آخر تحديث: 2016/4/3 الساعة 11:48 (مكة المكرمة) الموافق 1437/6/26 هـ
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2016/4/3 الساعة 11:48 (مكة المكرمة) الموافق 1437/6/26 هـ
-1/16-

الصحراء الملثمة

محمد المختار الخليل
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

تكتنز أرض مالي قصصا وحكايات مثقلة بالأسى والفواجع جرت فصولها على مدى نصف قرن، كانت مادتها الأساس قبائل الطوارق والعرب، وما تزال فصول هذه الحكايات تتوالى في مخيمات اللجوء التي فر إليها من نجا من بطش السلطات في محطات عديدة مورست بحقهم فيها صور بشعة من القمع والقتل الجماعي.

بدأت مأساة الطوارق والعرب في شمال مالي بحقبة الاحتلال الفرنسي، واستمرت بعد الاستقلال عام 1960 على يد الجيش المالي. وخاض المسلحون جولات من الصراع  والمفاوضات مع السلطات، تقدموا في بعضها وانحسروا في أخرى. إلى أن أعلنت حركة تحرير أزواد انفصال الطوارق عن مالي. إلا أن العالم والإقليم رفضا ذلك فضلا عن انقسام المجتمع العربي الطارقي بشأن الموقف.

العرب والطوارق متجذرون في مناطقهم التي سكنوها من قديم الزمان، وتتمدد جغرافيتهم الصحراوية في جنوب الجزائر، وشمال النيجر، وجنوب غرب ليبيا، وشمال بوركينا فاسو، وأزواد شمال مالي، وهي المنطقة التي يعنى بها ملف هذا العدد.

ما تزال هذه القبائل الصحراوية قابضة على خصوصياتها الثقافية من أدب وموسيقى، تماما كما تحافظ على نظامها الاجتماعي الطبقي.

زوايا عديدة في حياة هذا المجتمع وخصوصا في مالي تستحق التوقف عندها، وتسليط الضوء عليها، للوقوف على الجوانب الإنسانية والمجتمعية والسياسية، من خلال معايشة مجلة الجزيرة لهم في الميدان، رغم صعوبة الترحال ومخاطره في مناطق شاسعة المسافات وفقيرة في بنيتها التحتية. إلا أن حصيلة هذه الرحلة المعرفية تستحق المغامرة، كما سيلمس القارئ في هذا الملف.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

ملف العدد

ملف العدد
أعد الملف: ياسين الكزباري

 

 

 

 

 

 

 الطوارق العرب والأمازيغ في مالي

الطوارق هوية وثقافة وأسلوب حياة فيهم الأمازيغي والعربي والزنجي

تتمتع المرأة الطوارقية بامتيازات اجتماعية كبيرة (الجزيرة)

 

ملوك الصحراء وأصدقاء النجوم

أن تضيع في الصحراء، كأن تضيع في البحر، لكنهم أسياد الصحراء وملوكها

يعد الشاي مكونا مهما في ثقافة الطوارق (الجزيرة)

 

كونفدراليات القبائل.. بعضها فوق بعض 

تتكون كل كونفدرالية من مجموعة من القبائل، التي تنقسم إلى طبقات على أساس وظيفي

شيخ إحدى القبائل الطوارقية  (الجزيرة)

 

رحلة السندباد إلى تمبكتو

تمبكتو تستحق شد الرحال وخوض مغامرة رحلة السندباد الشاقة والخطرة 

أكواخ الصيادين على جنبات نهر النيجر (الجزيرة)

 

كأنها مكة.. من تاداماكت إلى تمبكتو

كانت تاداماكت عاصمة الإسلام في صحراء أزواد قبل حتى أن تقوم تمبكتو وشنقيط

المسجد يحتل مكانة مركزية في المجتمع الطوارقي (الجزيرة)

 

تصحر سياحي في مدينة الذهب تمبكتو

أشهر مدن الطوارق في الصحراء الكبرى تشكو انقطاع السياحة بعد غياب الأمن

 

شيندوك شيخ قبيلة أولاد النجيم الذين عرفوا بتجارة الملح (الجزيرة)

 

الطوارق.. الموت قتلا أو لجوءا

سلسلة من عمليات القتل واللجوء عاشها الطوارق الأمازيغ والعرب شمال مالي

أهالي أزواديون حملوا ما استطاعوا من ممتلكاتهم مستعدين للجوء إلى إحدى دول الجوار (الجزيرة)

 

رقيق الأمس "الطوارق السود" اليوم
"إكلان" و "الحراطين" رقيق الأفارقة والعرب يسمون اليوم "الطوارق السود"

 

أسرة من الطوارق السود ويظهر على القارب اسم قبيلة كنتة التي ينتمون لها (الجزيرة)

 

انفصال أزواد.. جذور الحلم الصعب

الانفصال.. حلم قديم في وجدان طوارق مالي أعلنوه عام 2012 دون اعتراف من أحد

 

جدارية في أحد شوارع تمبكتو حول السلام بين الجيش والطوارق  (الجزيرة)
السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

الطوارق العرب والأمازيغ في مالي

الطوارق العرب والأمازيغ في مالي

يختلف تعريف هوية الطوارق حسب السياقات التاريخية والمناطق الجغرافية، أما طوارق مالي فغالبا ما يربطون هويتهم بأسلوب حياتهم وثقافتهم، فهم سكان الصحراء سواء كانوا أمازيغ أو عربا أو زنوجا من الذين ارتبطوا بهم عبر التاريخ، وتبنوا ثقافتهم ونمط عيشهم، ويتحدث الطوارق اللغة الأمازيغية (لهجة الطماشق) واللغة العربية واللهجة الحسانية، وأيضا بعض اللغات المحلية الأفريقية كالصونراي، ودينيا هم مسلمون سنة يميلون للتصوف.

 

التاريخ

بتاريخ سحيق ترجعه بعض القراءات التاريخية إلى ستة آلاف سنة قبل الميلاد،  مرورا  بدولة الجرمنتيين جنوب ليبيا، ثم مملكة أودغست جنوب موريتانيا، فإمبراطوريات غانا ومالي والصونغاي، ثم إلى الدولة السعدية ووصولا إلى الاستعمار الفرنسي يقف الطوارق في قلب الصحراء الكبرى شهودا على أكثر الحقب التاريخية محورية في النصف الشمالي لأفريقيا، خصوصا تلك المتعلقة بدخول الإسلام إلى منطقة غرب أفريقيا، والتبادل الثقافي والتجاري بين جنوب الصحراء وشمالها.

 

المجتمع

بأكثر من مليون ونصف مليون نسمة يتوزعون على قبائل أمازيغية عدة، منها إيفوغاس، وإماجغان وإيموشاغ أويلمدن، وإمغاد، وإكلسوك، وشماناماس، وخليغصر، وشريفن، وكلغزاف، وإنهظن، وإيدنان، وتاغاتملت، وقبائل أخرى غيرها، وكل قبيلة منها تنقسم إلى قبائل فرعية وعشائر، ويتوزع العرب منهم على قبيلتين رئيسيتين، هما قبيلة كنتة وقبيلة البرابيش.

 

وبينما ينحدر الطوارق الأمازيغ من قبيلة صنهاجة (المغرب الأقصى) ينحدر الطوارق العرب البرابيش من قبيلة الرحامنة (مراكش)، بينما ينحدر الكنتيون من بني فهر (توات)، وكلتا القبيلتين أيضا تنقسم إلى قبائل فرعية، ويدخل في تكوين كل قبيلة من هذه القبائل العنصر الزنجي، وهم مئات من العائلات التي كان أسلافها رقيقا، غير أنهم اليوم اندمجوا مع القبائل الطوارقية وصاروا جزءا منها.

طوارق رحل يسكنون في خيام على ضفة نهر النيجر (الجزيرة)

الجغرافيا

جاب الطوارق عبر التاريخ الصحراء الكبرى شرقا وغربا، غير أن الحدود السياسية المعاصرة قسمتهم على دول النيجر ومالي والجزائر وليبيا وبوركينا فاسو، أما في مالي فهم ينتشرون في النصف الصحراوي الشمالي الذي يسمى "أزواد" أي أرض الترحال، وتبلغ مساحتها 822 ألف كلم مربع (أي أكبر من فرنسا)، وتحدها موريتانيا غربا، والجزائر شمالا، والنيجر شرقا، وبوركينا فاسو جنوبا، وتعتبر تمبكتو وغاوة وكيدال أهم ثلاث مدن في منطقة أزواد.

 

الاقتصاد

اعتمد اقتصاد الطوارق تاريخيا على التجارة والرعي ومناجم الملح، ولا تزال إلى يومنا هذا المجالات الرئيسية لاقتصادهم، بالإضافة إلى السياحة التي لعبت دورا مهما في تطوير اقتصاد مدينتي تمبكتو وغاوة بعد أن سجلت المدينتان في قائمة التراث العالمي لليونيسكو، وكلتاهما تتوفر على مقومات سياحية ثقافية وتاريخية وبيئية قيمة، كما يعبر نهر النيجر مناطق الطوارق على طول مسافة 850 كلم، مرورا بتمبكتو وغاوة، مما يتيح إمكانات زراعية هائلة.

 

أما في ما يخص الثروات الباطنية فقد أظهرت دراسات كثيرة توفر المنطقة على مخزونات مهمة من البترول والغاز والذهب، كما تتوفر المنطقة على أكبر مخزون مائي باطني في العالم، بحيرة تامسنا، لكن هذه الثروات الباطنية غير مستثمرة إلى الآن بسبب عدم استقرار المنطقة أمنيا، كما أن السياحة والتجارة كاسدتان حاليا لنفس السبب.

 

الطوارق يورثون ثقافتهم للأجيال الجديدة (الجزيرة)

حقوق الإنسان

يعتبر مجتمع الطوارق في مالي أحد أكثر المجتمعات تعرضا للاضطهاد في نصف القرن الماضي، حيث عانوا منذ استقلال دولة مالي عن الاستعمار الفرنسي من حكم عسكري مارس ضدهم اضطهادا ممنهجا خلال ثلاثة عقود تلت الاستقلال.

 

فعدا القتل الجماعي لقرى بكاملها ودفع عشرات الآلاف للجوء في البلدان المجاورة في ظروف مأساوية عمدت السلطات المالية إلى تجويع الطوارق، فدمرت مخازن الحبوب وسممت الآبار وقتلت قطعان المواشي، كما سنت قوانين تمنعهم من دخول الأسواق وشراء المواد الغذائية، وحالت دون إدخالهم غذاءهم من الدول المجاورة، بل سممت المساعدات الغذائية التي جاءتهم من بعض الدول المجاورة.

 

وفوق كل هذا عمدت إلى إهانة مشاعرهم الدينية والنيل من قيمهم المحافظة عبر معاقبة الأهالي بتعرية وجهائهم ونسائهم، وأيضا بإجبارهم على تزويج بناتهم من جنود الجيش المالي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

ملوك الصحراء وأصدقاء النجوم

ملوك الصحراء وأصدقاء النجوم

"أن تضيع في الصحراء، كأن تضيع في البحر"، هذا ما أخبرني به شيخ قبيلة دِبلة محمد تقي الله عندما قابلته على الباخرة عائدا من تمبكتو. في ذلك المساء، وعلى متن الباخرة، وصلت متأخرا لصلاة العشاء، بعدما صلى الشيخ وأبناؤه وجلسوا يتسامرون، وقبل أن أكبّر استوقفني أحدهم وقال "عليك أن تغير اتجاه سجاد الصلاة، فقد تغير اتجاه الباخرة مع تغير اتجاه مجرى النهر، ولم تعد القبلة في ذاك الاتجاه وإنما في هذا"، فسألته مستغربا "ولكن كيف عرفت؟!"، فنظر إلى السماء مشيرا وقال "انظر إلى برج الثريا، نحن نعرف القبلة به".

 

وبينما كان يخبرني الرجل عن أسماء الأبراج والنجوم وكيف يستدلون بها على القبلة والجهات، كنت مندهشا وكأني مسافر عبر الزمن، وبدا لي أن بساطة عيشهم أتاحت لهم أن يرتبطوا أكثر بالطبيعة من حولهم، لينعموا بحياة تنطوي على كثير من الحكمة والإلهام.

 

بعض حلي نساء الطوارق وأشهرها قلادة الخميسة (الجزيرة)

ملوك الصحراء

التقط راديو المخفر في تمبكتو نداء استغاثة من قافلة سياحية من المغامرين الأجانب، ضاعوا في الصحراء، ولم يبق معهم سوى قليل من الماء. وبما أن الجيش نفسه كان يعتمد على الطوارق لمعرفة طرق الصحراء، فلم يكن بوسع المخفر أن ينقذ القافلة الضائعة، ولكنْ هناك شخص كان بوسعه ذلك، فأسرعوا لإحضاره، وكان اسمه نجيم.

 

ربط الاتصال بالقافلة الضائعة، وخاطب نجيمُ دليلَها "صف لي لون السماء عند الأفق وكيف يبدو شكله جهة الغرب والشمال وجهة الجنوب والشرق، هل هناك منحنيات أم خط مستقيم وهل هناك تلال أم كثبان؟ وهل الأرض رملية أم حجرية؟"، فأجاب الدليل عن الأسئلة، ثم قال له نجيم "خذ بعض الرمل في يدك، وصف لي لونه وحجمه وملمسه، هل هو فاتح أم داكن، وهل هو دقيق أم سميك، وكيف تجده إن فركته بين كفيك، أناعم أم حاد؟". وقبل أن ينهي الدليل وصف الرمل، قاطعه نجيم "اتجهوا شمالا مسيرة ثلاث ساعات، سترى جبلا صغيرا في الأفق، حين تصلون إليه اتصل بي مرة أخرى".

 

وبعد ثلاث ساعات اتصلوا وقد وجدوا الجبل. فقال نجيم للدليل "على يسار الجبل توجد صخرة كبيرة سوداء، هل تراها؟" أجاب الدليل "نعم، أراها"، فقال نجيم "خذ معك الرجال، وأزيحوها، ستجد تحتها بئر ماء، وحين تستريحون سأدلكم على طريق العودة".

 

قبل خمسة قرون من هذه الحادثة، وبالضبط سنة 1559، انطلق عمارة بن نجيم من المغرب إلى تمبكتو بقافلة من ألفي جمل، محملة بأنواع البضائع من المغرب والأندلس، وقيل إنه كان يدخن غليونا من الذهب الخالص، ثم استقر قرب تمبكتو، ليؤسس أبناؤه قبيلة أولاد النجيم.

 

ومن بين قبائل قليلة، لا يزال أولاد النجيم يمارسون تجارة الملح عبر طريق تاودني تمبكتو، سائرين على نفس الطريق الذي سار عليه جدهم عمارة، قبل خمسة قرون، وحين قابلت شيخ القبيلة في تمبكتو، شيندوك ولد النجيم، حدثني عن والده بكل فخر قائلا "كان أبي يعرف هذه الصحراء الشاسعة كما يعرف كفه، وكان يلقب ملك الصحراء".

 

أنواع مختلفة من قلائد الخميسة الطوارقية كل شكل يخص منطقة أو قبيلة معينة (الجزيرة)

العمامة والدراعية

أمضيت ثلاثة أيام في الباخرة من تمبكتو إلى موبتي، وجالست خلالها شيخ قبيلة دبلة عدة مرات، لكن لم يتسن لي رؤية وجهه كاملا، إذ كان طول الوقت متلثما بعمامته الطوارقية، وجل الوقت لا يظهر من وجهه سوى عينيه. أثار ذلك فضولي فسألته عن السبب، فقال "العمامة قبل أن تكون وقاية من حر النهار وبرد الليل والعواصف الرملية، فهي رمز لوقار الطوارق وحشمتهم. ولا يمكن للرجل البالغ أن يذهب إلى مناسبة أو مكان محترم دون العمامة، كما أنها تلبس بطرق لها دلالات مختلفة، فمثلا إن سمع ما لا يرضيه تجده تلقائيا يرفع اللثام التحتي إلى عينيه، فكأنها أداة تواصل غير لفظي مع الآخرين".

 

ويضيف "في القديم كانت العمامة تستعمل للتعبير عن المستوى العلمي لطالب العلم، فكلما أتقن علما وأجيز فيه، كلما حق له أن يرتدي العمامة بشكل ما يدل على إتقانه لذلك العلم، وهكذا فإن لَبِسها على شكل حرف الألف، فيعني أنه أتقن علوم اللغة، وإن لبسها كحرف اللام، فإنما أتقن علوم الجغرافيا، وإن أضاف حرف لام ثان دل على إتقانه علوم الحساب، كما أن حرف الهاء يعني إتقانه العلوم الشرعية، وإذا جمعت هذه الحروف فإنك تحصل على لفظة الجلالة الله".

 

عندما زرت شيندوك شيخ قبيلة أولاد النجيم، أُذن لصلاة الظهر، وقبل الذهاب إلى المسجد ناولني شيندوك ولد النجيم عمامة ودراعية (قميص أزرق فضفاض) لأرتديهما في المسجد، فليس لائقا من وجهة نظر الناس هناك أن يصلي المرء دون ارتداء الدراعية والعمامة، وقبل أن أغادر، أخبرني شيندوك أن الدراعية هدية منه لي، كي تذكرني بالطوارق، وكانت أول مرة أرتدي فيها دراعية، وعلى عكس توقعي فقد وجدتها باردة تقي من حر الشمس، وحين اشتدت البرودة ليلا ونحن على متن الباخرة، صارت دافئة جدا بشكل عجيب.

 

وبينما يصل طول العمامة إلى 12 مترا من قماش قطني دقيق، يصل عرض الدراعية إلى مترين أو أكثر، وهي مفتوحة من الجانبين، ومصنوعة من قماش قطني مطعم بالحرير، ويكون لونها أزرق مطعما بلون أصفر يسر الناظرين. وحين سألت شيندوك عن الحكمة من اللون الأزرق، قال "إنه الماء حين تنعكس عليه زرقة السماء، والذي بفضله الطوارق في هذه الصحراء".

 

الجمال أحد أسرار صمود الطوارق في الصحراء العظمى ويخص باهتمام كبير في تنظيفه وتزيينه  (الجزيرة)

عاصمة الكرم والسمر

عندما قابلت الطوارق لأول مرة، حصل ذلك في إحدى أفقر دول العالم، وهي النيجر، غير أن أهلها من الطوارق والعرب كانوا أكرم من رأيت وأغناهم قلوبا، فضيفهم يحظر عليه النزول في الفنادق والأكل في المطاعم، كما يحظر عليه استعمال سيارته فلا يستعمل إلا سيارة مضيفه، ولا يركب إلا في المقعد الأمامي، كما يعينون من بينهم من يرافقه في تنقلاته.

 

وأما الطعام، فليس من اللائق أن يحل الضيف على الطوارق دون أن تذبح على شرفه ذبيحة، وبعد العشاء يحين موعد الشاي، ولشاي الطوارق طقوس خاصة، تقتضي حسبهم ثلاث جيمات، أولها جيم الجمر، فالشاي الأصيل لا يعد على موقد الغاز، وثانيها جيم "الجر" أي التأنّي فلا يجوز في حق الشاي أن يُعد ويُشرب على عجل، وإنما يعد بأناة ويرتشف على مهل، أما الجيم الثالثة فجيم الجماعة، ففي الصحراء حيث لا كهرباء ولا تلفاز ولا جوالات ذكية، لا يزال الناس يستأنس بعضهم ببعض.

 

كان شيندوك منكبا على إعداد الشاي، وبدا خاشعا كأنما يعيد صنع العالم، ففي هذه الصحراء تتضخم المعاني ويفلسف الطوارق أبسط الأشياء.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

كونفدراليات القبائل.. بعضها فوق بعض

كونفدراليات القبائل.. بعضها فوق بعض

سألت شيخ قبيلة كل دبلة محمد تقي الله إن كان يتحدث الفرنسية فأشار بسبابته نافيا، وقال "نحن لا نتعلم إلا لغة القرآن"، فقلت له "ولكن الفرنسية أيضا قد تفيد، فمثلا إن أراد أحمد (ابن الشيخ) أن يسافر إلى أبيدجان فإنه سيحتاج إليها للتواصل مع الناس"، فأجابني الشيخ قائلا "ولكننا لا نرسل أبناءنا إلى البلدان الأجنبية".

 

كان الشيخ محمد تقي الله نموذجا حيا لأحد أكثر المجتمعات اعتزازا بتراثه وتقاليده وانضباطا لها، إنه المجتمع الطوارقي.

تين هينان ملكة طوارق الهكار لوحة تشكيلية للفنان حسين زياني (الجزيرة)



قبائل بعضها فوق بعض

وكغيره من المجتمعات التي سبق وجودها فكرة الدولة يتكون المجتمع الطوارقي من قبائل، غير أن مؤسسة القبيلة تميزها خصائص لا توجد لدى كثير من المجتمعات القبلية، وعن ذلك حدثني مدير إذاعة أزواد الأستاذ أحمد البكاي قائلا "ينقسم المجتمع الطوارقي إلى كونفدراليات كبيرة، تتكون كل منها من مجموعة من القبائل، وكل قبيلة تنقسم إلى طبقات على أساس وظيفي".

 

وعن الكونفدراليات الموجودة في منطقة أزواد، يضيف البكاي "هناك إيموشاغ أويلمدن أي محاربي أويلمدن، كل السوق (تنطق كلسوك)، كل إينصار، كل أدرار، شامايناس، كل إيغصر، شريفن، كل غزاف، إيدنان، إيفوغاس، تاغاتملت، وغيرها، وتحت كل واحدة من هذه تنضوي عشرات القبائل الفرعية".

 

ثم تصنف كل تلك القبائل على أساس وظيفتها الأساسية ضمن الاتحاد، وعن هذه التصنيفات يشرح أحمد البكاي "هناك أولا النبلاء، أو إيماجغن بالأمازيغية، وهم القادة السياسيون والإداريون إن أمكن القول".

 

وهناك المحاربون أو إيموشاغ، وهم الذين يشكلون بالأساس الجيش الذي يقاتل دفاعا عن البقية، ونجد في مقدمتهم أويلمدن، وأهل العلم والفتوى أو إنسلمن، ووظيفتهم طلب العلم والإفتاء وتعليم أبناء البقية، وفي مقدمتهم كل تاداماكت/كلسوك، والحدادون (ومعهم جميع الحرفيين) ويسمون بالأمازيغية إنهظن، وهناك قبائل تمارس أكثر من وظيفة داخل الكونفدرالية فتجدها تجمع بين العلم والقتال كقبيلة كل إينصار.

 

طلبة علم من قبيلة طوارقية وأصولهم أفريقية (الجزيرة)

الحب المستحيل 

ولكي أفهم جيدا انعكاس هذه التقسيمات على حياة الناس سألت أحمد إن كان بوسع الحداد أن يصير طالب علم أو مقاتلا مثلا، فأجابني "نعم، بوسعه أن يصير كذلك، وبوسع المقاتل أن يصير من النبلاء، لكن نسبه سيظل مرتبطا بقبيلته، فابن قبيلة الحدادين سينتسب دوما لقبيلة الحدادين".

 

ثم سألته "إذاً، هل يمكننا اعتبار هذه التقسيمات الوظيفية مجرد تسميات لا أثر لها على واقع الناس؟"، فأجابني "أثرها على الواقع يتجلى في مواضيع أخرى، كموضوع الزواج والمصاهرة مثلا، فابن قبيلة الحدادين إذا أراد أن يتزوج لا بد له أن يبحث عن زوجة من قبيلته، ولا يمكن أن يتزوج من ابنة إحدى قبائل النبلاء، والرجل يمكنه الزواج من قبيلته أو قبيلة أدنى".

 

المجتمع الطوارقي إذاً مجتمع طبقي، فالنبلاء يلدون النبلاء، وابن الحرفي وإن شارك في الحرب كمقاتل فإنه لن يلد إلا حرفيا، وحين سألت أحمد إن كان يجد في الأمر طبقية وتمييزا مناقضين للدين أجابني "من الناحية الواقعية نجد هذه الممارسات في العالم كله، فالوزير لا يزوج ابنته إلا لابن الوزير أو مسؤول أو رجل أعمال ذي نفوذ مثله، والطبيب لا يزوج ابنته إلا لطبيب أو مهندس أو صاحب وظيفة لها سمعة مقاربة لسمعة وظيفته، وهكذا فالناس جلهم يتعاملون مع موضوع الزواج بمعيار السمعة والنفوذ".

 

السمعة وأمجاد الأجداد وأشجار الأنساب أشياء لها قيمة كبيرة لدى الإنسان الطوارقي، وغالبا ما تجده يحفظ أسماء أجداده صعودا إلى الجد الخامس أو العاشر.



قابلت تاجرا عربيا من قبيلة كنتة فحدثني بكل فخر عن قبيلته، وعن دورها في نشر الإسلام، ثم عدد لي أسماء أجداده ومناقبهم، وقال "نحن لدينا شجرة نسبنا وصولا إلى جدنا الأكبر، ولا أحد يستطيع أن يدعي انتسابه لقبيلتنا".

 

وإن كانت المصاهرات بين القبائل الطوارقية نفسها تحددها قواعد ذات طابع طبقي فإنها بين الطوارق وباقي الإثنيات أكثر صرامة، وعن ذلك يقول أحمد البكاي "بالنسبة للمصاهرات بين الطوارق والعرب فهي موجودة في الشمال، حيث كيدال وآظا وتيلمسي، ولكنها في الجنوب حيث غاوة وتمبكتو وماناكا نادرة، ويرجع السبب إلى أن طوارق الشمال ثقافتهم الشرعية أقوى، حيث إن قبيلة كلسوك المختصة بالعلم توجد هناك، وكذلك لأنهم أكثر احتكاكا بالدول العربية، ولكن الوضع يتغير مع الوقت، حيث الشباب اليوم أكثر انفتاحا وأكثر اختلاطا ببعضهم البعض، خصوصا أولئك الذين التقوا في الملاجئ في الدول المجاورة".

 

وأما عن المصاهرات مع الإثنيات الأفريقية كالصونغاي فيقول أحمد "في الجنوب حيث تمبكتو حصل تداخل بين العرب والصونغاي أكثر من أي مكان آخر، وهذا بسبب قبيلة كنتة، وفي الشمال حصل أيضا خصوصا في قبيلة كلسوك، حيث الوعي الشرعي أعلى، أما في كيدال وآظا فقد قام الجيش المالي بعد ثورة 1963 بإجبار كثير من الطوارق على تزويج بناتهم بجنود من الجيش، والذين كانوا من إثنية البامبارا بالخصوص، وقد نشأ جيل متداخل نتيجة هذه الزيجات".

 

محارب طوارقي من قبيلة أويلمدن المقاتلة (الجزيرة)

تقاليد حداثية 

لكن بمقابل هذه التقاليد الصارمة -التي قد تبدو "رجعية"- فإن المجتمع الطوارقي يمتاز بتقاليد "حداثية"، خصوصا في ما يتعلق بوضعية المرأة، وهي خصائص من دون شك تحسدها عليها باقي النساء في العالم العربي.

 

أهم تلك الخصائص هي أن المجتمع الطوارقي لا يعرف التعدد، وحين سألت سيدي أحمد البكاي (تاجر طوارقي) عن شروط الزواج من المرأة الطوارقية، قال "أولا، نقول له: لا سابقة ولا لاحقة، وبالنسبة لمعظم النساء فهذا الشرط كاف ليوافقن على الزواج، كما أن للمرأة الطوارقية الحق في تطليق زوجها، وإذا ما حصل ذلك فإنها تحتفظ بالأبناء وممتلكات الأسرة، وبينما يغطي الرجال وجوههم معظم الوقت فإن نساءهم لا يفعلن ذلك، وفضلا عن حقها في الموافقة أو رفض الخاطب فإنه يحق لها أيضا أن تخطب عريسها، والمرأة عندنا أول من ينام وآخر من يستيقظ"، ثم علق مازحا "وبالتالي فإن المرأة الطوارقية معفاة من عناء تأسيس جمعيات حقوق المرأة والمساواة مع الرجل".

 

وإذ يفسر البعض هذه المزايا على أنها مقابل طبيعي لنمط الحياة الصحراوية الصعب الذي تتحمله فإن البعض الآخر يرى أنها من آثار المجتمع الأمومي الذي كان يعيش وفقه المجتمع الطوارقي قبل أن يأخذ بالتحول إلى مجتمع أبوي متأثرا بالثقافات التي احتك بها، وقد يبدو هذا صحيحا إن علمنا أن مؤسسة عاصمة الطوارق التاريخية تمبكتو كانت امرأة، وأن مؤسسة مملكة الهكار الطوارقية كانت امرأة أيضا وتدعى تين هينان، وأن الذي يتسلم سلطة زعيم قبائل الطوارق "الأمونوكال" حين يتوفى دون أن يترك ابنا ليس شقيقه إنما ابن أخته.

 

وصول أمنوكال طوارق الهكار إلى باريس (الجزيرة)

العالم ليس قرية صغيرة

ورغم المحافظة الشديدة التي تطبع المجتمع الطوارقي فإن التغير والتحول سنة لا مفر منها، وعن ذلك حدثني شيندوك ولد النجيم (شيخ قبيلة أولاد النجيم) قائلا "الوضع الاجتماعي مرتبط بالوضع الاقتصادي، ولهذا فإنه منذ تدهور وضع الطوارق الاقتصادي مع دخول الاستعمار ثم دخول الجيش المالي ثم جفاف 1973 و1982، كانت بناهم الاجتماعية تتأثر سلبا بشكل مستمر".

 

وأضاف "لنأخذ حالتي مثالا، فأنا شيخ قبيلة عدد أفرادها المستقرين في المنطقة حوالي 1500 فرد، وكشيخ قبيلة فإنه لدي امتيازات ولكن لدي واجبات تجاه أبناء قبيلتي، ولكني سنة 2013 خرجت لاجئا إلى الجزائر، فكيف يمكنني القيام بواجباتي تجاههم وأنا نفسي لاجئ؟ وإن لم أقم بواجبي تجاههم فهل سيكون هناك سبب لأحصل على امتيازات معينة أو أدير شؤون أبناء القبيلة؟ بالطبع لا".

 

وفي نفس السياق، يستطرد "أغلب الطوارق رحل، لكن الجفاف أجبرهم على الاستقرار". ويضيف "في سنة 1950 كان الطوارق والعرب في تمبكتو يشكلون ثلاثة أرباع السكان ونصف سكان غاوة، لكنهم صاروا اليوم بضع عائلات فقط، وهذه العوامل -بالإضافة إلى الانفتاح والإعلام- كلها تغير باستمرار واقع الطوارق الاجتماعي ونمط حياتهم". وقد كانت زوجة شيندوك أميركية، وكانت أول من أدخل الحاسوب إلى تمبكتو وأرسل بريدا إلكترونيا منها، مؤكدا أن العالم صار قرية صغيرة.

 

ولكن كثيرا من الطوارق -ورغم كل علوم الاجتماع والاقتصاد- عازمون على مصارعة الزمن، إذ لا يزالون يستعملون أسماء أمازيغية فريدة، من قبيل شيندوك، وإيفارورن، وآلوش، وماتاهيل رغم احتكاكهم بالثقافة العربية لقرون طويلة.

 

ولا يزال التاجر منهم يخبرك عن سعر البضاعة بالأوقية، قائلا "ألف"، فيما يكون عليك أن تدفع له بالفرنك خمسة آلاف، لأن العملة لديهم لا تزال الأوقية، وسعرها لا يزال خمسة فرنكات رغم أن العمل  بالأوقية انتهى رسميا مع دخول فرنسا قبل أكثر من مئة عام، مبرهنين بكل ذلك على أن العالم لم يصر بعد قرية صغيرة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

رحلة السندباد إلى تمبكتو

رحلة السندباد إلى تمبكتو
رغم تحذيرات الأصدقاء من كونها ما زالت منطقة حرب كان سحر اسمها وحده كافيا لكي لا أتردد في زيارتها.. تمبكتو.


أخبرتني شركات الطيران أن رحلاتها الجوية متوقفة منذ سنة 2012، وأن طائرات المنظمات الأممية وحدها من تتوجه إليها، لكن رحلات ومقاعد هذه الأخيرة كانت محدودة، وكان علي أن أنتظر ثلاثة أسابيع ليحين دوري.


أما الباخرة فلا تنطلق من باماكو إلا حين يرتفع مستوى مياه النهر، فلم يكن لدي خيار سوى الحافلة، غير أن الطرق البرية كثيرة فاحترت في أمرها وسألت موظف شركة الحافلات: أي الطرق أفضل؟ فضحك بصوت عال وقال "لا يوجد طريق أفضل، وإنما فقط طريق أقل سوءا!". وأشار علي بطريق ضوينصة، وهي بلدة تقع شمال باماكو على مسافة ثمانمئة كلم، ومئتي كلم جنوب تمبكتو.


انطلقت الحافلة فجرا من باماكو، ووصلت إلى ضوينصة بعد 18 ساعة، أي منتصف الليل، كانت البلدة غارقة في ظلام حالك إلا من مصابيح عمشاء موزعة على مسافات متباعدة على طول الطريق، وصمت مطبق لا يقطعه سوى نباح الكلاب.


ثلاثة فنادق في البلدة، لم يفتح أي منها بابه رغم الطرق الشديد، فدعاني أحد الباعة البسطاء لقضاء الليلة في بيته، شكرته واعتذرت، لكنه ألح فوافقت، وفي الصباح رفض مني مقابلا لكرمه.


من ضوينصة إلى تمبكتو لا توجد وسيلة نقل منتظمة، انتظرت إلى الظهر ثم سألت المشرف على مكتب يسجل المسافرين إلى تمبكتو فأخبرني أنه في بعض الأحيان تمضي ثلاثة أيام من دون أن تمر أي سيارة، فسألته: أي الطريقين أسوأ، طريق باماكو ضوينصة أم ضوينصة تمبكتو؟ فأجابني "طريق باماكو ضوينصة سيئ، ولكن طريق ضوينصة تمبكتو غير موجود أصلا".

ميناء مدينة موبتي التي اقترح د مايغا أن تكون عاصمة مالي بدل باماكو حتى لا يشعر أهل الشمال بالعزلة والتهميش (الجزيرة)


كانت هنالك شاحنة ستنطلق بعد ساعة، حين أخبرني الشباب أسرعت إليها وحجزت مقعدي، ثم سألني السائق عما إذا كنت أحمل معي طعاما فأخبرته أني للتو أكلت وأني أحمل قارورة ماء، فسألني مرة أخرى "لكن ماذا ستأكل في الطريق؟" فأجبته "لا داعي، حين سنصل سآكل"، فقال لي "يا أخي، لكننا سنصل بعد ثلاثة أيام".


وصلت سيارة بيك أب أخيرا، كان السائق طوارقيا اسمه حسين وصاحبها عربي من قبيلة كنتة اسمه سيدي أحمد، سألت حسين عن موعد الانطلاق، فقال "حين يجتمع عشرون مسافرا" وكنا حينها ستة فقط، فبدا لي أني لن أصل إلى تمبكتو هذا اليوم، لكن سيدي أحمد نظر إلى ساعته وقال "إن أردنا الوصول إلى تمبكتو الليلة فإن علينا أن ننطلق الآن!"، كانت الساعة نحو الواحدة بعد الظهر حين انطلقت السيارة.


أوقفنا حاجز عسكري قبل مغادرة ضوينصة، طلب جوازي وتفقد حقيبتي، أخبرته -حين سألني- أن الغرض من السفر هو زيارة مسجد تمبكتو، رحب الجندي بي، ثم التفت إلى سيدي أحمد معاتبا "ليس من تقاليدنا أن يركب الضيف في الخلف".


بعد دقائق قليلة كانت السيارة تسير في مساحات لا متناهية من السهول القاحلة، وسرعان ما بدأت العواصف الرملية بالهبوب، أدركت ساعتها أهمية لثام ونظارات قدمهما لي سيدي أحمد قبل الانطلاق.


كان حسين يشغل أغاني خليجية تراثية، سألته عن سر إعجابه بها، فقال "ذهبت طفلا لاجئا إلى السعودية سنة 1990، وعشت هناك عشرين سنة قبل أن أرحل إلى مالي قبل خمس سنوات، ثم بعد سنة من وصولي خرجت لاجئا مرة أخرى، لكن هذه المرة في بوركينا فاسو".


قطعنا مئتي كلم خلال ست ساعات، مررنا على أربعة حواجز عسكرية، تفقد فيها جوازي وحقيبتي وسئلت عن سبب زيارتي، وتم ذلك بلطف دائما، حتى وصلنا أخيرا نهر النيجر على بعد عشرة كيلومترات عن تمبكتو، وبينما تنفست الصعداء قال حسين "للأسف وصلنا متأخرين، ولا يمكننا الدخول اليوم".

صيد السمك في ميناء موبتي (الجزيرة)


لتقطع السيارات نهر النيجر نحو تمبكتو هناك وسيلة واحدة، عبارة تابعة للحكومة تشتغل من السابعة والنصف صباحا إلى الخامسة والنصف مساء، وحين رأيت بعض المراكب اقترحت على حسين أن أقطع عبرها وأكمل الطريق بسيارة أجرة، لكن حسين قال "حتى إن وصلت الآن إلى الضفة المقابلة فلن تتمكن من دخول المدينة، فحواجز الجيش تغلق عند السادسة مساء".


على ضفة النهر كانت هنالك خيام يؤجرها أصحابها للعالقين ليلا مثلنا، قضينا في إحداها ليلتنا، وكان القمر بدرا وهواء النهر عليلا، وفي الصباح فتحنا أعيننا على نهر النيجر العظيم وقد حفته حقول الأرز الخضراء، وزينت جنباته مراكب الصيادين المزخرفة المدهشة والمبهجة.


عبرنا النهر خلال بضع دقائق، ثم طريقا ضيقا تحيطه مياه النهر من الجانبين، ثم استقبلتنا الكثبان الرملية من جديد، أمام بوابة تمبكتو كان هناك حاجز عسكري جديد، وهذه المرة سأل أيضا عن الفندق الذي سأنزل فيه.


قلت لحسين "كأننا داخلون إلى دولة أخرى وليس إلى مدينة في مالي!"، فقال "هي بالفعل دولة أخرى ولو لم تكن معنا لما وصلت إلى هنا، فهذه سيارة حكومية، وسيدي أحمد يعمل في الحكومة وقد أخبرهم أنك من طرفه".


الفندقان الأولان رفضا استقبالي، ثم وافق الثالث، وكإجراء اعتيادي أخذ الدليل جوازي إلى الشرطة، بينما خلدت إلى الراحة بعد رحلة دامت أكثر من خمسين ساعة، لكن بعد ساعة طلب مني أصحاب الفندق المغادرة، ثم أخبرني الدليل "أنهم يخافون أن يتعرضوا لهجوم مسلح بهدف اختطافك".


اقترح علي الدليل "مولود" أن أقيم في بيت أسرته، وأخبرني أن جده من زاكورة (مدينة مغربية)، كان والده يتحدث بعض العربية، وأمه تتحدث الحسانية رغم أنهما من الصونغاي (إثنية أفريقية).
في نفس اليوم طلبني مسؤول الأمن وسألني عن قائمة من المعلومات الشخصية، ثم أخبرني أني الأجنبي الوحيد في تمبكتو منذ ثلاثة أشهر، وطلب مني بلطف أن أخبره عن برنامجي اليومي لضمان سلامتي.

على بعد عشرة كلم من تمبكتو الطريق يحيط بها النهر من الجانبين (الجزيرة)


في طريقنا إلى البيت كانت العيون تلاحقنا، بينما يصيح الأطفال "أبيض أبيض"، وبينما كان يخبرهم مولود أنني مسلم، وأخبرني أنهم يعتقدون أني أوروبي، وأن شيوع خبر كهذا قد يعرضني للاختطاف من طرف مجموعات مسلحة تستهدف الأجانب وتعتبرهم غزاة.


في الغد توجهنا نحو مسجد تمبكتو الكبير "دجينغاري بير" الذي لا يزال صامدا منذ بناه المهندس الأندلسي أبو إسحاق الساحلي قبل سبعة قرون. يقول مولود "لقد أراد مانسا موسى ملك إمبراطورية مالي حينها أن يجعل تمبكتو مركزا إسلاميا ينافس القرويين والقيروان والأزهر، وقد تحقق له ذلك، إذ ضمت المدينة حينها 25 ألف طالب توافدوا من كل البلدان الإسلامية، فيما بلغت عدد مجالسها العلمية أكثر من مئتي مجلس".


كان المسجد يخضع لأعمال ترميم، فقد تضرر بسبب قذائف طائشة أصابته قبل ثلاث سنوات. قال مولود كان فيه باب يسمى باب جهنم، اعتقد الناس أنه يطل على الجحيم ومن يفتحه يقع فيها، وحين سيطر أنصار الدين على المدينة كسروا الباب وقالوا للناس "انظروا، لا يوجد أي جحيم هنا"، ولم يعلموا أن أبواب الجحيم فتحت على المدينة من أول يوم دخلوها فيه.


في المدينة القديمة بيوت أثرية كثيرة تعرضت للدمار، وتمول مؤسسات دولية ترميمها، بعضها رمم وبعضها لا يزال ينتظر دوره، أما بعض السكان الذين فقدوا منازلهم تماما فقد نصبوا خياما وأقاموا فيها.


بعد يومين طلب مني الأمن الانتقال إلى فندق لدواع أمنية، واشترط علينا صاحبه ألا أصعد السطح أو أقف عند البوابة حتى لا ألفت انتباه السكان، وفي الليلة الموالية اتصل علي سيدي أحمد وطلب مني تغيير الغرفة، وفي الليلة التي بعدها ألح علي بمغادرة المدينة قائلا "لقد صار الوضع خطيرا جدا".


كانت الباخرة الوسيلة الوحيدة المتوفرة حينها، وكانت مكونة من ثلاثة طوابق، ومحتوية على غرف فردية وأخرى جماعية، في الأسفل بدت كسوق شعبي، حيث المطعم وباعة الخضار والفواكه والمواد الغذائية، وفي مقدمتها إسطبل للأغنام وبعض الخيول، وعلى سطحها مجموعة من الجنود المسلحين، أما المسافرون الذين لا يملكون ثمن الغرف فقد انتشروا على سطحها وممراتها.


انطلقت الباخرة فجرا، وفي الغد أخبرني سيدي أحمد أن موظفة سويسرية تم اختطافها، وبعد ثلاثة أيام وصلت الباخرة إلى مدينة موبتي (ستمئة كلم شمال باماكو) بعدما قطعت أربعمئة كلم عبر نهر النيجر الذي بدا من عظمته تماما كما يسميه الطوارق بحرا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

كأنها مكة.. من تاداماكت إلى تمبكتو

كأنها مكة.. من تاداماكت إلى تمبكتو

"كأنها مكة!"، صاح حجاج مغاربة مندهشين حين رأوها أول مرة وهم عائدون من رحلة الحج، فقد كانت طبيعتها وموضعها بين الجبال ونمط عمرانها شديد الشبه بمكة المكرمة، فسميت من يومها "تاداماكت"، وتعني بالأمازيغية "كأنها مكة" أو "هذه مكة". حصل ذلك خلال القرن الأول الهجري، وقد صارت مملكة تاداماكت إحدى أشهر ممالك الطوارق، وتوصف بكونها مهد حضارة الطوارق.

 

دخل الإسلام إلى تاداماكت منتصف القرن الأول الهجري، وعنه حدثني محمد تقي الله شيخ قبيلة كل دبلة، قائلا "لقد استلم الطوارق مشعل الإسلام مبكرا فشكلوا حصنا إسلاميا منيعا ونقطة انطلاق نحو بلدان أفريقيا، وقد كانت تاداماكت عاصمة الإسلام في صحراء أزواد قبل حتى أن تقوم تمبكتو وشنقيط".

 

ولا تزال تاداماكت أو السوق -كما تسمى حاليا- تشتهر بأنها مدينة العلم والدين، ولا يزال السوقيون محتفظين بوظيفتهم العلمية والدينية في المجتمع الطوارقي كما كان أسلافهم، كالشيخ العتيق بن سعد الدين السوقي الإدريسي ومحمد بن الهادي السوقي الأدرعي ومحمد بن محمد السوقي الإدريسي.

 

أما اشتهارها باسم السوق فيقول الشيخ محمد تقي الله "مع انتشار الإسلام وحركة الفتوحات في غرب أفريقيا نشطت أيضا حركة التجارة، وكان موقع المدينة في مركز الطرق الرابطة بين الممالك الأفريقية وشمال أفريقيا مساعدا لها لتكون مركزا تجاريا، خصوصا أنها كانت غنية بالذهب، فكان الجميع يأتي إليها بحثا عنه، وكانت عملة مملكة تاداماكت تسمى الصلع، وكانت من الذهب الخالص".

 

وبعد قرنين من الازدهار وبعدما نضبت مناجم ذهب تاداماكت خفت لمعانها فانفضت القوافل من حولها في أواخر القرن العاشر الميلادي مؤذنة ببزوغ نجم مدينة أخرى بداية القرن الـ11 الميلادي، ويقال إن المرأة التي أسستها -واسمها بكتو- جاءت من تاداماكت نفسها، وكان اسم المدينة الجديدة تمبكتو التي ستعمر أكثر مما عمرت تاداماكت التي صارت اليوم بلدة صغيرة في ضواحي مدينة كيدال.

 

مسجد جينغاري بير، بناه ملك امبراطورية مالي، خلال القرن 13 ويشهد اليوم على دور الإثنيات الإفريقية في نهضة تمبكتو (الجزيرة)

جدل الهوية والتاريخ

غير أن آثار الحضارة البشرية في مدينة تاداماكت أو السوق أقدم بكثير من تاريخ دخول الإسلام إليها، إذ اكتشفت فيها كتابات أثرية لأبجدية "تيفيناغ" ونقوش قدر عمرها بستة آلاف سنة قبل الميلاد، لتسجل كإحدى أقدم مناطق العالم التي عرفت الحضارة البشرية.

 

غير أن علاقة الطوارق بالحضارات المكتشفة آثارها قرب مدينة السوق محل جدل، وحول ذلك يقول مدير إذاعة أزواد في كيدال أحمد البكاي "في فترة الاستعمار الفرنسي وما بعده شاع في الأوساط الأكاديمية الفرنسية أن حضارة الطوارق أقدم بكثير من الحضارة الإسلامية".

 

كما حظيت حروف تيفيناغ باهتمام خاص على أساس أنها الحروف الخاصة باللغة الأمازيغية، وأنها أقدم بكثير من الحروف العربية، وتمت جهود كبيرة في فرنسا لإحيائها، وقد كان هذا الاهتمام يهدف بالأساس إلى إقناع الطوارق والأمازيغ عموما بأنهم أكثر تميزا وعراقة من العرب، في محاولة لخلق نزعة قومية عرقية أمازيغية وعزل الأمازيغ عن عمقهم الإستراتيجي الذي هو العالم العربي بالأساس.

 

ويضيف "وإذا طالعنا المراجع الفرنسية فسنجد فكرة مغلوطة ولعلها غير بريئة، مفادها أن هوية الطوارق مرتبطة بالأساس بلغة الطماشق (لهجة أمازيغية)، ورغم أن لغة الطماشق جزء رئيسي في هويتهم فإن التركيز عليها دون المكونات الأخرى كالثقافة والدين ينطوي على رغبة في فصلهم عن المكون العربي الإسلامي الذي تداخل معهم على مدى 14 قرنا، وشكل معهم مجتمعا ومصيرا واحدا، ومن تجليات ذلك مثلا إحصاء سكاني أجرته السلطات الفرنسية سنة 1950، وميزت فيه بين الطوارق والمغاربة والعرب".

 

وعن أصول الطوارق سألت البكاي، فقال "الطوارق ينحدرون بالأساس من قبائل صنهاجة الملثمين الأمازيغية (جنوب المغرب) والذين ينحدرون بدورهم من الجرمنتيين (جنوب ليبيا)، وعند دخول الإسلام وفد العرب واختلطوا بالطوارق وتبنوا ثقافتهم وتمزغوا (أي تحدثوا الأمازيغية) فصاروا جزءا لا يتجزأ منهم، وما زالت أصولهم ظاهرة في أسماء بعض القبائل الطوارقية كقبيلة شامايناس وتعني أناس الشام أو أهل الشام، وقبيلة كل إينصار الأنصارية الأصل، كما أنه معروف أن قبيلة كل إغلال يعود أصلها إلى ذرية أبي بكر الصديق".

 

مكتبة الإمام السيوطي للمخطوطات بعد ترميمها (الجزيرة)

عرب لا يعرفهم العرب 

عندما زرت النيجر أول مرة التقيت مدير جريدة الاتحاد (تانمناك) الأستاذ أحمد الخميس نوح فتحدث معي بلغة عربية فصيحة، وحين سألته عن سر إتقانه لها -وكنت أتوقع أنه درسها في دولة عربية- أجابني "أنا عربي"، فسألته إن كان من إحدى الجاليات العربية المقيمة في النيجر فأجاب "أنا عربي طارقي من النيجر، أجدادي كلهم ولدوا في النيجر"، وقد استغربت ذلك، إذ كنت أجهل وجود العرب في النيجر ومالي وبوركينا فاسو.

 

وصل العرب الأوائل إلى منطقة أزواد مع الفتوحات الأولى في شمال أفريقيا، غير أنهم تمزغوا وصاروا طوارق ثقافيا، أما في شمال مالي فقد تعزز حضورهم كمكون عربي ثقافة خلال مرحلتين أساسيتين، وعنهما حدثني مدير "مركز الشيخ سيدي المختار الكنتي" الأستاذ سيدي أحمد الكنتي قائلا "نهاية القرن الـ16 كانت تمبكتو وغاوة تحت نفوذ إمبراطورية الصونغاي التي أصبحت ضعيفة، مما شجع قطاع الطرق على اعتراض طرق القوافل ومناجم الملح والذهب، ولتأمينها أرسلت الدولة السعدية جيشا قوامه أربعون ألف جندي بقيادة الباشا جودار فاستقر جل الجنود في المنطقة، وكانت تلك أكبر موجة هجرة عربية شهدتها المنطقة، وقد شكل المغاربة -أمازيغ وعربا- في تمبكتو في بعض الفترات ثلاثة أرباع السكان".

 

ويضيف الكنتي "لكن قبل ذلك بمئة عام وصلت أول موجة هجرة عربية، حيث حلت بالمنطقة قبيلة كنتة العربية الفهرية الآتية من المغرب لتشكل نواة أبرز قبيلة عربية في المنطقة إلى اليوم، وكان منها أشهر العلماء والقضاة الذين عرفتهم المنطقة". 

 

لايزال الطوارق يعتمدون على الألواح الخشبية لحفظ القرآن والمتون (الجزيرة)

خصومة قديمة

عدا دولة الجرمنتيين العظيمة (جنوب ليبيا) التي أسسها أسلافهم قبل 2500 سنة والتي عمرت ألف سنة، وعدا مملكة أودغست الإسلامية (جنوب موريتانيا) التي أقامها أجدادهم الصناهجة لم يؤسس الطوارق أي إمبراطوريات كما لم يخضعوا للإمبراطوريات التي مرت بمناطقهم، وعن أسباب ذلك يقول أحمد البكاي "لم يختر الطوارق الترحال في الصحراء رغم تطرف مناخها وقلة مائها وغلالها إلا ليعيشوا أحرارا أسياد أنفسهم بعيدا عن سلطة الدولة".

 

ويضيف "حين أسسوا ممالكهم كتاداماكت وأويلمدن وغيرها كانت في نطاق قبائلهم وفي مجالات جغرافية محددة وكانت على شكل اتحادات كونفدرالية، والدول التي سيطرت على مناطقهم كإمبراطورية غانا ومالي والصونغاي والسعديين كانت تلجأ إلى مسالمتهم وإعطائهم امتيازات معينة لدرء ثوراتهم، حيث كانوا محاربين شجعانا وأسياد الصحراء والخبراء بالطرق وأماكن المياه والاهتداء بالنجوم، وكان دورهم حاسما في قيادة القوافل وحماية طرقها".

 

وفي نهاية القرن الـ18 وصل الاستعمار الفرنسي إلى صحراء الطوارق، وعمل على تقويض نظام ونمط حياتهم فواجهوه بمقاومة شرسة قادها زعماء، مثل القائد فهرون آغ لينصار والشيخ شبون بن أفندغون ومحمد علي الجنيدي، وأمام التفوق العسكري لفرنسا ونهجها سياسة الانتقام من الأهالي لقمع الثوار أفتى الشيخ الكبير الكنتي بمهادنة فرنسا على أساس احترام دين وتقاليد الأهالي، ورغم ذلك فقد استمر بعض القادة في مقاومة فرنسا، مثل المجاهد ألغ البشير الذي استشهد قبيل رحيل فرنسا ببضع سنوات فقط.

 

وعن سيرتهم هذه مع الدول يقول العمري صاحب كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار "كانوا لا يدينون لسلطان، إلا أنهم دانوا للسلطان أبي الحسن المريني على أنهم لا يملكون أحدا قيادهم ولا يسلمون إليه بلادهم، وبكل حال فهم معه بين صحة واعتلال".

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

تصحر سياحي في مدينة الذهب تمبكتو

تصحر سياحي في مدينة الذهب تمبكتو

"الملح يأتي من الشمال، والذهب من الجنوب، والفضة من بلاد البيض، أما كلام الله والأشياء المقدسة والقصص الحكيمة فلا توجد إلا في تمبكتو"، كانت هذه العبارة مكتوبة في أماكن كثيرة من هذه المدينة العريقة، وبها تقدم تمبكتو نفسها للزائرين، مخبرة إياهم عن عصرها.

 

كانت تمبكتو أشهر مدينة أسسها الطوارق في الصحراء الكبرى بداية القرن الـ11 ميلادي، ولم تلبث أن صارت إحدى أهم عواصم التجارة العالمية في ذلك الحين، حيث تمر عبرها القوافل الآتية من الشمال والشرق -من الأندلس والمغرب ومصر وبغداد والحجاز- محملة ببضائع كالملابس والتوابل والتمور والحبوب والخيول والعطور والملح والكتب، وأخرى آتية من الجنوب -من غانا وغينيا وساحل العاج ونيجيريا- محملة بالعاج والنحاس والرقيق والخشب والذهب.

 

ولم تكن تمبكتو مجرد مركز تجاري لعبور البضائع، وإنما كانت أيضا مصدرا للذهب، وكان من وفرته أن صنفت مجلة فوربس ملك إمبراطورية مالي مانسا موسى الذي حكم تمبكتو وغاوة في القرن الـ14 أغنى رجل في تاريخ البشرية بثروة قدرت بأربعمئة مليار دولار، وقد حمل معه في رحلة حجه الأسطورية 12 طنا من الذهب وزعها كلها على الفقراء.

 

وكان ذهب تمبكتو من نوعين، ذهب أصفر نعرفه وآخر أبيض لا يقل قيمة عن الأول، إنه الملح، وعنه يقول شيندوك شيخ قبيلة أولاد النجيم الذين عرفوا بتجارة قوافل الملح في منطقة تمبكتو "كان الملح في الأزمنة الغابرة نادرا جدا، فكان ثمنه كالذهب أو أغلى، لدرجة أن الرومان وغيرهم كانوا يدفعون رواتب جنودهم بالملح.

 

قوالب الملح في الميناء استعدادا لشحنها إلى باقي المناطق (الجزيرة)

ومع النهضة العلمية التي شهدتها المدينة خلال القرن الـ15 صارت تمبكتو أيضا مركزا علميا عالميا، لدرجة أن ليون الأفريقي قال عنها "أكثر تجارة رواجا وربحا في تمبكتو تجارة الكتب".

 

ورغم أن تمبكتو وأختها غاوة خضعتا لكل من إمبراطورية مالي والصونغاي والسعديين بدءا من القرن الـ13 إلى الـ17 فقد كان دور الطوارق حاسما في اقتصاد المنطقة، وحول ذلك يقول شيندوك ولد النجيم "وإن فقد الطوارق السيادة على المدن المهمة كتمبكتو وغاوة فقد ظلوا مسيطرين على الصحراء حيث تمر طرق التجارة، فكانوا خبراء في الطرق الصحراوية وأماكن المياه وقيادة القوافل، وكانوا أيضا يمتلكون آلاف الجمال التي يؤجرونها للتجار، كما كانوا يحصلون على إتاوات مقابل مرور القوافل من مناطقهم ومقابل توفير الحماية لها".

 

دوام الحال من المحال

لكن مع تطور الملاحة البحرية لدى الأوروبيين وسيطرتهم على سواحل غرب أفريقيا انخفض حجم التجارة التي تمر عبر الصحراء، حيث أخذت تتجه نحو أوروبا عن طريق البحر، وبالتالي تراجع اقتصاد الطوارق، ثم تراجع أكثر حين وصلت فرنسا إلى قلب الصحراء الكبرى نهاية القرن الـ19.


وعن ذلك يقول شيندوك ولد النجيم "قامت فرنسا بترسيم الحدود، فضاق مجال حركة الطوارق وقلت حركة القوافل، ثم قامت بإلغاء النظام الكونفدرالي الذي كان يجمع القبائل الطوارقية، وقامت بمنع نظام الرق الذي كان جزءا مهما في الدورة الاقتصادية للطوارق".

 

لا يزال ملح تاودني يعد مصدرا مهما لعيش الطوارق (الجزيرة)

ويضيف "كما وضعت فرنسا يدها على مناجم الملح وفرضت الضرائب وجعلت النقود أساس التبادل التجاري بعدما كان يقوم على المقايضة، وكلها إجراءات قوضت اقتصاد الطوارق وبناهم السياسية والاجتماعية أيضا، وسيرتكز اقتصادهم بالأساس على الرعي وتجارة بسيطة، منها تجارة ملح تاودني الذي لم يعد يحقق كسبا مهما، وبعض الصناعات الحرفية البسيطة".

 

وبعد مغادرة فرنسا وقيام ثورة 1963 شهد اقتصاد الطوارق انهيارا حادا بسبب القمع الذي تعرضوا له من قبل الجيش المالي، كمنعهم من الأسواق بيعا وشراء، وخسارتهم قطعان المواشي التي أعدم الجيش المالي جزءا منها وصادر جزءا آخر، وكذلك خسارتهم للمراعي على إثر لجوئهم إلى البلدان المجاورة.

 

وبعد عشر سنوات حل جفاف 1973، وعن ذلك يقول التاجر العربي أحمد البكاي "بعدما ضيق على تجارتهم كانت الثروة الرئيسية لدى الطوارق هي مواشيهم، وعندما حل الجفاف خسر الطوارق -خصوصا الرحل منهم وهم الأغلبية- جميع مواشيهم، وقد تحول حينها جلهم إلى لاجئين".

 

تصحر سياحي

وبعد ثورة 1990 وتوقيع اتفاقية تامانراست شهد الوضع تحسنا نسبيا، حيث رفع حظر الأسواق عن الطوارق وأدمج بضعة آلاف منهم في الجيش ليكونوا أول طوارق يتقاضون رواتب من الحكومة المالية، وتدريجيا عادت الحياة إلى اقتصادهم، وتحسن نشاط تجارة الملح في مناجم تاودني، ومع الهدوء الأمني الذي شهدته المنطقة بدأ توافد السياح إلى المنطقة.

 

منذ قرون عديدة لا تزال قوافل الجمال تتردد على مناجم تاودني لتعود محملة بأطنان من قوالب الملح الصخري (الجزيرة)

وعن ذلك يقول شيندوك ولد النجيم -الذي يملك فندقا في تمبكتو- "تمبكتو وغاوة والسوق مسجلة ضمن قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، فهما تتوفران على أماكن أثرية يعود عمر بعضها إلى ستة آلاف سنة قبل الميلاد، كما أن الصحراء غنية ومتنوعة، حيث الجبال والوديان والسهوب والكثبان، بالإضافة إلى نهر النيجر الذي تحيط به سافانا تعيش فيها أنواع حيوانية كثيرة، فضلا عن الفولكلور الطوارقي الذي وصفته موسوعة اليونيسكو بكونه أكبر متحف مفتوح في الهواء الطلق".

 

ويقول "هذه المزايا جذبت آلاف السياح، إلى درجة أن السائح الأوروبي كان يتوجه مباشرة إلى تمبكتو دون رؤية باماكو، وكنا ننظم رحلات للسياح على قوافل الجمال، بعضها يدوم شهرين، فنأخذهم عبر نفس الطريق الذي تسلكه قوافل الملح إلى تاودني".

 

عندما زرت تمبكتو كان يفترض أن أنزل في فندق شيندوك، لكنه كان مغلقا، إذ حين سيطرت جماعة أنصار الدين على المدينة وشاعت أخبار التدخل العسكري الفرنسي وعودة الجيش المالي غادر الطوارق والعرب تمبكتو، وكان من بينهم شيندوك الذي لجأ إلى الجزائر.

 

وحين عاد قبل بضعة أيام من زيارتي له وجد أبواب فندقه مكسورة ومحتوياته منهوبة، ومكتبته التي احتوت خمسة آلاف كتاب لم يبق منها إلا بضعة كتب. وقد سألته إن كان يتوقع أن تعود الحياة للسياحة قريبا فأجابني "إن استقرت الأوضاع تماما فقد تحتاج إلى عشر سنوات حتى تعود كما كانت".

 

لكن الأوضاع لم تستقر بعد، والبلاد التي كانت تأتي منها القصص الحكيمة لا تأتي منها اليوم سوى قصص الاختطاف والقتل.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

الطوارق.. الموت قتلا أو لجوءا

الطوارق.. الموت قتلا أو لجوءا

كنت في بيت عائلة مولود (دليل سياحي) حين زارها أقارب لم ترهم منذ سنين، وبينما كانت عائلة مولود زنجية فقد كان أقاربها عربا، كان الزوار هم أحمد وأخته فاطمة وابنتها عائشة، وقد جاؤوا من مخيم لاجئين في موريتانيا لزيارة خالتهم التي أصيبت بحادث، وهي قادمة إلى موريتانيا لتزور هي الأخرى والدتها المريضة التي لم تغادر إلى موريتانيا منذ تسعينيات القرن الماضي، ولكن لجأت إلى قرية تسمى ديرة وتبعد عن تمبكتو ستين كلم.

 

تبادلت أطراف الحديث مع أحمد، فطلب مني مساعدته للتواصل مع مغاربة تعرف عليهم قبل سنوات، وأعطاني أسماءهم، وحين أخبرته أنه لا يمكن إيجادهم من خلال أسمائهم فقط قال لي إنهم من مدينة اسمها الدار البيضاء، فقلت له "لكن الدار البيضاء مدينة كبيرة جدا، ويسكنها ملايين الناس!"، لينظر إلي مندهشا، وقد كانت عزلته المعرفية عن العالم صادمة لي، لكن ليست كقصة لجوئه.

 

حل مشكلة الطوارق بإبادتهم

يحكي أحمد "كانت أمي تعد لنا الغداء حين وصل أبي هلعا وأخبرها أن قريتنا كارغاندو تعرضت لهجوم من الجيش، وأن الرجال أعدموا، والشيوخ أحرقوا أحياء، ففررنا تاركين كل شيء خلفنا، ومشينا خمسمئة كلم على أقدامنا إلى أن وصلنا إلى مخيم أغوغ على الحدود الموريتانية، وهناك مات أبي مرهقا".

 

لم تنته مأساة أحمد هنا، إذ يكمل "كان سكان المخيم أربعة آلاف لاجئ، ولم يكن الطعام كافيا ولا أواني الطبخ ولا الحطب، وحدها المدافن كانت كافية، ثلاثة مدافن تستقبل كل يوم 15 إلى عشرين ميتا، وذات يوم مرضت أمي بعدما أكلت قمحا غير مطبوخ، وبعد خمسة أيام انتهت رحلتها في الحياة، لنبدأ رحلتنا مع اللجوء واليتم".

 

وبسبب عدم الاعتراف بهم كلاجئين لم يحصلوا على إغاثة من المنظمات الإنسانية الدولية إلا من بعض النشطاء المتطوعين، وفي هذا السياق يحكي أحمد "بعد أسابيع حضر ثلاثة أطباء فرنسيين وأحضروا معهم كمية كبيرة من الأدوية، وكنت برفقة أحدهم في جولته على أطفال المخيم المصابين أغلبهم بسوء التغذية، وكان في دفتره جدول من ثلاثة أعمدة: أطفال قد يموتون اليوم، أطفال قد يموتون غدا، أطفال قد يموتون هذا الأسبوع، وقد وضع أسماء كثير من الأطفال تحت العمود الأول، أطفال زاروا كوكبنا لبضعة أيام وغادروه بذكريات مرعبة".

 

مأساة أسرة أحمد كانت جزءا صغيرا من مأساة جماعية عاشها جل الطوارق والعرب في شمال مالي، مئتا ألف منهم على الأقل لجؤوا إلى دول الجوار في ظروف مزرية، والبقية تفرقوا في صحراء لا نهاية لها، تماما كمعاناتهم.

 

حواجز عسكرية كثيرة قبل الوصول إلى تومبوكتو يتعرض فيها الطوارق إلى مضايقات (الجزيرة)

شهادات عن جرائم فظيعة يحكيها الذين حضروا أحداث ثورة 1990، في النيجر قابلت أحدهم وكان آتيا من مخيم في بوركينا فاسو لجأت إليه أسرته، إنه إيفارورن آغ عبد الله، وقد قال لي "في مدينة غوندام (شرق تمبكتو) رأيت قائدا من الجيش المالي اسمه موسى بادوغو كوني يصف عشرة طوارق مقيدين ويسكب عليهم البنزين ثم يوقد النار، ورأيت آخرين يعدمون أمام مقر الصليب الأحمر، لقد فقدنا الثقة بالعالم، وإلى الآن ورغم وجود القوات الأممية في تمبكتو وباقي المدن فإن جل الناس لم يعودوا إلى بيوتهم بعد".

 

وكانت مأساة اللاجئين الطوارق والعرب بعد ثورة 1990 مزدوجة، إذ لم يعترف بمعظمهم كلاجئين، وبالتالي لم يحصلوا على الخدمات التي تقدمها منظمات الإغاثة الأممية كالتطبيب والتعليم، يقول إيفارورن "قالوا لنا: أنتم رحل ولستم لاجئين".

 

انتهت ثورة 1990 بمقتل أكثر من عشرة آلاف من الطوارق والعرب، أغلبهم نساء وشيوخ وأطفال، وكثير منهم قتلوا وهم في طريق اللجوء، فالجيش لم يكتف باستهداف القرى والمدن، إنما أخذ يلاحقهم في الوديان وبين الكثبان. يقول إيفارورن "صرنا طرائد للجيش، يطاردنا أينما توجهنا تنفيذا لأوامر قائد عسكري قال حينها: حل مشكلة الطوارق تكمن في إبادتهم".

 

ديبي سيلا المشؤوم

الاضطهاد الذي تعرض له الطوارق والعرب في شمال مالي أوائل التسعينيات لم يكن الأول كما لم يكن الأخير.

 

يحكي أحمد الخميس نوح مدير جريدة الاتحاد (تانمناك) وناشط مدني طوارقي قابلته في نيامي "حين حصلت مالي على استقلالها سنة 1960 انتظر منها سكان الشمال من الطوارق والعرب تفعيل وثيقة سياسية وقعت مع أعيان المنطقة تقوم على منح منطقة أزواد حكما ذاتيا، لكن الحكومة المالية الشيوعية حينها أرادت دولة مركزية، وكان أول ما بدأت به هو تأميم ممتلكات السكان، فدعت السكان إلى إحضار مواشيهم لتطعيمها، وحين فعلوا أخبرهم المسؤولون أنها صارت ملكا للدولة، وبينما كان الناس يتوقون للحرية بعد مغادرة فرنسا ضاق عليهم الخناق أكثر فكانت ثورة كيدال سنة 1963 التي قررت مالي إخمادها بالحديد والنار، فأرسلت حاكما عسكريا ما زال الناس يتشاءمون من ذكر اسمه.. ديبي سيلا".

 

وعن جرائم ديبي سيلا يضيف أحمد الخميس "ارتكب ديبي سيلا مذابح جماعية أعدم في إحداها سبعين من خيرة علماء المنطقة، وفي أخرى أربعمئة من النساء والشيوخ والأطفال، كما تمت إبادة قرى بأكملها ثم تعليق أطراف الضحايا في الساحات العامة لزرع الرعب في القلوب، ولتجويع الناس تم تدمير مخازن الغذاء وتسميم الآبار وتصفية قطعان الماشية، وحظر شراء المواد الغذائية على الطوارق".

 

لكن المقاومة لم تتوقف، كما لم يتوقف التنكيل بالناس عند قتلهم وتجويعهم، وعن ذلك يحكي أحمد "حين عجز الجيش عن قمع المقاومة أخذ ينتهك حرمات الناس وأعراضهم نكاية بقيمهم المحافظة، فقام بتعرية وجهائهم ونسائهم في الساحات العامة، بل قال لجنوده: نساء الطوارق لكم، افعلوا بهن ما شئتم، فأجبر الناس على تزويج بناتهم للجنود، وقد ينسى الناس القتل الذي تعرضوا له لكنهم لن ينسوا أبدا ولن يغفروا انتهاك أعراضهم".

 

ثم توقفت الثورة سنة 1964 عندما تم اعتقال قادتها في الجزائر والمغرب وتسليمهم للسلطة المالية، ولكن سياسة التجويع لم تتوقف، وحين ضرب جفاف سنة 1973 استمر حظر المواد الغذائية على الطوارق، ثم وصلت شحنة حبوب كمساعدات إنسانية من دولة مجاورة، وعندما أكل منها الناس تسمموا، إذ كانت فاسدة أو تم تسميمها قصدا وفق البعض، واستمر هذا الوضع طوال ثلاثة عقود ولم يتغير إلا بعد ثورة سنة 1990.

 

إيفارورن آغ عبد الله شهد أحداث عام 1960 (الجزيرة)

2012 عود على بدء

عندما انسحب الجيش من الشمال انقلب قادة عسكريون على الرئيس المالي في الـ22 من مارس/آذار 2012، متهمين إياه بالتساهل مع الطوارق، وفي الرابع من أبريل/نيسان 2012 أعلنت المفوضية العليا للاجئين أن أكثر من مئتي ألف لاجئ نزحوا إلى الدول المجاورة.

 

حكى لي مولود أن الناس رأوا في الانقلاب مقدمة لحملة عسكرية تضطهدهم بنفس الأساليب السابقة فاندفعوا بالآلاف إلى دول الجوار.

 

وفي باماكو تمت مهاجمة شركات الطوارق والعرب ومحلاتهم التجارية، وأخبرني سيدي أحمد البكاي -وهو لاجئ سابق وتاجر في باماكو- "لقد كانوا هائجين، ويكفي أن تكون بشرتك بيضاء حتى ينقضوا عليك، لقد قتلوا حتى بعض الجزائريين والمغاربة، وكان بعضهم يصيح "اقتلوهم هنا كما يقتلون إخوانكم في الشمال".

 

أما في الشمال فحين تدخلت فرنسا عسكريا غادرت الحركات المسلحة ليدخل الجيش مرة أخرى، وعند ذلك يحكي مولود "في حي أبارانجو بتمبكتو عاشت مئات العائلات العربية، لكنها غادرت حين دخل الجيش إلا ثلاث عائلات، منها عائلتا علي كبادي ومحمد الأمين".

 

ثم استطرد مولود "ولإثبات ولائه للدولة أخذ علي ولد كبادي (سبعون سنة) بقرة كهدية للجيش، لكنه طرد فيما أخذت بقرته، وفي الغد تم اعتقاله ليلا واتهم بالتعامل مع المسلحين، وكسر متجر ابنه ونهب، وفي الصباح وجد الناس علي كبادي مقتولا، ولم يتعرفوا عليه إلا من ملابسه، حيث كانت ملامحه مشوهة. وفي نفس الأسبوع، اعتقل الجيش محمد الأمين وكان إمام مسجد، ثم بعد أيام وجدت جثته خارج المدينة. لقد قتلوه، رغم وجود القوات الدولية".

 

أما في غاوة التي بقي فيها عدد أكبر من العرب، فقد تعرض فيها عدد من الشباب العرب للحرق أحياء في الساحات العامة. وأخبرني أحد الناشطين الحقوقيين في المدينة، بعدما أطلعني على أشرطة مصورة لتلك الجرائم، أن المليشيات كانوا يقولون "لا نحب أن نراكم بيضا، وإنما سودا مثلنا"، أي متفحمين، وقد حصلت آخر جريمة موثقة من هذا النوع في غاوة بتاريخ 9 مارس/آذار 2015، وتمت بحضور الجيش المالي.

 

اليوم، ثلث طوارق وعرب مالي لاجئون، كثير منهم عاشوا تجربة اللجوء مرتين أو ثلاث مرات، مئات الآلاف موزعون على دول الجوار، جزء منهم فقط معترف بهم كلاجئين، فيما يحاول آخرون العودة إلى بيوتهم تدريجيا حالمين بأن تنتهي معاناتهم، وألا يأتي يوم يرحلون فيه عن أرضهم تاركين خلفهم ممتلكاتهم وأحبابهم وأحلامهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

رقيق الأمس "الطوارق السود" اليوم

رقيق الأمس "الطوارق السود" اليوم

قبل أن أتوجه إلى تمبوكتو كان لديّ تصور بأن الصراع في المنطقة يدور بين "سود" يحكمون في الجنوب وهم إجمالا من إثنية البامبارا والمالينكي، و"بيض" في الشمال وهم طوارق وعرب.

 

لكن سرعان ما تشوشت الصورة، حين قابلت عائلة مولود (دليل سياحي)، إذ كانت من إثنية الصونغاي الأفريقية، وفي نفس الوقت كان جد مولود من زاكورة (مدينة مغربية)، وكان لهم أبناء عمومة عرب لاجئون في موريتانيا.

 

ثم تكرر التشوش عندما زرت تاجرا عربيا، وبينما كنت أتبادل معه أطراف الحديث حول بعض الأحداث، دخل رجل أفريقي المتجر فغيّرتُ الموضوع، غير أن التاجر قال "لا بأس، هذا أخونا وهو يقيم معنا في مخيم ديرة".

 

وحين زرت شيندوك شيخ قبيلة أولاد النجيم، كان في ساحة البيت أطفال أفارقة يلعبون، وحين سألته عنهم، قال لي: "إنهم مثل أبنائي، وكل أبناء الجيران هنا بمثابة أبنائي".

 

ثم قابلت شيخ قبيلة دبلة وكان كل أسرته برفقته، بالإضافة إلى شيخ أفريقي وأبنائه، وحين سألت أحمد (ابن شيخ القبيلة) عن طبيعة علاقتهم بالأسرة، قال لي "إنهم إخوتنا، وجزء من قبيلتنا منذ القديم".

 

إذن فـ"السود" قد يكونون أقارب للعرب أو إخوة يتاجرون مع الطوارق أو أبناءً يلعبون في بيوتهم أو مرافقين لشيوخ القبائل في أسفارهم، وملاجئهم.

 

ولأن كل ما سمعته عنهم من الطوارق الذين قابلتهم، هو كونهم إخوة أو أبناء، فقد قابلت واحدا منهم لأسمع منه، وهو الشيخ محمد أحمد -الذي يدير أحد المعاهد الإسلامية في أبيدجان- فحدثني قائلا: "الأفارقة الذين يعيشون ضمن المجتمع الطوارقي كان أجدادهم من الرقيق، وكان يطلق عليهم اسم "إكلان"، أما رقيق العرب فيسمون "الحراطين"، وصاروا يسمون غالبا الطوارق السود".

 

وتوضيحًا لتحولهم من رقيق إلى أحرار، أضاف "كان شائعا لدى القبائل الطوارقية المتعلمة كقبيلة كنتة وكلسوك، تحرير الرقيق، أو زواج "الأسياد" من بنات الرقيق، فيصير أبناؤهن أحرارا، وينسبون إلى أبيهم ويرثونه، فيستقلون ماديا".

 

وعن تجربته الشخصية، حكى الشيخ محمد "كانت والدتي رحمها الله، من بنات الرقيق، فتزوجها والدي وكان عربيا، وحين توفي ورثت منه، وقد صرفت كل مالها لتعلمني، ثم لجأنا إلى موريتانيا سنة 1963، فأكملت تعليمي في شنقيط، ثم عدت إلى مالي لاحقا، لكني لجأت مرة أخرى إلى ساحل العاج".

 

محمد محمدن ناشط حقوقي وعضو حركة تحرير أزواد في أوروبا (الجزيرة)

فرق تسد

لكن منظمات حقوقية تقول إنهم لا يزالون "عبيدا" وإنهم يعانون من العنف والأعمال الشاقة، وقد سألت شيندوك عن مدى صحة ذلك، فقال "هذه القضية توظف دائما سياسيا، فمنذ ثورة فرهون آغ الاينصار سنة 1914، أعلنت فرنسا منع الرق وأشاعت أن الطوارق يستعبدون السود، وكان الهدف هو التفريق بين الطوارق والأفارقة المندمجين معهم، وخلق صراع عرقي. وفي هذا يقول مارتن كلاين "هدف فرنسا لم يكن إنهاء الرق، وإنما تقويض البنية الاقتصادية للمجتمع الطوارقي"، ولكن دعاية فرنسا لم تنجح في الشمال، كما نجحت في الجنوب".

 

وفي ذلك يستطرد  قائلا "كان شيخ الصونغاي محمد أمادو من بين الموقعين على وثيقة الحكم الذاتي سنة 1960، لكن النخب الحاكمة في الجنوب التي تشربت الحقد على الطوارق في المدارس الفرنسية، عملت على تحويل الصراع بين الأزواديين (الطوارق والصونغاي بشكل عام) والسلطات المالية، إلى صراع بين الأزواديين أنفسهم، على أساس عرقي، فأشاعت مثلا أن الطوارق يستعبدون السود ويجبرونهم على القتال معهم ضد الجيش المالي".

 

جل القبائل الطوارقية تتضمن عائلات كثيرة ذات أصول إفريقية غير أنها اليوم طوارقية الثقافة والهوية (الجزيرة)

فرقتهم الأعراق وجمعتهم المظالم

وعندما أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد، الإقليم دولة مستقلة، أيدها أعيان وعلماء المنطقة، ورغم أن نسبة كبيرة من إثنية الصونغاي عاشت في فترات تاريخية سابقة علاقة خدمة أو استرقاق مع الطوارق والعرب، ومن بينهم أعيان الصونغاي.

 

وعن ذلك يقول الناشط السياسي الأزوادي في أوروبا محمد بن محمدن "حين شكل المجلس الانتقالي لدولة أزواد كان نائب رئيسه هو مامادو جيري مايغا، كما أن ، مناضلين كثرا في الحركة كيوسف كايسو مايغا الذي سجن في باماكو لنشاطه السياسي، وحمزة مايغا، ومحمد زايني مايغا، وكذا سوما مايغا، كلهم من الصونغاي".

 

وحين سألت عن دوافعهم لدعم حركة نواتها الأولى من الطوارق، قال "الجميع في الشمال يعاني من التهميش والظلم، بما في ذلك الصونغاي، وهم أيضا يشعرون بأن السلطات المالية قد تلاعبت بهم، إذ وظفت بعضهم ضد الطوارق، وكونت منهم مليشيات غانداكوي لمحاربتهم، ولكن بعدما حصل الطوارق على اعتراف نسبي خلال التسعينيات وأدمج بعضهم في بعض المؤسسات، لم يحصل الصونغاي على مثل ذلك، مما دفع جزءا كبيرا منهم لمشاركة الطوارق في نضالهم، وهكذا فقد فرقتهم أسماء الأعراق والقبائل، وجمعتهم المظالم".

 

 لكن ما الذي يدفع الطوارق السود المنحدرين من رقيق الأمس، إلى العيش إلى جانب الطوارق المنحدرين من أسياد أجدادهم؟ طرحت هذا السؤال على شيندوك فأجابني قائلا "لقد عاشوا معا لقرون عديدة، إلى أن ارتبطوا ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، وإذا استثنينا أولئك الذين استقلوا ماديا نتيجة إرثهم، فإن الغالبية ظلوا يعتمدون على الأسر التي يعيشون ضمنها، وحين حاولت فرنسا أن "تحررهم"، رفض معظمهم مغادرة "أسيادهم"، ورافقوهم حتى في الملاجئ".

 

ويضيف "ومن ناحية أخرى، فهم مستفيدون من هذه العلاقة، حيث إنهم يديرون ممتلكات الطوارق ومواشيهم، وأحيانا تجارتهم أيضا. أما اليوم، فجلهم مستقلون، ولديهم مواشيهم وتجارتهم. ومنهم من تعلموا ودخلوا المؤسسات الحكومية، كرئيس بلدية تمبوكتو، ورئيس المجلس الاستشاري للإقليم، ورئيس البرلمان الإقليمي أيضا، وهذا لأنهم يشكلون الأغلبية في المدن، وأي مؤسسة تعمل وفق آليات ديمقراطية وإن كانت شكلية، فإنهم يتصدرونها".

 

أبناء إحدى العائلات من الإكلان (الجزيرة)

أسرى الأمس أشقاء اليوم

وبينما ترجع كثير من المراجع الظاهرة إلى فترة الفتوحات الإسلامية، يقول شيندوك "نظام الرق كان موجودا في أفريقيا حتى قبل وصول الإسلام، وحيث إنه لم تكن توجد مؤسسات سجون لسجن أسرى الحرب، فإن الجماعات المنتصرة كانت تستخدم الأسرى للزراعة والرعي والمناجم وغيرها، وكان معروف ذلك بين الممالك الأفريقية غير المسلمة، كغانا".

 

وأما في ما يخص الطوارق، فيضيف "بعدما تقلص نفوذ السعديين في المنطقة بداية القرن السابع عشر، احتدمت المعارك بين الطوارق والبامبارا والپول والصونغاي للسيطرة على المنطقة، وقد نجح الطوارق في السيطرة عليها، خصوصا تمبكتو وغاوة، وحين انتهت هذه المرحلة كانت كل مملكة قد أسرت من جنود الممالك الأخرى. وبينما يروج الحديث عن استعباد الطوارق للـ"إكلان" والعرب للـ"حراطين"، فإننا لا نسمع عن الـ"بانيا" رقيق الصونغاي، أو الـ"دجون" عند البامبارا والمالينكي".

 

وإن كانت جميع المجتمعات قد عرفت ظاهرة الرق، فهناك ظاهرة اختص بها الطوارق والعرب، وعنها يقول شيندوك "في مرحلة سيطرة ممالك الطوارق على المنطقة، كانت بعض القبائل الأفريقية تطلب الحماية لديهم، وبالمقابل يؤدي أفرادها مهامّ معينة كالرعي ورعاية المنزل أو غيرها، وحصل أيضا أن جماعات كاملة نزحت من مناطقها لاجئة إلى الطوارق في فترات الجفاف والقحط، وصارت تعمل في الزراعة على ضفاف النهر".

 

ويضيف "مع مرور الزمن، شكلت هذه الفئات إلى جانب المنحدرين من رقيق الحروب، من يطلق عليهم البعض "إكلان" أو الطوارق السود، بينما نحن نسميهم بأسماء قبائلنا ولا نخصهم بأي تسمية تميزهم عنا، لأننا نعتبرهم إخواننا ورفاقنا".

 

هم إذن أفارقة، لكنهم يلبسون اللثام، ويتحدثون الطماشق، وينظمون الـ"تيسيواي"، ويعزفون الـ"إمزاض"، ويتقاسمون الملاجئ، وإن اقتضى الحال يحاربون مطالبين بالاستقلال؛  ليكونوا بذلك الأفارقة الطوارق.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

انفصال أزواد.. جذور الحلم الصعب

انفصال أزواد.. جذور الحلم الصعب

 "نتشرف بأن نعلن لكم بوضوح مرة أخرى، بأننا نريد أن نبقى مسلمين مع الحفاظ على وضعيتنا الخاصة. نعلمكم بمعارضتنا المبدئية لفكرة الانضواء في إطار حكم ذاتي أو نظام فدرالي، سواء كان مع إفريقيا السوداء أو شمال إفريقيا. مصالحنا وهويتنا لن يكون ممكنا الدفاع عنهما إذا ما تم إلحاقنا مجبرين بدولة تدار من قبل غالبية سوداء لديها مصالح وهوية مختلفة. لهذا السبب، نحن نطلب تدخلكم المنصف لكي نكون منفصلين سياسيا وإداريا وبأسرع وقت عن مالي، ولكي تندمج بلادنا في الصحراء الفرنسية التي ننتمي لها تاريخيا وعرقيا".

 

كانت هذه رسالة قاضي تمبكتو محمد محمود ولد الشيخ، إلى الجنرال ديغول بتاريخ  30 مايو/أيار 1958، وتحمل توقيع ثلاثمئة من وجهاء أزواد، وقد سبقتها رسالة مماثلة، غير أن ديغول لم يرد على أي منها.

 

عن تلك اللحظة المفصلية في تاريخ طوارق وعرب مالي، يحكي محمود علي رئيس المكتب السياسي للحركة الوطنية لتحرير أزواد قائلا "قبل أن تغادر فرنسا غرب أفريقيا، أسست دولة مالي الفدرالية وضمت مالي والسينغال وبوركينافاسو وبينين، وبعد شهور انسحبت بوركينافاسو وبينين والسينغال".

 

ويضيف محمود "قبيل تلك الفترة، كان الطوارق مصرين على الاستقلال، لأسباب ثقافية ولمعرفتهم بالعداوة التي تكنها لهم النخب السياسية والعسكرية المالية. لكن الساسة الماليين أرسلوا مجموعة علماء من باماكو لإقناع وجهاء الطوارق بالأخوة في الدين ووحدة الأمة، وكان ذلك مؤشرا على نوايا باماكو الحسنة".

 

ويستطرد "اقتنع  بعض الوجهاء بالوحدة، واشترطوا أن تخص المنطقة بحكم ذاتي لضمان خصوصيتها، فوافق الماليون ووقعوا وثيقة تنص على ذلك مع الشيخ أنتلا الغطار والشيخ محمد أمادو وآخرين. وسنة 1959 استقلت "مالي الفدرالية"، وانتظر الطوارق تفعيل وثيقة الحكم الذاتي، لكن ذلك لم يحصل. وفي البدء كان نكث العهد".

 

اجتماع بين أهالي المنطقة وأعضاء حركة تحرير أزواد من عسكريين وسياسيين (الجزيرة)

كيل بمكيالين

ويضيف محمود علي "عندما اعترفت فرنسا بالدول المنسحبة من مالي الفدرالية، قرر الطوارق أن ينسحبوا أيضا، ولكن ردت مالي بعسكرة المنطقة، وحين ثار أهل كيدال سنة 1963، أرسلت لهم ديبي سيلا المشؤوم".

 

وعكس باقي النزعات الانفصالية، أجمع العالم على رفض انفصال طوارق مالي. وسألت أحمد البكاي مدير إذاعة أزواد في كيدال عن الأسباب، فقال "الطوارق لم يدخلوا المدارس الفرنسية ولا الجيش الفرنسي، وكانوا الشعب الوحيد في مستعمرات فرنسا الذي لم يشارك معها في الحرب ضد ألمانيا. وبالتالي لم تكن لدى فرنسا أية نخبة سياسية أو عسكرية طوارقية لتجعلها واجهة لاستقلال شكلي، وهذا ما جعل فكرة استقلال أزواد غير واردة".

 

أما الدكتور إبراهيم مايغا، وهو مدير مستشفى حكومي في تمبكتو، فيقول "لقد ارتكب الطوارق خطأ تاريخيا حين قاطعوا المدرسة الفرنسية، فبينما تخرج الآخرون من الجامعات، استقلت مالي ولم يكن من الطوارق أي طبيب أو مهندس، فلم يستوعبوا التطورات السياسية ليتعاملوا معها بكفاءة. لقد اختاروا العزلة، وكانوا ضحايا لاختياراتهم".

 

وحين سألته عن أخطاء فرنسا ومالي، استدرك قائلا "نعم، فرنسا أخطأت، حيث جعلت العاصمة باماكو في أقصى الجنوب، فكرست عزلة وتهميش الطوارق. أما الجيش المالي، فقد قتل منهم الكثير، بينما الحكومات المتعاقبة لم تبن أي شيء عدا ما بنته فرنسا، كأنها تقول لهم أنتم لستم جزءا من مالي، ولكي تسافر من كيدال إلى باماكو، تحتاج إلى أربعة أيام، كأنك مسافر إلى دولة أخرى!".

 

نسوة أزواديات تحتفلن بإعلان دولة أزواد (الجزيرة)

ليبيا وثورة 1990

وبعدما ألحقتهم فرنسا بدولة لا تشبههم، وقمع الجيش ثورتهم، تشتت شمل الطوارق على ملاجئ الدول المجاورة، وكانت ليبيا إحداها، هناك حيث سيكبر جيل جديد، لم يشهد مآسي ثورة 1963، لكنه سمع عنها.

 

سألت العقيد والأكاديمي أبا إبراهيم الطارقي (اسم مستعار) عن السبب الذي دفع شباب الطوارق للانضمام إلى الجيش الليبي، فقال "كبر جيل من الشباب لم يحصل على فرص تعليم وبالتالي فرص عمل، وحين ضرب جفاف السبعينيات اشتدت المعاناة، فلم يتردد في الانضمام إلى الجيش. وهناك حصل آلاف من الشباب الطوارقي على خبرات عسكرية، لكنهم شاركوا في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل".

 

لكنهم في سنة 1990 كانوا على موعد مع حرب تخصهم، فألحقوا الهزيمة بالجيش المالي، مما اضطر الرئيس موسى تراوري للتفاوض معهم وتوقيع اتفاقية تامانراست التي تنص على حكم ذاتي سنة 1991.

 

وحول ذلك يقول أبو إبراهيم "لم يطبق من تلك الاتفاقية سوى بند إدماج أربعة آلاف ثائر في الجيش، لكن بعد ذلك قتل ثلاثة عقداء في ظروف مشبوهة، وتم التضييق عليهم، فمنعوا من الدورات والترقيات، وأهينوا بجعل القادة منهم يرأسهم جنود أقل رتبا منهم، بل كان بعض القادة يخاطبونهم قائلين: أنتم لستم من هذا البلد".

 

الأهالي والأطفال يحتفلون بإعلان دولة أزواد (الجزيرة)

الحلم يستحيل كابوسا

مر عقدان ولم يطبق الحكم الذاتي، فتشكلت الحركة الوطنية الأزوادية سنة 2010، وطالبت بفتح حوار بهدف تنفيذ مطلب الحكم الذاتي، فكان رد الحكومة مرة أخرى عسكرة المنطقة.

 

وعن ذلك يحكي العقيد أبو إبراهيم "كان تفاعل الحكومة مع حركتنا السلمية مخيبا وحصلت تجاوزات حقوقية في حقنا، وتوقعنا أنها مقدمات لحملة عسكرية، فحولنا حركتنا إلى الحركة الوطنية لتحرير أزواد، ثم سقط النظام الليبي فعاد الطوارق من ليبيا بأسلحة ثقيلة، وانسحب الذين أدمجوا في الجيش قبل عقدين، وخلال ثلاثة أشهر حررنا كل أزواد، وأعلناها دولة مستقلة بتاريخ 6 أبريل/ نيسان 2012".

 

وكان ذلك اليوم، أول يوم يتحقق فيه حلم الطوارق بدولة مستقلة، لكن الحلم لم يدم طويلا كما يقول أحمد البكاي "لم تدم الفرحة طويلا، إذ سرعان ما ظهرت حركة أنصار الدين، وحركة التوحيد والجهاد وكان أغلب عناصرها أجانب، وأعلنتا أن هدفهما تطبيق الشريعة في دولة أزواد، ثم التحقت بهما القاعدة في المغرب الإسلامي، وكان الهدف هو تحويل حلمنا إلى كابوس مروّع".

 

وعن ذلك يقول محمود علي "استشعرنا الخطر من البداية، فدعونا أنصار الدين إلى الحوار حول تطبيق الشريعة، ودعونا كبار علماء المنطقة، وقلنا لهم "ما يقرره علماؤنا نحن موافقون عليه"، فوافقوا. وعندما قرر العلماء أن تطبيق الشريعة يكون بالتدرج ويراعي إكراهات الواقع وأن إخوتنا الأجانب مرحب بهم، ولكن لا يجوز لهم حمل السلاح، تملصوا من نتائج الحوار، وبدت في الأفق بوادر مواجهة محققة".

 

وعن المواجهة يقول العقيد أبو إبراهيم "في غاوة، تفاجأنا بحضور كثيف لهم، وكانوا مسلحين جيدا، بأسلحة لا يمكن نقلها من بلد إلى بلد آخر دون أن تكشف، وكان حضور عناصر أجنبية من دولة إقليمية كبيرة لافتا للانتباه، فأدركنا حينها أن المواجهة إن حصلت لن تكون مع جماعات مسلحة وإنما مع الدولة الإقليمية نفسها، وأن الهدف هو تقويض المشروع برمته".

 

لايزال الأزواديون لا يعرفون المسافة التي تفصلهم عن تحقيق حلمهم (الجزيرة)

ويضيف "ثم قامت احتجاجات ضدنا قادتها عناصر محسوبة على مالي، وفجأة أعلنت أنصار الدين والتوحيد والجهاد والقاعدة في المغرب الإسلامي التحالف ضدنا بدعوى أننا استهدفنا الشعب، وظهر أحد قادة المظاهرات الشعبية في تسجيل مصور وهو ينادي في مكبر الصوت "اقتلوا كل الأزواديين، ولا تلمسوا أصحاب الرايات السوداء".

 

وبعد مواجهات متقطعة، أعلنت حركة تحرير أزواد انسحابها من المدن، وأعلنت حركة أنصار الدين سيطرتها عليها، ثم اتجهت جنوبا، لتتدخل فرنسا عسكريا، فتعلن الحركات الجهادية انسحابها هي الأخرى، لكن بعدما قوضت حلم الشعب الطوارقي.

 

وعندما سألت محمود علي عن مكتسبات هذه الثورة قال "من أهم مكتسبات ثورتنا تدويل قضيتنا ووصولها إلى قمة هرم المنظومة الدولية، فلم تعد محتكرة من طرف دول إقليمية معينة، ونحن اليوم مصرين على تطبيق الاتفاق مع الحكومة المالية حرفيا، وإلا فنحن مستعدون للعودة للمربع الأول".

 

في جلسة مع شخصين من قبيلة كنتة العربية، سألت الأول عن حل مشكلة طوارق مالي فقال "الحل هو الانفصال أو على الأقل الانضمام إلى الجزائر نظرا للعلاقة الجغرافية أو إلى المغرب نظرا للعلاقة التاريخية". وسألت الثاني فأجاب "فكرة الانفصال غير واقعية، والحل هو الحكم الذاتي".

 

وفي تمبكتو سألت ممرضا من الصونغاي ماذا سيفعل إن قامت دولة أزواد، فأجاب "سأغادر إلى باماكو، لأني مالي". وسألت الدكتور إبراهيم مايغا فقال "عندما أعلن الطوارق دولة أزواد المستقلة، بقيت في تمبكتو أقدم واجبي، وعندما سيطر أنصار الدين على كل المنطقة، كنت أطوف على كل الضواحي لتقديم الخدمة الطبية، وحين وصلني أمر من وزارة الصحة في باماكو بأن أغادر المكتب وأغلق المستشفى، رفضت تنفيذه، فأوقفوا راتبي، ورغم ذلك واصلت عملي، فأنا ابن مدينة تمبكتو وسأظل فيها بغض النظر عمن يحكمها".

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

ملوك الصحراء في مالي

ملوك الصحراء في مالي
السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

 

البروفيسور ديكتيل: "النانو" ستتحكم بتفاصيل حياتنا

كيف تؤثر الكيمياء وتكنولوجيا النانو في حياتنا اليومية وما يحيط بنا في العالم

البروفيسور ويليام ديكتيل في مختبره لبحوث الكيمياء وتكنولوجيا النانو الدقيقة (الجزيرة)

 

بكين عاصمة الضباب الخانق

يزيد مستوى التلوث في هواء بكين أكثر من 12 ضعفا عن الحد المصنف عالميا

 

أكثر من خمسة ملايين سيارة تجوب شوارع العاصمة تساهم في زيادة حجم التلوث في بكين (الجزيرة)

 

الأطفال في عزلة الحواسيب اللوحية

يجد الأطفال في الحواسيب اللوحية ما يغنيهم عن أهاليهم المشغولين عنهم بأجهزة شبيهة

بقدر ما في الحواسيب اللوحية من فائدة تعليمية إلا أنها تعزل الأطفال عن محيطهم الطبيعي (الجزيرة)

 

معرض الصور

ملوك الصحراء في مالي

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

البروفيسور ديكتيل: "النانو" ستتحكم بتفاصيل حياتنا

البروفيسور ديكتيل: "النانو" ستتحكم بتفاصيل حياتنا
 

حاوره: جورج كدر

البروفيسور ويليام ديكتيل (William Dichtel) أحد الأسماء ذائعة الصيت في عالم الكيمياء في تاريخنا المعاصر، وهو اليوم رئيسا لمجموعة بحثية في قسم الكيمياء والبيولوجيا في جامعة كورنيل في نيويورك، ومتخصص في مجال كيمياء البولميرات (البلاستيك) وكيمياء المواد العضوية وتكنولوجيا النانو.

 

حصل ديكتيل على عشرات براءات الاختراع العالمية، ولديه أبحاث منشورة في أرقى المجلات العالمية بسبب تطويره مواد وبولميرات إبداعية في مجال الكشف عن المواد المتفجرة في المطارات، وفي مجال تطوير مكثفات عالية التخزين لحفظ الطاقة الشمسية، وتطويره خلايا الطاقة الشمسية التي تستخدم في تحويل الطاقة الشمسية لطاقة كهربائية.

 

حصل البروفيسور ديكتيل على أرقى الجوائز، أبرزها جائزة "MacArthur Fellowship" التي حصل عليها العام الماضي، وهي من أرقى الجوائز العلمية الأميركية، ومنحت لعشرين عالما فقط على مستوى العالم على مدى الثلاثين سنة الماضية، وبموجبها حصل على حساب مفتوح بالبنك من الحكومة الأميركية ليحصل على ما يريد من المال لتمويل أبحاثه.

 

تمكنت مجلة الجزيرة من التواصل مع البرفسور ديكتيل بعد أن ذاع صيت مجموعته العلمية إثر اكتشاف تقنية ثورية في مجال تنقية المياه على يد العالم السوري علاء الدين السبيعي، وهو الذي مكننا من التواصل مع البروفيسور ديكتيل، وكان هدفنا من اللقاء محاولة نقل علم الكيمياء من المختبر إلى حياتنا، لا سيما أن مكتشفات هذا العلم لها علاقة جوهرية بكل ما يحيط بنا في هذا العالم من مواد البناء والطاقة والهواء الذي نستنشقه وغذائنا، وحتى أدق تفاصيل حياتنا.

 

البروفيسور ديكتيل مع فريقه البحثي (الجزيرة)

 

علم النانو بات يشكل جزءا أساسيا في حياتنا، فما أهمية تكنولوجيا النانو في حل المشكلات البيئية التي باتت مخاطرها تهدد كوكبنا؟

تكنولوجيا النانو تهدف إلى التحكم في أبعاد المواد إلى حجم النانو متر (واحد على ألف مليون من المتر)، حيث يمكن أن تحدث العديد من الظواهر المهمة، ويمكن أن يتم التحكم فيها مثل التحكم بحركة الشحنات الكهربائية وتخزينها في المواد المخزنة للطاقة، وتحويل الطاقة الشمسية لطاقة كهربائية أو كيميائية كما في عملية البناء الضوئي في النباتات، أو التحكم في عمليات التحفيز الكيميائي، كما يحدث في الكائنات الحية عن طريق التحفيز بالأنزيمات.



إذا استطعنا التحكم في تصنيع المواد الكيميائية المختلفة بحيث نصل إلى مواد مشابهة للمواد الطبيعية بأبعاد النانو متر؛ عندئذ من الممكن أن نتوصل إلى عمليات وخصائص مهمة من الممكن أن تفيد البشرية والبيئة.

 

ينظر الناس غالبا إلى علم الكيمياء بوصفه بعيدا عنهم ومكانه المختبرات العلمية فقط، ونادرا ما نسمع عن المنجزات العلمية في هذا الميدان، هل يرتبط علم الكيمياء بصميم الحياة اليومية للبشر، وكيف؟

 

الكيمياء هي بالتأكيد موجودة في كل شيء؛ الكيمياء موجودة في كل جانب من جوانب حياتنا، في كل المواد التي نستخدمها في حياتنا اليومية، في الطعام الذي نأكله، في الأدوية ومستحضرات التجميل ومستحضرات العناية الشخصية، في المواد المنظفة المختلفة، في الأجهزة الكهربائية، في أجهزة الكمبيوتر وأجهزة الاتصالات. كل هذه المنتجات التي نستخدمها يوميا تحتوي على مواد وعناصر كيميائية مختلفة تم تطويرها في المختبرات الكيميائية بواسطة باحثين كيميائيين.

 

هل يمكن أن تخبرنا بشكل عام عن المجالات الذي تهتم بها مجموعتك البحثية، خاصة في ما يتعلق بالمجالات التي تمس حياة الناس وتحل المشكلات البيئية الحالية؟

 

نحن ندرس ونصنع ونكتشف باستمرار مواد كيميائية جديدة، وهذه المواد غالبا هي مواد بولميرية (بلاستيكية)، خاصة المواد البولميرية التي تحتوي على مسامات أو فجوات صغيرة جدا بأبعاد النانو متر، وعندما نقوم بتصنيع بولميرات ذات مسامات نانوية، وهذه المسامات فعليا بحجم جزيئات كيميائية صغيرة، يمكن لهذه المواد أن تمتلك مساحة سطحية هائلة جدا.

 

فمثلا، مادة بولميرية من هذه المواد وبوزن غرام واحد فقط، بوزن وشكل قطعة نقدية ورقية، يمكن أن تحتوي على مساحة هائلة تصل إلى مساحة ملعب كرة قدم. هذه المساحة السطحية الكبيرة، بالإضافة إلى الخصائص الأخرى التي يمكننا أن نتحكم فيها بتكنولوجيا النانو، يمكن أن تؤدي إلى إمكانيات مذهلة، كإمكانية تنقية المياه بسرعة هائلة قد تصل إلى لحظات، وكذلك إمكانية تخزين كميات هائلة من الطاقة الكهربائية في جهاز كهربائي ذي حجم صغير جدا، وبسرعة كبيرة جدا تصل إلى دقائق أو ثوانٍ.

 

فريق البحث العامل مع البروفيسور ويليام ديكتيل  (الجزيرة)

 

مؤخرا انتشر خبر عن تقنية جديدة ستحدث ثورة في مجال تنقية المياه، ابتكرها أحد أعضاء فريقك، كيف تقيم هذا الاختراع وأبعاده في حل مشكلة تلوث المياه بالملوثات العضوية في الماء؟

 

نحن سعداء جدا وفخورون باكتشاف الدكتور علاء الدين السبيعي، وهو مادة بولميرية ذات مسامات نانوية، ومشتقة من نشا الذرة. هذه المادة البولميرية تستطيع أن تزيل الملوثات الكيميائية العضوية من المياه بشكل سريع، وتتجاوز فعاليتها وسرعتها جميع المواد الكربونية المستخدمة في تنقية المياه، خاصة الكربون الفعال ذا المساحة السطحية العالية. اكتشاف الدكتور علاء الدين مهم جدا خاصة في الوقت الحالي، وأعتقد بأن له أبعادا مستقبلية كبيرة، وسيكون له تأثير إيجابي على حياة البشر على سطح الأرض.

 

 هل سيستخدم هذا الاختراع قريبا لتطوير مواد تهدف إلى تنقية الهواء من الملوثات العضوية السامة، عبر فلاتر تنقي الهواء المنبعث من مداخن المصانع وعوادم السيارات؟

 

 نعم، أحد الجوانب المثيرة لهذه المادة هي أنها يمكن أن تجد تطبيقات مهمة في كل هذه المجالات المذكورة، في إزالة الملوثات الكيميائية المختلفة من الهواء وعوادم السيارات والغازات الكيميائية السامة الصادرة عن المعامل والمصانع، وغيرها من التطبيقات الأخرى.

 

من المبكر الآن أن نتنبأ بالأبعاد والتطبيقات المختلفة التي من الممكن أن تستخدم فيها هذه المادة، ولكن إمكانيات وخصائص هذه المادة الهائلة توجد أسبابا عديدة للتفاؤل بشأن إمكانية استخدامها في كل هذه المجالات، وأن تحدث تأثيرا إيجابيا في حياة البشر وحماية البيئة.

 

هل سنجد هذا الاختراع قريبا في الأسواق؟ وهل ستكون هناك شركة تنتج هذه المادة على المستوى الصناعي بهدف تنقية المياه في المنازل؟ أم أن استخدامه سينحصر على المشاريع الكبرى لحكومات العالم؟

 

هناك تحدٍ كبير في الانتقال بالاكتشافات العلمية من المختبر إلى منتجات تجارية، يمكن أن تستخدم في الحياة العملية، لكن نحن نعمل على هذا الأمر حاليا، وقد يأخذ بعض الوقت.

 

من المبكر أن نتنبأ إذا كانت هذه المادة ستكون مناسبة للاستخدام المنزلي أو في محطات تنقية المياه، الخطوة الأولى التي نعمل عليها حاليا هي تطوير الطرق التصنيعية الكيميائية التي تمكننا من أن نصنع هذه المادة بكميات صناعية كبيرة، وفي الوقت نفسه نحن نعمل على دراسة واستكشاف الإمكانيات والخصائص الأخرى لهذه المادة، التي من الممكن أن نستفيد منها في تطبيقات أخرى.

 

في ضوء خبرتكم وأبحاثكم، ما الذي تحتاجه البشرية لتتخلص من مشكلة تلوث المياه والهواء التي تسبب مخاطر على المستقبل؟

 

 أعتقد بأننا نحتاج إلى أبحاث علمية مستمرة ودؤوبة في مجالات التكنولوجيا النظيفة والطاقة البديلة، بالإضافة إلى دعم مادي ومعنوي كبير ومساهمة فعالة من الشعوب والحكومات في البلدان المختلفة لمساعدة الباحثين في هذه المجالات، وبحاجة لمساهمة فعالة من قبل الشعوب خاصة في ترشيد استهلاك المياه وتقنين استهلاك الطاقة الكهربائية والوقود المستخدم في وسائل المواصلات.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

بكين عاصمة الضباب الخانق

بكين عاصمة الضباب الخانق

 

همام درويش-بكين

 

لندن مدينة الضباب. هذا كان سابقا، قبل أن تنافسها العاصمة الصينية بكين على هذا اللقب، الذي طالما تفاخرت به لندن، لكن هذه المرة ضباب من نوع آخر، ضباب حدّ من مسافة الرؤية ليصل إلى مئتي متر فقط، وسببه ارتفاع مستوى التلوث إلى أكثر من 12 ضعفا عن الحد المصنف عالميا، وهو 25 ميكروغراما للمتر المكعب الواحد، ليصل أحيانا في بكين إلى 260 ميكروغراما.

 

فالإنذار الأحمر الذي أصدرته الحكومة الصينية مرتين في شهر واحد فقط، وما رافقته من إجراءات مؤقتة، يبدو أنه نجح إلى حد ما في تقليل نسبة الانبعاثات الغازية إلى 30% خلال عشر ساعات فقط من تطبيقه، وفق ما أعلن مكتب حماية البيئة، ولكنه أدى إلى تعطيل جزئي لنشاط العاصمة في بعض مؤسساتها ومدارسها، حتى أن تأثيره وصل إلى حد إلغاء بعض الرحلات الجوية.

 

ولا يخفى ما للتقدم الصناعي والاقتصادي السريع الذي حققته الصين من ضريبة تدفعها من ثرواتها الطبيعية والقومية، لا سيما أهم هذه الثروات المتمثلة في العنصر البشري، فاعتماد الصين على الوقود الأحفوري من نفط وفحم لتوفير مصادر الطاقة وما تطلقه من الملوثات وانبعاثات كربونية -كغاز ثاني أكسيد الكبريت وأول أكسيد النيتروجين- المنبعثة من المصانع والسيارات، يؤثر على البيئة ليصل تأثيرها إلى الطقس والمناخ. يضاف إلى ذلك جغرافية المدينة التي تحيطها الجبال من ثلاث جهات، لتصبح مع برودة الطقس العامل الرئيسي لتشكل الضباب الدخاني، حسب ما يؤكده خبراء البيئة.

 

الغازات المنبعثة من المصانع من أهم أسباب التلوث في العاصمة بكين (الجزيرة)

ومما يلفت نظر المتجول في شوارع العاصمة بكين مشهد المقنعين، فارتداء الكمامات أضحى منظرا مألوفا ولجميع الأعمار، حيث تهافت الصينيون على شراء الكمامات التي لم تسلم بدورها من قانون السوق والعرض والطلب، حيث ارتفعت أسعارها بشكل ملحوظ، لا سيما الكمامات ذات الجودة العالية، كما وضعت هذه الكمامات بصمتها على سباق الماراثون السنوي هذا العام بارتدائها من قبل المشاركين أثناء السباق.

 

وتطبيقا لمقولة "مصائب قوم عند قوم فوائد"؛ فقد وجدت تجارة أجهزة تنقية الهواء المنزلية مثل نظيرتها من الكمامات رواجا لم تعهده من قبل، حيث حققت نسبة مبيعات قياسية هذا العام، وفي بعض الأحيان كان العثور عليها أمرا متعذرا، لا سيما عندما تنفد من الأسواق، مضيفة أعباء مادية إضافية لذوي الدخل المحدود.

 

وكان للمشافي والوحدات الصحية نصيب الأسد من تداعيات موجات التلوث هذه، حيث شهدت ارتفاعا في عدد المراجعين ممن يعانون من صعوبة التنفس والسعال وغيرهما، دون تمييز بين شاب ومسن، فالكل سواسية أمام أعراض هذا التلوث.

 

العاصمة بكين تغيب في غيمة من الضباب الدخاني أثناء فترة إعلان الحكومة الصينية الإنذار الأحمر (الجزيرة)

أما القلق من العوارض الصحية فقد بات يرقى إلى ما يمكن وصفه "بفوبيا" التلوث، فقد أسهمت هذه "الفوبيا" في حسم قرار من كان مترددا في مغادرة بكين سواء كانوا من الصينيين أو الأجانب المقيمين فيها، حيث آثر البعض الانتقال إلى مدن صينية أخرى بعيدة عن التلوث، أو مغادرة الصين، خاصة من الأجانب.



يقول لوش -وهو بولندي يعمل في بكين منذ أربع سنوات- إنه قرر المغادرة مؤثرا الحفاظ على صحته ومضحيا بمصدر رزقه، فهو يعتقد بأن صحته بدأت تتأثر بشكل كبير بهذا التلوث. وهذا لسان حال العديد من الأجانب وشريحة لا بأس بها من الصينيين أيضا، خاصة إذا عرفنا أن الشعب الصيني من أكثر الشعوب ممارسة للرياضة، وأكثرهم اتباعا لنظام غذائي وحياتي صحي.

 

وفي خطوة حكومية للتخفيف من حجم انبعاث الغازات من عوادم السيارات -البالغة أكثر من أربعة ملايين وأربعمئة ألف سيارة في بكين وحدها- شجعت الحكومة الصينية مواطنيها على اقتناء السيارات الكهربائية الصديقة للبيئة، حيث منحت القروض الميسرة لشرائها، وسهلت الحصول على اللوحات الخاصة بها.

 

ارتداء الكمامات بألوان وأنواع مختلفة في بكين أصبح ظاهرة مألوفة لجميع الأعمار في بكين (الجزيرة)

وانعكس قرار الحكومة إيجابيا على مؤشر مبيعات هذا النوع من السيارات، فقد ارتفعت مبيعات شركة "بايك بي جي آي أف" مثلا -وهي إحدى أكبر شركات السيارات الكهربائية في الصين وتستحوذ على 66% من السوق الصينية- إلى 6223 سيارة خلال النصف الأول من عام 2015، قياسا بما باعته الشركة في عام كامل، والذي وصل إلى 5510 سيارات، كما ذكرت بعض المواقع الإحصائية.

 

وتواصل الحكومة الصينية جهودها للتحكم في حركة السيارات من خلال أرقام لوحاتها، وإغلاق محلات الشواء في الطرقات، أو منع الألعاب النارية وغيرها، وهو ما يثير تساؤلا عن مدى نجاعة مثل هذه الحلول في مكافحة ظاهرة التلوث، التي لا تقتصر على الهواء،  بل تتجاوزها إلى تلوث التربة والغذاء والماء وغيره. ويبقى أن مثل هذه الإجراءات تعكس مدى جدية الحكومة واستشعارها هذا الخطر الذي بات يؤرقها، فاقتصادها والتلوث مرتبطان ارتباط الجنين بالحبل السري.

 

فالحكومة الصينية -حسب رأي خبراء بيئيين واقتصاديين- أمام تحد لا تُحسد عليه، وهي بحاجة إلى حلول أكثر نجاعة وتأثيرا على المدى الطويل، وعليها استخدام كل الطرق والوسائل لحل هذه المشكلة، لا سيما في ظل تكنولوجيا المعلومات والحواسيب المتقدمة، فهل تنجح في استثمار نظام إنذار مبكر وفعال، لتحديد -مثلا- أماكن وأوقات عمل المصانع تبعا لمستويات التلوث؟

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

الأطفال في عزلة الحواسيب اللوحية

الأطفال في عزلة الحواسيب اللوحية

مروة العقاد-عمّان

 

ما إن دخلت سارة (22 عاماً) أحد المطاعم الشهيرة في عمّان برفقة شقيقها الذي يصغرها بعشرة أعوام حتى عاد بها الزمن إلى أيام طفولتها، وتقارن بين طفولة جيلها وطفولة جيل أخيها.

 

تقول سارة "في الماضي كانت الألعاب الجماعية التي توفرها المطاعم أو الموجودة في الحدائق العامة تجمعنا بأبناء جيلنا، لنلعب معا بمرح كأننا نعرف بعضنا منذ زمن، لكنني الآن لم أعد ألحظ أي طابع جماعي في ألعاب الأطفال، إنهم يميلون إلى العزلة والهدوء، فبأيديهم أجهزة لوحية تكفيهم وتغنيهم".

 

وتضيف "حتى أن أحد المطاعم وفّر -بالإضافة إلى الألعاب التقليدية- قسماً خاصاً بالأجهزة اللوحية، التي جذبت أنظار الأطفال إليها، وأسهمت في ترك الألعاب التقليدية فارغة".

 

يشبّه المستشار الاجتماعي سيد الرطروط التغيرات التي طرأت على تصرفات الأطفال بالعدوى التي وصلتهم من أسرهم.

 

حيث يقول إن منظومة التواصل بين الأهل وأبنائهم تراجعت بسبب التطور التكنولوجي الذي طال الجميع، مما جعل الأطفال يجدون أجهزة جديدة تغنيهم عن أهاليهم المشغولين عنهم بأجهزة شبيهة.

 

في المطعم ذاته، التقت مجلة الجزيرة أسماء (العشرينية) التي كافأت ابنتيها (خمسة أعوام وثمانية) بإحضارهما لتناول وجبات الطعام التي يحبانها، ومن ثم اللعب على الأجهزة اللوحية التي يوفرها المطعم.

 

الألعاب على الحواسيب اللوحية يسرق أوقات الأطفال ويحرمهم من الألعاب الحركية (الأوروبية)

تقول أسماء إنها تحاول قدر المستطاع تقليل فترة لعب ابنتيها على الأجهزة اللوحية، لأن انغماسهما في اللعب عليها يزيد انطواءهما وتحولهما إلى فتاتين عدائيتين في حال غيابها.

 

منى (33 عاماً) أم لثلاثة أطفال، لاحظت كذلك انجذاب أبنائها إلى الأجهزة اللوحية أكثر من أي لعبة تقليدية أخرى، الأمر الذي جعلهم يجهلون كيفية اللعب الجماعي.

 

تقول منى "للأجهزة اللوحية أثر إيجابي كبير على الرغم من السلبيات الكثيرة التي تحيط بها وتؤثر على أطفالنا"، حيث لاحظت أن هذه الأجهزة ساعدت في تنمية إدراك أطفالها في وقت مبكر لم يكن ليحدث مع أطفال من أجيال سابقة، كما أنها ساعدت في منح أطفالها قسطاً من الهدوء.

 

يؤكد ذلك الرطروط، حيث يقول إن الأجهزة اللوحية تزيد ذكاء الأطفال ومدى تفاعلهم، لكنه يصرّ على ضرورة رقابة الأهل على جميع حركات الأطفال عليها.

 

وهذا ما أكدته منى التي تحافظ على متابعة ما يفعله أطفالها، وتخصيص ساعات محددة لاستخدام هذه الأجهزة، كي لا تتحول إلى إدمان وتؤثر سلباً عليهم، وليكون لديهم وقت آخر للعب التقليدي وممارسة حياتهم الطبيعية.

 

وفي ما إن كان استخدام هذه الأجهزة يزيد مستويات العدائية لدى الأطفال، تقول منى "لاحظت على ابني الأكبر بعض التصرفات العدائية، وهذا يعود إلى نوعية الألعاب والبرامج التي يختارها، فهو يحب اللعب بالديناصورات كثيراً، الأمر الذي يجعله يطبق حركاتها على إخوته الأصغر بمجرد تركه جهازه اللوحي".

 

للحواسيب اللوحية استخدام واسع في الغرب في التعليم المدرسي (أسوشيتد برس)

مضيفة "بشكل عام، تزيد نسبة العنف عند كافة أبنائي إن زادت فترة جلوسهم على الأجهزة اللوحية أو إن غابت عنهم كلياً، لذلك أحاول تخصيص وقت محدد لاستخدام هذه الأجهزة وتعويدهم على عدم التعلق بها وخلق بدائل كثيرة لهم".

 

من خلال تجربة الثلاثينية حنان مع أبنائها، لاحظت وجود الكثير من الألعاب غير المدروسة التي تعتمد على العنف أو السرعة المبالغة لتخطي مراحلها، مما قد يؤثر بشكل سلبي على قدرات الأطفال ويفقدهم التركيز في ما حولهم.

 

تقول حنان "أحاول إبعاد أطفالي عن الألعاب المضرة، لكنهم بشكل أو بآخر يلعبونها"، مضيفة "ابني (سبعة أعوام) يصرّ على تحميل ألعاب العنف، فهو متعلق بها بشكل لا يوصف، الأمر الذي جعلني بعد فترة من لعبه ألاحظ تغيراً على أسلوبه في التعامل مع أخيه الأصغر (خمسة أعوام)، حيث أصبح يميل إلى الضرب خلال لعبه معه، وإلى فعل حركات غريبة في الهواء مع إطلاق تسميات غريبة لكل حركة".

 

بالإضافة إلى ذلك -تقول حنان- إن هذه الأجهزة أفقدت الأطفال بشكل عام قدراتهم على التواصل والتحاور مع بعضهم ومع من حولهم، حيث جعلت مستوى ذكائهم الاجتماعي يتدنى، وجعلتهم يميلون إلى الانفراد خلال لعبهم.

 

وتواصل حديثها "كان أبنائي وأولاد عمومتهم يلعبون معاً باستمرار، لكنهم أصبحوا الآن يجلسون معا دون أي تواصل، ففي يد كل واحد منهم جهازه اللوحي، الذي حرمهم من متعة التواصل وتبادل الخبرات". و"أعمل جاهدة على إبعاد أطفالي عن هذه الأجهزة، لكن التحدي صعب وكبير في ظل انتشارها الواسع وسحرها عليهم".

 

وفي هذا الخصوص، يقول الرطروط إن الأجهزة اللوحية سلاح ذو حدين؛ فهي قادرة على رفع مستويات الذكاء لدى الطفل، وتدميره ورفع مستويات العدائية لديه أيضا، وذلك يعود لرقابة الأهل، ومراقبة سلوكه الناجم عن استخدامها لدراسة أسبابه ومعالجته.

 

وفي ظل الانتشار الواسع للأجهزة اللوحية بين الأطفال، يبقى السؤال الأهم الذي لا بد من الالتفات إليه هو: هل ستغير هذه الأجهزة فطرة الأطفال التي كانت تجري خلف كرة القدم أو تنطلق إلى الأرجوحة أو تختار لعبة جماعية "كالاستغماية" بفطرة ميّالة إلى الوحدة وبعيدة عن روح الجماعة؟

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك