آخر تحديث: 2016/6/3 الساعة 10:49 (مكة المكرمة) الموافق 1437/8/28 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2016/6/3 الساعة 10:49 (مكة المكرمة) الموافق 1437/8/28 هـ
-1/17-

التخلف ليس قدرا حتميا

 محمد المختار الخليل  
مدير تحرير الجزيرة نت

يتناهى إلى أسماعنا الكثير من قصص النجاح، لأفراد ومؤسسات وحتى دول، تبدأ الحكاية بإمكانيات متواضعة ثم تشق الطريق نحو آفاق واسعة من الشهرة والثراء.

 

تبقى قصص العصاميين من البشر أكثر شهرة، لأنها تقوم على إرادة شخص وإصراره على النجاح، أما نجاحات الدول فمسيرتها طويلة وصعبة، لأنها محصلة ملايين الإرادات التي ينبغي أن تلتقي على فكرة واحدة تؤمن بها لتحقق الهدف المنشود.

 

كثير من الشعوب وقفت خلف قياداتها السياسية وآمنت برؤيتها لتنمية أوطانها، فانتقلت من دول زراعية لا تكان تكفي نفسها، إلى دول صناعية متقدمة في كافة المجالات. ولعلنا نتوقع مثل هذه القصص من قارات العالم أجمع، إلا أفريقيا، التي ترسخ في مخيلتنا أنها قارة التخلف والفقر والصراعات الدموية والانقلابات.

 

الواقع المستتر في أفريقيا يكذب هذه الصورة النمطية. فقصص النجاح التي حققتها دول أفريقية، كما ترد في ملف هذا العدد مفاجئة للكثيرين. هل يعقل أن هذه النجاحات حققتها شعوب أفريقية بقدراتها الذاتية؟ فهي لم تكتف بمعالجة مشكلاتها المستعصية، بل حققت في بعض الحالات نجاحات متقدمة جدا على مستوى العالم.

 

نجاحات دول أفريقية في القفز من مربع التخلف والأمراض والفقر إلى آفاق واسعة من التقدم والتحضر، وفي مدد زمنية قصيرة، تبعث برسالة مدوية إلى شعوب العالم الثالث، ومنها شعوب منطقتنا، بأن التخلف والفرقة والفقر ليس قدرا حتميا. وما هي إلا رؤية لدى قيادة سياسية تقنع بها شعبها ويمضيان معا في طريق التنمية.

 

ملف "أفريقيا.. الوجه الآخر" محاولة لتسليط الضوء على الوجه المشرق لأفريقيا، التي ما زال العالم لا يرى فيها سوى القارة السوداء المقفرة والمريضة والدموية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/17-

ملف العدد

ملف العدد

 

 

 

 

 

 

أعد الملف/ ياسين الكزباري

 

أفريقيا.. القارة الصاعدة

القارة السوداء المقفرة، المتخلفة، الدموية تعيش قصصا مبرهة من النجاح والتنمية

أفريقيا.. القارة الصاعدة (الجزيرة)

 

"نوليود" نيجيريا.. السينما الثانية بعد الهند

بمعدل إنتاج 200 فيلم في الشهر، توظف نوليود مليوني شخص لتكون ثاني قطاع يوفر الوظائف

في بلد يعاني فيه نصف الشباب من البطالة يعتبر قطاع السينما النيجيرية ثاني مشغل بعد الزراعة - الجزيرة (الجزيرة)

 

معركة اجتثاث الأمية في غينيا

تطوع المتعلمون بتعليم الأميين لساعات محددة بالأسبوع فانخفضت الأمية من 95% إلى 5%

نسبة الأمية في الإناث أكثر منها في الذكور لذلك تركز الحكومة على تعليم الإناث (الجزيرة)

 


إثيوبيا.. الريادة في سباق ماراثون الأجواء

صنفت أنجح شركة طيران بأفريقيا وأكثرها ربحا، وهي اليوم سادسة الخطوط الجوية أمنا بالعالم

أول ربابنة إثيوبيين قادوا طائرة تابعة للخطوط الإثيوبية دون إشراف أجنبي - الجزيرة. (الجزيرة)

 

بوتسوانا ألماسة أفريقيا.. صفر تسامح مع الفساد

رفعت شعار "صفر تسامح مع الفساد" فأنشأت المؤسسات والقوانين الصارمة لمكافحته، ونجحت نجاحا باهرا

نصب تذكاري للزعماء الوطنيين الثلاثة الذين ساهموا في وضع بوتسوانا على طريق الديمقراطية والتنمية (الجزيرة)

 

مدغشقر.. التي انتصرت على الإيدز

الدولة الوحيدة في أفريقيا التي تعاملت مع مرض الإيدز بشكل صحيح، ونجحت في مكافحته
 

الجنس يمكنه أن ينتظر، لكن مستقبلي لن يفعل. حملة توعوية بمخاطر الإيدز تقوم على فكرة العفة (الجزيرة)

 

الغابون.. معجزة النظافة وحماية البيئة

واحدة من أنظف 14 دولة في العالم، متفوقة بذلك على جل دول العالم الأول

يقول أحد سكان إحدى ضواحي ليبيرفيل أبناؤنا الذين سيمرضون إن انتشرت الأوساخ هنا وليس أبناء الحكومة (الجزيرة)

 

بنين.. واحة الحرية في أفريقيا

حصلت على ست درجات من أصل سبع في الحريات المدنية والسياسية وفي حرية الصحافة على مستوى العالم

 

تجد الصحافة في بينين إقبالا كبيرا من قبل المواطنين (الجزيرة)

 

رواندا.. من الموت والجوع إلى الحياة

بعد انتهاء الحرب الأهلية بخمس سنوات ارتفع متوسط الدخل السنوي من 60 دولارا إلى 1800 دولار

تتميز رواندا بطبيعة خلابة ومقومات سياحية هائلة (الجزيرة)
السابق

السابق

التالي

السابق

-3/17-

التخلف ليس قدرا حتميا

 محمد المختار الخليل  
مدير تحرير الجزيرة نت

يتناهى إلى أسماعنا الكثير من قصص النجاح، لأفراد ومؤسسات وحتى دول، تبدأ الحكاية بإمكانيات متواضعة ثم تشق الطريق نحو آفاق واسعة من الشهرة والثراء.

 

تبقى قصص العصاميين من البشر أكثر شهرة، لأنها تقوم على إرادة شخص وإصراره على النجاح، أما نجاحات الدول فمسيرتها طويلة وصعبة، لأنها محصلة ملايين الإرادات التي ينبغي أن تلتقي على فكرة واحدة تؤمن بها لتحقق الهدف المنشود.

 

كثير من الشعوب وقفت خلف قياداتها السياسية وآمنت برؤيتها لتنمية أوطانها، فانتقلت من دول زراعية لا تكان تكفي نفسها، إلى دول صناعية متقدمة في كافة المجالات. ولعلنا نتوقع مثل هذه القصص من قارات العالم أجمع، إلا أفريقيا، التي ترسخ في مخيلتنا أنها قارة التخلف والفقر والصراعات الدموية والانقلابات.

 

الواقع المستتر في أفريقيا يكذب هذه الصورة النمطية. فقصص النجاح التي حققتها دول أفريقية، كما ترد في ملف هذا العدد مفاجئة للكثيرين. هل يعقل أن هذه النجاحات حققتها شعوب أفريقية بقدراتها الذاتية؟ فهي لم تكتف بمعالجة مشكلاتها المستعصية، بل حققت في بعض الحالات نجاحات متقدمة جدا على مستوى العالم.

 

نجاحات دول أفريقية في القفز من مربع التخلف والأمراض والفقر إلى آفاق واسعة من التقدم والتحضر، وفي مدد زمنية قصيرة، تبعث برسالة مدوية إلى شعوب العالم الثالث، ومنها شعوب منطقتنا، بأن التخلف والفرقة والفقر ليس قدرا حتميا. وما هي إلا رؤية لدى قيادة سياسية تقنع بها شعبها ويمضيان معا في طريق التنمية.

 

ملف "أفريقيا.. الوجه الآخر" محاولة لتسليط الضوء على الوجه المشرق لأفريقيا، التي ما زال العالم لا يرى فيها سوى القارة السوداء المقفرة والمريضة والدموية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/17-

"نوليود" نيجيريا.. السينما الثانية بعد الهند

"نوليود" نيجيريا.. السينما الثانية بعد الهند

في أحد صباحات سنة 1990، وصل موظفو التلفزيون الوطني النيجيري إلى مقر عملهم، ليفاجؤوا بقرار فصل العشرات منهم. كانت البلاد حينها تحت حكم عسكري، فلم يكن واردا أن يسألوا عن سبب طردهم، فضلا عن أن يحتجوا مطالبين بحقوقهم. لكن أحد المطرودين، وهو كينيث نيبيو، قرر أن يحتج على طريقته فأنتج فيلما عنوانه "العيش في العبودية"، ورغم أنه لم يعرض في قاعة سينما، فإنه لاقى نجاحا كبيرا.

 

لم يكن فيلم كينيث أول فيلم ينتجه رجل نيجيري، إلا أن الناس شاهدوه وكأنهم يشاهدون لأول مرة فيلما نيجيريا. واليوم لا أحد من النيجيريين ينسى كينيث نيبيو أو "العيش في العبودية".

 

وعن ذلك يحكي محمود علي بالوغون وهو منتج سينمائي نيجيري، فيقول "لم يفهم أصدقاء كينيث ما الذي يدور في رأسه، وحاولوا جاهدين إقناعه بأن التلفزيون ودور السينما لن تعرض فيلمه أبدا، وأنه إن لم يخسر حريته فسيخسر من دون شك ماله. لكن كينيث قال لهم إذا خسرت وطني، فلن يبقى لدي ما أخسره، أما فيلمي فسأبيعه في الشارع كما يباع الموز. وكذلك فعل، وفاجأ الجميع، لأنه حقق ربحا ماديا، كما حقق هدفه الأساسي وهو أن يوصل صوته للناس، وقد أحب الناس فيلمه، لأنهم وجدوا فيه أنفسهم. لقد كان فيلما نيجيريا بالفعل".

 

وسرعان ما ألهمت تجربة كينيث الفريدة والناجحة رفاقه، فانطلقوا مثله لإنتاج أفلامهم، وعن ذلك يقول محمود بالوغون "لقد كان فيلم كينيث الشرارة التي فجرت السينما النيجيرية، إذ بعد ثلاث سنوات من "العيش في العبودية"، صدرت ثلاثة أفلام سنة 1995، ولاقت هي الأخرى نجاحا كبيرا.

 

وبعدها فتح باب إنتاج الأفلام على مصراعيه، ففي سنة 1996 أنتجت نيجيريا 177 فيلما، وفي السنة التي تليها 447 فيلما. لقد انفجرت نيجيريا أفلاما، وبدت لاغوس كهوليود تماما، كان الكل يكتب ويصور وينسخ ويوزع، وما أن ينتهي من عد الربح حتى يعود للتصوير مرة أخرى. وفي سنة 2004 كان مجموع الأفلام المنتجة 1000 فيلم".

 

في بلد يعاني فيه نصف الشباب من البطالة تعتبر السينما النيجيرية ثاني مشغل بعد الزراعة (الجزيرة)

لكن ارتفاع حجم الإنتاج، لم يرافقه ارتفاع في الجودة، إذ بقيت الأفلام الممتازة معدودة بالنظر إلى الكم الهائل من الأفلام المنتجة، وعن هذا الإشكال يحكي محمود بالوغون "كان المجال مربحا ونشطا جدا، فاستقطب عددا كبيرا من المنتجين الذين لا يفهمون في السينما شيئا، فبدأنا نرى أفلاما تنعدم فيها جميع المعايير، فلا توجد قصة جيدة ولا سيناريو جيد ولا ممثلون جيدون ولا صورة جيدة ولا صوت جيد. وبدأنا نسمع أن هناك من ينتجون فيلما في ثلاثة أيام، بميزانية خمسة آلاف دولار، وآخرون استغلوا الفراغ القانوني، فأنتجوا أفلاما مبتذلة تقوم على العنف والجرائم والعري وغير ذلك".

 

ورغم غياب الجودة، فإن الجمهور كان حاضرا دوما، وعن ذلك يقول محمود بالوغون "في نفس الوقت، كنا نرى الناس يقبلون بشدة على الأفلام، فانتشرت عشرات الآلاف من الصالات في الأحياء الشعبية، ولم تكن سوى غرف في بيوت وضعت فيها أجهزة تلفزيون وقارئ أقراص مدمجة، وحصير يفترشه الجمهور الذي في الغالب يكون من الجيران، والمقابل بضع نايرات (1 دولار=200 نايرة).

 

في حين كانت قاعات السينما الكبرى تغلق أبوابها الواحدة تلو الأخرى، فرغم ثروات البلاد الهائلة فإن سنوات حكم العسكر أرهقت الاقتصاد، ولا تكاد تتيح للناس كسب دولار أو اثنين في اليوم، وبالتالي فقلة هم من يملكون ثمن تذكرة فيلم كبير في قاعة سينما".

 

في زيارة لإحدى القنوات المحلية في النيجر، وفي غرفة البث أثارت انتباهي حزمة أقراص مدمجة لأفلام أفريقية باللغة المحلية، ثم أخبرني مسؤول البث -حين سألته- أن تلك أفلام نوليود، وقد استغرب عدم معرفتي بها. إذ في قارة تفتقد بعض دولها لإنتاج سينمائي بغض النظر عن جودته، كان طبيعيا أن تكتسح الأفلام النيجيرية دول الجوار، وتمتد لتصل شهرتها كل القارة.

 

في لاغوس أسواق خاصة ببيع أقراص أفلام نوليود النيجيرية (الجزيرة)

وفي ضوء الإقبال الكبير على السينما النيجيرية من قبل الأفارقة، أطلقت الحكومة النيجيرية عام 2006 "مشروع نوليود"، وكان هدفها رفع جودة السينما الوطنية، من خلال دعم مادي لمشاريع أفلام للمنتجين النيجيريين، بمبلغ 800 ألف دولار. ولما بدت النتائج إيجابية مع ظهور أفلام غيرت وجه السينما النيجرية كفيلم الرعب "الدمية الحجرية/the figurine" سنة 2009، الذي لاقى نجاحا أسطوريا، أطلقت الحكومة سنة 2010 صندوقا لدعم السينما النيجيرية من خلال تطوير البنية التحتية السينمائية وتدريب العاملين، وإقراض المنتجين لتنفيذ أفلامهم، وكانت قيمة الصندوق هذه المرة 200 مليون دولار.

 

وأدى دعم الدولة هذا للإنتاج السينمائي إلى ظهور أفلام أيقونية من قبيل "إيجي/Ijy" سنة 2010، و"نصف شمس صفراء/A half yellow sun" سنة 2013، ثم "30 يوما في أطلنطا/30 days in atlanta" سنة 2014، الذي كان أول فيلم في أفريقيا يحقق في دور السينما أرباحا فاقت مليون دولار، كما حقق أرباحا مهمة في السوق الأوروبية والأميركية حيث الإقبال المتزايد للجاليات الأفريقية على السينما النيجيرية.

 

في سنة 2009 تجاوز عدد الأفلام المنتجة 1800 فيلم، فصنفت اليونسكو السينما النيجيرية "نوليود" ثانية أكبر سينما بعد السينما الهندية "بوليود" من حيث كمية الإنتاج، وفي سنة 2012 قالت مؤسسة أورومونيتور إن معدل نمو الاقتصاد الأفريقي المتوقع لسنة 2013 الذي قدر بـ5.2%، ستلعب فيه الصناعة السينمائية النيجيرية دورا مهما، وبالفعل فقد حققت تلك الصناعة سنة 2013 عائدات بلغت 11 مليار دولار.

 

ورغم أن الميزانية المتوسطة للفيلم النيجيري تساوي ميزانية بضع ثوان من فيلم أميركي، فإن البلاد التي يتجاوز عدد سكانها 170 مليونا وتشمل البطالة فيها نصف القادرين على العمل، تلعب هذه الصناعة فيها دورا اقتصاديا مهما.

 

إحدى قاعات السينما في أبوجا (الجزيرة)

وعن ذلك حدثني محمود بالوغون قائلا "بمعدل إنتاج 200 فيلم في الشهر، توظف نوليود اليوم مليوني شخص في نيجيريا لتكون ثاني قطاع يوفر الوظائف للناس بعد الزراعة، كما تخلق وظائف غير مباشرة أكبر من ذلك وتعزز الوظائف في قطاعات عديدة.

 

وإذا علمنا أن مقابل كل قرص مدمج أصلي ينزل إلى السوق، تباع تسعة أقراص مقرصنة، وأن بعضها ينسخ في الصين ثم يعود ليوزع في أفريقيا، فلك أن تتصور الحجم الحقيقي لهذه الصناعة في نيجيريا وفي باقي البلدان الأفريقية، وكيف سيكون مردودها لو نظمت بشكل جيد".

 

وحين سألت بالوغون عن الدور الاجتماعي والثقافي لهذه السينما، أجابني "في عام 1972، أصدرت الدولة مرسوما يقضي بتحويل ملكية جميع دور السينما من الأجانب (وكانت مملوكة كلها لهم) إلى النيجيريين، وتقضي برفع نسبة المواد المحلية في الإعلام، وإجراءات كثيرة كان هدفها محاربة الغزو الثقافي الأجنبي للبلاد، لكن تلك الجهود لم تنجح، بينما نجحت في ذلك نوليود، حيث إن نيجيريا اليوم هي الدولة الأفريقية الوحيدة التي تنتج الصور التي تستهلكها، بل وتصدر الفائض للخارج".

 

ثم أضاف "في سنة 2008 منعت جماعة بوكو حرام تصوير الأفلام في المناطق التي تسيطر عليها، ومنعت بيع الأقراص، لكن الناس كلهم كانوا يحبون مشاهدة الأفلام النيجيرية، فاضطرت إلى إلغاء المنع بضعة أشهر بعد ذلك. والبعض يتساءل، هل يمكن للسينما أن تتغلب على العنف والتطرف؟ نيجيريا تقول لهم :"نعم .. بالتأكيد".

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/17-

معركة اجتثاث الأمية في غينيا

معركة اجتثاث الأمية في غينيا

"فيرموزا" (أي فاتنة)، هكذا وصفها المستكشف البرتغالي فرناندو بو حين رآها أول مرة سنة 1472م، وكذلك سميت سنين طويلة قبل أن يصير اسمها اليوم "بيوكو".

 

كانت جزيرة فاتنة طافية وسط خليج غينيا، قريبة من الساحل بما يكفي لتكون قاعدة انطلاق للتغلغل في المنطقة (وكانت أفريقيا حينها قارة مجهولة لدى الأوروبيين)، وبعيدة عنه بما يكفي لدرء هجمات السكان المحليين. أولئك الذين سرعان ما شكلوا إلى جانب جيرانهم في المنطقة موضوعا لإحدى أهم الأنشطة التجارية لدى البرتغال في ذلك الحين، تجارة الرقيق.

 

ثم انتقلت المنطقة إلى نفوذ إسبانيا بعد ثلاثة قرون، فارتأت أن تحول تلك البلاد إلى مزرعة كبيرة للكاكاو والبن، فأوروبا كانت تغادر عصور الظلام إلى عصور الأنوار، وكانت طقوس الانتقال تستلزم القهوة والشوكولاتة. غير أن السكان الذين زرعوها مرغمين، لم ينلهم من أنوار أوروبا سوى ظلام التخلف، ومن حلاوة الشوكولاتة سوى مرارات الاستعباد.

 

صورة تاريخية من عهد الدكتاتور ماتشياس، حيث المدارس حولت إلى ثكنات عسكرية (الجزيرة)

مستعبدون وغير مواطنين

غادرت إسبانيا "غينيا الإسبانية" سنة 1968 ونسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة حوالي 25%، وكانوا في الأغلب من عرقية البوبي وهي أقلية اختار الإسبان أن يحكموا الأغلبية من خلالها، فمنحوا أفرادها حق المواطنة بصفتهم عبيدا محررين، وصنفوا الأغلبية المستعبدة ضمن "غير المواطنين". وكان أغلب المتعلمين من العاملين مع البعثات التبشيرية والمتفرغين لخدمة الكنائس ومن الموظفين المدنيين والعسكريين في إدارة الاستعمار الإسباني، وكان أصحاب الكفاءات والمثقفين قليلين جدا، فمثلا لم يكن هناك طبيب من أهل البلاد سنة 1968.

 

ونظمت أول انتخابات في البلاد وقد غدا اسمها "جمهورية غينيا الاستوائية"، وفاز فرانشيسكو ماتشياس نغيما بدعم من إسبانيا -وكان موظفا في الإدارة الإسبانية ومن الأغلبية العرقية- لكنه بعد سنتين أي في 1970 عدل الدستور وأقر نظام الحزب الواحد، وأعلن نفسه رئيسا مدى الحياة وأعطى لنفسه صلاحيات مطلقة، ثم أدار ظهره لإسبانيا، واتجه نحو المعسكر الشيوعي الذي تلقى منه الدعم المادي والعسكري.

 

غير أن ماتشياس لقي معارضة قوية لنزعته الاستبدادية، فواجهها بسياسات أكثر استبدادا. وعن ذلك حدثني الدكتور إغناسيو مواندا والأستاذ السابق للتاريخ في الجامعة الوطنية لغينيا الاستوائية، فقال "عندما نظر ماتشياس إلى معارضيه، وجدهم من المثقفين، فبدأ سن إجراءات للتخلص منهم. كانت في البداية إجراءات من قبيل منع المدارس الخاصة على أساس أنها تساهم في خلق الطبقية في المجتمع، لكن سرعان ما أخذ يسن قوانين مضرة بالتعليم عموما، إذ حول عددا من المدارس إلى ثكنات عسكرية، واستبدل بالتعليم النظامي التجنيد الإجباري، ومنع الطب الحديث، وأغلق الكنائس، وفرض تغيير أسماء جميع المواطنين إلى أسماء أفريقية، ثم أظهر عداءه للثقافة، حين منع استعمال كلمة "مثقف".

 

لازالت بعض الفصول التطوعية تقام في الهواء الطلق (الجزيرة)

إبادة النخب

وحين زادت حدة المعارضة، نزع ماتشياس إلى ارتكاب جرائم إبادة في حق النخب، وعن ذلك يضيف إغناسيو مواندا "أخذ يعتقل ويعدم كل من يعارضه وكل المثقفين اللامعين، فسجن وأعدم مئات من المعلمين والتلاميذ وآباءهم، وأعدم عددا من وزراء التعليم، وأعدم ثلثي أعضاء البرلمان، وأمر بإعدام قرى بأكملها، وإعدام أي شخص يرتدي نظارات. وأعدم حاكم البنك المركزي ووضع محتوى الخزينة في بيته. كما منع الناس من مغادرة البلاد، فأمر بتحطيم جميع القوارب ومنع الصيد، وزرع الألغام في الطريق الوحيد المؤدي إلى الخارج".

 

وبعد بضع سنوات من تقلده الحكم كان 40% من الشعب قد فروا من بلادهم الفاتنة، وبعد عشر سنوات كان كل من لم يهاجر من المتعلمين تقريبا قد أعدموا أو سجنوا وهم ينتظرون الإعدام، وقد قتل حوالي 80 ألفا، نسبة كبيرة منهم من أقلية البوبي.

 

وعن ذلك قال مواندا ممتعضا "وبعدما تخلص ماتشياس من كل المتعلمين والمعارضين، لقب نفسه بـ"سيد العلم والثقافة" ثم غير شعار الدولة إلى "لا يوجد إله إلا ماتشياس نغيما"، لقد استغلت أوروبا بلادنا خمسة قرون، ثم في النهاية سلمت مصيرنا إلى شخص مجنون وجلست تراقب ما يفعله دون أن تتدخل أبدا".

 

وفي سنة 1979 أعدم ماتشياس عددا من أفراد عائلته، وعندها أزاحه نائب وزير الدفاع -وهوابن أخته- تيودور نغيما، وحوكم ماتشياس وأعدم بعد ذلك، وقد بلغت حينها نسبة الأمية داخل البلاد قرابة 95%.

 

لكن اليوم، وبعد مرور قرابة أربعة عقود على نهاية عهد ماتشياس المروع، وصلت نسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة من السكان -الذين بلغ عددهم 1.2 مليون- إلى 95% (حسب اليونيسكو 2013)، وبذلك فإن غينيا الاستوائية تتفوق على دول كثيرة، بعضها ذات اقتصاد ضخم مثل الهند 72%، وبعضها مشابه لها ديمغرافيا واقتصاديا مثل موريشيوس 87%، وكذا دول أخرى كالبرازيل والميكسيك ومالطا وغيرها، أما بالنسبة لعالمنا العربي فإن غينيا الاستوائية تتفوق على دول عربية ثرية مثل الإمارات العربية المتحدة والكويت والمملكة السعودية، ولا تتفوق عليها من الدول العربية إلا خمس دول بفارق بسيط منها فلسطين وقطر.

 

فصل مفتوح للتعلم من خلال الاذاعة للمناطق النائية والفقيرة (الجزيرة)

كيف حصلت المعجزة؟

عندما أزيح ماتشياس عن الحكم كان على الحكومة الجديدة أن تصلح ما أفسده، وعن تفاصيل ذلك يحكي لنا السيد مواندا قائلا "في سنة 1972 كان في البلاد 360 مدرسة ابتدائية و578 معلما، لكن سنة 79، كان عدد المعلمين 50 معلما فقط. كانت البلاد فارغة من كفاءاتها، ولم يكن متوقعا أن يبدأ الهاربون العودة بسرعة، فلم يكن هناك إذن معلمون بما يكفي، لكن المشكلة الكبرى، هي أن الناس كانوا مصابين بالرهاب من أي شيء مرتبط بالمدرسة، وحتى إن أتيت بالمعلم والكتاب، فإن الأسرة لن ترسل ابنها للمدرسة، وكان الناس يحتاجون وقتا لكي تعود لهم الثقة في الحكومة".

 

وحول الإجراءات المتخذة يضيف "ولحل مشكلة انعدام المعلمين، اقترح وزير التعليم خطة 5 إلى 95، وفكرتها أن يقوم 5% من المتعلمين، بتعليم 95% من الأميين، وفق نظام تطوعي يلتزم فيه المتطوعون بتدريس عدد محدد من الأميين من حولهم ساعات محددة في الأسبوع، وقد لاقت فكرته دعم الحكومة والنخب، وقد دشنت بأن قام وزير التعليم ووزراء آخرون بتدريس ثلاثين ساعة لعشرين أمي".

 

ثم طلبت الحكومة من الأمم المتحدة ودول أوروبية المساعدة في توفير المقررات التعليمية وتدريب للمعلمين، وكان لصدى اهتمام الحكومة بمشكلة التعليم أثر إيجابي لدى كثير من النخب التي هجرت البلاد، فعاد بعضها للمشاركة. وكان الدكتور إغناسيو مواندا منهم، وقد حكى ذلك قائلا "كنت حينها في الثلاثين، وكنا قد فررنا إلى الكاميرون، وبينما كنت أجتهد للذهاب إلى أوروبا، سمعت عن مشروع الحكومة لمحو الأمية فلم أصدق ذلك، وحين تيقنت منه عدت لأعلم أبناء قريتي. وفي ذلك الوقت كانت المدارس والكنائس والبيوت والحقول كلها فصولا مفتوحة يعلم الناس فيها بعضهم بعضا. ومن الطرائف أن أحدهم كان يعلم الناس الأعداد فقط، وحين سألوه أجابهم بأن الأعداد هي كل ما أعرفه!".

 

فصل مفتوح للتعلم من خلال الاذاعة، للمناطق النائية والفقيرة (الجزيرة)

الخطة والنتيجة

ومع مرور الوقت أخذت الفكرة تتطور، فصارت أكثر تنظيما وفعالية، ثم طرحت فكرة الاستفادة من التلفزيون، حيث دشنت وزارة التعليم مع وزارة الإعلام برنامجا لمحو الأمية على القناة الرسمية، وقد صار حينها بوسع المواطنين أن يتحلقوا أمام شاشة التلفاز لتلقي الدروس.

 

كما أمضت الحكومة شراكة مع منظمة هيس وأكاديمية تطوير التعليم AED، لإنشاء 51 مدرسة بقيمة 20 مليون دولار، لتدريب المعلمين على التقنيات الحديثة لتعليم الأطفال.

 

وقد أثمرت هذه الجهود نتائج إيجابية، حيث وصل عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية سنة 1994 إلى 100 ألف، وانخفضت نسبة الأمية خلال العقد الأول إلى 30 %ثم في العقد الموالي إلى 10%، وفي سنة 2009 احتفلت البلاد بتخرج أول دفعة أطباء من الجامعة الوطنية لغينيا الاستوائية، وكانوا 110 أطباء.

 

ورغم أن غينيا الاستوائية لا تعتبر قدوة في الديمقراطية، حيث لا يزال يحكمها ابن أخت ماتشياس فإنها -إلى جانب دول أفريقية أخرى كزيمبابوي وجنوب أفريقيا وموريشيوس- قدوة للبلدان التي تواجه معضلة الأمية، خصوصا منها تلك التي تعرف نسب أمية من قبيل 20% و30% و40%، مع أنها لم تعرف يوما حكاما من قبيل ماتشياس.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/17-

إثيوبيا.. الريادة في سباق ماراثون الأجواء

إثيوبيا.. الريادة في سباق ماراثون الأجواء

 كينشاسا - أديس أبابا. نقرت الوجهة في محرك البحث أملا في إيجاد رحلة سريعة ومباشرة دون الطواف على عاصمة أو اثنتين. أظهرت النتائج رحلة للخطوط الإثيوبية، ولأن كل ما هو أفريقي مرتبط في أذهاننا بالتخلف، ولأن إثيوبيا بالخصوص، لا نعرف عنها إلا المجاعة التي ضربتها قبل عقدين أو ثلاث، وأودت بأرواح مليون إنسان، ولأن الوصول متأخرا خير من عدم الوصول. فقد أشحت بوجهي عنها باحثا عن خيارات أخرى، لكن الخيارات الأخرى كلها كانت إما متأخرة جدا، أو غالية جدا. فسلمت أمري لله وحجزت على الخطوط الإثيوبية.

 

ولأني أعلم أن شركات الطيران غير الأفريقية (باستثناءات قليلة) تخصص للوجهات داخل أفريقيا أردأ ما لديها من طائرات، فقد توقعت أن يكون وضع الطائرة الإثيوبية أسوأ، لكني حين صعدت الطائرة فوجئت بأنها كانت بوينغ دريم لاينرز.

 

كانت شركة بوينغ الأميركية، قد أعلنت قبل بضع سنوات عن طائرتها الأكثر تطورا والأخف وزنا -نظرا لصناعة هيكلها من مواد مركبة- وبالتالي كانت أقل استهلاكا للوقود وبالتالي الأقل كلفة -مع الارتفاع الكبير في أسعار البترول- والأسرع أيضا، وقد سمتها "دريم لاينرز".

 

الاحتفال بانضمام الخطوط الإثيوبية إلى رابطة النجوم  (الجزيرة)

ولأن ذلك بالضبط ما كانت تبحث عنه شركات الخطوط الجوية، فقد تسابقت لوضع طلبات شرائها لدى بوينغ، وكانت أولاها الخطوط اليابانية، وهذا مفهوم، لكن المثير هو أن ثاني من طلب "دريم لاينرز"، كان الخطوط الإثيوبية، وقد تسلمتها سنة 2012، وكانت أول شركة خطوط أفريقية تضم إلى أسطولها هذه الطائرة.

 

وأنا في الطائرة فكرت في أمرين يستحقان الاحترام. الأول، هو أن شركة خطوط أفريقية، تهتم بتطوير أسطولها واقتناء أحدث الطائرات. والثاني، أنها تضع طائرتها الجديدة في خدمة وجهة داخل أفريقيا، بدل أن تحجزها لوجهات أوروبية أو أميركية، بهدف جذب السياح مثلا. وعن هذه النقطة سألت مسؤول العلاقات العامة في الخطوط الإثيوبية السيد هيلي ياكوبا، فأجابني "شركتنا شركة أفريقية، وجزء كبير من أرباحها يأتي من السوق الأفريقية، لذلك فحين استلمنا أول طائرة دريم لاينرز، شغلناها داخل أفريقيا لأنها تستحق أن نقدم لها أفضل ما لدينا".

 

عندما قرر موسوليني اجتياح إثيوبيا في ثلاثينيات القرن الماضي، توقع أن دولة فقيرة وخارج عصر الصناعة لا يمكنها أن تقاوم. لكن البلاد الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، والتي لم يسبق لها أن احتلت من طرف شعب آخر، لم تمهل الإيطاليين سوى أربع سنوات ثم أخرجتهم، وكان ذلك سنة 1941. ثم رأى إمبراطورها المثير للجدل هيلا سيلاسي -الذي استعان بالإنجليز على الإيطاليين- أنه لا يسعه بسط نفوذه على بلاد وعرة التضاريس متباعدة الأطراف كإثيوبيا، إلا بتأمين طائرات. فطلب من الأميركان أن يساعدوه لتأسيس شركة طيران إثيوبية. وبعد مفاوضات عسيرة، وفي 8 سبتمبر/أيلول 1945، في أديس أبابا (أي الزهرة الجديدة) وقع الأميركيون مع حكومة هيلا سيلاسي عقدا لتأسيس شركة الخطوط الإثيوبية، على أن تكون تجارية وخاصة، ويتشكل مجلس إدارتها مناصفة بين الأميركيين والإثيوبيين، على أن يتولى الأميركيون إدارتها وتشغيلها لمدة عشرين سنة. وقال إن الأميركيين اقترحوا بداية مدة ستين سنة، غير أن هيلا سيلاسي أصر على تخفيضها، وكان رغم استبداده وطنيا عنيدا.

 

مطار بولي الدولي بأديس ابابا (الجزيرة)

وفي مطلع فبراير/شباط 1946، حطت في أديس أبابا خمس طائرات تابعة لشركة الخطوط الإثيوبية، وكانت من طراز "دوغلاس سي 47 قطار السماء" الطائرة عسكرية لكنها عدلت لتستعمل مدنيا.

 

وبعد ثلاثة أشهر، انطلقت أول رحلة أسبوعية للخطوط الإثيوبية نحو القاهرة مرورا بأسمرة، وأضيفت لها رحلة إلى جيبوتي، تبعتها أخرى إلى عدن. وفي نفس السنة اشترت الشركة خمس طائرات، ثم ثلاثا أخر بعد سنة واحدة، ومع نهاية الأربعينيات، كانت طائرات الخطوط الإثيوبية تصل إلى نيروبي في كينيا، وميناء السودان، وأبعد من ذلك إلى بومباي في الهند. كما كانت تنظم رحلات إلى جدة في موسم الحج. واستمرت الشركة في النمو والاتساع لتكون أول شركة أفريقية تقتني طائرة بوينغ 720 سنة 1962.

 

ثم انتهى العقد مع الأميركيين سنة 1966، فأصر هيلا سيلاسي على تجديد العقد لمدة أربع سنوات فقط، على أن يكون نائب المدير العام إثيوبيا، وكذلك كان. وبعد أربع سنوات، أي سنة 1971، جدد العقد لأربع سنوات أخرى، لكن في هذه المرة أصبح المدير العام إثيوبيا، واقتصر دور الأميركيين على الاستشارة فقط.

 

وفي عام 1974 انقلب الجيش على هيلا سيلاسي، وأعلن قادة الانقلاب قيام نظام حكم شيوعي. وبينما يرجع البعض السبب في انهيار حكم سيلاسي إلى تردي الأوضاع الاقتصادية بسبب أزمة النفط، يرى آخرون أن السبب الحقيقي هو إصراره على إبعاد الأميركيين عن شركة الخطوط الإثيوبية التي كانت دجاجة تبيض ذهبا.

 

دوغلاس سي-47،أول طائرة حصلت عليها الخطوط الإثيوبية، رابضة في المتحف الشركة المفتوح للزيارة (الجزيرة)

وبعد ثلاثة عقود من الازدهار المستمر، بدأ وضع الشركة التدهور، وعن ذلك يحكي أحد موظفي الشركة المتقاعدين قائلا "كان الانقلابيون متورطين، وكانوا بحاجة لتثبيت أقدامهم، فلجؤوا إلى مؤسسات الدولة، وأخذوا يوظفون المقربين منهم فيها دون مراعاة لإمكاناتها. وكانت الخطوط الإثيوبية من المؤسسات الضحية، حيث تضاعف عدد موظفي الشركة خلال بضع سنوات، وصار الأساس في تولي المناصب هو الولاء للجيش، وصارت الشركة تدار بمنطق سياسي، فبرمجت مثلا رحلات نحو دول شيوعية دون أن يكون هناك أي جدوى اقتصادية، كما أوقفت رحلات نحو وجهات معينة فقط لأنها دول رأسمالية. وعمت الفوضى في الشركة، وصار التأخر عن مواعيد الرحلات وإلغائها وضياع أمتعة الناس أمورا عادية".

 

وحين أدرك الحاكمون أن استمرار هذا الوضع سيؤدي لا محالة إلى انهيار الشركة، قرروا إسناد عملية إنقاذها إلى أحد رجالها الأكفاء. وكان هذا الشخص هو القائد محمد أحمد، الذي اشترط لكي يتحمل المسؤولية أن تتم إدارة الشركة على أساس قانون السوق بعيدا عن أي تدخل حكومي. ووافقت الحكومة، فكان أول إجراء قام به هو التخلي عن 10% من موظفي الشركة.

 

ومنذ أواسط الثمانينيات إلى أواسط التسعينيات، لم يعرف عدد موظفي الشركة أية زيادة، لكن مع بداية الألفية الثالثة، بدأت الشركة التوسع، حيث وصل عدد موظفيها إلى 5500 سنة 2010، ثم 7500 سنة 2013، ثم حوالي 9000 سنة 2015.

 

وخلال هذه الفترة، طورت الشركة أسطولها ليصل إلى 122 طائرة، متفوقا بذلك على خطوط دول أفريقية أفضل اقتصاديا من إثيوبيا، كجنوب أفريقيا ومصر ودول المغرب العربي، كما تغطي أكثر من تسعين وجهة، وهي متفوقة في ما يخص الوجهات الأفريقية على أي شركة أخرى.

 

صورة تاريخية لأول طائرة حصلت عليها الخطوط الإثيوبية، دوغلاس سي-47- (الجزيرة)

وفي سنة 2010 صنفت الشركة أفضل شركة أفريقية من حيث جني الأرباح، كما حققت معدل نمو مستقر للسنوات السبع الأخيرة، تراوح بين 20% و30%، وانضمت إلى رابطة النجوم التي تضم الخطوط الجوية الرائدة عالميا، وصنفت سادسة خطوط جوية من حيث الثقة.

 

حين سألت السيد هيلي ياكوبا عن سر هذا النجاح، قال "لقد وثقنا في قدرتنا كأفارقة، ووثقنا في قدرات قارتنا، واستثمرنا فيها، واليوم هذا النمو الذي تعرفه شركتنا، ليس سوى انعكاس للنمو الذي تعرفه أفريقيا".

 

وفي سعيها لتطوير البنى التحتية لمجال النقل الجوي في أفريقيا، افتتحت الشركة معهدا لتدريب الربابنة والتقنيين بسعة ألف متدرب، كما افتتحت مركزا للصيانة، يقدم خدماته لجل الشركات الأفريقية. وبفضل كل هذه الإنجازات تعتبر اليوم أديس أبابا، الموزع الرئيسي الذي يربط بين أوروبا وآسيا من جهة، وأفريقيا من جهة أخرى.

 

قبل 2500 سنة، وصف هيرودوت الإثيوبيين قائلا "كانوا يسرعون في سيرهم على الأقدام أكثر من أي قوم"، وكما رأيناهم يتفوقون في سباق المسافات الطويلة، ها نحن نراهم اليوم يتفوقون في سباق مسافات أطول، لكنها هذه المرة في الأجواء.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/17-

بوتسوانا ألماسة أفريقيا.. صفر تسامح مع الفساد

بوتسوانا ألماسة أفريقيا.. صفر تسامح مع الفساد

عندما نالت استقلالها من بريطانيا عام 1966، كان في بوتسوانا 12 كلم من الطرق المعبدة و255 موظفا حكوميا و22 حاملا لشهادة جامعية، ومدرستان ثانويتان تخرج منهما 100 طالب فقط. أي أسوأ من زامبيا التي كان عدد خريجيها من الثانوية ألف طالب، وكذا أوغندا حيث كان عددهم سبعة آلاف طالب.

 

وبمتوسط دخل سنوي يقارب 70 دولارا للفرد، أي 20 سنتا في اليوم، وبمنشأة صناعية متمثلة في مذبح واحد للأبقار، كانت بوتسوانا إحدى أشد الدول فقرا في العالم. وعلى أرض ثلاثة أرباعها صحراء (كالاهاري) قاحلة، ومن دون منفذ بحري، حكم بعض "الخبراء" حينها على البلاد بالفشل سلفا، وأشاروا على حكومتها بالبقاء جزءا من جنوب أفريقيا. وفي ذلك قال أحدهم "إنها أسوأ بداية يمكن تخيلها لدولة ناشئة".

 

أما اليوم، فقد تجاوز عدد المدارس الابتدائية 800 مدرسة، والثانويات 280، وأنشئت جامعة تضم تسع كليات، وانخفضت نسبة الأمية إلى 11%. أما متوسط الدخل السنوي للمواطن البوتسواني فقد ارتفع إلى 16 ألف دولار، أي أفضل من مثيله في البرازيل ومالديف، وأفضل من دول عربية بترولية كليبيا والجزائر.

 

وحققت بوتسوانا خلال ثلاثة عقود تلت استقلالها معدل نمو قدر بـ9%، ولم تتجاوز بهذه النسبة الدول الأفريقية وحدها، وإنما تجاوزت كل دول العالم. لكن هذه السرعة القياسية في النمو الاقتصادي لم تكن لتتحقق لو لم تحقق بوتسوانا رقما قياسيا في الشفافية وانعدام الفساد.

 

ففي عام 2002 صنفت منظمة الشفافية العالمية بوتسوانا في المرتبة 24 عالميا في مؤشر الشفافية (انعدام الفساد)، متجاوزة الدول الأفريقية بأشواط عديدة، بل متجاوزة فرنسا وإيطاليا وكوريا الجنوبية وكل الدول العربية. وما زالت إلى اليوم، وبعد عقد ونصف العقد، متربعة على قمة القائمة إلى جانب دول العالم الأولى، ومن العالم العربي صارت تجاورها دولتا الإمارات وقطر.

 

مقر شركة ديبسوانا أكبر منتج عالمي للألماس من حيث القيمة والثاني من حيث الكمية (الجزيرة)

كيف يحدث في أفريقيا؟

لكن كيف لدولة أفريقية أن تحقق هذا التقدم السريع في ظل إمكانيات متواضعة جدا؟ طرحنا هذا السؤال على أستاذ الاقتصاد في جامعة بوتسوانا الدكتور ماليبوغو باكوينا فقال "بينما لم تبرح دول أفريقية مكانها، وانطلقت دول أخرى مسرعة في الاتجاه الخطأ، وضعت بوتسوانا عجلاتها على السكة الصحيحة وفي الاتجاه الصحيح، ثم سارت حذرة تفاديا لأي حوادث. وكانت البداية من الدستور الذي أسس للحق في التملك، وحظر تأميم الملكيات الخاصة، ومنع أي تضييق على التجارة والتصدير ونقل الأموال. وليوحد ثماني قبائل بوتسوانية، وأسس مجلسا لزعماء القبائل".

 

وكان الاتجاه العام للدول الأفريقية حينها هو تأميم الملكيات الخاصة ومصادرة ممتلكات الأجانب. وكانت النتائج غالبا مدمرة، فتحاشت بوتسوانا ذلك منذ البداية. وعندما طالب البعض بطرد الموظفين الأجانب الذين كانوا يحتلون 75% من الوظائف، خطب الرئيس قائلا "حكومتنا واعية بمخاطر الاستعجال بتوطين الوظائف، فالتهور يمكن أن يدمر كامل برامج الخدمات والتطوير الحكومية".

 

وكانت الثروة الوحيدة لدى قبائل بوتسوانا هي المواشي، فبنت الحكومة مذابح جديدة لتطوير صناعة اللحوم وتمكين ملاك الماشية من تصديرها، وعن ذلك يقول الدكتور باكوينا "بينما تم تأميم ممتلكات المزارعين في بعض الدول المجاورة، ومنعت دول أخرى تصدير المنتجات الزراعية إلى الخارج، كان ملاك المواشي في بوتسوانا يجنون أرباحا مادية مهمة، وقد استحسنوا جهود الحكومة. وحيث كان ثلثا المجلس التشريعي من ملاك المواشي، فقد دعموها في القرارات اللاحقة التي اتخذتها".

 

ري بوماروري بطل الشرف الخارق شخصية خيالية لتربية الأطفال على رفض الفساد (الجزيرة)

وما عدا المواشي التي تدب فوق الأرض، كان المنقبون الأوروبيون قد وجدوا تحت الأرض قبل سنوات بضع قطع ألماس، لكن لم يجدوا غيرها، فأوقفوا التنقيب. وكان الرئيس البوتسواني يأمل باكتشاف ثروات باطنية كالتي توجد بجنوب أفريقيا. وعن ذلك يقول باكوينا "كان الرئيس متخوفا من أن تتحول الثروات الباطنية إلى نقمة على بلاده، وتتنازع القبائل عليها، فوضع قانون المناجم والمعادن الذي قضى بأن ما تحت الأرض ملك للأمة وليس للقبيلة أو الأفراد. وقد لاقى القانون قبول زعماء القبائل، لأن الألماس الذي اكتشف سابقا وُجد في منطقة قبيلة الرئيس، وقد رأى زعماء القبائل الأخرى أن الرئيس يشاركهم الامتيازات ولا يستأثر بها لقبيلته. وبعد ذلك فتح الباب لشركات التنقيب التي اكتشفت كميات كبيرة من الألماس".

 

وفي 1969 أسست شركة ديبسوانا، التي امتلكت منها الحكومة البوتسوانية 15%، و85% لشركة دي بيرز العالمية. وتوالت الاكتشافات، وصارت بوتسوانا أول منتج عالمي للألماس. لكن العائدات كانت ضعيفة، ونجحت الحكومة بصعوبة في رفع حصتها من الأرباح إلى النصف.

 

كان الحصول على عقد استغلال منصف للألماس تحديا كبيرا لدولة أفريقية فقيرة في مواجهة شركة عملاقة، لكن التحدي الأكبر كان هو كيفية استغلال ثروة الألماس لتحقيق تنمية مستدامة، ولتحقيق هذا الهدف أسست الحكومة شركة التطوير البوتسوانية عام 1970 لاستثمار دائم لحوالي 30% من الناتج الإجمالي في البنى التحتية والصحة والتعليم، وفي 1982 وضعت نظاما لدعم المشاريع الصناعية والزراعية والسياحية والخدماتية. واليوم لا تشكل عائدات الألماس سوى 40% من الناتج الإجمالي لبوتسوانا.

 

وتعاملت بوتسوانا بحذر مع الموارد المالية، فنجحت في تحقيق احتياطي نقدي من سبعة مليارات دولار، كما أنها لم تتورط في صراعات مسلحة تبدد مقدراتها، وقد جنحت لحل مشكلتها الحدودية مع ناميبيا سلميا.

 

"الفساد قاتل.. أوقفه" لافتات تجدها في كل مكان في بوتسوانا (الجزيرة)

وبعد إحسان التفاوض على الألماس وإحسان إدارة عائداته، واجهت بوتسوانا التحدي الأخطر وهو الفساد. وحول ذلك حدثنا باكوينا قائلا "بعد اكتشاف الألماس، تم اكتشاف الفساد. ففي بداية التسعينيات، ضُبط مسؤولون مرتشون، وكشف التحقيق عن شبكة موظفين متورطين في التلاعب في حسابات ضريبية. وبينما يروج في أفريقيا أن الاقتصاد الجيد يقتضي سياسة سيئة، فإن بوتسوانا أثبتت أن السياسة الجيدة تثمر اقتصادا جيدا".

 

ويضيف "أدرك المسؤولون خطر الفساد على كل الإنجازات السابقة. فأعلنت الحكومة الحرب عليه، وأعلنت شعار "صفر تسامح مع الفساد". وفي 1994 سن قانون الفساد والجرائم الاقتصادية، وأنشئت "مديرية الفساد وجرائم الاقتصاد" للتحقيق والتوقيف والتفتيش والمصادرة، وأتيح رقم مجاني للتبليغ عن الفساد، وكذا البريد العادي والإلكتروني والفاكس، وأنشئت محكمة خاصة بجرائم الفساد".

 

وعن فعالية المديرية في الوقوف على الفساد، سألنا الموظف في المديرية سريسي ماكونا فقال "نتسلم سنويا حوالي ألفي بلاغ، 5% يحال أصحابها على المحكمة، ومتوسط نسبة الإدانة هو 80%. وأول بلاغ وصلنا كان يتعلق بسوء التدبير في شركة عمومية، وقد انتهى التحقيق بمحاكمة رئيسها التنفيذي وإدانته وسجنه. كما حوكم من قبل وزير الدفاع راماديلوكا سيريستي عام 2011، وحوكم وزيران آخران".

 

وفي 1997 أنشئ مكتب المظالم لاستقبال الشكاوى ضد الموظفين المتهمين بسوء استعمال سلطتهم، وأنشئ مكتب الحسابات لتدقيق حسابات الشركات والمؤسسات الحكومية، ورفع تقرير سنوي عنها للقضاء. وفي 2009 وضع قانون الذكاء المالي، وأنشئت وكالة باسمه، لمراقبة المعاملات البنكية، والوقوف على المريبة منها.

 

يتوفر شعب بوتسوانا على تراث فني وفولكلوري ثري الصورة من شوارع غابورون عاصمة بوتسوانا (الجزيرة)

وبالتزامن مع هذه الإجراءات، تنظم الحكومة حملة سنوية للتوعية بمخاطر الفساد، وتستهدف بالخصوص الأطفال من خلال ندوات ولوحات دعائية وبرامج تعرض في المدارس والأسواق، وقد ابتكرت سلسلة كرتونية بطلها السيد "ري بواماروري" أي "السيد شرف"، وهي بقرة خارقة تحارب الفساد.

 

ولم تحقق بوتسوانا ما حققته لولا زعماء اختاروا أن يكونوا ديمقراطيين. فبدءا من الرئيس الأول سيريستي خاما، وهو زعيم قبيلة بانغواتا الكبرى، وقد عاد بعد دراسته في أوروبا، مناهضا للاستعمار ومؤسسا لحزب بوتسوانا الوطني، ومشكلا إياه من جميع زعماء القبائل ونخب الأوروبيين الذين استوطنوا المنطقة منذ قرون.

 

ومرورا بزعماء قبيلة بانغواتا الذين لم يستغلوا موجة الاحتجاجات التي ثارت ضد الرئيس كيت ماسيري -وكان من قبيلة أخرى- عندما طبعت صورته على العملة الجديدة بدل صورة الرئيس المؤسس خاما، بل خاطبوا الجماهير داعين إياها لاحترام الآليات الديمقراطية، أو عندما خشي الحزب الحاكم خسارة انتخابات 1994، فلجأ إلى خفض سن التصويت من 21 إلى 18 عاما، وإتاحة التصويت للمواطنين خارج البلاد، بدل الانقلاب.

 

كما استفادت بوتسوانا من عدم تعرضها لاستعمار طويل الأمد، وفي ذلك قال الدكتور باكوينا "من حسن حظ بوتسوانا أنها لم تتعرض لعملية "تحضير" أوروبية، إذ لم تثر انتباه بريطانيا إلا أواخر القرن التاسع عشر، فأخضعتها للحماية عام 1885 لقطع الطريق على ألمانيا، وكانت مجرد صحراء ومن دون كثافة سكانية يمكن استغلالها، فتركت شؤونها الداخلية في يد زعمائها القبليين، وبالتالي لم تتقوض البنى السياسية والاجتماعية التي حكمت المجتمع البوتسواني لقرون خلت".

 

لقد كانت بوتسوانا دليلا على أن أفريقيا تملك من مقومات التاريخ والحضارة ما يمكّنها من أن تصير -حتى لو انطلقت من أسوأ بداية يمكن تخيلها- ألماسة نقية لامعة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/17-

مدغشقر.. التي انتصرت على الإيدز

مدغشقر.. التي انتصرت على الإيدز

عندما اقتنعت "ساهولي" بضرورة الأمر، رافقتها إحدى موظفات الرعاية لتدعمها في القيام بما ترددت فيه لشهور. وفي البيت وقفت أمام أسرتها دامعة العينين محطمة الفؤاد، ثم قالت "سأخبركم أمرا، أنا مصابة بالإيدز"، فنظر إليها شقيقها الأكبر مصدوما، ثم قال "أنا أيضا"، ثم قالت أختها الكبرى نفس الشيء، وكذلك قال الأخ الأصغر "لم أخبركم، لأني خشيت أن تطردوني من البيت".

 

كانت عائلة ساهولي واحدة من آلاف الأسر المالغاشية (سكان مدغشقر) التي يتعايش فرد أو عدة أفراد منها مع فيروس داء نقص المناعة المكتسب، غير أن وصمة العار التي تلاحقهم تدفعهم لإخفاء أمر إصابتهم، وهو ما تجتهد الحكومة لتوعية المجتمع بخطورته.

 

وعن ذلك تشرح لنا ساهولي قائلة "عندما يخفي المصاب أمره عن عائلته، يضطر لعدم الانتظام في تناول العلاج ومتابعة الفحوص خشية افتضاح أمره، وبالتالي تتفاقم حالته، كما يساهم جهل عائلته بأمره، في انتشار الوباء، فمثلا قد يستعمل شخص شفرة حلاقة أخيه المصاب فتنتقل إليه العدوى. والأخطر من ذلك، أن المريض حين يفتقد الدعم المعنوي والتعاطف من المجتمع، قد يصبح عدائيا ويتجه إلى الانتقام من المجتمع بنقل العدوى إلى أشخاص آخرين، ويحصل ذلك خاصة حين يكون المريض نفسه ضحية".

 

في دولة مثل جنوب أفريقيا يبلغ عدد المصابين بالإيدز في مستشفى باراغواناث وحده ثمانية آلاف مصاب، وهو واحد من المستشفيات المخصصة لهذا المرض في جنوب أفريقيا، تلك الدولة التي تبلغ فيها نسبة الإصابة حوالي 20%، أي خمس المواطنين، وهي ليست الأسوأ حالا، ففي دول أخرى مجاورة تبلغ النسبة أحيانا 40%.

 

يذهب الأطباء إلى المناطق النائية للكشف على المواطنين وعلاجهم لصعوبة وصولهم للمدن (الجزيرة)

أما نسبة الإصابة بالمرض في مدغشقر، فهي أفضل منها في جنوب أفريقيا الواقعة في أقصى الجنوب الفقير، ولكن اللافت أنها أيضا أفضل من النسبة التي تعرفها فرنسا وسويسرا وأميركا، بل ومماثلة لتلك المسجلة في الدانمارك وكندا الواقعتين في أقصى الشمال المترف، إنها 0.3%.

 

ويرجع البعض الفضل في تلك النسبة المنخفضة إلى كون مدغشقر جزيرة معزولة جغرافيا، لكن وجود جزر أخرى منفصلة جغرافيا عن القارة الأم وتعرف نسبا أكبر من الإصابة ينفي ذلك. فموريشيوس والرأس الأخضر مثلا تعرفان نسبة أعلى بثلاثة أضعاف، رغم أنهما أصغر بكثير من حيث عدد السكان وحجم المبادلات التجارية مع دول جنوب أفريقيا، ورغم أنهما أغنى من مدغشقر (معدل الدخل السنوي للفرد في موريشيوس 8000 دولار، وفي مدغشقر يبلغ 450 دولارا)، وأكثر تطورا من حيث البنية التحتية لقطاع الصحة. 

 

وقبل 15 عاما لم يكن في البلاد التي يصل عدد سكانها نحو 20 مليونا، بنية تحتية صحية متناسبة مع الخطر البالغ الذي يعنيه وباء الإيدز، والذي كان مستفحلا في منطقة جنوب أفريقيا ومتسببا في خسائر بشرية واقتصادية عظيمة. وعن ذلك حدثنا الدكتور سالفاتور نيونزيما قائلا "في سنة 2002، لم يكن في كل البلاد سوى مركز واحد لفحص وعلاج الإيدز لآلاف المصابين، وفي سنة 2004 تلقى العلاج ثلاثون شخصا فقط من بين 17 ألف حالة مؤكد ، أي 0.001% فقط، وكانت نتائج هذه اللامبالاة الحكومية كارثية، حيث تضاعف عدد الأمهات الحوامل المصابات بالإيدز بين سنة 1995 و2003 سبعة عشر ضعفا".

 

وأضاف "كان هناك حوالي 30 ألف طفل يتيم مصاب بالإيدز. ولم تكن لدى الحكومة أية فكرة عن النسبة الحقيقية للإصابة، بحكم أن الفحوص التي أجريت لم تغط إلا أنتاناناريفو (العاصمة) وضواحيها، ولم تشمل الفحوص الملايين من السكان، وهذا يعني احتمال وجود جيوب وبائية نشطة".

 

وعندما وصل الرئيس مارك رافالومانانا إلى سدة الحكم سنة 2002 عبر انتخابات ديمقراطية وضعت نهاية لحكم العسكر، اعتبر محاربة وباء الإيدز إحدى أولوياته الرئيسية، وسرعان ما أعلن عن أكبر حملة حكومية لمحاربة الوباء عرفتها القارة الأفريقية، وأسس المكتب الوطني للإيدز، وجعل بنايته داخل القصر الرئاسي.

 

الدكتور سالفاتور نيونزيما يقدم الخدمة الصحية لسكان إحدى المناطق النائية  (الجزيرة)

وعن تفاصيل الحملة، يقول سالفاتور "كانت الخطوة الأولى، هي إقناع الناس بإجراء الفحوص، وبينما كان عموم الناس يتخوفون من ذلك، كانت هناك فئات أخرى يخشون المتابعة القضائية، مثل فئة الشواذ ومدمني المخدرات ومن امتهن الدعارة، فكان لزاما على الحكومة أن ترفع القوانين التي قد تحول دون كشف هذه الفئات عن وضعها الصحي، وهذا ما حصل.

 

ويواصل سالفاتور حديثه "ثم قام الرئيس بإجراء فحص الإيدز علنا رفقة عدد من زعماء القبائل، ليعطوا القدوة للناس، وخصصت الحكومة 13 مليون دولار لبناء مراكز الفحص والعلاج، التي بني 40 مركزا جديدا منها خلال السنة الأولى، وعددها اليوم يتجاوز مئة مركز يغطي كل المحافظات، توفر العلاج والرعاية النفسية وترعى الأطفال اليتامى أبناء الأمهات المصابات".

 

ورافقت حملة الفحص والعلاج حملة توعوية، تركز على الوقاية، ولذلك فقد رفع الرئيس شعارا أخلاقيا، حدثنا عنه سالفاتور قائلا "مستفيدا من تجربة أوغندا، التي نجحت في خفض نسبة الإصابة من 15% إلى 7% بالتركيز على الوقاية، رفع الرئيس شعار "كن عفيفا، كن وفيا، واستعمل العازل الطبي".

 

ووجه الرئيس حملته بالأساس إلى الشباب وهي الفئة الأكثر تعرضا للإصابات الجديدة، فهي تدعوهم للابتعاد عن العلاقات الجنسية قبل الزواج، ثم أن يكونوا أوفياء عندما يتزوجون، وإن لم تنجح الأولى والثانية، فعلى الأقل أن يحموا أنفسهم وشركاءهم باستعمال العوازل الطبية، التي وفرتها الحكومة مجانا".

 

كما دشنت الحكومة حملة فحص باستعمال مختبرات الفحص المحمولة، وعنها يقول سالفاتور "70% من المالغاشيين يقيمون خارج المدن، وجزء كبير منهم في مناطق نائية، وهؤلاء لا يمكنهم المجيء إلى المدينة لإجراء فحص طبي، لذلك كان على الأطباء أن يذهبوا إليهم، فكنا ننظم قوافل دورية، فنحمل معنا أدواتنا وخيامنا، ونسير أحيانا أسبوعا كاملا على الأقدام، حتى نصل إلى أبعد السكان، نفحصهم، ونقدم لهم العلاج إذا اتضحت إصابتهم".

 

الرعاية الصحية للأمهات تساهم في دعم الأسرة وحصول الأطفال على مستقبل أفضل (الجزيرة)

لكن تغطية عشرين مليون بالخدمات الصحية أمر يكاد يكون مستحيلا في قارة تستحوذ على ربع مرضى العالم بالإيدز، ويتوفر فيها 3% فقط من العاملين في مجال الصحة، وتهاجر كفاءاتها بحثا عن فرص أفضل (فمثلا عدد الأطباء الإثيوبيين العاملين في شيكاغو أكبر من عدد أولئك العاملين في إثيوبيا).

 

ولهذا فقد بدأت الحكومة المالغاشية توظيف الأطباء والممرضين المتخرجين حديثا، لكن ذلك لم يكن كافيا، فقررت اعتماد فكرة فريدة هي أن تختار عددا من المصابين المتعايشين مع المرض، المتوفرين على مستوى تعليمي جيد، وتدربهم بحيث يتمكنون من إجراء الفحوص وتقديم الرعاية الطبية والدعم المعنوي للمصابين الجدد، واستهدفت بهذه الخطة أساسا النساء الحاملات للمرض، لكونهن الفئة الأكثر هشاشة وضعفا في المجتمع، والأكثر تعرضا للاستغلال والضياع.

 

وكانت ساهولي إحدى النساء اللواتي دربن على هذه الخدمة، وهي اليوم موظفة في مركز لرعاية المصابات بهذا الداء، تجري لهن الفحوص، وتحدثهن عما يجب أن يعرفنه بخصوص إصابتهن، وتوفر لهن الدعم المعنوي.

 

وعن ذلك تقول ساهولي "عندما تخبرين امرأة بأنها مصابة بالإيدز، فإن أول فكرة تقع في ذهنها هي "سوف أطرد من البيت، سوف أموت"، ويملؤها الحزن، لكن حين تأخذينها جانبا، وتخبرينها بابتسامة بأن ذلك غير صحيح، وأن الدليل هو أن الواقفة أمامها مرتدية رداء أبيض مصابة أيضا، ولكنها نجحت في الحفاظ على عافيتها من خلال العلاج، وأن جنينها (إن كانت حاملا، وغالبا ما تأتي النساء للفحص عند الحمل) سيكون سليما إذا أخذت الدواء المناسب، فإن الأمل والشجاعة يتملكانها، ويساعدانها على المضي قدما".

 

مؤخرا، أقيمت في جنوب أفريقيا ندوة إقليمية حول معضلة الإيدز، وعندما سئل الخبير الألماني الدكتور هوغو تيمبليمن عن مدغشقر، أجاب "في أفريقيا هي الدولة الوحيدة التي تعاملت مع الأمر بشكل صحيح".

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/17-

الغابون.. معجزة النظافة وحماية البيئة

الغابون.. معجزة النظافة وحماية البيئة

عندما أصدرت مجلة فوربس سنة 2009 قائمتها الأولى لأنظف البلدان في العالم ، لم يكن غريبا أن تتصدر القائمة دول من العالم الأول، مثل كندا والنمسا أو الدانمارك. لكن دولة واحدة أثارت استغراب القراء الذين لم يكن معظمهم يعرف مكانها على الخريطة، إذ كيف لدولة تنتمي لقارة ارتبطت في أذهان جل الناس بالفقر والأمراض، أن تكون إحدى أنظف 14 دولة في العالم، متفوقة بذلك على جل دول العالم الأول. وكانت تلك الدولة هي الغابون.

 

لكن الغابون لم تكن نظيفة على الدوام، ففي نهاية الثمانينيات، وعلى إثر الانخفاض الحاد في إيرادات النفط، دخلت البلاد في أزمة اقتصادية حادة، وكان من نتائجها أن الحكومة والبلديات عجزت عن تمويل كثير من المؤسسات والخدمات، وكان من بينها خدمة النظافة.

 

ويحكى لنا بابي مويندا مسؤول جمعية "لننظف مدينتنا" عن تلك الأيام فيقول "في تلك الأيام، توقفت شاحنات البلدية عن الطواف على الأحياء لجمع القمامة، وسرعان ما تكدست أكوام القمامة في كل مكان من المدينة، وانتشرت الروائح الكريهة والذباب، وقام السكان بالاحتجاج أمام البلدية، مطالبين بتخليصهم من النفايات، لكن البلدية لم تستجب لأن عمالها ومنهم عمال النظافة كانوا هم أنفسهم يحتجون أمامها مطالبين بدفع رواتبهم التي تأخرت".

 

من بين 250 ألف شامبانزي متبقي في العالم يعيش حوالي 70 ألف منها في الغابون لوحدها (الجزيرة)

ويضيف مويندا "وبينما كنا ننتظر أن تسرع البلدية بإيجاد حل للمشكل، دخل موسم الأمطار، ولأن الغابون توجد في منطقة حوض الكونغو الاستوائية، فإنها تعيش فصلين: الأول جاف والثاني شديد الرطوبة والمطر. وحينها تتفاقم مشكلة القمامة أكثر، حيث سارت سيول الأمطار جارفة معها القمامة عبر الأزقة والشوارع، ثم استقرت في المناطق المنخفضة من المدينة، وقد انتشر البعوض ناقلا مختلف الأمراض للسكان، وخصوصا منهم الأطفال. وحينها فقط بدأ الناس يتحركون، حيث قامت مجموعات من الشباب بمحاولة إيقاف زحف البعوض، بجلب الرمال من الشاطئ لردم المستنقعات".

 

ومنذ عشر سنوات تقريبا، لايزال الغابونيون يخرجون بشكل دوري متطوعين لتنظيف أحيائهم، وأحيانا يشارك معهم مسؤولون ورؤساء بلديات، وقد أطلقوا على العملية "مدينة أكثر نظافة" بعدما كان اسمها بداية "مدينة نظيفة". وكان هذا التقليد ثمرة جهود بذلتها عشرات الجمعيات المهتمة بالبيئة، وقد سعت إلى توطين فكرة في أذهان الناس مفادها أن نظافة المدينة مسؤولية سكانها قبل أن تكون مسؤولية البلدية.

 

أما البلديات، فإنها تشجع هذه الثقافة من خلال فعاليات مختلفة ومسابقات سنوية تتنافس فيها المدن للفوز بلقب أنظف مدينة، كما دشنت العاصمة السياسية ليبرفيل ومنافستها الاقتصادية بورجونتي مشروعا إعادة تدوير للمواد البلاستيكية.

 

كورنيش ليبيرفيل، فضاء نظيف وصحي يقضي فيه سكان ليبرفيل أوقاتا ممتعة (الجزيرة)

لكن ترتيب الغابون ضمن أنظف 14 دولة في العالم لم ينبنِ فقط على نظافة المدن والأحياء من القمامة، وإنما على سلامة البيئة بشكل عام. وقد أبلت الحكومة بلاء حسنا في هذا الجانب، وعنه حدثنا مويندا قائلا "سنة 2002 أعلنت الحكومة عن إنشاء 13 محمية، يشكل مجموعها عشر مساحة الغابون، في خطوة بيئية لم يسبق لها مثيل، فبـ27 ألف كلم2 من الغابات الكثيفة ستساهم هذه المحميات في امتصاص حوالي أربعين مليون طن من ثاني أوكسيد الكربون سنويا. ولو قامت كل الدول التي تقع في منطقة الغابات الاستوائية بنفس الخطوة فسنكون قد ضمنا سلامة عشر الغابات الاستوائية، ما سيؤدي إلى كبح الانحباس الحراري".

 

تقع الغابون في زاوية ضيقة من حوض الكونغو الاستوائي، وتغطي من مساحته حوالي 2% فقط، لكنها نجحت في الحفاظ على سلامة التنوع النباتي لغابتها من تجارة الخشب وحمت الحيوانات المهددة بالانقراض من الصيد الجائر، وكانت نتيجة ذلك أن صارت غابات الغابون اليوم الأكثر تنوعا من بين جميع الغابات الأفريقية.

 

وعن ذلك يقول مويندا "حصلت الغابون على درجة 99 من مئة في مؤشر الحفاظ على الغابات. وذلك التقييم يقترب بها من الكمال. ففي الغابون يوجد نصف عدد الأفيال التي تعيش في الغابات الأفريقية، وإحدى أهم المناطق المحمية للشامبانزي الذي يصل عددها في البلاد إلى حوالي 64 ألفا من أصل 250 ألفا هي كل ما تبقى منها في العالم، بالإضافة إلى الغوريللا. وفي الغابون سبعمئة نوع من الطيور، و98 من البرمائيات، وأكثر من 130 نوعا من الزواحف، و198 من الثدييات، وحيوانات عديدة نادرة، أما النباتات فهناك أكثر من عشرة آلاف نوع، منها أربعمئة من زهور الأوركيد".

 

مجسم لمشروع كورنيش ليبرفيل (الجزيرة)

عند مدخل متنزه أكاندا المحمي (شمال العاصمة ليبرفيل) كانت هناك لافتة كتبت عليها قائمة طويلة من الممنوعات، وكان منها "لا تقطع أو تقصف أو تقشر أو ترفع عن الأرض أي نبات، حيا كان أو ميتا". وحين سألت مويندا عما إذا كان الناس يبالون بهذه التوجيهات، أجابني "إن لم يقنعهم جمال الغابة بمراعاتها، فإن الغرامة الكبيرة والعدد الكبير من المراقبين سيرغمهم على ذلك".

 

وتعتبر الغابون من أكثر البلدان صرامة في ما يخص حماية البيئة، فبالإضافة إلى الغرامات والعقوبات الكبيرة التي تردع الصيادين عن انتهاك المحميات، فقد دشنت مؤخرا استعمال الطائرات المسيرة عن بعد "درونز" لتفادي إزعاج الحيوانات وتخريب النباتات بدخول المراقبين للغابة، متساوقة في ذلك مع دول أقوى منها اقتصادا وتقنية مثل ماليزيا وإندونيسيا، ومؤكدة أنها -وهي الدولة الأفريقية- ليست أقل اهتماما من بقية العالم بالبيئة ومستقبل الطبيعة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/17-

بنين.. واحة الحرية في أفريقيا

بنين.. واحة الحرية في أفريقيا

إذا كنت تعمل صحفيا في اليابان أو كوريا الجنوبية وباقي دول آسيا. أو في إيطاليا وجل دول أوروبا الشرقية، أو البرازيل ومعظم دول أميركا اللاتينية،  فإن حرية التعبير المتاحة لك هناك أقل بكثير من تلك التي يمكنك أن تجدها في دولة أفريقية، اسمها بنين.



أثناء عملي في منطقة غرب أفريقيا، لاحظت أن كثيرا من ملاك القنوات التي تبث في المنطقة يلجؤون إلى تسجيل قنواتهم في بنين، ويرجع ذلك بالأساس إلى كونها تتوفر على بيئة قانونية تضمن حرية التعبير أكثر مما يوجد لدى الدول المجاورة. ووفق تقرير "فريدوم هاوس" لسنة 2015، حصلت بنين على ست درجات من أصل سبع في الحريات المدنية والسياسية وفي حرية الصحافة. 

 

وقد عرفت بنين الصحافة منذ قرون عدة، وكان ذلك في عهد مملكة داهومي التي شكلت قوة عسكرية مهابة الجانب جعلت الأوروبيين يلقبونها "إسبرطة السوداء" ولم يسيطروا عليها إلا حين تطورت الأسلحة النارية، وبعد أربعة قرون من العلاقات السياسية والتجارية. وفي مملكة داهومي، فرغ الملك هويغباجا موظفين كانت مهمتهم تلقف الأخبار من مختلف القبائل ونقلها إلى القبائل الأخرى. وكان ذلك في منتصف القرن السابع.

 

تتسم الحياة السياسية في بينين بالنشاط ويتمتع المواطنون بحرية كبيرة في التعبير عن مواقفهم السياسية (الجزيرة)

حصلت داهومي على استقلالها من فرنسا سنة 1960، وصار اسمها جمهورية بنين، ورغم الاضطرابات السياسية التي سادت تلك الفترة، فإن حرية الصحافة ازدهرت خلالها، وعن ذلك يحدثنا الصحفي المخضرم وأحد مؤسسي اتحاد الصحفيين المستقلين في هذا البلد هيرفي آيكادو قائلا "عندما استقلت بنين، لم تكن السلطة السياسة مركزة لدى حزب واحد أو قبيلة واحدة. ورغم صغرها، عرفت البلاد ثلاث قوى متدافعة، شكلت في النهاية مجلسا رئاسيا من ثلاثة أعضاء، فخلق هذا التدافع توازنا أثمر دستورا ديمقراطيا وحرا. وجاء قانون (60-10) الذي منح الصحافة حرية كاملة، ونص بنده الخامس على أن الشرط الوحيد لينشر أي مواطن جريدة أو أي منشور آخر هو أن يضع إخبارا لدى المدعي العام ووزارة الداخلية. وقد أدت هذه السلاسة".

 

لكن حفلة الحريات لم تدم طويلا، إذ بعد 12 سنة من الاستقلال أي عام 1972، انقلب الجنرال ماثيو كيريكو، ثم أعلن إقامة نظام ماركسي، وأمم الشركات والبنوك، وطبق سياسات شيوعية أدت إلى فرار المستثمرين الأجانب والمواطنين والموظفين من البلاد، وقمع الحريات الفردية والجماعية وحرية التعبير.

 

وعن تلك الفترة يحكى آيكادو "كانت الأحزاب محظورة، والمعارضون في السجون، وكل الجرائد اختفت، وحدها الجريدة الدينية الكاثوليكية (الصليب) استمرت، ومع بداية الثمانينات ظهرت جرائد (خاصة) لكنها لم تكن في جوهرها سوى جرائد رسمية، حيث لم يكن تفعل سوى التسويق للنظام والجيش الذي كان يدير البلاد".

 

أكثر من 450 إذاعة في بنين بمعدل إذاعة واحدة لكل عشرين ألف مواطن، وتتمتع بحرية كاملة في معالجة جميع القضايا (الجزيرة)

لكن جرائد من نوع مختلف كانت رائجة في ذلك الوقت، جرائد مجانية يجهل أصحابها وكتابها. وعلى النقيض من الجرائد المطبلة، كانت هذه تحرض ضد النظام، وعنها يقول آيكادو "عندما أغلقت الجرائد الخاصة، جزء من العاملين فيها تكلم كثيرا فدخل السجن، وجزء آخر ذهب ليعمل في القناة الوطنية الرسمية والإذاعات الرسمية، بينما أخذ شباب جامعيون يتوقون للحرية يكتبون صحفا من ورقتين أو ثلاث، ويطبعونها على حسابهم، ويوزعونها سرا بين أصدقائهم وأقاربهم، وكل من ينهي قراءتها يمررها إلى غيره، وهكذا كان لدينا عالمان: عالم ظاهر يدعي القوة بينما ينخره الفساد والظلم، وآخر باطن يغلي ويستعد للحظة الانفجار".

 

وفي سنة 1989، كانت دولة العسكر قد أفلست، فلم تتمكن من دفع رواتب الموظفين، وتحت ضغط الشارع الذي خرج محتجا، أعلن الحاكم العسكري الذي أمضى 17 سنة في الحكم إلغاء النظام الماركسي وتحرير السجناء السياسيين ووضع دستور جديد ديمقراطي يضمن الحقوق والحريات، وتنظيم الانتخابات. وفي نفس السنة، ظهرت جريدة "لوبينيون" )الرأي( وجرائد أخرى ساهمت -عندما نظمت الانتخابات سنة 1991- في فوز رئيس جديد وخسارة ماثيو كيريكو الذي كان أول رئيس أفريقي )جنوب الصحراء( يقبل خسارته في الانتخابات ويتنحى.

 

وكانت بنين محظوظة، حيث غادرها رئيس حكم ثلاثين سنة، دون حدوث قلاقل، بل وترك لها دستورا متقدما في مجال الحريات، عكس كثير من الدول المجاورة. وجاء في الدستور أن "الدولة تعترف وتضمن حرية التعبير والصحافة، من خلال مؤسسة مستقلة هي الهيئة العليا للسمعي البصري والتواصل، والتي يفصل شروطها قانون مؤسس". وبذلك تكون بنين أول دولة في المنطقة تنشئ مؤسسة عليا مستقلة لضمان حرية الصحافة، وهو ما جعلها مثالا للدول الأفريقية في مجال حريات الصحافة والديمقراطية.

 

أكثر من 450 إذاعة في بنين بمعدل إذاعة واحدة لكل عشرين ألف مواطن، وهو أكبر معدل في أفريقيا (الجزيرة)

وسنة 1992، اجتمع شباب صحفيون ليؤسسوا أول هيئة تجمع الصحفيين المستقلين وأسموها "اتحاد صحفيي الإعلام الخاص في بنين"، وكان من بينهم آيكادو الذي يقول لنا "بعد مغادرة كيريكو دون مشاكل، اطمأننا إلى أن البلاد تتقدم بالفعل، فانطلقنا متحمسين لإنشاء هيئة تجمع كل الصحفيين غير الحكوميين، للدفاع عن حرية الصحافة وعن حقوق الصحفيين، ولتكوين فضاء لتأهيل وتدريب الصحفيين، حيث في ذلك الوقت لم تكن هناك أية مدرسة للصحافة، وقد تحمس معنا صحفيون كبار وتطوع عدد منهم لتقديم دروس في الصحافة مجانا لأعضاء الاتحاد".

 

ويضيف آيكادو "وبعد ذلك بثلاث سنوات، وصل عدد الصحف المنشورة في بنين 64 صحيفة، وكان هذا الرقم كبيرا جدا بالنسبة لعدد السكان الذي بلغ حينها حوالي خمسة ملايين فقط، وكان الصحفيون يكتبون في كل المواضيع: الفساد وأخطاء المسؤولين والاغتيالات السياسية والتوترات العرقية. كنا نملأ بياض الصفحات بالمداد الأسود دون أن نخشى أي شيء".

 

وفي سنة 2002، صنفت منظمة "مراسلون بلا حدود" بنين في الرتبة الـ21 عالميا في حرية الصحافة، وكانت الدولة الأفريقية الأولى، وفي تلك السنة تجاوزت حتى النمسا واليابان (المرتبة الـ26) وإسبانيا (الـ29) وإيطاليا (الـ40). أما في سنة 2005، فقد تفوقت أميركا وفرنسا.

 

ويُحكى أن رئيس بنين الجديد قال في لقاء مع المؤسسات الإعلامية "إذا كان ذلك يساعدكم على العيش بشكل طبيعي، فلتكتبوا ما شئتم!".  لكن آيداكو علق قائلا "أن تتوفر لديك حرية التعبير شيء، أما أن تتمكن من ممارستها فذلك شيء آخر! وبالنظر إلى هزالة رواتب معظم الصحفيين، يبقى السؤال مطروحا حول استقلالية الصحفي في الدول الفقيرة، وما إذا كان سيتمكن من القيام بدوره كما ينبغي حين يتطلب الأمر ذلك".

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/17-

رواندا.. من الموت والجوع إلى الحياة

رواندا.. من الموت والجوع إلى الحياة

 كانت رواندا دولة فقيرة قبل الحرب الأهلية، لكنها بعد الحرب صارت أكثر فقرا. وكان متوسط دخل المواطن ستين دولارا شهريا. ومع نهاية الحرب، هوى إلى ثلاثين دولارا. فاجتاح اليأس قلوب الناس، ولم يبد في نهاية النفق أي ضوء، فالمستثمرون قد فروا جميعهم، والمواطنون الأغنياء كذلك، والشباب أصحاب الكفاءات، وحتى المؤسسات الخيرية التي يفترض بها إغاثة الناس حين الكوارث، ابتعد جلها عن الكارثة الرواندية.

 

لقد أفزعت رواندا العالم، ورغم مرور خمس سنوات على نهاية الحرب، لم يرتفع متوسط الدخل إلا بـ 15 دولارا، وقد بدا أن عودته إلى ستين دولارا -أي إلى خط الفقر- بحاجة إلى معجزة.

 

لكن سنة 2015، وصل متوسط الدخل السنوي إلى 1800 دولار، أي ثلاثين مرة ضعف ما كان عليه قبل عشرين سنة، وهو ما اعتبره كثير من الاقتصاديين معجزة حقيقية، بالنظر إلى الدمار الاجتماعي والاقتصادي الذي خرجت منه رواندا.

 

مركز كيغالي عاصمة رواندا. وقد عرفت في العقد الأخير تطورا كبيرا (الجزيرة)

أما د. كليت نييكزا خبير الصيدلة الرواندي، فلا يرى في الأمر أية معجزة، وعن ذلك يقول "لكي تنشئ دولة ناجحة، لا تحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، وإنما يكفي أن تستفيد من تجارب الآخرين. وإذا استطعت أن تجعل المطار خاليا من الفساد والرشوة، وخدمة الإنترنت في البلاد سريعة، وإجراءات الاستثمار بسيطة، والشباب يتحدثون الإنجليزية، فإنك ستحصل على دولة فعالة، وسوف تجذب الشركات والمستثمرين من كل العالم".

 

لكن عندما وضعت الحرب أوزارها، كانت الكهرباء متوفرة لأقل من عشر السكان، والأمية تتفشى في نصفهم، فكان الحديث عن الاستثمارات والاتصالات سابقا لأوانه.

 

كان تسعة أعشار السكان مزارعين، وكانت الزراعة العمود الفقري للاقتصاد، لكن الإنتاج الزراعي انخفض بشكل حاد بعد الحرب، إذ خسرت البلاد حوالي ثمن سكانها الذين شكلوا خمس القادرين على العمل والمتوفرين على الخبرة في الزراعة، وكان التحدي حينها ضمان الأمن الغذائي.

 

ولتحقيق هذا الهدف، وضعت الحكومة خطة لتطوير الزراعة، وجلبت خبراء أجانب لأجل ذلك. وعن ذلك حدثنا د. نييكزا قائلا "كانت الزراعة تعاني مشاكل كثيرة، بسبب سوء البنية التحتية التي تصعب نقل الإنتاج إلى الأسواق فضلا عن تصديره، وكذا غياب أي آلية تمكن المزارعين من معرفة الأسعار في الأسواق المختلفة، وبالتالي تفادي حصول عجز في أسواق معينة وفائض في أسواق أخرى، وبالتالي تضرر المستهلك والتاجر.

 

تشكل القهوة أحد أهم المنتوجات الزراعية في رواندا (رويترز)

فوضعت الحكومة آليات لحل هذه الإشكالات، مثل شبكة هاتفية للمعلومات الزراعية، ومكتب للتصدير وخدمة حكومية لنقل المحاصيل. كما وفرت الأسمدة بأسعار في متناول المزارعين، ومعدات للتأجير بأسعار مشجعة، وقروض ميسرة، وغير ذلك، وكانت النتيجة مذهلة. لقد ارتفع إنتاج القهوة من ثلاثين ألف طن بعيد الحرب، إلى 15 مليونا خلال خمس سنوات فقط، أي سنة 2000".

 

لكن الزراعة في عصر اقتصاد المعرفة، لا تغني ولا تسمن. وهذا ما كان يدركه الرئيس كاغامي، والذي قال في أحد خطاباته "نريد أن نتعلم من سنغافورة التي نجحت في تحويل التحديات إلى فرص. إن الأمر يتعلق بالاستثمار في الإنسان وفي المهارات والتقنية، والمنتجات عالية القيمة والقدرة على إدخالها إلى السوق".

 

كان كاغامي واحدا من قلة من الزعماء الأفارقة الملهمين. فقد كان زعيما عسكريا، لكنه حين انتصر في الحرب وأوقف المذبحة التي استهدفت عرقية التوتسي التي ينتمي إليها، تحدث كزعيم روحي ورفع شعار "لا انتقام" ولما أرسى دعائم السلام الاجتماعي أخذ يتحدث كخبير اقتصادي.

 

وبينما يحتاج المستثمر في دول كثيرة في العالم إلى أسابيع أو شهور لكي يحصل على ترخيص للاستثمار، كانت القصة في رواندا مختلفة، إذ في سنة 1998، وضعت الحكومة قانون استثمار جديدا، وأنشأت نظام "الشباك الواحد" للاستثمار، والذي يمكن للمستثمر أن يقوم بجميع الإجراءات القانونية في مكان واحد. واليوم في رواندا، يمكن إنشاء شركة في يوم واحد، أو بضع ساعات فقط.

 

تضم رواندا أكبر تجمع محمي للغوريلات يجذب مئات الآلاف من السياح سنويا (الجزيرة)

كانت هذه أولى الخطوات التي قام بها كاغامي بهدف رفع جميع العراقيل التي تمنع المستثمرين الأجانب من دخول رواندا. أما الخطوة التالية، فكانت تأسيس مجلس استشاري للاستثمار والتطوير، وكان أعضاؤه من الروانديين ذوي الكفاءات العليا والمنتشرين بمختلف دول العالم. وقد ذهب إليهم كاغامي بنفسه لإقناعهم بالعمل إلى جانبه. وكان من بينهم نييكزا خريج جامعة إنديانا وأحد الخبراء البارزين في الصناعات الدوائية.

 

وعن ذلك يقول د. نييكزا "كنت قد غادرت رواندا سنة 1983، واتصل بي السفير الرواندي، وأخبرني أن الرئيس كاغامي يود مقابلتي. وعلى الطاولة، حدثتني عن رؤيته "رواندا 2020" وعن رغبته في أن أكون عضوا في مجلسه الاستشاري، ثم قال لي "إن لم تكن مستعدا لتحمل المسؤولية والمضي قدما، فربما لا تستحق شرف أن تقدم شيئا لبلدك" وحينها أيقنت أن هذا الرجل سيغير رواندا. وبعد ذلك بسنة، كنت أزور رواندا للمرة الأولى منذ ربع قرن". 

 

وتأسس المجلس من أعضاء روانديين وآخرين أجانب، خبراء في الاقتصاد والطب والإدارة والإعلام، يضعون الخطط الإستراتيجية، ويجتمعون مرتين في السنة لتقييم سيرها، ورافقوا كاغامي إلى سنغافورة لدراسة تجربتها الناجحة والاستفادة منها.

 

وكان من أهداف المجلس تغيير الصورة النمطية السلبية لرواندا عند العالم، والتي تحول دون مجيء المستثمرين. ويقول نييكزا "لا أحد يود الذهاب إلى بلد قتل فيه مليون شخص في ثلاثة أشهر. وهذا كل ما كان يعرفه العالم عن رواندا. لكن كاغامي قال: يكفي أن نجلب إلى رواندا اسما كبيرا حتى يأتي الآخرون".

 

صارت رواندا واحدة من بين ربع أنظف دول العالم وكانت محاربة الفساد مفتاحا من مفاتيح التنمية (الجزيرة)

وقد فعل كاغامي ذلك بنفسه، حين ذهب للقاء رئيس شركة ستار بوكس وأقنعه بزيارة رواندا. وقد قررت الشركة بعد ذلك أن تقيم سلسلة إنتاجية في البلاد، وأصبحت أول زبون للقهوة الرواندية. كما اجتمع كاغامي بمدير شركة غوغل حول مشروع لتحويل رواندا إلى نواة للاتصالات والتقنية في المنطقة، من خلال تخصيص 17% من الناتج الإجمالي للتعليم، و5% منه للتطوير التقني، وقد استثمرت غوغل بدورها في رواندا.

 

وكانت نتيجة هذه الإجراءات وغيرها أن حققت رواندا أحد أسرع معدلات النمو في العالم، من سنة 2000 إلى 2015، بمعدل 9% سنويا. وترتب على هذا النمو انخفاض معدل الفقر من 60% إلى 45%، ونسبة الأمية من 50% إلى 25%، ومتوسط أمد الحياة من 48 سنة إلى 64 سنة. كما نالت الرتبة الـ 44 في مؤشر الشفافية، متفوقة على إيطاليا والبرازيل والهند وجل دول العالم.

 

كما نجحت جهود رواندا في عدم الارتهان إلى الزراعة، حيث تشكل اليوم ثلث الدخل فقط، بعدما كانت تشكل أكثر من 70%، بينما تشكل الخدمات أكثر من نصف الدخل.

 

لقد آمنت رواندا بقدرتها على النهوض، معتمدة على قدراتها، ولم تعتمد على المساعدات الدولية كما فعلت دول أفريقية أخرى، وحين سئل كاغامي عن موقفه من المساعدات، قال "نقدر المساعدات الخارجية، ولكن عليها أن تساعدنا في تحقيق ما نريد الوصول إليه، فلا أحد يعرف مصلحتنا أكثر منا". ثم أضاف "ولا دولة يمكنها أن تقيم تنمية بالاعتماد على المساعدات، فالارتهان بها يسلخ عنا إنسانيتنا، ويسرق منا كرامتنا".

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/17-

تقارير منوعة

تقارير منوعة
 

بوترا جايا .. عاصمة ذات رسالة

ليست مدينة أفلاطون الفاضلة، لكنها تحيي مبادئ الفضيلة بتصاميمها في القرن الحادي والعشرين
 

السياحة من علو ومعالم بوترا جايا من الأرض تظهر على شكل صاروخ بجانب مسجد السلطان ميزان (الجزيرة)

 

رحلة الطبيب المغربي "زهير لهنا" في سوريا

حركت ضميره جراحات الإنسان في أفغانستان والكونغو وفلسطين وليبيا، وأخيرا في سوريا يداويها بخبرته كطبيب
 

رشيد جنكاري مع أطفال مخيم الحرية في إدلب (الجزيرة)

 

الشعبونية بنابلس.. صلة الرحم بنساء العائلة

عادة نابلسية امتازت بها مدينة نابلس دون غيرها من مدن فلسطين، وتنسب لشهر شعبان

مدينة نابلس امتازت دون غيرها بالعادة الشعبونية والتي تتزامن وشهر شعبان من كل عام (الجزيرة)

 

الأساطير في التراث الشعبي الصيني

تحتل الخرافات والأساطير جزءًا كبيرًا من التراث الثقافي الصيني من قديم الزمان ولا تزال
 

الصينيون يعتقدون أن الشموع والدعاء بالخير للميت تفيده بعد وفاته - رويترز (الجزيرة)

ألبوم صور

الوجه المشرق لأفريقيا

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/17-

بوترا جايا .. عاصمة ذات رسالة

بوترا جايا .. عاصمة ذات رسالة
سامر علاوي - بوترا جايا/ ماليزيا

 

ليست مدينة أفلاطون الفاضلة، لكنها تحيي مبادئ الفضيلة في القرن الحادي والعشرين، حيث صممت عاصمة ماليزيا الجديدة لتجسد مبادئ تنظيم علاقة الإنسان بخالقة، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وعلاقته ببيئته، فأصبحت بوترا جايا عنوانا لنهضة ماليزيا الحديثة منذ أن وضع مهاتير محمد حجر الأساس لها عام 1996.

 

السلطة

وحيث يراد لها أن تكون عاصمة، كان من الطبيعي أن تعكس مبانيها -لا سيما السيادية منها- هيبة الدولة، وهو ما يؤكده المهندس المعماري أحمد روزي عبد الوهاب الذي أشرف على تصميم مبنى رئاسة الوزراء، ليصبح أحد المعالم الرئيسية للبلاد، ويشْدَه بهيبته أنظار الزوار من مواطنين وسياح أجانب.

 

فالتماثل في تصميم مقر رئيس السلطة التنفيذية يوحي بالتوازن والاعتدال، أراد منه المهندس عبد الوهاب استشعار من يسكن داخله بحكومة عادلة ومتزنة، ودلالة المعنى لمن يطل عليه من بعيد، ويقترب من الفكرة كلما اقترب من التفاصيل التي تمزج بين ثقافة المجتمع الماليزي وتراثه وديانة غالبيته.

 

وللقبة التي تعلو المبنى حكاية أخرى، فقد رأى فيها المعماري عبد الوهاب إيحاء بوجود سلطة عليا فوق سلطة من يجلس تحتها، وتذكره وهو يحكم مجتمعا أو أمة بأنه ليس الأول وإنما هناك من يراقبه.

 

تلقف مهاتير فكرة القبة، وذكرته بقبة مسجد صغير كان يصلي فيه في مسقط رأسه، مدينة ألو ستار بولاية قدح الشمالية، فأمر باستنساخها فوق مكتبه مع تعديلات جمعت التراث والعقيدة وهيبة الدولة معا.

 

مشاهد من باريس ومدن عالمية أخرى جسدت في بوتراجايا (الجزيرة)

قضاء وقِبلة

يربط شارع مستقيم، مرصوف بطوب أحمر مميز، بين مسجد بوترا، المحاذي لمكتب رئيس الوزراء، وبين مسجد السلطان ميزان زين العابدين، وفي مقابله صمم مبنى المحكمة الاتحادية شامخا بقبته الضخمة، ويقسم الطريق بينهما إدارات المدينة الحديثة.

 

لكن قبة قصر العدل تحمل معنى آخر، فمكتب قاضي القضاة يقع تحتها مباشرة، وهي على استقامة مع محراب المسجد ثم القبلة، ويؤكد رئيس سلطة تطوير بوترا جايا داتو هاشم أن فكرة استقامة المحكمة مع المسجد والقبلة تهدف إلى استشعار القاضي مخافة المولى عز وجل أثناء بته في القضايا الهامة التي تعرض عليه، خاصة أن المحكمة هي العليا في البلاد، فالقاضي يرى محراب المسجد من مكتبه، ويعكس محراب المسجد صورة مبنى المحكمة كذلك.

 

منح اللون الوردي مسجد بوترا بهاء إضافيا على فخامته، وعكس الألمنيوم الذي يكسو مسجد السلطان ميزان لونا فضيا يزيده رونقا وجمالا، حيث يعرفه كثيرون بالمسجد المعدني، وتوحي المياه التي تحيط بكليهما من ثلاثة جوانب بالحياة، وهما إلى جانب 28 مسجدا بنيت حتى الآن في المدينة تجسد علاقة الإنسان بخالقه، فإدارة المدنية لا تريد أن ترى خواء روحيا في مدينة عصرية كما يقول داتو هاشم لمجلة الجزيرة.

 

فخامة تكسو مسجد السلطان ميزان الذي يعرف بمسجد الألمنيوم (الجزيرة)

مدينة خضراء

تشكل البحيرات سمة أساسية لبوترا جايا، فجولة على متن يخت سياحي في بحيرتها الاصطناعية التي تتجاوز مساحتها 400 هكتار تغذي لدى زائرها مسؤولية الإنسان تجاه محيطه وبيئته، وتُرى على جوانبها إبداعات الهندسة المعمارية الحديثة، ممزوجة بتراث ثقافة شعوب عريقة، فهذا الجسر يذكرك بنهر السين في باريس وذاك بني بطراز فارسي على غرار جسر أصفهان.

 

يلزم مخطط بوترا جايا الأساسي إدارتها بالحفاظ على 40% منها مساحات خضراء، ويقول مدير الخدمات في المدينة داتو عميري في حديثة لمجلة الجزيرة إن مخطط المدينة الأساسي يضم 13 حديقة عامة، اكتمل منها عشر حدائق واسعة كل واحدة منها تهدف إلى الحفاظ على نمط معين لمدينة خضراء.

وفّر تصميم المدينة دون قصد موطنا جديدا لطيور محلية مهاجرة، فاستوطن نحو ثمانين نوعا من الطيور جزيرة صغيرة وسط بحيرة بوترا جايا، ويقول الخبير في مجال الطيور مايك تشونغ لمجلة الجزيرة إن عوامل عدة جعلت الطيور تستقر في هذه الجزيرة الصغيرة، مثل فصل المياه بينها وبين البشر بما يمنحها الأمان كي تعشعش وتتكاثر، ووفرة الغذاء حيث الأسماك الكثيرة في البحيرة والغذاء في الغابات القريبة، ويضيف تشونغ أن الطيور المحلية قد تكون أغرت المهاجرة بالاستقرار معها، خاصة أن الطقس قد يكون ملائما لهذه الطيور.

 

مهرجان المناطيد مناسبة سنوية لتشجيع السياحة في بوترا جايا (الجزيرة)

مسؤولية مجتمعية

يرى رئيس هيئة تطوير بوترا جايا أن أبرز تحد تواجهه الإدارة هو الاستمرارية، ليس فقط في الحفاظ على المبادئ التي بنيت عليها المدينة وهي علاقات الإنسان الثلاث التي تربطه بخالقه وبالإنسان والبيئة، بل كذلك تنمية المجتمع وبناء القدرات البشرية، لأن الإنسان هو محور التنمية، وعن مدى أثر التقلبات الاقتصادية على تنفيذ هذه المبادئ يرى داتو هاشم أن المسؤولية مرتبطة بالأفكار لا بالأموال، ويؤكد أن تنفيذ الأفكار يبدأ في تعزيز الترابط المجتمعي وبناء القدرات والإمكانات الذاتية للفرد والمجتمع.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/17-

رحلة الطبيب المغربي "زهير لهنا" في سوريا

رحلة الطبيب المغربي "زهير لهنا" في سوريا
فاطمة سلام - إسطنبول



مناطق الحروب والنزاعات تحتاج إلى مهنة الطب، تلك المهمة الإنسانية يرويها الطبيب المغربي زهير لهنا.

 

انتقل من أفغانستان إلى الكونغو، ومن جنين إلى ليبيا، ثم من غزة إلى سوريا. هذه الأخيرة بالتحديد عاد إليها مرتين. يقول لـ"مجلة الجزيرة" إنها ليست الأخيرة "الحرب فيها تستهدف المستشفيات والأطباء أيضا، لذا لدي واجب علي القيام به هناك".

 

يقول لهنا أيضا إن "الضمير يجب أن يكون حيا، ويظل الإنسان هو الهدف والغاية" وهذا ما يحركه تجاه البلدان التي زارها والمناطق التي عمل بها، وكانت حياته فيها عرضة للخطر.

 

عن تجربته في سوريا، يحكي لهنا عن مسار رحلة لم يكن سهلا، بدأ من الدار البيضاء بالمغرب إلى مدينة إسطنبول التركية ومنها إلى غازي عنتاب. هناك كان في حماية مؤسسة "وقف الواقفين" الإغاثية، وهي من تكفل بعبوره للحدود التركية السورية إلى الأراضي المصنفة كواحدة من أخطر المناطق عبر العالم.

 

الطبيب والصحافي بمعرة النعمان (الجزيرة)

أول محطة في خط سير لهنا كانت مستشفى "الرحمة" في منطقة دركوش بمحافظة إدلب، والذي أسس منذ ثلاث سنوات "ويقدم خدمات قوية بالنظر للوضع في سوريا" وفق لهنا، لكن عمل المستشفى مهدد كغيره فـ"الطيران الروسي قصف أكثر من 26 مستشفى ودمر كامل وحداتها الصحية".

 

القصف الروسي في حينه كان قد استهدف قبل أيام قليلة فقط مستشفى منظمة "أطباء بلا حدود" جنوب معرة النعمان. وعلى ركام المستشفى وقف لهنا يحمل ما تبقى من معطف إحدى الممرضات شاهدا على الجريمة.

 

يقول "استشهد هنا ثلاثون شخصا 19 منهم أطباء وممرضات، لا حرمة للمستشفيات" وهو ما تؤازره رئيسة منظمة "أطباء بلا حدود" جوان ليو التي تقول إن "عدد الهجمات التي تعرضت لها المستشفيات وتدعمها المنظمة بلغ 101 هجوم منذ بداية 2015".

 

وانتقل لهنا في رحلته إلى المستشفى التخصصي بمدينة إدلب، تلاه المستشفى الوطني في معرة النعمان.

 

الصحفي رشيد جنكاري يوثق تجربة الأطباء السوريين الشباب الذين اختاروا البقاء في إدلب (الجزيرة)

مهمة الاستشاري المغربي بالدرجة الأولى كانت تتمثل في تدريب المولدات. كان ومازال مؤمنا بأن "من يستمر في إنقاذ السوريين هم السوريون أنفسهم" لذا كان مستعدا لتأهيلهم في تخصصه، وتقديم كل المساعدة الممكنة، تخصصه استشاري طب وجراحة النساء والصحة الإنجابية كان توفره ملحا، فوفق أرقام الأمم المتحدة فإن 80% من السوريات يلدن في ظروف غير واضحة أو صحية في ظل الحرب الدائرة، كما أن المستشفى التخصصي بمدينة إدلب على سبيل المثل لم يعد يتوفر إلا على مولدة واحدة تعيش بالمستشفى وتقدم خدماتها دون توقف.

 

كل شيء مغامرة في سوريا، كان يعرف لهنا ذلك جيدا قبل دخول سوريا أو مناطق الحروب التي اشتغل بها سابقا، لكن هذا لا يعني أن يتوقف مع الأطباء القلة الباقين بالمستشفيات السالفة الذكر عن أداء مهامهم.

 

يحكي لهنا أن الأطباء في إدلب يضطرون إلى استعمال غرفة عمليات تحت الأرض، يستمرون بإجراء العمليات الجراحية بها حتى لو دقت صفارات الإنذار التي تحذر من قصف جوي.

 

ويضيف "سوريون مهجرون إلى أميركا وكندا وغيرها استمروا بدعم مستشفيات الداخل السوري، واشتغلت معهم في تقديم خدمات التدريب  على التوليد والجراحة والرعاية الصحية، ولكوني أترجم وألقي الدروس بالعربية فإن هذا عون كبير للأطباء السوريين والمولدات".

 

في الرحلة الأخيرة للطبيب المغربي إلى سوريا لم يكن وحيدا بل رافقه فيها مواطنه الصحافي رشيد جنكاري.

 

رشيد جنكاري يوثق مقاومة الفريق الطبي في إدلب (الجزيرة)

الاثنان معا تركا عائلتيهما في مدينة الدار البيضاء واستقلا الطائرة إلى تركيا ومنها عبر الحدود البرية مع سوريا في قافلة إنسانية تابعة لمؤسسة "وقف الواقفين" الخيرية.

 

عن هذا الاختيار المجازف لصحافي، يقول جنكاري لـ"مجلة الجزيرة" إن "العمل الصحافي ميداني بالأساس، وأنا أردت أن أوثق رحلة الطبيب لهنا في الأراضي السورية" ونقل معاناة السوريين من جوانب إنسانية مغفلة في الحروب ولا ينتبه لها.

 

قابل الصحفي والطبيب المغربيان أطفال القرى والبلدات التي زاروها في معرة النعمان وإدلب، ووقفا على الخراب وعلى الموت أيضا "كان الأمر صادما، لكن لو لم نكن هناك لما عرفنا أن الحياة تجد طرقها للاستمرار، السوريون أذهلونا بصمودهم".

 

وثق جنكاري العمليات الجراحية التي قام بها أو شارك فيها لهنا بالمشافي السورية، ودورات تدريبه للقابلات، واللقاءات مع الأطباء السوريين، وأخذ مقابلات مع الكادر الطبي "الصامد في وقت لم يصمد فيه الكثيرون في الداخل السوري" ولا عجب أن يقول جنكاري أن هذه "أهم تجربة مهنية" مر بها إلى الآن.

 

إلى جانبهما، كان هناك عبد الكريم شعبان ممثل مؤسسة "وقف الواقفين" الخيرية في تركيا وسوريا.

 

مستشفى الرحمة بتمويل من جنوب أفريقيا (الجزيرة)

الرجل كان خدوما لتيسير دخول المساعدات الطبية التي تحتاجها المشافي. طبعا دخولها ليس بالسهل ويحتاج إلى قرارات سياسية وهدنة ميدانية، لكن العمل عليه أن يستمر.

 

وبالرغم من أن المؤسسة إغاثية من جنوب أفريقيا، فإن البعد الجغرافي لا يلغي القرب الإنساني. يقول شعبان لـ"مجلة الجزيرة" إنه "منذ سنة 2012 والمؤسسة تنشئ وتسهر على المشافي في إدلب بالتحديد، وتعمل جاهدة لتوفير اختصاصات طبية فقدت في سوريا تقريبا، كطب الأعصاب والعيون والأنف والحنجرة".

 

ويقف ضعف التمويل حجر عثرة أمام عمل المؤسسة فـ"هي في النهاية غير حكومية وتعتمد على التبرعات، لكن غلاء أسعار المعدات والأدوية يضاف إلى العقبات الميدانية الأخرى ويصعب عمل الكادر الطبي".

 

بالرغم من ذلك تفخر المؤسسة بأنها توزع أكثر من مليون طن من المساعدات المتنوعة في أكثر من 35 بلدا في مختلف أنحاء العالم بينها سوريا، وتتدخل بأنشطة إغاثية في هذا البلد المنكوب على أكثر من صعيد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/17-

الشعبونية بنابلس.. صلة الرحم بنساء العائلة

الشعبونية بنابلس.. صلة الرحم بنساء العائلة
 
 

عاطف دغلس - نابلس

قصص وحكايات نسجت في ذاكرة الحاج علي جود الله (أبو حسن)، كانت ولا تزال تحوم في باله ويستذكرها كل حين، وهي الآن وبمثل هذه الأيام تدق بابه أكثر من ذي قبل، فهي قصص العادة الشعبونية التي تتزامن مع شهر شعبان من كل سنة، وهي عادة توارثها النابلسيون منذ عقود خلت أبا عن جد.

 

والشعبونية عادة نابلسية امتازت بها مدينة نابلس دون غيرها من مدن فلسطين، وتنسب لشهر شعبان، وهو الشهر الثامن في التقويم الهجري، يقوم فيها رجل البيت الأب أو الشقيق بدعوة النساء فقط من البنات والشقيقات والخالات والعمات ومن يتبعهن من الإناث والصبية الصغار لتناول الطعام والمبيت عنده، سعيا لتعزيز صلة الرحم وأواصر المحبة وألفة اللقاء، ففي الأمر حكايات تروى وأناس ملهوفون للاستماع.

 

مثل تلك الحكايات لمّا تغادر مخيلة أبو حسن، فهي قصص الشعبونية في شهر فضيل تكون فيه صلة الأرحام أسمى من أي شيء آخر، وفيه درجت عادات تُقرّب العائلة من بعضها وتجمع نساءها كما لو أنها لم تغادرها قط عبر زواج أو غيره.

 

تزدان مدينة نابلس وأسواق البلدة القديمة بالأطعمة لا سيما في شهر شعبان  (الجزيرة)

الطعام واللمّة

يقول الرجل الستيني لا أزال أذكر أبي "أبو السعيد" الذي كان ذائع الصيت ليس بحي الياسمينة حيث نقطن فحسب، بل في البلدة القديمة برمتها وهو يستعد لعزومة شعبان، حيث كان البيت يمتلئ بشقيقاتي والقريبات من النساء "الولايا"، وكن يأكلن الطعام الذي يعد خصيصا لهذه المناسبة، وليلا يتناولن الحلوى النابلسية (الكلاج) ويتسامرن ويتبادلن الأحاديث المشوقة.

 

أخذ أبو حسن على عاتقه إقامة الشعبونية وإحياءها منذ صغره، فكان ولا يزال يحافظ على دعوة قريباته ورحمه من النساء، ليحيين سوية الشعبونية، بكل جمالياتها القديمة، خاصة وأنه لا يزال يحافظ على بعض تقاليدها كأن يصنع الحلوى بيده.

 

لهذه الشعبونية طقوس كثيرة ومتنوعة في دمشق الصغرى (نابلس) كما يحب أهلها تسميتها، ترتكز بمجملها على اللقاء الجماعي "اللمة" بين العائلة وأحاديث نسوتها عن كل جميل عشنه داخل بيتهن، تداعبهن حكايات الماضي وعبقها، بينما تأخذ أخريات وهن تتناولن الشيشة النابلسية بالحديث عن حالهن وأسرهن، ومن كانت على مخاصمة مع شقيقتها أو إحدى قريباتها يتم لمّ شملها ورأب الصدع، لتتصافى النفوس.

 

يحق للمرأة التي "تشعبن" عند أهلها طلب ما تشتهيه من الطعام والشراب، ويكون ذلك طوال مدة إقامتها عند ذويها خلال أيام شعبان التي تمتد من ثلاثة أيام إلى أسبوع كامل، وخاصة الفطور الذي له طعامه المميز مثل قرص التوم والتمرية وحلاوة زلابية.

 

يقول أبو حسن إن كثيرا من عادات شعبان بدأت تذوب في المجتمع وتستبدل، ولا تعكس هذا التقليد على حقيقته وطبيعته رغم أن الغالبية العظمى من النابلسيين لا تزال تتمسك بهذا العرف.

 

والنوم يُعد أكثر الاختلاف ظاهرا في الشعبونية الآن، إذ أضحت العزائم والدعوات تقتصر على يوم واحد فقط، تعود فيه المدعوات لبيوتهن عقب يوم حافل وجميل، إضافة لإحضار الحلوى والطعام الجاهز، وتلاشت كذلك السهرات الطويلة والاحتفالات عقب تناول الغداء.

 

لكن أبو حسن لا يزال يحافظ جاهدا على بعض من تقاليد شعبان، لا سيما صناعة الحلوى التي أضحت تقتصر على الكنافة النابلسية، وليس كما هي الحال بالسابق حيث يتم إعداد الكلاج النابلسي المحشو بالجوز أو الجبن البلدي.

 

لا يمكن للرجل -حتى وإن كان الأب- المكوث بين بناته وشقيقاته، فعادة ما يقتصر وجوده خلال عزومة الشعبونية على اللحظات الأولى فقط، ثم ينسحب ليفسح المجال أما النساء ليعشن لحظاتهن الخاصة ويتبادلن أحاديث وقصصا مختلفة.

 

فرن منى حيث يعد النابلسيون طعامهم من اللحوم المشوية وغيرها من الأطعمة الطيبة (الجزيرة)

ذكريات الصبا

تلك اللحظات لا تنساها الحاجة محاسن سعيد (أم عبد الله)، حيث تعد اللحظات الممتعة التي قلما تعيشها الأخوات والشقيقات وبناتهن مع بعضهن، "فاللقاء يكون كما لو أننا لم نتزوج أو نخرج من بيت أبينا".

 

وبرفقة بناتها وحفيداتها تذهب أم عبد الله كل عام لبيت العائلة، حيث يسكن شقيقها البكر الذي يقوم مكان الوالد في عمل الشعبونية.

 

تتكئ أم عبد الله (70 عاما) وتأخذ قسطا من الراحة ثم تواصل حديثها عن الشعبونية وما يواكبها من تفاصيل جميلة تجعلها مميزة بمدينة نابلس دون غيرها، تتمثل تلك التفاصيل في اللمة والعمل الجماعي، سواء بإعداد الطعام أو بتنظيف الأواني أو التسامر ليلا بجو تغمره الفرحة العائلية.

 

جزء لا باس به من العائلات النابلسية أضحى يعتمد على الطعام المعد في المطاعم لعمل الشعبونية (الجزيرة)

المخاشي والمحاشي

ولأن النساء مجتمعات فعادة ما يصنعن طعاما يحتاج لجهد جماعي، حيث تعد أكلات "المحاشي" مثل الكوسا وورق العنب وورق اللخنة الخضراء الموسمية وهي أشبه بورق القرنبيط، ومثل المنسف وما شابهه من الأرز والمرق.

 

بيد أن كثيرا من العائلات باتت تعتمد اليوم أكثر من أي وقت مضى على الطعام الجاهز أو الذي لا يحتاج لجهد كبير، ولذا يعج فرن عائلة مُنى الواقع داخل البلدة القديمة من نابلس بالحركة خلال هذه الأيام أكثر من غيرها، لا سيما رائحة شواء اللحوم التي تتداخل بين أروقة وأزقة البلدة القديمة.

 

وداخل فُرنه يواصل الحاج هلال (أبو عمار) عمله منذ ساعات الصباح في إعداد الأطعمة المشوية وأقراص "صفيحة" اللحم والبيض، حيث يعد كثيرون أطعمتهم داخل الفرن العربي الذي يعمل بالحطب ويضفي نكهة مميزة للطعام.

 

وهذا التحوّل بإعداد الطعام خارج المنزل لا يعيب الشعبونية أو ينتقص من قدر المدعوين، فالأوضاع الحياتية الآن اختلفت عن السابق، وباتت عائلات محددة، لا سيما القليلة الأفراد، هي من تقوم بإعداد الطعام بمنزلها.

 

وكذا الحال بالنسبة للحلوى، فقليل من لا يزال يتمسك بصنعها داخل المنزل، كما يقول أيمن التمام صاحب محل حلويات دمشق بمدينة نابلس.

 

ويضيف التمام أن الحلوى التي تقدم في شعبان لم تعد تقتصر على نوع محدد ولذا بات صنعها بالمنزل مرهقا، ويقول إنهم يشهدون حركة ونشاطا في البيع خلال شهري رمضان وشعبان، تختلف عن بقية أشهر السنة بكثير.

التمرية تعد أحد الاطعمة التي يتم تناولها خلال الشعبونية لاسيما في وجبة الفطور (الجزيرة)


لله وصلة رحم

وإذا ما بحثت عن الشعبونية، تجد أنها عادة نابلسية بحتة وأن ما يرافقها من طقوس وتقاليد لا يوجد مثلها بأي مكان آخر.

 

ويعزو المؤرخ النابلسي زهير الدبعي فكرة إقامة الشعبونية إلى اعتقاد الناس أن الأعمال ترفع إلى الله في شهر شعبان، ويؤكد أنها وقبل كل شيء تعد صلة رحم لا مثيل لها بمكان آخر، ويؤكد أنها تختلف عن الولائم التي تقام برمضان، كما أنها تغني عن دعوة رمضان بالنسبة للنابلسيين ممن يكثر مدعووهم.

 

غير أنه لا يوجد تاريخ محدد تنعقد فيه الشعبونية، يقول الدبعي، مرجحا أن عمرها لا يقل عن أربعمئة عام، "فهي بالمقام الأول صلة رحم وأجر وثواب يقصده الداعي لشقيقاته أو بناته ولقاء ولم شمل للعائلة".

 

وفي كتبهم ذكر المثقفون والأدباء النابلسيون العادة الشعبونية، شارحين أهميتها في تعزيز أواصر المحبة، كما هي حال الأديب محمد عزت دروزة في كتابه "مذكرات مئة عام"، والكاتب مالك المصري في "نابلسيات"، كما أن لنابلس مكانتها بين حواضر المدن العربية، ولذا كان لها أن تتميز بشيء مختلف.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/17-

الأساطير في التراث الشعبي الصيني

الأساطير في التراث الشعبي الصيني
علي أبو مريحيل - بكين

لطالما احتلت الخرافات والأساطير جزءًا كبيرًا من التراث الثقافي الصيني. فالمتابع لهذا الإرث الإنساني الضاربة جذوره في أعماق التاريخ، يجد أنه ينطوي على العديد من المعتقدات الشعبية والقصص والحكايات المثيرة، التي لا تزال تسيطر على شرائح كبيرة من المجتمع الصيني، الذي يبدو موحدًا في إيمانه المطلق بما ورثه عن  أجداده وأسلافه من قيم ومعتقدات يتجاوز عمرها أربعة آلاف سنة، على الرغم من تعدد قومياته وثقافاته واختلاف لغاته.

 

ويتجلى الكثير من صور الإيمان الصيني المطلق بتلك المعتقدات والخرافات في العديد من المناسبات الرسمية والشعبية، وربما تكفي نظرة خاطفة للقارئ أو الباحث على الطريقة التي يحتفل بها الصينيون بأعيادهم الوطنية، ليدرك مدى تأثير تلك المعتقدات على حياتهم. فمازال التنين الصيني يشكل أيقونة لهذه الاحتفالات، ومازال اللون الأحمر الذي يعتبر لون الحظ بالنسبة للصينيين، حاضرا في كافة مظاهر الحياة في الصين، ومازالت المصاعد وأرقام الهواتف شاهدة على خوف وخشية الصينيين من الرقم "4" الذي يوافق لفظه معنى الموت في اللغة الصينية.

يشعل الصينيون الشموع كواحد من طقوس الوفاة (رويترز)

 الرقم "8" أكثر من مجرد رقم

يعتبر الرقم "8" رقم الحظ وفقًا للمعتقدات القديمة في الصين، وذلك نظرًا لدلالة لفظه باللغة الصينية (با) التي تشير إلى معنى الزيادة أو التخمة، وقد لا يصدق القارئ القول بأن الأمة الصينية مجتمعة حكومة وشعبًا، ناضلت في عام 2001 من أجل الفوز بتنظيم دورة الألعاب الأولمبية عام 2008 في العاصمة الصينية بكين، وأن السر في ذلك الرقم ثمانية.

 

 لكنه سيصاب بالذهول حين يعلم أن اللجنة الصينية المنظمة للحدث، اختارت اليوم الثامن من الشهر الثامن في العام الثامن بعد الألفين، الساعة الثامنة وثماني دقائق وثماني ثوان، موعدًا لافتتاح الدورة الأولمبية في نسختها التاسعة والعشرين.

 

ويعتقد الصينيون أنه بفضل هذا الموعد الاستثنائي والتاريخي، الذي شكل حافزًا كبيرًا لهم، تمكن اللاعبون الصينيون من إحراز المركز الأول في ترتيب الميداليات في تلك البطولة، وذلك بعد فوزهم بمائة ميدالية، منها: 51 ميدالية ذهبية، و21 ميدالية فضية، و28 ميدالية برونزية، وهو لاشك رقم قياسي في تاريخ مشاركات الصين في دورات الألعاب الأولمبية منذ المشاركة الأولى لها عام 1932.

الرقم "4" نعشٌ يطاردك

على النقيض تمامًا  من الرقم "8"، فإن الرقم "4" يحمل للصينيين الشؤم والمآسي نظرًا إلى ارتباطه بالموت، لأن طريقة نطقه باللغة الصينية (سا) تعني الموت، لذلك تجد الخوف يسيطر على الصينيين فيتجنبون استخدامه في المصاعد والفنادق، وأرقام الغرف وحتى أرقام الهاتف، ويتم استبداله بالحرفF   أو الرقم 3A

 

ويتجنب الصينيون أيضا الارتباط والزواج وإقامة المناسبات الرسمية والشعبية في أي يوم أو عام يحمل الرقم "4"، ويكفي للاستدلال على ذلك الاطلاع على الإحصاءات التي صدرت عن دائرة الشؤون المدنية في الصين العام الماضي، والتي أشارت إلى أن عام 2014، هو أقل الأعوام التي شهدت فيها الصين إقبالا على الزواج منذ أكثر من عشرين عاما.

 

الصينيون يحيلون الكثير من الأمراض إلى الأرواح الشريرة والأساطير  (الجزيرة)

الموت والأرواح الشريرة !

يشكل الموت هاجسًا كبيرًا بالنسبة للصينيين، خصوصًا أن العقيدة الصينية لا تؤمن بالآخرة، لذلك يأخذ الموت أبعادًا مخيفة لا تستقيم مع النفس المطمئنة التي تدرك أن الموت ليس سوى بداية لحياة أخرى يحدد مسارها عمل الميت في دنياه، فإما أن تكون خيرًا وإما أن تكون شرًّا.

 

لذلك يحرص الصينيون على عدم ذكر الموت في حياتهم، حتى وإن جاء ليقبض أحد أقربائهم أو أصدقائهم، ويكتفون بالإشارة إليه عبر كلمات غير مباشرة أو رموز متعارف عليها في الصين.

 

 ويعتقد الصينيون أن الموت هو اللحظة المشؤومة التي تنتصر فيها الأرواح الشريرة على الروح الطيبة للميت، لذلك يتجنبون النظر على سبيل المثال إلى سيارة الإسعاف التي يعتبرونها ملجأ للأرواح الشريرة، كما يقومون أثناء حدوث حالة الوفاة بتغطية المرايا بالشراشف السوداء لاعتقادهم أن من يرى النعش من ذوي الميت عبر المرآة، فإن لعنة الأرواح الشريرة ستطارده حتى تنال من روحه الطيبة.

 

تخلو المصاعد في الصين من الرقم أربعة لأنه يوافق لفظه باللغة الصينية كلمة موت  (الجزيرة)

الدفن وسر الراية الحمراء

يعلن الصينيون عن حدوث حالة الوفاة برفع راية بيضاء على باب أو شرفة بيت المتوفى، ويبدؤون استقبال المعزين الذين عادة ما يكونون من أهل وذوي الميت، وتبدأ أولى المراسم بإلباس المتوفى الثياب الأنيقة، التي لا علاقة لها بالكفن المتعارف عليه، ويتجنب الصينيون استخدام الألوان النارية مثل الأصفر والأحمر في الملابس التي يرتديها المتوفى لأن ذلك كفيل بتحويله إلى شبح، حسب اعتقادهم، ويفضلون عليها اللون الأبيض، كما لا يلبس أهل المتوفى اللون الأحمر الذي يرمز إلى السعادة، لأن ذلك يتعارض مع حالة الوفاة، ويحط من احترامهم للميت، ولا ترتدي الأسرة عند مراسم الحرق أي مجوهرات أو مشغولات قيّمية، لأنهم مطالبون بخلع ملابسهم بعد إحراق الجثة، كما جرت العادة، وتركها وراءهم في المكان المخصص للدفن أو الحرق، ومن ثم ارتداء ثياب بيضاء يلبسونها حتى انقضاء فترة الحداد التي تستمر مائة يوم.

 

ويبقى الأكثر غرابة من كل ما تقدم هو اعتقاد الصينيين أن روح المتوفى ترجع إلى بيت صاحبها بعد سبعة أيام من دفنه أو حرقه، لذلك يعلق ذوو الميت على مدخل بيته راية حمراء لإرشاد روحه وضمان عودتها سالمة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-17/17-

الوجه المشرق لأفريقيا

الوجه المشرق لأفريقيا
السابق

السابق

التالي

السابق

التعليقات