آخر تحديث: 2016/5/6 الساعة 10:32 (مكة المكرمة)
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2016/5/6 الساعة 10:32 (مكة المكرمة)
-1/15-

الكرنفالات.. التنوع المتشابه

 محمد المختار الخليل
  مدير موقع الجزيرة نت

كان ولا يزال فصل الربيع هو المحبب لنفس الإنسان من بين فصول السنة، نظرا لاعتدال مناخه وجمال الطبيعة فيه، ولذلك اعتبرت شعوب كثيرة مطلع الربيع بداية لتقويمها السنوي، ودأبت على تنظيم احتفالات وكرنفالات استبشارا به، خصوصا المجتمعات القديمة التي كانت تعتمد على الزراعة ومحاصيلها.

اللافت أن الشعوب المتباعدة جغرافيا تتقارب، أو تكاد تتشابه، طقوس احتفالاتها بالربيع وعيده، رغم اختلاف الأساطير الشعبية التي نسجتها الأجيال المتعاقبة حول جذور الاحتفال وتفاصيله، وهو ما يؤكد أن الشعوب تتأثر ثقافاتها المجتمعية بتواصلها مع شعوب أخرى وتستقي منها طقوسا ومسلكيات تشكل لاحقا ثقافة خاصة.

ما بين فبراير/شباط وأواخر أبريل/نيسان تمتد احتفالات الربيع، وتختلف من شعب إلى آخر باختلاف مرجعية الاحتفال، دينية كانت أو ثقافية أو حتى ترفيهية، وبحسب الأسطورة التي تؤصل لهذه الطقوس.

هذه التظاهرة الاجتماعية الثقافية التي تشغل جزءا كبيرا من العالم في هذا الوقت، تستحق أن يسلط عليها الضوء، للتعريف بمدى تقارب المجتمعات البشرية وتنوعها في الوقت ذاته، والوقوف على الأساطير المؤسسة للطقوس المعمول بها اليوم.

ولهذا، أفردنا هذا العدد من مجلة الجزيرة لبسط نماذج عديدة من الكرنفالات والاحتفالات التي تقع في صلب فكرة عيد الربيع وما يحوم حوله. كرنفالات بعضها مشهور مثل كرنفال السامبا البرازيلي، وأخرى مجهولة للقريبين مثل كرنفال الزامبو في طرابلس بلبنان، وبينهما طيف واسع من الاحتفالات الغنية بالألوان والطقوس.

ولا شك أن العالم تزدحم فيه مثل هذه الاحتفالات والتقاليد الاجتماعية، وتتعدد بتعدد المجتمعات والمدن والقبائل، ويتعذر التطرق للكثير منها في تغطية صحفية واحدة، لكننا حرصنا في هذا العدد على اقتطاف نماذج من هنا وهناك من الخريطة البشرية لعرض هذا التنوع المتشابه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/15-

محتويات العدد

محتويات العدد
أعياد الربيع.. أساطير بجذور متشابهة

الربيع "عروس الفصول" الذي صاغ أساطير وطقوس في الشرق ومنه امتد إلى أرجاء العالم. 

 
كثير من أعياد الربيع تعود إلى جذور شرقية واحدة (الجزيرة)

  
الأكيتو.. عيد الأعياد وأقدم الكرنفالات

عيد احتفل به السومريون في العراق منذ آلاف السنين وعنهم توارثت الشعوب تقاليده.

المحتفلين السرياني بعيد الأكيتو بزيهم التقليدي (الجزيرة)

 

الأربعاء الأحمر.. عروس السنة الإيزيدية


يعدّ الأربعاء الأحمر أو "جارشمبا سور" عيد رأس السنة الإيزيدية وأحد أقدم الأعياد.

للشموع وشعلتها المتقدة مكانة خاصة في الطقوس الإيزيدية فنارها ترمز لنور الحياة في معتقدهم (الجزيرة)

 

عيد الرابع.. ربيع مندثر بذاكرة الساحل السوري


لم يعد مظهرا شعبيًا حاشدا كما كان سابقا بل أصبح طقسا اجتماعيّا بسيطا.

رجال ونساء بأزيائهم الفلكورية من منطقة الساحل السوري (الجزيرة)


النوروز.. من ظلام الشتاء إلى نور الربيع


النوروز يوم يجمع الناس على المرح والسعادة لاستقبال "العام الجديد" بالتقويم الكردي.

طفلة كردية بالزي الفلكوري من منطقة الجزيرة السورية - الجزيرة (الجزيرة)

 


شمّ النسيم.. بهجة الفراعنة بالربيع


توديع ثقل الشتاء لا يمرره المصريون بتخفيف الملابس بل باحتفال شعبي يناسب خفة نسائم الربيع.

الحدائق تستقبل المصريين يوم شم النسيم - الجزيرة (الجزيرة)

 

الزامبو اللبناني.. لعب ومرح وطرد للأرواح الشريرة


قبيل الصوم الكبير للطوائف المسيحية الشرقية يحتفلون بطقوس غريبة يجهل الكثيرون أصولها.

الشامان يقطع رأس الأضحية الرمزية وهي هنا لعبة تحمل الأرواح الشريرة لتطهير المدينة منها (الجزيرة)

 

السامبا.. الحضارات ترقص على أرض البرازيل


يحدثنا لويس أنطونيو سيماس أحد أهم المراجع التاريخية بشأن "كرنفال السامبا" البرازيلي الشهير.

محتفلين متنكرين في الشارع خلال احتفالات السامبا البرزيلية في شوارع ريو دي جنيرو (الجزيرة)

 

كرنفالات أوروبا.. استعادة لأعياد الشرق القديم


أكثر الأعياد الشعبية شهرة في العالم الكاثوليكي الغربي فيما تعتبره الكنيسة البروتستانتية بدعة.

-لكل قرية في المدينة أميرها الصغير والبالغ حسب طقوس الكرنفال (الجزيرة)


"فاتح البدايات الأربع" في أساطير "التنين الأصفر"


في الصين أمّة تختلف في كل شيء لكن يجمعها موعد "رأس السنة" بخصائص واحدة.

أداء لرقصة الأسد في أحد المعابد بالعاصمة الصينية بكين (الجزيرة)

 
الكوابيس إلى مثواها الأخير بكرنفال غرناطة بنيكاراغوا


يشيّع أهالي غرناطة في نيكاراغوا فكرة سلبية إلى مثواها الأخير ويدفنوها في بحيرة كوسيبولكا.

العربة التي تحمل تابوت الأفكار السيئة وأمامها شخصان يمثل أحدهما الموت والآخر الأرواح الشريرة (الجزيرة)

 

الكابس كلوبس.. كرنفال المقاومة بالفرح


في كيب تاون بجنوب أفريقيا أكثر من عشرة آلاف مغن وعازف وراقص وأكثر من خمسين ألف متفرج.

لا تقتصر اليوم المشاركة على المالايويين فقط وإنما أيضا على السود والبيض ا(لجزيرة)

 

ألبوم صور (كرنفالات وأساطير الربيع)

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/15-

أعياد الربيع.. أساطير بجذور متشابهة

أعياد الربيع.. أساطير بجذور متشابهة
 جورج كدر

 

إنه الربيع "عروس الفصول" الذي صاغ المعتقدات الدينية وطقوس الموت والحياة لدى الشرق عبر آلاف السنين، ومنه امتد إلى أرجاء العالم قاطبة.



في هذا الفصل تتزين الطبيعة بأبهى حلتها لتبدو كعروس في يوم زفافها، وكذلك حال البشر الذين كانوا يقلدون الطبيعة في هذا الفصل، فيخرجون إليها بأبهى حللهم، ويمارسون طقوس التطهير من الأخطاء والآثام والأرواح لاستقبال السنة الجديدة.



وكان الأول من أبريل/نيسان في التقويم القديم هو اليوم الذي يبدأ به العام، وليس يناير/كانون الثاني كما هي حاله اليوم.

 

ولأن الفارق بين التقويمين الشمسي والقمري -الذي اعتمدته الشعوب القديمة- هو 13 يوما، كانت طقوس التطهر والاحتفال تستمر من الأول من أبريل/نيسان وحتى 13 منه، لردم تلك الهوة بين التقويمين في هذه الأيام الهاربة من التأريخ، التي كانت تعدّ فترة "فراغ كوني وفوضى"، مما أثر على ترتيب الفصول بين الشرق والغرب بفعل الحالة المناخية، وهذا يفسر لماذا نجد الاحتفالات ذاتها بين الشعوب تتركز بين شهور فبراير/شباط ومارس/آذار وأبريل/نيسان، وحتى مايو/أيار في بعض الأحيان.

 

من أقدم أعياد الربيع المعروفة في التاريخ البشري، التي يرجع ذكرها إلى نحو ستة آلاف عام، عيدا "زاكموك-البطن الأول" عيد الخصوبة والولادة السومري، وعيد "الأكيتو-بذار الأرض" البابلي.



 ولاحظ بعض الباحثين أنهما تسميتان لعيد واحد، لكن ما يهمنا هو أن طقوس هذين العيدين اللذين كان يحتفل بهما على مدى 13 يوما سنجدها عند شعوب الأرض تُمارس في كامل شهور السنة الـ12، ليصبح لكل فصل أعياده التي تتشابه طقوسها لدى شعوب الأرض؛ فعيد الميلاد، وما يعقبه من أيام الصيام ثم عيد الفصح وتقديم الأضاحي وطقوس الحج وتكفير الذنوب، عُرفت لدى شعوب الأرض قاطبة.

 

كما أن أبرز معالم تلك الاحتفالات -كما سنشاهد في هذا الملف- تتجلى في الاحتفالات الضخمة، حيث كان الحدادون والنجارون والبناؤون يصنعون المواكب الضخمة المذهبة لتدور في المدن والقرى، كما كانت حال عيد الأكيتو، الذي يعود أقدم ذكر له في النصوص السومرية إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، وهو ما نجده إلى اليوم في احتفالات أوروبا وأميركا اللاتينية، التي تقام بين شهري فبراير/شباط ومارس/آذار قبيل بدء الصوم الكبير لدى الطوائف المسيحية.

 

كما تزخر الاحتفالات بالرقص وقرع الطبول والهرج والمرج والضحك، لأن الرقص وصوت الطبول قادر على نفض وطرد الأرواح الشريرة العالقة في أجساد الناس وأرواحهم، ثم تأتي طقوس إشعال النار والقفز من فوقها؛ كي يمنح لونها الأحمر المتقد الحياة للناس المتحلقين حولها، وتطرد الأرواح الشريرة، وطقوس الغسل والاستحمام بالماء للثياب والأجساد لإزالتها عن كاهلهم ثم التطهر بالزيت (زيت الزيتون أو زيت شجرة السدر المقدسة) والعطور الفواحة.

 

بالنسبة للشعوب، فإن تطور حالات القمر من اختفائه إلى حالته الهلالية ثم البدرية، وكذلك اختفاء الشمس (موتها) في فصلي الشتاء والخريف، ثم عودتها (الحياة) في الربيع والصيف، وارتباط كليهما بالموسم الزراعي الذي يؤمن القوت (الحياة) للبشر، كان يتطلب فهمه ربطها بالقوى العلوية والتدبير الإلهي للكون، فتخيلوا صراعا يدور بين آلهة الموت والحياة، وكانوا يمارسون طقوس الخصب والموت كي يحرضوا الطبيعة -حسب اعتقاداتهم- على تجدد الحياة، فكانت طقوس الزواج وبذر البذور ثم الولادة والحصاد بحاجة إلى طقوس متميزة، سنلمس تفاصيلها في ملفنا هذا، لكن تلك الأديان القديمة، وبعد اندثارها وحلول دين التوحيد، تسربت إلى المعتقدات الشعبية، واستمرت حتى يومنا هذا على مدى ألف عام.

 

ما تجدر الإشارة إليه في هذا المدخل هو أن كثيرا من هذه الطقوس المغرقة في القدم، التي لها علاقة بالقمر والشمس، ارتبطت عضويا بسوريا القديمة، ولاسم سوريا دلالة مهمة على هذا الصعيد، وهو ما سنلقي عليه الضوء مفصلا ضمن هذا الملف، فقد كان الأقدمون يعتقدون بأن سوريا هي المسرح الذي جرت عليه فصول عملية الخلق، لأنها الأرض الوحيدة في العالم التي نجد فيها أربعة فصول واضحة ومتساوية في شهور السنة، وبالتالي اعتقدوا بأن حياة الإنسان كي تستمر يجب أن تحاكي فصول السنة في الربيع والصيف والخريف والشتاء.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/15-

الأكيتو.. عيد الأعياد وأقدم الكرنفالات

الأكيتو.. عيد الأعياد وأقدم الكرنفالات
جورج كدر - هولندا

 

 لا تزال بعض الطقوس حاضرة في كل أعياد الربيع التي يحتفل بها البشر في جهات الأرض الأربع، وتعود جذورها جميعا إلى عيد الأكيتو الذي احتفل به الشعب السومري في العراق القديم منذ آلاف السنين، وورثه عنهم البابليون والأكاديون والكلدان والآشوريون والسريان والفرس والأكراد وغيرهم من الشعوب التي تأثرت بهم لينتشر في أرجاء العالم.

 

في الأول من نيسان يحتفل أبناء القومية السريانية والآشورية والكلدانية الذين يتركز وجودهم التاريخي في سوريا والعراق بعيد رأس السنة الذي يوافق هذا العام السنة الـ6766 حسب التقويم الذي يعتمدونه، ويتزامن هذا العيد مع عيد الفصح المسيحي في 25 مارس/آذار.

 

شاركت هذا العام في الاحتفال الذي أقامه السريان الآشوريون في مدينة هينغلو بشرق هولندا، حيث توجد جالية كبيرة منهم هاجرت على مدى عقود من سوريا والعراق نتيجة للعنف الذي تعرضوا له. لم وتقتصر احتفالات أبناء تلك الجاليات على هولندا وإنما شهدت أستراليا وألمانيا والسويد أيضا احتفالات صاخبة.

 

لكن من الواضح أن كل تلك الاحتفالات ليست كما كانت في التاريخ القديم فما شهدناه في مدينة هينغلو الهولندية في احتفالات السريان والآشوريين كان عبارة عن ارتداء بعض الشباب لأزيائهم الفلكلورية المزركشة، ووضع ريش الطيور الملونة على رؤوسهم وارتداء الصبايا للباس الفلكوري مع تقديم بعض المأكولات التراثية، التي تعتمد صناعتها على الحبوب كالقمح والعدس وبعض الرقصات الفلوكورية، وإحياء الحفلات الغنائية السريانية، وقد اقتصر الاحتفال في بعض المدن الأسترالية التي يقيم فيها السريان والآشوريون والكلدان على الخروج إلى الطبيعة والعزف والرقص وتناول الطعام، أو التوجه إلى الصالات بإحياء الحفلات الموسيقية، وتسيير موكب في مدينة مالبورن الأسترالية يرمز إلى موكب إلهة الخصب القديمة "عشتار" احتفالا بالربي.

 

رقصة فلكورية والسيدة تحمل العلم السرياني الذي يرمز للشمس (الجزيرة)

أصل التسمية

الباحثة التركية السريانية مايا تشاشان -التي تدرس الأدب السرياني والحضارة الميزوبوتامية (بلاد ما بين النهرين) في جامعة ليدن في هولندا- تقول في حديثها لمجلة الجزيرة، إن "أصل التسمية (الأكيتو) يعود إلى كلمة قديمة استخدمت في الحضارة السومرية وتعني بذر الأرض، وإن الاحتفال به قديما كان يتم في نهاية العام القديم وبداية عام جديد على مدى 12 يوما، كي يكون عاما مليئا بالخير والعطاء، إذ إن معتقدات الأجداد تشير إلى أنه "إذا كان البذر جيدا فإن المحصول سيكون جيدا وهذا يعني أن الطعام سيكون وفيرا للشعب".

 

ويرى باحثون آخرون أن أكيتو كانت تلفظ عند بعض الساميين "حِجتو" وذلك في اللغة الأكادية والعربية لاحقاً، حيث أن كلمة "حج" إلى اليوم في اللغة السريانية الآرامية تعني الاحتفال أو الحفلة .

ويبدو أن لأصل هذه الكلمة علاقة بـ "الأرض/ الأم" التي تمنح الغذاء لأبنائها لأنه في الأساس عيد زراعي ويرتبط بموسمي البذر والحصاد، فالكلمة تتآلف من مقطعين "آكي" و"تو"؛ و"كي أو جي" بلفظ الجيم المصرية هي "الأرض" في اللغات القديمة، ومنها جيو في اللغات الأوروبية، وفي اللغة الصينية فإن "الكيا" أو "الجيا" هي الروح الكونية المانحة للحياة.

 

فتاة سريانية باللباس الفلكوري في احتفال الأكيتو (الجزيرة )

احتفالات الأكيتو القديمة

كان لاحتفال الأكيتو طقوس أكثر تعقيدا مما هو عليه الحال اليوم، إذ كانت طقوسه تستمر في العراق القديم وسوريا على مدى 12 يوما، والعدد يعود لكونه يمثل الفارق بين السنة القمرية والسنة الشمسية كل عام، بحيث أن أيام الاحتفال تعني فيما تعنيه ردم فارق الهوة بين التاريخين وإعادة التوازن للكون، وقد أسهب الباحثون الغربيون والشرقيون في دراسة أيام الاحتفال بعيد الأكيتو، مستفيدين من التراث الإنساني القديم الذي حفظته لنا النصوص السومرية القديمة، التي يعود أقدمها إلى حدود منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد.

 

ومن تلك الدراسات كتاب "أكيتو، عيد رأس السنة البابلية الآشورية" للباحث حكمت بشير الأسود حيث جمع بين طياته تفاصيل تلك الطقوس، ومنه نعلم أن الأيام الأولى من الكرنفال تتركز على طقوس التطهير، للمعبد والمدينة والأشخاص باستخدام ماء نهري دجلة والفرات المقدس والبخور الذي يحاصر دخانه الأبيض الأرواح الشريرة وقرع الطبوع لطرد تلك الأرواح.

 

واستخدام زيت شجرة السدر "المقدسة" عندهم، لقواه التطهيرية العظيمة حسب المعتقدات القديمة، أما الأيام الأربعة اللاحقة فتمثل طقوس "سقوط النظام وما يتخللها من طقوس إذلال ملك البلاد" وطقوس موت الملك/ والنواح عليه، ثم طقوس البهجة والفرح بإعادة "بعثه حيا"، وهي بشكل أو بآخر ترمز إلى طقوس فلاحة الأرض "حفر القبر" ودفن حبة القمح ثم نموها "بعثها من العالم السفلي تحت الأرض"، ثم عودة الحياة للملك الذي يعني الخصب للطبيعة وعودة النظام للمجتمع.

 

شبان سريان بالزي الفلكوري (الجزيرة )

ما يهمنا هنا هو التركيز على اليوم الثالث من أيام الاحتفال ففيه كان النجارون والحدادون والصباغون وصاغة الذهب والفضة يبدؤون صناعة تماثيل وعربات المواكب التي ستسير في الكرنفال، تماما كما نرى اليوم في الكرنفالات الأوروبية في العالم الكاثوليكي، وفي كرنفال السامبا البرازيلي واحتفالات رأس السنة الصينية، واليوم الخامس أيضا يوم "الكفارة"، وفيه يتم تقديم "الأضحية الحيوانية" التي تسمى "البديل، أي بديل الإنسان"، حيث يقطع رأسها ويرمى جسدها حاملا ذنوب البشر في نهر الفرات. ونلاحظ أنه في طقس الزامبو اللبناني والسامبا البرازيلي أن الأضحية البديلة هي "لعبة".

 

ولكن رغم القيام بكل الواجبات الدينية يبدأ الحدث الدرامي الذي يقلب الموازين، ويدخل العالم في يوم "المجانين" ويوم الكذب والخداع، ولا يزال العالم يحتفل إلى اليوم بما يسمونه "كذبة نيسان". كما أن "يوم المجانين" لا يزال معروفا في مدينة حمص السورية، التي كانت تشهد هي الأخرى احتفالات ضخمة بعيد الربيع في شهري فبراير/شباط ومارس/آذار تواصلت حتى ستينيات القرن الماضي، ولا تزال بعض طقوسها مستمرة، يعرف هذا اليوم بيوم "الفوضى"، ففيه كانت تمارس طقوس "إذلال الملك"، حيث كانت شارات المُلك تنتزع عن الملك الذي يتنازل عن عرشه لمجرم حكم عليه بالموت، ويصبح سيد البيت خادمه والخدم أسياد المنزل، ثم يقوم الكاهن بصفع الملك وجره من أذنه كي لا يتمرد على القوى الإلهية ويظلم الشعب الذي هو "قطيع الإله"، وحبذا لو كانت الصفعة قوية يبكي منها الملك لأنها تعني الخير للشعب الذي يكمن وراء دموع الملك التي تشبه المطر.

 

ثم يتنكر الناس بأزياء وأقنعة تخفي حقيقتهم كما هو عليه الحال تمامًا إلى اليوم، ويطلقون المزاح والنكات ويسود الهرج والمرج فيه، ثم يختفي الملك ويبدأ الناس النحيب عليه ولطم أجسادهم وجرح رؤوسهم وصدورهم وتفجير دمائها كما هي عليه احتفالات الطائفة الشيعية، إلى أن يصحو الشعب من هذه الكذبة/الفوضى فيعدم المجرم وتعود الأمور إلى نصابها. ويعاد ترتيب ما خلفته الفوضى ثم يقدم الكهنة أضحية بديلة عن الملك للإله وهي "ثور أبيض"، وهذا الطقس لا يزال مستمرا عند أبناء الطائفة الإيزيدية التي تحتفل بعيد الربيع في العراق ويعد فصل صيد الثور الأبيض من أهم طقوسهم.

 

طقوس الربيع هذه تجعلنا نلاحظ أيضا كيف سرق اليهود أعيادهم من أعياد بابل القديمة أيام السبي، منها عيد المساخر وأيضا عيد الكفارة والفصح، وتصبح الأيام اللاحقة هي أيام عودة النظام إلى الكون وعودة الملك لعرشه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/15-

الأربعاء الأحمر.. عروس السنة الإيزيدية

الأربعاء الأحمر.. عروس السنة الإيزيدية
شيار خليل -  باريس

 

ينتظر الإيزيديون في العالم الأربعاء الأول من شهر أبريل/نيسان الشرقي من كل سنة للاحتفال بعيد رأس السنة لديهم؛ فالإيزيدية تتبع التقويم الشمسي، ومع تغيير التقاويم بمرور الزمن اعتمد أتباع هذه الديانة في الفترة الأخيرة على التقويم الشرقي.

 

ويعدّ الأربعاء الأحمر، أو "جارشمبا سور" عيد رأس السنة الإيزيدية، وأحد أقدم الأعياد؛ فهو عيد التكوين والخليقة، بداية الحياة، وتكوين الأرض واكتمال الربيع، وتقول معتقداتهم إن "طاووس ملك" (رئيس الملائكة) بُعث من قبل الرب إلى الأرض التي كانت سرابا ليحولها إلى أرض حيّة من ماء وتراب كما هي، وينبت فيها الربيع بألوانه الزاهية، وكان ذلك في يوم الأربعاء الأحمر بحسب الديانة الإيزيدية.

 

ولعيد الأربعاء الأحمر صدى مغرق في القدم، نجده في النصوص السومرية قبل آلاف السنين، التي تحدثت عن عيد "زك موك أو زك ماك" الشهير بين الباحثين في تاريخ الأديان والحضارات القديمة كونه أحد أقدم الأعياد المعروفة في التاريخ البشري، وهو يعني البطن الأول أو أم البطون، في إشارة إلى أول خصوبة، لأن العيد مرتبط بخصوبة الكائنات الحية، كما هي حال "عيد الأربعاء الأحمر" الإيزيدي المستمر إلى يومنا هذا.

 

يكشف الكتاب المسمى "السبقة" -وهو أحد أهم المراجع الإيزيدية غير المتداولة- أن "الأربعاء الأحمر" سمي بهذا الاسم لأنه في مثل هذا اليوم ضخ الدم "أحمر" في جسم أول إنسان "آدم": "شرب آدم من ذلك الكأس للحياة، فارتجف في مكانه، واكتمل لحمه، وجرى الدم في جسده".

 

وفي هذا اليوم الذي يعيد فيه طاووس ملك الخصوبة إلى الكائنات الحية خاصة النبات والحيوان، بدأ أول فجر باللون الأحمر، ونضجت شقائق النعمان الحمراء؛ لذلك نجد أن الإيزيديين يعلقون على أبواب منازلهم ورود أبريل/نيسان الحمراء فجر الاحتفال بعيد الأربعاء الأحمر.

ساحة معبد لالش المقدس عند الطائفة الإيزيدية وفيه يحتشد الناس احتفالا بالعيد (الجزيرة)


أربعة في واحد

"الأربعاء الأحمر" عبارة عن أربعة أعياد دينية في آن واحد، بمعنى أن هناك أربع مناسبات متشابهة الفلسفة، لكنها حدثت في أزمان متباعدة ويحتفل بها في هذا اليوم. 

 

العيد الأول: عيد التكوين "عندما انفجرت الدرة البيضاء"؛ وانفجرت من صرخة آمر الله -حسب نصوص الديانة الإيزيدية- وتكونت منها أربعة عناصر: "آخ، آف، باي، آكر"، وترجمتها باللغة الكردية تعني "التراب، والماء، والهواء، والنار"؛ بمعنى "الصلب، والسائل، والغاز، والبلازما" التي تفاعلت مع بعضها وكونت النجوم والكواكب، وأكدت آخر المكتشفات العلمية أن الكون تكوّن نتيجة انفجار طاقة كونية بيضاء عظيمة، سميت الانفجار الكوني، وتكونت منها أربعة عناصر، وهي ذاتها التي ذكرناها آنفاً.

 

العيد الثاني: ذكرى غليان الأرض، ثم تجمدها وتكوينها واخضرارها، وهذا ما تظهره عملية غليان البيضة ثم تبريدها ثم تلوينها.

 

العيد الثالث، عيد الخليقة؛ وذلك عندما خلق أول كائن حي "آدم"، وضخ الدم الأحمر بجسده، لهذا سميت "جارشمي سور"، حيث كانت الطبيعة في أبريل/نيسان تمتلئ بالورود الحمراء وتعلق على الأبواب.

 

العيد الرابع الأخير: عيد الخصوبة، عندما تخصبت أول بيضة لإعادة تكوين أول كائن حي، بمعنى أن هذه الطقوس والمناسبات تذكر ببداية التكوين.

 

أطفال إيزيديون بالزي الفلكوري والفتيات يرتدين فساتين حمراء تحاكي لون الدم (الجزيرة)

"يا نار خذي لوني الأصفر"

الإيزيدية في جميع أعيادها تحتفل مع الدورة الطقسية للطبيعة، فعيد الأربعاء الأحمر ـحسب ما يفسر الصحفي المختص في الشؤون الإيزيدية جابر جندو -وهو من إيزيديي سوريا- مرتبط بالطبيعة، وفيه تمارس طقوس عديدة؛ حيث يحرم على الإيزيدي مثلاً الزواج وعقد القران في شهر أبريل/نيسان بالكامل؛ لأن شهر أبريل/نيسان يكون هو "العروس" التي لا تضاهيها عروس أخرى، لذلك يسمونه "بوكا سالي" باللغة الكردية، أي "عروس السنة"، إشارة إلى تفتح الربيع بكل ألوانه.

 

وتصادف معظم طقوسهم الدينية في هذا الشهر، وأولهم عيد "جارشمبا سور"، كما يحرم على الإيزيدي حراثة الأرض، فهي حبلة بالنباتات وغيرها، ولا يجوز إيذاؤها، ويمنع الإيزيدي من السفر بعيداً عن منزله أو مكان إقامته.

 

وقبل يوم من العيد، أي يوم الثلاثاء، يقوم الإيزيديون بنحر القرابين، وإشعال النيران مساءً؛ لأنه لا يجوز ذبح أي شيء يوم الأربعاء، والنار في الديانة الإيزيدية -كما يقول جندو لمجلة الجزيرة- هي رمز النور والشمس، وهي "رمز الحياة على الأرض وقبلة الإيزيديين، الذين لا يحبون الظلام والعتمة".

 

ويضيف "لذلك نقوم بإشعال النار (الفتائل) والقناديل في المكان المقدس (لالش) النوراني وفي مفارق الطرقات والشوارع، مستعملين زيت الزيتون في ذلك، حيث تشعل القناديل على عدد أيام السنة في ليلة الثلاثاء-الأربعاء، ويقفز الشباب فوق النار الموقدة في ساحات القرى، وهم يرددون بعض الترانيم، مثل "يا نار خذي لوني الأصفر"، دلالة على المرض، "وامنحيني لونك الأحمر"، دلالة على الصحة، ويستمر ذلك حتى بزوغ شمس يوم الأربعاء".


شقائق النعمان

ويتابع الصحفي الإيزيدي جندو حديثه "صبيحة يوم العيد تقوم الفتيات بسلق وتلوين البيض، وهو أهم طقس للإيزيدية، إذ يعدونه رمزاً لخلق الكون والأرض؛ وكيفية خلقه؛ فالبيضة تمثل الحالة بكل معانيها، حيث إن البيضة أثناء عملية سلقها يتحول داخلها السائل إلى جامد، وهذا تمثيل لتجمد الأرض وظهور اليابسة والماء، وتلوينه يدل على كيفية اخضرار الأرض وظهور الحياة فيها".

 

"أما عملية كسر البيضة فهي تدل على الانفجار العظيم للكون، وتقوم الفتيات بجمع شقائق النعمان (وردة أبريل/نيسان الحمراء) وتعليقها فوق باب البيت مع قشر البيض الملون لزيادة الخصوبة التي تنتج عنها حياة جديدة، وهي بمثابة دعاء للخالق كي يزيد تعداد ذلك المنزل دماً (أفراداً)، ويزيد خصوبتهم ويحفظهم بحب، وسلام، ووئام، ويبعدهم عن أي مكروه".

إشعال الفتائل يوم العيد فالنار في الإيزيدية هي الحياة ولونها شعلتها الحمراء تمنح الأمل بالحياة (الجزيرة)


الآلهة والإخصاب المقدس

يقول الباحث الإيزيدي سليمان دخيل أبو كاشاخ لمجلة الجزيرة إن لطقوس تكسير البيض الملون وتقشيره في عيد الأربعاء الأحمر مكانة خاصة في طقوسه؛ فالبيضة رمز عن كون صغير (ميكرو كوسموس) انبثق منه الكون الأكبر (ماكرو كوسموس)، أما القشور الناتجة عن فعل التكسير فهي قشور لها دلالتها العميقة في هذا العيد؛ فهي قشور للقوة الإخصابية ناتجة عن فعل الإخصاب المقدس".

 

ويواصل حديثه "ولو بحثنا عميقاً في تفاصيل هذا العيد وطقوسه المقدسة، فسوف يتضح لنا كيف أن هناك علاقة قوية بين البيضة بوصفها رمزاً للخصوبة والطاقة الجنسية المولدة بين الزوجين؛ بوصفه رمزاً لفعل الخلق المقدس".

 

وهذا هو السبب -كما يفسر الباحث الإيزيدي أبو كاشاخ- في كون شهر أبريل/نيسان الذي يصادف فيه ذلك الزمان شهراً محرماً على الإيزيدية بالزواج والزفاف والعمل، فهو "شهر الاستذكار للزواج البدئي؛ زواج الآلهة، لذا يحرم على الإيزيدي الزواج وعقد النكاح في هذا الشهر، أما ضرورة اللون في طقوس هذا العيد، فما هي إلا محاولة لاستحضار إله العيد ذاته (طاووس ملك) أو (تموز الإيزيدي) بوصفه خالقاً ملوناً، وبالتالي خلق كوناً ملوناً، وطبيعة ملونة، وإنساناً ملوناً".

 

والقشور حسب الديانة الإيزيدية لا تقل أهمية عن جوهر البيضة نفسه، فالإيزيديون ينثرون تلك القشور المقدسة على حقولهم ومزارعهم وحظائر حيواناتهم، إيماناً منهم بأنها سوف تزيد وتضاعف من عطائها، وبركتها، وخصوبتها، كما لقوة البيضة دلالتها ومكانتها القدسية في عيد "طاوسي ملك"، فإنه يسمى أحياناً "عيد البيض"، ولدلالتها الرمزية المقدسة فإن قرابين البيض الملون تقدم عند زيارة الإيزيديين قبور موتاهم، كما يقول الباحث أبو كاشاخ، وهي رسالة للروح المتوفية وطمأنتها بأن ذرية أهلها وخصوبتهم صالحة، وما تزال على حالها، وستستمر وتبقى خالدة؛ فارقد بسلام في مأواك الرباني.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/15-

عيد الرابع.. ربيع مندثر بذاكرة الساحل السوري

ريم محمود - اللاذقية

 

يمتدُّ أثر "عيد الرابع" في عمق الحضارة السورية القديمة، وكان إلى أمدٍ قريب من أبرز مظاهر الفرح في عموم الساحل والجبل السوري، إلاّ أنّه لم يعد مظهرًا شعبيًّا حاشدًا كما كان سابقًا، بل أصبح طقسًا اجتماعيًّا بسيطًا بين أبناء المنطقة يقتصر على توزيع الطعام على الفقراء والمساكين.

 

 يروى الشاب علاء أحمد وهو من أبناء مدينة مصياف السورية أنّه لم يشاهد مظاهر هذا العيد  كما ترويها له جدته، حيث كان سكان القرى  يجتمعون في مكان واحد مخصص للاحتفال بمناسبة عيد الربيع الشهير باسم "عيد الرابع"، وخلال تلك الاحتفالات كان يجتمع أبناء قرى الساحل السوري وسكان الجبال في الأماكن المخصصة للاحتفال.

 

وكانت تقام "المصارعة" بين الشباب، ويبدأ التحدي برفع الأحمال الثقيلة وتسمى "الشيلة" وسباقات الركض وسباقات الخيول، وفي بعض الأحيان كانت تؤدي نتائج السباقات إلى مشادّات بين المشاهدين حسب انتماءاتهم العائلية والعشائرية، لكن في نهاية الأمر يختم الاحتفال بتتويج القرى التي فاز أبناؤها. ويقول أحمد "تلك العادات لم تعد كما كانت، ولم يعد ما يميّز عيد الرابع سوى "ريّته".

 

الدبكة التقليدية يؤديها الشبان والكبار في احتفالات عيد الرابع (الجزيرة)

ريّة نيسان

ارتبطت طقوس الربيع القديمة في الساحل السوري بالمطر والزرع والشمس واكتسبت أعياد الربيع أهميتها باعتبار أغلب سكان هذه المنطقة يعيشون على الزراعة، فاكتسبت تلك الأعياد قيمة مقدسة منذ حضارة أوغاريت السورية، التي كانت على الساحل السوري قبل آلاف السنين، وكان الاعتقاد يسود بأن هطول المطر في أبريل/ نيسان له قيمة عالية بالنسبة لمحصولهم، فكانوا يرقصون ويغنون ليحفزوا الطبيعية على المن عليهم بـ"ريّة" أبريل/نيسان، وكأنها صلاة استسقاء.

 

تقول كريمة السيد، وهي امرأة سبعينية، إن الأمثال الشعبية احتفظت لنا بأهمية هذه الرية بالنسبة للفلاحين، فكانوا يقولون "مطر نيسان دهب بالكيسان" و"ريَّةُ نيسان بتسوي الصمد والسكة والفدان" والصمد والسكة بلهجة أهل الساحل واللغة الأوغاريتية تعنيان المحراث، والفدان هو الثور.

 

الرقص على إيقاع الطبل من أبرز مراسم الاحتفال بعيد الرابع (الجزيرة)

تسمية الرابع

رغم اختلاف الروايات حول منشأ وأسباب "عيد الرابع" فإنها اجتمعت حول تحديد تاريخه، فعادة ما يتم الاحتفال به في 17 أبريل/نيسان بحسب التقويم الميلادي الغربي، ويُسمى "الرابع" لأن تاريخ موعده يُحسب بقياسات التقويم الشرقي، والفارق بينهما 13 يوما.

 

ويعود تاريخ هذا العيد إلى جذور الحضارة السورية الأولى، حيث يمثل بداية رأس السنة السورية بحسب الميثولوجيا الأوغاريتية، إذ "تبدأ أعياد الخصب السورية  مع بدء فصل الربيع، وهي مرتبطة بقيامة (يوليو/تموز) من الموت، وفرح آلهة الخصب السورية (عشتار) بعودة حبيبها إلى الحياة.

 

وبالتقويم القديم يكون عيد رأس السنة الحقيقي في يوم الرابع من أبريل/نيسان، الذي لا يزال الشعب السوري في الساحل خاصة يحتفل به أعظم احتفال بالرقص والدبكة على أنغام الطبول والمزامير، ويُدعى حتى اليوم باسمه القديم عيد الرابع".

 

شبان يدبكون بين آحضان الطبيعة في الساحل السوري (الجزيرة )

كرنفال الفرح

ظلَّ  الاحتفال بـ "الرابع" طقسًا شعبيًّا متوارثًا حتى الماضي القريب، وكان أشبه بكرنفال من الفرح يَعمُّ مناطق الجبال والساحل السوري. جمانة علي -وهي سيدة في العقد السادس من العمر من محافظة اللاذقية كبرى محافظات الساحل السوري- في طفولتها كان لها نصيب من مشاهدات حيّة لهذا العيد، وبعبارات لا تخلو من الدهشة  قالت "لقد كنت صغيرة عندما كنّا نذهب مشيًا لنصل إلى المنطقة التي كانت تحتفي بالعيد، كنت أرى الناس من مختلف الطوائف يجتمعون بقرب أحد الأضرحة المعروفة".

 

 أكثر ما كان يلفت جمانة هو تحضير الصبايا لهذا العيد، فهو كان مناسبة خاصة لهن. وتتابع "أذكر جيدًا عمتي التي كانت تأخذني معها، فكانت تضع الحنّة وترتدي المزركش الفاقع الملون من الثياب ككل الصبايا، وتضع منديلها الحريري الذي سهرت ليالي طوالا وهي تنسجه على ضوء قنديل الكاز".

 

هذه المناسبة كانت استثنائية لفتيات القرى، لأن الفاتنة قد تلاقي نصيبها في هذا الحفل، وعادة ما كانت تُسمى ملكات جمال العيد بشكل غير معلن بين الشبان، ليبقى الاسم في الذاكرة، وليبدأ بعدها السؤال عنهن، نظرًا لأن كثيرًا من الشبان كانوا يتقدمون بعد العيد للخطبة.  ورغم أن هذا العيد كان يمثل فرصة وحيدة للقاء أبناء القرى وفرحهم الجماعي، فإنه بسبب القوانين التي فرضتها السلطات مع وصول حزب البعث إلى السلطة، قد تم إلغاء التجمع العام إلا في المناسبات الوطنية، وكان هذا من الأسباب الرئيسية لغيابه.

 

صورة قديمة لنساء بالزي الفلكوري في منطقة الساحل خلال الاحتفال بعيد الرابع (الجزيرة)

حفظًا للتراث

قامت الباحثة في تراث الساحل السوري فريال الشويكي بتدوين وحفظ هذا التراث المنسي بمجموعة من الكتب، وبحسب قراءاتها لأهم مظاهر هذا العيد ذكرت في كتابها "الزمن السعيد" فإن "عيد الرابع" كان يُسمى أيضا "عيد الزهورية". والزهورية أطلقت محليًّا على اعتبار أن الطبيعة تكون في أوج تفتحها وازدهارها. 

 

وقد درج الناس على الاحتفال به كل عام في أماكن يصعب حصرها على امتداد الساحل السوري من لواء أسكندرون إلى حدود لبنان في الريف، وقد طرأ تعديل كبير على معانيه بعد رحيل الفرنسيين في 17 أبريل/ نيسان عام 1947م ، ليغدو مناسبة وطنية تمثل يوم الاستقلال.

 

ومن أبرز مظاهر الاحتفال تقول فريال "كانت الناس  تتجمع بالآلاف في الساحات المعدّة للاحتفال، ونرى كبار السن إلى جانب مشاركتهم الفرح يتجهون أيضا لزيارة الأضرحة الدينية، وإشعال البخور، والتصدق على الفقراء بالمال والطعام، في حين ينطلق الشبان والشابات إلى المشاركة في عدد لا يحصى من النشاطات".

 

وتواصل وصفها للاحتفال فتقول "ويبدأ الغناء مع أصوات موسيقى المزمار والشبّابة بمرافقة الطبال. وتبدأ المعاتبات الغنائية، والمساجلات في الشعر الشعبي بـاللالا والدلعونا والليا بين اثنين من الدبيكة، كأن يأتي أحدهما على وصف السمراء وآخر يصف البيضاء، وقد تشترك سيدة في معاتبة غنائية كمباراة بين رجل وامرأة،  ويغدو المكان أشبه بسوق عكاظ".

 

 وتضيف فريال "هذا ما كان  يُروى عن عيد الرابع، وأشعر بالأسف لضياع تلك العادة المفرحة التي كانت تجمع الناس وتوحد بين قلوبهم وتزيد من تماسكهم وترابطهم الاجتماعي".

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/15-

النوروز.. من ظلام الشتاء إلى نور الربيع

النوروز.. من ظلام الشتاء إلى نور الربيع

حسن برو - عين العرب (كوباني)

 
عيد النوروز يوم يجمع الناس على المرح والسعادة، حيث يستقبلون "العام الجديد" بالفرح، وتشعر الطالبة الجامعية ليلى يوسف بأنه يوم جديد، وأنها طفلة ترقص وتلعب وتحاول قدر الإمكان ترك كل السيئات خلفها.

 

الاحتفال بعيد النوروز له طقوس خاصة لدى المحتفلين، فتحضر ليلى لباسها الكردي الفلكلوري الذي سترتديه في عيد النوروز قبل شهر تقريبا، وتقوم بتجهيز الأكل والحلويات والموالح لتستيقظ في الصباح الباكر يوم العيد، وتقول "إنه شعور رائع يوم العيد، حيث نجد أن كل الناس تخرج وتعايد بعضها بعضا في مكان واحد"، وتتولد سعادة وفرح بين المحتفلين.

 

وفي 21 مارس/آذار، يوم الاعتدال الربيعي، تحتفل الشعوب الآرية -أو كما يحلو للبعض تسميتها الهندوأوروبية- بعيد النوروز، وكلمة نوروز مركبة من كلمتين "نو" أي الجديد، و"روز أو روج" -حسب اللفظ الكردي- وتعني "اليوم" أي اليوم الجديد .

 

والنوروز عيد رسمي لدى بعض البلدان، كما هي الحال في إيران وأفغانستان، أما الكرد في كل من العراق وتركيا وسوريا وإيران فيعدّونه عيدا قوميا لهم، ويرددون أسطورة "كاوا الحداد" الشهيرة، الذي حررهم من سلطة حاكم جائر اسمه باللغة الكردية "أزدهاك"، وهو "الضحاك" باللغة العربية.

 

عيد النوروز هو عيد قومي بالنسبة للأكراد ويرفعون خلاله رموزهم القومية (الجزيرة)

تقول الأسطورة إن هذا الحاكم ابتلي بمرض عضال، ونما له على الكتف أفعوانان، ونصحه الأطباء بأن يُطعمهما مخ شابين يافعين كأضحية، أو يدهن كتف وظهر الحاكم بمخيهما، لكن أحد مستشاري الحاكم كان يبدل مخ أحدهما بمخ خاروف، وتمكن "كاوا الحداد" من جمع الشباب تحت قيادته، وهاجموا الحاكم وقتلوه. وبمناسبة هذا الانتصار أشعلوا النيران على المرتفعات والجبال؛ وبذلك عدّ الكرد ذلك اليوم عيداً لانتصار الخير على الشر والنور على الظلام .

 

يقول السياسي الكردي عبد الحميد خليل "يوم النوروز عيد قومي يرمز إلى الانتصار على الظلم والطغيان، وهو أيضا يوم مقدس ويوم للفرح والاستمتاع بالطبيعة". وبالنسبة لعبد الحميد فإن هذا اليوم الذي يمنحه شعورا بالراحة والاطمئنان يعني أن الإنسان وبعد انتهاء فصل الشتاء يحاول الخروج إلى الطبيعة والاندماج بها، خاصة أن اللباس الفلكلوري الكردي يعطي للطبيعة رونقا خاصا؛ فالأطفال والفتيات ينتشرون كما الفراشات في كل الأرجاء، كما تُعقد حلقات الدبكة والرقص الكرديين والغناء، ويعطي هذا اليوم نوعا من الألفة الاجتماعية في الأجواء العائلية .

 

جذور عيد النوروز الكردي -بحسب ما أورده الدكتور فاروق إسماعيل المتخصص في التاريخ القديم والرئيس السابق لقسم التاريخ في جامعة حلب- يعود إلى العصر الذي نشأت وسادت خلاله مملكة ميديا غربي إيران (727-550 ق.م)، حيث كان الميديون يعبدون قوى الطبيعة ومظاهرها؛ على غرار معظم شعوب الشرق القديم، وبين 625-550 ق.م اتسعت المملكة، وشملت معظم مناطق إيران الحالية، وتجاوزت نهر الفرات (في تركيا) غرباً، وظهرت فيها آنذاك دعوة زردشت الدينية (نحو 628-618 / 551-541 ق.م)، وكان من مبادئها تمجيد الطبيعة والاحتفال ببداية فصل الربيع، الذي يعد بداية السنة الجديدة (نوروز)، كما لدى شعوب قديمة عديدة.

 

وحسب المصادر التاريخية فإن آخر ملوك المملكة أستياك (584-550 ق.م) عمد إلى التقرب من كهنة الزردشتية (ماجو أو المجوس)، وأعلن الزردشتية ديانة شبه رسمية للمملكة، واعتمد عليهم في تبرير أفعاله الظالمة، وكان مستبدّا طاغية، وهو الذي تدور حوله أسطورة "كاوا الحداد"، لكن نهاية هذا الملك في المصادر التاريخية تختلف عن الأسطورة، إذ تقول إنه في السنوات الثلاث الأخيرة من حكمه ثار عليه الشعب بقيادة حفيده كورش (الفارسي)، ابن ابنته، وعدد من النبلاء وقادة الجيش، وقضوا عليه في عاصمته إكباتانا (همدان)، واحتفل الشعب بنوروزهم بشكل لم يسبق له مثيل، فاكتسب دلالة جديدة، وبات عيد الثورة والتحرر من الاستبداد.

 

أما عن التاريخ الذي يروجه الكرد بأنه تاريخهم، فيعود ذلك إلى أنهم اعتبروا أن أول الاحتفال كان عام612 قبل الميلاد، وإذا جمعناه إلى السنوات الميلادية 2016 فبذلك يكون التاريخ الذي يعتمدونه اليوم هو 2628، وهو التاريخ الذي يوافق سقوط الإمبراطورية الآشورية وسيطرة الإمبراطورية الميدية على نينوى القديمة في العراق .

 

تقول السيدة عدلة مصطفى "إنه شعور جميل أن يخرج أطفال العائلة معنا للعيد، ويغيروا رتابة الأجواء التي نعيشها، فهو اليوم الأول تقريباً لخروجنا للطبيعة، رغم أن الأجواء تغيرت بعض الشيء بعد الثورة السورية، فالبعض منا يعيش وفي قلبه غصة، لكن الحياة لا بد أن تسير ولن تتوقف، وهناك مساحة لكل شيء، الحزن والفرح والبكاء والضحك، ولكن إصرارنا على الاحتفال يقول أيضا إننا نحاول العيش بسلام ووئام مع الطبيعة في يومنا هذا".

أكراد سوريون يحتفلون بعيد النوروز في بيروت بلبنان (أسوشيتدبرس) 


الطبل والنار

الكل يحتفل بطريقته؛ البعض يعزف على آلة الطنبورة، ويقيمون حلقات الدبكة على إيقاع الطبل، والبعض الآخر يستمع للأغاني الفلكلورية الكردية، وغيرهم يأخذ الأرجيلة التي دخلت للحياة العامة، وفي وقت الظهيرة يقوم الرجال بإشعال النيران وتحضير المشاوي، كما تقوم النسوة بتحضير السلطات للغداء، كما يتم توزيع بعض المأكولات على الجيران الذين يحتفلون إلى جانب العائلات الأخرى .

 

ولإشعال النار يوم النوروز مكانة خاصة في الديانات الشرقية القديمة، خاصة الديانتين الإيزيدية والزردشتية، اللتين تريان أن النار رمز الخير، أما الظلام فهو رمز الشر، ويتم إشعال النيران فوق المرتفعات ويتجمع حولها الصغار والكبار، ويعقدون حلقات الدبكة والرقص ليلة 21 مارس/آذار، ويقفز الفتية والفتيات فوق النار المشتعلة كنوع من التخلص من الذنوب، وهذه الطقوس مأخوذة من الديانة الزردشتية التي يدين بها بعض الكرد والإيرانيين، وهم من يسميهم العرب "المجوس"، وكذلك الديانة الإيزيدية التي تراها رمزاً للخير والضياء والنقاء، لذلك يتوجهون لعبادة الشمس في "الشروق والغروب".

 

شبان يرقصون حول النار المشتعلة في يوم النوروز والنار لها مكانة خاصة حيث تعتبر رمز الخير أما الظلام فهو رمز الشر (الجزيرة)

أما على الصعيد السياسي، فقد مُنع الاحتفال بهذا العيد كعيد قومي، خاصة في كل من العراق وتركيا وسوريا، حيث زُج بالكثيرين منهم بالسجون بسبب الاحتفال بعيد النوروز، إلا أن إيران كانت تعدّه عطلة وعيدا قوميا، بينما احتفلت به تركيا كعيد وطني في بداية التسعينيات في عهد الرئيس التركي سليمان ديميرل.



وفي العراق أصبح عيداً رسمياً في إقليم كردستان العراق بعد الحماية الدولية 1991، أما في سوريا فقد اعتبر يوم 21 مارس/آذار عطلة رسمية، لكن تحت تسمية عيد الأم، كحل اعتمده نظام حافظ الأسد لتهدئة الأكراد الذين تظاهروا في دمشق في 21/3/1986عقب منعهم من الاحتفال، وعلى إثرها قتل الشاب "سليمان أدى" أمام القصر الجمهوري .

 

وبعيداً عن السياسية، يأخذ يوم النوروز طابعاً اجتماعياً آخر بالنسبة للأكراد؛ ففيه تصفى القلوب وتتم المصالحات بين المتخاصمين، وهو سبب للتعارف بين الشباب والفتيات، خاصة من هم في سن الزواج.



وفي القصص الكردية تبرز قصة "ممو وزين"، وهي قصة الحب الشهيرة بنهايتها المفجعة، التي ترجمها الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي عن الشاعر الكردي أحمدي خاني، والتي حصلت أحداثها في عيد النوروز، وتحكي كيف كان بعض الفتيان يلبسون ألبسة الفتيات، ليختلطوا مع الفتيات ويتقربوا لإحداهن بقصد الزواج لأن ملكا ظالما منعهم من ذلك.

 

 وبذلك تجتمع الأسطورة مع الأدب والتاريخ في القول إن يوم النوروز كغيره من أعياد الربيع في العالم، هو عيد للتحرر من ظلم الطغاة، وظلام الشتاء للخروج إلى الحرية ونور الربيع.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/15-

شمّ النسيم.. بهجة الفراعنة بالربيع

شمّ النسيم.. بهجة الفراعنة بالربيع

دعاء عبد اللطيف - القاهرة

توديع ثقل الشتاء لا يمرره المصريون بـ"كلاسيكية" تخفيف الملابس وتخزين المعاطف الثقيلة، بل باحتفال شعبي يستقبلون به خفة نسائم فصل الربيع.

 

ويسمي المصريون احتفالهم ببداية شهور الربيع بـ"عيد شمّ النسيم"، وهو احتفال ترجع جذوره إلى آلاف السنين -وفق متخصصين- ولهم فيه طقوس خاصة في الأكل وكيفية قضاء اليوم.

 

ويأتي عيد شمّ النسيم يوم الاثنين بعد يوم واحد من احتفال المسيحيين بعيد يوم القيامة، وهذا العام سيتم الاحتفال به في الثاني من شهر مايو/أيار الجاري.

 

وفي هذا اليوم -الذي هو عطلة رسمية- تستقبل الحدائق ملايين الأسر المصرية،فينبسط العشب لآباء يرقدون عليه في انتظار مجيء الأبناء، كما تشق صفحة النيل مئات المراكب الممتلئة بضحكات المحتفلين بطقس الربيع المعتدل.

 

أما الطعام فله قصة أخرى، إذ تزين سلة البيض الملون مائدة إفطار المصريين، إلى جانب العديد من أنواع الفطائر. وعلى الغداء تحضر أنواع مختلفة من الأسماك المملحة، وأشهرها "الفسيخ" الذي يؤكل مع الخس والبصل الأخضر والحمص والطماطم.

 

بسام الشماع يؤكد أن الفراعنة اخترعوا الفسيخ وأقاموا احتفالات الربيع (الجزيرة) 

احتفال قديم

وعن الأصول التاريخية لعيد شم النسيم، يقول عالم المصريات الدكتور بسام الشماع،إن المصريين القدماء عرفوا بشغفهم بإقامة الاحتفالات، فكانوا يحتفلون بستين مناسبة سنويا.

 

وأوضح -في حديثه لمجلة الجزيرة- أن الفراعنة كانوا يحتفلون في اليوم الأول من كل فصل في السنة، موضحا أن العام كان ينقسم إلى ثلاثة فصول في العصر الفرعوني، وهي: فصل الفيضان ويسمى في الهيروغليفية القديمة "آخت"، وفصل الصيف ويسمى "شيمو"، وفصل الشتاء ويسمى "برت".

 

وبعض العلماء يؤكدون أن أصل كلمة شمّ النسيم هو كلمة "شيمو" التي كان الفراعنة يطلقونها على فصل الصيف. موضحا أنهم كانوا يتناولون كل الأطعمة التي تعتبر من طقوس الأكل في عيد شم النسيم المعاصر من سمك مملح وغيره، أما البيض الملون فلم يكن له أصل فرعوني، إذ لم يُكتب في البرديات ولم ينقش على المعابد، وفق قول الشماع.

 

الأطفال يركبون الدراجات احتفالا بعيد الربيع (الجزيرة)

ولفت إلى حضور النيل بشكل دائم خلال احتفالات المصري القديم، موضحا أن الفراعنة كانوا يستقلون المراكب النيلية المزينة بأكاليل الزهور، وهو ما امتد إلى المصري المعاصر حيث يخرج للمتنزهات والحدائق ويستقل المراكب النيلية خلال عيد الربيع.

 

وعن الأسماك المملحة وهي أشهر ما يميز الاحتفال بشم النسيم، أكد عالم المصريات أن المصري القديم كان لديه فائض كبير من الأسماك، ومنها البلطي والبوري وقشر البياض والرعاد والقرموط، مما دفعه لاختراع طريقة تضمن حفظها من التعفن، فجاءت فكرة تمليحه لضمان صلاحية أكله، وهو ما توارثته الأجيال عن الأجداد.

 

وفي بحث له عن احتفال قدماء المصريين بشم النسيم، ذكر الخبير الأثري المدير العام لجمعيةعلوم وأبحاث الأهرامالدكتور عبد الرحيم ريحان، أن الإعلان عن بدء الاحتفال في مصر القديمة كان يتمعبر تجمعأمامالواجهةالشماليةللهرمالأكبر "خوفو"وقت الغروب،فإذا مابداقرصالشمسقبلغروب ذلك اليوموكأنهيجلسفوققمةالهرم،ويشطرضوءالشمسوظلالهاواجهةالهرمإلىشطرين، كان ذلك مؤشر انطلاق الاحتفالات في اليوم التالي.

 

ولفت إلى اختلاف ترجيحات العلماء بشأن بداية الاحتفال بهذا العيد، فمنهم من أرجعه إلىعام 2700 قبل الميلاد،فيأواخرالأسرةالثالثة، ونسبه آخرون إلىعصرماقبلالأسر.

 

أجواء احتفالية مع الاستمتاع بالطقس المعتدل (الجزيرة)

لقاء العائلة

أما الاحتفال بالربيع، فله أوجه استمتاع أخرى غير اعتدال الطقس عند الكاتبة المتخصصة في شؤون الأسرة فاطمة عبد الرؤوف، التي قالت إن عيد شم النسيم يعد فرصة للعائلات المصرية للقاء لطيف،بعيدا عن صخب زمن العولمة الذي باعد بين أفراد الأسرة الواحدة وجعل لقاء الجميع على مائدة واحدة أمرا نادر الحدوث.

 

ورغم أن كثيرا من الأسر المصرية تحرص على تناول الأسماك المملحة والبيض الملون يوم شم النسيم، فإن فاطمة أوضحت -في حديثها لمجلة الجزيرة- أن طقوس الأكلفي ذلك اليوم ليست ثابتة في كل أنحاء مصر.

 

وأضافت أن كثيرا من أبناء الريف المصري يطهونأطعمةأخرىكالبطوالحماموالمحاشي وأنواعمنالخضرواتيتوافقحصادهامعالاعتدالالربيعي.

 

ولأنهيومعطلةرسمية،يفضلكثيرمن أهل المدن قضاء شم النسيم في الحدائقوالمتنزهات، أما أهلالريففيخرجون إلى الحقول للاستمتاع باعتدال الطقس بعد فصل الشتاء البارد، كما أوضحت الكاتبة.

 

وأشارت إلى عدم اعتيادالمصريينعلى شراءملابسجديدةفيهذهالمناسبةكمايفعلونفيالأعيادالدينية،أوكمايفعلالإيرانيونمثلافيعيدالنوروز، فهم يكتفون فقط بطقوس الأكل والتنزه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/15-

الزامبو اللبناني.. لعب ومرح وطرد للأرواح الشريرة

الزامبو اللبناني.. لعب ومرح وطرد للأرواح الشريرة
لور ديب ـ طرابلس

 

قبيل الصوم الكبير للطوائف المسيحية الشرقية من كل عام يجتمع الشبان في حي المينا في مدينة طرابلس اللبنانية صباح الأحد ليمارسوا طقوسا أغلبهم لا يعلم جذورها، ولكنهم يمارسونها بحماس ومرح يلهب قلوب أبناء المدينة الذين يتوافدون لرؤيتها والتمتع بالمشاهد الغريبة التي يمارسها هؤلاء الشبان.

 

رغم أن الشاب جورج خوري ابن حي المينا لا يعلم متى بدأ الاحتفال بهذا الكرنفال فإنه يحرص منذ سنوات على المشاركة في كرنفال "الزامبو" السنوي، ويقول "كنت صغيرا جدا عندما كنت أطوف في أزقة المدينة القديمة وأتبع الذين تنكروا، نطلي أجسامنا ونلبس أزياءنا التنكرية وننطلق في أزقة المدينة، نغني وندق الطبول ونعزف ونرقص حتى نصل إلى البحر، وهناك نرمي أنفسنا به، ولا أعلم لماذا نفعل ذلك لكني تعلقت به جدا من حينها".

 

استقبال شهر الصوم

من يشارك في كرنفال الزامبو، تنفى عنه صفة التدين رغم أنه مرتبط بالأسبوع الذي يسبق الصوم الكبير لأبناء الطائفة الأرثوذكسية، لكنهم لا يعلمون السبب الحقيقي من وراء هذا الاحتفال، بل إنهم يختلفون في رواية منشئه ولكنهم يعزون تنكر المشاركين فيه بطلي أنفسهم باللون الأسود وحمل الرماح وارتداء الأزياء الأفريقية، إلى زمن الانتداب الفرنسي ووجود فرقة عسكرية سينغالية كانت تحيي طقوسها الدينية ويراقبها السكان المحليون، ثم بدؤوا تقليدها.

 

ويعزوه آخرون إلى المهاجرين الأوائل إلى القارة الأميركية وخاصة إلى البرازيل نظرا للتقارب اللافت بين كلمة "السامبا والسامبو أو الزامبو"، وفي اعتقاد بعضهم أن أصل العيد انتقل من حي المينا إلى البرازيل مع المهاجرين الأوائل أواخر القرن التاسع عشر إلى مدينة الريو دي جانيرو لكن بعضهم يرى عكس ذلك.

 

ويرى فريق آخر ممن استطلعنا آراءهم أنه أتى من اليونان مع المهاجرين إلى بلاد الشام واستوطنوا في المناطق الساحلية، وذلك لوجود كرنفال الأبوكرييس في اليونان في الفترة نفسها بالطابع الكرنفالي نفسه .

 

جورج خوري متحمس جدا للكرنفال حيث يبدأ الاستعداد مع أصدقائه قبل أسبوع من انطلاقه ويجتمعون كل ليلة بعد أن ينهوا أعماله، ويقومون بتوزيع الأدوار ويتحدثون عن طريقة التنكر، بحسب قوله "كل يوم نخرج للشارع ونعزف الموسيقى وندق الطبول ونجمع المال تحضيرا ليوم الاحتفال الرسمي".

 

يقول طوني حايك وهو موظف يعمل في طرابلس "نذهب صباح يوم الأحد إلى المستودع في حي المينا وهناك يجتمع الشباب ونجد شخصا يقدم لنا الدهن الملون ونطلي أجسادنا، وعندما نصبح كـ(الزامبو) ننطلق إلى شوارع المينا ونجمع المال من المتبرعين كي نقيم سهرة في نهاية النهار، وهذه السهرة تعني توديعة بمناسبة حلول شهر الصيام، كل ما نحصل عليه هو تبرعات، لا تقدمها لنا لا جهة دينية ولا حكومية".

 

كافة الأجيال من الكبار والصغار يشاركون في كرنفال الزامبو (الجزيرة)

حي.. موتو

من المشاهد اللافتة في طقوس هذا اليوم قبيل انتهاء اليوم، شخصية تدعى "الشامان" وهي شخصية لا يعلم أحد من المشاركين جذورها، يقوم هذا الشخص المجهول بالنداء بعبارة "حي ... موتو" بين الشبان في مسيرته بشوارع الحي، عندما يصرخ "موتوا" يرتمي الشبان على الأرض ويتظاهرون بالموت، ثم يصرخ "حي" فينهضون" ورمزيته لا تخفى بأنه له علاقة بطقوس تجدد الحياة في الربيع .

 

إن هذا العيد الذي أعيد إحياؤه في حي المينا قبل عشرات السنين، لا يعلم به كثير من أبناء طرابلس، فالدكتورة مها السبسبي ورغم أنها ابنة المدينة تحضره للمرة الأولى هذا العام، وتقول إنها لم تسمع به من قبل، وإنها التقت بالشباب مصادفة عندما كانت في زيارة للبلدة القديمة، ورأت شبانا وفتيانا طلوا أجسادهم بالسواد وكانوا يعزفون موسيقى صاخبة، ويحملون الرماح والعصي ويتجهون نحو البحر، فمشت مع من كان يشاهد ويمشي من المارة حتى وصلوا إلى الكورنيش، وهناك رموا بأنفسهم في مياه البحر الباردة.

 

وتعتقد الدكتورة مها أن "هذا التقليد مرتبط بسكان المينا، لأن بعض الأفارقة يعيشون إلى اليوم في منطقة الحوش العريض، وهم من أحضر هذا التقليد إلى طرابلس".

 

يلفت الشاب جورج خوري إلى أن أجمل مرحلة من مراحل الزامبو هي تلك التي يلقي فيها الشبان بأنفسهم في البحر، لأنها تطهر الجسم والروح من كل شر، وأن الكرنفال مبني على هذه الفكرة وأن من يشارك في مسيرة الزامبو يبتغي البهجة والفرح وطرد الأرواح الشريرة من المدينة.

 

ويرى طوني أن الشباب يفعلون ذلك "ليغسلوا الدهن عن أجسامهم فهو لا ينظف بسهولة"، وهناك من يرى أن ذلك جزء أساسي من طقوس تطهير الجسد والروح في مياه البحر الباردة في شهر شباط.

 

 الشبان يطلون أجسامهم بزيوت داكنة كطقس في احتفال الزامبو (الجزيرة)

الزامبو ... أم اللعوبة؟

اسم الزامبو حديث بحسب كبار السن والمشاركين القدامى، حيث كان يدعى اللعوبة حتى بداية السبعينيات. وبحسب العم جاك وهو مشارك قديم في هذه الفعالية، فإنهم كانوا يرتدون ألبسة تنكرية ويتجولون في أزقة وشوارع الميناء مع آلات موسيقية أهمها الطبل، متنقلين من باب إلى باب، يستقبلهم الناس وتبدأ الحفلات وتستمر إلى وقت متأخر من الليل، على مدى أسبوع، حتى يوم الاثنين الذي كان يعرف باثنين الراهب، وهو اليوم الذي كان يقام فيه الكرنفال في الماضي.

 

ويضيف العم جاك "يومها يخرج المشاركون نهارًا، وليس ليلاً، وبأزياء مختلفة مستوحاة من مواضيع وقصص مختلفة، وكانوا يسيّرون حمارًا يمتطيه أحد المتطوعين وهو يحمل دلوًا مليئًا بالماء ليرش المشاركين".

 

يؤكد طوني أن مشاركات هذا العام لم تقتصر على أبناء الطائفة المسيحية، وإنما كان عدد المشاركين المسلمين أكبر من عدد المسيحيين". ويرى أن "هذا الشيء إيجابي جدا لنُري العالم أن في المينا لا يوجد مسيحي ومسلم، هناك أخ وأخوه فقط".

 

الطبول من الأدوات الرئيسية في عيد الزامبو حسب الأسطورة صوت الطبل يطرد الأرواح الشريرة (الجزيرة)

الكثير من التجديد دخل على الكرنفال، فالشبان غيروا الكثير بما يوائم العصر وأهوائه وثقافاته وأزيائه، ولتصبح هذه العادة أقرب إلى عصرهم مع المحافظة على روح الكرنفال الأصلية، وبقاء الأشياء الأساسية فيه كما هي.

 

فالكرنفال يُقام بمسيرة جماهيرية تقدم فيها أضحية رمزية "تكون لعبة في الغالب"، ويمثل اللاعبون الأساسيون في الكرنفال الأرواح الشريرة التي يطاردها الناس، لإخراجها من مدينتهم، ورميها في البحر، وبذلك يطهرون مدينتهم وأرواحهم من الشر.

 

وهذا كله يدخل في إطار الموروث الإنساني للبشر، ولا يتعلق بعبادة معينة أو معتقد بعينه، فنجد هذا المعتقد في الكثير من الكرنفالات الاحتفالية في العالم، وهذا ما يفسر التشابه الكبير بين السامبا البرازيلي والزامبو اللبناني والكرنفال الأوروبي وغيرها، مع اختلاف في اللغة أو التوقيت.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/15-

السامبا.. الحضارات ترقص على أرض البرازيل

السامبا.. الحضارات ترقص على أرض البرازيل
ليندا مرقبي - ريو دي جانيرو

 

كرنفال السامبا البرازيلي الشهير من أكبر الكرنفالات وأهمها على وجه البسيطة، ولذلك فإن المشاركة فيه أو حضوره حلم للكثيرين يتمنون تحقيقه. ويبدأ الكرنفال عادة يوم الأحد الذي يسبق بدء الصيام الكبير في العالم المسيحي، كما هو عليه الحال في أوروبا بثلاثة أيام، وفي مناطق أخرى من العالم حيث يستمر لمدة 12 ليلة.

 

ويحضر الكرنفال ملايين السياح لرؤية المواكب المهيبة من المشاركين والراقصات اللواتي يتزينّ بريش الطيور واللباس المزركش، والاستمتاع بالطعام والشراب والرقص والصخب، ثم يتوج بانتخاب ملكة جمال الكرنفال.

 

لويس أنطونيو سيماس واحد من أهم المراجع التاريخية بشأن "كرنفال السامبا" البرازيلي الشهير، وهو "أستاذ مجاز في التاريخ الاجتماعي من الجامعة الاتحادية في  ريو دي جانيرو، وله عدة كتب ومؤلفات من أهمها "مؤامرة سامبا.. التاريخ والفن" و"قاموس من التاريخ الاجتماعي للسامبا".

 

يعمل سيماس حاليا على تطوير مشروع التعليم والموسيقى الشعبية والتاريخ من الأحياء في المنطقة الشمالية من ريو دي جانيرو، ومُنح عام 2014 ميداليات الثناء من مجلس المدينة.

 

وفي لقائنا مع المؤرخ سيماس، سنحاول أن نقف على جذور كرنفال السامبا البرازيلي.

 

احتفال مسائي غني بالألوان والبهجة في احتفال السامبا (الجزيرة)

 

ما ثقافة الكرنفالات والاحتفالات الجماعية برأيكم؟ وكيف دخلت المجتمع البرازيلي؟

 

كل شعوب العالم تمارس بشكل أو بآخر احتفالات جماعية سنوية، ترتبط بجذورها الثقافية والروحية وبالعادات والتقاليد، وباللاشعور الجمعي الذي يربط الجماعات البشرية مع بعضها، ويوحدها على الرغم من اختلافها في إطار من النظم والقيم والسلوكيات.

 

ففي حالة الكرنفال الذي هو بالنتيجة شكل أو حالة من الاحتفالية الجماعية التي عرفتها كل شعوب العالم، ولا سيما الشعوب الأوروبية ومنها الشعب البرتغالي، نعلم أن البرتغاليين نقلوا معهم هذه الحالة الاحتفالية إلى كل مستعمراتهم في فترة الصعود الاستعماري، ومنها على وجه الخصوص البرازيل، درة التاج البرتغالي، وأكبر مستعمرة للبرتغاليين في بداية القرن 16 الميلادي.

 

وككل الأفكار والطقوس والعادات عندما تغادر موطنها وبيئتها إلى بيئة أخرى، تتعرض بالضرورة لتغييرات قد تكون طفيفة أو عميقة. وكرنفال السامبا البرازيلي ذو الجذور المختلفة هو واحد من أهم الأمثلة على هذه الحالة.

 

احتفالات مسائية بفعاليات السامبا في البرازيل (الجزيرة)

 

لا بد أن الكرنفال قد مر بمراحل ومظاهر احتفالية عديدة قبل الوصول إلى شكله الحالي المتعارف عليه. كيف كان الاحتفال في البداية؟  وما المؤثرات التي أوصلته إلى شكله الحالي؟

 

هناك الكثير من المراجع التي تحدثت عن البدايات، ومنها نعرف أن الكرنفال بدأ في البرازيل مع وصول البرتغاليين في القرن 16 وبداية القرن 17، وكان عبارة عن فوضى عارمة لكنها مرخصة من قبل السلطات البرتغالية، يقوم بها العبيد الأفارقة، وتتخللها معارك بالطحين والبيض والبرتقال والمياه.

 

وهناك لوحات للفنان البرازيلي باتيستي ديبرت تعود للقرن 17 تظهر تمثيلا لمظاهر الاحتفالات عندما بدأ الكرنفال. وبحسب المؤرخ البرازيلي أندريه دينيز، فإن الكرنفال لم يصبح منظما إلا بعد دخول الطبقات الغنية من المجتمع البرازيلي ذوي الأصول الأوروبية الذين كانوا يقيمون حفلات اللعب والهرج في صالات مغلقة في بداية القرن 19.

 

يتحدث المؤرخ البرازيلي الشهير جواكيم نابوكو عن أن اسم الكرنفال عندما أدخله البرتغاليون في القرن 17 كان "أنترودو"، وكانت طقوسه تقوم بشكل أساسي على أن يوسخ الناس أجسامهم ويدهنوها بالألوان. وكان هناك نوع من العنصرية في هذه الاحتفالات، حيث كان العبيد يلهون في الشارع، بينما كان البرتغاليون وغيرهم من الأوروبيين يلهون في بيوتهم وصالاتهم الخاصة، ولم يكن هناك أي نوع من الاختلاط خلال "الأنترودو".

 

تفيدنا تلك المراجع أيضا بأن أول مسيرة كرنفالية رسمية نظمت عام 1899 من قبل شخص يدعى "شيكينيا غونزاكا"، حيث تضمنت عربات وراقصين وراقصات، وتم تشكيل مجموعة من المتخصصين في هذا المجال، أطلق عليهم اسم مجموعة "وردة الذهب". أما السامبا فلم تدخل إلى فعاليات الكرنفال إلا عام 1920 وما بعده، وكان تعميم السامبا فيه قد جاء من خلال مجموعة من المغنين والملحنين الذين يؤدون هذا النوع من الغناء.

 

مواكب كرنفالية يتم تجهيزها لاحتفال السامبا الكبير (الجزيرة)

 

لماذا يحتفل البرازيليون إلى اليوم بهذا العيد، رغم كونه من مخلفات الاستعمار البرتغالي؟

 

في الحقيقة، علينا أن نلاحظ هنا أنه مع إعلان استقلال البرازيل عام 1822، صار ينظر إلى الكثير من العادات -وخصوصا الجماعية منها والتي كانت تحمل في طياتها إرثا استعماريا عنصريا بغيضا- على أنها غير مقبولة، لذلك قام مجموعة من الفنانين والصحفيين بمبادرة لإحداث قطيعة مع الفكر الاستعماري، من خلال تغيير بعض التسميات ذات الدلالة العنصرية. فجرى تعديل اسم المهرجان من "أنترودو" إلى "كرنفال" المأخوذ من العادات الإيطالية والفرنسية، والذي يشبه إلى حد ما احتفالات "أنترودو"، مع الإشارة إلى أن الكلمة الإيطالية "كرنفال" تعني "ترك اللحوم"، أو الامتناع عن تناولها، ثم أدخلوا الرقصات والاستعراضات في الشوارع مع الرموز.

 

بدأ الكرنفال في البرازيل في الشارع، وكان يقام في أيام محددة من كل عام، وكانت طقوسه تقوم بشكل أساسي على طلاء الأجسام و ارتداء الملابس التقليدية واللعب بالطحين وقذف البيض والماء، لكن مع الوقت تعرض لتغييرات كثيرة بسبب دخول تقاليد السكان الأصليين والأفارقة.

 

كل هذه العوامل الثقافية أدت إلى ظهور "كرنفال" مميز ومختلف في كل مدينة برازيلية، مثل كرنفال ريو دي جانيرو التي تشتهر بمسيرات مدارس السامبا، وكرنفال باهيا الذي يجذب الملايين من الناس كل عام، وفي ولايات أخرى مثل بيرنام بوكو وميناس جيرايس؛ ولكن كرنفال الشارع ظل الأكثر شعبية.

 

مواكب كرنفاليالية يجهيزها أصاحبها قبيل الاحتفالات (الجزيرة)

 

في  شباط من كل عام تحتفل البرازيل -وخصوصا مدينة ريو دي جانيرو- بكرنفالها المتعارف عليه بالسامبا؟ من أين جاءت تسمية السامبا؟ وكيف أصبحت لصيقة بالكرنفال وبات يعرف بها؟

 

رغم أن البرتغاليين جلبوا معهم هذه الحالة الاحتفالية الكرنفالية، فإنها تحولت إلى حالة أخرى، وأصبح يطلق عليها اسم "كرنفال السامبا". فهذا التحول حدث على الأرض البرازيلية، ولعل أهم إضافة كانت هي موسيقا السامبا والرقصات المرافقة لها، وهي على درجة من الأهمية بحيث حمل الكرنفال اسم هذه الرقصة الشهيرة.

 

يقول بعض الباحثين إن السامبا كانت تترافق مع موسيقى إيقاعية أفريقية صاخبة وأناشيد دينية جاء بها الأفارقة الذين جُلبوا من الكونغو أو أنغولا، وقد بدأت أولى إرهاصاتها في منطقه برازيلية تسمى "باهيا"، حيث كان فيها أكبر تجمع للعبيد الأفارقة.

 

وبحسب بعض المصادر، فإن المستعمرين البرتغاليين قاموا ببناء كنيسة كاثوليكية في القرن 17 في منطقة "باهيا"، وكان الهدف منها تحويل العبيد الأفارقة إلى الديانة المسيحية الكاثوليكية.

 

وقد أتيح لهم فيما بعد القيام بالاحتفالات التي يرغبون بها، فما كان منهم إلا أن قاموا بالغناء والرقص، ومن ثم قاموا بانتخاب ملك وملكة، على أنغام الموسيقى الإيقاعية الصاخبة التي أصبحت تعرف فيما بعد بالسامبا. وتعني "الصلاة" بلغة البانتو، وهي لغة أفريقية قديمة كان يتكلمها الأفارقة في أنغولا والكونغو.

 

إذا ما صحت هذه الرواية، فإنها تكون قد جمعت صفتين مهمتين من صفات أو مميزات كرنفال السامبا، هما: أن السامبا هي موسيقى إيقاعية أفريقية دينية الهدف منها الصلاة، وأن احتفالات السامبا يتخللها دائما انتخاب ملك وملكة، لكن حاليا اقتصر الانتخاب على أجمل ملكة في كرنفال السامبا.

 

أحد معامل أزياء الكرنفال في مدينة ريو دي جنيرو يحضرون لأزياء الاحتفال (الجزيرة)

 

لكن ماذا عن الريش الملون والبديع الذي يكاد يكون العنصر الجامع لكل حشود الراقصات اللواتي يتوزعن على منصات العربة الرئيسية ويتقدمن العربة ذات المجسمات العملاقة؟

 

يمكن اعتبار الراقصات والعربات من أهم عناصر الكرنفال، حيث تتنافس مدارس السامبا في التصاميم البديعة للأزياء المزركشة بأنواع لا تعد ولا تحصى من الريش الملون الرائع، والذي يعود إلى أنواع لا حصر لها من الطيور التي تعتبر البرازيل موطنا أصليا لها.

 

ومن الملاحظ أيضا أن الريش الملون الذي تتزين به الملكة يختلف بالشكل واللون والحجم عن الريش الذي تتزين به باقي الراقصات. وأعتقد أن هذه الميزة جاءت إلى الكرنفال من السكان الأصليين، أي الهنود الحمر، فمن المعروف أن الهنود الحمر في أميركا الشمالية والجنوبية اعتادوا على التزين بالريش الملون، كما كان زعماؤهم  يتزينون بتيجان مصنوعة من الريش الملون، وكان نوع الريش وحجمه وطريقة التزين به تدل على مكانة صاحبه بين أقرانه، أو بين أفراد قبيلته.

 

وبعودة بسيطة إلى المنحوتات و"الرولييفات" (النحت النافر) الأثرية التي تعود إلى سكان أميركا الجنوبية -مثل المنحوتات الخاصة بحضارة الأزتك والمايا- تظهر لنا بشكل واضح التيجان المصنوعة من الريش الملون، بالإضافة إلى المجوهرات والأساور والعقود المصنوعة من الذهب والأحجار الكريمة، وبشكل مبالغ فيه. كل هذه المظاهر نجدها بوضوح كبير في كل التصاميم الخاصة براقصات الكرنفال وراقصيه في أيامنا هذه.

 

وهنا يمكننا القول إن ميزة استخدام الريش على نطاق واسع مع الألبسة الذهبية البراقة والمجوهرات جاءت من السكان الأصليين، أي الهنود.

 

محتفلين متنكرين في الشارع خلال احتفالات السامبا البرزيلية في شوارع ريو دي جنيرو (الجزيرة)

 

من المتعارف عليه عند أغلب الباحثين أن السامبا هي طراز من الموسيقى الإيقاعية الصاخبة، وليست رقصا، لكن من أين جاءت هذه الرقصة التي تؤديها الفتيات على منصات مواكب الكرنفال؟

 

أعتقد أن الإيقاع في رقصة الفلامنغو الإسبانية الشهيرة، والتي تقوم المرأة فيها بطرق الأرض بكعب حذائها بشكل متوالٍ وسريع محدثة إيقاعا راقصا ممتعا، يذكرنا بالإيقاع الذي تحدثه راقصة السامبا عندما تضرب الأرض بكعب حذائها العالي، بشكل سريع ومتوال أيضا.

 

وبمشاهدة هذين النموذجين من الرقص نلاحظ التشابه الكبير بينهما، مما يدفعنا للاعتقاد بأن رقصة السامبا مستمدة من رقصة الفلامنغو، مع بعض التعديل في الحركات واللباس طبعا. وإذا ما أضفنا التشابه الكبير بل شبه التطابق بين الثقافتين البرتغالية والإسبانية، فإنه  يجعلنا غير بعيدين عن الحقيقة في طرحنا السابق.

 

ونادرا ما يمر كرنفال السامبا البرازيلي من دون عربة كبيرة مزينة بشكل لافت للنظر، مع عدد من المنصات التي تعلوها راقصات شبه عاريات. وهذا الجزء من الكرنفال يذكرنا بالسكان الأصليين، وخصوصا في الأمازون حيث لا يزال قسم كبير منهم - نساء ورجالا- يعيش دون ارتداء ملابس، ودون أي إحساس بالخجل أو العار الذي من الممكن أن يحسه سكان المناطق الحضرية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/15-

كرنفالات أوروبا.. استعادة لأعياد الشرق القديم

كرنفالات أوروبا.. استعادة لأعياد الشرق القديم
جورج كدر ـ هولندا

 

يعتبر الكرنفال من أكثر الأعياد الشعبية شهرة في العالم الكاثوليكي الغربي، ولا يزال مستمرا إلى يومنا هذا في هولندا وألمانيا وبلجيكا وغيرها من الدول الأوروبية الكاثوليكية التي تعترف كنيستها بهذا العيد، الذي تعتبره الكنيسة البروتستانتية بدعة.

 

حسب رأي بعض الباحثين فإن كلمة كرنفال تعني "ترك اللحوم"، وموعده يكون في شهر فبراير/شباط أو مارس/آذار، أي بعد احتفال المسيحيين بمولد "السيد المسيح"، وقبل بدء الصوم الأربعيني أو الصيام الكبير في العالم المسيحي، الذي يسبق عيد الفصح "أو عيد القيامة" الذي يختلف توقيته حسب التقويمين الشرقي والغربي.

 

وقد شاهدت هذا العيد أكثر من مرة وشاهدت مواكب الاستعراضات فيه والمسابقات والاحتفالات التي تسودها الطرافة والمرح والمجون والجنون، ورأيت كيف يشرب الناس البيرة بطريقة مفرطة وكيف يسكرون ويتنكرون ويمارسون الجنون بكل فنونه وأشكاله، قبل بدء الصيام الذي يبتعد فيه الناس عن أكل اللحوم والمنتجات الحيوانية والمشروبات.

 

أعيان المجتمع يتقدمون موكب أمير الحقول ويوزعون الهدايا على الناس (الجزيرة)

تبدأ الاحتفالات دائما في يوم محدد هو يوم الأحد وتنتهي في يوم محدد أيضا هو يوم الأربعاء ليدخلوا في صومهم الكبير، وبهذا المعنى فإننا نفهم من الناحية الطقوسية الدينية أن يوم الأربعاء هو اليوم الذي تنتهي فيه مباهج الحياة ويدخل الناس في "بؤسهم وشؤمهم" لمدة تزيد عن أربعين يوما، وأغلب الظن أن أصل "شؤم بعض الشعوب" من يوم الأربعاء - كما هو في بعض الدول ومنها بريطانيا- يعود لهذه الميثولوجية الدينية القديمة.

 

من المعروف أن الكرنفالات في العالم القديم ارتبطت بموسم الحج، وما كان يرافقها من أسواق تقام واحتفالات يتمتع بها الناس قبل أو بعد حجهم، وأسواق العرب ومنها سوق عكاظ والكرنفالات التي ترافقها لم تكن بعيدة عن ذلك، بل تدخل في صميم ميثولوجيات الأديان القديمة، وهو ما نجده واضحا في التاريخ القديم لسوريا والعراق بتجليه الأبرز في احتفالات عيد "الأكيتو" أو رأس السنة في الأول من أبريل/نيسان، الذي لا يزال محافظا على استمراريته لدى الآشوريين في سوريا والعراق إلى يومنا هذا.

 

في مقاطعة ليبمورخ جنوب شرق هولندا والمناطق المتاخمة لها على الشريط الحدودي مع ألمانيا وبلجيكا وهي مناطق تدين بالكاثوليكية، تابعت احتفالات الكرنفال الضخمة، وأكثر ما كان يثير استغرابي هو أن الناس لا يعلمون شيئا عن جذور هذا الاحتفال، ويقتصر همهم على المتعة والمرح فقط، ولكني كنت أرى في كل يوم من أيامه كيف يتم استعادة طقوس كرنفالات الشرق المدهشة وأخص بالذكر منها "عيد الأكيتو" الشهير في سوريا والعراق قبل آلاف السنين.

 

موكب أميرة الحقول و المراعي في الكرنفال (الجزيرة)

من داخل دار بلدية "إيخت" الليمبورخية الهولندية، شاهدت مراسم تنصيب أمير وأميرة الحقول والمراعي وفيه أيضا يتم التنازل "الرمزي" من رئيس البلدية الذي يمثل "سلطة النظام الحاكم" عن صلاحيته لهما لمدة ثلاثة أيام، هذه الصلاحيات "الرمزية" التي تنتهي قبيل بدء الصوم الكبير الكاثوليكي، حيث يسود الهرج والمرج والدق على الطبول لطرد الأرواح الشريرة كما يعتقد.

 

على مدى الأيام الثلاثة التي تسبق بدء الصوم الكبير من يوم الأحد إلى يوم الأربعاء تنطلق مواكب الكرنفال عبر المدن والقرى، وأشهرها في منطقة ليبمورخ هو كرنفال مدينة "ماستريخت" وهو يوازي احتفالات مدينة كولن الألمانية. وفي الليلة التي تسبق انطلاق الكرنفال، يقام حفل "تنصيب ملك الفوضى والمرح" يشارك كبار الشخصيات وأهالي أمراء وأميرات الكرنفال الصغار والكبار في الاحتفال على إيقاع الطبول والآلات النفخية، التي تدور بين الحضور ونجدهم بلباسهم الملون وهم يضعون على رؤوسهم ريشة طائر أبو ذيل الملونة والطويلة " Fazant" التي تباع بأسعار مرتفعة قبل المهرجان، وكلما كانت الريشة أطول تدل على مكانة المشارك في تلك المراسم، بعضهم يضع قبعات تشبه "عُرف الديك" وغيرها من أعراف الطيور الملونة.

 

ومن أبرز طقوس الكرنفال  اختيار أمراء وأميرات المراعي والحقول، الذين يتولون السلطة "الرمزية" طيلة أيام الاحتفال، وتكون لهم سلطات واسعة على الشعب الكرنفالي وتختلف طرق انتخابهم وتنصيبهم، ويتم اختيارهم بمقدار ما يتحلون به من "خفة دم" وما يثيرونه من ضحك ومرح بين الحضور، أو بمقدار ما تتحمله أجوافهم من غالونات البيرة، وفي مناطق أخرى يتم اختيارهم عن طريق القرعة أو التصويت بين الأهالي.

 

أقارب الأمراء وكبار المشاركين يحضرون مراسم تنصيب الأمراء الصغار (الجزيرة)

يعتلي رئيس البلدية منصة الاحتفال بزيه الرسمي ثم تبدأ مراسم تقليد أمراء وأميرات الكرنفال في كل القرى التابعة لسلطته، وهناك أمراء وأميرات بالغون وأطفال على أعتاب البلوغ ويمسكون صولجان السلطة، وبعد الانتهاء من تلك المراسم، تبدأ مراسم خلع رئيس البلدية "لسلطته"، متمثلة بخلع بدلته الرسمية وقلادة السلطة الشهيرة " Ambtsketen"، التي يرتديها رؤوساء البلديات في هولندا في المناسبات الرسمية التي يمثل فيها رئيس البلدية سلطة بلاده، ثم يرتدي أزياء ملونة مضحكة، قلادة تثير الضحك في نفوس الحاضرين، وهو أمر يشبه تماما ما ورد في النقوش القديمة للحضارة السومرية والبابلية والآشورية حيث يتنازل الملك عن سلطاته ويسلم صولجان الحكم وعصا السلطة للكهنة، ليبرز في مشهد الاحتفالات "ملك الفوضى والمرح" الذي يمثل حالة الكون قبل الخلق.

 

وتعتبر شخصية المهرج من أبرز الرموز الاحتفالية في الكرنفال، فهو الذي يعتلي المنصة بعد أن يتنازل رئيس البلدية عن سلطاته، مرتديا زيه الشهير، ثم يلتقط معه الصور ويقوم بحركات تثير الضحك، ويدور بعدها بين الحضور مشاركا إياهم النكت والضحك. تمثل شخصية المهرج "الفوضى" التي تعم الكون بعد "سقوط النظام" وتكون مؤشرا على أن السلطة "الرمزية" أصبحت بيد أمراء وأميرات الكرنفال.

 

تنطلق في اليوم التالي مواكب الكرنفال المهيبة، التي يحتاج تحضيرها لأسابيع عدة، مزينة بمجسمات ضخمة لكل مظاهر الحياة والأعمال اليومية، فمنها مواكب المزارعين ومنها مواكب الأطباء ومواكب رجال الإطفاء، أو مواكب يتنكر بها أصحابها بأشكال مختلفة للحيوانات والطيور إلخ...

 

صورة جماعية لآمراء الكرنفال ورئيس البلدية يتوسطهم مع المهرج بعد التخلي عن سلطاته رمزيا لهم (الجزيرة)

وتبدأ المواكب بالمسير في شوارع القرى مترافقة مع قرع الطبول والموسيقى الصاخبة، يتقدم تلك المواكب موكب "أمير وأميرة الحقول والمراعي" كل منهما بعربة منفصلة عن الآخر، يقومان خلال جولتهما بين عامة الناس بنثر الثمار والفواكه والخبز والحلويات على جوانب الطرقات ويلتقطها الأطفال والكبار بفرح وسعادة.

 

ويستمر تنقل المواكب في القرى والمدن لمدة ثلاثة أيام يستهلك فيها الناس كميات كبيرة من اللحوم والمشروبات الكحولية، ثم يتوقف كل شي يوم الأربعاء "الذي يسمى بالمرفع" ويبدأ الدخول في الصوم الكبير عن المنتجات الحيوانية حيث ترفع فيه اللحوم والمشروبات الكحولية عن الموائد، ويتركها الناس لمدة أربعين يوما أو أكثر مقتصرين في غذائهم على المنتجات النباتية وزيوتها.

 

بعد انتهاء أيام الصوم الكبير تبدأ احتفالات العالم المسيحي بعيد الفصح "وهو عيد قيامة السيد المسيح بعد صلبه من بين الأموات" حسب المعتقدات المسيحية، ويختلف هذا العيد بحسب التقويم الشرقي أو الغربي فيكون في مارس/آذار أو أبريل/نيسان، ومن الممكن أن يأتي لدى الطوائف في العالم الشرقي في شهر مايو/أيار أحيانا، كما هو الحال في هذا العام.

 

بين عيد الميلاد وعيد القيامة (المسيحيين) احتفالات وطقوس لا تزال شعوب كثيرة تمارسها في أرجاء المعمورة منذ آلاف السنين وإلى اليوم، لكن كثيرين لا يعرفون جذورها التي حاولنا في هذا الملف الخاص من مجلة الجزيرة تقديمها بشكل يبرز أن هناك تراثا مشتركا بين البشر، يمكن أن يجمعهم كما يجمعهم "الربيع".

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/15-

"فاتح البدايات الأربع" في أساطير "التنين الأصفر"

"فاتح البدايات الأربع" في أساطير "التنين الأصفر"
رافع أبو رحمة - بكين

 

هنا،في موطن التنين الأصفر، تختلف التضاريس الجغرافية والإرث الإنساني المؤرِّخُ لها، فتختلف القوميات المتعايشة وتتباين بينهم الانتماءات والاعتقادات الدينية، بل وحتى المخارج اللغوية، فيكاد بعضهم لا يفقه للآخرين قولا، فتشكّل تبعًا لذلك عادات وتقاليد مختلفة، وأنظمة حياتية متنوعة.

 

إلا أن سرًّا دفينًّا في نحو أربعة آلاف عام من الحضارة يشي بأن هذه الأمّة وإن اختلفت في كل ما يمكن الاختلاف فيه، تجتمع على قلب رجل واحد كلما حلّ موعد "رأس السنة ذات الخصائص الصينية"، وكلما شرع "فاتح البدايات الأربع" في الإعلان عن بدء الخير والبركة والسعادة في ما يسمىعيد الربيع.

 

تعرف الصين بأنها دولة متعددة القوميات متنوعة اللغات واللهجات والعادات، بيد أن جميع تلك القوميات تعتبر عيد الربيع أكبر عيد لها، وتحتفل فيه بأنشطة متنوعة ذات صبغة قوميّة متميزة تبقى فيها وليمة عشاء "التئام الشمل" التي يُشارك جميع أفراد العائلة في تحضيرها هي الوجه الوضّاء للقمر في تلك الليلة الكبرى.

 

وحول اختلاف طقوس الاحتفالات تبعًا للاختلافات الدينية يقول"تشن دو"، وهو مواطن صيني مسلم من بكين،إنه لا اختلاف في طبيعة الطقوس الاحتفالية وترتيب أهميتها على أساس ديني، سوى ما يرتبط منها بقواعد الشريعة مثل نوعية الطعام والشراب وتحرّي الحلال منه، وكذلك أداء الصلوات في المساجد وإحياء ذكرى الأسلاف الراحلين، وهذا لا يعتبر اختلافًا جوهريًّا طالما أنه يؤدى لذات الغرض بدواعي البهجة والسرور.

 

احتفالات الصينيين بقدوم الربيع تستند إلى الكثير من الأساطير التاريخية (الجزيرة)

البدايات الأربع

السنة القمرية الجديدة هي تعبير اصطلاحي عن اللفظة الصينية "نونغ لي شين نيان" ومعناها الحرفي "التقويم الزراعي للسنة الجديدة"، وهي ما أصبح يُعرف برأس السنة الصينية أوعيد الربيع.حيث يبدأ الاحتفال بها مع بدايات آخر شهر قمري في السنة، وينتهي في اليوم 15 من الشهر القمري الأول من السنة الجديدة.

 

ولعل تلك التسمية ودلالاتها الإرشادية تبيّن دور التقويم القمري الصيني في عملية الإنتاج الزراعي منذ القدم، وتُوضح مبررات استخدامه العملية حتى يومنا هذا. فبعد أن كان موعد "موسم الربيع" فاتحًا للبدايات الأربع (التوقيت، السنة، الشهر، اليوم) باعتباره نقطة انطلاق جديدة مفعمة بالآمال والسعادة، خاصة بالنسبة للإنتاج الزراعي الذي كانت تقوم عليه حياة السكان، صار تعبيرًا رمزيًّا عن رأس السنة القمرية الصينية، محددًا باليوم الأول من الشهر الأول من السنة التي تُحسب أيامها بصورة مرنة متوافقة مع انتهاء فصل الشتاء، وبثبات نسبيّ يتماشى مع أيام السنة الشمسية التي بدأ استخدام تقويمها الميلادي (الشمسي) في الصين عام 1912.

 

تستمر الاحتفالات الشعبية بعيد الربيع لفترة تقارب شهرًا، تبدأبطقوسخفيفة تزداد وتيرتها مع اقتراب اليوم الـ23 من الشهر الأخير من السنة،الذي هو موعد تقديم القرابين لإله "الموقد" في احتفال يطلق عليه الصينيون اسم "عيد الربيع الصغير". فتُزَيّن البيوت وتلصق على النوافذ شعارات عيد الربيع التي تحمل معاني البركة والسعادة مكتوبة بالحبر الأسود أو الذهبي على ورق أحمر، كما تلصق على الأبواب صورة تعبيرية لإله الثروة وكلمة "فو" وتعني السعادة.

 

من طقوس الاحتفال بالسنة الجديدة والصلاة لحصاد وفير في السنة المقبلة (الجزيرة)

طقوس متعددة

تختلف طبيعة الاستعدادات تبعًا لاختلاف التقاليد التي تميّز شمال البلاد عن جنوبها، وشرقها عن غربها، ولكن الوليمة العائلية في حفل "التئام الشمل" ليلة وداع السنة هي الحدث الذي لا غنى عنه حتى إن العادة قد جرت على الاحتفاظ بمكان وأدوات طعام الشخص الغائب تعبيرًا عن وجوده المعنوي بين أفراد العائلة.

 

وعن مدى تأثير هذا الجانب العاطفي على الغائبين تقول الأستاذة الجامعية مينغشيا، وهي مواطنة صينية من مدينة بكين،إنها لا تعارض فكرة الاحتفال بعيد الربيع ورأس السنة خارج بلادها.وتضيف"طالما أن اجتماع العائلة هو واحد من الأمور الهامة للاحتفال، فالأمر سيّان سواء حضر ولدي وزوجته وابنه إلى بكين أم ذهبت برفقة زوجي إلى الولايات المتحدة الأميركية لقضاء العيد معهم هناك، فالاعتبارات الجغرافية لا تُفسد طعم الاحتفال ولا تغير من طقوسه". وذلك باعتبار أن أبناء الجالية الصينية موجودون بأعداد كبيرة ويمكن مشاركتهم الفرحة هناك، وهذا ما قد يواجهه بعض الأشخاص وهم داخل حدود البلاد حيث يستحيل عليهم لقاء عائلاتهم في مدن أخرى لأسباب عملية أو بسبب ضعف القدرة المادية وتكاليف السفر.

 

وما أن تقترب الساعة وتنشق السماء عن القمر، حتى تبلغ الاحتفالات ذروتها وتبلغ السعادة أوجها، ويتبادل أفراد الأسرة والأصدقاء والأقارب التهاني والأمنيات الجميلة، وينشغل البعض في استعراضات الألعاب النارية بألوانها وأشكالها الزاهية المذهلة، بتداخل مع أصوات المفرقعات المنبعثة بدرجات متفاوتة لتُحدث ضجيجًا احتفاليًّا متعمّدًا انسجامًا مع التقاليد المتواترة في دفع الضرر وطرد الأرواح الشريرة.

 

وفي صباح اليوم الأول من السنة الجديدة تُقام مراسيم تقديم القرابين للآلهة ولأرواح الأسلاف الراحلين، وتُوزّع الهدايا وتكون عادة مبالغ نقدية في ظروف حمراء، يقدّمه كلٌّ حسب قدرته ورغبته خلال زيارات الأقارب والأصدقاء. حتى إذا أصبح اليوم الثاني صار بإمكان النساء المتزوجات مغادرة بيوت الأزواج إلى بيت العائلة لمشاركتهم بعض طقوس الاحتفالات كاستقبال "إله الثروة" العائد لتوّه من السماء بحسب المعتقدات السائدة.

 

تنتهي تلك الطقوس التي تستمر طيلة أيام نصف الشهر الأول من السنة القمرية الجديدة بعيد "يوان شياو" أو ما يسمى عيد البدر الأول، وهو عيد هام آخر يتبع عيد الربيع، تشتمل الاحتفالات الرئيسية فيه على مهرجان الفوانيس ومعارض ضخمة للسلع التجارية.

 

التماثيل والمجسمات حاضرة بقوة في الثقافة الصينية خصوصا في الاحتفالات بالسنة الجديدة (الجزيرة)

أساطير متداولة

ترتبط احتفالات عيد الربيع ورأس السنة القمرية عبر التاريخ الصيني بنشاطات تمجيد الإله، وتتداول العامة عدّة أساطيرعن نشأة هذا العيد وأسباب الاحتفال به، ومن أشهرها قصة وحش يأتي من السماء يُدعى "نيان" وتعني في الصينية "سنة" وكيف أنه كان يهاجم الأرض في كل عام مع انتهاء فصل الشتاء، حيث عرف المزارعون طريقة مقاومته بمحض الصدفة وتمكنوا من مواصلة حياتهم بسعادة وأمان بعد أن تبين لهم أن تجمّع واختباء أفراد العائلة داخل منزلهم يحميهم من شرّه، كما عرفوا أنه يخشى اللون الأحمر، ويخشى الأصوات المرتفعة كأصوات المفرقعات.

 

وحول أسطورةالوحش نيان وضرورة ارتداء الملابس الحمراء لمن يتوافق برج ميلادهم مع برج السنة القمرية الجديدة، سألنا السيدة شو لي -وهي صينية تقيم في بكين وتعمل فيها، ومن مواليد برج "القرد" الذي يصادف هذه السنة- فقالت عائلتي خارج بكين، ولكن يتوجب عليّ البقاء مع زوجي وعائلته حسب التقاليد، وبسبب بعد المسافات وازدحام وسائل النقل لم أتمكن من زيارة أهلي، وأذكر أنه لم يمرّ يوم واحد خلال الشهر الأخير من السنة الماضية، إلاّ حاول والداي تنبيهي بكافة السبل المتاحة إلى ضرورة ارتداء الملابس الحمراء، وعدم جواز إهمال ذلك، حتى شعرت بالانزعاج الشديد من إلحاحهم، فأنا أتفهّم حرصهم على سعادتي ورغبتهم في دفع الشرّ عني، وأحبّ تعلّقهم بالعادات والتقاليد الجميلة، ولكن الأمور الآن تغيّرت، ولم يعد هناك من يلتزم بهذا التقليد إلاّ إذا سمحت الظروف بذلك.

 

ومن الأساطير الشيّقة المرتبطة بعيد الربيع وبالسنة القمرية قصة الأبراج الصينية وتقسيم الإمبراطور السماوي للدورة الفلكية القمريةإلى 12 برجًا، وتسميتها بأسماء 12 حيوانًا لبّوا دعوته إلى الاحتفال بموسم الربيع،وهم بحسب ترتيب وصولهم : الفأر، الثور، النمر، الأرنب، التنين، الأفعى، الحصان، الخروف، القرد، الديك، الكلب، الخنزير.

 

وسألنا العجوز الصيني يانغ هوانغ، عن الفرق في مستوى السعادة بالاحتفالات وطقوس عيد الربيع بين الماضي والحاضر، فأجاب"السعادة التي نعرفها هي أن تنعم بأشياء ليست متاحة إلاّ في أوقات محددة كيوم عيد الربيع، فالسعادة كانت بالنسبة لنا حصادا وافرا، ولباسا جديدا، ومأكولات شهيّة، وقد أصبحت كل تلك الأشياء متاحة على مدار الساعة بفعل التطور الاقتصادي وتغيّر أحوال السكان المادية، فذهبت السعادة وبقيت الطقوس والاحتفالات لتذكّرنا بعيد الربيع ورأس السنة".

 

ومع التطور الاقتصادي والتكنولوجي وارتفاع مستوى معيشة الشعب، تغيّرت أساليب الاحتفال بعيد الربيع كليًّا عند بعض الصينيين، لاسيّما في المدن ولدى أصحاب الثروات، أما سكان الأرياف فلا يزالون يحتفلون بكل طقوس العيد بالعادات والتقاليد نفسها، ويحظى لديهم بمكانة خاصة باعتباره مناسبة هامة لتعزيز وترسيخ الروابط الأسريةوتعميق أواصر الودّ والمحبة بين أبناء الشعب.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/15-

الكوابيس إلى مثواها الأخير بكرنفال غرناطة بنيكاراغوا

الكوابيس إلى مثواها الأخير بكرنفال غرناطة بنيكاراغوا

 غدير أبو سنينة -  نيكاراغوا

 
في فبراير/شباط من كل عام، يشيّع أهالي مدينة غرناطة في نيكاراغوا فكرة سلبية إلى مثواها الأخير ويدفنوها في بحيرة كوسيبولكا، بعد أن يجوبوا بها شوارع المدينة وأركانها، وهم يستمعون لشعر قادم من أطراف الكرة الأرضية، خلال مهرجان الشعر العالمي في مدينة غرناطة.

 

ومدينة غرناطة هي إحدى المدن السياحية المعروفة ببنائها المصمم على الطراز الكولونيالي، لكنها تميّزت دوما بوجهها الثقافي، ولهذا فقد اختيرت عام 2005 لتحتضن المهرجان الشعري العالمي الذي يحتفي بالفنون بأشكالها، ليكون المهرجان أكبر احتفالية شعرية في نيكاراغوا وأميركا الوسطى.

 

كان المستعمر الإسباني فرانسيسكو إرناندس قد بنى المدينة عام 1524، ومنذ ذلك الحين تبوأت مكانة هامة بسبب موقعها المشرف على بحيرة نيكاراغوا أو كوسيبولكا، كما لعبت دورا أساسيا في التكوين الاقتصادي والثقافي والفكري، ولهذا فقد وقع الاختيار عليها أو على مدينة ليون لتكون عاصمة نيكاراغوا في السنوات الأولى للاستعمار الإسباني.

 

وصول الكوابيس والأفكار السيئة الموجودة في التابوت لمثواها الأخير عند شاطئ بحيرة نيكاراغوا والاستعداد لإلقائها (الجزيرة.)

مع هذا فقد شكل موقعها نقمة أحيانا وخصوصا أنه كان مطمعا للقراصنة الإنجليز الذين كانوا يصلون إليها عن طريق نهر سان هوان دل سور. وإثر الحرب الأهلية، عم الجفاف المدينة وأحرقت ودمرت على يد المستعمر الأميركي وليام والكر وقراصنته.

 

ومن تلك الخلفيات التاريخية والأسطورية والثقافية ولد الكرنفال الشعري في نيكاراغوا، الذي يتميز عن غيره من الكرنفالات بأن الرقص والموسيقى الصاخبة يصاحبان الشعر أثناء سير الشعراء المدعوين إلى المهرجان وقراءتهم لقصائدهم ابتداء من ظهر يوم الكرنفال وحتى مغيب الشمس  في موكب احتفالي ملون.

 

اعتاد أهالي غرناطة حمل تابوت يحوي دمية تمثل الكوابيس والأرواح الشريرة كل عام، لإلقائها في بحيرة نيكاراغوا، لكن الكرنفال إضافة إلى الكوابيس يدفن خُلقا أو عادة سيئة كالجهل والحقد والأنانية وغيرها.

 

وعلى طول الموكب تنتشر رقصات مختلفة بعضها يؤديه طلبة المدارس وبعضها يؤديه أعضاء فرق خاصة، إذ يأتون بلباسهم الفولكلوري من جميع مدن نيكارغوا، ويؤدون رقصة بلداتهم، ولكل مدينة رقصة وموسيقى ولباس يميزها عن باقي المدن.

 

جانب من الاستعراضات الراقصة في الكرنفال (الجزيرة)

فن الأقنعة

ومن المألوف في الكرنفال رؤية أقنعة التنكر، حيث يتنكر أعضاء الفرق الفنية على شكل أشهر شعراء نيكاراغوا مثل إرنستو كاردينال وجيوكوندا بيللي، بل يركبون في عربة حصان متواضعة تقليدا لكاردينال وبيللي، اللذين يخصص لهما المهرجان عربة خاصة. وبعضهم يضع أقنعة لقراصنة تحاكي تاريخ المدينة، وآخرون يضعون أقنعة لوجوه بملامح أوروبية، وهذا يعود لتقليد قديم، إذ كان الإسبان يمنعون الشعوب من تأدية رقصاتها، لذا فقد كانوا يرتدون الأقنعة ذات الملامح الأوروبيّة والألبسة كذلك، هربًا من العقاب ولممارسة حقِّهم في الرقص.

 

كما تشارك فرق شعبية صغيرة في الكرنفال وأعضاؤها على الأغلب من أفراد العائلة الواحدة، وهم أطفال أو مراهقون، أحدهم يقرع طبلًا وآخر يتنكر بوجهٍ كبيرٍ دائري لكنه قصير، ويُدعى القزم ذا الرأس الكبير، والبطلة في الرقصة هي عروس ضخمة تسمى "هيغنتونا"، أي "الضخمة"، حيث يحرِّك أكتافها ويُرقِّصها الشخص الذي يكون بداخلها.

 

وترمز العروس الضخمة للمرأة الإسبانية البيضاء الطويلة، لكنَّها تبدو بلهاء ولا ترقص إلّا إذا ضرب الطبلَ أفرادُ الفرقة الآخرون الذين هم في الغالب "مستيسو" أي خليط من السكان الأصليين والأوروبيين. والرقصة ترمز للتفاوت الطبقي والاجتماعي، وبها ينتقم -لو صحَّ التعبير- ذلك "الهندي" من العجرفة الإسبانية، إذ القزم يرمز للهنديِّ ذي القامة الصغيرة ومع هذا فهو يسخر من المرأة الإسبانيَّة الطويلة ويجعلها ترقص حينما يطيب له أن يقرع الطبل، أمّا رأسه الكبير فهو رمز لعقله الكبير.

 

جانب من الاستعراضات الراقصة في الكرنفال (الجزيرة)

إضافة إلى رقصة الـ "ماتشو راتون"، والترجمة الحرفيَّة لها هي "فأر ذكري"، كما يطلق على هذه الرقصة أيضا رقصة الغويوينسي. والغويوينسي هو فنٌّ قائمٌ على الأقنعة التي تنتشر في الكرنفال بكثرة.

 

وتعني كلمة غويغوينسي في لغة الناهواتل العجوز، وأصلها يعود لمدينة ديريامبا في نيكاراغوا. إذ رفض أهل هذه المدينة السيطرة الإسبانية التي بدأت عام 1522 بقيادة فرنانديث دافيلا، وكان الهنود بقيادة الـ"كاسيكي" أو الزعيم ديريانهين. فحين جاء الإسبان استقبلهم الأهالي بترحاب منتظرين معرفة طلباتهم، ولمَّا أخبرهم الإسبان بوجوب الخضوع لهم، طلب الهنود منهم أن يمهلوهم بعض الوقت، وحين عاد الإسبان هاجمهم الهنود ليعتبر تمرَّدهم هو الأوَّل من نوعه في المنطقة. إلَّا أنَّ ذلك التمرَّد لم يدم طويلًا، إذ لم يستطع الهنود مجابهة الأسلحة المتطوِّرة للإسبان.

 

الأجيال اللاحقة وبعد قرنٍ من الزمان، ألَّفت عملًا مسرحيًّا ليكون شكلًا من أشكال المقاومة السلميَّة. كُتب هذا العمل في القرن السادس عشر باللغتين الإسبانيّة والناهواتل. وبه تُدمج عناصر من الفن الإسباني والموسيقى الشعبيَّة النيكاراغويَّة، وفي هذا العمل المسرحي، يرتدي الممثلون الأقنعة ويتبادلون حوارًا فكاهيًّا.

 

وثمة فرق يرتدي أفرادها أقنعة أشباح وأرواح شريرة شبيهة بتلك المستخدمة في عيد الهولووين الأميركي، ثم تجتمع الفرق في نهاية المطاف وعند وصولهم للبحيرة يلقون بها الدمية التي تمثل الفكرة السلبية في دعوة واضحة إلى التخلص منها، وخلال الأعوام السابقة دفن "العنف ضد المرأة" و"الجهل والتخلف" وغيرهما.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/15-

الكابس كلوبس.. كرنفال المقاومة بالفرح

الكابس كلوبس.. كرنفال المقاومة بالفرح
 

ياسين الكزباري- كيب تاون

في الحي السادس في مدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا أكثر من عشرة آلاف مغن وعازف وراقص، لونوا وجوههم بالأبيض والأسود، وارتدوا أزياء غنية بالألوان، وأكثر من خمسين ألف متفرج، تقاطروا من جميع أنحاء البلاد وخارجها، وتجمعوا قبل يوم، منتظرين ساعة الصفر لإحياء ذكرى "السنة الجديدة الثانية".

 

الثاني من يناير/كانون الثاني، عند الساعة السابعة مساء، انطلق الاحتفال البهيج بقرع صاخب على طبول الغويما وأهازيج الجوقات المالايوية، معلنة افتتاح دورة جديدة ستسير على خطى مسيرة قطعها قبل نحو قرنين من الزمن عبيد مالايو، محتفلين بنيلهم حريتهم، ومخلدين ذكراهم عبر احتفال هو الأعرق في العالم، والأكبر في أفريقيا، إنه احتفال "كابس كلوبس"، أي نوادي كيب تاون.

 

سألت وحيد زاينل -ابن كيب تاون وعضو جمعية احتفال "كابس كلوبس"- عن سبب اختيار اليوم الثاني من يناير للاحتفال، فأخبرني قائلا "لقد كانت العطلة الوحيدة التي يرتاح فيها العبيد طوال السنة هي يوم واحد، هو الثاني من يناير/كانون الثاني، وكان يرتدي العبيد فيه بدْلات نظيفة ويخرجون للتنزه وزيارة أصدقائهم العبيد، وكانوا أيضا يغنون ويرقصون، إذ كان منهم من كانت مهمته لدى الأسياد الأوروبيين هي العزف والغناء للترفيه عليهم، فكان هؤلاء العازفون يقيمون حفلات في مختلف مناطق كيب تاون.

إحدى الجوقات الكبيرة ويصل عدد أعضاء بعضها إلى ألف عضو (الجزيرة)


وعندما حصل العبيد على حريتهم سنة 1834 خرجوا جميعا يرقصون ويغنون عبر شوارع كيب تاون، ثم صار تقليدا أن يحتفلوا بحريتهم كل سنة في نفس ذلك اليوم".

 

من الحي السادس، أو حي الملونين، انطلقت المسيرة الهادرة بعرباتها الساحرة، يرافقها عشرات آلاف المحتفلين، يغنون ويرقصون على أنغام الأغاني التي تحكي قصص الأجداد الذين جلبتهم -خلال القرون 17 و18 و19- شركة الهند الشرقية الهولندية من إندونيسيا وماليزيا، وكانوا أول من أدخل الإسلام إلى جنوب أفريقيا، وبنوا أول مساجد فيها قبل نحو قرنين، كمسجد كلارمونت الذي مرت من أمامه مسيرة الكرنفال، كأنها تلقي عليه التحية قبل أن تصل إلى محطتها الأخيرة في حي بوكاب (أي فوق كيب تاون).

 

لم يكن العبيد المالايو من الفئات الدنيا من المجتمع المالايو، إنما كان من بينهم علماء دين ومجاهدون ومثقفون وفنانون أيضا، ولعبوا دورا جوهريا في نقل الثقافة المالايو إلى جنوب أفريقيا، وعن ذلك يحكي وحيد زاينل "من بين الأمور التي يستغربها السياح في الكرنفال الأغاني والألحان الآسيوية والعربية (حيث وصلت الموسيقى العربية إلى إندونيسيا مع التجار اليمنيين)، إذ يفترضون أنه لا علاقة لكل ذلك باحتفال في جنوب أفريقيا".

 

ويواصل حديثه "غير أن أجدادنا الذين جُلبوا عنوة من وطنهم جلبوا معهم أيضا ثقافتهم وفنونهم وورثوها لأبنائهم جيلا بعد جيل، واليوم يمكنك أن ترى طبول الغويما، وتسمع إيقاعات شرقية، كما يمكنك أن تتناول أطباق البريدي والبوبوتي والساساتي، وكلها أطباق مالايوية دخلت المطبخ الجنوب أفريقي، كما دخلت الكلمات المالايوية قاموس اللغة الأفريكانية".

 

خلال عقود نظام الأبارتايد منعت المعاهد الموسيقية على غير البيض فكانت نوادي الكرنفال الفضاء البديل لتعلم الموسيقى (الجزيرة)

ورغم أن بداية الاحتفال كانت مع المالايو فإنه تطور مع مرور الزمن متأثرا بروافد ثقافية أفريقية وأوروبية وأميركية، وهذا ما يجعلك تسمع أغاني من قبيل "فليحفظ الله الملكة" (أي ملكة بريطانيا)، أو غيرها من أغان أوروبية كان يؤديها العبيد لملاكهم الأوروبيين.

 

وفي هذا السياق، يحدثنا وحيد أنه "في سنة 1862 زارت فرقة كريستي الاستعراضية الأميركية-القوقازية كيب تاون، ومكثوا فيها ثلاثة عقود، ونظموا عروضا غنوا فيها حول العبيد الأفارقة في أميركا، وكانوا يطلون وجوههم بالأسود تشبها بهم، وانضمت لهم أيضا فرقة أورفوز ماكدو الأميركية، ونظمتا مع فرق محلية استعراضات سنوية كثيرة، ثم ظهرت فكرة تنظيم العروض على شكل مسيرة عسكرية سنة 1884، وسنة 1887 نُظم أكبر استعراض على الشكل الذي نراه اليوم. وكما يلتقي المحيط الهندي مع المحيط الأطلسي عند مدينة كيب تاون، التقت أيضا ثقافات الشرق والغرب".

 

بعدما قطعت بضعة كيلومترات عبر شوارع كيب تاون، بأجوائها الممتعة، وصلت المسيرة الهادرة بأغاني الشرق والغرب والعروض الكوميدية الراقصة والألوان اللامعة والأضواء الساطعة، إلى حي بوكاب أو حي المالايو، وقبل أن تصل إلى وجهتها النهائية (ملعب بوينت غرين) مرت بجانب متحف بوكاب، الذي يعود تاريخه إلى منتصف القرن الـ18، الذي يظهر إسهام المالايو في إثراء ثقافة البلاد، كما مرت بجانب مسجد نور الإسلام، وهو أول مسجد بُني في جنوب أفريقيا سنة 1844، وبعدما انسحب الذين تعبوا من ملاحقة الاحتفال ساعات طويلة، وحدهم أولائك الذين يعرفون ما واجهه الاحتفال ليستمر حيًّا إلى اليوم واصلوا معه المسيرة.

 

وعن قصص "كابس كلوبس" مع سلطات الاستعمار، يحكي لنا وحيد أنه "سرعان ما انتبهت السلطات الاستعمارية إلى أن الاحتفال قد يتحول إلى وسيلة توعية وتحريض ضد الاستعمار، فقامت بمنعه سنة 1910، ولم يعد إلا بعد عشر سنوات، حين افتتحه مرة أخرى زعيم منظمة الشعب الأفريقي الدكتور عبد الله عبد الرحمن سنة 1920، أما في سنة 1966، وتحت طائلة قانون مناطق المجموعات العنصري، فقد تم تصنيف الحي السادس منطقة خاصة بالبيض، وتم إخراج ستين ألفا من سكانه الملونين إلى الضواحي، ولم يتم تنظيم المسيرة في مسارها المعروف، لكن تمت الاحتفالات في مناطق مختلفة، ثم توّجت بالالتقاء في ملعب غرين بوينت".

 

طفل يتدرب على العزف استعدادا للمشاركة في الكرنفال في ظل منع غير البيض من ارتياد معاهد الموسيقى (الجزيرة)

ويضيف وحيد "وفي السنة التالية 1967، منعت السلطات المحتفلين من دخول الملعب، ورغم ذلك استمرت الاحتفالات في الأماكن المتاحة، لكن سنة 1968 منعت السلطات أي احتفالات في الشوارع، واستعمل قانون حظر التجمعات غير المرخصة ضد المحتفلين، وبعد ثلاث سنوات من إصرار المواطنين على الفرح، خصصت السلطات ملعب "آثلون" لغير البيض سنة 1971، ثم منعت جميع المسيرات في جميع الأحياء، ليقتصر الاحتفال على الملعب فقط، ثم قبيل انهيار نظام الفصل العنصري بسنتين، عاد الكرنفال إلى خطه الأصلي سنة 1989، من الحي السادس إلى حي بوكاب، ومتوجا بدخوله ملعب غرين بوينت".

 

لكن تحديات الاحتفال لم تنته بانتهاء نظام الفصل العنصري، وعن ذلك يقول وحيد "في العقد الأخير، بدأت تظهر شركات تقترح دعم الاحتفال بتبني المجموعات الاستعراضية المميزة، وأدى ذلك إلى تطوير الكرنفال ماديا، فصار بإمكان بعض الفرق صناعة مجسمات ضخمة مبهرة، واستقطاب أعضاء كثر، وتوفير آلات موسيقية كافية وتجهيزات ضخمة، لكن ذلك الدعم غالبا ليس مجانيا، وإنما يتحول تدريجيا ليصير مشروطا، كأن يطلب من المجموعة أن تدعم قضية ما أو تركز على مواضيع معينة في أغانيها، أو أن تظهر بزي معين".

 

ويضيف "وأدى ذلك إلى توظيف الاحتفال من خلال مجموعات كبيرة، تحولت إلى شركات ربحية، وتصدرت المشهد، وطرحت نفسها ممثلا للاحتفال؛ مما ميّع هويته ورسالته الأصلية، لكن معظم المجموعات اليوم ترفض دعم الشركات، وتصرّ على تنظيم الاحتفال بإمكاناتها الذاتية للحفاظ على أصالته، فلا يتحول إلى نسخة مقلدة رديئة عن احتفالات أخرى".

 

وحين سألت وحيد عما إذا كان بوسع الاحتفال أن يقاوم تلبيسات العولمة التي تستهدف الاحتفال من الداخل، كما قاوم الاستعمار ونظام الفصل العنصري الذي استهدفه من الخارج، أجابني "في سنة 2006 أعلنت بعض المجموعات الاستعراضية الكبيرة إلغاء الاحتفال لعدم توفر الدعم المادي، لكن مجموعات أخرى كثيرة أصرّت على إحيائه، وافتتح الاحتفال من طرف حاكم كيب تاون إبراهيم رسول، في دلالة على أنه لا يمكن لأحد اختطاف الاحتفال أو احتكار تمثيله، كما قاوم أجدادنا وآباؤنا لأجل حريتهم وفرحتهم، سنستمر على خطاهم للحفاظ على ذاكرة الاحتفال".

 

لقد كان "الكابس كلوبس" احتفال مقاومة بامتياز، احتفال يناهض الظلم والتمييز، ويؤكد للعالم أنه لا قوة قادرة على سلب الناس حريتهم ولا فرحتهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/15-

كرنفالات وأساطير الربيع (ألبوم صور)

كرنفالات وأساطير الربيع (ألبوم صور)
السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك