-1/15-

حين تغرب شمس النوبة

محمد المختار الخليل
مدير تحرير موقع الجزيرة نت 

بلاد الذهب، هو ما تعنية كلمة "النوبة" في اللغة المصرية القديمة؛ شعب استوطن ضفاف نهر النيل -بين مصر والسودان اليوم- وأقام فيها حضارة موغلة في التاريخ، ولا تزال آثار بعض تلك الحضارة والعمران السابق لعصره قائمة بعد أن استعصت على عوامل الهدم والتعرية على مدى عشرات القرون.

 

يوم النوبة ليس كأمسها، فبعد أن كانت المُعلم الأول للإنسان، كما يؤكد بعض علماء التاريخ والآثار، أصبحت منطقة طاردة لأبنائها، يسيحون في الأرض بحثا عن لقمة العيش، ويتعايش من بقي منهم على أرضهم مع الفقر والحرمان من التنمية، حتى السياحة التي كانت تدر عليهم دخلا باتت اليوم شحيحة، بعد أن دخلت مصر دوامة العنف وفقدان الأمن.

 

مرّ على هذه الأرض زمان كانت حدودها تمتد مسافات شاسعة من البحر الأبيض المتوسط إلى أعماق أفريقيا، حين كانت ناهضة وقوة عظمى بين القرنين الثامن والرابع قبل الميلاد كما يذكر المؤرخون، لكنها اليوم لا تعدو أن تكون بضع قرى مبعثرة على شريط قريب من النيل جنوب مصر.

 

وتبدلت حال النوبة في كل شيء؛ الانحسار بعد التوسع، والفقر بعد الغنى، والشتات في الأرض بعد أن كانت مقصد العالم، وما زال بعض أهل النوبة يعيشون اليوم مرارة التهجير من قراهم قبل خمسة عقود عند بناء السد العالي.

 

لكن يبقى للنوبيين وأرضهم ما يجذب العالم؛ قد يكون ما نجا من آثارهم من عاديات الزمن، وقد يكون ما يحتفظ به النوبيون من ثقافة تخصهم وتميزهم عن غيرهم، ويقاتلون لإبقائها نابضة بالحياة، وربما لعمرانهم وألوانهم وأواصرهم الاجتماعية دور في هذه الجاذبية.

 

لهذا كله اخترنا أن نفرد هذا العدد للنوبة التي هي زينة النيل منذ التاريخ، لنتعرف معا على زوايا وجوانب فريدة في هذا المجتمع وهذه الأرض.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/15-

عدد خاص (النوبة.. زينة النيل)

عدد خاص (النوبة.. زينة النيل)


إعداد مراسلة الجزيرة نت في القاهرة
دعاء عبد اللطيف

 

من هم سكان بلاد الذهب؟
تعرف على "بلاد الذهب" وسكانها وقصتهم مع الأرض والنيل.

معبد أبو إيدهو الأثري أحد معالم أسوان الجاذبة للسياحة  (أسوشيتد برس)

 

جماعات النوبة.. اعتزال الآخر وانصهار مع الذات
ينقسمون إلى جماعات أو قبائل.. يبالغون في الترابط فيما بينهم لكنهم يتوجسون من الغريب.
 

عجوز نوبي يسكن جزيرة أسوان (الجزيرة)

 

إنهم يعشقون النيل
أن تسأل عما يعنيه نهر النيل له، فهذا عين الصعوبة لك وله على حد سواء.

يمتليء نيل النوبة بالصخور الجرانيتية التي تمنحه جمالا خاصا (الجزيرة)

 

المؤرخ بسام الشماع: النوبي هو المعلم الأول للعالم
بمَ تميزت حضارة النوبة القديمة؟ وإلى أين امتدت؟ ولماذا ارتبطت بالنيل؟

بسام الشماع يؤكد أن الإنسان النوبي هو المعلم الأول للعالم (الجزيرة)

 

حجارة تحكي تاريخهم
معابد وأعمدة وجدران لا تزال تنبض بتاريخ النوبة بعد عشرات القرون من الزمن.
 

معبد كومب أومبو من الآثار الجاذبة للسياح الأجانب إلى مناطق النوبة (أسوشيتدبرس)

 

تهجير النوبة.. ألم الاقتلاع من النيل
كان بناء السد العالي وبالا على أهل النوبة وسببا في تهجيرهم قسرا عن أرضهم.
 

طفلة من قرية توشكى بنصر النوبة تقف أمام إحدي بيوت التهجير بعد أن هجرها أهلها (الجزيرة)

 

نصر النوبة.. وادي جهنم دون النيل
44 قرية هجرت قسرا إلى "نصر النوبة"، لكن النوبيين ما زالوا يسمونها وادي جهنم.

هاجر الكثيرون من نصر النوبة للبحث عن عمل (الجزيرة)

 

موسم الهجرة إلى الشمال
ضاقت عليهم أرضهم فلاحقوا لقمة عيشهم في شمال مصر أو خارج البلاد.

المهاجر النوبي دائم الحنين لأرضه ونيله-قرية جبل تقوق النوبية (الجزيرة)

 

تقاليد نوبية يغيّب الزمن ملامحها
يصارع النوبيون للحفاظ على تقاليدهم التي تميزهم عن غيرهم،  وينحو بعضها نحو الاندثار.

حفل زفاف نوبي تقليدي  (رويترز)

 

الفن النوبي.. أن تُلخص رقصة الحياة
آلات موسيقية ورقصات وأغانٍ تراثية تغْني الفن النوبي وتجذب السياح للطرب له.

النوبة يعتزون بموسيقاهم وآلاتها التقليدية في قرية أدندان قرب أسوان (رويترز) 

   

المرأة النوبية.. رب الأسرة خلف الأبواب
قيادة المرأة لبيتها لها جذور تاريخية قديمة، عززها غياب الرجل عن منزله طويلا.
 

لا توجد سيدة نوبية تجهل عمل المشغولات اليدوية (الجزيرة)

 

غرب سهيل.. قرية السياحة بلا سياح
كانت القرية بمثابة سفيرة السياحة للنوبة.. لكنها اليوم تشكو الوحدة والركود.

تنتشر دكاكين بيع العطارة النوبية في غرب سهيل (الجزيرة)

 

 

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/15-

من هم سكان "بلاد الذهب"؟

من هم سكان "بلاد الذهب"؟

استقر النوبيون جنوب مصر والتصقوا بنهر النيل منذ آلاف السنين، فعاشوا على ضفافه الضيقة وسكنوا بعض جزره. ورغم أن القرن الماضي شهد تغيرا جغرافيا وديموغرافيا للنوبة فإنها تظل بقعة مميزة بحضارتها الضاربة وجذورها عمق النهر والتاريخ.

 

تعني النوبة باللغة المحلية "بلاد الذهب"، يُطلق على نوبة مصر اسم النوبة السفلى، أما العليا فتقع شمالي السودان، ولم يستطع المؤرخون تحديد الحدود الجغرافية لبلاد النوبة على وجه الدقة، إذ امتدت وتقلصت على مدار الحقب والممالك التاريخية المختلفة دون استقرار بيّن يمكن تحديده برسم خرائطي.

 

ولكن البداية الحقيقية لتحديد جغرافيا نوبة مصر كان في القرن الـ19 وتحديدا عام 1841، حيث صدر فرمان من الخليفة العثماني بترسيم الحدود بين مصر والسودان، ثم تلاه بعقود قرار تعديل الحدود المصرية السودانية، بناء على الاتفاقية الثنائية بين القاهرة والاحتلال البريطاني عام 1899، والتي بموجبها  أصبح الجزء الواقع داخل مصر يمتد من قرية أدندان جنوباً حتى الشلال الأول شمالاً بطول 350 كيلومترا، أما نوبة السودان فباتت تضم القرى الواقعة جنوب خط عرض 22 من وادي حلفا حتى الشلال السادس.

 

معبد جزيرة كلابشة أحد أشهر المعابد القديمة في النوبة  (الجزيرة)

عروق النوبة

وتنقسم جماعات النوبة إلى ثلاثة عروق، أولهم وأعرقهم الفادجا وهم السكان الأصليون للنوبة، ويتحدثون لغة خاصة غير مكتوبة هي الفاديجية، أما الكنوز فأصولهم من شبه الجزيرة العربية، ويتحدثون الكنزية، وثالثهم النوبيون العرب وهم يجيدون العربية مع بعض من الكنزية والفاديجية، ولكل منهم تجمعه الجغرافي الخاص، ولكنهم يشتركون في العادات والتقاليد سواء ما يتمسكون به حتى الآن أو ما اندثر بفعل الزمن.

 

ولا توجد إحصائية بعدد النوبيين المصريين، ولكن آخر إحصاء لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار سنة 2012 لسكان نصر النوبة -التي هٌجر إليها النوبيون في الستينيات- هو 85 ألف شخص، أما سكان الجزر والنجوع المترامية على سفوح الجبال والجزر فلا حصر لعددهم، تماما كالمهاجرين إلى المحافظات المصرية وخارج البلاد، ولكن بعض النوبيين يرفعون أعدادهم لنحو ثلاثة ملايين نسمة.

 

وتشير الدراسات إلى تناقص عدد سكان النوبة بمقدار الربع بسبب الهجرة خلال القرن الماضي، فمثلا تناقص عددهم من 58.8 ألف نسمة عام 1937 إلى 44 ألفا عام 1960.

 

قرية توشكى-نصر النوبة بها بيوت تتكون من طابقين وثلاثة بعكس غالبية بيوت نصر النوبة  (الجزيرة)

الشتات

وفي القرن الماضي، عانى أهل النوبة من غرق قراهم أربع مرات بسبب بناء سدود مائية أدت لارتفاع مناسيب النيل، أولها عند تشغيل خزان أسوان عام 1902، حيث زاد منسوب النيل 106 أمتار، فغرقت عشر قرى، ثم بعد تعليته الأولى عام 1912 إذ ارتفع المنسوب 114 مترا لتغرق ثماني قرى، فالتعلية الثانية عام 1933، والتي نتج عنها ارتفاع المياه 122 مترا واختفاء عشر قرى أخرى، وآخر غرق كان مع بناء السد العالي وتهجير النوبيين عامي 1963 و1964.

 

وأمام غرق القرى واجه النوبيون الشتات، فمنهم من استقر بسفوح الجبال والجزر، وآخرون هاجروا شمالا إلى القاهرة والإسكندرية أو خارج البلاد لإيجاد فرص عمل، وبعضهم قبل بالمناطق البديلة التي خصصتها الحكومة لهم في شمال شرق أسوان، بعيدا عن النيل بعشرات الكيلومترات في ستينيات القرن الماضي، وشحيح منهم فضل النزوح جنوبا إلى السودان.

 

وليمة العشاء بمناسبة حفل زفاف في أسوان حيث يمتاز كل شي بالبساطة  (رويترز)

اقتصادهم

كمعظم المصريين يعاني النوبيون من التهميش الحكومي وفقر المعيشة والمرافق والخدمات، لكن معاناتهم تزيد بالشتات وشح خيارات العمل، وقبل بناء السدود المائية اعتمد الاقتصاد النوبي بشكل رئيسي على الزراعة النهرية، وكان النخيل هو العلامة المميزة لها، وجاء النقل عبر النيل في المركز الثاني لرزق النوبيين.

 

ولكن غرق الأراضي بعد ارتفاع مناسيب النيل أحدث خللا كبيرا في طبيعة الإنتاج، فباتت التحويلات النقدية للنوبيين المغتربين في شمال البلاد وخارجها هي مصدر الدخل الرئيسي، وبعدها الزراعة في منطقة نصر النوبة، ولكنها لا تدر حصادا يوازي مجهود الفلاحة بسبب طبيعة الأرض الصحراوية عكس أرض وادي النيل.

 

ومؤخرا، اتجه بعض النوبيين إلى قطاع السياحة لمواجهة الفقر الناتج عن شح العمل الذي تعانيه مناطقهم، فنجد أن قرية بأكملها كغرب سهيل النجع البحري، والبالغ عدد سكانها أربعة آلاف نسمة، يعتمد اقتصادها بشكل كلي على السياحة.

 

وتحاول نساء النوبة المشاركة في تأمين لقمة العيش، فمعظمهن يصنعن المشغولات اليدوية كالأطباق والسلال وبعض الملابس، سواء لاستخدامها داخل منازلهن أو بيعها في الأسواق لجني المال.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/15-

جماعات النوبة.. اعتزال الآخر وانصهار مع الذات

جماعات النوبة.. اعتزال الآخر وانصهار مع الذات

أن تكتفي بذاتك مع من يشبهك من الذوات هو عين الزهد في مغريات الانصهار الحضاري، وهم على ذلك زاهدون جدا؛ إذ اتخذوا العزلة سكنا لهم. ومقابل العزلة، انصهر النوبيون تمام الانصهار فيما بينهم، وكأنهم يحتمون ببعضهم في وجه أي غريب عن جغرافيتهم. وهم لا يخافون الغريب بل يحبونه ولكنه يظل غريبا، يأخذ ضيافته ويرحل، مع توديعه بابتسامة صادقة تشجع عودته مرة أخرى.

 

يقول سائق سيارة الأجرة "هم مترابطون جدا، في الفرح والحزن يجتمعون، لكنهم مع الغريب غير ذلك". ثم يحاول تقديم دليل على رأيه "دعوت أصدقاء نوبيين لحضور أربع مناسبات مختلفة، لكنهم لم يلبوا الدعوة، في حين أنه لو دُعي أحدهم إلى فرح نوبي على بعد ألف كيلومتر، فسيذهب".

 

حُمِّلت بأحاديث كثيرة عن ارتباط النوبي ببني عرقه، كان آخرها ما قاله سائق سيارة الأجرة التي أقلتني إلى أقرب مرسى لمراكب تُبحر إلى جزيرة أسوان شمالي النوبة، والتي يسكنها الكنوز، وهي واحدة من ثلاث جماعات تتكون منها النوبة.

 

وإلى جانب الكنوز، يوجد الفاديجا والنوبيون العرب، وداخلهم تتفرع العديد من القبائل التي تنصهر في جسد الجماعة، فلا يمكن أن تلتقي بأحدهم وتسأله عن أصله إلا أرجعه للجماعات الثلاث السالفة، دون ذكر قبيلة بعينها، وإن خف الأمر قليلا مع العرب.

 

والجماعات الثلاث كانت قديما تُشكل النوبة السفلى -النوبة المصرية حاليا- والتي تبدأ من بلدة دابود المصرية جنوب مدينة أسوان إلى قرية أدندان بطول 350 كيلومترا. أما النوبة العليا ففيها شريحة من تلك الجماعات مع عروق أخرى، وتبدأ جغرافيتها بحدود السودان مع مصر إلى قرية الدبة السودانية بطول 650 كيلومترا. ولكن مع محاولات تاريخية لفصل النوبتين كللت بالنجاح بتوقيع الاتفاق الثنائي بين مصر وإنجلترا عام 1899، انفردت الأخيرة بحكم السودان ومن ثم تشريح المنطقة لقسمين.

 

العزلة الجغرافية فرضت الانصهار بين النوبيين (الجزيرة)

ثلاثة عروق

والفادجا يمثلون العرق الأصلي الذي عاش في بلاد النوبة، ولكن بحكم موقع النوبة الفاتح ذراعيه للشمال والجنوب، استقبل الفاديجات- كما يلقبون أنفسهم- هجرات بعض الجماعات الأفريقية خاصة الزنوج، مما أدى إلى اكتسابهم بعض الملامح الأفريقية التي تتسم بالطول وبروز الفكين والأنف العريض.

 

وقبل تهجير قرى النوبة عاش الفادجا على الشريط الجنوبي لها بطول 125 كيلومترا، في قرى الدر والديوان وتوماس وعافيه وكرسكو وأبو حنضل وتنقالة وإبريم وقتة وعنيبة ومصمص وتوشكى وارمنا والجنينة والشباك وقسطل وأبوسميل وبلانة وأدندان، لكن غالبيتهم هُجِروا شمالا إلى نصر النوبة، شمال شرق أسوان عام 1964 مع بناء السد العالي.

 

ويتحدث الفاديجا "الفاديجية"، وهي لغة غير مكتوبة لذلك تُصنف باعتبارها لهجة، وإن كان متحدثوها يعتبرونها لغة قائمة بذاتها.

 

أما الكنوز أو الماتوكية -وتعني بلغتهم: القادم من الشرق- فأصولهم تعود لقبيلة بني ربيعة من شبه الجزيرة العربية، حيث استقر فرع من القبيلة في منطقة عيذاب جنوب الصحراء الشرقية في مصر، وأسسوا إمارة قوية في أسوان وما حولها، وكان أحد أمرائها هو أبو المكارم بن محمد بن علي الذي قبض على أحد المتمردين على الدولة الفاطمية، فأنعم عليه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله بلقب كنز الدولة، فعرف ساكنوا تلك المنطقة بالكنوز.

 

النوبيون يتميزون بكرم الضيافة لكنهم لا يفضلون الانصهار مع الغرباء (الجزيرة)

وسكن الكنوز شمالي النوبة على طول 145 كيلومترا من شريط النهر، في قرى وجزر أسوان وغرب أسوان والكرور وغرب سهيل وسهيل وفيلة وهيسا وتنجار والشلال ودهميت وامبركاب وكلابشه ودابود ومرواو وماريا وجرف حسين وقرشة وكشتمنه والدكة وأبو هور والعلاقي وقورتة والمضيق، وامتصت ثقافة الفادجا الساكنين الجدد فباتوا نوبيين، ولكن بلغة أو لهجة أخرى غير الفاديجية، وهي الكنزية أو الماتوكية.

 

ومع التهجير إلى نصر النوبة، سكن الكنوز 17 قرية من القرى الجديدة، ومنها الامبركاب وقوتة والسيالة، فضلا عن أولئك الذين فضلوا البقاء على سفوح الجبال والجزر بعدما أغرقت مياه الخزان والسد أراضيهم.

 

وفي القرن الثامن عشر، هاجرت جماعات من قبيلة "العليقات" -التي يرجع نسبها إلى عقيل بن علي بن أبي طالب- إلى النوبة، وسكنت المنطقة الوسط بين الكنوز شمالا والفادجا جنوبا بطول 45 كيلومترا، فيما سُمي بوادي العرب. ولكن عند التهجير في القرن الماضي انتقل أغلبهم لخمس قرى في نصر النوبة، هي السبوع ووادي العرب والمالكي، كما لهم أغلبية في نجع جبل تقوق، إذ يشاركهم فيه صعايدة من محافظات قنا وسوهاج وأسيوط.

 

ومرة أخرى انصهر السكان الجدد بأصحاب الأرض، ولكن تمام الانصهار كان بين النوبيين العرب والكنوز، فكما يقول العليقات "أبانا عربي وأمنا كنزية".

 

ولا توجد إحصائية خاصة بعدد النوبيين المصريين على مختلف أعراقهم، ولكن آخر إحصاء لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار سنة 2012 لسكان نصر النوبة -التي هٌجر إليها النوبيون في ستينيات القرن الماضي- هو 85 ألف شخص.

 

أما سكان الجزر والنجوع المترامية على سفوح الجبال والجزر فلا حصر لعددهم، وإن كانت المشاهدة الميدانية تقول إنهم أقل بكثير من منطقة التهجير، فضلا عن عدم إحصاء المهاجرين إلى العاصمة وباقي المحافظات ومن هاجروا خارج البلاد.

 

حجرة استقبال ضيوف داخل متحف بجزيرة أسوان (الجزيرة)

ترابط

يبتسم في ود فتتلاقى تجاعيد محيطة بعينيه، ثم يمرر "الطبيعة فرضت علينا العزلة التي فرضت الترابط فيما بيننا"، وينفي العجوز السبعيني مصطفى -من عرق الكنوز- صفات القبلية عن النوبيين كالعصبية للسلالة، وإن كانوا جميعهم منحدرين من قبائل.

 

ويضيف "كل منا يستطيع ذكر سلالته كلها إلى آخر جد، لكننا نظل نوبيين". والأسرة الواحدة تظل هي المشكّل الرئيسي لنواة المجتمع النوبي، لكن مع اندلاع مشكلات كبيرة تظهر العروق القبلية كمحاولة للحل لا لمناصرة المخطئ أو المظلوم، كما يؤكد الرجل السبعيني.

 

لكن عبد الغفور -من جماعة النوبيين العرب- يميل إلى الاعتراف بالقبلية داخل جماعته، ويطرح تحليله في ذلك "نحن أقل الجماعات النوبية عددا، وقبائلنا قليلة ومعروفة مقارنة بالقبائل الكنزية والفاديجية الكثيرة جدا".

 

والنوبيون العرب يفتخرون بعرقهم المنتهي نسبه إلى أحفاد الرسول عليه الصلاة والسلام، فهم أشراف، كما أن غالبيتهم ينتمون إلى طرق صوفية، وإن اجتمع أغلبهم حبا في الطريقة الجعفرية، كما يقول عبد الغفور بلهجة فخر.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/15-

إنهم يعشقون النيل

 إنهم يعشقون النيل

كل التواء به يلوي جغرافيتهم، وكل تعرج بصخوره محفور بتعرجات الذاكرة، وما بينهم تركيبة عشق ربما نُقشت طلاسمها على حين غرة من الأجداد، فتداولها الأحفاد كمسلمات ممهورة بختم الزمن.

 

ويُخيل لرائيهم أن ملامحه انطبعت عليهم، فتشق مياهه خطوط وجوههم وتنعم أعينهم بصفائه، وابتساماتهم الدافئة هي نتيجة انعكاس أشعة الشمس على صفحاته.

 

وأن تسأل نوبيا عما يعنيه نهر النيل له، فهذا عين الصعوبة لك وله، فهو لن يقدر على الشرح وأنت ستخجل من سؤالك، فالأمر أشبه بعلاقة التنفس باستمرار الحياة، فالنيل هو وطنه الذي سكن ضفافه وجزره آلاف السنين.

 

ويسير النيل في أرض النوبة بجنوب مصر نحو 350 كيلومترا في حنيات صغيرة متعددة، وتتخلله العديد من الجزر سواء الصالحة للعيش على سطحها أو تلك المكونة من صخور جرانيت ملساء، وظيفتها تأكيد أنه لا جمال على هذه الأرض سوى هنا.

 

وبالتبعية كان النوبيون يمتدون لصق النهر -قبل التهجير في القرن الماضي- حيث يضيق الوادي جنوبا، فتبدأ قراهم شمالا من منطقة الشلال وتحديدا قرية "دابود" حتى "أدندان"، وهي تعد بوابة مصر الجنوبية، ويدخل تخطيطهم الجغرافي جنوبي محافظة أسوان.

 

ومن شدة التصاق النوبي بالنيل، قال بعض من الأوائل إن النوبة هي تحريف لكلمة نيل، لكن قال مؤرخون إن كلمة "نب" في اللغة المصرية القديمة تعني الذهب، وهو الذي كان يستخرجه الفراعنة من أراض قريبة من بلاد النوبة، ومن هنا ولدت التسمية.

 

وبعيدا عن الذهب والنيل، يذكر عالم الجغرافيا الدكتور محمد رياض في كتابه "رحلة في زمان النوبة" أن أغلب المؤرخين يميلون إلى اشتقاق اسم النوبة من اسم قبيلة "النوباتي"، التي استقدمها الرومان في القرن الثالث الميلادي من مواطنهم في الصحراء بين الواحة الكبرى والنيل النوبي، ليكونوا بمثابة إمارة حاجزة للغارات القادمة من الجنوب.

 

سيدة نوبية من جماعة الكنوز (الجزيرة)

النهر يُطعمهم

بتروٍّ وإيجاز يُلخص عبد المالك محمود فضل النيل على الإنسان النوبي "لولاه ما زرعنا وما عشنا، فكنا ملوكا به"، ومحمود، الزاحفة سنواته ناحية الثمانين، يصف نفسه بـ"الفلاح الماهر"، يصمت هنيهة ليفرك يديه، ربما من ذكريات حرث الأرض، ثم يصحح وصفه "كنت فلاحا ماهرا".

 

ويستطرد في شرح كيف أثرت السدود المائية -التي بنيت في القرن الماضي- على طبيعة الزراعة النوبية "لم نعد نزرع على ضفاف النيل، اختفى النخيل وراحت الذرة، ولم يعد يعرف الصغار معنى الكشرنجيج".

 

ويحكي محمود، الذي عاش عقوده بجزيرة هيسا -وهي من أقدم جزر شمال النوبة- كيف كانت الزراعة تتركز شتاء في النوبة، إذ كان منسوب النهر يرتفع صيفا مع الفيضان، ثم ينخفض شتاء ليترك سهلا فيضيا وأحواضا من المياه، ليبدأ النوبي في الزراعة.

 

فيقول "بعد إنشاء خزان أسوان تغير الحال، وأصبح موسم المياه المنخفضة من يوليو/تموز حتى أكتوبر/تشرين الأول، واضطر الآباء إلى استغلال الأرض التي تنكشف عنها المياه بعد تفريغ الخزان، ثم بعد بناء السد العالي توقفت الزراعة تماما على ضفتي النهر".

 

وكان النوبيون يزرعون الذرة والدخان والشعير والعدس والفاصوليا والبطيخ والكشرنجيج، وهو نوع من اللوبيا يزرع وينمو في أي وقت، واستخدمه النوبيون غذاء لهم وعلفا لماشيتهم، أما النخيل فكما يقول العجوز "حكاية أخرى منفصلة".

 

والنخيل بطوله السامق كان رمزا للحياة وسط صحراء جرداء، فكأنه يقول للغريب المار بأرض النوبة "انتبه، على هذه الأرض حياة"، ولكن النخيل اختفى، كما يقول محمود.

 

ويوضح أن نخيل النوبة كان يُنتج أجود أنواع التمور، وكانت فلوق سيقانه تُستخدم في بناء أسقف البيوت، أما السعف فاستغلته النساء في عمل مشغولات يدوية كالحصير والأطباق الخفيفة لحفظ الخبز والحلوى. يقول الرجل بفخر "وقت التهجير في الستينيات حصرت الحكومة أكثر من مليون نخلة مزروعة بأراضي المهجرين".

 

النيل منح الإنسان النوبي الزراعة والصيد والاتصال بالعالم  (الجزيرة)

ويلفت إلى استخدام الشادوف في الري، وهو الأداة التي استخدمها المصريون منذ آلاف السنين لرفع المياه من النهر إلى الأراضي المرتفعة، إلى جانب الساقية.

 

وكان النوبيون يشربون من النهر دون أي دخائل مُنظفة قبل أن تُعكر السدود المياه، يقول صادق هلال قبل أن يرتشف الشاي ويقاطع حديث محمود.

 

"حتى الشاي لم يعد له طعم بسبب المياه التي لم يعد لها طعم". هكذا يقارن هلال الرجل الأربعيني مذاق الشاي قديما وحاليا. ثم ينتقل إلى سرد ميزة أخرى انعدمت من النهر وهي الطمي الذي كان يجعل أراضيهم الأخصب في مصر.

 

يبتسم قبل أن يقول "اخترعنا الزراعة بسبب هذا الطمي"، ثم ترتسم عيناه بالجدية قبل أن يعدل من وضعية نظارته الطبية ليتحدث بلهجة ناصحة "عليك قراءة شخصية مصر".

 

وفي موسوعة شخصية مصر يقول مؤلفها الدكتور جمال حمدان "كان النوبي أول إنسان زرع ورعى الماشية منذ أقدم الحضارات، ساعده في ذلك ترسب التربة الطينية الصالحة للزراعة على جوانب النيل مع قدوم الفيضان، مما جعل الأراضي النوبية حول شريان النيل".

 

وإلى جانب الزراعة وهب النيل أسماكه للنوبيين كالقراميط والساموس والبياض والبلطي، لكن كثيرا منهم لم يقبل الهبة، اتباعا لموروث تحريم اصطياد وأكل الأسماك.

 

ويعتقد بعض أهل النوبة أن الأسماك هي الأحوات وهي محرمة، لأن الحوت هو الذي بلع النبي يونس، لذا فكثير من صيادي النوبة هم صعايدة من محافظات قنا وسوهاج يرتحلون إلى النوبة في أبريل/نيسان للصيد ويرحلون إلى ديارهم في أكتوبر/تشرين الأول.

 

جزيرة أسوان (الجزيرة)

وينقلهم

وبخلاف الزراعة والصيد، استمر النيل في منح فضائله للنوبي، إذ ظل النهر شريان الاتصال لآلاف السنين بين قرى النوبة بعضها وبعض، والعالم كله شماله وجنوبه.

 

والقوارب الشرعية تلتها "الفلوكات" التي ظلت تشق نيل النوبة شمالا وجنوبا لتاريخ طويل إلى أن ظهرت الصنادل النيلية والإكسبرس- وهي باخرة كانت تُبحر مباشرة دون توقف من منطقة الشلال شمالا إلى آخر قرى النوبة- إلى جانب "البوستة"، وهي السفينة التي كانت تتوقف عند كل قرية نوبية وتنقل الناس والبضائع والبريد والتحويلات المالية، لذا سميت بهذا الاسم.

 

يقول هلال "كان أجدادنا يبيعون للغرباء المارين بالسفن بنظام المقايضة، فيعطون الغريب التمر مقابل الشاي أو السكر أو الأرز". ثم يجدها فرصة لإبراز كرم الشخصية النوبية فيردف "وأحيانا كنا نعطيهم التمر بلا مقابل".

 

وعند سؤال الرجل الأربعيني عن سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على أراضيها وتأكيد خبراء الري تأثيره السلبي على مياه النهر الواصلة لمصر، لم يكن له رد طويل "النيل يستحيل أن يهجر أرضنا". واتفق معه محمود قائلا "الله لن يمنع النيل عن مصر".

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/15-

المؤرخ بسام الشماع: النوبي هو المُعلم الأول للعالم

المؤرخ بسام الشماع: النوبي هو المُعلم الأول للعالم

"وما يدريك!! لعلك نوبي ولا تعلم يا دكتور"، جملة قالها أحد النوبيين منذ سنين للدكتور بسام الشماع المؤرخ وعالم المصريات. يتذكرها دوما كلما حلت سيرة النوبة في جلسة ودية أو محاضرة أو التقى صديقا من هذه البقعة، فهو عاشق للنوبة، كما يصف نفسه.

 

وفي حديثه مع مجلة الجزيرة، يلقي الشماع الضوء على حضارة النوبة التي يعتبرها المعلم الأول للعالم باختراعاتها ورقيها كما يصنفها، ويتطرق لعلاقاتها بالحضارات الأخرى وتأثيرها على نوبيي الألفية الثالثة.

 

*تختلف المراجع حول الحدود الجغرافية للنوبة القديمة.. بماذا تفسر ذلك؟



لا يستطيع عالم جغرافيا أو مؤرخ وضع خريطة محددة للنوبة القديمة، فحدود الحضارة النوبية -ككثير من الحضارات القديمة- اختلفت طولا وعرضا باختلاف الأحداث السياسية والعسكرية التي عايشتها.

 

ولكن بشكل عام، العلماء قسموا النوبة القديمة إلى ثلاثة أجزاء: العليا والوسطى والدنيا، وتقع جميعها بين الشلال الأول في أسوان والشلال السادس في السودان، بطول ألف كيلومتر. والنوبة الدنيا هي الموجودة في مصر، وتقع بين الشلال الأول حتى قرية أندان عند الحدود المصرية السودانية بطول 350 كيلومترا.
 

الجندي النوبي تميز بمهارته القتالية من متحف النوبة  (الجزيرة)

 

*ولماذا تحديدا ارتبطت جغرافيا النوبة بالشلالات؟

 

للرد على السؤال يجب أولا توضيح ما هو الشلال؟ فهو عبارة عن مجموعة من الأحجار التي تتناثر في النيل بشكل يعيق حركة الملاحة البشرية.

 

وعلى هذا فكر النوبيون في عبور الشلالات عبر انتظار الفيضانات التي كانت تغرق هذه الصخور، فيستطيعون الإبحار فوقها بسهولة، وربما هذا ما أوجد التجمعات السكانية حول الشلالات.

 

*كيف تصف الحضارة النوبية، وأي عصورها كانت أكثر ازدهارا؟

 

أميل إلى تعريف الحضارة النوبية بأنها مثقفة راقية، فهي كانت تتعلم وتُعلم وتخترع وتبتكر، وأستطيع أن أقول بكل أريحية واقتناع إن الإنسان النوبي هو من علم العالم.

 

والدليل على ذلك هو الدائرة الحجرية التي اكتشفها الأثريون في سبعينيات القرن الماضي في أرض النوبة، وأطلقوا عليها اسم "نبتا كلايا" بمعنى شط جبل نبتا. وهي عبارة عن صخور متراصة على شكل دائرة قطرها أربعة أمتار، وداخلها بعض الصخور المصفوفة طوليا وعرضيا بشكل هندسي معين.

 

وبعد دراسة الدائرة اكتشف العلماء أنها أول جهاز فلكي للتقويم السنوي، والتعرف على حركة دوران الشمس. وقد اختلفت الدراسات حول تاريخ هذا الاختراع، فبعضها قال إن عمره 12 ألف سنة، وبعضها قلل عمره إلى سبعة آلاف سنة. وإذ ثبت الرقم الأول فهذا يعني أننا أمام أقدم الاختراعات البشرية على الإطلاق.

 

وقد وجد العلماء إلى جانب هذه الدائرة 15 بيتا، ويرتص كل خمسة منها بشكل هندسي منظم، وهو ما يعني أن النوبيين عرفوا تخطيط المدن قبل الحضارات الأخرى.

 

كما وجدت أحجار في هذه الدائرة يبلغ وزن الواحدة منها طنا، وهذه النوعية من الأحجار كانت في منطقة جبلية بعيدة عن مكان الدائرة، فكيف إذن نقلوا تلك الأحجار؟ خاصة أن الخيول لم تدخل مصر إلا عندما دخل الهكسوس الأراضي المصرية؟ وكيف كسر النوبيون الحجارة من الجبل في وقت لم يكن الحديد أو النحاس اكتشفا فيه بعد؟


 

*ما أهم الحضارات التي سكنت النوبة؟

 

هناك الكثير من الحضارات والممالك النوبية، مثل: ناباتا ونوري ومروي وكوش. وتميزت بالازدهار والنهضة، وحتى المعابد التي بنيت في العصور الفرعونية والرومانية واليونانية والبطلمية، تدل على تحضر النوبي، فقطعا هو الذي بنى تلك المعابد، إذ من المستحيل أن يستقدم ملوك الفراعنة والرومان وغيرهم عمالا من الشرقية -شمالي البلاد- لنحت معبد في أقصى الجنوب.

 

وحضارة النوبة لم تزدهر على مستوى جغرافيتها فقط، إذ حكمت مصر الأسرة الخامسة والعشرين وهي نوبية.

الشماع يؤكد أن النوبيين هم من بنوا آثار الفراعنة على أرض النوبة بجزيرة أسوان  (الجزيرة)


 

*تنتشر المعابد الأثرية في النوبة دون هرم واحد كما في شمال مصر.. كيف تفسر ذلك؟

 

قديما كانت الأهرامات تُبنى في المناطق الأكثر استقرارا سياسيا وعسكريا، فالهرم هو بالأساس مدفن الملك، وطبيعي أن يحبذ الإنسان الدفن في مكان مستقر، لذا نجد مئتي هرم في النوبة الوسطى والعليا، ولا توجد أهرامات في النوبة الدنيا المصرية.

*معنى ذلك أن النوبة المصرية لم تشهد قديما استقرارا سياسيا وعسكريا؟

 

للأسف الشديد كانت هناك حروب بين الملوك المصريين والنوبيين، مما جعل المنطقة غير مستقرة، فمثلا رمسيس الثاني حاربهم بعنف.



 

*ولكن رمسيس الثاني لديه الكثير من المعابد في النوبة، فكيف يستقيم أن يبني النوبيون معابد لملك حاربهم؟

 

رمسيس الثاني أراد مهادنة ومصادقة النوبيين عبر بناء تلك المعابد التي أشعرتهم بوجوده حتى وهو في الشمال بعيدا عنهم. ورغم تلك الحروب فإن الملوك المصريين كانوا يقدرون للغاية الجندي النوبي، ويستعينون به في جيوشهم، لقوته الجسدية ومهارته القتالية خاصة في الرماية.

*إذن، هل حدث امتزاج بين الحضارة النوبية والمصرية؟

 

بالطبع، والدليل التماثيل الفرعونية الموجودة في شمال السودان، وفي المقابل نجد أن النوبيين نحتوا مثلا تماثيل لرمسيس الثاني وأسرته على المعابد بملامح نوبية، فظهرت شفاههم كبيرة على عكس الحقيقة.


 

*هل تأثر النوبي الحالي بحضارته الممتدة آلاف السنين؟

 

داخل دهاليز لغات الأمم تقبع أسرار حضاراتهم، لذا فهي تكون الرهان على امتداد الحضارات والتشبع بها، وحاليا اللغة النوبية تحتضر، وهو ما يهدد حضارة أهلها، وهذه طامة كبرى أحذر منها الدولة والنوبيين أنفسهم. وكنت قد طالبت بتدريس اللغة النوبية للأطفال، لكن طلبي لم يجد جدية لدى المسؤولين.

*في رأيك ما السبب الرئيسي لاحتضار اللغة النوبية؟

 

المهاجرون النوبيون هم سبب رئيسي في ذلك، لأنهم يهاجرون إلى مناطق تتحدث لغة مختلفة، فيتحدثون مثلها، ثم يتربى أبناؤهم بتلك اللغة الغريبة.

 

*ولكن من هاجروا اضطروا لذلك؟

 

نعم، أعلم أن النوبة تحتاج لتعامل الدولة معها بأبسط أنواع الأدمية، فيجب رصف الطرق وتجهيز المدارس والجامعات والعمل على إثراء هذه المنطقة الفقيرة. وأرى أن من الواجب على الحكومة أن تخصص ربع ريع قطاع السياحة في أسوان لتطوير المناطق النوبية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/15-

حجارة تحكي تاريخهم

حجارة تحكي تاريخهم

من دون رؤية آثارها، يتسرب إليك يقين أن لهذه الأرض تاريخا طويلا، فالحضارات لا تحتاج فقط إلى حجارة شاهدة على ما مضى، بل هي توليفة، مقامها الأول الإنسان الباقي على أرض التاريخ، والإنسان النوبي دائما محمل بأرضه وتاريخه.

 

والمعابد ذات الجدران المنقوشة بالتاريخ هي الأثر الأكثر بقاء في النوبة، وربما يعطي ذلك انطباعا للزائر بأن أناس هذه الأرض متدينون، أو أن المُشيدين وثقوا في قدسية هذه البقعة.

 

ويرجع تاريخ بناء غالبية المعابد الممتدة على ضفاف وجزر نيل النوبة، إلى الأسر الفرعونية بداية من الأسرة السادسة التي نجحت في مد حكمها إلى النوبة، مرورا بحكم الأسرة الثانية عشرة (1991- 1763 ق.م) الذي شهد سيطرة مصرية محكمة على تلك البقعة الجنوبية، إلى عصر أسر الدولة الفرعونية الحديثة، وما تخلله من إقامة ممالك نوبية كمملكة كوش خلال حكم الأسرة الخامسة والعشرين.

 

وزيد في البناء على بعض هذه المعابد خلال العصر البطلمي 323-30 قبل الميلاد، لكن غالبيتها تحول إلى كنائس وأديرة في عهد الحكم الروماني في الفترة 30 ق.م-395م.

 

فيلة عبارة عن مجموعة من المعابد التي شيدت في عصور فرعونية مختلفة الجزيرة)

أما الإسلام فلم يدخل النوبة مع فتح مصر عام 641م، إذ بعد هذا التاريخ بعشر سنوات توجه حاكم مصر عبد الله بن سعد بن أبي السرح بحملة إليها، وواجه مقاومة عنيفة، واضطر لعقد اتفاقية مع النوبيين، وكانت ذات طابع سياسي وتجاري، فأقرت السلام بين الطرفين، على أن ترسل بلاد النوبة سنويا 260 من الرقيق مقابل محاصيل زراعية مصرية. ومهدت هذه الاتفاقية لتعرف النوبة على الإسلام عن قرب، مما أدى مع مرور السنوات إلى تحولها لأرض مسلمة.

 

يقول مؤرخون إن أرض النوبة كانت تمتد إلى الحبشة في إثيوبيا، لكن ما هو داخل حدود مصر سُمي النوبة السفلى على ضفاف نهر النيل بطول 350 كلم، حتى وادي حلفا آخر مناطق مصر الحدودية من ناحية الجنوب، وما هو خارجها في السودان سُمي النوبة العليا بطول 650 كلم على النيل السوداني.

 

معابد

معبد رمسيس الثاني أو كما يسمونه "أبو سمبل" الواقع على بعد 280 كلم من مدينة أسوان، هو أشهر معابد النوبة. وشهرته نابعة من كونه محفورا بأكمله داخل جبل، فضلا عن عبقرية بُناته، إذ تم تشييده وفق حسابات هندسية تجعل تعامد الشمس على المعبد خلال يومين فقط في العام، أحدهما يوم مولد رمسيس الثاني، والآخر يوم تتويجه ملكا.

 

وربما وقع رمسيس الثاني في أسر عشق النوبة إذ بنى فيها خمسة معابد أخرى، لكنها أقل ضخامة وسحرا من أبو سمبل، ومنها معبد جرف حسين وهو محفور أيضا في الصخر برسومات للملك، كأحد آلهة المعبد الذي يقع على مسافة 90 كلم إلى الجنوب من سد أسوان. وعلى مسافة 150 كلم إلى الجنوب من السد، شُيد المعبد الثالث له، وسمي وادي السبوع لوجود صفين من التماثيل على هيئة السباع في مقدمة المعبد.

 

أعمدة وجسور فرعونية لا تزال تحتفظ ببهائها وروعة صناعتها - الجزيرة (الجزيرة)

ويعتبر معبد الدر البناء الرابع لرمسيس الثاني في بلاد النوبة، وهو يقع على مسافة 200 كلم إلى الجنوب من سد أسوان، وخُصص لعبادة الإله حور اختي. كما بنى الملك معبد بيت الوالي على بعد نحو 60 كلم جنوب السد، وهو أول المعابد الستة التي حفرها رمسيس الثاني في صخر النوبة.

 

أما معبد الدكة فيعتبر ثاني أكبر معابد النوبة، ويقع على مسافة 107 كلم جنوبي أسوان بمحاذاة النيل، ويمتاز بأهمية تاريخية، إذ التقت على مقربة منه قوات الرومان مع القوات النوبية حوالي عام 23 قبل الميلاد خلال ثورة النوبيين ضد الغزو الروماني.

 

وعلى مقرُبة من الدكة تقع قلعة كوبان، ويرجع تاريخ بنائها إلى الدولة الفرعونية الوسطى، ويرجح المؤرخون أنها إحدى قلاع شيدها ملوك الأسرة الثانية عشرة لتأمين النوبة، كما كانت تستخدم مخزنا للذهب لقربها من منطقة المناجم. ولم يتبق من كوبان سوى أجزاء قليلة، والباقي أغرقته مياه سد أسوان.

 

وجنوبا على مسافة 235 كلم من سد أسوان، توجد قلعة إبريم على ربوة صخرية عالية، ونقش على جدرانها رسوم تمثل ملوك النوبة وهم يتعبدون إلى الآلهة. وبهذه القلعة اكتشفت المقبرة الوحيدة في النوبة، وهي للملك النوبي بنّوت.

 

أما معبد دندور فشيده الرومان عام 30 قبل الميلاد على بُعد 78 كلم جنوب أسوان، وما يميزه أنه الوحيد الذي لم يُبن لآلة أو ملك، بل شُيّد لعبادة شخصين عاديين اعتُبرا من بين أبطال الحروب.

 

تمثال لرمسيس الثاني بمتحف النوبة-رمسيس النوبة شيد ستة معابد في النوبة  (الجزيرة)

معابد نقلت

ومع أهالي النوبة الذين غرقوا إثر ارتفاع مناسيب النيل جراء بناء السدود المائية في القرن الماضي، غرقت معابد أثرية جرت محاولات لإنقاذها، وأهمها معابد فيلة التي تقع على جزيرة تبعد أربعة كيلومترات جنوب سد أسوان.

 

ومعابد فيلة بدأت كمعبد واحد لعبادة الآلهة الفرعونية إيزيس خلال القرن الثالث قبل الميلاد، ثم بنيت بجوارها معابد للملكين أمنحوتب وأرسنوفيس ومعابد ساتت، وبعدها شُيد معبد حتحور عام 116 قبل الميلاد، ونقلت جميعها -دون معابد ساتت التي نقلت إلى جزيرة أسوان شمال السد- بإشراف بعثات أجنبية، إلى جزيرة أخرى تبعد نصف كيلومتر عن جارتها الغارقة.

 

وفي عصر الملك أمنحوتب الثاني في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، بُني معبد كلابشة على جزيرة لعبادة إله الشمس، ثم زاد عليه الرومان نقوشهم، وهو يقع على بعد 55 كلم من مدينة أسوان. وبعد انتشال أحجاره من قاع النيل، نقل إلى جزيرة تبعد نحو عشرة كيلومترات جنوب السد.

 

أما قرطاسي فهو معبد صغير المساحة بناه الرومان على مسافة 45 كلم جنوب سد أسوان، ونُقل ما تبقى منه إلى جزيرة أسوان عام 1960، ومعه نقل معبد تافا وهو بناء صغير بني على أساس مرتفع، لكن أهالي النوبة استعملوا بعض حجارته في بناء منازلهم فبقي منه شيء موجود بجزيرة أسوان.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/15-

تهجير النوبة.. ألم الاقتلاع من النيل

تهجير النوبة.. ألم الاقتلاع من النيل

كانوا نياما، وصقيع تلك الليلة زاد من كسل القلة المستيقظة لاستبانة ما وراء صوت خرخرة المياه القريب على غير العادة، ثم إن النيل لا يخون، وإن خان فلن يفعلها معهم، هكذا آمنوا، لكن إيمانهم غرق مع جثثهم.

 

ولم يستغرق الأمر سوى دقائق، لتصبح خفة تسلق الجبال معيار النجاة ليلتها، فمن انتظر ليحمل متاعه وذكرياته ومن لم تسعفه مرونة جسده سحبته المياه وجرف التيار جثته ليحتجزها خزان أسوان الذي حجز مياه نهر النيل، فارتفع منسوبها وأغرقت قرى النوبة.

 

وفي صباح العاشر من ديسمبر/كانون الأول 1902، كانت معالم عشر قرى نوبية قد اختفت من ضفاف وجزر نهر النيل، بينما ظهرت أعلام الدول الصديقة ترفرف أعلى الخزان الجديد، تمهيدا لافتتاحه كأول سد مائي بمصر سيحول ري الفيض بها إلى ري حياض ثم دائم، بطول 2141 مترا وعرض تسعة أمتار.

 

وفي الوقت الذي كانت الضحكات فيه تتعالى بالتبريكات في فندق "كتاركت" الذي بُني خصيصا لاستقبال ضيوف افتتاح الخزان، كان النوبيون يوارون بقايا جثث ذويهم التي نهشتها تماسيح النيل، ويفكرون في العراء الذي ينتظرهم.

 

أحد بيوت التهجير بنصر النوبة بعدما هجره أهله (الجزيرة)

الطوفان

كان يتململ من تلك الحكايات التي لا يكف الكبار عن ترديدها، فالصغير لا يعرف منطقا لقصص تعاد على أذنيه كلما سحبه والده للحلاق، حيث يتجمع شيوخ القرى ويسردون قصص الغرق والتهجير والخيانة.

 

وربما تكرار الحكايات طيلة سنوات الصبا هو ما جعل كل مآسي غرق القرى محفورة في ذهن الشيخ وحيد يونس الذي يطلق عليه النوبيون "مؤرخ النوبة".

 

"كان نكبة تسببت في ثلاثة فيضانات أغرقت النوبة بأهلها ومن نجا واجه موتا أشد قسوة". هكذا يصف الشيخ السبعيني خزان أسوان الذي تسبب في غرق قرى النوبة ثلاث مرات. أولها عند افتتاحه عام 1902، حيث زاد منسوب النيل 106 أمتار. ثم بعد تعليته الأولى عام 1912 بعدما ارتفع المنسوب 114 مترا لتغرق ثماني قرى. فالتعلية الثانية عام 1933 والتي نتج عنها ارتفاع المياه 122 مترا واختفاء عشر قرى أخرى.

 

ولم تصدر أي إحصائية بالمتوفين في حوادث الغرق، بل إنه لا إحصائيات لعدد النوبيين أنفسهم في  تلك الفترة، وكل المتوفر هو حصر 34.942 نسمة وقت توقيع الاتفاقية الثنائية بين مصر والاحتلال البريطاني عام 1899.

 

ولم يكن أهل النوبة يتوقعون ما سيحل بهم منذ الشروع في بناء الخزان بداية عام 1898 فهو بناء سيجلب الخير كما قالت حكومة الخديوي عباس حلمي الثاني، وهم صدقوا دعاية الدولة أو "الإقطاعيين" كما يقول العجوز. ويردف "الإقطاعيون كانوا مسيطرين على الأراضي الزراعية، وهم الفئة الوحيدة التي استفادت من بناء الخزان الذي حول نظام الري، مما أدى لزيادة إنتاج أراضيهم".

 

والموت كان مصيرا أفضل للنوبيين، فمن عاشوا اضطروا لصعود الجبال ليواجهوا مصيرا أكثر قسوة. ويقول العجوز السبعيني "من لجؤوا لسفوح الجبال لدغتهم العقارب وهاجمتهم الذئاب واضطروا لأكل ورق الشجر". وأمام ذلك أجبر الكثيرون للهجرة جنوبا إلى السودان، أو شمالا إلى القاهرة والإسكندرية ومدن قناة السويس.

 

ولم تهتم الدولة ببناء منازل بديلة للنوبيين رغم معرفتها هندسيا بالكارثة قبل أن تقع، وبعد أيام من افتتاح الخزان انتفض العالم، لكن ليس لغرق النوبة بل لغرق معبد فيلة الأثري، الذي كان يقع بجزيرة خلف الخزان.

 

وتدريجيا بدأت قلة تعود إلى بعض الأماكن الغارقة، ولكن في مناطق أعلى من منسوب المياه كجزيرة هيسا وقرى الشلال وجرف حسين.

 

خزان أسوان الذي بني عام 1902 وتسبب في تهجير العديد من قرى النوبة (الجزيرة)

مآسي السد

كان "الصندل" يُبحر في النهر ببطء بعكس سرعة الألم في جسدها، التف المُهجّرون حولها، تؤلمهم صرخاتها، وإن كانوا يغبطون قدرتها على تحويل الألم لصراخ.

 

ورفض بحار الصندل أن يرسي بمركبه، فالتعليمات أنه لا رأفة مع أحد، حتى وإن كان سيدة تلد، وبإمكانيات بدائية تمكنت سيدتان من إجراء عملية الولادة، لكن الرضيع مات وبعده بساعات لحقت به أمه، ومرة أخرى رفض البحار التوقف للدفن ونصحهم بإلقاء الجثتين في النهر.

 

"لا أعلم هل كتب علينا أن تلقى جثثنا في النهر؟" بسؤاله الذي ليس له جواب ينهي العجوز عبد الهادي قصة السيدة ورضيعها على أحد الصنادل التي نقلت النوبيين من قراهم إلى منطقة "نصر النوبة" شرقي "كوم أمبو" شمال أسوان، التي حددتها الحكومة أماكن بديلة للنوبيين عام 1963، لاستكمال بناء السد العالي، وهو يبعد عن خزان أسوان نحو عشرة كيلومترات جنوبا.

 

وحصرت إدارة المعلومات بوزارة الشؤون الاجتماعية عام 1963 أكثر من 48 ألف نسمة في قرى النوبة قبل التهجير، بخلاف 35 ألف مهاجر بشمال مصر والسودان.

 

عبد الهادي، الذي ترسم المأساة عامه التسعين، صنع السم ثم اجترعه حسبما يصف، إذ شارك في بناء السد العالي، "فرحت عندما حصلت على فرصة عمل بالسد، فبعد غرق قرانا توقفت الزراعة ولم يعد لنا عمل"، لكنه اكتشف أنه صنع الغرق الرابع لقرى النوبة.

 

يقول الرجل التسعيني "وصل المهجرون إلى نصر النوبة محملين بأوهام حكومية عن جنة سيعيشون بها ليجدوا أنفسهم في صحراء تبتعد عن النيل عشرات الكيلومترات، ولا يوجد بها أي بيوت". وأضاف أن الأهالي اضطروا لشرب المياه التي كانت مخزنة على شكل برك لبناء البيوت بما فيها من طحالب وحيوانات ميتة.

 

وأدت شدة الحرارة مع المياه الملوثة وقلة الطعام إلى وفاة الرُضع مواليد عام 1964، ودفنوا جميعا في مدافن بمنطقة بلانة. ويدلل عبد الهادي على حديثه "في العام 1970 لم يتقدم تلاميذ للالتحاق بالمدرسة الابتدائية، لأن مواليد 1964 ماتوا جميعهم واضطرت المدرسة لاستقبال أطفال أقل سنا".

 

ويختم المآسي بنسيان الدولة شق ترعة بنصر النوبة وتذكرها بعد سبع سنوات من التهجير، مما اضطر معظم رجال النوبة للهجرة إلى شمال مصر أو دول الخليج.

 

عبد الهادي يحكي مآسي التهجير قبل بناء السد العالي (الجزيرة)

التعويضات

تقول الوثائق إن من هُجروا في العامين 1902 و1912 لم يحصلوا على أي تعويضات، لكن قانونا صدر عام 1933 تنص بنوده على نزع ملكية أهالي النوبة وتقدير التعويضات، رغم وجود قانونين ينظمان عملية نزع الملكيات بشكل عام، وهما قانون 27 لسنة 1906 وقانون 5 لسنة 1907.

 

وربما أرادت الحكومة وضع قانون خاص للنوبيين لتتفادى التعويضات الكبيرة التي ستدفع لهم، الأمر الذى اتضح في مبالغ التعويض الهزيلة التي حصلوا عليها آنذاك، وفق ما ذكره الدكتور عصام عبد الشافي في مقاله "العبثية المصرية في إدارة الأزمة النوبية".

 

وبلغ إجمالي مبلغ التعويض 1.7 مليون جنيه، خصم منها بعد ذلك نصف مليون جنيه، في حين يشير أحد التقديرات إلى أن الحد الأدنى للتعويضات بأسعار ذلك الوقت لا يقل عن 3.6 ملايين جنيه.

 

وفى العام 1962 صدر قانون رقم 67، الخاص بنزع ملكية أراضي النوبة التي ستغمرها مياه السد العالي، كما صدر القرار رقم 106 لسنة 1964 بشأن تعويض وتمليك وإسكان أهالي النوبة.

 

وقدرت تعويضات النوبيين بستة ملايين جنيه، بواقع قرشين لكل نخلة، و52 جنيها للبيت، وفدان الأرض بـ135 جنيه، ورغم هزال المبالغ لم يصرف غير نصفها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/15-

نصر النوبة.. وادي جهنم دون النيل

نصر النوبة.. وادي جهنم دون النيل

لو أنهم ليسوا جنا فلماذا هم هنا؟ وما هي معصيتهم بالأساس؟ وهل تجوز التوبة ومن ثم العودة إلى النهر؟ ومعضلات الأسئلة تروح وتجيء على بالهم، كلما فاقوا وأداروا أعينهم فلم يجدوا نيلهم.

 

ويحكي الكبار هنا، أن نفرا من الجن عصى النبي سليمان في أمر لم تستبِنه القصة فعوقبوا بالسَّجن هنا في وادي جهنم، وتوالت معاصي الجن فصارت هذه الأرض سجنهم الكبير تماما كالحكائين. لكن فارق الإنس أن عقابهم مستمر حتى لو سقطت عصا سليمان.

 

ويموت الكبار في سجنهم، فيلتقط الصغار القصة وتلوكها الألسن دون نقصان، بل بزيادة كثير من الألم جراء العيش في وداي جهنم، بعدما كانوا على ضفاف نهر النيل.

 

يسمي النوبيون "نصر النوبة" باسم وادي جهنم، فخيالهم قدّر أن جحيم الآخرة لن يكون أشد من هذه المنطقة التي اختارتها حكومة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بديلا لهم عن قراهم التي أغرقها السد العالي، حيث تم تهجير 44 قرية خلال ستة أشهر من مايو/أيار 1963 حتى مطلع العام 1964.

 

وحكومة الستينيات سمت منطقة المهجرين "نصر النوبة" كحال كل شيء كان يُسمى بمشتقات ناصر في عهد مصر الناصرية، لكن النوبيين لم يقتنعوا بالاسم الرسمي وظل "وادي جهنم" هو المتداول حتى الآن، ويعيش بها أكثر من 85 ألف نوبي، وفق آخر إحصاء لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار عام 2012.

 

وكثير من رجال مركز نصر النوبة -تقع شمال شرق مركز كوم أمبو وتبعد عن مدينة أسوان مسافة 60 كلم- يعملون بالقاهرة والإسكندرية، أما رجال قرية توشكى -إحدى قرى نصر النوبة- فيعمل غالبيتهم في دول الخليج، مما أظهر علامات الثراء على بيوت القرية، إذ تتكون من طابقين وأحيانا ثلاثة بعكس القرى الأخرى التي ما زال أهلها يعيشون في بيوت الستينيات.

 

المستهدفون من قرية كركر لا يرغبون بالعيش فيها  (الجزيرة)

"لم نُمنح فرصة لنقتنع بأن اسمها ليس وادي جهنم"، هكذا يبرر عزام مصطفى سرّ تمسكهم بالاسم، وهو ولد بقرية إبريم إحدى قرى مركز نصر النوبة بعد عامين من التهجير عام 1966.

 

ويوضح مصطفى الذي يعمل مزارعا، كيف هاجر والداه ومعهما أخواه إلى نصر النوبة ليجدوها مختلفة تماما عن قراهم الأصلية، من حيث طبيعة المكان والبيوت. ويضيف "بيوت النوبة تبنى من الطين وذات أحواش واسعة وقباب مسقفة بسعف النخيل، لكن بيوت نصر النوبة بنيت بالحجارة وبأسقف إسمنتية وبأحواش ضيقة، إن وجدت أصلا.. وهذا كله في صحراء قاحلة تحاصرها الجبال مع درجة حرارة شديدة".

 

"كانت البيوت تشبه الثلاجات في الشتاء والدفايات في الصيف، كما أنها بنيت على أرض تتسبب في تشقق الجدران، مما يضطرنا لترميم هذه البيوت كل خمس سنوات". ويزيد مصطفى أن عدد البيوت التي بنيت لم تستوعب الأعداد الكبيرة المهاجرة، فباتت أسر في العراء، واستُضيفت أخرى لدى أقربائها، كما لم تتذكر الحكومة أن تشق ترعا في نصر النوبة إلا بعد ست سنوات من التهجير، ليتمكن النوبيون من الزارعة في ظروف بيئية غير معتادين عليها.

 

وربما وجد الرجل الخمسيني ضالته التي يعبر بها عن معاناة المهجرين، فيقول "ثم إن النيل لم يكن هنا، وهم لا يفهمون أن النوبي لا يستطع السكن بعيدا عن النيل".

 

والجملة الأخيرة تفسر لماذا يهاب النوبيون نصر النوبة، فعمليا المنطقة أفضل حالا من قرى وجزر النيل التي لم تهجر، على الأقل بها فرصة للزراعة، فطبق البيانات الرسمية توجد في المنطقة 46 ألف فدان زراعي، لكن هذا التحليل لا يتفهم أبدا الشخصية النوبية وطريقة تعاطيها مع مميزات الأماكن، فالنهر مقياس السكن لديهم.

 

يقول يوسف -عاطل عن العمل- إن كل مطلبهم هو العودة إلى أراضيهم قبل التهجير، "نشعر أننا في عزلة عن الدنيا". ويلفت إلى مشكلة قطاع الصحة في قرى نصر النوبة، فرغم ما بها من مستوصفات طبية، فإنها خاوية من الأطباء، "فالطبيب يأتي من المحافظات الأخرى، ولا يطيق العمل هنا شهرا واحدا، ويعود من حيث جاء".

 

وخلال مؤتمر بحزب المصريين الأحرار، قال النائب البرلماني ياسين عبد الصبور عن دائرة نصر النوبة، إن نسبة البطالة بالمركز تعدت 90%، موضحا أن الأرضي الزراعية في المنطقة غير خصبة، وتنتج محصولا لا يتناسب مع الجهد الزراعي المبذول، مما يؤدي إلى عزوف النوبيين عن الفلاحة.

 

قرية إبريم-مركز نصر النوبة (الجزيرة)

وادي كركر

وعلى مسافة ثلاثين كيلومترا جنوب غرب مدينة أسوان، كررت الحكومة خطأها، فبنت قبل خمسة أعوام ثماني قرى في منطقة وادي كركر، وخصصتها للنوبيين الذين لم يحصلوا على تعويضات خلال هجرة الستينيات.

 

وللوهلة الأولى ينبهر الزائر بالبيوت المتراصة على مسافات هندسية واحدة، والتي تأخذ أسقفها شكل القباب النوبية، لكن الانبهار يزول بعد دقائق من التجول في المنطقة. فرغم ما في كركر من مرافق كاملة، فإنه ينقصها أمران مهمان، وهما مديرو هذه المرافق ومستخدموها، فقلة تسكن المنطقة، وهذه القلة ليست هي أساسا المستهدفة من البناء.

 

"لا يرغب أحد من الذين لم يحصلوا على تعويضات في السكن بكركر لأنهم هاجروا من عشرات السنين إلى القاهرة والإسكندرية، وبات يصعب عليهم العودة إلى صحراء كهذه".. هكذا يفسر عبد الرازق لماذا استأجر بيتا في كركر من أحد الملاك القاطنين بالعاصمة.

 

وعبد الرزاق له بيت في جزيرة هيسا وكان يبيع مشغولات يدوية للسياح، لكنه اضطر للانتقال إلى كركر إلى حين هدم وإعادة بناء بيته الذي أصابت جدرانه تشققات بالغة الخطورة على حياة أسرته. وتقول زوجته أم مصطفى "ندفع هنا إيجار 150 جنيها (19 دولارا)، وهو أقل من ربع الثمن الذي يمكن أن ندفعه في أي منطقة أخرى بأسوان".

 

ولكن رخص الإيجار له فاتورته، فلا توجد مواصلات إلى المنطقة سوى حافلة تأتي في السادسة صباحا والثانية مساء، كما لا توجد أسواق أو مخابز رغم تخصيص أماكن لها في المنطقة، فضلا عن عدم وجود أطباء بالمستشفى.

 

تقول الزوجة "نضطر لقطع 30 كلم كي نشتري احتياجاتنا من مدينة أسوان"، ثم تتذكر تلك الليلة التي مرض فيها رضيعها "كان سيموت بين يدي، فلا أطباء ولا مواصلات لنقله إلى أسوان".

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/15-

موسم الهجرة إلى الشمال

موسم الهجرة إلى الشمال

تدور عيناه بين ثنايا النهر، فيتذكر الصبا وحكايات الجدة عن الرجل الذي ضاعت أرضه فضاع، وتمتد نظراته إلى بقايا قريته الغارقة.. كان هناك في الجزء الغارق نخيل وأهل وحياة، ووسط هذا تستعجله صافرة الباخرة المسافرة إلى العاصمة القاهرة.

 

يرحل خفيف المتاع ثقيل الذكريات والألم، وهناك في الشمال، يظل الحنين المصبوغ بقناعة أن ما حدث أمر طارئ سينتهي يوما ما، وتشجعه جماعية المأساة، فآلاف غيره تركوا النوبة وهاجروا بعد غرق قراهم إثر بناء السدود المائية وارتفاع منسوب نهر النيل.

 

هجرة النوبيين إلى شمال البلاد أو خارجها جرت على مراحل، تماما كما غرقت قراهم مع بناء السدود وتعليتها في أعوام 1902 و1912 و1933 و1964، بسبب عدم وجود أماكن للعيش، أو جراء البطالة التي حلت عليهم بعدما توقفت زراعتهم.

 

وخلال قرن من الزمان تناقص عدد سكان النوبة بمقدار الربع بسبب الهجرة المؤقتة والدائمة، فقد تناقص العدد من 59 ألف نسمة عام 1937 إلى 44 ألفا عام 1960.

 

ولا توجد منطقة أخرى في مصر فقدت عددا كبيرا من سكانها كما حدث في النوبة بسبب النزوح، وفق ما ذكره الدكتور عيسى إبراهيم في رسالته البحثية "سكان النوبة الجديدة.. دراسة جغرافية ديمغرافية" التي أوضحت أن نسبة التناقص استمرت بعد التهجير إلى نصر النوبة، فبعدما كانت نسبة السكان في السبعينيات تمثل 11.5% من جملة سكان أسوان، هبطت إلى 6.5% فقط من إجمالي سكان المحافظة عام 2006.

 

الفقر والبطالة دفعا النوبيين للهجرة (الجزيرة)

وأثرت الهجرات المتتالية على حدوث تغير نوعي في تركيبة السكان، حسب دراسة بعنوان "سكان النوبة بين تغير المكان وتغير الملامح الديمغرافية" للدكتور فايز العيسوي، فهناك نسبة انخفاض في صغار السن إذا ما قورن الأمر بالمتوسط في مصر، وعلى العكس ترتفع نسبة كبار السن بمقدار النصف مقارنة بالنسب بين باقي المصريين.

 

ويلاحظ تدني نسب الشباب الذكور داخل المجتمع النوبي بعدما اضطروا للهجرة بحثا عن العمل، فقبل عام 1960 كانت نسبة النساء للرجال الضعف، ولكن النسبة ارتفعت في سبعينيات القرن الماضي لتصل إلى 72 رجلا أمام كل مئة أنثى. أما في العقد الماضي فزادت نسبة الرجال لتصبح 87 رجلا مقابل مئة أنثى.

 

حنين

ملتصقا بزاوية الحجرة، جلس ناصر وبجواره ابنه أمير، الذي يحمل بعض من قسمات وجه والده، يستمع لحكايات العجوز التسعيني عبد الهادي عن التهجير والغرق.

وبلهجة تبدو قاهرية قاطع ناصر حديثَ العجوز، ليعرّف نفسه باعتباره أحد نوبيي المهجر، الذين هاجروا في السبعينيات إلى أوروبا لإيجاد عمل يساعده على استكمال دراسته. والمهاجر رحل صغيرا في السن كبيرا بالمعاناة، قبل أن يتم عامه الثامن عشر إلى السويد، ليظل بها طيلة أربعة عقود.

 

وتزوج ناصر وأنجب بعيدا عن حبيبته النوبة، ولأن كل محب مشتاق، فيعود إليها كل فترة، يقول "أرجع كل فترة مع أولادي لينصهروا مع أهلهم وأرضهم". ثم يؤكد "كل النوبيين يعودون، فنحن لا نقدر على الرحيل بلا رجعة".

ناصر وابنه أمير مع الشيخ عبد الهادي-ثلاثة أجيال ويبقى الحنين للنوبة واحد  (الجزيرة)


وحرص المهاجر على تعليم أولاده العربية ولغة جماعته الكنوز، فيبتسم ابنه أمير، الذي تمتم بجمل ترحيب لتأكيد ما قاله والده عن إجادته العربية.

 

وفي تسعينيات القرن الماضي، أرسل محمد إلى شقيقه مصطفى في السعودية يبلغه الأشواق والسلامات مذيلة بطلب توفير فرصة عمل لابنه محمود، بعدما انقطعت السبل في إيجاد عمل له. واستطاع مصطفى الذي سافر بعد التهجير إلى نصر النوبة عام 1964، أن يجد عملا لابن شقيقه عبر علاقاته التي كونها على مدار عشرين عاما.

 

"لم يكن هناك حل سوى السفر" يدافع محمود كما لو أنه يزيح تهمة البُعد عن أرضه، ثم يضيف أنه يعود كل عام ليرى زوجته وأولاده، فقد رفض أن ينشؤوا في الغربة، كما يصف عبر محادثة هاتفية معه.

 

وبزهو يكرر محمود جملة على لسان معظم النوبيين عند تطرقهم لموضوع الهجرة "في الخارج يفضلون النوبي على أي جنسية أخرى، ولو كان مصريا من الشمال، لأننا نمتاز بالأمانة والصدق"، ولهذا السبب بدا منطقيا أن يقول "الكثيرون يعملون طهاة وسائقين لأنه من الصعب أن تُدخل بيتك شخصا غير أمين".

 

ورغم أنه يعمل خارج البلاد فإنه يرى نفسه أوفر حظا ممن يعملون في القاهرة والإسكندرية، ويوضح "من يعملون في محافظات داخل مصر يستقرون بها، ومجيئهم إلى النوبة يكون في صورة إجازات ليس أكثر. أما المغتربون في الخليج فغربتهم تنتهي بتوفيرهم مبلغا ماليا معينا".

 

ويدلل محمود على حديثه برفض المهاجرين داخل مصر، الذين لم يحصلوا على تعويضات جراء التهجير، العودة للعيش في قرى كركر التي بنتها الدولة لهم كتعويض عن الأراضي الغارقة وبيوتهم التي تركوها، ثم يحاول إنصافهم "وربما يكون لديهم دوافعهم، فليس من المعقول أن يتركوا العاصمة ليعودوا إلى صحراء"، في إشارة منه إلى كون القرى الجديدة مبنية وسط الصحراء وتبعد عن مدينة أسوان نحو ثلاثين كيلومترا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/15-

تقاليد نوبية يغيب الزمن ملامحها

تقاليد نوبية يغيب الزمن ملامحها

يمر الوقت، أو بالأحرى يُمرر عيشتها.. تُقلب راحتيها بلا هدف، ثم تحاول حزم ضفائرها، فتُمسك بالخواء، لتتذكر ما جرى.

 

ولملء فراغ لا يفرغ، تتحسس سوادا تحت عينيها لا تقدر على رؤيته في مرآة، فتلامس انتفاخا رقيقا خلفته الدموع، ليقطع ذلك صرير باب البيت تعقبه خطوات غريبة، فتشتاق لكل ما دون الأهل، لكنها تُخذل فيسحب أحد باب غرفتها، لتقرر النوم متوسدة الحجر.

 

وستظل حبيسة البيت أربعة أشهر، وسترتدي السواد طيلة العمر، فعادات النوبة تلزمها بعد موت زوجها بالبقاء في المنزل ومقاطعة الغرباء لشهور، وهذا بعد حلق شعرها وتحريم المرايا عليها.

وظل النوبيون متمسكون بموروثات ما بعد وفاة الزوج إلى أن انقشعت بفعل الزمن، كما تؤكده السيدة الخمسينية حسنية وهي من جماعة الفادجا.

 

لكن من الموروثات ما بقي، كما تقول السيدة الخمسينية، كارتداء الأمهات الأرامل الملابس السوداء طيلة العمر وانعزالهن في المنازل أربعة أشهر دون حديث مع أي غريب ولو باتصال هاتفي، وحتى الآن تقص نساء جماعة الكنوز شعورهن.

 

وقديما كانت النساء تلطخ وجوههن بالطين عند وفاة أحد أفراد الأسرة، مع وضع حجر أسفل الرأس عند النوم بدلا من الوسائد الناعمة.

 

وتضيف حسنية التي مرت شقيقتها بتجربة الترمل، من العادات الباقية حتى الآن تدليك جسد المتوفى بالحناء قبل تغسيله، كما يتجنب النوبيون أكل الخضراوات والفواكه في بداية موسمها في حالة موت أحد أفراد الأسرة باعتبارها دلالة على البهجة.

 

الديوان أو حجرة استقبال الضيوف داخل البيت النوبي -من متحف كنوز النوبة بنصر النوبة (الجزيرة)

بيوت الأحلام

كما تبدو كراسة طفل طُلب منه أن يرسم بيت أحلامه، تمتاز البيوت النوبية ببساطة هندستها المعمارية وطفولية زينتها، وهو ما يجعلها -كما قال المعماري حسن فتحي في أربعينيات القرن الماضي- "عالما جديدا حلوا متناسقا خارجا من أرض الأحلام".

 

والبيوت النوبية تمتاز بجدرانها المبنية بالطين والمطلية بطلاء رقيق رخيص، وتنحصر ألوان البيوت النوبية في ثلاثة هي الأزرق لرمزية مياه النيل، والأخضر للزراعة والأصفر للتلال الرملية التي يعيشون عليها. وعلى الجدران الداخلية الخارجية للبيت يرسم النيل والنخيل والتماسيح والأطفال، وتبدو رسومات طفولية الدقة لكنها تشع تلقائية وصدق مشاعر تجاه المرسوم.

 

ولظروف اقتصادية بالأساس تغير الكثير في ملامح البيوت النوبية، كما يؤكد أهلها، فاختفت حجرة "الديوان" التي كانت مكان استقبال الضيوف. وكذلك الحال للأحواش الواسعة غير المسقوفة والتي كانت تتوسط البيت فتحيط بها غرف المنزل وتحتضنها، فأحواش هذه الأيام صغرت إثر صغر مساحة البيت كله.

 

وأصبحت أسقف البيوت التي كانت على شكل قباب مبنية من الطين أو البوص "الغاب" مسطحة، وأصبح المقبب منها مبنيا بالطوب الأحمر.

 

ومع التطور اختفى "الشالوب" وهي شرائط صوفية كانت تتدلى من أسقف البيوت، وتنتهي بأطباق مصنوعة من سعف النخيل يحفظ بها الطعام من العطب، كما لم يعد النوبيون يهتمون ببناء غرفة خاصة لخبز العيش وتخزين الحبوب.

 

الجرجار والجلباب النوبي أصبحا أقل استعمالا- من متحف كنوز النوبة بنصر النوبة (الجزيرة)

ثيابهم

وكانت نساء النوبة أكثر جرأة من رجالهم في تغيير إرث ثيابهن، فعزفن عن ارتداء الزي التقليدي الجرجار وهو عبارة عن ثوب خفيف يشف ما تحته بأكمام واسعة ويمتد إلى حد الكعبين من الأمام ويطول تحتهما من الخلف، وبات ارتداؤه يقتصر على المناسبات كالأعياد والأفراح؛ إذ إنه غير عملي في الاستخدام كما تقول أغلبهن.

 

يبتسم الرجل الستيني رمضان -من جماعة الكنوز- وهو يمسك ياقة جلبابه ثم يقول "هذا الجلباب إفرنجي لكن جلابيبنا غير ذلك".

 

ورمضان وغيره من رجال النوبة أصبحوا يرتدون الجلباب الإفرنجي -كما يسمونه- وهو يختلف عن النوبي الذي يتميز بلونه الأبيض والأزرق وينسحب إلى الأسفل بوسع فضفاض دون ياقة تلتف حول الرقبة. ويزين الجلباب النوبي بالسديري، فضلا عن ارتداء العمة الكبيرة البيضاء أو الطاقية المصنوعة من الصوف بألوان مزركشة.

 

ولكن الرجال خاصة المسنّين منهم، ما زالوا إلى حد كبير يتمسكون بزيهم التقليدي مقارنة بالنساء، كما يقول الرجل الستيني ويضيف "لا يوجد سبب بعينه لعزوفنا عن الجلباب النوبي"، ثم يبتسم مرة أخرى ليطرح تحليلا "ربما لأن ألوان الجلباب التقليدي فاتحة فتتسخ بسرعة، لذا نفضل الجلباب الإفرنجي".

 

وقديما كان حلي الذهب والفضة أكثر ما تحرص عليه النساء في زينتها للدلالة على الذوق النسوي الرفيع، إذ كن يرتدين حلية من الفضة تعلق على جانبي الرأس أعلى الأذنين وتسدل حتى الكتفين، وتسمى "الشاوشاو".

 

ولإضفاء جمال على الجبهة كن يرتدين ما يسمى بفضة الرحمن وهي أشبه بشريط يعلو الجبهة، وفي العنق كانت القلادة وتسمى "البيق"، وتتكون من ستة خطوط مسطحة مخروطية وزخارف بارزة على شكل أهلة ونجوم.

 

ولقدم المرأة النوبية زينته أيضا فقد كان يُحلى بخلخال يصنع من الفضة، وتزينه بعض النقوش الغائرة ويسمى "الحجل"، كما توضح الدكتورة أميرة دياب في دراستها عن المرأة النوبية.

 

تتنهد خيرة -من جماعة الفادجا- قبل أن تترحم على ما مضى "ذهب الذهب مع الخير، الفقر لا يتيح لنا الآن رفاهية الزينة بالذهب". وتضيف أن قلة من النساء الآن هن اللاتي يرتدين حلي الذهب، خاصة في الأعراس، ولكنها أنواع عادية ليست كالمستخدمة قديما.

 

الكتاب في النوبة لتعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن - من متحف النوبة (الجزيرة)

زواج من الخارج

بملامح تبدو آسفة لما آل إليه الأمر يقول ياسين -من جماعة عرب النوبة- "بات مباحا وأصبح البعض يتزوج من خارج النوبة"، ويقصد الذين هاجروا للعمل في الشمال.

 

ويؤكد ياسين أنه قبل نحو ربع قرن كان مُحرما أن يتزوج النوبيون من خارج جماعاتهم بل كان الزواج يتم في الإطار العائلي، فابن الخال أحق بابنة العمة، وهكذا "لكن السنوات الأخيرة شهدت تطورا عكس المُحرم من جانب الرجال فقط، فالنساء النوبيات ما زلن محافظات على عدم الاختلاط العرقي".

 

وعادات الزفاف النوبي مميزة، فالاحتفالات بالعرس كانت تستمر سبع ليال في الماضي وحاليا أصبحت ثلاثة أيام فقط، أطولها يوم الدخلة حيث يستمر الرقص والغناء من العاشرة مساء حتى الثامنة صباح اليوم التالي.

 

وللعروس تقاليد منها رسم الحناء على كل جسدها واستخدام عشب الخمرة الذي يُدفن في الرمال لعام أو أكثر قبل أن تعطر به العروس جسدها.

 

وفي فرحهم لا ينسى النوبيون نيلهم، فقديما كان يجب أن يأخذ العريس عروسه ثاني أيام الدخلة إلى النهر لمدة أسبوع، ويرش كل منهما الآخر بالمياه، وحاليا قصرت المدة إلى يوم واحد فقط.

 

لغة تندثر

وكل ما سبق من إبقاء على موروثات وضياع بعض منها، قد لا يمثل أسفا حقيقيا عند النوبي، كما يمثله أسفه على لغته، فلغتَا النوبة وهما الكنزية والفاديجية بدأتا الاندثار كما يؤكده كبار النوبيين، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا على الموروث النوبي.

 

ودخول الأبناء المدارس الحكومية ودراسة المناهج باللغة العربية فضلا عن الاحتكاك بالسياح والمصريين بشكل أكبر، ومشاهدة التلفاز، كل ذلك خفف من استخدام اللغة النوبية بين أطفال النوبيين. هكذا يفسر عطية من جماعة الكنوز أسباب الاندثار اللغوي، ويضيف محذرا "بالتدريج بات الأطفال يعزفون عن اللغة، والأمر سيكون خطيرا بعد ثلاثين عاما".

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/15-

الفن النوبي.. أن تُلخص رقصة الحياة

الفن النوبي.. أن تُلخص رقصة الحياة

 أحيانا يعتقد أن جِنّيًّا سكن هذه الآلة لترافقه أيامه، فهي تعرف أمزجته اليومية، عندما يكون حزينا لا يجد فيها سوى صوت الحزن يعزفه بأنامله فيصفق من حوله كأن لم يسمعوا لحنا حزينا قط، وفي الفرح يشعر بأن سعادة العالم كله سكنت أوتارها.

 

وهي رفيقة رحلة دامت ستين عاما، منذ أن هام بها وهو طفل لم يتجاوز العاشرة في أحد أعراس قريب لوالده، فصاحبت آلة الطنبور أيام العجوز السبعيني رمضان محجوب أو كما يناديه أهل النوبة عم رمضان الطنبوري؛ إذ كون فرقة نوبية تشتت مع الزمن ليبقى منها هو وابن أخته فقط.

 

وآلة الطنبور هي رمز الموسيقى النوبية، حيث تعد اختراعا نوبيا صرفا، كما يؤكد محجوب الذي يشدو الأغاني النوبية بست لغات هي العربية والنوبية -الكنزية والفادجية- والعبرية والإيطالية والفرنسية والإنجليزية.

 

يضحك العجوز فتتكشف أسنانه المتآكلة ثم يقول "أهل القناة سرقوا مننا الطنبور وسموه السمسية"، موضحا أن أهل قناة السويس -مدن بورسعيد والإسماعيلية والسويس- عرفوا الطنبور عن طريق أهل النوبة الذين شاركوا في حفر القناة قبل نحو 150 عاما.

 

متحف النوبة تماثيل من الشمع تجسد رقصة نوبية  (الجزيرة)

وفي اللغة النوبية يسمى الطنبور "كيسر" بمعنى البطن المجوفة، حيث تتكون الآلة من صندوق بيضاوي مجوف له وجه مقعر وآخر مسطح به ثقوب ويمتد به خمسة أوتار. ويعزف على الطنبور بطريقة مخافة لكل الوتريات، إذ يضغط العازف على كل الأوتار باليد اليسرى ويضرب على الأوتار كلها باليد اليمنى، والوتر المراد سماع نغمته هو ما يتركه.

 

ويشارك الطنبور في عزف الموسيقى النوبية الدف وأحيانا الطبلة، وقد دخلت على الإيقاع النوبي آلات حديثة وفق لما يحكيه العجوز، فالسكسفون والأورج أصبحا آلتين ضروريتين في أغاني هذه الأيام. ويتأسف الرجل على دخول آلات جديدة يصفها بأنها مزعجة على الإيقاع النوبي.

 

وأثناء حديث محجوب عن الطنبور يقاطعه ابن أخته محمد موتو عازف الدف، ليبين أهمية آلته في الفن النوبي بشكل عام، إذ تعتمد غالبية الأغاني القديمة على استخدام إيقاع الدف فقط، دون أية آلات أخرى.

 

ويسمى الدف باللغة النوبية -الكنزية والفاديجية- التار، وهو آلة مصنوعة من جلد الماعز، حيث يُشد الجلد على جسم خشبي دائري مفرغ من الوسط حتى يخرج الصوت بدرجة عالية وواضحة.

 

ويعتمد العزف على ضرب العازف بأصابع يده على سطح الدف بإيقاعات منتظمة تسمى الخشخشة. ويوضح موتو أن الضرب وسط الدف ينتج عنه إيقاع يسمى "دم" أما النقر الخفيف من طرف الدف فيسمى "تك"، مضيفا أن كل الإيقاع النوبي عادة يستخدم السلم الخماسي.

 

رقصة الحياة

هم يرقصون للحياة، أو ربما يحركون أجسادهم لإرضاء الحياة كي ترقص لهم، فالرقص بالنسبة للنوبي جزء من شخصيته وجميع رقصاته مستوحاة من بيئته، وتعتمد على التعبير الجماعي للرجال والنساء بتحريك الجسد ببطء.

 

جانب من عرض لفرقة توشكى النوبية للفنون الشعبية (الجزيرة)

وغالبية الرقصات تتضمن وقوف الرجال والنساء في صفوف منتظمة متشابكي الأيدي رمزًا للتماسك والتضامن، وهناك الرقص بسعف النخيل والتلويح بالأيدي في اتجاه الشمس، كما يقول حمزة عبد الغفور من مؤسسة فرقة توشكي للفنون الشعبية.

 

ويوضح عبد الغفور وجود العديد من الرقصات التي تأخذ شكل لوحات تحكي قصة كاملة أو حدثا مهما للنوبيين كموسم حصاد البلح، وأسبوع المولود، والصيد النيلي، والأعراس، لافتا إلى رقصة "أراجيد" -وتعني البهجة باللغة النوبية- التي تعتمد على وقوف الرجال والنساء في صفوف منتظمة دون تلامس والتمايل يمينًا ويسارًا، ثم العودة مرة أخرى إلى مكان البدء، وقد يخرج عن الصف رجل أو امرأة ويؤديان الرقص بمفردهما، ولا يستخدم في هذه الرقصة سوى آلة الدف.

 

وهناك رقصة الأيدي، وهي كما يشرحها عبد الغفور تعتمد على استخدام الراقصين أيديهم في شكل متناغم، وتشارك الفتيات في هذه الرقصة وهن مغطيات الوجوه، فضلا عن رقصة "النجرشاد" التي يأخذ فيها الراقصون شكل نصف هلال مع ضرب الأقدام بالأرض.

 

ويشير مؤسس فرقة توشكي إلى الإيقاعات النوبية المميزة مثل "كونبنكاش" و"سكي" و"نجرشاد" و"تندك" و"بلونش"، موضحا أن جميع الرقصات يرتدي خلالها الرجل الجلباب الأبيض الطويل مع العمة البيضاء أو الجلباب الملون القصير والسديري مع الطاقية المزركشة، أما المرأة فترتدي الزي التقليدي للسيدة النوبية "الجرجار".

 

أما الأغاني النوبية فتعبر عن تاريخ النوبة وثقافة أهلها وكثير منها يحكي عن الحنين إلى الأرض التي هاجروا منها، ويترجم عبد الغفور مقطعا من أغنية تتحدث عن التهجير "ماذا لو عدتي لنا يا نوبتي.. يا نوبة عودي إلينا.. الفرد الذي حبك مثل حبي.. مثل تمر النخيل المتراكم على أراضيكي.. ياما عشنا متجاورين في النوبة القديمة.. يا سلام لو تعودي إلينا أيتها النوبة قبل الغرق.. فإني ألوم عليكي لأنك لم تعودي".

 

ويذكر مقطعا آخر عن تاريخ الحضارة النوبية في أغنية أخرى "عِزة نفسي ما تزول، اسألوا التاريخ والماضي مين أنا.. أنا ابن مينا وترهاقا، أنا ابن كوش ونباتا، أصل بطبعي نوبي أنا فخور أنا بحضارتي".

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/15-

المرأة النوبية.. رب الأسرة خلف الأبواب

المرأة النوبية.. رب الأسرة خلف الأبواب

هل يفعلها النهر ويبعث نسماتها إليه؟ وهل يحدث العكس وتستقبل أشواقه مع جريان المياه؟ ضروري أن يكون للنيل دور في الوصال بعدما كان شريكا في التهجير، ومن ثم رحيل رجُلها إلى الشمال.

 

ويعاند النهر، فلا تأتي الأشواق ولا تُرسل النسمات، ويبقى الانتظار، كحال آلاف النوبيات اللاتي يعشن بمفردهن أو مع أبنائهن في غياب الزوج، الذي هاجر إلى شمال البلاد أو خارجها بحثا عن عمل، بعدما انقطعت الأشغال عن النوبة عقب غرق قراهم بسبب السدود المائية في القرن الماضي.

 

وعلى ذلك، باتت المرأة النوبية تقوم بدور رجلها داخل البيت، وهو ما انطبع على تصرفاتها القيادية حتى مع عودة الزوج من الغربة، لتصبح هي "القيادة السرية لبيوت النوبة" كما يعترف الأزواج،  لكنها أمام الغريب "تجعله الكل في الكل" كما تقول الزوجات.

 

وربما هذه القيادة نابعة من عروق تاريخية، فكثير من الملكات اللاتي حكمن مصر والأقاليم الجنوبية كن نوبيات، مثل نفرتاري زوجة رمسيس الثاني أعظم ملوك الأسرة الفرعونية التاسعة عشرة، وشنكر خيتو التي تعتبر أول امرأة تصل إلى عرش مروي -وهو إقليم في النوبة الجنوبية تقع حدوده الآن داخل السودان (62ـ42 قبل الميلاد)- إلى جانب أماني ريناس وأماني شيخوا وهما حكما مروي أيضا.

 

ترتدي المتقدمات في العمر العباءات السوداء بدلا من الجرجار (الجزيرة)

مرارة الغربة

وغربة الرجل عن بيته مُرة لكن الجوع أمر، وفق تجربة السيدة رمضان -تعيش في جزيرة عواد جنوب خزان أسوان- التي يعمل زوجها بإحدى دول الخليج منذ سبع سنوات. لكنها تعود لتحمد ربها على زيارته لهم كل عام، وتفسر حمدها "بعض الرجال يزورون أسرهم كل عامين أو ثلاثة.. لدينا جار عندما عاد من الخليج لم يعرفه ابنه وفزع منه".

 

والاعتياد على فراق زوجها يصاحبه تركيز شديد في تربية أبنائها الثلاثة وتفوقهم الدراسي، رغم أنهم يقطعون نحو ساعة ونصف كل صباح للوصول إلى مدارسهم في مدينة أسوان، حيث يأخذهم مركب إلى الشط ثم ينتظرون حافلة صغيرة إلى المدينة.

 

وقبل أن يسافر زوجها، كانت سيدة تبيع مشغولات صوفية يصنعها زوجها بمنوال قديم ورثه عن والده. أما الآن فهي لا تحتاج إلى العمل، وإن ما زالت تصنع جوارب وطواقي مزركشة لأبنائها وبعض جيرانها دون مقابل.

 

كانت السيدة النوبية قديما تساعد والدها ثم زوجها في الزارعة وصنع المشغولات اليدوية كالحصير والأطباق من سعف النخيل، ولكن انقطاع الزراعة بعد غرق قرى النوبة، وسفر الرجال للعمل مع تطور الحياة؛ أدى إلى تغير مسار المرأة فالتحقت بالمدارس ثم الجامعات، وأصبحت تشغل مهنا مختلفة، مع استمرار إنتاج المشغولات اليدوية في أوقات الفراغ، كعادة نوبية لا تنقطع.

 

والتعليم أفاد السيدة النوبية في تربية أطفالها، لذا فقليلات هن الآن من لم يركبن قطار الدراسة، كما تقول هيفاء صديق (25 عاما) -من جماعة الكنوز وتعيش بجزيرة سهيل- التي لم تتزوج إلا بعدما أنهت دراستها وعملت لسنوات بإحدى المتاجر.

 

ترتب المرأة النوبية بيتها يوميا وتكنس الشارع أيضا (الجزيرة)

النظافة

وسؤال هيفاء عما يميز المرأة النوبية لم يحتج إلى تفكير، فبتلقائية سريعة أجابت "نظافتها الشخصية ونظافة بيتها"، فالنساء يحرصن على استخدام العطور الطبيعية كالدلكة والخُمرة والمسك بشكل يومي، والزيوت العشبية لأجسادهن كل أسبوع، فضلا عن الحناء لشعورهن والرسم على الجلد. وتضيف أن تكلفة تجهيز العطور والزيوت للعروس تصل إلى خمسة آلاف جنيه مصري (650 دولارا).

 

وتواصل حديثها "يستحيل أن تجدي سيدة لا تتبع نظام النظافة الشخصية المتعارف عليه". ثم تُكمل "ونفس الأمر لنظافة البيت فيجب أن يرتب يوميا". ولا يقتصر الأمر فقط على حيز المنزل، فتخرج نساء النوبة لكنس شوارع القرى، وهو ما يظهر جليا في نظافتها، كما تتكفل برسم النقوش النوبية المميزة على الجدران الداخلية والخارجية للبيت.

 

والحرص على عادة النظافة لا يقابله تمسك بالزي النوبي التقليدي، فنادرا ما ترتدي المرأة العصرية زيها التقليدي "الجرجار"، إذ بات يقتصر ارتداؤه على حضور مناسبات الزفاف فقط.

 

والجرجار ثوب خفيف يشف ما تحته بأكمام واسعة ويمتد حد الكعبين من الأمام ويطول تحتهما من الخلف، وأصبحت الفتيات النوبية يرتدين العباءات الملونة، بينما السيدات المتقدمات في العمر يحرصن على العباءات السوداء العادية، "فهي أكثر عملية من الجرجار" حسبما ترى هيفاء.

 

المرأة تقوم بدور محوري في القرى النوبية كما في قرية أدندان قرب أسوان (رويترز)

الثقة

وإلى جانب النظافة الشخصية، تتميز المرأة النوبية بالثقة في النفس، كما تؤكد هنية التي تحب أن يناديها الناس باسم "هناء"، وهي من جماعة الفادجا وتعيش في قرية بلانة بمركز نصر النوبة.

 

وهنية يزعجها استهلاك كلام إنشائي في وصف بشرتها السمراء وأسنانها البيضاء وتقاسيم وجهها الممزوجة بحضارات عدة، فهي ليست لوحة فنية تحتاج إلى مندوب ليُعرّف العالم بها، دون همّ داخلها، تقول "كل صحفي يأتي عندنا يكتب نفس الكلام".

 

ورغم ذلك الزهد في وصف الجمال الجنوبي، فإن السيدة الفاديجية تحاول أن تخص نساء جماعتها بالحسن عن باقي جماعات النوبة "سيدات الفادجا أجمل كثيرا من نساء الكنوز والعرب اللاتي يملكن ملامح أفريقية، لذا فهنّ يَغرْن منا". ثم "وكذلك المرأة الفاديجية لبقة في الحديث ومنفتحة على باقي المجتمع، بعكس الكنزيات والعربيات".

 

ولم تدلل السيدة على هذا التفوق الفاديجي في الجمال، لكن وسط حديثها عن تغير مفاهيم مجتمع النوبة بقبوله الطلاق وتعامله مع المطلقة بشكل طبيعي، تقول "زوجي كان متزوجا من سيدة كنزية غير جميلة، ثم طلقها وتزوجني".

 

وهنية نفسها كانت متزوجة بآخر ثم طُلقت منه قبل عشر سنوات، وهي ما زالت بالجامعة، وتقول "كثير من الفتيات يتزوجن قبل سن العشرين، ولا يكنّ على دراية بمهام الزواج، لذا تزيد حالات الطلاق".

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/15-

غرب سهيل.. قرية السياحة بلا سياح

غرب سهيل.. قرية السياحة بلا سياح

يشق المركب الشراعي صفحة النهر ببطء، وعند منحنيات بعينها يتوقف تماما بسبب التيار الذي يعاكس اتجاه الإبحار، فيترك المراكبي مجدافه ليوجه الشراع على هوى تيار المنحنى.

 

وربما رغبة في التخفيف عن زبائنه من معاكسات التيار والنهر، يقول المراكبي بعد انقضاء ساعتين "السياح يرفضون المراكب الحديثة ذات الموتور ولا يركبون سوى الشراعية إلى غرب سهيل كي يستمتعوا بجمال النيل"، فيمر بالجوار مركب حديث سريع وبه سياح مستمتعون.

 

ومن كورنيش مدينة أسوان إلى قرية "غرب سهيل" النجع القبلي مر المركب على قريتي "جبل تقوق" شرق النيل و"غرب أسوان" غرب النيل وجزيرتي "أسوان" و"سهيل"، وكلها مناطق نوبية، فضلا عن الكثير من البيوت النوبية المتناثرة على تلال النهر، دون أن يجمعها نجع أو قرية.

 

وعند صخور ممهدة تتقدم ضفة النهر المحاذية لغرب سهيل، يأخذ المركب مكانه بين صف من المراكب الراسية، ليشاركهم تكوين منظر جمالي أسفل بيوت القرية بنحو عشرة أمتار.

 

وغرب سهيل هي قرية تنقسم لنجعين "القبلي والبحري"، وهي آخر قرى النوبة التي تحد خزان أسوان من ناحية الشمال، بفارق نحو خمسة كيلومترات عن جسم المانع المائي. وكان المكان الأصلي للقرية في الجنوب وراء السد العالي، لكن أهلها هاجروا منها عام 1902 بعد غرقها إثر تشغيل خزان أسوان.

 

سياح داخل حوش ببيت في غرب سهيل (الجزيرة)

وغرب سهيل النجع بحري يمكن اعتبارها سفيرة النوبة، فغالبية بيوتها مبنية على الطراز النوبي القديم، حيث تبنى من الطين وترسم على جدرانها المطلية بطلاء رخيص رسومات للنيل والأطفال والنخيل، وداخل البيوت توجد أحواش غير مسقفة وحجرات تسمى "الديوان" لاستقبال الضيوف.

 

وتنتشر في شوارعها المتدرجة بعمق التل الرملي الواقعة عليه البازارات التي تبيع تماثيل وإكسسوارات تعبر عن الثقافة النوبية، إلى جانب كثير من الدكاكين التي تبيع الأعشاب والعطور التي تميز النوبة كالحناء والنعناع والخُمرة والدلكة والكركديه. فضلا عن الشاي بالليمون الذي يُختصون به، وكثير من سيدات القرية يجلسن أمام البيوت لعرض رسم الحناء على أيدي السائحات، وأخريات يصنعن مشغولات يدوية كالحصير والحلي ويتجولن لبيعها.

 

ركود السياحة

أعرض عليها أن أصورها، فتعرض علي شراء منتجها الذي تحمله فوق رأسها فيما يشبه المقايضة. لكنها تبتسم للكاميرا في ود وتزيح ما على رأسها ثم تقول "طلعيني حلوة". وما على رأس "بيونزينا" هو رزقها، فهي تبيع تماثيل صغيرة لفلاحين نوبيين، لكن لا أحد يشتري بسبب قلة السياح، كما تقول السيدة الستينية.

واجهة بيت نوبي بقرية غرب سهيل  (الجزيرة)

وأمام دكانه الصغير يستوقف محمد السائحين المارين بابتسامة مذيلة بجملة "خذ ما شئت وادفع في وقت آخر". ونادرا ما يتوقف أحد ليشتري من البائع الذي يقول "السياحة توقفت، السياح الآن لا يعدو واحدا على عشرة ممن كانوا يزورون غرب سهيل قبل الثورة".

 

ويسرد الرجل مزيدا من المعاناة بعد ثورة 25 يناير "غالبية السياح مصريون من محافظات أخرى، وأصبح الأجنبي عملة نادرة". مشيرا إلى أن ذلك دفع الباعة لخفض سعر منتجاتهم لتتلاءم مع السائح المصري.

 

وعموما غرب سهيل هي المنطقة السياحية الأرخص في محافظة أسوان، فما يُشترى من السوق التجاري بقلب المدينة تجده بالقرية النوبية بربع الثمن أو أقل، ويقول عطوة شريك محمد بدكان العطارة "نحن أمناء ولا نستغل أحدا".

 

وإلى جانب الفنادق الموجودة بالمنطقة، التي لا تتجاوز سعتها عشر غرف، هناك بيوت سكنية تستقبل السياح للضيافة.

 

يحرص زوار غرب سهيل على ركوب الجمال إحدى معالم النوبة (الجزيرة)

والضيافة في بيوت غرب سهيل تعني الجلوس في الحوش مع احتساء الشاي، ورؤية التماسيح التي اعتاد نوبيو سهيل على تربيتها في أحواض خرسانية لجذب السياح.

 

يمسك سائح بعصا ويحاول بها ملامسة ذيل تمساح بأحد المنازل السياحية، فينتفض فاتحا فاه لتهتز الشبكة الحديدية الموضوعة فوق الحوض الخرساني، ومربيه عبده حمزة يقول إن التماسيح لا تأكل خلال الشتاء فتصوم عن الماء والطعام ثلاثة أشهر من ديسمبر/كانون الأول إلى فبراير/شباط.

 

ولكنها في الصيف تأكل بشراهة السمك واللحم، كما يقول حمزة، الذي يشتري التماسيح الصغيرة من صيادي المراكب خلف السد العالي بسعر رخيص لا يتجاوز ستة دولارات، ويتكفل بتربيها وما إن تكبر وتبلغ نحو مترين حتى يقتلها ويحنطها ليضعها وسط الحوش أو أمام البيت للزينة.

 

وجميع أهالي القرية البالغ عددهم حوالي 4000 نسمة يعملون بالسياحة، مباشرة أو بشكل غير مباشر، كما يقول مراد يوسف أحد مؤسسي جمعية تنمية المجتمع بغرب سهيل بحري. مشيرا إلى وجود سبعة فنادق إلى جانب عشرين بيتا سكنيا تفتح أبوابها للسياح.

 

وقد أسس يوسف جمعية تنمية غرب سهيل مع بعض الأهالي في أوائل تسعينيات القرن الماضي، لخدمة القرية عبر إقامة مستوصف طبي وفصل لمحو الأمية، فضلا عن مركز لتعليم السيدات عمل المشغولات اليدوية، إلى جانب مسرح وحضانة للأطفال، كما تنظم في الصيف رحلات تثقيفية لشباب القرية إلى المحافظات الأخرى.

 

وتقوم كل أنشطة الجمعية بالجهود الذاتية، إذ ترفض الحكومة تلقي الجمعيات التنموية النوبية أي دعم مالي من أي جهة داخلية أو خارجية، كما يقول مراد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/15-

النوبة.. بلاد التاريخ والنيل

النوبة.. بلاد التاريخ والنيل
السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك