قبلَ نحوِ عامين كانت مدينةُ بور في ولاية جونقلي جنوبِ السودان تأنُّ تحتَ وطأة نيران القذائف المُتبادلة بينَ القوات الحكومية والمُتمردين، ما أدى إلى مقتلِ المئات وتشرُدِ عشرات الآلاف من سُكانها، لكن الصورة اليوم تبدلت فالسُكان بدؤوا بالعودة إلى ديارهم، وعادت معهم بعضُ الأعرافِ والتقاليد التي اختفت ومنها المُصارعةُ الحُرة، هيثم أويت يُعرِّفنا على صورةٍ مُختلفة لمدينةِ بور بعدَ انتهاءِ الحرب.

هيثم أويت: عبر هذه الممرات النهرية التي تحفر جوانبها بأشكالِ متنوعة من جماليات الطبيعة، يتخذُ سُكانُ جونقلي القواربَ وسيلةً واحدةً للتنقلِ من مدينةِ بور، حاضرةِ ولاية ، إلى مُقاطعةِ أوريال في ولايةِ البحيرات، رحلةٌ تستغرقُ أكثرَ من ساعة تقطعَ خلالها القواربُ الصغيرةُ عدداً من الأنهُر المُتفرعةِ عن النيل وبُحيراتٍ صغيرةً مُنتشرةً هُنا وهُناك، مُشكلةً واحةً طبيعيةً لأنواعٍ مُختلفةٍ من الطيورِ والحيوانات، التي تعيشُ في الأنهُر.

مراكبُ الصيادين تضجُّ بها هذهِ البحيرات والمُسطحاتُ المائية، فصيدُ الأسماكِ يُمثلُ هنا الحرفة الثانيةَ بعدَ الزراعة، ويُمارسها كثيرون بطرقٍ تقليدية يواجهونَ فيها تقلباتِ الأجواء وأخطار حيواناتٍ نهريةٍ مُفترسة.

جول أجاك/ صياد سمك: نُزاولُ مهنةَ الصيد مُنذُ القِدم ونُنفقُ عائداتِ ما ننتجيهِ في تعليمِ أطفالنا، عندما نزحنا إبّان فترةِ الحرب حملنا معنا شباكَ الصيد، ومارسنا هذهِ المهنة في مناطق النزوح.

هيثم أويت: يُشكل هذا المرسى البوابةَ النهريةَ لمدينةِ بور فمنه ينطلقُ المُسافرونَ إلى ولاية البحيرات، كما يستقبلُ القادمونَ إليها أو العابرونَ إلى ولاياتٍ أُخرى، وهي البوابةُ ذاتها التي فرَّ عبرها عشراتُ الآلافِ من المواطنين عندَ اندلاعِ الحربِ في مدينة بور في ديسمبر عام 2013.

أخبرني عُمدةُ المدينة أنَّ كثيرين لقوا حتفهم في هذا النهر، وهم يُحاولونَ الهربَ إلى الضفة الأُخرى، نتيجةَ تصادمِ بعض القوارب التي تكدسَ فيها الناس.

نيال مجاك نيال/ عُمدة مدينة بور: حوالي 300 شخصٍ ماتوا غرقاً خاصةً من النساءِ والأطفال، الذينَ سقطوا في النهر نتيجةَ تدافُعِ القوارب وغرقها بسببِ حمولتها الزائدة. مُعظمُ الناس استخدموا القوارب َخلالَ الأحداث وبعضهم لم تكُن لديهِ بدائلُ سوى عبور النهر سباحة، لكنهم لم يكونوا يُجيدون السباحة، وهذا ما أدى إلى فُقدانِ أعدادٍ كبيرةٍ منهم.

هيثم أويت: هكذا كانتِ الأوضاعُ في المدينة عندَ نشوبِ المعارك، مئاتُ المتاجر والمنازلِ أُحرقَت ودُمرَت، وخلَتِ المدينةُ من ساكنيها، وطالَ الخرابُ العديدَ من المؤسساتِ الحكومية والخاصة، فقد استولت قواتُ المعارضةِ والقواتِ الحكوميةُ على المدينةِ عِدةِ مرات، قبلَ أن تُحكمَ الأخيرةُ سيطرتها نهائياً على المدينة.

مشاعرُ تمتزجُ فيها فرحةُ العودةِ إلى الديار لمُزاولةِ أنشطةِ الحياةِ اليومية لهؤلاءِ النسوة، فهُن قد تعودنَ على كسبِ لُقمةِ عيشهن من خلالِ العمل في الأسواق والحقول الزراعية والغابات، يُشاطرنَ الرجال في مهنٍ تبدو صعبة، لكنهن يتفوقنَ على الرجالِ أحياناً في تحمل مسؤولياتِ بيوتهن.

إحدى العائدات من مخيمات النزوح: عندما عُدنا إلى المدينة وجدناها مُكدسةً بالجُثث، بدأنا الحياة من جديد ونحنُ سُعداءُ بالعودةِ إلى مُمارسةِ نشاطنا التجاريّ، وبكُلِ تأكيد حياتنا هُنا لا تُقارَنُ بالحياةِ في مُخيمات النزوحِ أو اللجوء، وأدعو كُل النازحين إلى العودةِ لأرضهم لأنهُ لا يُمكنهم التخلي عنها.

هيثم أويت: سوقُ المدينةِ استعادَ نشاطهُ وحيويتهُ المعهودةَ من جديد وعادَ إليهِ، كذلكَ التجار الذينَ هجروهُ فرُممَت المباني والمتاجرُ المُتصدعةُ بفعلِ القتال، ويُعتبرُ سوقُ مدينةِ بور مركزاً تجارياً مُهماً، ويُشكلُ حلقةِ وصلٍ بينَ ما هو قادمٌ من شمالِ البلادِ وجنوبها، وكذلكَ بينَ المُقاطعاتِ المُجاورة من ولاياتٍ أُخرى.

عودةُ السُكانِ إلى منازلهم عادت معها مظاهرُ الحياةِ التي افتقدوها، فاخضرَ الزرعُ وابتهجت النفوس واستعادت المدينةُ أنماطَ حياتها المعهودةَ، التي تمزجُ بينَ عبقِ الريف وزخمِ المُدن.

قبلَ عامٍ ونصف من الآن كانَ هذا الجُزءُ من المدينةِ عبارة عن حُطام وبقايا حريقٍ، جرّاء الحرب التي دارت هنا بين القوات الحكومية والمتمردين، مُخلفةً وراءها مئاتٍ من القتلى وعشراتِ الآلافِ من النازحين، لكن الصورةَ الآن تبدو مُختلفةً عن الماضي والحياةُ بدأت تعودُ إلى طبيعتها، بما فيها بعضُ أوجهِ التقاليد المحلية.

أٌغنياتٌ حماسيةٌ وشعاراتٌ تُمجدُ هذا المُصارع الذي يطوفُ المدينةَ وسطَ أنصاره مُعلناً عن نفسهِ ومُلهباً أشواق الجماهير، المُصارعة التقليدية هي الرياضةُ الشعبيةُ الأولى هُنا دونَ منازع، يتوافدُ لحضورها الآلافُ من شتى بقاعِ المُقاطعاتِ والعاصمةِ جوبا، فهي تقليدٌ سائدٌ عند قبيلة الدينكا في ولايةِ جونقلى وولايةِ البحيرات، إلى جانبِ قبيلة المنداري بالولاية الاستوائية الوسطى.

مجاك دينق/ باحث في مجال التراث: كانَت هذه اللعبة تُمارس عند الدينكا بصفة عامة والدينكا بور بصفة خاصة، وتُعتبَر ركيزة من الركائز الاجتماعية المُهمة جداً، الواحد يتبختر يعني يرفعوه يشوف نفسهُ أنهُ هو زول (رجل) عندهُ مكانة في المُجتمع.

هيثم أويت: للمُصارعةِ طقوسٌ شعبيةٌ تُقامُ قبلَ المباراة وبعدها فقبلَ دخولِ المُصارع إلى الساحة تتغنى النُسوةُ من عشيرتهِ بأُغنياتٍ تُمجدُ تاريخ العشيرة وتفتخرُ بثروتها من المواشي، ثُم يبدأنَ في تشجيعِ المُصارع والثناءِ على قوتهِ والتذكير ببطولاتهِ السابقة والخصومِ الذينَ تغلبَ عليهم، وهو ما يرفعُ من معنوياتِ المُصارع ويدفعهُ لمُنازلةِ خصمهِ.

أجاك نقوك أجاك/ مُصارع: تُمثلُ المُصارعةُ جسراً للتواصلِ الاجتماعيّ ورابطاً بينَ العشائر وتُساهمُ في التعايشِ السلميّ، المصارعةُ تُمثلُ أحدَ ملامحِ عودةِ السلام والاستقرار.

هيثم أويت: ومعَ أنها تقليدٌ شعبيٌّ، إلّا أنَّ المُصارعةَ أضحت جُزءاً من عملِ السُلطات الرسمية التي تعقدُ الاجتماعاتِ مع الحُكّامِ والمُتنافسين حتى تمُرَ المُنافسةُ على أحسنِ وجه.

أنيانيق أجيط/ رئيس اتحاد الشباب- بور: أنواعُ الصراع تختلف حسبَ المُستويات، هُناكَ مُصارعونَ كِبار وهناكَ مُصارعون ، والمُصارعةُ هي الشيء الوحيد الذي يُحبهُ الشعب بصورة كبيرة، حتى عندما تُحاولُ الحكومة أحياناً التدخُلَ في شؤون المُصارعة أو إيقافها فإنها لا تنجح.

هيثم أويت: أُسدِلَ الستار على هذا اليوم الذي تبارى فيهِ عددٌ من المُصارعين لكن الجدلَ بشأنِ هذهِ المُنازلات سيبقى حديثَ الناس في البيوتِ ودواوينِ العملِ والحقول، وستبقى المدينةُ حافلةً بجموعِ الحاضرين، وبذلكَ تكونُ قد عاشت يوماً من أيامها المشهودة، قبلَ أن تعودً إلى نمطِ حياتها المُعتاد.

هيثم أويت لبرنامج مراسلو الجزيرة، مدينة بور جنوب السودان.

المصدر : الجزيرة