضياء- أضحت شجرة اللوز "مقدسة"  بمنتوجها ونوعيته الجيدة، فالقرية تنتج ما بين نحو مئة طن سنويا، مما يجعلها تتصدر خط الإنتاج الفلسطيني بهذه الزراعة.

 

أكثر من خمس ساعات يقضيها أبو ضياء يوميا في قطف اللوز بالأرض التي ضمنها لصالحه، يحدد وقت الصباح لهذه المهمة كي ينجز قطف ثمار أكبر عدد من الأشجار، "فالمحصول وافر هذا العام وبحاجة لجهد كبير" يقول الرجل.

 

يصطحب المزارع أبو ضياء أدواته البسيطة كالسلم الخشبي والفرش البلاستيكي لجني المحصول، يساعده أفراد عائلته في العمل كي ينجزوا المهمة بسرعة.

 

ويتوجب على الرجل أن يقطف كل صنف من اللوز وحده، ويساعده في ذلك أن زراعة الأرض تمت بطريقة هندسية منتظمة، كما أن المحصول الوفير والأسعار جيدة إلى حد كبير.

 

عماد صوافطة يعمل بقطف ثمار اللوز كل سنة كي يعيل نفسه وأسرته (الجزيرة)

زراعة مهمة

يقول أبو ضياء إن موسم اللوز -الذي يبدأ أواخر يوليو/تموز من كل عام ويستمر لأكثر من شهر- أصبح مهما جدا وهو يقطفه بإتقان، لكنه رغم ذلك لا يملك أرضا خاصة كي يزرعها.

 

بهذا العمل يستطيع أبو ضياء توفير دخل جيد يغنيه عن سؤال الناس، خاصة أن هذه المواسم تتزامن في أحيان كثيرة وفترة انقطاعه عن العمل داخل إسرائيل.

 

دخلت زراعة اللوز إلى بلدة عقابا بالشكل الذي عليه الآن قبل نحو عشرين عاما، وكان صنف "أم الفحم" -نسبة للمدينة الفلسطينية داخل فلسطين المحتلة التي استجلب منها- أبرزها، تضاف إليه أنواع أخرى مثل "نوب" و"ميم ديلت" وأصناف سميت بالأرقام.

 

استطاع المزارعون بدعم من جمعية الإغاثة الزراعية زراعة أراضيهم وتحسين منتجهم، وهم يتحدون واقعا احتلاليا صعبا يسعى بكل الطرق لتدمير قطاع الزراعة الفلسطيني.

 

لذا كان على المزارع عليان أبو عرة (أبو علاء) استحداث طرق جديدة في تجهيز محصوله من اللوز الذي يقدر بنحو تسعة أطنان سنويا، فهو يزرع أكثر من 130 دونما (الدونم يساوي ألف متر مربع) من أصل ألفي دونم تزرع باللوز في عقابا.

 

في السابق كان على المزارعين قطف ثمار اللوز ومن ثم البدء بفصل قشرتها الخضراء الخارجية عن البذرة وهو يحتاج لأيد عاملة كثيرة ومال ووقت إضافي، فدفعه ذلك لاقتناء آلة محلية الصنع طورها مهندس ومزارع في الوقت عينه تعمل على فصل القشرة الخارجية عن الثمرة الداخلية لحبة اللوز.

 

تعمل الأسرة بكامل أفرادها إضافة إلى عمال آخرين في تقشير اللوز (الجزيرة)

حركة اقتصادية

رغم ذلك يعمل أبو علاء وعائلته من الأطفال والنساء وأكثر من عشرين عاملا داخل بيته الذي يتحول طوال أربعين يوما في موسم قطف اللوز لخلية نحل تتناسق في وظائفها عبر التقشير والتعبئة والتحضير، كما تشهد البلدة حركة تجارية نشطة وكبيرة من عاملين يصلون لأكثر من 250 عاملا وتاجرا.

 

ترافق الموسم طقوس لا غنى عنها، فاللوز يعد أفضل المسليات التي يمكن أن تكرم به الضيف في عقابا خاصة في هذه الأوقات، ظهر ذلك جليا في أكواب الشاي التي قدمها أبو علاء لنا، يخزن كل مزارع كمية من اللوز لاستخدامه في تزيين الطعام وصناعة الحلويات.

 

تملك أكثر من خمسين أسرة في عقابا -التي يقدر تعدادها بنحو عشرة آلاف نسمة 45% منهم مزارعون- نحو ألفي دونم من اللوز، وأدخلت هذه الزراعة لقريتهم بعد سلسلة أبحاث أثبتت أنها مجدية اقتصاديا، والأهم أنها تحمي الأرض من المصادرة والتهويد الإسرائيلي، ولا سيما تلك المساحات الشاسعة والقريبة من معسكرات الجيش الإسرائيلي ومراكز تدريبه.

 

كبار أهل عقابا يورثون مهنة زراعة وقطف اللوز لأبنائهم وأحفادهم للحفاظ على مصدر رزقهم (الجزيرة)

تسويق

يقول رئيس جمعية عقابا الزراعية نبيل أبو عرة إن زراعة اللوز ليست جديدة، لكنها استحدثت بالكم والنوع التجاري المطلوب في بلدته، وهذا ليس موجودا في أي منطقة بالضفة الغربية إن لم يكن في عموم فلسطين.

 

يضيف المسؤول أبو عرة أنهم لم يعتمدوا على الإنتاج وحسب بقدر ما عمدوا إلى تحسين المنتج بدءا بزراعته وانتهاء بتحضيره للبيع، إذ تتم زراعة الأشجار بطريقة هندسية لمنحها كميات كافية من الهواء والشمس، وتتم حراثة الأرض وتعشيبها بطرق حديثة إضافة إلى رشها بالسماد العضوي.

 

تكفي كمية الأمطار التي تسقط على عقابا سنويا والتي تقدر بمعدل خمسمئة ملليمتر لزراعة اللوز، لكن المزارعين يساعدون بالري خلال فترة الصيف التي تصل إلى نحو ثلاثة أشهر. بالمقابل، يتراوح كيلوغرام اللوز بين أربعة وستة دولارات، علاوة على أنه يمكن الاستفادة منه خلال مراحل نضوجه المتعددة.

 

تتحول أسطح المنازل في عقابا إلى اللون الأصفر خلال موسم اللوز، حيث ينشر المزارعون منتجهم ليصار إلى تنشيفه واستخراج الرطوبة منه ليخزن لفترة أطول، بحيث يبقى طوال النهار ولمدة ثلاثة أو أربعة أيام تحت أشعة الشمس ويغطى ليلا بالفرش البلاستيكي تجنبا للندى أو التعرق.

 

يقول أبو عرة إن المزارعين يحرصون على تقديم أفضل منتج للسوق الفلسطيني وحتى الخارجي، وهو الطموح الذي يعملون على تحقيقه قريبا.

 

تنتج عقابا ما يقدر من 80 - 100 طن سنويا من اللوز (الجزيرة)

الاحتلال بالمرصاد

ولكن ورغم ذلك تعصف بآمال المزارعين مشكلات شتى يعد الاحتلال أبرزها، يليه التجار الذين يحاولون ابتزازهم بتوريد منتج خارجي وبالتالي إبقاء الأسعار منخفضة.

 

ويمكن لعامل في موسم اللوز تحصيل ما يقرب من ثلاثين دولارا يوميا بين قطف وتقشير، مما يجعل المزارعين يتمسكون به، خاصة أن زراعته لا تحتاج لجهد كبير وهو سهل التسويق عالميا.

 

تظهر اعتداءات الاحتلال -كما يقول أبو عرة- بشكل مباشر عبر توغله في أراضي المزارعين وبإطلاقه عشرات الخنازير البرية التي تخرب المحاصيل، بينما يقف الاحتلال عائقا أمام تطور هذه الزراعة بشكل أكبر، حيث يقلص كميات المياه التي يحتاجها المزارعون والتي يصل سعر الكوب المكعب الواحد لنحو خمسة دولارات، كما يعيق عملية التصدير ويسمح بالمقابل بدخول كميات كبيرة وخلال الموسم من اللوز.

 

لكن الأسوأ من كل هذا -برأي المسؤول أبو عرة- هو قيام الاحتلال بتسويق منتجاته من اللوز عالميا تحت شعار "لوز الأرض المقدسة" وكأنه أنتج بأيد فلسطينية وخرج من أرض فلسطين كذلك.

 

ومحليا تتصدر مشكلة التسويق للمزارعين الفلسطينيين المشهد كاملا، خاصة مع تلاعب التجار بالأسعار واستغلال حاجة المزارعين إلى الأموال النقدية لدفع أجرة العاملين وشراء مستلزمات العمل

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/13-

تورن البولندية.. مدينة الصليبيين والأساطير

تورن البولندية.. مدينة الصليبيين والأساطير
جورج كدر- تورن / بولندا 

 

ما يميز دولة كبولندا ليس في نضالها اليوم للحفاظ على إرثها الديمقراطي وهي تصارع جموح اليمين المتطرف العنصري والمتعصب الذي كان أول حزب متطرف في أوروبا ينجح في اعتلاء مقاليد الحكم في البلاد، ولا في علاقتها المتوترة مع عدوها التاريخي روسيا لكونها تشكل فوهة المدفع الأوروبي أمامه، بل يضاف لذلك أنها بلد اعتاد أجواء المآسي والحروب التي لا تفتأ تضرب بسبب موقعه الإستراتيجي وسط أوروبا، ولأنه جسر للصدام بين عدوين لدودين وهما ألمانيا وروسيا، وليس آخرها خسارة بولندا حوالي ستة ملايين قتيل في الحرب العالمية الأولى، وإجهاز الحرب العالمية الثانية على أكثر من 80% من عمارة بعض مدنها، لذلك تلقب بولندا بالعنقاء وهو الطائر الأسطوري الذي يبعث كالنار من تحت الرماد دائما.

 

بولندا اليوم ورغم إرادة الحياة فيها، لا تزال حزينة يأكلها تطرف حزب اليمين وعنصريته وشبح الفقر أيضا، رغم كونها بلدا جميلا غنيا بموارده وثرواته الحيوانية والزراعية وتراثه وثقافته، وبالأساطير والحكايات الشعبية أيضا.

 

تحتض بولندا مدينة تورن التي كانت مسقط رأس مؤسس علم الفلك الحديث نيكولاس كوبرنيكوس (1473-1543) الذي ينسب إليه الفضل في أحد الاكتشافات الشهيرة بالتاريخ، وهو نظرية دوران "الأرض حول الشمس" التي زعزعت سلطة الكنيسة واعتمدت مقولة مركزية الأرض في الكون، وكانت تحكم بالإعدام على كل من يخالفها.

 

اليوم تعتبر تورن شمال البلاد صاحبة مكانة تاريخية كبيرة بالنسبة لأوروبا ليس فقط لكونها مسقط رأس كوبرنيكوس، بل بسبب إرثها "الصليبي" أيضا الذي ما زالت تحتفظ  به، كونها كانت إحدى المدن القليلة التي حط بها الصليبيون رحالهم بعد هزيمتهم في الشرق، هذه المدينة يقسمها نهر فيستولا العظيم إلى قسمين، فعلى ضفته اليمنى بنيت المدينة الحديثة، وعلى اليسرى تقوم مدينتها القديمة محاطة بسور على الطراز الصليبي الذي يحتضنها بمعالمها الأثرية.

 

أحجار أجرى كوبرنيكوس أبحاثه عليها (الجزيرة)

متحف كوبرنيكوس

يتوسط تمثال للعالم كوبرنيكوس وسط تورن شاهدا على إبداعه، نراه واقفا مرتديا زيه الأكاديمي وبيده مجسم للشمس والأفلاك تدور حولها، وفي اليد الأخرى يشير بإصبعه للسماء وعليها عبارة باللاتينية " Terrea motor solis caelique stator" تقول إن الشمس وليس الأرض هي مركز هذا الكون، وهو ما يناقض المعتقدات التي كانت تفرضها الكنيسة حينها.   

 

ويبقى الشاهد الأبرز على إبداعات هذا العالم -الذي يعد أحد المساهمين البارزين في تغيير مسار الفكر البشري- منزله الذي أصبح متحفا تحوي غرفه كل الأدوات الفلكية التي اعتمدها كوبرنيكوس في أبحاثه العلمية وكتبه التي ألفها في علم الفلك. هذا المتحف أصبح أيقونة تورن وبذات الوقت أحد معالم بولندا.

 

لا يلفت نظر السياح في تورن شيء كما الأكشاك التي تنتشر في طرقات مركز المدينة، فيها تباع الهدايا التذكارية لأزياء الصليبيين: سيوفهم، لباسهم العسكري، معداتهم الحربية، حتى أن طلاب المدارس يقومون نهاية العام الدراسي بجولات سياحية في أرجاء المدينة، نرى كثيرا منهم يرتدون زي الفرسان الصليبيين وهم يتجولون مع أساتذتهم الذين يشرحون لهم تاريخ تورن، ويمكن رؤية بعض النسوة ترتدين الألبسة الفلكلورية البولندية من تلك الفترة أيضا.

 

سألت صاحبة كشك يتربع وسط المدينة عن سبب انتشار هذه الأكشاك فأجابتني بأن تورن تحافظ على إرثها التاريخي الذي اشتهرت به، فالصليبيون هم الذين أسسوا هذه المدينة وفيها عاشوا، إلى أن تم القضاء على وجودهم، ويمكن مشاهدة آثارهم قائمة إلى اليوم في الأبنية التراثية التي تنتشر في المدينة القديمة.

 

الحمار النحاسي

يجاور تمثال كوبرنيكوس وأكشاك بيع التذكارات الصليبية نصب تذكاري أيضا لـ "حمار صب من النحاس" كاستذكار لكل حمير المدينة التي كان لها الدور الأبرز في رصف طرقات المدينة.

تمثال الحمار يتميز بقضيب حديدي مسطح غريب وضع على ظهره يبدو أن مهمته كانت عقاب كل الخارجين عن القانون بالجلوس عليه ونقل الصخور الثقيلة حملا على ظهورهم ثم رصفها في الطرقات.

 

نهر فيستولا الذي تقوم عليه مدينة تورن البولندية (الجزيرة)

بحيرة الحظ

تجتذب تورن عددا كبيرا من السياح من كافة أنحاء العالم، ولعل بحيرة الضفادع التي تحيط بعازف كمان تعتبر من أهم المحطات التي تجتذب السياح والأطفال، وتقول الأسطورة إن الضفادع غزت المدينة لدرجة جعلت حياة أهلها صعبة ما أدى لتعطل الحياة في أرجاء تورن نتيجة كثرة الضفادع، فعرض الملك بأن يزوج ابنته الأميرة إلى الشاب الذي سيخلص تورن من الضفادع. وبعد أن عجز أقوى الشباب وأغناهم عن طرد الضفادع والقضاء عليها، تقدم شاب فقير يجيد العزف على الكمان لهذه المهمة، وبفضله فقط تم التخلص منها بعد أن نجح في قيادتها على أنغام كمانه العذبة الشجية إلى نهر فيستولا العظيم حيث سقطت به إلى غير رجعة، ووفى الملك بوعده فتزوج الشاب ابنته وانتقل من بؤسه وفقره ليعيش معززا مع الأميرة الجميلة.

 

تقول الأسطورة كذلك إن من يمسك بإحدى الضفادع الذهبية التي تحيط بالشاب في بحرة الحظ سيناله الحظ ويحقق كل ما يتمناه.

 

ساحة المدينة القديمة يتوسطها تمثال العالم كوبرنيكوس (الجزيرة)

جدار كشف الكذب

ليس بعيدا عن بحيرة الحظ، نرى بناء مائلا ينتصب على سور المدينة يقال إن لهذا الجدار مفعول السحر في كشف الكذب، حيث يقوم من سيخضع لاختبار كشف الكذب بإسناد ظهره على الحائط شرط أن يلصق كعبيه أيضا على الحائط المائل، وبعد محاولات متعددة سينجح الأمر، لكن الاختبار لن يبدأ إلا عندما يرفع الخاضع للاختبار يديه للأمام عموديتين مع جسده، وهنا تتعالى موجات الضحك بين الأصدقاء الذي يبدؤون بالتساقط الواحد تلو الآخر، وإذا نجح الشاب بالمحافظة على توازنه فهذا يعني أنه صادق، وإن وقع فهو كاذب. راقبت عشرات الأطفال والسياح ممن حاولوا مرارا أن يتجاوزوا الاختبار ولكن باءت كل محاولاتهم بالفشل.

 

خلال زيارتي لتورن حرصت على زيارة نهر فيستولا العظيم ومتحف كوبرنيكوس وشاهدت إرث الصليبيين الواضح في عمارتها وسورها الدفاعي وبحيرة الحظ والضفادع، إلا أني رغم ذلك فشلت في اجتياز حائط الكذب، رغم أنني قبل أن أتوجه إليه تأكدت من أني لمست كل الضفادع النحاسية اللامعة في بحيرة الحظ.

 

صحيح أن تورن نسبت الفضل لحميرها في رصف طرقاتها، وللصليبيين في بنائها، ولكوبرنيكوس في شهرتها، فإنها أيضا تبقى مدينة الأساطير والحكايات الشعبية التي جسدتها في عمارتها وبحيراتها.

السابق

السابق

التالي

السابق

التعليقات