آخر تحديث: 2016/7/3 الساعة 13:50 (مكة المكرمة) الموافق 1437/9/29 هـ
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2016/7/3 الساعة 13:50 (مكة المكرمة) الموافق 1437/9/29 هـ
-1/16-

هنا مسجد.. هنا الإسلام

محمد المختار الخليل
مدير تحرير الجزيرة نت

لشهر رمضان الذي نعيش أيامه الأخيرة معان عديدة يتكرر الحديث عنها في كل عام، منها الروحاني ومنها الصحي والفقهي. وتجتهد وسائل الإعلام في الاحتفاء بهذا الشهر الكريم بتغطيته من زوايا جديدة غير مطروقة.

 

وكغيرنا، في مجلة الجزيرة، حرصنا على التطرق إلى عظمة هذا الشهر والوحي الذي أنزل فيه من زاوية جديدة وغير مباشرة، من زاوية رمز من رموز الدين الإسلامي الذي ولد في شهر رمضان بتنزل أولى آيات القرآن الكريم فيه. من المسجد.

 

كان المسجد الأول في قباء رمزا لميلاد دولة الإسلام، ومضى المسلمون بهذه السنة، حيثما حلوا بنوا مسجدا، لا لإقامة الصلاة فحسب على أهميتها ومحورية دور المسجد في المجتمع، بل لإعلان وجود هذا الدين على تلك الأرض.

 

وعلى مر تاريخ المسلمين في شتى بقاع الأرض، كان المسجد أو الجامع الكبير في كل بلد محل اهتمام المجتمع، والسخاء في بنائه مساحة وفنا وكأنه مشروع المجتمع الأول والأخير، وهو ما لم تحظ به أية مؤسسة أخرى. وقد ورّثنا التاريخ عددا من المساجد الأثرية التي لا تزال قائمة شامخة بعمارتها وزخارفها، في بلاد المسلمين في آسيا وأفريقيا على وجه الخصوص.

 

المساجد التي ارتبطت بها حكايات من  التأسيس والأحداث التاريخية كثيرة، وبعضها أصبح  معروفا واحتضنته كتب التاريخ، وهناك مساجد كثيرة لها حكايات طريفة وغنية بالمعاني، لكنها غير معروفة، ربما لأن كتب التاريخ القديمة ووسائل الإعلام الحديثة لم تلتفت إليها.

 

في ملف هذا العدد، نسلط الضوء على حكايات بعض المساجد المنتشرة في شرق الأرض وغربها. كيف ناضل المسلمون وعانوا في مجاهيل الأرض لبناء هذا المسجد أو ذاك، اقتداء بمن بنى المسجد الأول في المدينة المنورة وامتدادا للنداء الذي نزل في رمضان الأول، مولد الإسلام.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

ملف العدد

 مسجد "نيو جيه".. جسد صيني بروح إسلامية

أقدم وأكبر مساجد العاصمة الصينية بكين شيد منذ نحو ألف عام.. يبدو كأحد قصور أباطرة الصين لكن بروح إسلامية
 

مسجد الصين (الجزيرة)

 

مسجد السركال.. أيقونة مصالحة وطنية في كمبوديا

يختزل المسجد المركزي في "بنوم بنه" قصة تاريخ كمبوديا الحديث، خاصة فيما يتعلق بالأقلية المسلمة

مسجد السركال.. قصة وفاء من كمبوديا (الجزيرة)

 

جامع "كأني أكلت" ثمرة جهاد النفس

تبدأ قصة الجامع العريق الذي بني في القرن الـ17 مع رجل جاهد شهوات نفسه ليبني مسجدا خلد قصته

الحي حيث يوجد جامع كأني أكلت (الجزيرة)

 

"أولو جامع".. حكاية وفاء خارج "صندوق التعصب"  

حكاية تمتد إلى ستة قرون من الزمن، ووعد قطعه المسلمون لرجل ليس منهم ووفوا بوعدهم حتى اليوم

"أولو جامع".. حكاية وفاء خارج "صندوق التعصب" (الجزيرة)

 

 جامع فرحات باشا.. رمزية العداء والتعايش في البوسنة

دمرته الحرب التي دمرت البوسنة قبل 23 عاما.. وأعيد بناؤه من ذات حجارته القديمة ليكون رمزا للتعايش كما الحرب

جامع فرحات باشا.. رمزية العداء والتعايش في البوسنة (الجزيرة)
 

جامع دجينغاربير.. تحفة تمبكتو لسبعة قرون

بني قبل 700 عام حين كانت تمبكتو حاضرة صحراء أفريقيا ومنارة للعلم، ولا يزال الجامع بعمارته التقليدية أيقونة مالي

جامع دجينغاربير.. تحفة تمبكتو لسبعة قرون (الجزيرة)

 

مسجد باريس.. قصة إيواء اليهود الفارين من النازيين

حادثة تاريخية لا يزال المهتمون مختلفين حول وقوقعها، لكن مسجد باريس الكبير كان ولا يزال أحد أبرز معالم فرنسا

وضع حجر الأساس لمسجد باريس الكبير في عشرينيات القرن الماضي (الجزيرة)
السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

مسجد "نيو جيه".. جسد صيني بروح إسلامية

مسجد "نيو جيه".. جسد صيني بروح إسلامية
عزت شحرور -  بكين

يبدو المبنى بجواسقه وأفاريزه الصينية التقليدية وكأنه قصر منيف لأحد أباطرة الصين القدامى، لكنه في حقيقة الأمر بيت من بيوت الله، إنه مسجد "نيو جيه" أقدم وأكبر مساجد العاصمة الصينية بكين التي تزيد على سبعين مسجدا، شيد منذ نحو ألف عام وبالتحديد سنة 996 إبان حكم أسرة لياو كما تؤكد الوثائق التاريخية.

 

يقع المسجد في أكثر الأحياء الإسلامية اكتظاظا وهو حي نيو جيه أو "شارع البقر"، هكذا يسمونه، ويرجح البعض أن سبب التسمية يعود إلى أن معظم سكان الحي كانوا يمارسون مهنة تربية وذبح الأبقار في المدينة عبر الزمن ولا يزالون، بينما تؤكد رواية أخرى أن أصل التسمية كانت "ليو جيه" أي شارع الرمان لكثرة أشجار الرمان فيه، وبعد أن راجت تربية الأبقار بين ساكنيه أبدلت اللام نونا وتحول إلى نيو جيه لتشابه اللفظين.

 

تفيد الوثائق التاريخية الصينية بأن شيخا عربيا يدعى ناصر الدين هو من قام ببناء المسجد بعد حصوله على إذن رسمي من الإمبراطور، وقد خضع لعدة توسيعات إبان حكم أسرتي مينغ وتشينغ (1368ـ1911)، وكانت عملية الترميم والتوسعة الأكبر عام 1474 على يد السيد شمس الدين الأجل وهو إحدى الشخصيات العربية التي كانت لها حظوة عند الإمبراطور تشينغخوا، وعمل لديه مستشارا وساهم في تصميم المدينة المحرمة مستوحيا بعضا من نماذج بناء بغداد، وبعد انتهائه من ترميم وتوسعة المسجد طلب من الإمبراطور تسميته فسماه "لي باي سي" أي دار الصلاة، ومنذ ذلك الحين ظل المسجد عبر تاريخه الطويل يحظى باهتمام الأباطرة.

 

بوابة المسجد الرئيسية لا تفتح إلا في الأعياد والمناسبات الكبرى (الجزيرة)

وشكل المسجد منذ بنائه نموذجا معماريا فريدا لبناء المساجد في الصين، فهو يجمع بين النمط المعماري الكلاسيكي للقصور التقليدية الصينية والثقافة الإسلامية، وتعتبر بوابته الرئيسية عنوانا له، إذ تتشكل من ثلاث بوائك قائمة على أربعة أعمدة تعلوها مقصورة مراقبة الهلال، وهي سداسية الزوايا معقوفة الأفاريز، وتتوسطها مئذنة قصيرة بنيت على طراز "الباغودات" الصينية، وعلى إفريز المقصورة العليا لوحة كتب عليها اسم المسجد باللغة الصينية، بينما تحمل لوحة أخرى أسفلها عبارة "السماء واسعة والطريق رحب" باللغة الصينية أيضا، وغالبا ما يكون الدخول إلى المسجد من بواباته الجانبية ولا يفتح بابه الرئيسي إلا في الأعياد والاحتفالات الكبرى.

 

والمسجد هو مجموعة من المباني المنسجمة التوزيع والتنسيق المحكم يغلب عليها البناء الخشبي، تمتد على مساحة تبلغ نحو ستة آلاف متر مربع، وتتوسطها قاعة الصلاة فهي تواجه الشرق وتتألف من ثلاث صالات خارجية ووسطى وداخلية تبلغ مساحتها نحو ستمئة متر مربع وتتسع لنحو ألف مصل، وتقوم على عشرين عمودا يصل بينها 21 عقدا مقوسا تزينها زخارف لآيات قرآنية ورسومات نباتية مذهبة على أرضية خشبية حمراء فاقعة.

 

بينما يبدو محراب المسجد الذي يتوسط الجدار الغربي تحفة فنية، ويعلوه سقف مقوس سداسي الأطراف مزين بنقوش لآيات قرآنية، ويتدلى من جزئه العلوي إفريز معلق على شكل قطرات ماء متساقطة، بينما تنتشر على الجدارين الشمالي والجنوبي نوافذ مزينة بكتابات عربية ولوحات خشبية منقوشة عليها آيات من الذكر الحكيم، وتتوسط قاعة الصلاة قبة مقوسة تزينها زهور متشابكة وكتابات عربية لتشكل معا لوحة فنية فريدة، وتتشكل القبة من ستة أقواس تلتقي في منتصفها وتتدلى منها ثريا زجاجية.

 

قاعة الصلاة في المسجد تجمع بين الفن الصيني والثقافة الإسلامية (الجزيرة)

وفي الركن الجنوبي الشرقي للمسجد ثمة مرقدان لشيخين جليلين، هما الشيخ أحمد البرطاني القزويني المتوفى سنة 1280 والشيخ علي بن عماد الدين البخاري المتوفى سنة 1283، وهما من علماء الإسلام من آسيا الوسطى جاءا إلى الصين لنشر الإسلام، وينتصب بجوار هذين الضريحين شاهدان منقوشة عليهما كتابات عربية واضحة الخطوط، ولا يزال العشرات من المسلمين حتى يومنا هذا يتوافدون يوميا لقراءة الفاتحة على روحيهما والترحم عليهما.

 

ومن ضمن ما يحتفظ به المسجد من مخطوطات تاريخية المرسوم الذي أصدره الإمبراطور كانغشي عام 1694 بعد أن وشى له بعض الحاقدين على المسلمين بأنهم يعدون لتمرد ضده فهم يجتمعون ليلا ويتفرقون نهارا، لكن الإمبراطور الحكيم أراد أن يتأكد من ذلك بنفسه فتخفى واندس بينهم فلم يجد في اجتماعاتهم سوى العبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يكن منه إلا أن أصدر أوامره بمعاقبة الواشين وإصدار مرسوم إمبراطوري يسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية في شتى أرجاء الإمبراطورية، ويحذر من مغبة مضايقتهم أو الوشاية بهم من دون سند أو دليل.

 

والمسجد في الصين ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو أيضا مركز لتصريف الكثير من الأمور والشؤون الحياتية، كالزواج والوفاة والتعليم والوعظ والاحتفال وحل الخلافات أيضا.

 

معظم سكان الحي البالغ تعدادهم نحو عشرين ألف نسمة هم من قومية خوي، وهي أكبر الأقليات القومية المسلمة العشر وأوسعها انتشارا في الصين، وتتميز عن باقي أخواتها بأنها لم تنشأ من أصل عرقي أو قومي واحد، ولا تجمعها لغة خاصة بها كالإيغور أو الطاجيك أو الأوزبيك، بل هي مزيج من العرب والفرس وشعوب آسيا الوسطى، من تجار الحرير والتوابل والمحاربين الذين عادوا مع جيش القائد المغولي جنكيز خان واستوطنوا الصين وتزاوجوا مع أهلها وجمعتهم راية لا إله إلا الله.

 

مسلمون صينيون يستمعون إلى خطبة الجمعة في مسجد نيو جيه (الجزيرة)

ومع أن المرء لايستطيع أن يميز أبناء قومية خوي عن بني جلدتهم من الصينيين إلا أنهم يصرون على التميز سواء بقبعاتهم البيضاء على الرأس، أو باختيارهم اللونين الأزرق والأخضر لطلاء نوافذ بيوتهم، وبكتاباتهم باللغة العربية على محالهم التجارية ومطاعمهم لتمييزها عن مثيلاتها الصينية التي يغلب عليها اللون الأحمر.

 

وعلى الرغم من أن تاريخ الصين كان حافلا بتنازع القوميات وانقراضها أو ذوبان بعضها في الأخرى، وعلى الرغم من موجات التفكك الاجتماعي التي تشهدها مجتمعات كثيرة بما فيها المجتمع الصيني فإن أبناء قومية خوي استطاعوا الحفاظ على هويتهم وتماسكهم، بل ولعبوا دورا مهما في التشكل التاريخي والحضاري للصين.

 

وكان الدين دائما هو الملاذ والملجأ ردا على حملات المضايقة والتنكيل، سواء في عهد بعض الأباطرة أو في العصر الحديث عندما هبت رياح الثورة الثقافية الهوجاء في منتصف ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لتجتاح مختلف مراكز العبادات لمختلف الأديان ومنها المساجد، بما فيها مسجد نيو جيه الذي تعرض للإغلاق والتخريب والحرق، لكن سرعان ما أعيد ترميمه بعد السنوات العشر العجاف للثورة الثقافية ليعود له بهاؤه ورمزيته، وليعمره من آمن بالله واليوم الآخر من أبناء قومية خوي الذين ظلوا هم أيضا منذ أكثر من ألف عام كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

محراب المسجد تزينه الآيات القرآنية والرسوم النباتية  (الجزيرة)
 
السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

مسجد السركال.. أيقونة مصالحة وطنية في كمبوديا

مسجد السركال.. أيقونة مصالحة وطنية في كمبوديا
سامر علاوي - بنوم بنه

يختزل المسجد المركزي في "بنوم بنه" عاصمة  كمبوديا قصة تاريخ كمبوديا الحديث، ليس فقط فيما يتعلق بالأقلية المسلمة التي تقدر نسبتها بـ7% من السكان البالغ عددهم 15 مليونا، وإنما كذلك بمراحل التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي لهذا البلد الذي يقع في أقصى جنوب شرق آسيا. ولذلك فإن هندسته المعمارية على أهميتها أو تكلفة تجديده التي تقدر بثلاثة ملايين دولار ليسا محل موضوعنا.

 

بدأت القصة كما رواها لمجلة الجزيرة مسؤولون كمبوديون أثناء زيارة الرئيس الموريتاني الأسبق المختار ولد داداه إلى كمبوديا في بداية ستينيات القرن الماضي، وقد استأذن الرئيس ولد داده الملك الكمبودي (نورودرام سيهانوك) للصلاة في قصره، لكن كثرة التماثيل البوذية تسببت في حرج كبير للرئيس الضيف فطلب تغيير المكان، وما كان له إلا أن يصلي رغم انتشار التماثيل في كل مكان حوله. ولا يعي معنى انتشار الأصنام إلا من زار بلدا بوذي الديانة.

 

انتهز الرئيس ولد داداه جلسة هادئة مع الملك سيهانوك ليحدثه عن الحاجة إلى مسجد في العاصمة بنوم بنه، وأثناء عودتهما من رحلة إلى الصين، فاجأ الملك الكمبودي ضيفه الموريتاني بإعلامه بتحديد مكان لمسجد من أراضي الدولة، فرد الرئيس ولد داداه بتحمله مسؤولية البناء.

 

على قدر إمكانات موريتانيا في حقبة الستينيات، وبما يفي بحاجة أقلية مسلمة صغيرة في كمبوديا بني أول مسجد في مدينة بنوم بنه، وكان في أرض سبخة بمحاذاة بحيرة (بيونغ كاك) في إحدى ضواحي العاصمة.

 

وعندما زار رجل الأعمال الإماراتي ناصر بن عبد اللطيف السركال كمبوديا عرض تطوير المسجد وتوسعته، وكان له ذلك قبل وصول الخمير الحمر إلى السلطة.

 

المبنى القديم لمسجد السركال قبل إعادة بنائه على شكله الحالي (الجزيرة)

فرحة لم تطل

بدأ نفوذ الخمير الحمر يتزايد في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، وتزايد معه اضطهاد المسلمين، وبلغ ذروته مع استيلائهم على السلطة عام 1975، فعم الظلم العباد والبلاد، وأخليت بنوم بنه من سكانها، وأجبروا على العمل سخرة في الحقول والمصانع تطبيقا لمبادئ الشيوعية، التي نادى بها من أطلق عليه الأخ الأكبر "بول بوت".

 

 مات مئات الألوف من الكمبوديين بسبب سوء المعاملة والتصفيات الجسدية والإبادة الجماعية، حيث يقدر عدد المسلمين الذي لقوا حتفهم في هذه الحرب القذرة -كما أطلق عليها حينها- بنصف مليون من بين 700 ألف هم مجموع مسلمي كمبوديا في ذلك الوقت.

 

طال المسجد من القهر والعدوان ما طال مسلمي كمبوديا وعموم أهلها، فهُجِر المسجد ثم حوّله الخمير الحمر إلى مزرعة خنازير، عندئذ لم يعد المجال يتسع للحديث عن مسجد وإنما عن مصير أمة بأكملها، وإمعانًا في الإهانة أجبر مسلمون على رعاية الخنازير داخل المسجد، والتحول عن دينهم للنجاة بحياتهم.

 

يوم افتتاح مسجد السركال في مارس 2015 (الجزيرة)

سقوط الشيوعية

شهد عام 1979 انكسار الحكم الشيوعي الكمبودي، وفرار زمرة الخمير الحمر إلى الغابات، فبدأ عهد جيد مع مسجد بنوم بنه حيث حولته الحكومة الجديدة إلى معسكر للجيش، ونسيت وزارة الدفاع أو تناست تاريخه، وتحت وطأة المحنة التي لم تنكشف غمتها بعد لم يكن بإمكان المسلمين المطالبة بحقوقهم.

 

وقد يكون من حسن حظ مسلمي كمبوديا أن أصبح أحد ضحايا الخمير الحمر رئيسا للحكومة، وهو "هون سين" الذي لا يزال في السلطة. وقد روى قادة مسلمون عنه قصة إنقاذ حياته من قبل عائلة مسلمة، وذلك بعد هروبه من معسكر اعتقال للخمير الحمر، وكان مصابا بجروح بليغة فقد فيها عينه، وفي قرية نائية على الحدود مع فيتنام تولت أسرة مسلمة رعاية هون سين إلى أن تعافى وخرج من عندها بعد سقوط حكم الخمير الحمر، وردًّا للجميل عاد إلى القرية ذاتها التي أنقذته وبنى مسجدا لأهلها.

 

افتتاح المسجد مناسبة وطنية وتاريخية لدى مسلمي كمبوديا (الجزيرة)

معركة قانونية

توطدت علاقة هون سين بالأقلية المسلمة ليس فقط تضميدا لجراحها ووفاء لما قدمته له شخصيا، وإنما كذلك طمعا في أصواتها الانتخابية، فقد ساهم المسلمون في إنجاحه في الانتخابات عدة مرات.

 

يروي الوزير بدون حقيبة عثمان حسن كفاحا مريرا لاستعادة المسجد، فقد طلب من رئيس الوزراء في تسعينيات القرن الماضي إعادة مبنى المسجد إلى المسلمين وإخلاءه من العسكر، لكن إثبات الملكية كان متعذرا بسبب فقدان كثير من المستندات، واعتمد على الشهادات الشخصية لإثبات ملكية المكان، والآثار التي تدل على أن المكان مسجد وليس حظيرة أو معسكرا.

 

تمكن ناشطون مسلمون من انتزاع حكم قضائي بملكية المسلمين للمسجد، وأمرت الحكومة بتنفيذ القرار، وبدأ البحث من جديد عن ممولين لبناء المسجد، لكن عيسى بن ناصر السركال تقدم وطلب أن تتم إعادة بناء المسجد على حسابه الشخصي تنفيذا لوصية والده الذي قام بتوسعته، فكان له ما أراد وقدمت الحكومة التسهيلات المطلوبة.

 

تمثال الملك الكمبودي السابق سيهانوك وسط العاصمة الكمبودية بنوم بنه (الجزيرة)

حدث تاريخي

في شهر مارس/آذار 2015 احتفلت كمبوديا بافتتاح مسجدها الوطني، مسجد السركال، وقص شريط الافتتاح رئيس الوزراء هون سين بحضور إسلامي وعربي، ولم يفت هون سين التذكير بتضحيات المسلمين ودورهم التاريخي في بلاده وفي عملية البناء في حقبة ما بعد الخمير الحمر والحرب الأهلية.

 

علقت الصحف الكمبودية على الحدث بأنه مصالحة مع الذات، حيث تتم إعادة الأمور إلى نصابها، والحقوق إلى أهلها، ضمن مصالحة وطنية يسعى لها الجميع، أما مسلمو كمبوديا فاعتبروا افتتاح أكبر مسجد في بلادهم حدثا تاريخيا، ومؤشرا على رغبة في تحقيق العدالة، وهو إنجاز يحتاج أن يبني المسلمون عليه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

جامع "كأني أكلت" ثمرة جهاد النفس

جامع "كأني أكلت" ثمرة جهاد النفس
فاطمة سلام - إسطنبول

في تركيا آلاف المساجد، بل إنه بين كل حي وآخر هناك مسجد. لبعضها شهرة عالمية، ولأخرى مكانة مهمة في التاريخ الإسلامي، ولها جميعها عمارتها المميزة التي تجعل من السمة الإسلامية التركية علامة محفوظة ومميزة.

 

ولعدد من مساجد تركيا قصص تروى، فالتاريخ له ذاكرته التي لا تنسى أو تهمل، بعض هذه القصص ملهم ومشوق والآخر غريب، لكن أشدها غرابة وإلهاما هي قصة جامع "كأني أكلت" أو "Sanki Yedim Cami" في اللغة التركية.

 

بداية من الاسم الغريب "كأني أكلت" تبدأ قصة الجامع العريق الذي بني في القرن الـ17 الميلادي في العهد العثماني، على يد رجل يدعى "خير الدين كتشيجي أفندي".

 

لافتة وضعت عند باب المسجد تعرف بقصته (الجزيرة)

يحكى أن هذا الأخير كان يمشي بأسواق إسطنبول في ذلك العهد، ويرى الأطايب معروضة أمامه، وكان يشعر بالرغبة فيها والضعف اتجاهها كما يشعر أي بشر آخر أمام ما يشتهيه، لكن خير الدين لم يكن كغيره.

 

تقول الحكاية إن خير الدين كان يمتنع عن إرضاء نفسه، ويضع ثمن ما اشتهاه من طعام  وشراب في صندوق يحتفظ به في بيته، ويربت على بطنه كلما فعل ذلك ويقول في رضا "كأني أكلت" محاولا إقناع نفسه بأنه حصل على ما اشتهى.

 

يوما بعد آخر وسنة بعد أخرى، تراكمت الأموال في الصندوق، وأصبح بإمكان خير الدين تحقيق الأمنية التي جمع كل ذلك المال لأجلها. لقد كان يريد بناء جامع في منطقة سكنه، وهو ما تم، لكن بمساعدة احتاجها من صديقه محمد شوقي أفندي، وكان من امتنان خير الدين وصديقه وجيرانه أن أطلقوا على المسجد تسمية "كأني أكلت".

 

مدخل المسجد الذي اشتهر بقصته الغريبة وليس ببنائه  (الجزيرة)

ظل المسجد صامدا لعهود بعد ذلك إلى أن أتت عليه الحرب العالمية الأولى، التي نشبت نيرانها سنة 1914م، لكن الأتراك لم يسمحوا بأن يمحى أثره، فأعادوا بناء ما هدم منه وترميمه سنة 1960.

 

ونحن نتحدث عن جامع "Sanki Yedim Cami" تفد إلى بالك صورة عن جامع كبير بأربع مآذن شامخة، كما هي الحال في معظم مساجد تركيا، لكن المسجد الذي زارته "مجلة الجزيرة" كان جامعا بسيطا جدا في حي "زيريك" بمنطقة الفاتح في إسطنبول، المنطقة التي تحمل اسم السلطان العثماني محمد الفاتح فاتح القسطنطينية (إسطنبول) حيث يوجد الجامع الكبير الشهير بالاسم نفسه (الفاتح).

 

عمارة جامع "كأني أكلت" لا تجمعها علاقة بالعمارة الإسلامية التركية المعروفة في بناء المساجد، باستثناء مئذنته الوحيدة العالية.

 

يبدو المسجد من مظهره الخارجي كبناء سكني إلا أن قصة بنائه جعلته من أشهر مساجد إسطنبول (الجزيرة)

يستوعب الجامع مئتي مصل فقط، وبه جناح لصلاة النساء، وإلى جانب الصلوات المفروضة، تقام فيه خلال شهر رمضان الفضيل صلاة التراويح، لكن المميز فيه أنه يقدم دروسا في القرآن والشريعة والفقه، وضعت إعلاناتها باللغتين العربية والتركية.

 

يقول عبد الصمد آيدن نائب مفتي منطقة الفاتح في إسطنبول إن "خير الدين كتشيجي لجم اشتهاءات النفس البشرية، ووجهها لفعل الخير، وفي هذا عظة كبيرة".

 

لقد توفي خير الدين وهدم الجامع بعده، لكن القيم المتينة في الحياة التي بناه لأجلها لم تمت، وما زالت حية صامدة، تقول إن للنفس اشتهاءاتها التي تستعبدها، وقد تحول دون بلوغ الطموحات، لكن النيات الطيبة وقوة الإرادة وشدة العزم تجعل ضبط النفس وتذليل الصعاب لوصول الهدف أمرا ممكن الحدوث، وتقول أيضا إن الفكر الذي ينضح بالشهوات ويسير في سبيلها، يمكنه أيضا أن يمتلئ بالخير ويعمر طريقه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

"أولو جامع".. حكاية وفاء خارج "صندوق التعصب"

"أولو جامع".. حكاية وفاء خارج "صندوق التعصب"
خليل مبروك - إسطنبول

لا يملك زائر جامع بورصة الكبير أن يدخله من دون أن يمعن البحث في سر نافورة الماء التي تحتل حيزا واسعا في مركزه، فالحكاية هنا تتجاوز وضوء المطّهرين للصلاة، ولا تقف عند سقيا العطشى من الماء البارد الذي يقال إنه يجلب من جبال المدينة المكسوة بالثلج الأبيض.

 

يتوسط المتوضأ الرخامي العريق صحن "أولو جامع" وكأنه الشاهد على سيادة الوسطية على التطرف، أما حكايته الممتدة إلى ستة قرون من الزمن فما زالت تحمل العبرة على قدرة أبناء الشعب الواحد على الاتفاق على حل وسط في منتصف مسافات الخلاف.

 

ترجع كثير من المصادر التاريخية التركية حكاية بناء الجامع إلى عام 1396 حين أراد العثمانيون بناءه في عهد السلطان بايزيد الأول، فعمدت الدولة وقت ذاك إلى تملك المنازل والعقارات وسط مدينة بورصة التركية لتهدمها وتقيم الجامع محلها، لكن صاحب البيت الذي توسط تلك المنازل كان مسيحيا فرفض بيع بيته وأصر على موقفه رغم المحاولات الكبيرة لإقناعه بذلك.

 

المصلون والزوار يخلعون أحذيتهم عند دخول أولو جامع (الجزيرة)

الحلول الوسط

وبعد كثير من المفاوضات وجولات الإقناع قبل المسيحي التنازل عن بيته لقاء تعويض مالي كبير جدا، وبشرط ألا تقام صلاة المسلمين مكان بيته، وهو الأمر الذي قبله المفتي العثماني واعتبره حقا لصاحب البيت المسيحي.

 

حار البناؤون والمشرفون على إقامة المسجد في التعامل مع هذا الشرط أول الأمر، إذ جرى التقليد الهندسي في بناء المساجد أن تقام أماكن الوضوء والخدمات على أطرافها لتترك المساحات الكبرى لصفوف المصلين المتراصة، لكن التفكير "خارج الصندوق" هدى المعماري الشهير علي نصار إلى إقامة حوض الوضوء وسط الجامع وفاء للاتفاق مع صاحب البيت المسيحي.

 

ويؤكد محمد إبراهيم أوغلو -وهو أحد سدنة "أولو جامع"- هذه الرواية التاريخية، وأنها تركت أثرا طيبا ظل ملموسا لدى أبناء المدينة من غير المسلمين على مدار القرون الستة الماضية.

 

ويؤكد إبراهيم للجزيرة نت أن سكان بورصة لا ينظرون إلى هذا المسجد كدار عبادة للمسلمين بقدر ما يعتبرونه رمزا لمدينتهم، وشاهدا على تعايش أبنائها المسلمين والمسيحيين على السواء.

 

وفي حديثه للجزيرة نت يشير الرجل -الذي تجاوز الــستين- إلى أن كثيرا من الناس يجهلون الحقائق التاريخية عن تعايش المسلمين مع غيرهم من الطوائف التي وجدت مكانا رحبا لها في كنف الدولة العثمانية، مبينا أن الكثير من "كنوز التسامح" دفنت مع "تزوير التاريخ واتهام سلاطين آل عثمان بانتهاك حقوق الأقليات".

 

النقوش والحروف العربية تنتشر في أولو جامع وكأنه متحف للخط العربي (الجزيرة)

اليد العربية

وتبدو الروح العربية حاضرة بقوة في المسجد وكأنها العقد الناظم للشعوب التي اعتنقت الإسلام وساهمت في بناء حضارته تحت السماء، إذ تنتشر آيات القرآن الكريم وأسماء الصحابة والخلفاء الراشدين الأربعة والعشرة المبشرين بالجنة بخط عربي يجذب الزوار الأعاجم الذين يبهرهم جمال هذا الخط وما فيه من إبداع.

 

ويقول الجنيد أوموت -وهو إمام مسجد من المدينة- إن أهالي بورصة احتكوا بالثقافة العربية عن قرب كبير بسبب هذا الجامع الذي ظل مقصدا لكثير من العلماء والمصلحين العرب الذين كانوا يزورونه لإلقاء الخطب والدروس الدينية في عهد الدولة العثمانية.

 

وتحت عشرين قبة ومئذنتين تنتصبان على سطح المسجد الذي يمتد على مساحة 3260 مترا مربعا ينتصب صندوق زجاجي يحفظ جزءا من كسوة الكعبة، حفظها عبر التاريخ من تقلبات الزمان، فيما يلقي المصلون عليها نظرة اشتياق تشي بحنينهم من هذا المكان لزيارة بيت الله الحرام.

 

ويضيف أوموت للجزيرة نت أن الجامع التركي يظهر علاقة الود الكبيرة التي يحملها الأتراك للعرب باعتبارهم قومية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي هدى الطرفين على السواء لدين الإسلام، مضيفا "إذا كان بيت الله قد أرشدنا لكلمة سواء مع من يخالفوننا في الدين فكيف بأبناء ديننا الذين يختلفون عنا فقط في عرقهم".

 

كل من يتوضأ في أولو جامع يحصل على منشفة يمسح بها الماء البارد بعض الوضوء ثم يلقيها في مكان خاص ليتم غسلها (الجزيرة) 

ويؤكد أوموت أن كثيرا من أبناء المدينة توجهوا لتعلم اللغة العربية بسبب شغفهم بالخط العثماني الذي خطت بحروفه العربية اللوحات المنتشرة على جدران المسجد وكأنها متحف فني بالغ الإبداع.

 

ورغم الطابع السياحي للجامع وكثرة زواره من مختلف الأديان والجنسيات فإن خشوع الأصوات للرحمن يبقى الانطباع الأبرز الذي تحمله الأذهان عن المكان.

 

وعلى خلاف الجمال الأخاذ للمحراب والمنبر الخشبي الذي صنع من دون أن يدق فيه مسمار واحد تنتشر المحاريب الصغيرة في جدران المسجد وكأنها دور نساك لا يدخلها إلا من تجرد من الدنيا وانقطع عنها لصلاة أو ابتهال.

 

ووفقا لأوموت، فإن هذا المسجد هو المركز الفعلي لنشاط أهل المدينة البالغ تعدادهم أكثر من مليون وثلاثمئة ألف نسمة في شمال غرب تركيا يتوافدون إليه في الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية وكأنه عنوان لهوية مدينة لم تنس فضل صاحب البيت المسيحي في إقامته

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

جامع فرحات باشا.. رمزية العداء والتعايش في البوسنة

جامع فرحات باشا.. رمزية العداء والتعايش في البوسنة

رادول رادوفانوفيتشا- بانيالوكا/ البوسنة
أسوشيتيد برس

 

شهد أكثر من عشرة آلاف شخص إعادة افتتاح جامع فرحات باشا بالبوسنة، بعد أن دمره الصرب خلال حرب البوسنة 1992-1995 التي دمرت نسيج البوسنة المتعدد الأديان الراسخ منذ قرون.

 

يُعتبر جامع فرحات باشا، الذي يُطلق عليه أيضا فرهاديا والذي دمر عام 1993،  تحفة من العمارة العثمانية في القرن السادس عشر وأحد المساجد الستة عشر بمدينة بانيا لوكا، وأحد مساجد البوسنة الـ534 التي دُمرت أو تضررت على أيدي صرب البوسنة، الذين كانوا يخططون لمحو أي آثار لمن كانوا يطردونهم أو يقتلونهم. وكان هدفهم أن يجعلوا تلك المنطقة من البوسنة جزءا من صريبا المجاورة.

 

حضور رسمي وشعبي واسع في يوم افتتاح جامع فرحات باشا في البوسنة (رويترز)

واستهدف ما يُسمى مشروع "التطهير العرقي" أيضا الكروات (الرومان الكاثوليك) والآخرين من غير الصرب، وشمل طرد الناس من منازلهم نهب ممتلكاتهم، وقتل البعض واحتجاز الآخرين في معسكرات الاعتقال. وكان تدمير تراث هؤلاء الضحايا يهدف إلى صرف الناجين من الحرب عن فكرة العودة إلى مناطقهم.

 

في 1995 وبعد مقتل أكثر من مئة ألف شخص، تم التوصل إلى اتفاقية سلام تقضي بتقسيم البلاد إلى جزأين أحدهما للصرب ومنه بلدة بانيا لوكا، والجزء الآخر للكروات والمسلمين. وضمنت الاتفاقية للاجئين حق العودة إلى منازلهم وإعادة إعمار جامع فرهاديا، الأمر الذي شجع على تطبيق خطة السلام.

 

وفي 2001 توقفت محاولة لوضع حجر الأساس للجامع بسبب عمل عدائي من مجموعة من القوميين الصرب قتلوا به أحد الزوار المسلمين وأصابوا عشرات بجروح. واضطرت قوات حلف الأطلسي (الناتو) إلى إجلاء السفراء من ذلك الحفل بالمروحيات.

 

أعيد بناء جامع فرحات باشا بحجارته القديمة التي أمكن العثور عليها (الأوروبية)

ونجح الناشطون في تحديد أماكن كثير من قطع ركام الجامع، فجمعوها واستخدموا الحاسوب لوضع ما يزيد على 3500 قطعة منها في مكانها الصحيح. واستغرقت إعادة البناء 15 عاما.

 

ونشرت سلطات صرب البوسنة أكثر من ألف رجل شرطة لضمان الأمن في الذكرى الـ23 لتدمير جامع فرهاديا التي حضرها رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو، وقادة البوسنة، وسفراء الدول الأجنبية، وممثلو الكنيسة الكاثوليكية الرومانية والكنائس الأورثوذكسية للصرب والجالية اليهودية.

 

وترمز إعادة افتتاح الجامع إلى مساعي الحفاظ على نسيج البوسنة المتعدد الأديان والأعراق. وقد تبرعت تركيا وآخرون وكذلك الصرب لإعادة بناء الجامع. وكان الصرب يعتبرون المسلمين "أتراكا"، الأمر الذي يفسر أعمالهم العدوانية على مسلمي البوسنة انتقاما من الاحتلال العثماني الذي دام مئات السنين.

 

العمارة العثمانية متجلية في بناء جامع فرحات باشا الذي عاد للحياة بعد 23 عاما على تدميره (الأوروبية)

ومما قاله أحمد داود أوغلو في الافتتاح "كنا هنا في السابق، وها نحن هنا الآن وسنظل هنا على الدوام".

 

وقال رئيس الجالية اليهودية في البوسنة ياكوب فينشي في كلمة له أيضا إنه من النادر أن يتحدث يهودي في افتتاح جامع، لكن في البوسنة فإن ذلك ممكن. ورحب فينشي ومطران الكاثوليك فرانيو كوماريكا وقس الصرب الأورثوذكس يفريم بافتتاح الجامع وبالذين سيصلون فيه.

 

وقال زعيم مسلمي البوسنة حسين كافازوفتش "اختلافاتنا ليست خطأ تاريخيا، بل هبة من الله، وأي أعمال عنف ضد هذه الاختلافات هي عمل معاد لإرادة الله".

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

جامع دجينغاربير.. تحفة تمبكتو لسبعة قرون

جامع دجينغاربير.. تحفة تمبكتو لسبعة قرون
ياسين الكزباري - تمبكتو

 

ستون ألف رجل، اثنا عشر ألفا منهم يحملون ما مجموعه 24 طنا من سبائك الذهب، وثمانون جملا يحمل كل منها قنطارا من الذهب الخالص، ورجال يلبسون الحرير وبأيديهم عصيّ ذهبية يراقبون الخيول والجمال وينظمون شؤون القافلة التي صارت أشهر قافلة في التاريخ، والتي كان على رأسها أغنى رجل عرفه التاريخ. إنه مانسا موسى إمبراطور مالي.

 

كان مانسا موسى سليل أسرة عظيمة النفوذ، امتدت سيطرتها من بحيرة تشاد شرقا إلى الساحل الأطلسي غربا، أي المنطقة التي تغطي اليوم كلا من مالي والسينغال وغامبيا وغينيا وبوركينافاسو والنيجر وأجزاء من موريتانيا ونيجيريا وتشاد. ولم يكن أول من يقود قافلة بهذه الضخامة من أسرته، فقد قاد أبوه أبو بكر الثاني، قبله قافلة بحرية من ثلاثة آلاف سفينة، بهدف الوصول إلى حدود المحيط الأطلسي.

 

ولم تكن قافلة مانسا موسى استكشافية، ولا تجارية، وإنما كانت متجهة شرقا إلى مكة المكرمة، وكانت أضخم وأثرى وأكرم قافلة حجيج قادها حاكم مسلم، إذ تصدق مانسا موسى بالذهب على الفقراء حتى كسدت أسواق الذهب في البلاد التي مر بها، وبنى مسجدا في كل مكان حط فيه رحاله أيام الجمعة. وحين وصل إلى القاهرة، بهرته بعمرانها، فقابل السلطان المملوكي الناصر محمد، وطلب منه أن يرشح له علماء ومهندسين وحرفيين، ليعمروا مدن مالي كما عمروا القاهرة، وتم ذلك سنة 1324م.

 

وفي طريق عودته من الحج في السنة الموالية، اشترى مانسا موسى كميات ضخمة من الكتب، ورافقه إلى مالي عشرات العلماء والمهندسين والحرفيين، ليشيدوا أكبر مسجد في أفريقيا (جنوب الصحراء) في ذلك الوقت، أي سنة 1327م.

 

لوحة من سنة 1858 للمستكشف بارث تصور تمبكتو وفي مركزها مسجد دجينغاربير و مئذنته ترى من أطراف المدينة  (الجزيرة)

وحين زرته هذه السنة، وجدته لا يزال كبيرا شامخا في وجه الشمس والتصحر والحروب، وفي وجه سبعة قرون مرت عليه كأنها سبعة أيام. وحين سألت مشرفه الثمانيني الشيخ ماهامان محامادو عن سر صموده، أجابني "باستثناء المنارة، بني المسجد بشكل كامل من الطين المخلوط بالقش، وبينما الحديد يصدأ والإسمنت يتآكل مع مرور الزمن، فإن هذه المادة (الطين والقش) لا يزيدها الزمن إلا شدة وقسوة".

 

كان أبو إسحاق الساحلي مهندسا أندلسيا شهيرا في مصر، لكن مئتي كيلو غرام من الذهب عرضها عليه مانسا موسى جعلته يترك مصر ويتجه إلى بلاد مالي في قلب الصحراء الكبرى، ليبني المساجد والقصور، وكان مسجد (دجينغاربير) إحدى تحفه الخالدة.

 

وعن ذلك يحكي الشيخ محامادو قائلا "لقد بنى قصر ماداغو الملكي في العاصمة نياني، وقاعة مؤتمرات، وبنايات أخرى في مدن مختلفة، لكن في تمبكتو وغاوة واجه أبو إسحاق مشكلة كون المنطقة صحراوية لا تتوفر على الحجر، ثم وجد الحل في استعمال المواد المتوفرة محليا، فاستعمل الطين ودعم السقف بأخشاب النخيل. وبينما اندثرت المباني التي شيدها بالحجر، فإن البنايات الطينية في تمبكتو وغاوة لا تزال صامدة".

 

وتعتلي المسجد مئذنتان، ويحتوي فناء واسعا غير مسقوف، ومساحة مسقوفة تقوم على خمسة وعشرين صفا من السواري الطينية الضخمة، أما سقف المسجد فقد تخللته عشرات من الفتحات الصغيرة لإنارة المسجد نهارا وتهويته، ويمكن إغلاق هذه الفتحات عند هطول المطر، وقد كان الجو داخله المسجد باردا لطيفا رغم أن الحرارة خارجه كانت حارقة. ويسع داخل المسجد لألفي مصل، ويمكن أن يصلي 12 ألفا في باحته.

 

تتميز الأبواب في تمبكتو بطراز فني تتداخل فيه الفنون العربية والأفريقية (الجزيرة)

ولم يكن مسجد دجينغاربير مجرد مسجد للصلاة، وعن ذلك يقول الشيخ محامادو كان مسجد دجينغاربير الكلية الرئيسية من ثلاث كليات شكلت معا جامعة تمبكوتو، إلى جانب مسجد سانكوري وسيدي يحيى. وكانت هذه الجامعة تسع 25 ألف طالب، و180 فصلا دراسيا، وقد امتلأت بالأساتذة الذين كان مانسا موسى يدفع لهم رواتب، وكان منهم الفقهاء والشعراء والأطباء والقضاة والمترجمون والإداريون والمهندسون واللغويون والفلكيون والرياضيون وغيرهم، وقد بلغت أخبار ثراء وسخاء مانسا موسى أطراف الدنيا، فانجذب إليه علماء المسلمين من الأندلس والمغرب ومصر وجزيرة العرب.

 

أما مكتبة هذه الجامعة، فقد كانت واحدة من أضخم المكتبات في العالم وأكبر مكتبة في أفريقيا، إذ حوت قرابة مليون كتاب. ورغم أن تمبكتو لم تكن العاصمة، فقد جعل منها مسجد دجينغاربير وإخوته مركزا حضاريا إسلاميا عظيما، في وقت كان فيه العالم الإسلامي ممتدا من الأندلس إلى الهند، ويذهب المؤرخون إلى أن أكبر موجة انتشار للإسلام في غرب أفريقيا، حصلت في عهد مانسا موسى، وكان لتمبكتو وجامعتها ومساجدها الدور الرئيس فيها.

 

أما أبواب المسجد ونوافذه الخشبية فإنها تحف حقيقية، إذ تحفها زخارف الأرابيسك الملونة، وأشكال معدنية جميلة. لكن الشيخ محمادو أخبرني أنها لم تكن هكذا في أول عهدها، بل كانت إطاراتها العلوية مطلية بالنحاس، والسفلية مطلية بالذهب.

 

سقف المسجد تتخلله كوات للإنارة والتهوية وتغلق في موسم الأمطار (الجزيرة)

وقد سجل مسجد دجينغاربير رفقة أخويه ضمن قائمة اليونيسكو للتراث العالمي سنة 1988، وبعدها بسنتين أعلن أنه من المعالم المهددة بالخطر بسبب زحف الرمال، وبعدها بست سنوات خصصت له الأمم المتحدة ميزانية سنوية لترميمه من خلال المؤسسات الحكومية المالية، لكن بعد عشر سنوات، وجد أن تلك الميزانية لم تصرف كما ينبغي، فأسندت مهمة ترميمه لصندوق آغا خان الثقافي سنة 2006.

 

لكن المسجد لم يكن طوال سبعة قرون ينتظر المنظمات الدولية لترميمه، لأن سكان المدينة درجوا منذ قرون على الاجتماع مرة كل سنة، بعد انتهاء موسم الأمطار، والعمل على ترميمه طوال أسبوع كامل تطوعا. وبعدما دشن مشروع ترميم المسجد من طرف اليونيسكو استمر الناس على سنتهم السنوية، مبتغين بذلك الأجر، ومحيين ذكرى أسلافهم المهندسين والحرفيين والبنائين الذين جاؤوا من اليمن ومصر والمغرب وشيدوا معا المسجد قبل سبعة قرون.  

 

وقد التفت مودعا تمبكتو ونحن نغادرها، فإذا بمئذنة المسجد الهرمية ترى من بعيد شامخة تحرس المدينة، وخاشعة كأنها تراقب مرور الزمن وتقلب القرون وتسبح باسم مبدل الأحوال.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

مسجد باريس.. قصة إيواء اليهود الفارين من النازيين

مسجد باريس.. قصة إيواء اليهود الفارين من النازيين
عياش دراجي - باريس

مسجد باريس، أو مسجد باريس الكبير، أشهر من نار على علم، تبدو منارته الأندلسية من بعيد من أي شارع قدمت منه إلى المسجد، مَعلمٌ يتوسط قلبَ الدائرة الخامسة في باريس وهي الدائرة التي تضم جزءًا من الحي اللاتيني التاريخي العتيق.

 

دون الذهاب بعيدا في تاريخ وجود المسلمين في فرنسا وعلاقتهم بها، سواء في البلدان التي احتلتها جنوب المتوسط أو بعلاقة الصداقة التي ربطت الملك الفرنسي فرانسوا الأول مع سلطان الدولة العثمانية سليمان القانوني، نجد إرهاصات فكرة بناء مسجد بالعاصم باريس في وثائق فرنسية تعود للأعوام ١٨٤٨، و١٨٧٨، و١٨٨٥، و١٨٩٥.

 

لكن فكرة بناء مسجد باريس الحالي صارت ملحة وعرفت طريقها نحو التجسيد والبناء خلال  نقاشات المسلمين وبعض أصدقائهم في مجالس باريس في السنة الأولى للحرب العالمية الأولى.

 

وكانت الفكرة تهدف إلى تكريم تضحيات الجنود المسلمين الذين قتلوا في ساحات الحرب مع الجيش الفرنسي، وفي معركة فيردان وحدها تجاوز عددهم السبعين ألفا. تلك المعركة التي دارت رحاها بين الجيشين الفرنسي والألماني عام ١٩١٦، كانت حدثاً تاريخياً حاسماً ودافعاً أساسيا لتحويل الفكرة إلى مشروع، وفعلاً تم تأسيس جمعية باسم "الحبوس" عام ١٩٢٠ في الجزائر، وتكفلت رسميا برفع قواعد المسجد الكبير.

 

مجموعة من زوار المسجد من غير المسلمين للتعرف على الإسلام وشعائره التعبدية (رويترز)

تم وضع حجر الأساس في أكتوبر/تشرين الأول ١٩٢٢، واستمرت ورشة البناء على قدم وساق إلى صيف العام ١٩٢٦، حيث قام الرئيس الفرنسي آنذاك غاستون دوميرغ برفقة سلطان المغرب مولاي يوسف وأعيان المسلمين في فرنسا بتدشين هذا المعلم التاريخي الفريد من نوعه في فرنسا كلها، ووُلد يومها أول مسجد في باريس.

 

خلال السنوات الأولى لعمل المسجد كان كثير من المسلمين المهاجرين آنذاك -خاصة الجزائريين- يتوجسون من ارتياده بسبب ارتباط مؤسسه الجزائري الشيخ والموظف الدبلوماسي قدور بن غبريط بالإدارة الفرنسية. ولكن عقب الحرب العالمية الثانية ومع بداية ١٩٣٩، بدأ المسجد يشهد نشاطاً أكثر قرباً من الجالية ومن الناس عموماً، لاسيما أن مرتادي المسجد لم يكونوا فقط من المسلمين، بل كان كثير من الفقراء والمعوزين يرتادونه وهم في ظروف الحرب تلك، بحثاً عن إيواء أو غذاء أو لباس.

 

في السنوات الأخيرة طفا على السطح موضوع قيل فيه الكثير، وهو موضوع مساعدة المسجد لضحايا النازية من اليهود، موضوع ما زال محل نقاش وتساؤلات تاريخية: هل فعلاً قدم المسجد عونا لليهود وخبأ بعضم بعيداً عن أعين النازية، أم أن الأمر مجرد أسطورة جميلة كما يقول البعض؟

 

الذين يقولون إن المسجد كان له دور في مساعدة اليهود يشيرون إلى سهولة الأمر، لاسيما بالنسبة ليهود المغرب العربي أو السيفاراد الذين يتكلمون اللغة العربية المغاربية تماماً مثل العرب، وكان سهلاً عليهم الاندماج في محيط المسجد.

 

الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في زيارة للمسجد الكبير بباريس (رويترز)

مدير معهد الغزالي التابع للمسجد الدكتور جلول صديقي يستبعد حدوث ذلك، ويعتقد أن  الأمر لم يكن ممكناً لأن إدارة المسجد آنذاك كانت مقربة من نظام فيشي (الخاضعة للاحتلال النازي)، ولأن أقبية المسجد لم تكن تتسع لاختباء أي كان، من دون علم الألمان.    

 

ويقول صديقي "لا أعتقد أن المسجد لعب دورا معينا في إخفاء اليهود بعيداً عن النازية، وأعتقد أن الأمر مجرد أسطورة.. ثم إن إحدى العمارات المجاورة للمسجد كانت مقراً من مقرات المخابرات النازية أو الغيستابو، وربما -أقول ربما- كان الأمر سهلا بالنسبة لبعض من لهم أسماء تشبه أسماء المسلمين لا أكثر".

 

هذا الرأي القطعي يرفضه بعض الباحثين، ويتساءلون "ألم يكن يوجد بين كل أولئك الطيبين المنصفين العدول مسلم عربي واحد يقدم مساعدة ليهودي تطارده النازية؟".

 

مؤلف كتاب "النجمة الصفراء والهلال" محمد عيساوي يذهب بعيداً في البحث عن شهادات ووثائق، ومما عثر عليه وثيقة لوزارة الخارجية التابعة لنظام فيشي آنذاك، يقول إنها "تعود إلى الفترة ١٩٣٩- ١٩٤٥ في الملف الذي يحمل الرقم ٢٠ في وزارة الخارجية، وقد أرسلت إلى الجنرال فايغان وزير الدفاع آنذاك في حكومة فيشي".

 

مجموعة من زوار المسجد من غير المسلمين للتعرف على الإسلام وشعائره التعبدية (رويترز)

ويؤكد عيساوي أن الوثيقة تقول "إن سلطات الاحتلال ترتاب في أمر القيمين على  مسجد باريس بشأن إصدار وثائق مزورة لأشخاص من أصل يهودي، أي شهادات تدل على أنهم مسلمون، وقد تم تحذير الإمام بشكل تهديدي، بأنه لا بد من تجنب أي سلوك مريب من هذا النوع". وتتابع الوثيقة القول إن "هناك عددا من اليهود يلجؤون إلى كل الحيل لإخفاء هويتهم".

 

قناعة الباحث الصحفي عيساوي راسخة بأن المسجد قام بدور ما، وأن هناك الكثير من القصص، ويقول "وقد أخبرني الصحفي الشهير فيليب بوفار أن والده بالتبني المدعو جول لوزاتر اعتقلته المخابرات النازية، لكن أطلق سراحه بعد فترة بمساعدة إمام المسجد آنذاك قدور بن غبريط، وهناك قصص أخرى". ويتابع عيساوي "هناك كثير من الحقائق التي -للأسف- تزعج البعض".

 

ودون الخوض في ترجيح كفة على كفة، ارتأينا لقاء الحاخام ميشال سرفاتي -وهو من يهود المغرب المقيمين في فرنسا- لنطلع على رأيه في موضوع دور مسجد باريس في مساعدة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، فقال "لدي قناعة راسخة بأن مسجد باريس ساعد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، وأنه قام بذلك بطريقتين: الأولى، شهادات تثبت أن فلانا مثلاً مسلم أو على الديانة المحمدية كما كان يقال في ذلك الوقت. والثانية، إخفاء يهود لفترات قصيرة تسمح لهم فيما بعد بالهروب".

 

ويضيف الحاخام سرفاتي "أنا لا أؤمن بالرأي الذي يقول إن الأمر مجرد أسطورة، حتى أني أعتقد بأن بعض اليهود اعتنقوا الإسلام واستفادوا من حماية المسجد، خاصة من الشباب الذين فقدوا عائلاتهم مثلاً". ويذهب الحاخام إلى القول "أرشيف المسجد ربما يكون اختفى مع وفاة الإمام قدور بن غبريط الذي لم تكن له علاقة حسنة مع من جاؤوا بعده وتسلموا زمام الأمر في المسجد".

 

جامع باريس الكبير أقدم وأكبر مساجد فرنسا (رويترز)

ويبقى الموضوع مفتوحاً للمؤرخين والباحثين، في ظل صعوبة الحصول على شهادات من جيل لم يبق منه سوى القليل على قيد الحياة، سواء من المسلمين في فرنسا الذين كانوا على صلة بالمسجد، أو من اليهود الذين نجوا من الترحيلات النازية آنذاك.

 

لو تركنا تاريخ المسجد وجئنا إلى الواقع لرأينا أن المسجد ما زال معلما من معالم باريس، ورغم أنه لم يعد المسجد الوحيد في العاصمة الفرنسية، فإنه الأقدم والأجمل هندسياً دون شك، ولذلك فهو قبلة للمصلين وأيضا للسياح، وفيه معهد الغزالي لتدريس علوم الدين وتخريج الأئمة وحفظة وحافظات القرآن الكريم.

 

يقول مدير معهد الغزالي جلول صديقي إن "معهدنا له برنامج واضح وثري، نعلم الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية، وللطلبة والدارسين حرية التوسع في الفقه المقارن، ونحن ندرس الفقه المالكي لأن أغلب الجالية من أتباع المذهب المالكي وهو مذهب إمام أهل المدينة، كما أن ثلث برنامج التدريس خصصناه لعلوم اللغة والمعارف الأخرى كالفلسفة وعلم الاجتماع، وهذه العلوم دون شك، تسمح للإمام الجديد بالتمكن من محاورة غيره، خاصة من غير المسلمين في مجتمع متنوع مثل المجتمع الفرنسي".

 

الزائر للمسجد في رمضان يلمس حركة دائبة فيه، وفضلا عن الجانب العبادي المرتبط بالشهر الفضيل كصلاة التراويح، نجد في المسجد مطعماً مفتوحاً لعابري السبيل والطلبة والمعوزين حتى من غير المسلمين.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

تقارير منوعة

 ميكي ماوس في بلد ماو
علي أبو مريحيل - بكين

إنه الحلم الذي أصبح حقيقة للصينيين الشغوفين بالثقافة الغربية، لكن بعض الصينيين اعتبروه غزوا أميركيا لثقافة الصينيين

ديزني لاند تفتح أبواب الصين الموصدة (الجزيرة)

 

"الفصل العشائري" بالعراق.. غرائب وتغول على القضاء
أميمة يونس- بغداد

الثقافة العشائرية لا تزال تحكم حركة المجتمع العراقي خصوصا في حل الخلافات رغم ما فيها من تجاوز على النظام القضائي

لا يقتصر نظام الفصل العشائري على جنوب العراق وإنما يعمل به في شمال وغرب البلاد (الجزيرة)

 

"أبو الفقراء".. رائد الاقتصاد التضامني بتركيا

فاطمة سلام-إسطنبول

التفت أمين أوستن إلى حاجة فقراء بلاده إلى شراء منزل أو سيارة، فيسر لهم الأمر عبر الجمعيات التضامنية

أمين أوستن المعروف بأبي الفقراء في تركيا بسبب نشاطه في الاقتصاد التكافلي (الجزيرة)

 


منزل دوابشة.. حين يصبح الحزن متحفا 

عاطف دغلس - نابلس

آثر أهالي عائلة دوابشة التي قتلها المستوطنون الإسرائيليون حرقا أن يتركوا المنزل على حاله ليكون متحفا وشاهدا على جرائم الاحتلال

داخل المنزل المحترق خط الزائرون أسماء ضحايا عائلة دوابشة  (الجزيرة)

 

توغو عاصمة شعوذة الفودو

ياسين الكزباري - توغو

في سوق لومي بتوغو ستجد مسحوق حرباء، جمجمة فرس، كف غوريلا، ضرس تمساح، وغيرها من مواد السحر والشعوذة

أدوات لا يتكمل علاج الشعوذة إلا بواسطتها (الجزيرة)

الكلاب في أوروبا.. أكثر من حاجة اجتماعية

جورج كدر ـ هولندا

يثير مهرجان ذبح الكلاب في الصين حفيظة الأوربيين فللكلب في ثقافتهم مكانة خاصة تتعدى الحاجة للتسلية والرفقة

الكلاب في أوروبا باتت أكثر من حاجة اجتماعية وتعويض عن العلاقات الإنسانية (الجزيرة)
السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

ميكي ماوس في بلد ماو

ميكي ماوس في بلد ماو
علي أبو مريحيل - بكين

لم تعد صور التحوّل في المجتمع الصيني نحو حياة البذخ والإسراف والترف مقصورة على اصطفاف الصينيين في طوابير أمام السفارات الأجنبية للحصول على تأشيرة سفر للسياحة الخارجية، بل تعدت ذلك إلى صور أخرى أكثر حضارة وأقل شقاءً.

فما حاجة الصيني لتكبّد عناء السفر بحثا عن إرضاء فضوله وإشباع غرائزه، ما دام قادرا على جلب كل ما تحلم به عينيه إلى أرضه وعقر داره، حتى إن كان ذلك الحلم مدينة بحجم ديزني لاند الأميركية.

 

إنه الحلم الذي أصبح حقيقة، ليس فقط للصينيين الشغوفين بالثقافة الغربية، بل أيضا للمدير التنفيذي لشركة ديزني لاند، روبرت إيغر، الذي قال أثناء افتتاح أول منتجع سياحي لشركته في مدينة شنغهاي الصينية في منتصف يونيو/حزيران الماضي، "لم نبن مدينة ديزني في الصين، بل بنينا مدينة ديزني لاند صينية تراعي الثقافة والموروث الصيني".

 

وبالرغم من أن عددا من الصينيين اعتبروا ذلك انتصارا لثقافتهم التي استطاعت من وجهة نظرهم أن تفرض على أكبر مدينة ألعاب في العالم أن تكتسي حلة صينية وتخاطب الجمهور الصيني بلغته وفي عقر داره، فإن فريقا آخر من الشبان المتعصبين لقوميتهم وهويتهم الثقافية رأوا في ذلك غزوا ثقافيا بقناع محبب "للغالبية الساذجة"، على حد قولهم.

ثقافة ولون جديد من المتعة يعيشها الجيل الصيني الصاعد (الجزيرة)

هوس صيني بالثقافة الغربية

زانغ بين، الشاب الصيني الذي يدرس في كلية الآداب بجامعة بكين، أعرب في حديثه لمجلة الجزيرة عن أسفه من حالة الهوس في أوساط المجتمع الصيني بالثقافة الغربية، وقال إن "الشباب الذين يلتقطون صورا لأنفسهم مع ميكي ماوس وساندريلا، لا يعلمون أن تلك الابتسامات العريضة والأقنعة البرّاقة، تخبئ وراءها أسنانا حادة ونوايا خبيثة".

 

وأكد أن الثقافة الصينية بقيت محصّنة قرونا طويلة ضد الغزوات والحملات الفكرية الغربية، ومن المؤسف أن يتم اختراقها بهذه السهولة.. وأن من المخجل أن تجتاز سور الصين العظيم شخصيات كرتونية مثل "ميكي ماوس" و"دونالد داك" و"سنو وايت" و"ساندريلا" و"صوفيا" و"جيزيل".

 

صينيون يرون أنه من المخجل أن يخترق ميكي ماوس سور الصين العظيم بهذه السهولة  (الجزيرة)

حملات لمقاطعة ديزني لاند

وعارض ناشطون صينيون افتتاح منتجع ديزني لاند في مدينة شنغهاي، باعتبار ذلك شكلا من أشكال العولمة والغزو الثقافي الخارجي للموروث والثقافة الصينية، ودعا عدد منهم -عبر صفحاتهم على مواقع التواصل- إلى مقاطعة منتجع ديزني لاند في شنغهاي، وتغيير وجهة الجمهور الصيني باتجاه منتجع "واندا" السياحي الذي يمثل -من وجهة نظرهم- الثقافة الترفيهية الصينية.

 

ويعتبر منتجع "واندا" السياحي واحدا من أكبر المشاريع التي أقامتها شركة "واندا غروب" الصينية على غرار منتجع ديزني لاند، حيث أعلن عن افتتاح المنتجع في 28 مايو/أيار الماضي، بتكلفة بلغت ثمانمئة مليون دولار.

 

وقال القائمون على المشروع إن الشركة تهدف إلى تخطي ديزني لاند كعلامة تجارية، على الأقل في الوسط الصيني الذي بات يتودد -بحسب رأيهم- للثقافة الغربية. وكان رئيس مجلس إدارة الشركة، الرجل الأغنى في الصين، وانغ جيان لين، قد قال في كلمة له أثناء الافتتاح "إن حماية الموروث الصيني من العولمة والغزو الثقافي الخارجي واجب وطني".

 

يبدو الجيل الجديد في الصيني أكثر تقبلا للثقافة الغربية ورموزها (الجزيرة)

حصة الأسد من نصيب التنين

ورغم الضجيج الذي أثاره افتتاح مدينة ديزني لاند في شنغهاي، فإن ذلك لم يوقظ التنين الصيني الذي يملك -بموجب اتفاق تمَّ مع مجموعة شركات "شنغهاي شندي غروب" المملوكة للدولة- 57% من أسهم المدينة، بينما تملك شركة ديزني لاند 43% فقط، وهي أقل النسب بين منتجعات الشركة الستة المنتشرة حول العالم.

 

وتعوّل ديزني لاند على كبر السوق الصيني الذي من المتوقع أن يدرّ على الشركة قرابة ثلاثة مليارات دولار سنويا، وهذا ما جعلها تقبل شروطا في الصين لا يمكن أن تقبلها في أي مكان آخر.

 

وكان الرئيس التنفيذي لشركة ديزني لاند قد قال في كلمة له أثناء الافتتاح، "نريد أن نشعر الزوار الصينيين بأنهم مرحّب بهم، وبأن المدينة أنشئت خصيصا لهم، لتناسبهم وتناسب ثقافتهم".

 

وهذا ما تُرجم على الأرض منذ لحظات الافتتاح الأولى، حيث بدا واضحا حرص المنظمين على المزج بين التراث الصيني والحداثة الغربية، وتجلى ذلك في القدرة على تجسيد شخصيّات وأميرات عالم والت ديزني الخيالية، لتصبح واقعا ملموسا، وكائنات حيّة من لحم ودم، ترقص وتغني للصينيين بلغتهم وعلى أرضهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

"الفصل العشائري" بالعراق.. غرائب وتغول على القضاء

"الفصل العشائري" بالعراق.. غرائب وتغول على القضاء

أميمة يونس - بغداد

في أحد قطاعات مدينة الصدر (شرق بغداد)، دلفنا مستدلين بشهرة الشيخ محمد الشمري، الذي اكتسبها من براعته في حل الخلافات العشائرية أو "الفصل العشائري" كما تسمى في العراق، حيث تكثر تلك الخلافات في هذا الحي الشعبي الشهير بالعاصمة العراقية، والمعروف بولائها المطلق للمرجع الشيعي محمد محمد صادق الصدر، وبأنه يضم خليطًا واسعًا من مواطني عشائر جنوب العراق ذات الأغلبية الشيعية يتعدى ثلاثة ملايين نسمة.

 

وبابتسامة دافئة استقبلنا الشمري بمجلسه في منزله المتواضع، واللافت أن رائحة القهوة العربية كانت تفوح بالمكان، فقد حرص أن تكون الأجواء ذات طابع حميمي وعشائري، حيث يجلس الناس على الأرض، وتملأ الرايات التي تبرز أهمية عشيرته، وصور آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جدران المجلس.

 

ويقول الشيخ المتخصص في علم الأحياء "أستقبل عشرات الحالات، وعادة ما أخصص يومي الجمعة والسبت لحل الخلافات العشائرية التي تتطلب تفرغا كاملا وصبرا على ردود الفعل العنيفة التي تبدر من بعض الأطراف المتنازعة".

 

ويؤكد الشمري أن الفصل العشائري أصبح أكثر من السابق، موضحا "بعد العام 2003، أصبحت الأوضاع أكثر انفلاتا، والوضع الأمني في تدهور مستمر، فضلا عن القضاء المسيس الذي انعكس سلبا على المجتمع العراقي، الذي فقد ثقته بالمنظومة القضائية للبلاد".

 

ويضيف "هناك العديد من القضايا التي عجز القضاء والقانون في البلاد على متابعتها، الأمر الذي أجبر العديد من العوائل المتضررة لاسيما تلك التي فقدت أبناءها قتلا أو خطفا للجوء إلى الفصل العشائري".

 

وعن مغالاة العشائر في التعويضات المالية، قال الشمري "هذا أمر صحيح، فبعض العشائر طلبت مبلغ مليار دينار عراقي (حوالي 850 ألف دولار) دية لأحد أبنائها، واستطعنا أن نحسمه بمبلغ 150 مليون دينار (حوالي 128 ألف دولار)".

 

ولا يخفي الشمري أن الأمور تخضع للتراضي والمساومات، وعادة ما تكون وبالا على عشيرة المعتدي، التي تتعرض للكثير من الضغوط والخسائر.

 

الفصل العشائري نظام اجتماعي قديم في العراق لا يزال معمولا به بقوة حتى اليوم (لجزيرة )

قانون مجحف

وبألم واضح تحدث إلينا الطبيب (علي. س)، الذي يقضي فترة التدريب في أحد مستشفيات محافظة ميسان جنوب بغداد، قائلا "في السابق كانت المدينة هادئة وأهلها بسطاء، مما أغراني بفتح عيادتي وسط المحافظة".

 

وتابع "لكن الأمور تطورت بشكل غريب عندما حضر رجل مستصحبا زوجته للمعاينة، مبينا "أن المرأة كانت تشكو تحسسا في الجلد، وبعد الأسئلة الروتينية، استفسرت عن حالتها النفسية التي أكدت أنها تعاني من بعض المشاكل".

 

وأضاف الطبيب "في اليوم التالي حضر أهل الزوجة إلى العيادة مطالبين بالجلوس للفصل العشائري الذي غرمني عشرة ملايين دينار عراقي (8500 دولار) وغلق عيادتي". وعن الأسباب قال الطبيب "يبدو أن الزوج أرادها حجة لطرد زوجته التي نعتها بالمجنونة، الأمر الذي أثار حفيظة عائلتها التي ترى أن تشخيصي كان السبب وراء ذلك".

 

وبالرغم من صدور قانون حماية الأطباء عام 2013، الذي أقره مجلس النواب وصادق عليه رئيس الجمهورية ونصت بعض مواده على "حماية الأطباء من الاعتداءات والمطالبات العشائرية والابتزاز"، فإن التهديدات والاعتداءات ما زالت تطال الأطباء في العراق.

 

وفي رواية لموقف آخر لا يخلو من الغرابة، تحدث "خ. كريم" عن معاناته قائلا "أجبرت على دفع مبلغ سبعين مليون دينار (حوالي 60 ألف دولار) دية لزوجتي وابنتي اللتين غرقتا في رحلة الهجرة إلى أوروبا، بعد أن اتهمتني عائلتها بأنني السبب وراء قرار هجرتها الذي أبرمته مع شقيقها الذي يستقر في إحدى الدول الأوروبية".

 

وأضاف معبرا عن استغرابه لهذا الوضع "لا قانون يحمينا من سطوة العشيرة، التي باتت تفرض قرارتها وإن كانت مجحفة بدون أي رادع حكومي".

 

وقصتا علي وكريم، واحدة من آلاف القصص التي تنتشر في البلاد، والتي تعبر عن سطوة قانون العشائر على الشارع العراقي، خاصة أن كثير من العوائل في محافظات الوسط والجنوب ومناطق في بغداد، أصبحت تلجأ إلى العشيرة لحل النزاعات التي تحدث بينها من خلال تسويتها أو تعويض المعتدى عليه تناسب ما لحق به من أضرار.

 

بعض العشائر تستفيد من ارتباطاتها الحزبية القوية في توظيف الفصل العشائري لصالحها (الجزيرة)

موقف مشابه

ويعترف أحد شيوخ السعيدات في قضاء الطارمية (شمال بغداد) ذي الأغلبية السنية، بأن الفصل العشائري لا يقتصر على المناطق الجنوبية فحسب، فأغلب العوائل السنية تعمد إليه خاصة في جرائم القتل والتصفيات الجسدية، التي اقترفتها الجماعات المسلحة وثبت تورط بعض أبناء العوائل بها.

 

ويلفت إلى أن "العشيرة تعمد عادة إلى إنذار العشيرة الأخرى، وفي حال رفضت قبول الفصل العشائري الذي يفرض دفع الدية (وفق الشريعة الإسلامية) فإن ترحيل العائلة عن المنطقة يصبح أمرا محتما، حيث يكتب على الدار (مطلوب عشائريا)".

 

وعن قساوة القرار على العائلة برمتها، قال بمضض "هذا هو الدارج والمتعارف عليه بقوانين العشائر، وعلى الجميع الالتزام به وإن كان جائرا".

 

الفصل العشائري في العراق طغى على دور القضاء المدني (الجزيرة)

رأي القانون

ويرى الخبير القانوني طارق حرب أن مثل هذه الحوادث تتكرر كل يوم في حين يقف القانون عاجزا عن التدخل. مؤكدا "أن الخلل يكمن في ثقافة المجتمع الذي بات يلوذ بالعشيرة دون قوانين الدولة، فهناك جهل من كافة الطبقات، فالأستاذ الجامعي والطبيب والمسؤول باتوا يلجؤون إلى العشيرة لحل مشاكلهم سواءً في العمل أو حياتهم الخاصة".

 

ويعترف بأن هناك عشائر فاسدة استغلت وضع البلاد غير المستقر. ويقول "لقد تحولت هذه الظاهرة من مجرد قوانين عرفية تنظم حياة الأفراد إلى وسيلة للابتزاز واستغلال للنفوذ الذي تتمتع به بعض العشائر".

 

وعن دور الحكومة قال حرب "أغلب الحكومات التي توالت بعد عام 2003، ضعيفة، وقد لجأت إلى تقوية حكمها بالاعتماد على المحاصّة الطائفية والعشيرة، على حساب حقوق المواطنين".

 

وتتفق أستاذة علم الاجتماع الدكتورة فوزية العطية مع رأي حرب على أن مرحلة ما بعد 2003، أفرزت نظاما مبنيا على أسس طائفية، قائة "أصبحت العشيرة مؤدلجة طائفيا، الأمر الذي ساعد على تجزئة المجتمع الذي شوه بطريقة أفقدته ترابطه".

 

ما يقضي به الفصل العشائري ملزم للأطراف المعنية  (الجزيرة)

النساء ضحايا الفصل

وفي قضية جوبهت بانتقادات عديدة لبشاعتها، غرمت إحدى العشائر في محافظة البصرة بجنوب العراق، عشيرة أخرى في المدينة باقتياد خمسين امرأة كفصل عشائري (بدل)، إثر نزاع بين عشيرتين أدى إلى مقتل عدد من المدنيين بعد استخدام الرصاص الحي في الاشتباكات.

 

ويتم تزويج هؤلاء النساء قسرًا من رجال العشيرة التي استحوذت عليهن وفقًا للحكم العشائري، ولا ينظر إليهن على أنهن زوجات لهن حقوق، بل هن مجرد ثمن مقبوض عن دم ابن العشيرة المقتول.

 

وبشأن ما تتعرض له النسوة من ظلم جراء بعض القرارات تقول الناشطة المدنية بشرى العبيدي "إن تسليم النساء كثمن لإنهاء نزاع عشائري، يعد جريمة يعاقب عليها القانون العراقي وفق المادة 9 من قانون الأحوال الشخصية المرقم 188، لكن للأسف لا يوجد هناك تطبيق للقانون".

 

وطالبت العبيدي "الحكومة باعتبارها المسؤولة عن حماية الشعب والمرأة التي تتعرض لانتهاكات باسم العشيرة، بحمايتها وفرض قوانين رادعة لضمان عدم الاعتداء عليها بأي شكل من الأشكال".

 

لكن رئيس لجنة العشائر النيابية عبود العيساوي لديه رأي آخر، حيث يرى أن "المجتمع العراقي، مجتمع عشائري بالدرجة الأساس، وبالتالي فإن العشيرة تتصرف ضمن الضوابط الاجتماعية التي تخفف عن الدولة الكثير من الأمور القضائية بحلها".

 

وعن المغالاة في طلب التعويضات، قال العيساوي "إن العشائر الأصيلة ترفض بشدة ما تقوم به بعض القبائل المرتبطة ببعض الأحزاب السياسية في البلاد"، مؤكدا أن هناك كثيرا من الأفعال المخالفة للأصول والعادات.

 

تقع مبالغات كبيرة في مطالب التعويضات في قضايا الفصل العشائري (الجزيرة)

السياسي والعشيرة

وغالبا ما تنظر العشائر في جرائم القتل والسرقة والشجار والطلاق والزواج والإرث، وقضايا جنائية واجتماعية مختلفة، لكنها تجاوزت ذلك فبتّت مؤخرا في قضايا تتعلق ببعض أعضاء البرلمان، الذين فضلوا القانون العشائري على قانون المحكمة الخاصة بالبرلمان أو القضايا المدنية، مما شكل صدمة لدى الشارع العراقي.

 

وسبق لعشيرة النائبة حنان الفتلاوي (رئيسة حركة إرادة)، أن غرمت عشيرة المتحدث باسم كتلة الموطن (التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى) بليغ أبي كلل، على خلفية تصريحات متلفزة مبلغ  100 مليون دينار (حوالي 85 ألف دولار)، خلال الفصل العشائري الذي حصل في مدينة الحلة جنوب بغداد.

 

وتوقع المحلل السياسي واثق الهاشمي ازدياد الاستعانة بالعشيرة في حل الخلافات والنزاعات خلال المرحلة المقبلة، مبينا في تصريحات صحفية أن "هذه الحالة ستتفاقم، وقد يصل الأمر إلى تكميم الأفواه وقمع حرية التعبير بتهديد الصحفيين، وكل من يتجرأ على فتح أي ملف أو انتقاد أي جهة".

 

ويرى الهاشمي "أن القضاء العراقي يعيش أزمة بسبب اتهامات الشارع له وعدم ثقة المواطن بأدائه، الأمر الذي سيسبب له حرجا إذا ما حاول البتّ في القضايا العشائرية".

 

وقد أصبحت وظيفة المحاكم الرسمية العراقية مقتصرة على تسجيل عقود الزواج، وأمور الطلاق، ونقل الملكية، وتلبية حاجات شريحة من العراقيين الذين لا ينتمون إلى عشائر.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

"أبو الفقراء".. رائد الاقتصاد التضامني بتركيا

"أبو الفقراء".. رائد الاقتصاد التضامني بتركيا
فاطمة سلام - إسطنبول

 


يقود رجل الأعمال التركي أمين أوستن، واحدة من كبرى المجموعات الاقتصادية في تركيا، وتحمل اسم "أمينافيم" (EMINEVIM).

 

الملهم في قصته ليست نجاحاته المالية بل "مشروع العدالة الاجتماعية والاقتصادية" الذي يحمل لواءه.

 

يشتغل أمين أوستن بالعقارات والإنشاءات ويعقد الصفقات، لكنه يصر على أن يكون "للفقير والمحتاج ومحدود الدخل نصيب في أعمالنا"، كما قال في لقاء مع مجلة الجزيرة.

 

أمين أوستن يتوسط مجموعة من موظفي شركته التي تأسست قبل 25 عاما (الجزيرة)

بدأت قصة أوستن سنة 1990، عندما كان يلاحظ الصعوبة التي يلاقيها أصدقاؤه وجيرانه والفقراء بشكل عام عند شراء سيارة، فالبنوك كانت تأخذ فوائد كبيرة، وتشترط على المتقدم بطلب قرض لشراء سيارة إثبات جهة عمله ومعدل دخله، وهو ما لم يكن بإمكان الجميع تقديمه.

 

هنا فكر أمين أوستن بأن يجد حلا لهذه الفئة من المجتمع التركي، وكان ذلك على شكل "جمعية" بمعناها المحلي عند أهل الشام وتركيا، بحيث يلتزم كل مشترك بدفع مبلغ شهري، ثم يحصل -حين يحين دوره- على المبلغ مضروبا بعدد الشهور التي يشترك فيها.

 

كان الهدف من الجمعية -التي تتطلب التزاما وتنسيقا عاليين، تكفل بهما أمين أوستن- أن يشترك الكل في شراء سيارة للفرد، وهكذا بالتناوب عبر قرعة تجرى بحضور كل أفراد المجموعة، وفي ظرف سنوات قليلة تمَّ شراء ستين ألف سيارة لستين ألف شخص بهذه الطريقة.

 

حفل لإجراء القرعة وتحديد ترتيب المستفيدين من خدمة التكافل في المرحلة القادمة (الجزيرة)

ولأن مجموعات المنخرطين كانت تكبر، والعمل يزداد ضغطه على أوستن، بدأ يأخذ عمولة عن كل عملية قدرها 5% تدفع مرة واحدة، لا كل شهر أو عام كما تفعل البنوك. وعن ذلك يقول أوستن "نحن بعيدون عن العمل الربوي، ونبحث عن طريقة أفضل من الرأسمالية لتلبية احتياجات الناس، ووفرنا عليهم ملايين الدولارات التي كانت تأخذها منهم البنوك فوائد".

 

ولأن هذا يمكن تطبيقه أيضا على شراء البيوت من خلال القروض، التفت أمين أوستن سنة 2006 إلى تلبية طلبات البيوت، والتي تعدَّ الأسر أكثر احتياجا لها، عبر شركة حملت اسم "أمينافيم" (EMINEVIM) هي اليوم مجموعة اقتصادية ضخمة، بات معها أوستن واحدا من أكبر رجال الأعمال في تركيا.

 

لم تكن الطريق التي قطعها أوستن مزينة دائما بالنجاحات، بل يقول إن "البنوك حاربتنا وتعرضنا لمضايقات كثيرة قبل أن تصل الحكومة الحالية للحكم وتسهل عملنا، كما أن ما يزيد على مئتي شركة تأسست لتنافسنا من خلال طريقة عملنا التضامني، لكن سمعتنا في المجال وخبرتنا والتزامنا حافظت على ريادتنا، والحمد لله اشترينا حتى الآن 35 ألف بيت لـ35 ألف محتاج".

 

أحد الرحلات التي تنظمها شركة أمين أوستن إلى فلسطين لربط الأتراك بالقدس والأقصى (الجزيرة)

يقول شعار مجموعة أمين أوستن "احصل على بيتك بأسهل طريقة"، وهو يحيل على التطبيق الحرفي للجملة، فالمجموعة لا تنظم وتنسق وتدبر فقط أمر شراء البيوت للمحتاجين في مجموعات وصل عدد المنخرطين فيها إلى مئة ألف مشترك، بل أطلقت بشكل مواز جمعية خيرية تحمل اسم والد أمين "حميد الله"، لا تكتفي بضخ أموال لمساعدة المشتركين الذين قد تعيقهم ظروفهم الاجتماعية عن دفع واجباتهم الشهرية، أو المشتركين الذين لا يكون بإمكانهم انتظار مدة تفوق العشرين شهرا للحصول على بيت؛ بل تنظم حملات خيرية في تركيا وعلى الحدود مع سوريا، وفي الداخل السوري أيضا وفي فلسطين.

 

يقول أوستن "جمعية حميد الله الخيرية هي وقف لمساعدة الفقراء، بلغت الآن 15 سنة من الاشتغال في هذا الباب، والحمد لله استطعنا أن نساعد آلاف المحتاجين في تركيا، وفي مدينة كيليس على الحدود مع سوريا، ونظمنا قوافل خيرية وصلت الداخل السوري وأسهمت في مساعدة الكثير من إخوتنا السوريين، كما ننظم حملات تبرع لأجلهم، ناهيك عن بقية الحملات الخيرية في الداخل التركي في شهر رمضان الفضيل، كموائد الإفطار الجماعي، ورحلات تأدية مناسك العمرة في مكة المكرمة"، وتنظم الجمعية زيارات للمسجد الأقصى، كما تستضيف في تركيا زيارات من الفلسطينيين "تؤكد على أننا إخوة ومتحدون".

 

تعمل المجموعة في العقارات والإنشاءات، وفي إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، وعبر شركات متخصصة في إنتاج الثروات النباتية والحيوانية، ولها مشاريع تجارية في ألمانيا وأميركا، كما تستعد حاليا لإطلاق أكبر مشروع من نوعه في السياحة الطبية في تركيا عبر التداوي بالمياه الكبريتية في مدينة "أفيون" الشهيرة بمنابعها الكبريتية، مع إطلاق مشروع سياحي آخر ضخم في إسطنبول على مشارف مطار "صبيحة" الدولي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

منزل دوابشة.. حين يصبح الحزن متحفا

منزل دوابشة.. حين يصبح الحزن متحفا
 عاطف دغلس - نابلس

 

ربما لا تدرك الطفلة مريم ما تقول، غير أنها تتوقف عن الكلام لكل من أتى منزل عمها الشهيد سعد دوابشة زائرا، إذ تبدأ بسرد قصصها مع رفيق دربها أحمد وشقيقه الشهيد علي، وتروي بتفاصيل أدق حياة كانت تعيشها معهما.

 

وبذلك تلخص مريم (خمسة أعوام) جزءا يسيرا من حياة بسيطة وسعيدة كانت تعيشها أسرة الشهيد سعد دوابشة قبل أن يغتالها الموت أواخر يوليو/تموز 2015 عندما هاجمها مستوطنون إسرائيليون حملوا من الغل والحقد ما يكفي لحرق العائلة داخل منزلها، فاستشهد عمها سعد وزوجته ريهام وطفلهما الرضيع علي، وأصيب أحمد إصابات أصعب من أن يتحملها طفل في سنه.

 

تشير مريم بيدها إلى صور ورسومات خطت على جدران المنزل المحترق حيث ارتكبت الجريمة، مستذكرة عمها وأطفاله وهم أحياء لا أموات كما توحي تلك الصور.

 

وتظل مريم ترقب كل غاد ورائح لمنزل عمها الشهيد، وتقول إنها لا تعي كيف رحلوا عن دنياها وحياتها، لكنها تدرك تماما أن اليهود هم من قتلوهم وأحرقوهم، وتعصف بها ذكريات اللعب وهي تتجول بين حجرات البيت التي علا السواد جدرانها.

 

منزل عائلة الشيهد سعد دوابشة الذي أحرقه المستوطنون أواخر يوليو تموز الماضي  (الجزيرة)

شاهد مؤلم

يقول نصر دوابشة (عم الطفل أحمد) إنهم أخفوا عنه ما حصل لعائلته التي لم يغفل السؤال عنها طوال فترة علاجه، ولا يخشى نصر من أن يعرف أحمد آجلا أم عاجلا ما حل به وبأسرته، فالمستوطنون تركوا ما يكفي ليعكس بشاعتهم، في إشارة إلى المنزل المحترق الذي تبرعت به العائلة ليصبح متحفا وطنيا شاهدا على جرم المستوطنين وجرائمهم.

 

كل شيء في المنزل سيبقى كما هو -يضيف نصر- ولن تتم إزالة أي شيء من مكانه، فالبيت سيحكي من ألفه إلى يائه همجية وعنف الاحتلال، وسيتم تصميمه بطريقة هندسية لا تسقط أيا من "أركان الحزن والألم" فيه، كما سيضاف إليه منزل قيد الإنشاء كان سعد قد بدأ بتشييده قبيل استشهاده.

 

يوضح نصر أنهم وبدعم رسمي تعاقدوا مع مؤسسة هندسية في مدينة نابلس لاستكمال إجراءات المتحف وعما قريب سيكون جاهزا، وسيحتوي كل ما من شأنه أن يخلد مأساة العائلة.

 

من داخل مهده الصغير سيطل الطفل الشهيد علي دوابشة عبر فتحة في جدار الفصل العنصري الإسرائيلي "الهش"، في صورة تعكس تمرد أطفال فلسطين على كل الجدران نحو الأمل والحياة التي يحرمهم منها الاحتلال.

 

طفل يحمل بيده دراجة الطفل احمد دوابشة الذي أصيب بحروق لا يزال يتعالج منها (الجزيرة)

توثيق للجريمة

يردف نصر قائلا إن المتحف يشمل أيضا مجسمات وأشكالا تظهر معاناة الفلسطينيين، وأشياء أخرى تعكس مدى التضامن الذي حظيت به العائلة إبان استشهاد أبنائها الثلاثة، إضافة إلى شيء من تاريخ النضال الفلسطيني عبر أشجار تؤكد صمود الثائرين بحياتهم ومماتهم "وقوفا كالأشجار".

 

سيوثق المتحف أيضا مجازر الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني وبأدق تفاصيلها بدءا من الحياة اليومية ومرورا بالشهداء وأبرز مقتنياتهم وصورهم وانتهاء بأعمال فلسطينية تراثية تؤكد امتداد جذور الفلسطينيين بأرضهم.



يتطلع نصر إلى تحويل منزل شقيقه لمتحف إلى أن يغدو المكان ممرا لكل زائر يجيء لفلسطين وليس معلما سياحيا، بل شاهد على عنف الاحتلال وإرهابه، فقد رفد المنزل ما يزيد على مئة ألف متضامن من أصقاع الأرض ومللها وطوائفها بعد أن رحلت العائلة واحدا تلو الآخر، وفتح أطول بيت عزاء استمر لـ43 يوما، أمه ما يزيد على 24 قنصلا أجنبيا.

 

الطفلة مريم دوابشة لا تكاد تتوقف عن الحديث عن عائلة عمها الشهيد سعد وطفله وزوجته (الجزيرة)

كل شيء مكانه

لكن حسن دوابشة (32 عاما) -وهو شقيق الشهيدة ريهام وابن عم الشهيد سعد- فبالكاد تسوقه قدماه نحو مكان المجزرة، اتكأ على جدار خارجي منه وصار يحدثنا عما يدور في خلده تجاه المكان وأهله.

 

يقول حسن "إنها ليست أطلالا ولن تكون، بل مكان ينبض بالحياة بأنفاس سعد وريهام وعلي بكل زواياه وأركانه، لا أحد يستشعر ذلك إلا من زار العائلة ورأى الأطفال وهم ينثرون الفرح وتعلو ضحكاتهم كل شيء، مثلي أنا".

 

لذا لن نغير شيئا في المنزل -يضيف الشاب- وسيكون بكل ما تبقى منه من أثاث وفرش محترق وحتى أدوات المطبخ وبقايا الطعام -ولا سيما حليب الرضيع الشهيد علي- شاهدا حيا.

 

لم تعد بحسن الآن تلك الحماسة لزيارة المنزل كما قبل، ويقول "كي لا تعصف بمخيلتي اللحظات الجميلة التي استرقتها عيناي هناك حيث الحياة الجميلة والأمل بما كانت شقيقتي وزوجها سعد يخططان له لمستقبلهما".

 

ورغم ذلك تواظب عائلة دوابشة على عدم ترك المنزل، تزوره كل حين، إذ لا يحسن أن يمر أفرادها من جانبه من دون الوقوف عنده، فكلما كان ذلك تمنوا أن تعود الأيام وكأن شيئا لم يكن.

 

رحاب زيد أم الشهيد سعد قالت إنه لم يعد بها قوة لدخول منزل نجلها الشهيد حيث وقعت المجزرة (الجزيرة)

ست الحبايب

أما رحاب زيد (أم سعد) أو "ست الحبايب" كما كان يحب الشهيد سعد أن يسميها، فهي لم تنس بعد زياراته لها وخدمتها بكل صغيرة وكبيرة، تقول "لا أستطيع دخول بيته بهذه الحالة" فبمجرد رؤيته تخيم عليها حالة الحزن الشديد.

 

حال الحاجة أم سعد (ستون عاما) لم يعد كما كان عليه قبل استشهاد نجلها وعائلته، خارت قواها وباتت ضعيفة ولا تقوى حتى على زيارة المنزل مكان الجريمة، لم يعد هوى لديها بالذهاب إليه أصلا، تقول ذلك وقد ذرفت دمعها حزنا.

 

تتابع الحاجة المكلومة "رحل كل ما هو جميل عن هذا المنزل، فلم الأسف؟" تتساءل، ثم تهيج بالدموع حزنا على فراق "الغوالي" إلى أن ينتهي المشهد ونغادر المكان بصمت المكان.

 

ربما يضيق صدر الحاجة رحاب أو أي من عائلتها كلما اقتربوا من المنزل أو دخلوه، لكن الأمر بالنسبة لإبراهيم دوابشة الشاهد الوحيد على جريمة المستوطنين مختلف تماما، إذ يعد الرجل نفسه "شاهد الحقيقة أو شهيدها" بعد أن تلقى تهديدات بالموت من المستوطنين مباشرة.

 

منزل عائلة دوابةغدا مزارا للوافدين إلى قرية دوما (الجزيرة)

الناجي والشاهد

لا بل أكثر من ذلك، يقول إبراهيم الذي طرق الموت بابه عندما هاجمه المستوطنون مطلع مارس/آذار الماضي وأحرقوا منزله بذات الطريقة والكيفية التي أحرقوا بها منزل سعد، لثنيه عن سرد حقيقة ما جرى بحق عائلة دوابشة لكل من قدم لزيارة المنزل.

 

لكن ذلك زاد إصرار إبراهيم على موقفه بنقل الحقيقة وإن كانت حياته ثمن ذلك، وهو يعد نفسه الآن ليكون شاهدا في محكمة الاحتلال ضد مستوطنين اعتقلتهم إسرائيل على خلفية تنفيذ الجريمة.

 

وأمام كل هذا، يبقى أحمد دوابشة طفل المرحلة والناجي الوحيد من المحرقة بحق عائلته شاهدا حيا على عنف المستوطنين وإرهابهم، وتبقى صورته أبلغ من كل الكلمات والمعاني التي سيعكسها المتحف.



وحتى تلك الشعارات التضامنية التي خطها الزائرون لمنزل دوابشة ليس بأقلامهم بل بالفحم المحترق من مقتنيات المنزل وأثاثه عبرت عن التضامن الواسع مع عائلة دوابشة وما حل بها من معاناة باتت تروى لكل زائر للمكان.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

توغو عاصمة شعوذة الفودو

توغو عاصمة شعوذة الفودو

 ياسين الكزباري - توغو

مرض عضال أم تجارة كاسدة؟ وظيفة متعثرة أم عريس لم يظهر بعد؟ اختبار جامعة، تأشيرة نحو أوروبا، مباراة كرة قدم. كل الأمراض والمشاكل والأحلام، دواؤها وحلها وتحقيقها في لومي، عاصمة توغو، وعاصمة الشعوذة أيضا.

 

إنها لومي، مدينة جميلة ناعسة بوداعة على ساحل الأطلسي، يزين شواطئها نخيل جوز الهند وأشجار الببايا، وبالإضافة إلى جمال طبيعتها وطيبة شعبها، تختص بسوق من أغرب الأسواق في العالم.

 

في هذا السوق، ستجد مسحوق حرباء، جمجمة فرس، كف غوريلا، ضرس تمساح، قدم فيل، ريشة غراب، رأس ثور، قرن أيل، شعر أسد، كوبرا مجففة، فراء دب، وغيرها من أطراف مختلف الحيوانات. وهذه الأشياء هي بالضبط العلاج الفعلي لما يصيب الناس من أمراض ومشاكل اجتماعية ومالية وحتى تحديات سياسية.

 

جانب من السوق الذي يبيع احتياجات المشعوذين (الجزيرة)

هذا ما يعتقده كثير من الناس في هذه البلاد وبلدان أخرى مجاورة، ويشاركهم في هذا الاعتقاد أصحاب هذا السوق بالطبع، وهم رجال غريبو الأطوار، يدعون إتقان طلاسم هاروت وماروت وحيازة أسرار النجوم التسع، وقراءة العيون والأكف، فضلا عن الفناجين!. اتخذوا من عاصمة توغو لومي عاصمة عالمية للشعوذة، فأسسوا أكبر سوق مخصص لمواد السحر و"العلاجات الشعبية"، منذ أكثر من قرن ونصف، وكان حينها داخل حدود مملكة داهومي (بينين حاليا)، إنه سوق أكوديسيوا أو سوق الشعوذة، أو سوق العلاجات الشعبية كما يفضل أصحابه تسميته.

 

كان داكو دليل السوق جالسا تحت شجرة تتوسط الساحة، حينما كان أحد المعالجين منكبا على تدليك ركبة أحد الزوار وتعريضها لدخان من مبخرة صغيرة. أخبرني داكو حين سألته أن الشاب لاعب مقبل على مباراة كرة قدم، ويريد العدو بسرعة أكبر، وهذا ما يساعده عليه المعالج.

 

وسألت داكو عن فوائد الحيوانات المعروضة، فقال "الطيور عموما تعالج مشاكل الإنجاب والخصوبة، وكف الغوريلا يزيد الرزق، أما رأس الأرنب فيقوي الذاكرة، وهناك أشياء مختلفة لجميع أنواع الأمراض والمشاكل". وحين سألته عما إذا كانت هنالك أبحاث علمية تثبت جدوى هذه المواد، أجابني "في ديانة الفودو، نؤمن بأن كل المخلوقات مقدسة، وكلها تمتلك قدرات علاجية، سواء حية أو ميتة، وينبغي فقط معرفة مجال نفع كل واحدة منها".

 

العلاج بالوخز بالإبر على طريقة المشعوذين (الجزيرة)

وسألت داكو عن أكثر الزوار ترددا على السوق، فقال "يأتي التجار لتنشيط تجارتهم، ويأتي الطلبة لتقوية ذاكرتهم قبيل الامتحانات، كما تأتي الفتيات لجلب أزواج جيدين لهن. لكن أغرب زائر كان لدينا، هو سياسي طلب خاتما لكسب الانتخابات في إحدى البلديات!".

 

تنتشر ديانة الفودو في توغو و تعتبر ديانة رسمية في بينين، وقد وصلت إلى أميركا اللاتينية عبر سفن العبيد، ويعتقد أتباع ديانة الفودو أن هناك آلهة متعددين، أربعين أو أكثر، ولكل إله تخصص محدد. ويؤمن أتباع هذه الديانة بأن لكل إله مشعوذين يختارهم للتواصل مع المؤمنين. قال لي داكو "إنك لا تصبح مشعوذا، وإنما تولد مشعوذا"، فسألته هل ولد هو مشعوذا، فقال "والدي كان مشعوذا كبيرا، ولكن للأسف لم تخترني الآلهة لأكون وريثا له، ولكني أتوقع أن يكون أحد أبنائي كذلك".

 

خلف بعض الطاولات، كان هناك فتيان صغار، سألت أحدهم عما يفعله هنا، فأخبرني بأنه في طور التعلم، فقلت له "لكن المرء لا يصبح مشعوذا وإنما يولد كذلك" فضحك داكو معلقا "صحيح، ولكن الذين يولدون مشعوذين يحتاجون صقل مهاراتهم".

 

جماجم ثيران وحرباءات مجففة وأخرى منقوعة (الجزيرة)

في طرف السوق، كانت هناك مبخرة كبيرة زرعت فيها مباخر معدنية صغيرة، وكان عليها رماد وبقايا طيور محترقة. سألت داكو عن وظيفة هذه المبخرة، فقال "هنا تقدم القرابين لإرضاء (الفودون غو)، أي إله الحديد، فهو الذي يحمي السوق. وفي كل صباح يقوم أحدنا بوضع قربان صغير، ومرة كل سنة يُقدَّم قربان كبير، خروف أو بقرة، حسب الاستطاعة، وأحيانا يأتي بعض الناس بالقرابين، إذ يعتبرون استمرار السوق دليلا على رضا الأرواح والآلهة".

 

وبينما كنت أتجول أمام الدكاكين، رأيت مجسمات صغيرة عليها دبابيس، وسألت داكو عن ماهيتها، فقال "هذه تقنية علاجية، شبيهة بتقنية الوخز بالإبر الصينية، لكنها أكثر روحانية، حيث لا تحتاج أن تلمس جسد المريض بالدبابيس، وإنما يكفي أن تضعها على المجسم الخشبي".

 

سوق الشعوذة هذا، ليس مجرد سوق تجاري، وإنما يعتبر معبدا أيضا، فهنا يأتي أتباع ديانة الفودو ليتواصلوا مع الآلهة ويطلبوا عونهم، ولكي يفعلوا ذلك، فهم بحاجة للمشعوذ الذي يكون قناة تواصلهم مع الآلهة، وهذه الخدمة يقدمها المشعوذ مقابل ثمن معين.

 

مكان تقديم القرابين للفودون غو إله الحديد الذي يقول أصحاب السوق أنه يحمي السوق (الجزيرة)

وسألت داكو عن ثمن خدمة الاتصال بالآلهة في ديانة الفودو، فقال "المشعوذ ليس هو الذي يحدد الثمن، وإنما الآلهة نفسها، فعندما يعد المشعوذ الليبغو (لوحة الاتصال بالآلهة)، يقدم المؤمن الثمن على اللوحة نفسها، فإذا قبلت الآلهة الثمن ألهمت المشعوذ ليوصل رسالتها للمؤمن، وإن لم تقبل فعلى المؤمن أن يرفع الثمن ثم يعيد المشعوذ المحاولة، إلى أن ترضى الآلهة".

 

فسألت داكو "ولكن ماذا لو استغل المشعوذ الأمر وتظاهر بعدم وصول الرسالة ليحصل على مزيد من المال؟" فأجابني "لا يمكن للمشعوذ أن يفعل ذلك، لأنه إن فعل ستغضب عليه الآلهة وسيحصل له مكروه لا محالة".

 

في البداية، كان السوق في بينين، ولكن صاحبه -الذي كان مشعوذا ورجل أعمال أيضا- رأى أن أسواق الشعوذة كثيرة في بينين، بينما يوجد نقص في توغو، فنقله إلى هنا بداية القرن العشرين، ونقل أول الأمر إلى السوق الرئيسي في لومي، سوق أسيغامي، ولكن قبل سنوات، رأت السلطات أن الأبخرة المتصاعدة من القرابين المقدمة قد تؤذي صحة المتسوقين وتلوث المواد الغذائية المعروضة، فقررت نقله إلى إحدى جنبات المدينة، حيث لا يزال موجودا إلى الآن.

 

قبل أن أغادر السوق، سألت داكو هل يؤمن حقا بجدوى هذه المعروضات؟ فاقترب مني وهمس "أنا مسلم واسمي حسين، وأنا هنا لكسب رغيف العيش فقط".

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

الكلاب في أوروبا.. أكثر من حاجة اجتماعية

الكلاب في أوروبا.. أكثر من حاجة اجتماعية
 

 جورج كدر ـ هولندا  

لا شيء يثير حفيظة الأوروبيين وسخطهم أكثر من المهرجان السنوي الذي يقام في مدينة يولين بجنوب الصين احتفاءً بالانقلاب الصيني بإقامة مذبحة كبرى للتضحية بالكلاب بمناسبة أطول يوم في السنة وهو يوم 21 يونيو/ حزيران من كل عام.

 

ورغم أن هذا المهرجان لم ترخص فيه السلطات فإن أسواق المدينة تمتلئ بالكلاب المعدة للذبح والأكل، إحياءً لتقليد قديم في الصين وكوريا الجنوبية ودول آسيوية أخرى يعود إلى نحو 500 عام كما تقول وكالة شينخوا الصينية للأنباء اعتقادًا من السكان بأن تناول هذه اللحوم يخفف من قيظ أشهر الصيف.

 

تحضن إيلكا فان ديور (موظفة في شركة خاصة) كلبها وهي تتحدث عن سخطها على هذا التقليد، فكيف يمكن للإنسان أن يؤذي الكلاب، وهي الأكثر وفاءً وحبًّا للبشر بين كل الكائنات. وتقول "هذا الأمر فظيع إلى حد لا يطاق".

 

لم يشهد تاريخ البشر، تطورا إيجابيا في علاقتهم مع محيطهم، كما كانت عليه العلاقة بين الإنسان والكلب، بل يمكن القول إن التطور البشري وظهور الإنسان العاقل قبل 35 ألف سنة، تزامن بشكل تقريبي مع ظهور الكلب في حياته.

 

فحسب العلماء في معهد ماكس بلانك لإنثربولوجيا التطور في ألمانيا، فإن الكلاب قضت وقتا طويلا في التأقلم مع الإنسان يعود لحوالي ثلاثين ألف سنة، وهي علاقة سبقت تدجين الإنسان للحيوانات المستأنسة، إذ دجن الإنسان الخنازير والخراف منذ 11 ألف سنة، والبقر منذ عشرة آلاف عام، والقطط منذ ثمانية آلاف عام، والدجاج منذ ستة آلاف عام.

 

في كثير من الأحيان يكون الخروج للمتنزهات من أجل الكلب للترفيه عنه (الجزيرة)

الأوربيون والكلاب

نادرا ما يخلو منزل في أوروبا من كلب يتربى مع أفراد العائلة، ويكبر مع أطفالها، وفي المجتمعات الأوروبية التي تعاني علاقاتها الاجتماعية من البرود والتجمد تماما كشتاء أوروبا القاسي، نجد أن الكلاب هي المتنفس الوحيد للتواصل بين الجيران وتبادل الحديث، الذي يبدأ عندما يقترب كلب كل منهم من كلب الآخر، أي أن "علاقة الكلاب" تحكم لحد كبير "علاقة الجيران" بعضهم ببعض.

 

تقول "ليونيل فان هيلده" وهي ربة منزل هولندية "تواصلي مع جيراني لا يتعدى القول لهم صباح الخير أو مساء الخير، ولكن الأمر مختلف مع الجيران الذين يحب كلبي كلابهم، فأنا أقف معهم ونتبادل أطراف الحديث حتى ينهي كلبي اللعب مع كلبهم".

 

عندما دخلت إلى منزل مدرب الرياضة البدنية "كيفن دي بورخ" كان الحزن يخيم على الجميع، فالعائلة في اجتماع تاريخي لتقرر به مصير أحد أفرادها، هذا الفرد ليس إلا الكلب "رالف" الذي عاش مع كيفن سنين طويلة وكان صديقه الحميم، فرالف الذي بلغ عمره 15 سنة أصبح هرما ويبدو أن خيار تقديمه إلى الموت الرحيم نظرا لسوء حالته الصحية هو الأفضل.

 

يقول كيفن أصبح وضع رالف الصحي محزنا فعمر الـ15 سنة بالنسبة للكلاب يعني أن الكلب أصبح من المعمرين، لأن سن بلوغ الكلب يكون بعد سنة أو سنة ونصف من ولادته وهذا يوازي عمر فتى بلغ 16 عاما، وبعد سن البلوع تصبح كل سنة من عمر الكلب معادلة لخمس أو سبع سنوات من عمر الإنسان، أي أن كلب الأسرة رالف قارب مئة عام من عمر البشر. ويضيف "لا بد من حسم أمره لكي نريحه من آلام التقدم في العمر، ونرتاح أيضا من معاناة العناية به وهي قاسية لنا جميعا".

 

تتطلب العناية بالكلاب في المنازل الأوروبية عبئا إضافيا على الأسرة فضريبة الكلب السنوية تصل إلى مئة يورو، وغذاؤه خاص وطرق العناية به خاصة ومكلفة. تقول ربة المنزل "فلور تيلمان" إن أي إهمال للعناية بالكلب يجعل البيوت مليئة بالشعر المتناثر، وقملها يعد من المصائب الحياتية التي اعتادوا عليها.

 

وتتابع تيلمان وهي تبتسم "إن العناية بالكلب أصعب من العناية بالأطفال، ولكن قد يخلو كثير من المنازل حتى بين المتزوجين من الأطفال نظرا لظروف العمل الصعبة، ولكن من النادر أن يخلو منزل في أوروبا من كلب يؤنسنا".

 

الكلب رفيق الأوروبي في تفاصيل حياته اليومية (الجزيرة)

سلوك متناقض

 في أوروبا أصبحت هناك إشارات مرور خاصة بالكلاب، لتحديد الأماكن التي يمنع دخولهم إليها، أو التي يسمح لهم بدخولها وهي الحالة الأعم، كما أن هناك إشارات للأماكن التي يسمح لهم بقضاء الحاجة فيها، وفي هذا الموضوع بالتحديد يظهر التناقض في السلوك الأوروبي فهم يتساهلون مع كلابهم ويسمحون لهم بقضاء الحاجة حيث يريدون في الشارع رغم أن القانون لا يسمح بذلك.

 

تقول الطالبة الجامعية "سامانثا  يانسن" إن هذا الموضوع معقد جدا في سلوك الأوروبيين وهم الذين يشددون على موضوع نظافة مدنهم في حواراتهم مع الجنسيات الأخرى،  باعتبارها من مظاهر الحضارة. وفي السويد مثلا لا تجد ظاهرة "انتشار براز الكلاب" كما هي الحال في هولندا وألمانيا ولكن في كل الأحوال هو مظهر غير حضاري.

 

الكلاب في أوروبا جزء من احتياجات العائلة رغم تكاليفه المالية العالية (الجزيرة)

 لغة الجسد

توصلت دراسات العلماء إلى أن الذئاب عدو الإنسان القديم هي السلف البري للكلاب، وعنها خطت الكلاب طريقا مختلفا عن سلفها الذئب المفترس في علاقتها مع البشر. ويبدو الأمر مثيرا حقا، عندما نقرأ في دراسة معهد ماكس بلانك عن العلاقة الطويلة بين البشر والكلاب التي تركت أثرا في خلاياها الوراثية جعلها قادرة على فهم الإنسان على نحو أفضل، وقادرة على التفاعل معه بشكل مختلف عن الحيوانات الأخرى، لدرجة أن الكلاب كما تقول العالمة الألمانية ماري نيزشنير "كانت قادرة على فهم الإيماءات البشرية بسرعة".

 

وذلك يعني فيما يعنيه القدرة المذهلة للكلاب على قراءة لغة الجسد، وتطوير ملكات تمكنها من الاستحواذ على صاحبها وتحبيب نفسها بشكل يجعل من الصعوبة بمكان التخلي عنها.

 

كلب في الحديقة المخصصة لقضاء الحاجة في هولندا (الجزيرة)

هرمون الحب واللذة

وقبل أشهر نقلت وكالة الصحافة الفرنسية تفاصيل دراسة مثيرة لعلماء يابانيين نشرتها عن مجلة ساينس الأميركية للعلوم، تدعم النتائج التي توصل إليها العلماء الألمان، حيث اكتشف باحثون يابانيون إحدى الأسرار العميقة لعلاقة الإنسان بالكلاب.

 

تقول الدراسة إنه عندما ينظر الإنسان إلى عيني الكلب، يرتفع مستوى الأكوسايتوسين عند الاثنين وهو هرمون الحب والثقة واللذة ارتفاعا كبيرا، مما يؤدي إلى توطيد العلاقة بينهما. وهذه هي الآلية عينها التي توطد الروابط العاطفية بين الأم وولدها عندما يتبادلان النظرات، ومن المرجح أن تكون الكلاب قد طورت هذا الرد الهرموني هذه ليتبناه البشر.

 

وأظهرت دراسات حديثة لصور إشعاعية للدماغ أن إحدى مناطق الدماغ الخاصة بالمشاعر واللذة تنشط عندما تنظر الأمهات إلى صور أولادهن أو كلابهن.

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك