تتعرض عشرات التجمعات البدوية في الضفة الغربية وصحراء النقب لخطر التهجير والترحيل القسري، كجزء من مخطط إسرائيلي شامل لإعادة توطين البدو، وتقوم سلطات الاحتلال بالاستيلاء على أراضيهم وتحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة، أو لإقامة مستوطنات وبلدات يهودية مكانها.

سمير أبو شمالة يروي في هذا التقرير فصولاً من معاناة بدو فلسطين.

أحد البدو: يا عمي هنا تاريخي، هنا أرضي، هنا مسقط رأسي، هنا كل شيء يعني لي، هنا القضية، كلها قضية الشعب الفلسطيني، وأنا أقاسي وأقاسي الأمرّين، ولكن سأصمد وأصمد وأصمد، أرضنا ملكنا، ملك أبينا وجدنا، لا يمكن أن ننساها، وأكيد لن ننساها، وأحفادنا وأولادنا لن ينسوا.

سمير أبو شمالة: حق يأبى النسيان لما لا يقل عن 250 ألف بدوي يعيشون في نحو ستين تجمعا بدويا بالضفة الغربية وشرقي القدس، و45 قرية عربية غير معترف بها في صحراء النقب والخط الأخضر.

خليل أبو ربيعة، مختص في القانون الدولي: لا ننتظر أن تعترف بنا إسرائيل، نحن معترف بنا، ولكن نريد فقط ألا يطاردونا على أرضنا، وألا يسلبوا أرضنا ويحولونا لاجئين في أرضنا.

سمير أبو شمالة: منذ نكبة عام 1948 من القرن الماضي بدأت حكاية معاناة التهجير القسري لسكان البادية وصحراء النقب، وامتدت حتى عام 1956، حينها استولت العصابات الصهيونية على صحراء النقب، التي تشكل 44% من مساحة فلسطين التاريخية، ولم تبق لسكانها الأصليين من البدو سوى الحياة الصعبة في تجمعات تفتقر أبسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة من رعاية طبية وتعليمية وبنى تحتية مناسبة.

سعيد العقبي، المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب: نحن كقرية نفتقر أبسط مقومات الحياة من ناحية البنية التحتية والكهرباء والماء، وحتى روضات الأطفال، ولا توجد لدينا في القرية عيادات طبية.

لباد أبو عفاش، رئيس اللجنة المحلية لقرية وادي النعم: أكبر شركة كهرباء في إسرائيل وُجدت عند سكان قرية وادي النعم مهجري الداخل من 1953، وأسلاك الكهرباء تمر على الناس وتشكل خطرا على حياتهم، ومع هذا لا يأخذون كهرباء ولا ماء.

سمير أبو شمالة: ومع كل ذلك تتصاعد وتيرة الضغط الإسرائيلي على بدو النقب من خلال تنفيذ العديد من عمليات الهدم والتجريف، بحجة عدم وجود تراخيص بناء، وهناك مئات القرى الأخرى تنتظر المصير ذاته، في أماكن أخرى كقريتي عتير وأم الحيران، رغم كل أشكال الاحتجاجات داخل الوسط العربي في إسرائيل.

من صحراء النقب في داخل الخط الأخضر إلى مناطق الضفة الغربية، تبقى أحوال التجمعات البدوية واحدة، تحمل في طياتها فصولا من الملاحقة والإهمال والتضييق والتهجير على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي تدمر مقومات حياتهم بذريعة التدريبات العسكرية أو التوسع الاستيطاني.

سليمان الهذالين، راع بدوي: أبي هذالين معروف في جبال الخليل كلها، وكان عندي عام 1980 ألف رأس، الآن لم يبق عندي إلا القليل، نحن أبناء هذالين 150 شخصا نملك جميعا ثلاثمئة رأس فقط.

سمير أبو شمالة: وفي الضفة الغربية لم تختلف المعاناة عند البدو، فما زالت تأخذ حيزا واسعا من حياتهم، فالبدو -وتحديدا في المناطق المصنفة (ج) التي تشكل نسبة 60% من أراضي الضفة الغربية- فقدوا ما يقرب من 20% من عائدات تربيتهم الماشية، خاصة في مراعي الخليل والأغوار، من أصل 40% من عائدات هذا القطاع الزراعي، بسبب انحسار مساحات الرعي نتيجة الاستيطان الإسرائيلي والجدار الفاصل والتدريبات العسكرية.

وتتسبب التدريبات العسكرية كل عام في نزوح المئات من البدو عن مناطق تجمعاتهم ومراعيهم في الأغوار ليلجئوا إلى مناطق أكثر أمنا تجنبا لمخاطر تلك التدريبات، وتستمر حال البدو من سيئ إلى أسوأ، ويمنعون من البناء في قراهم، في وقت يتمتع فيه سكان المستوطنات الإسرائيلية المجاورة ببناء ما يحلو لهم.

كساب شعور، مسؤول عرب الرماضين: الأمر الغريب أن مستوطنة بجانبنا أقيمت عام 1982 مسموح لهم بالبناء، ومسموح لهم بالتعمير في الأراضي المحتلة، ونحن أصحاب ومالكي الأرض غير مسموح لنا، نحرم من حقنا الطبيعي كبشر.

سمير أبو شمالة: لكن هذا الحصار لم يوقف تطلعات سكان عرب الرماضين عن بناء مدرسة ابتدائية من الطين والقش بمساهمة أفراد هذه القرية، ورغم ذلك فإن نجاح المسيرة التعليمية في هذه القرية يبقى رهنا لمزاجية جنود الاحتلال للسماح لهيئة المدرسة باجتياز بوابة عسكرية محكمة الإغلاق وبتصاريح خاصة وتفتيش، وما يرافق ذلك من إهانة وإذلال كل يوم.

أمل مرداوي، مديرة مدرسة عرب الرماضين الأساسية المختلطة: عانت إحدى المعلمات من مشكلة على الحاجز الإسرائيلي، فقد كانت حاملا وظن الجنود أنها تخفي شيئا، فأحضروا خبير متفجرات لفحصها، واضطرت أن تفتح جلبابها، وهو ما أذاها نفسيا، ثم أعيدت، ولم يسمح لها بالمرور.

سمير أبو شمالة: وأمام هذا الواقع الأليم تبقى قضية العودة إلى الأرض الأصلية هي ما يشغل بال جميع البدو، وفي مقدمتهم من عاش فيها من كبار السن.

فلسطينية: نغرس في أبنائنا الصغار ألا ينسوا هذه الأرض حتى لو مت أنا وأبوهم، وأن يتمسكوا بأرضهم، وأن يعيشوا عليها ويموتوا عليها، حتى لا يحقق المحتلون أهدافهم.

سمير أبو شمالة: ورغم كل المعاناة يبقى بدو فلسطين متمسكين أيضا بعاداتهم وتقاليدهم، وفي ظل معاناتهم اليومية يظل للفرح مكان مهم في حياتهم.

سمير أبو شمالة، لبرنامج مراسلو الجزيرة، الأراضي الفلسطينية.

المصدر : الجزيرة