آخر تحديث: 2016/2/7 الساعة 13:23 (مكة المكرمة)
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2016/2/7 الساعة 13:23 (مكة المكرمة)
-1/16-

الانتحار بسيف الكراهية

محمد المختار الخليل 
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

بينما تجمع حركات التحرر الوطني من الاحتلال الأجنبي مكونات المجتمع المتباينة عرقيا وطائفيا وحتى اجتماعيا في بوتقة العمل المسلح تجاه عدو مشترك، تعمل الصراعات الأهلية المسلحة على تعميق هذه التباينات بين الأطراف المتصارعة، وتفتح الأبواب مشرعة للقوى الخارجية لتغذية هذا التباين.

 

لا شك أن الحروب والصراعات المسلحة لا تؤول إلا إلى الدمار والخراب، وعندما تكون هذه الحروب أهلية، تتضاعف أبعاد هذا الخراب أفقيا وعموديا، فيزداد الشرخ داخل النفوس، ويتسع دمار العمران وضياع مقدرات البلدان.

 

وأسوأ ما في الحروب الأهلية أن كل طرف يزداد شراسة في الانتصار لموقفه، إذ تغذيه عواطف جياشة، وشحن مستمر من مسعّري الحرب، فينظر إلى الصراع والقتل على أنه مسألة حياة أو موت.. أن ينتصر في هذه الحرب، أو يسحق على يد خصمه.. أن يسود بقوة السلاح، أو يغدو عبدا للطرف الآخر، وهذا ما يفاقم من شراسة المعركة.

 

وما من صراع إلا ويأتي يوم تنهك فيه الأطراف المتصارعة بعد أن يكثر فيها القتل والدمار، وتجلس إلى طاولة الحوار مكرهة. إلا أن الحروب الأهلية تبقى تعمل عملها في دهاليز النفوس، وتحفر في الذاكرة الجمعية مشاهد الحرب والكراهية للآخر.. كراهية تتوارثها الطوائف جيلا بعد جيل، وهو أخطر ما في هذه الحروب.

 

وكما يتقمص الأطفال ثقافة أهاليهم وتقاليدهم، يتشربون أحقادهم وكراهيتهم للآخر الذي احترب معهم ذات يوم، مما يقع على سمعهم في مجالس وأحاديث الكبار عن الآخر، حتى تغدو هذه الكراهية جزءا من ثقافة المجتمعات.

 

غير أن بعض الشعوب تأبى أن تنقاد كالأعمى على طريق الكراهية، فتجدف ضد التيار الجارف، وتنسج شبكة أمان لمجتمعها، وتتعالى على جراحها لتفرض مصالحة حقيقية تتجاوز بها ما جرى.

 

الغريب أن تنجح دولة مثل رواندا في القفز عن مجازر لم يشهد التاريخ لها مثيلا، وذهب ضحيتها مليون إنسان في أشهر معدودة وبطرق بشعة، كما لم تنجح شعوب ودول أكثر تحضرا من الدولة الأفريقية الفقيرة.

 

وبفضل وعيها المتقدم، عكست رواندا منحنى تنميتها من الانحدار السريع إلى الصعود اللافت اقتصاديا واجتماعيا، ونجحت في إنقاذ نفسها من الانتحار المحتم بسيف الكراهية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

ملف العدد

ملف العدد

حين يألف الأطفال لغة الحرب
تقرير: علاء الدين عرنوس - دمشق

من مآسي الحروب أن يتقمص الأطفال روحها وتصبح جزءا من ثقافتهم وألعابهم.

أطفال يلعبون لعب كرة القدم في باحة إحدى كنائس داريا المحاصرة بريف دمشق (الجزيرة)

 

مناهج التقسيم وجيل "الأخوة الأعداء" بسوريا
تقرير: جورج كدر


في سوريا توضع المناهج الدراسية وفقا للجهة المسيطرة على المنطقة بما يخلق ثقافات متناقضة.

 

الأطفال يلعبون وسط الدمار الذي ألفوه- تصوير عبيدة الحسين (الجزيرة)

 

عن الضيف المُحبَط والمضيف المتحامل
تقرير: إليانا المعّاز

الحرب السورية رافقها دعاية سلبية تجاه اللاجئين في لبنان تجلت في قناعات بعض الأطفال اللبنانيين.

 

أم سورية مع طفلها تمارس التسول أمام تقاطع الكولا بير حسن (الجزيرة)

 

اشتباكات طرابلس أفسدت الحياة بالفقر والجهل
تقرير: نعمة العلواني - طرابلس

القتال على الخط الفاصل بين جبل محسن والتبانة في طرابلس شمال لبنان أفسد حياة الكثيرين.

 

يعمل يوسف على عربة الخضار بعد ان توفي والده خلال الحرب الماضية وأجبر على ترك دراسته (الجزيرة)

 

جيل التسعينيات بلبنان.. الطلاق الصعب مع الحرب
تقرير: حسن الحاف - بيروت

بعد ربع قرن من انتهاء الحرب الأهلية بلبنان لا تزال الحواجز قائمة في النفوس.

 

انفجار شارع عفيف الطيبي في منطقة الطريق الجديدة وهو كان يضم مراكز لمنظمة التحرير الفلسطينية ولليسار اللبناني (الجزيرة)

 

زينب وأنيس.. طفولة أعدمتها الطائفية بالعراق
تقرير: أميمة يونس - بغداد

الشرخ الطائفي الذي عرفه العراق بعد الاحتلال 2003 تسرب إلى عقول الأطفال في مدارسهم.

زينب وأنيس.. طفولة أعدمتها الطائفية بالعراق (الجزيرة)

 

اليمن مذهبيا.. ما قبل الحرب ليس كما بعدها
تقرير: مأرب الورد - صنعاء

لم يعرف اليمن الصراعات الطائفية إلا بعد احتلال الحوثيين للعاصمة صنعاء.

الطفولة تعاني لتأمين أبسط حقوق الإنسان في الحياة وهو الماء (الجزيرة)

 

أهوال الحروب تزرع الخوف في أطفال غزة
تقرير: أيمن الجرجاوي - غزة

لا يكاد قطاع غزة يرتاح من الحروب التي تترك جروحا غائرة في نفوس الأطفال.

الأختان غير الشقيقتان هبة (يسار) وخديجة الشنباري داخل المعهد المختص برعاية الأيتام (الجزيرة)

 

المنهاج الإسرائيلي.. صناعة الكراهية للفلسطيني
تقرير: أسيل جندي - القدس


يزرع الاحتلال الإسرائيلي كراهية الفلسطيني في عقول أبنائه حتى في المناهج الدراسية.

طفل من المتدينين اليهود يحمل عصا ويمشي بالشارع في البلدة القديمة بمدينة الخليل (الجزيرة)

 

أكراد إسطنبول.. مواطنة لم تعكرها الحروب
تقرير: خليل مبروك - إسطنبول

عقود من الصراع بين الجيش التركي والمسلحين الأكراد لم تنعكس على تعايش الأكراد في إسطنبول.

قوات الأمن التركية تستخدم قنابل الغاز لتفريق المتظاهرين الأكراد في واحدة من مناسبات التوتر بين الطرفين في إسطنبول  (رويترز)

 

المصالحة برواندا: يكفي مليون قتيل
تقرير: ياسين الكزباري - رواندا

نجح المجتمع الرواندي بكبح جماع القتل المتوحش الذي حصد مليون إنسان لتحقق مصالحة حقيقية.

 

زوجة عم جانيث فقدت في الحرب زوجها وأبناءها وأشقاءها جميعا (الجزيرة)
 

 
ميانمار.. خطاب الكراهية وتحدي الانفتاح السياسي
تقرير: صهيب جاسم

حملة الإبادة التي يتعرض لها الروهينغا في ميانمار يقف خلفها خطاب قديم للكراهية تجاه الآخر.
تشهد ميانمار انفراجا ديمقراطيا تستفيد منه المعارضة البوذية ويحرم منه المسلمون الروهينغا (رويترز)
السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

حين يألف الأطفال لغة الحرب

حين يألف الأطفال لغة الحرب
علاء الدين عرنوس- دمشق

ترتفع أصواتهم معلنةً الحرب، وحواجز عسكرية، وبنادق مفترضة، وأسماء قادة فصائل معروفين، وإجراءات تفتيش دقيقة، ومعارك تنتقل من زقاق إلى زقاق بين أطفال الحي المحاصر بجنوب دمشق.

 

هكذا جعلوا من الحرب لعبة، ونصبوا أنفسهم أبطالاً على هذا النحو البريء، دون أن يعرف أحد أن سنوات قليلة ستغدو كافيةً ليحمل أي طفلٍ منهم بندقية حقيقية محشوةً برصاص حي، كما حصل مع رفيقهم الأكبر حسام الذي يشارك في معارك غوطة دمشق الغربية متسلحاً برشاش متوسط والقليل من الأمل، بعد أن فقد أسرته بقذيفة برميلية واحدة حولتهم إلى أشلاء قبل عامين.

 

الجندي الصغير

كما لو تجتاحه نوبة غضب، يرفض حسام أن يتحدث أو يُعامل كطفل، يمرّ بحاجز الأطفال المفترض على ناصية الشارع دون أن يبالي أو ينتبه إلى أصدقائه الأصغر، فالزمن كما يراه حسام تغير، لن يعيد له وجه أبيه الجالس على عتبة الباب وأمه المشغولة بتجفيف ألواح المشمش على سطح الدار.

 

حسام أحد الأطفال المجندين في صفوف المعارضة يشارك في الأعمال القتالية بريف دمشق. بعد مقتل والديه ٢٠١3 (الجزيرة)

وبينما ستتحول دار حسام إلى نقطة اشتباك مع عدوه، فإن صورة الحطام وأشلاء أبويه من تحته لا تزال حاضرةً أمام عينيه، اللتين تصوبان من سدادة الكلاشينكوف، يقول حسام "سأثأر لأسرتي".

 

على غفلةٍ من قادته، يتحدث حسام عن جانب من حياته العسكرية قائلاً "حملت البندقية أول مرة قبل سنتين عندما رافقت خالي إلى الجبهة، إذ كان لمرافقته إحساس يشعرني بالأمان، أكثر من بقائي وحيداً في المنزل غير المحمي من الصواريخ".

 

 

لم يتم اختيار حسام من قبل قادته وفق طريقةٍ ممنهجة، ففي رواية حسام وشهادة المقربين منه، كان القدر هو من يقود هذا الطفل إلى الجبهة ويشركه في الأعمال القتالية، التي باتت شيئاً معتاداً في حياته.

 

بمعزل عن الأطفال الذين أقحموا في الحرب السورية، سواء من أُشركوا في الأعمال القتالية كما هي الحال مع حسام، أو استغلوا لتقديم خدمات لوجستية، فإن آلاف الأطفال الأصغر سناً باتوا مهيئين تماماً بفعل ثقافة الحرب للدخول في عالم القتال الحقيقي، وقابلين -أكثر من أي وقت مضى- للتحول إلى مقاتلين وجنود، أو حتى مدنيين يجنحون للعنف على نحو كارثي وغير متوقّع.

 

مواليد الثورة

في الفترة من ١٥ مايو/أيار حتى العاشر من أغسطس/آب ٢٠١٥، أجرت مجلة الجزيرة استطلاعاً تناول "تأثير الحرب على سلوك الأطفال السوريين"، وتحدثت إلى أطفال وأسرهم في مناطق داخل سوريا ومخيمات اللاجئين في تركيا ولبنان، جميعهم عايشوا لحظات انطلاق الثورة وتداعياتها بشكل أو بآخر.

 

أطفال يعرضون داخل مدرستهم تحت الأرض صوراً لرفاقهم الأطفال الذين قضوا خلال عمليات القصف (الجزيرة)

وركز الاستطلاع على سلوك ستين طفلاً وطفلة في عمر بين ثلاث وخمس سنوات، من الذين ولدوا فترة اندلاع الثورة بسوريا، وكشف تحليل المعطيات عن سلوكٍ عدائي لدى ٢٦ ذكراً و١٨ من الإناث بين الأطفال الستين، بينما تمتع الـ١٦ طفلاً المتبقون بسلوك أقل عداءً، نظراً لظروف أقل حدةً من الحرب التي عايشها رفاقهم.

 

وفي ما يتعلق بمنصات الألعاب الإلكترونية، يفضل ٢٢ من أصل ثلاثين طفلاً ذكراً ألعاب الحرب القتالية على ألعاب أخرى معروفة لدى الأطفال في العالم، وفقاً لفهرسة تطبيقات الألعاب الأكثر شعبية على متجري "أندرويد" و"آي أو إس".

 

وفي ما لم تبدِ الإناث شغفاً بهذا النوع من الألعاب، فإن ١١ طفلة تعاملت مع أصوات الأسلحة والانفجارات المعروضة في اللعبة كشيءٍ مألوف ومعتاد، وأبدت خمس إناث من أصل ١٦ ردات فعل متقاربة حين قلن إنها تشبه ما يجري بسوريا.

 

وصرحت 12 أسرة -على الأقل- بأن الحرب تسببت في تغيير أنماط حياة وسلوك أطفالها بشكلٍ واضح، بينما عبرت سبع أمهات لأطفال تحدثت إليهم مجلة الجزيرة عن عجزهن في صرف انتباه أطفالهن عن تفاصيل حياة الحرب بسوريا.

 

فضلاً عن ذلك، فإن ٣٨ سيدة أشرنَ إلى وجود اختلاف ظاهر في السلوك بين أطفالهن المولودين خلال الثورة بسوريا عن أشقائهم الأكبر، الذين تسنت لهم ظروف ولادة ونمو مستقرة قبل الحرب.

 

وفي تفاصيل أخرى، فإن أغلب الأطفال الذين خضعوا للاستطلاع لم تتسنَ لهم فرص يكتشفون من خلالها وجوها مختلفة لحياة الحرب؛ فبعض الأطفال لم يصحبهم آباؤهم إلى مدن ألعاب أو حدائق عامة، ولم تتسنَ لهم فرصة الالتحاق برياض الأطفال.

 

في بعض الجلسات، روى أطفال جانباً من يومياتهم على هامش الحرب كشهود حقيقيين، بعضهم شاهدوا أشكالاً مختلفة للموت أثناء تواجدهم مع ذويهم في مناطق ثائرة شهدت ارتكاب مجازر أو أعمال قصف.

 

تقول السيدة هيا -من معضمية الشام المحاصرة بريف دمشق- "أنجبت طفلي الثاني مع بدء حصار المدينة من قبل الجيش، وألاحظ أن طفلي لم يرَ من هذا العالم أكثر من بنادق وآثار دمار هائل وأصوات قنابل وحكايات عن يوميات الحرب".

 

وتستطرد "طفلي الأكبر يتذكر على الأقل طيفاً من مظاهر الحياة الطبيعية؛ كأطفال المدارس، والباعة الجوالين، والملابس الجديدة".

 

وفضلاً عن السلوك العدائي، يعاني ٧٠% من الأطفال السوريين من حالات اضطراب في النوم، وأرقٍ متواتر يستدعي قلق أغلب الأسر التي تحدثنا إليها، فبعض الأطفال يعانون من مشاهد قتل تتخلل نومهم، بينما يرفض الأغلبية النوم بمفردهم في غرفهم المخصصة لهم.

 

طفل يبكي خلال فحص طبي داخل مدرسته بغوطة دمشق (الجزيرة)

شغف بالسلاح

عمير (أربع سنوات) استطاع أن يميز أصوات خمسة أنواع مختلفة من الأسلحة من أصل 12 سلاحا عرضت أمامه على جهاز لوحي، وبصورة مغايرة فإن عمير لم يميز سوى أربعة أصوات لحيوانات أليفة من بين ١٦ صورة لحيوانات مختلفة عرضت أمامه على الجهاز اللوحي.

 

وعند تخيير عمير بين ثلاثة ألعاب سائدة، من بينها لعبة قتالية، فإنه يفضل أن يختار الأخيرة ليبدأ لعبه، ولم يبدِ شغفاً بشخصية رسومية معروفة قياساً باندفاعه لإطلاق النار من بندقيته الافتراضية على الأعداء المفترضين.

 

أغلب الأطفال الذكور الذين التقتهم مجلة الجزيرة أبدوا ردات فعل مماثلة لتصرفات عمير، وعلى الرغم من تفاوت مناطقهم وأماكن استقرارهم، فإن جنوح الأطفال إلى ألعاب العنف يتحول إلى نوع من الشغف.

 

تقول والدة عمير لمجلة الجزيرة "كثيراً ما يحاول عمير تقليد أخواله المنتمين لفصائل في المعارضة، وتبدو صورهم شيئاً مألوفاً لعمير اعتاده منذ ولادته". وتشير الأم في حديث لاحق إلى أن عميراً ولد بداريّا (بريف دمشق) قبل أن تنزح الأسرة لتستقر بدمشق، ولم تتسنَ لعمير إلى اليوم العيش في بيئة مستقرة تخلو من تأثيرات الحرب على نحوٍ تام.

 

أكرم (أربع سنوات) ولد بدمشق، ويقيم مع أسرته بغازي عنتاب منذ سنتين، فضّل اختيار لعبة القتال المعروفة "صراع الجبابرة" على لعبة كرة القدم "فيفا" بعد عرض قصير للعبتين أمامه.

 

تقول هيلدا -والدة أكرم- للجزيرة نت إنها تستطيع أن تلاحظ سلوك طفلها الحاد المتميز عن أخوته الثلاثة الأقل عدائيةً وغضباً، و"كثيراً ما أنتبه إلى اختلاف سلوك أكرم عن أخوته، فهو يبدو دائم الحنق وسريع الغضب ويميل إلى التجهم".

 

أما سلمى (اسم مستعار لسيدة لاجئة من مدينة حمص وتقيم في إسطنبول مع أبنائها الثلاثة) فقالت لمجلة الجزيرة إنها واجهت صعوبة بالغة في الإجابة عن أسئلة أطفالها المتعلقة بوالدهم الذي انضم مؤخراً للمقاتلين بريف إدلب (شمال سوريا).

 

ويستطيع ابنها الأصغر غيث (أربع سنوات) أن يتعرف على صورة والده باللباس العسكري، ويردد عبارات من نوع "أريد بندقية" خلال التحدث إليه عبر سكايب.

 

تقول سلمى "قرار إقامتي بتركيا جاء أساسا لتأمين أطفالي في بيئة مسالمة تبعدهم عن الحرب، لكنني فشلت في تدارك الكثير من الجوانب المختلفة لتأثيرها علينا".

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

الأطفال السوريون بعد سنوات الحرب

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

مناهج التقسيم وجيل "الأخوة الأعداء" بسوريا

مناهج التقسيم وجيل "الأخوة الأعداء" بسوريا
جورج كدر

لم تعد كارثة سوريا اليوم في دمار المدن والبنى التحية وخسائرها البشرية المهولة فقط، بل في دمار أجيال سوريا المستقبل أيضا. المشكلة ليست فقط في كون ملايين أطفال سوريا خارج النظام التعليمي، أي ملايين الأميين، بل المشكلة في كون "المناهج التعليمية" في مناطق الصراع في سوريا تعكس حالة التقسيم التي يعززها عدم وجود برنامج تعليم موحد تتفق عليه أطراف الصراع الدموي مراعاة لمستقبل أطفال سوريا.

 

40% من أطفال سوريا بين 5 و16 سنة أصبحوا خارج النظام التعليمي، بل إن الكثيرين منهم يعيلون أسرا بكاملها في دول الجوار السوري، بعد أن مزّقت الحرب الطاحنة الأسرة السورية، كما مزقت البلاد.

 

آلاف المدارس دُمرت، ومليارات الدولارات حجم الخسائر في البنية التعليمية، وأكثر من ثلاثة ملايين طفل سوري باتوا أميين، ومن تبقى من الطلاب داخل مناطق الصراع في سوريا يتمزقون حسب سيطرة الأقوى، فالتقسيم على الأرض السورية شمل المناهج الدراسية أيضا؛ فهناك مناهج الحكومة السورية، ومناهج تنظيم الدولة الإسلامية، ومناهج جبهة النصرة، ومناهج الائتلاف المعارض، والمناهج الكردية في مناطق الإدارة الذاتية شمال شرق سوريا .

 

طفل يعزف الموسيقى على جسر الرئيس وسط دمشق و فوق رأسه عبارة الإنسان ثم البنيان- تصوير عبيدة الحسين (الجزيرة)

الأطفال أشبال الأسد

الواضح من متابعة حال المناهج التعليمية أن كتب التاريخ هي التي أصابها أكبر تغير بين المناهج التعليمية، فكل طرف من أطراف الصراع يدرس تاريخه الخاص؛ ففي مناهج البعث لا يزال الأطفال يتربون على ما يقول حزب البعث الحاكم في سوريا إنها من منجزاته "منجزات الحركة التصحيحية، ومنجزات ثورة الثامن من آذار، والانتصار في حرب تشرين على العدو الإسرائيلي". يسمعون عن بطولات القائد الخالد حافظ الأسد ومنجزات ابنه بشار الأسد، وسيكتشفون أنفسهم أنهم "طلائع البعث.. أشبال الأسد في سوريا الأسد". نعم لقد التصق اسم الأسد بها طيلة قرون كحال "الأطفال السياميين" الذين يولدون ملتصقين ببعضهم لدرجة أن فصل أحدهما عن الآخر سيعني موت أحدهما، وهو ما نراه بجلاء اليوم. في مدارس الحكومة السورية لا يزال الطلاب إلى اليوم يرددون نفس شعارات حزب البعث الحاكم في سوريا منذ نصف قرن:

أمة عربية واحدة .. ذات رسالة خالدة

أهدافنا وحدة حرية اشتراكية

رفيقي الطليعي كن مستعدا دائما لبناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد للدفاع عنه

مستعد دائما.

سينظر الطفل وهو يستمع مع أهله لنشرات الأخبار، ويتساءل عن أي "سوريا" يتحدثون؟ عن أي "مجتمع عربي موحد" يتكلم هؤلاء؟ وأي "أمة عربية ورسالتها خالدة" يقصدون؟ ولكن ما سيعزيه ويعزي أهله أن الشهادات التي سيحصل عليها هي الوحيدة المعترف بها دوليا إلى حد ما.

 

المدارس والتعليم إحدى ساحات الصراع في سوريا بين الأطراف المتحاربة -تصوير مظفر سليمان (الجزيرة)

علموا أطفالكم الجهاد

في مناطق سيطرة جبهة النصرة سيتعلم الأطفال السوريون أن "شريعة البعث" شريعة مجرمة غيّرت مسار الدين الإسلامي والنهج الصحيح، وسيتصدى الأساتذة من "شرعيي النصرة" لهذه الشريعة ليعلموا الأطفال تعاليم الدين الحنيف وأصول الفقه والحديث، كما يقولون. في "دولة النصرة" القائد ليس "بشار الأسد" بل "أبو محمد الفاتح الجولاني".

 

سنجد ضمن كراريسهم كراسة بعنوان "كلمات عابرة للمرأة المسلمة المعاصرة"، وسنسمع ونحن نجول على تقاريرهم المصورة والمنشورة على موقع يوتيوب أحد الشرعيين يقول: نحن نعلم الأطفال القرآن الكريم، وبعض أمور العقيدة الضرورية في الفقه والسيرة والأحاديث النبوية الشريفة، وهناك أيضا دروس الرياضة، ونعلم الفتيات أمور الحجاب، ونعلم الفتيان استخدام السلاح، ونعرفهم على تاريخ الجهاد وسيرة أبطاله. يبدأ الأطفال يومهم بترديد الشعارات كما في "دولة البعث" مع اختلاف الغايات منها، في مدارس النصرة يردد أحد الطلاب شعار:

سبيلنا الجهاد

فيرد زملاؤه:

سبيلنا الجهاد

سبيلنا سبيلنا سبيلنا.. الجهاد

 

أجيال من الأطفال السوريين يتلقون تعليما من منابغ متناقضة فكريا وتربويا- تصوير مظفر سليمان (الجزيرة)

الأطفال أشبال الخلافة

لعل التطابق المدهش مع "مدارس البعث" -باختلاف الأهداف طبعا- ويثير الكثير من التساؤلات، هو مدارس الدولة الإسلامية، القائد هنا "أبو بكر البغدادي"، وسنجد "أشبال الخلافة" بدل "أشبال الأسد"؛ فثروة الدولة الإسلامية الحقيقية ومحط اهتمامها الإستراتيجي ليس النفط، بل "الأطفال". وللغلمان نصيبهم في التعليم أيضا، عدا عن كون "تجنيد الأطفال" إجباريا في مناطق سيطرتهم.

 

في "الدولة الإسلامية" يتعلم الأطفال فنون القتل والتفجير والنحر، ويتعلمون الرماية بالرشاش والمسدسات، وينشرون ذلك علنا في تقاريرهم المصورة، كما يحصل الأطفال على دروس عملية لتمثيل مراحل العمليات الانتحارية، وتمثيل عمليات الذبح عن طريق ذبح الحيوانات، والطفل الذي سيثبت مهارات بذلك سينتقل حتما إلى ذبح أعداء "دولة الخلافة".

 

"تكريد" الأطفال

في مدارس الإدارة الذاتية الكردية (شمال شرق سوريا) بات التعليم باللغة الكردية وليس بالعربية، والتركيز على علوم اللغة الكردية وآدابها وفنون الموسيقى والرقص. في حالة الدولة الكردية اللغة العربية لغة ثانوية، وفيها يتعلمون التربية الاجتماعية والتاريخ الكردي، ومبادئ الديانتين الإيزيدية والمسيحية إلى جانب الديانة الإسلامية وعلم الرياضيات والمجتمع والحياة .

 

عملية تعليمية في ظروف قاسية وإمكانيات شحيحة - تصوير مظفر سلمان (الجزيرة)

أطفال دولة المخيمات

وإن كانت المناهج شبه واضحة في دولة الأسد ودولة النصرة والدولة الإسلامية والدولة الكردية، فإن مناهج "دولة" الائتلاف مصابة بالوهن والتخبط، وتعكس حال المعارضة، يزيد من ذلك عدم قدرتها على تكريس وجودها في المناطق التي تسيطر عليها "المعارضة المسلحة"، وربما تكون "دولة مخيمات اللجوء" هي الوحيدة التي تدرس مناهجهم.

 

في "دولة المخيمات"، حيث الظروف القاسية وصراع البقاء، لا تخضع المناهج لرؤية واضحة، رغم أن المدارس فيها برعاية منظمة اليونيسيف، والأساتذة متطوعون في أغلبهم، وهذه المدارس تبقى تحت رحمة المساعدات التي تقدمها الجمعيات والمنظمات الإغاثية، التي تتحكم بها لعبة الولاء. وربما كان الانجاز الوحيد بنظر الائتلاف المعارض هو "حذف" كل ما يمت بصلة لسوريا "الأسد" و"منجزات" حزب البعث، لكن واقع الطلاب -لا سيما طلاب الثانوية العامة- مؤسف، فهم يعانون من عدم اعتراف الدول "بالشهادة الثانوية" التي يحصلون عليها عن طريق الائتلاف باستثناء دول قليلة، وهذه من الكوارث التي تهدد مستقبل الكثيرين.

 

في مدارس الائتلاف التي من المفترض أن تكون البديل عن مدارس النظام تغيب الإستراتيجية التعليمية بشكل مثير للدهشة، ولكنها تقدم نموذجا مرعبا وضبابيا لحال "الجيل" الذي من المفترض أنه سيكون جيل المستقبل في سوريا المستقبل.

 

 لم تسفر الحرب الطاحنة في سوريا عن تقسيم البلاد بين "الأخوة الأعداء"، بل قسمت سوريا حتى في مناهج التدريس التي فرضتها أطراف الصراع على المدارس الخاضعة لها، وليست الأرض وحدها هي التي قُسمت ويسيطر عليها الثأر والحقد والعنف والتطرف في سوريا، بل أيضا العقول، عقول أجيال سوريا المشكّلة حسب خارطة المناهج الدراسية.



"لم نعد نتكلم اليوم عن جيل سوري، بل عن أجيال سورية، ستحكم علاقاتها مستقبلا ما تربت عليه من أفكار وما زرع في عقولها من أهداف، كل حسب مناطقه".

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

عن الضيف المُحبَط والمضيف المتحامل

عن الضيف المُحبَط والمضيف المتحامل
إليانا المعاز- بيروت

مع نهاية يوليو/تموز 2014، باشر القضاء اللبناني تحقيقاته في شريط فيديو تم تداوله على نطاق واسع، تظهر فيه أسرة لبنانية تحرض ابنها على ضرب طفل سوري لاجئ. فجّرت حادثة الاعتداء تلك نقاشا واسعا على وسائل الإعلام المحلية، واهتم نشطاء حقوق الإنسان بتسليط الضوء على مزيد من الانتهاكات بحق اللاجئين وحمايتهم.

 

لكن السؤال الذي تكرر بطريقةٍ خاطئة (لماذا يحدث هذا في لبنان؟) كان حريا به أن يصاغ بطريقةِ (كيف نمنع هذا من أن يحدث في لبنان؟)، لطالما أن الانتهاكات بحق أطفال قد حدثت فعلا، ومن الوارد أن تستمر، ما لم تستخدم الأدوات اللازمة لخلق رأي عام متضامن مع مليون طفل سوري لاجئ في لبنان.

 

هكذا كانت البداية

"يلا تنام يلا تنام، لادبحلك طير الحمام"، ترنيمة شعبية غنتها فيروز وكبر على سماعها آلاف الأطفال اللبنانيين. ففي لبنان -كما في بلدان الشرق الأوسط- يولد الطفل وكلمة الذبح ليست سوى واحدة من بين عشرات المفردات الفادحة التي يستخدمها للتفسير والتبرير والشرح والتعبير. وفضلا عن ثقافة "المرجلة والترهيب"، يرضع المولود اللبناني طائفة أهله مع الحليب متأثرا بالوصفة الشعبية التي افترضت أنه لن يغفو مطمئنا ما لم يُذبح الحمام!

 

انتهت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990 بعد أن دامت 15 عاما، وما زال اللبنانيون يعانون من تردداتها إلى اليوم على كل صعيد، فكل عائلة لبنانية تأثرت بالحرب على طريقتها، إمّا بفقدان أحد أفرادها أو بهجرة أحدهم أو إصابته أو خطفه أو حتى نفيه، ومع انتشار ثقافة العيب في المجتمعات العربية، كان من المعيب على الناجين من الحرب أن يتلقوا أي نوع من أنواع العلاج النفسي.

 

وظنا منهم أنهم أقوى من تلك المشاعر والمخاوف، فإنهم تزوجوا وأنجبوا الأطفال وبنوا عائلاتهم على مبادئ الطائفة التي ينتمون إليها من جانب، والحذر من الطوائف الأخرى من جانب آخر.

 

وفضلا عن سلة متخمةٍ بالتحديات التي تعترض مستقبله، كبر جيل مواليد التسعينيات في لبنان حاملا عبء الصراع الطائفي. ورغم أنه كان أقل تشنجا من الأجيال التي سبقته، فإن موروثات تلك الحرب لم تتبدد تماما بقدر ما تحولت إلى نزعةٍ عنصرية تحكم جيلا، لم يرتكب ذنبا سوى أنه الوريث الشرعي لتلك الثقافة البائدة

 

إميل (10 سنوات) يرتاد مقهًى عاما للإنترنت بمنطقة سد البوشرية شرق بيروت، ويقضي بحدود الساعتين يوميا من الدردشة واللعب مع أقرانه، يحدّث صورة "بروفايله" بآخر صورة حديثة لزعيمه السياسي، ويطلق شتائم نابية -تكون غالبا مقبولة بين الناشئة والفتية- على اللاجئين السوريين ورجال أحزاب أخرى.

 

ملاحظات صاحب مقهى الإنترنت على إميل أنه ليست حالةً استثنائية، بل "إنها نموذج عام يتسم به أغلب أطفالنا"، بحسب تصريح صاحب المقهى الذي رفض ذكر اسمه. ويضيف "قد تكون ظاهرة غير صحية، لكن أطفالنا عكسوا جانبا من واقع نعايشه يوما بيوم في كل مكان ومناسبة".

 

أما رائد الأحدب -وهو مدرس يعمل في القطاع التربوي منذ سبع سنوات- فيرى أن "أطفال لبنان ليسوا بعيدين تماما عن ثقافة الكراهية والعنف التي تغرق فيها المنطقة، فرغم الاستقرار النسبي في حياة الأطفال اللبنانيين، فإن السلوك العدائي حاضر بشدة نتيجة لجملة من التأثيرات المتراكمة".

 

ويضيف، "المشاعر الطائفية ليست سلوكا حتميا لموروثات الحرب الأهلية، لكن مدلولاتها المستمرة لن تساعدنا على إنتاج مفعم بثقافة التعايش".

 

طفلة سورية تبيع الحلوى على ممر المشاة بمنطقة الدورة- نهر الموت شرق بيروت (الجزيرة)

الصورة النمطية

بعيداً عن رفاهية الحياة البيروتية، يمكن لجولةٍ عشوائية بين عدة مدارس على طول البلاد أن تفضي إلى إجابة أوسع عن مدى تأثير الخطاب السياسي على أطفال لبنان على وجه التحديد، والتي كونت صورة نمطية سببها الرئيسي نحو ثلاثين عاما من التعاطي مع الوصاية السورية على لبنان.

 

في جولة على هذه المدارس -الرسميّة منها والخاصّة- كانت هذه أبرز أجوبة التلامذة اللبنانيين عند سؤالهم عن رأيهم بزملائهم السوريين:

- السوريّون هم تنظيم الدولة الإسلامية.

- لا يتكلمون الفرنسيّة.

- "حرام" خسروا بيوتهم وأنا أحب أن أساعدهم، لكنّي أخاف منهم.

- السوريّون يريدون أن يأخذوا بلدنا.

- إنّهم سارقون.

- يعملون بعد دوام المدرسة.

- أنا لا أحب السوريين ولا أتحدّث معهم.

- صديقتي المفضّلة سورية الجنسية، وهي وفيّة ومسلية، وقد جعلتني أغيّر وجهة نظري بالسوريين.

- أمي نبهتني ألا أتحدث مع السوريين، فهم مريضون.

- أعطيهم ثيابي القديمة.

- السوريون قتلوا خالي.

 

سيدة وطفلة سورية تعرضان منتجات للبيع أمام إشارات المرور بمنطقة الدورة شرق بيروت (الجزيرة)

في مطلع الشهر الحالي، عرض فريق مجلة الجزيرة على عشرين طفلا لبنانيا مجموعة من الصور الفوتوغرافية لعمال أطفال من الجنسية اللبنانية، دون الإشارة إلى جنسيتهم. وحملت الإجابات جانبا متوقعا من النظرة المسبقة حيال الأطفال السوريين.

 

قال الأطفال العشرون إن الصور تعود لعمال سوريين يؤدون عملهم، لكن المفارقة أن أجوبة الأطفال عكست نظرتهم المسبقة بوصف ما شاهدوه في الصور بافتراض أنهم "عمال" سوريون، دون ذكر أنهم أطفال.

 

ثلاثة أطفال جاءت ردة فعلهم مع عدم التصديق (غير معقول، مستحيل، ليسوا لبنانيين)، فيما أبدى عشرة أطفال آخرين دهشتهم حيال الصور، مقابل سبعة أطفال تقبلوا الإجابة مقابل اعترافهم بالنظرة المسبقة.

 

وفق إجابات الأطفال حيال وجهات نظرهم برفاقهم السوريين، تحمل الأحزاب السياسية وزرَ الصورة النمطية التي عبّر عنها الأطفال، كما اعتادوا على سماعها أو مشاهدتها سواء عن طريق ذويهم أو وسائل الإعلام المحلية، المرتبطة طائفيا وحزبيا إلى حدٍ بعيد.

الطفل ج. ل (٧ سنوات) طالب في مدرسة راهبات القلبين الأقدسين بحريصا، كان معه الحوار التالي:

س: هل معك أطفال سوريون في الصف؟

ج: (يضحك)، نعم فتاة واحدة.

س: ما سبب الضحكة؟

ج: السوريون يضحكونني.

س: لماذا؟

ج: لأنهم يتكلمون باللغة العربية فقط، ولا يفهمون النكات.

س: ما اسمها؟

ج: نسيت، نناديها بـ"السورية".

س: هل هي مسلمة أم مسيحية؟

ج: لا أعرف لكنها مختلفة عن الجميع، والجميع يسخر منها.

س: ما يعني مسلم؟

ج: لا أعرف، لكنني أكره المسلمين.

س: كيف تكره ما تجهله؟

ج: أليس المسلمون سوريون؟

س: لا، هناك مسلمون لبنانيون أيضا.

ج: إذن، أنا لا أكره المسلمين.

س: المسلمون لا يذهبون إلى الكنيسة، ولا يؤمنون بالإنجيل.

ج: لكنهم لبنانيون، يتكلمون لغتي ويعيشون مثلي.

س: إذا خيرت أن تعمل مع سوري مسيحي أو لبناني مسلم، من تختار؟

ج: اللبناني طبعا.

س: لماذا؟

ج: لأنه لبناني.

 

طفل لاجئ سوري يجمع حطب التدفئة لأسرته في البقاع (الجزيرة)

بين الضيف والمضيف

فايزة (٣١ عاما) تعمل مربية ضمن مدرسة مخصصة لأطفال اللاجئين السوريين بقضاء بعلبك، تحدثت لمجلة الجزيرة عن معاناة الأطفال السوريين من مشاعر عداء يكنّها الأطفال اللبنانيون لهم، دون أن تشير إلى أي تمييز على أساس المعتقد أو الدين.

 

وتتساءل فايزة "إن صح التعبير بأن مشاعر الكراهية تجاه السوريين في لبنان سببها كونهم عدوا تقليديا أفرزته مرحلة الهيمنة العسكرية السورية على لبنان، فإن خطاب الكراهية بين أبناء الطوائف كإفراز للحرب الأهلية ليس جديدا، لكن السؤال عن حاجة الأطفال لكل ذلك".

 

وردا على سؤال حول ملاحظاتها عن العلاقة بين الأطفال السوريين واللبنانيين، تجيب بأن "وسائل الإعلام والتربية الطائفية تشكل جوهر مشكلاتنا مع هذا التطور السلبي لدى أطفال لم يعيشوا الحرب الأهلية أساسا، ولم يعرفوا عن سوريا أكثر مما سمعوه من أسرهم، إنهم يرثون الماضي بكل مآسيه".

 

لكن المرشدة الصحية مدرسة اللغة العربية في مدرسة درعون الرسمية، السيدة أنطوانيت صقر، لها رأي آخر من حيث ملاحظاتها على سلوك الأطفال السوريين في الصفوف التعليمية، إذ تقول إن "الأطفال السوريين يميلون للعنف أكثر من رفاقهم اللبنانيين، فضلا عن معاناتهم من الصدمة والإحباط جراء الحرب في بلدهم، الأمر الذي يجعل من تقديم الدعم النفسي أولوية ينبغي أن يتم العمل عليها".

 

ومع إيجابية الدور الذي تلعبه المنظمات الشريكة في دمج الأطفال السوريين الهاربين من ويلات الحرب، ثمة دور آخر ينبغي له أن يتم -وإن كان متأخرا- يتلخص في خلق أجواء ملائمة لرسم صورة أكثر تعاطفاً وأقلّ عنصرية، عن طريق تقديم الدعم النفسي للمضيف والضيف على حد سواء.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

اشتباكات طرابلس أفسدت الحياة بالفقر والجهل

اشتباكات طرابلس أفسدت الحياة بالفقر والجهل
نعمة العلواني - طرابلس

بمساعدة أقارب له، استطاع نور أن يتوقف عن تعاطي الحبوب المخدرة، ولم يعد يحمل سلاحا أبيض في جيوبه، وكفّ عن مرافقة الصبيان الخارجين عن القانون، كما أنه عاد إلى عمله المعتاد ليعيل أسرته.

 

لوهلة، يمكن للقارئ أن يظن أننا نتحدث عن مجرمٍ عاد إلى رشده وتخلى عن حياة سيئة السمعة، لكن الحقيقة أن نور ليس إلا طفلاً بالكاد تجاوز الثانية عشرة، تركَ مدرسته مبكراً ليعيل أسرته بعد وفاة والده وشقيقه، وانضم إلى عشرات البائسين، كجزء من المشهد الأشد قساوةً لفقراء لبنان المعدمين.

 

يعملُ نور حمّال خضار لدى أحد المتاجر، إضافةً لعمله في تنظيف القبور لقاء دولارين في اليوم، ويشارك شقيقه في إعالة أسرته التي تعاني، كما هو حال عشرات العائلات التي فقدت معيلها من غياب الضمانات الاجتماعية والصحية.

 

الحياة خارج المدرسة وفرت لنور فرصة اللقاء برفاق جدد، تعلم منهم حمل السلاح الأبيض لحماية نفسه، فضلاً عن تعاطيه للحبوب المخدرة (مسكنات الآلام)، والتي عانت أسرته طويلاً لإقناعه بالإقلاع عنها.

 

نور جزء من قصة تتعدد وجوهها المظلمة، وتنال من أحلام أطفالٍ لم يرتكبوا ذنباً سوى أنهم من مناطق لم تنته فيها الحرب، ولم تطلها التنمية، وأهملتها حكومات لبنان المتعاقبة، مما خلق مستقبلا مبهماً لهؤلاء الأطفال، في ظل استمرار تأزم المشهد السياسي والتأثيرات الإقليمية وغياب السياسات الاقتصادية المجدية.

 

أحياء على خط الموت صورتين لضحايا الحروب في التبانة (الجزيرة)

معاناة متجددة

في شمال طرابلس، يروي العديد من السكان قصصاً عديدة عن إهمال الحكومة لمنطقتهم التي تحولت إلى أرض معركة بين التيارات السلفية وأنصار نظام الأسد في جبل محسن، أثرت على نحو فادح على حياة السكان وأطفالهم.

 

نجوى (٢٣ عاماً، اسم مستعار لسيدة شابة من أب فلسطيني وأم لبنانية، تزوجت في سن السادسة عشرة دون أن توثق زواجها بعقد قانوني بسبب سنها القاصر، وتواجه اليوم طلاقها دون أن تحصل على حقوق.

 

تختصر نجوى قصتها لمجلة الجزيرة بالقول "لم تسمح ظروف أسرتي بالانتقال إلى منطقة أخرى تبعدنا عن خطوط الاشتباك، التي أجبرتنا على التزام المنزل والانقطاع عن المدرسة، وهو ما يعني عملياً في بيئتنا أن نتأهل لحياة الزوجية، وهذا ما حصل".

 

وتتابع نجوى "منذ سبع سنوات على الأقل أواجه ضغطاً وحياة مليئة بالفوضى جراء هذه الحرب، لم أختر قطع دراستي ولا الزواج في سن مبكرة، وحين رفضت إنجاب أطفال، يُحتمل أن يعيشوا حياة مماثلة لحياتي، تخلى عنِّي زوجي".

 

تعمل نجوى اليوم مع شقيقتها التي لم تتجاوز ستة عشر عاماً في مصنع للحلويات وسط المدينة لإعانة والديهما في تسديد أقساط بيتهم المستأجر، وتضطران في بعض الأحيان للعمل ساعات إضافية مقابل علاوة مالية، تحسِّن من وضعهما المعيشي.

 

تعاني نجوى من غياب ضمانات العمل، فضلاً عن أجرها المتدني (ما يعادل 245 دولارا مقابل ١٥٠ ساعة عمل شهريا)، إلا أنه "لا فرصة لعمل أفضل وأجور العمال لا تزيد عن هذا الحد" كما تقول.

 

أحد أحياء طرابلس القريبة من منطقة نهر أبو علي حيث ينتشر الفقر وسط السكان (الجزيرة)

اعتياد الحرب

على خطوط النار، بين جبل محسن والتبانة تتخذ حياة المدنيين طابعا آخر يتسم بالتكيف واعتياد الأجواء بعد مرور أكثر من ثماني سنوات على اندلاع الاشتباكات المذهبية بين أطراف القتال.

 

ملك ناشطة اجتماعية، تعمل في جمعية تعنى بالأطفال والفتية حتى سن الثامنة عشرة المتأثرين بالنزاعات، وتنشط في منطقة جبل محسن، ذكرت لمجلة الجزيرة أن أغلب حالات التسرب المدرسي تخص أطفال العائلات التي تقطن مناطق قريبة من خطوط التماس.

 

وتشير ملك إلى عشرات الحالات لأطفال متسربين تخلوا عن مدارسهم قائلة "غالباً يعملون داخل المقاهي صبي نرجيلة أو في أعمال الميكانيك، أو حتى في بعض المهن الخطرة، التي قد تعرضهم للإصابة الجسدية ولفقدان أطرافهم". وتضيف "غالبا يكون هذا النوع من الأطفال معيلين لأسرهم".

 

وتذكر ملك أنها تلاحظ سلوكاً عدائياً متنامياً عند الأطفال من الجنسين، حيث تبدو ردات الفعل العنيفة واضحةً في سلوكهم مع أقرانهم.

 

مع ذلك -تقول ملك- مع مرور الوقت يتعامل الأطفال عموماً مع الحرب كشيء معتاد، وبمنحىً أقل حدة يجعل من هذا الواقع المفروض شيئاً مألوفاً رغم آثاره المستقبلية.

 

ينطلق الاطفال صباحاً إلى المدرسة عبر أزقة تحمل آثار الحرب (الجزيرة)

تعليم الفقراء

في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول ٢٠١٥ أجرت مجلة الجزيرة ٣٠ زيارة عائلية لأسر في مناطق التبانة والقبة والبداوي وأبو سمرا بطرابلس شمال لبنان. وتحدثت إلى أسر فقيرة للوقوف على وجهات نظرهم حيال مستقبل أطفالهم على وجه التحديد.

 

تسع أسر توقفت عن إرسال أطفالها إلى المدرسة الإعدادية بسبب الفقر، وفيما لا يتجاوز متوسط الدخل اليومي لـ١٦ من أصل 30 عائلة ثمانية دولارات، فإن ست أسر على الأقل واظبت على إرسال أطفالها للتعلم في مدارس ترعاها جهات سياسية ودينية.

 

وفي حين أعطت ١٤ أسرة الأولوية لتعليم أطفالها على حساب احتياجات أخرى، فإن سياسة ضبط النفقات والتخلي عن كثير من الأولويات لصالح تعليم أطفالهم باتت صعبة للغاية، في ظل الركود الاقتصادي الذي يخيم على البلاد.

 

ويتفق أغلب أرباب الأسر الثلاثين على أن انعكاسات الحرب في سوريا قد فاقمت إلى حد بعيد أوضاعهم السيئة، إلا أن التوترات الأمنية وإهمال الدولة لمناطقهم حل على رأس قائمة الأسباب التي تعيق سعيهم لبناء مستقبل أفضل لأطفالهم وتحسين ظروفهم الحياتية.

 

وعند السؤال عن خططهم المستقبلية تجاه أطفالهم، فإن ١٨ معيلا يرى أن الهجرة خارج لبنان تشكل أفضل الحلول لبناء مستقبل أكثر استقرارا لأطفالهم، فيما يعتقد سبعة من أصل ثمانية أن الحل يكون داخلياً بضرورة فرض الأمن وتقييد العمالة الأجنبية، ومنع تدفق مزيد من اللاجئين إلى لبنان، فضلاً عن إرساء الاستقرار السياسي بين الأحزاب على الساحة اللبنانية، بينما يشير أربعةً إلى الفساد كمشكلة رئيسية.

 

ورغم أن التعليم يستحوذ على أهمية خاصة لدى الآباء، تشكل قضايا الاستشفاء والخدمات الحكومية إحدى أبرز المعوقات المباشرة التي تزيد من تفاقم أوضاعهم.

 

وتعول العديد من الأسر على الدعم السياسي والعمل في أنشطة حزبية، فضلاً عن انخراط البعض في صفوف جهات مسلحة لتعويض النقص الحاد في متطلبات أسرهم واحتياجاتها اليومية.

 

ومن الطريف أن عشرة أشخاص على الأقل أبدوا اهتماماً بإرسال أطفالهم إلى مؤسسات تعليمية تابعة لمنظمات سياسية ودينية، دون أن تعني لهم خلفياتها شيئاً.

 

يشير علي (٣٧ عاماً) وهو رب أسرة مكونة من خمسة أشخاص، ويعيش في منزل متهالك بحي أبو سمرا شمال طرابلس، إلى أنه اضطر لتملق وجهاء وشخصيات حزبية لتمكين طفله من متابعة تعليمه بالمجان داخل مدرسة داخلية.

 

ويؤكد قائلاً "في النهاية سيختار طفلي مستقبله السياسي أياً كان انتمائي الحزبي، بالطبع لا أملك ربع مليون ليرة لإرساله إلى مدرسة نظامية، لكنني أؤمن بأن تعليمه يستحق أن أبذل المستحيل".

 

خلدون اشتاق لمقاعد الدراسة ولهوايته المفضلة الرسم ولكن أسرته ومعيشتها من أولوياته الآن (الجزيرة)

عجز دائم

وفضلاً عن غياب مشاريع التنمية وتباطؤ العجلة الاقتصادية، شهدت طرابلس شمال لبنان توتراً أمنياً متصاعداً منذ اندلاع معارك مخيم نهر البارد الفلسطيني في مايو/أيار ٢٠٠٧، مروراً بالمواجهات المذهبية المتقطعة بين مناطق جبل محسن والتبانة، رفعت من مستويات الفقر والبطالة ودفعت بالعديد من العوائل للإحجام عن إرسال أطفالهم للتعلم، ودون التوصل إلى أرقامٍ دقيقة فإن مشهد العمال الأطفال في أغلب أحياء طرابلس وأسواقها يبدو مألوفاً.

 

يقول عبد القادر (طلب ذكر اسمه الأول) "حتى اندلاع الثورة بسوريا، كانت حياتنا رغم صعوبتها تسير بشكل أفضل"، ويملك عبد القادر أحد المتاجر التي تستهدف المسافرين على الطريق الدولية إلى سوريا، لكنه اضطر لإغلاقه وتأجيره لأسرة سورية لأغراض السكن، بعد تراجع حركة العبور.

 

عبد القادر أكد لمجلة الجزيرة أنه عجز عن تأمين أقساط المدرسة لأطفاله العام الماضي، فاضطر للاقتراض بداية قبل أن يلجأ إلى السمسرة في تجارة الأسلحة الفردية الخفيفة.

 

يسعى عبد القادر جاهداً لأن يجد لنفسه مكاناً بين الوظائف القليلة المتاحة ليعوض فيها خسارته جراء هذه الحرب، وإلى ذلك الحين، يقول "أحاول أن أستمر في الحياة مع أسرتي وتعليم أطفالي بانتظار أن تحصل معجزة تُحسّن هذا الوضع".

 

ينتظر اسامة من يشتري منه عصير الجزر على أحد أرصفة التبانة بطرابلس (الجزيرة)

خطوط الفقر والتماس

طموح عبد القادر كأب، لا يجاريه سعي فتىً كإحسان لم يتجاوز السادسة عشرة يعيلُ أسرة من سبعة أشخاص ويعيش منذ ثمان سنوات حياةً يصفها بالعبثية والعديمة الجدوى.

 

غادرت أسرة إحسان مخيم البارد نهاية مايو/أيار ٢٠٠٧ مع عشرات الأسر التي فرت من أعمال القصف المتبادل بين الجيش اللبناني ومجموعات فتح الإسلام، واستقرت في منزل في حي التبانة بطرابلس، قبل أن تبدأ حياتها الجديدة مع الاشتباكات بين الجماعات المسلحة في الحي وسكان جبل محسن.

 

والدة إحسان التي لم تعرف مصير زوجها منذ ذلك الحين، قالت لمجلة الجزيرة إنها اعتمدت على ابنها إحسان الأخ الأوسط لست بنات منذ كان في الثامنة من عمره.

 

تقول الأم "لم تتجاوز فترة دخوله المدرسة أياماً قليلة حتى اندلعت الحرب وفقدت زوجي". وتضيف "منذ ذلك الوقت وهو يعمل في النجارة، ويعيل أسرتنا إلى جانب اعتمادنا على المساعدات الأممية".

 

يقضي إحسان بحدود سبع ساعات يوميا في عمله بورشة النجارة مقابل (ما يعادل ٤٠٠ دولار) يذهب الجزء الأكبر منه لتغطية نفقات أسرته، ويحظى ببعض المال لتمضية عطلة نهاية الأسبوع مع رفاقه في لعب الورق بمقهى الجوار.

 

وقال إحسان لمجلة الجزيرة إنه تعلم من خلال عمله بعض العمليات الحسابية، ويعتقد أنه سيعاود التعلم قريباً كما وعدته مسؤولة الجمعية القريبة من منزله المتداعي بحي التبانة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

جيل التسعينيات بلبنان.. الطلاق الصعب مع الحرب

جيل التسعينيات بلبنان.. الطلاق الصعب مع الحرب
حسن الحاف - بيروت
 
 
انتهت الحرب الأهلية اللبنانية وفق الرواية الرسمية في أكتوبر/تشرين الأول 1989 مع توقيع "اتفاق الطائف" بين مختلف أطرافها وبرعاية إقليمية ودولية، على أن الحرب التي انتهت في الساحات ظلت ذكرياتها وأشباحها تحوم فوق الوطن المدمّر، وتنخر عميقاً صيغة العيش المشترك فيه.

في هذه الأثناء، كان جيل جديد يبصر النور، على وقع عملية إعادة إعمار كبرى، وأيضا على وقع هواجس كبرى كانت تعتمل في صدور الذين شاركوا في الحرب لأسباب وأهداف لم يبق منها شيء بعد 15 عاماً من الاحتراب.


بعد نحو عامين من انتهاء الحرب، وبالتحديد في عام 1992 ، ولدت إيليان أبي سليمان ابنة قضاء عاليه، لتكتشف لاحقاً أن أهلها هُجّروا من بيتهم في بلدة عين درافيل بفعل الحرب الطاحنة بين الدروز والمسيحيين.


إيليان ابنة أحد الذين قاتلوا في الحرب، ووالدتها من الذين هجروا طوال الحرب، غير أنهما لم يحدثاها يوماً في السياسة.


تقول إن سبب الحرب الولاء لقضية ولبلاد لا تمت للبنان بصلة، وهو في رأيها ما أوصل لبنان إلى الهلاك. وعلى الرغم من أنها كونت وجهة نظرها بجهد ذاتي، لا بفضل أجوبة أهلها وحسب، فإنها تؤكد أنها ستكون طرفاً لو تكرّرت الحرب للأسباب نفسها؛ "فالحرب بدأت دفاعاً عن النفس، كان المسيحيون يدافعون عن أنفسهم وهنا أعتقد بأنهم كانوا على حق".


تؤكد إيليان أنه لا هواجس لديها اليوم تجاه مكونات البلد الأخرى، فموقفها اليوم يتجه نحو الأحزاب أو الجهات السياسية لا نحو طوائفها، لكنها تستدرك أنها تجد لدى أصدقائها وأبناء جيلها هواجس طائفية.


تتذكر إيليان كيف أخبرها أحد أصدقائها في المدرسة أنه يكره الدروز لأنهم "ذبحونا"، في حين أنها لم تكن تعرف بعد من هم الدروز، وعندما سألت والدها عن الأمر قال لها "هم ذبحونا ونحن ذبحناهم، هذا ما تفعله الحروب"، الأمر الذي أثر فيها كثيراً.


تخاف إيليان اليوم من سلاح "حزب الله"، وتضحك عند سؤالها عن "الشراكة الوطنية".

من الحرب الأهلية اللبنانية التي لا تزال تصوغ علاقات اللبنانيين- أرشيف (الجزيرة)

إياك أن تتحزب

ولد علي منصور عام 1989، مع توقيع اتفاق الطائف، وهو من جنوب لبنان، لكنه نشأ وترعرع في منطقة البسطة الفوقا في بيروت، المختلطة مذهبياً إلى حد كبير.


علي لم يتربّ على كره أحد كما يقول، لأن أهله عانوا في الحرب كثيراً، وذاقوا الأمرين من جرّائها، لكنه يقول إنه كشاب مسلم في بلد كلبنان لا يستطيع الادعاء بأنه لا يتكلم في الحرب وأسبابها، التي يرى أن للعنصر الأجنبي دوراً جوهرياً في إشعالها.


يذكر علي كيف حدّثه والده عن نجاته مرتين من الخطف على الحواجز الطائفية، وكيف أن والدته كادت تصاب برصاصة قنص عندما كانت واقفة على شرفة المنزل، وكيف تركوا الكوة التي خلفتها الرصاصة في الحائط كذكرى حتى اليوم.


في رأي علي أن الحرب لم تنته بعد، خاصة على مستوى تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية على الأفراد والجماعات على السواء، ويشرح أن نشأته في بيئة مختلطة مذهبياً -فضلاً عن تنوّع أصدقاء أهله الطائفي- أسهم إلى حد كبير في نبذه كل تعصّب.


يقول علي إنه تأثر كثيراً بنصيحة والده الذي كان مؤيداً لفئة في الحرب، برغم أنه لم يقاتل، حيث قال له والده "إياك أن تتحزب، فأطول تحالف في لبنان مهما كانت قضيته سامية لا يدوم أكثر من عشر سنوات"، ويرى علي أن التجربة في السنوات الأخيرة مصداق على ذلك.


يضحك علي عندما يتذكر كيف تقلق والدته عندما تعرف أنه ذاهب للقاء أصدقاء في ما كان يصطلح على تسميته أيام الحرب "المنطقة الشرقية". تسأله دائماً عن أصدقائه المسيحيين "هل أنت واثق منهم؟". يرى علي أن أكثرية أبناء جيله ليسوا محصنين ضد تكرار الحرب، وأنهم ينظرون إلى الآخر الطائفي كعدو.


يتذكر علي كيف أن جيران أهله منذ أربعين عاماً توقفوا عن الكلام معهم بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري.


ويخلص علي إلى القول إن اللبناني لم يتعلم شيئاً من الحرب، لأنه بات كآلة يحركها زعيم طائفي، هو بدوره آلة لدولة إقليمية لا تهتم إطلاقاً بمصالح لبنان.

من أحداث 7 مايو 2008 والتي شارك فيها الكثير من المقاتلين الشباب - أرشيف (الجزيرة)

الحرب قبيحة

لم يتعرف ابن مدينة طرابلس الشمالية فراس الدباغ على الحرب الأهلية من خلال والديه، فابن الزواج المختلط الإسلامي-المسيحي، الذي انفصل والداه مبكراً، كان عليه أن يبحث بنفسه عن أجوبة حقيقية يكاد يكون من الصعب في بلد كلبنان الحصول عليها.


نشأ الدباغ عام 1992 مع والدته في جونيه الواقعة في "المنطقة الشرقية"، بعدما انتقل من طرابلس، لذا كان منطقياً أن تنطبع شخصيته كلها بطابع هذا التحول الديموغرافي والطائفي، فعاش صراعاً إيمانياً وعقائدياً مبكراً أثر لاحقاً على نظرته للبلد وعلاقات مكوناتها ببعضهم البعض.


ويقول إنه تأثر بداية برموز المسيحيين، نظراً لكون البيئة القواتية التي عاش فيها تقدسهم، لكن كلامهم الدائم عن المسلمين فتح أمامه الباب للبحث، خاصة أنه كان على احتكاك مع والده وأقاربه المسلمين، فراح يبحث مكوناً نظرة نقدية لأطراف الحرب كلها، ومكوناً أيضاً نظرة متسامحة مع الآخر، يرى أنها تكاد تكون معدومة لدى أبناء جيله.


يسرد الدباغ ما جرى مع أحد أنسبائه المسلمين عندما رأى صورة الرئيس السابق بشير الجميل المعلقة في ساحة الأشرفية ببيروت ضمن صوره على الهاتف فصرخ به "كيف تضع صوراً له وهو الذي قتلنا؟! كان ذلك قبل أن يبدأ مشواره البحثي الذي لم ينته بعد.


تستفز الحرب الماضية الدباغ، يراها قبيحة جداً، لأن "هناك فظاعات ارتكبت، وعندما يتم اليوم تصوير أفعال تنظيم الدولة الإسلامية أقول دائماً إن اللبنانيين فعلوا كل ذلك في الحرب، وهم ما زالوا مستعدين لتكرارها".

ايليان أبي سليمان ترى أن الحرب بدأت دفاعاً عن النفس وكان المسيحيون يدافعون عن أنفسهم (الجزيرة)

الحرب مدمرة.. لكن لو كنت لقاتلت

تكره جوليانا مهنا ابنة راشيا الوادي في منطقة البقاع (شرق لبنان) الحرب، وتقول إن الحرب مدمّرة، فعدا عن القتلى فإنها رمّلت نساء كثيرات، وتسببت في عشرات آلاف الإعاقات. لكنها -رغم ذلك- تقول إنها لو كانت في الحرب الماضية لقاتلت دفاعاً عن طائفتها، لأن للحرب ظروفها.


على أن ابنة منتصف التسعينيات تميز بين الحرب الماضية وأي حرب مقبلة؛ فتقول إنها لن تشارك في أي حرب مقبلة، لأن تعاليم "الحزب التقدمي الاشتراكي" الذي أسسه الزعيم الراحل كمال جنبلاط تدعو إلى السلم وتحتاج إليه كي توضع في التطبيق، كما تقول.

 

تقول جوليانا إن حياتنا اليوم تختلف عن حياة أهلها؛ فلا مشكلة لديها مع المسيحيين، خصوم الحرب، بل على العكس، هي تعيش معهم، وتتعلم في مدارسهم.

 

يقلقها سلاح "حزب الله"، خصوصاً بعد تدخله في سوريا، مما تسبب في احتقان سنّي كبير، وفق تعبيرها.


ولا تطلب من مكونات البلد الأخرى شيئاً، ولا تشعر بأي مشاعر سلبية تجاه أحد؛ فجلّ ما تريده أن "يحترموا ديني وطائفتي مثلما احترم دينهم وطائفتهم".

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

زينب وأنيس.. طفولة أعدمتها الطائفية بالعراق

زينب وأنيس.. طفولة أعدمتها الطائفية بالعراق

 

 أميمة يونس - بغداد

 

"أكاد أختنق وأموت من الخوف، حينما استعيد ما جرى لعائلتي". بهذه الكلمات بدأت زينب. م، ذات السنوات التسع، حديثها عن المحن التي ألمت بعائلتها جراء الاحتراب الطائفي، الذي خلفته النزاعات المسلحة في المجتمع العراقي بعد عام 2003.

 

وبصعوبة بالغة تروي زينب لنا ما كابدته من مشاكل، فتقول "لم أكن أفهم ما يجري، فكل ذكرياتي عبارة عن أحداث مؤلمة من قتل واعتقالات وتهجير". وتضيف وهي ممسكة بيد والدتها "كنت صغيرة (قبل أربع سنوات) عندما دخلت مجموعة مسلحة المسجد، الذي كنا نختبئ به بعد مقتل أعمامي واعتقال أبي".

 

وتتابع حديثها حبيسة الدمع "توقف قلبي وأنا أرى جدي يُضرب"، فبادرت والدتها وهي تحتضنها باكية "ما مررنا به كان كثيراً على طفلة بعمر الخامسة"، وتزيد "منذ حادثة اقتحام المسجد (في منطقة الزعفرانية جنوب بغداد) وزينب تعاني أوضاعاً صحية ونفسية أثرت بشكل كبير على قلبها الذي يعاني تشوهات منذ الولادة، مما زاد من محنتنا".

 

وأكدت "أن التهجير أثر بشكل كبير على الوضع الصحي لأطفالي". لافتة إلى أن "المليشيات المسلحة الشيعية عمدت إلى تصفية رجال العائلة، أمام أنظار النساء والأطفال وهو أمر ترك آثاراً سلبية لدى الجميع".

 

تركنا عائلة زينب التي تتخذ من بيت أقاربهم في أحد أحياء العاصمة بغداد مأوى مؤقتاً لها بعد سيطرة المليشيات على منزلها الذي تركوه مجبرين، دون التفكير في العودة إليه من جديد.

 

وعاشت العاصمة بغداد أكثر من غيرها أجواء الحرب الطائفية بين عامي 2006 و2008، والتي كانت مليئة بقصص الاختطاف والقتل على الهوية والتهجير والتفجيرات، وعزل المناطق عن بعضها بحواجز إسمنتية واجتماعية.

 

وتسبب تفجير ضريح الأماميين العسكريين (الذي له قدسية لدى الشيعة) عام 2006 في مدينة سامراء (شمال بغداد) بنشوب حرب أهلية وطائفية عنيفة، راح ضحيتها عشرات الآلاف من العراقيين، تبعها قيام مليشيات شيعية بإحراق وتدمير العشرات من الجوامع السنية.

 

المجتمع العراقي شهد انفجار الأزمة الطائفية بعد الاحتلال الأجنبي للعراق عام 2003 (الجزيرة)

رواية أخرى

ولا تختلف ظروف أنيس عامر البالغ (13 عاماً) عما مرّت به زينب، حيث رفض الحديث معنا في بادئ الأمر، قائلا "لا أريد الحديث بهذا الموضوع، الذي بات يؤلمني سواء في المدرسة أو الشارع"، وبعد إلحاح قال "أكثر ما يحزنني عندما يسألني زميلي في المدرسة عن الطريقة التي يصلي بها أهلي، وهل تحب علي أم عمر؟"

 

ويتابع "حتى المعلمين والمعلمات، أصبحوا يتكلمون معنا بأفكار طائفية باتت تأخذ حيزاً من تفكيرنا"، واستدرك بتهكم "يفترض بنا أن نعيش مرحلة عمرية تكون اهتماماتها بعيدة عن أمور الدين والمذهب التي تسببت في ضياعنا".

 

وتأخذ والدة أنيس، الناشطة المدنية تضامن عبد الحسين، دفة الحوار وتقول "إن الأوضاع الحرجة التي تعيشها البلاد فرضت علينا ظروفاً معينة". موضحة "إن الطائفية أصبحت متغلغلة في المجتمع العراقي، الأمر الذي جعلنا نرضخ لها بسبب سطوة البعض".

 

واعترفت بأنها تنقلت كثيراً بسبب التهجير من منطقتها في حي الخضراء (السنية)، إلى حي البلديات (الشيعي) ببغداد، لأنهم شيعة، وتقول "إن هذا الأمر أثر على تربية ولدها الوحيد"، وتبين "ليس أمام ابني إلا حماية نفسه، وبالتالي عليه المجاهرة بمذهبه لضمان عدم الاعتداء عليه من قبل زملائه المتشددين".

 

ورأى رئيس سكرتارية الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات طورهان المفتي أن الطفولة في العراق تعيش منعطفاً خطيراً. موضحاً "أن قيام بعض إدارات رياض الأطفال ببعض المناطق بسؤال ذوي الطفل الذي يرغبون في تسجيله عن مذهبه: هل هو سني أم شيعي، يعد أمراً خطيراً".

 

وبيّن المفتي أن "إدارات تلك الرياض تقوم بتقسيم الأطفال طائفياً أثناء وقت الصلاة، بالرغم من عدم بلوغهم سن التكليف الشرعي". وعن الأسباب التي تقف وراء هذا التدهور قال "إن صراع الإرادات الدولية يعد السبب الرئيسي وراء ما يجري في العراق".

 

وعن دور الحكومة قال "إن الحكومة تواجه تحديات كبيرة سواء الأمنية منها أو السياسية، الأمر الذي لا تستطيع معه الدخول في التفاصيل". وعما إذا كان الفصل الطائفي تفصيلا بسيطا أوضح أن "الموضوع مهم ومؤثر في المجتمع العراقي، لكن للدولة أوليات"، على حد تعبيره.

 

زينب ووالدتها تعيشان الخوف والألم بعد اعتقال الأب (الجزيرة)

تشريعات طائفية

يبدو أن الموضوع لم يتوقف عند هذا الحد، فقد بدأ يأخذ منحى آخر، عندما حاول مجلس النواب تمرير مشروع القرار الذي قدمته الحكومة العراقية إلى البرلمان، الذي يدين جرائم تنظيم الدولة الإسلامية ضد أطفال العراق، والذي تحدث عنهم بصيغ طائفية كأطفال عرب سنّة وأطفال عرب شيعة وأطفال كرد، الأمر الذي رفضته أطراف عديدة بسبب صيغته الطائفية.

 

ودعت لجنة حقوق الإنسان في البرلمان إلى عدم التفرقة الطائفية والقومية بين أطفال العراق في مشروع القرار المذكور، وأكدت عضو لجنة حقوق الإنسان النائبة أشواق الجاف أنه لا يمكن تصنيف البراءة على أُسس طائفية ومذهبية، مبينة أنه "علينا عدم تجزئة الطفولة وفقاً لأهواء البعض، بل علينا غرس مفاهيم التسامح دون تمييز أو ذكر انتماءاتهم القومية والطائفية".

 

وتعترف بأن الطفل العراقي كان ضحية، وأصبح الآن ضحية بامتياز بسبب الخطاب السياسي المشحون في البلاد، وشددت الجاف على أن "هناك أطرافا سياسية باتت تستغل هذا الأمر، من أجل كسب أصوات المذهب الذي تنتمي إليه".

 

في المقابل، كان موقف عضو لجنة المرأة والطفل النائبة انتصار علي مغايراً، حيث أكدت أنها لم تسمع بوجود تجاوزات على الأطفال لأسباب طائفية، وعن الحالات المنتشرة التي شغلت الإعلام، وقالت مستنكرة "لا نستطيع تأكيد معلومات كهذه، كما أننا لا نمتلك إحصائيات تبين حجم الانتهاكات المزعومة".

 

ورفضت النائبة التعليق على سؤالنا حول دور اللجنة بالتقصي بشأن التجاوزات التي أثرت على جيل من الأطفال الذين صاروا ضحية لتخبط القرارات الحكومية.

 

ويُتهم تنظيم الدولة باستغلاله أطفال العراق وإجبارهم على الخضوع لتدريبات قتالية في مدن مثل الموصل والأنبار، الخاضعة لسيطرته منذ يونيو/حزيران 2014، فضلاً عن ارتكابه العديد من المجازر، واستغلال الأطفال وإجبارهم على تنفيذ عمليات انتحارية استهدفت قوات الجيش العراقي والحشد الشعبي.

 

تجذر الروح الطائفية في الجيل العراقي الجديد أخطر من يواجه مستقبل المجتمع  (الجزيرة)

منظمات إنسانية وحقوقية

ولا يخفي عضو مفوضية حقوق الإنسان مسرور أسود تعرض الطفل العراقي إلى ضغوط كثيرة، سواء داخل أُسرته أو في المدرسة أو الشارع.

 

وأوضح أن الطائفية كان لها الأثر البارز في نشأة الطفل في العراق، لا سيما داخل الأسرة المختلطة مذهبيا، والتي شهدت حالات طلاق بسبب الاختلاف المذهبي. وأضاف أسود "يجب على الدولة والجهات المختصة ورجال الدين ترسيخ مفهوم تماسك الأسرة بما يضمن إبعاد الأطفال عن الاختلاف المذهبي لذويهم".

 

وأكد أنه "يجب أن تكون مصلحة الطفل هي الأولوية، من خلال توفير كل الأجواء الأمنية والاقتصادية والتعليمية المناسبة، لضمان عدم ضياعه". وبشأن الحروب والنزاعات قال "إن الطفولة في البلاد كانت أكبر المستهدَفين جراء الأوضاع الأمنية، فتنظيم الدولة عمد إلى تجنيد نحو 77 طفلا كانتحاريين بصفوفه، فضلاً من مقتل العديد جراء النزاعات المسلحة".

 

وكانت منظمة الأمم المتحدة (اليونسيف) أكدت وجود أكثر من مليون طفل عراقي يعيشون في مدن يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية.

 

وقال مدير مكتب اليونسيف للمنطقة الوسطى حسام الموسوي في تصريح صحافي أن "أكثر من ثمانية ملايين شخص تضرروا جراء الأزمة الحالية". وتابع "حتى الأطفال الذين تمكنوا من الوصول إلى أماكن آمنة لديهم قصص رهيبة عن انتهاكات وصدمات نفسية".

 

من جانبها، استبعدت الناشطة الحقوقية بشرى العبيدي أن يحظى الطفل العراقي بفرصة العيش السليم أسوة بأقرانه، موضحة أنه "لن يكون من السهل تغيير أفكار المجتمع والمحيط الذي يعيش فيه الطفل"، وأضافت و"أضحت الطائفية متفشية في المجتمع، الأمر الذي يصعب معه إنقاذ الطفولة في العراق".

 

وتعترف الناشطة "بأن العراق صنع قنابل موقوتة ممثلة في طفولة مشوه تنهشها الطائفية، وتغذيها المصالح السياسية التي يعجز القانون عن ردعها".

 

وتحدث تقرير للأمم المتحدة عن مقتل نحو 189 طفلا عراقيا وإصابة أكثر من ثلاثمئة آخرين عام 2015، ويتوقع مسؤولون في الأمم المتحدة أن تكون الأرقام على أرض الواقع أعلى بكثير، لكن هذه الأرقام هي فقط تلك التي تم التحقق منها. 

المدارس في المناطق المختلطة مذهبيا يظهر فيها انعكاس الصراع الطائفي على الأطفال (الجزيرة)

آراء حول إرث الكراهية بالعراق  

مصطفى: جيل مقسم طائفيا

قال الكاتب والمحلل السياسي حمزة مصطفى إن الصراع الطائفي في العراق ولّد انعكاسات سلبية داخل المجتمع خلال السنوات الأخيرة، موضحاً "لقد تم استحضار البعد الطائفي بأمثلة عديدة انعكست داخل الأسرة، وأضحى الصراع مذهبيا بين الزوج والزوجة، مما أثر على نشأة الأطفال التي باتت مهددة أكثر من السابق".

 

وأكد مصطفى أن "الفترة المقبلة ستشهد بروز جيل مقسّم طائفيا بالكامل بين سنة وشيعة، بسبب العديد من العوامل التي مهدت إلى انقسام بنية المجتمع المدني، التي غذتها العشيرة والطبقة السياسية".

 

وبشأن ما إذا كان يمكن إنقاذ الوضع، قال مصطفى "هذا الأمر يعتمد على إحداث التغيير المطلوب لمجتمع يؤمن بالدرجة الأساس بدولة المواطنة، ليطغى على التيار الإسلامي السياسي الذي بات يسيطر على كل شيء في البلاد".

 

محذراً في الوقت ذاته من خطر كبير إذا استمر الصراع الطائفي متجذراً دون حلول ناجعة، مما قد يولد بعد عقد من الزمان جيلا يعيش ضمن مجموعات طائفية صرفة.     

 

السامرائي: فيروس الطائفية يورث

أما الأديب والمثقف العراقي ماجد السامرائي فقد رأى أن "الآباء الطائفيين سيحاولون نقل جرثومتهم إلى أبنائهم، وسيلقون المساعدة والعون من مناهج التعليم التي أصابها التلوث".

 

وتابع، سيستسلم منهم من يستسلم لنزعة الآباء، ويرفضها من يرفض، فيقتل الأب، لأن الخلاص منه في مثل هذه الحالة هو ما يُنقذ الابن القاتل، كما يُنقذ المجتمع من التدهور والانهيار، وهو ما ينبغي أن يتم، فوحده طريق الخلاص. بحسب وصفه

 

وعن دور المثقّف، قال السامرائي "للأسف هذا المثّقف الذي تم تجريده من أي دور إيجابي قد استسلم لهذا التجريد، بل انتقل فيروس الطائفية إلى مثقفين كثر فخرجوا من التاريخ، ولم يعد لمجتمع الغد من تعويل عليهم". وعن الحلول أكد أنه "علينا إعادة النظر في كل شيء، ونطهر الرؤوس من الخلايا الطائفية".

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

اليمن مذهبيا.. ما قبل الحرب ليس كما بعدها

اليمن مذهبيا.. ما قبل الحرب ليس كما بعدها
مأرب الورد - صنعاء

قبل عام، لم يكن الفتى اليمني فؤاد أحمد (17 عاما) يعرف شيئا عن المذهب الزيدي غير ما يسمعه من الناس، بأن أتباعه لا يقبضون أيديهم في الصلاة ويزيدون عبارة "حي على خير العمل" عند رفع الأذان. لكن الحرب الدائرة في بلاده بما تحمله من صبغة مذهبية، أحدثت شرخا في المجتمع، انعكس بدوره على وعي ورؤية الأطفال والفتيان للمذهب الزيدي وأتباعه والتعايش في المستقبل.

 

وتخلص شهادات فتيان التقت بهم مجلة الجزيرة إلى أن نظرتهم للمذهب الزيدي وأتباعه تغيرت سلبا عما كانت عليه قبل سيطرة الحوثيين على صنعاء يوم 21 سبتمبر/أيلول 2014 وما تلاها من أحداث، وصولا إلى الحرب الحالية. لكنهم في المقابل لا يزالون يعتقدون بإمكانية التعايش في المستقبل، وإن كان هاجس الخوف قائما.

 

ومع أن الخلافات المذهبية قديمة في اليمن, فإنها اتسمت بخصائص ميّزتها عن غيرها من الصراعات في البلدان الأخرى، مثل العراق ولبنان، حيث لكل مذهب علماؤه ومساجده وهيئاته العلمية. ولعل من أبرز هذه الفوارق أنها كانت محصورة بين الفقهاء والعلماء حول الفروع والمسائل الاجتهادية. والأهم من هذا أن التعايش والتآخي ظل موجودا، حتى أن الزائر للبلاد لا يكاد يميز بين شافعية وزيدية, فهم يصلون بمسجد واحد ويتزاوجون فيما بينهم.

 

لكن حالة التعايش هذه بدأت تتعرض لهزات، لاسيما مع السيطرة على صنعاء والدولة عموما من قبل الحوثيين الذين يقولون إنهم ينتمون إلى المذهب الزيدي، ويتهمهم خصومهم بالخروج عليه واعتناق المذهب الاثني عشري السائد في إيران، المتهمة هي الأخرى بدعمهم.

 

لافتات توثق الانتهاكات وضعها ناشطون فوق أنقاض منزل مدمر (الجزيرة)

ولأول مره يشهد اليمن أكبر عملية تهجير لمواطنين على أساس مذهبي على أيدي الحوثيين الذين أجبروا في يناير/كانون الثاني 2014 قرابة عشرة آلاف من سكان وطلاب العلم من السلفيين بدار الحديث في منطقة دماج شمالي البلاد، على النزوح بعد حصارهم وحربهم لمدة ثلاثة أشهر.

 

وبدأ الشرخ في النسيج الاجتماعي على أساس مذهبي يخلق ردات فعل مختلفة من قبل المجتمع الذي استفزه تغيير كل ما يتعلق بمذهبه، سواء تصويره كمصدر للعنف بوصمه بجماعات العنف، أو فرض خطباء موالين للحوثيين في مساجد مخالفيهم وتفجير مدارسهم الشرعية, فضلا عن اندفاع الكثيرين من الزيديين وراء الحوثيين ومدهم بالرجال والمال لتمكينهم من الحكم بالقوة والإكراه.

 

وانعكس الاصطفاف الأسري والعنف والتدمير على الأطفال والفتيان الذين عرفوا ما لم يعرفوه من قبل عن المذهب الزيدي وأتباعه، حتى ارتبط في ذهنهم أن الزيود جاؤوا لقتلهم، وهذا الشعور لمسناه لدى فتيان محافظة تعز التي تعتبر عمق المذهب الشافعي في اليمن.

 

ويرى ربيع محمد (17 عاما) أن مجيء الحوثيين إلى محافظته ينم عن "حقد على الشوافع ورغبة في إجبارهم على القبول بحكمهم بغير قناعة". وكان لهذه القناعة الجديدة لدى هذا الفتى نتيجة سلبية جعلته يفكر في غير ما حلم به من قبل، دون أن يفصح عن ذلك, لكنه يوضح إلى أي حد تأثر الأطفال بالعنف.

 

التعايش لا يزال ممكنا بحسب ربيع، لكنه يعتقد أن هذا مرهون بتخلي الحوثيين ومن يؤيدونهم من الزيديين عن "التعصب المذهبي والإيمان بالمواطنة المتساوية للمشاركة في بناء الوطن وتنميته".

 

وتركت الحرب جروحها أكثر على الأطفال الذين لم يكونوا يعرفون عن المذهب الزيدي شيئا، كحال فؤاد أحمد الذي أصبح ينظر إليه كمصدر للعنف، متأثرا بمشاهد القتل وفقدان رفاقه جراء الحرب.

 

ولدى سؤاله: هل كان دافع الحوثيين من الحرب سياسيا أم مذهبيا؟ أجاب فؤاد "هم يريدون الحكم، لكن خطابهم وسلوكهم طائفي". والمؤلم في كلامه هو حديثه عما حل به وما ينتظره في المستقبل إذ يقول "أعيش الخوف والقلق وفقدان الأمان والإحباط من القادم.. توقفنا عن الدراسة، ولم يعد أمامنا مستقبل".

 

وإذا كانت الحرب فاصلة بين زمنين وحالين, فإنها عند محمد ضياء (14 عاما) فاصلة بين نظرتين للمذهب الزيدي، كانت الأولى قبل الحرب تصنفه بأنه أقرب المذاهب الشيعية إلى السنة، وبعد الحرب بات الحوثيون يقودونه إلى تأسيس نموذج مذهبي في اليمن على غرار لبنان والعراق.

 

ومع ذلك لا مشكلة لديه في التعايش مستقبلا مع أتباع المذهب الزيدي، لكن هذا الأمر متعذر من قِبل "مَن فقدوا أقارب لهم على أيدي الحوثيين".

 

في المقابل, ينظر الأطفال المنتمون للمذهب الزيدي إلى المذهب الآخر بما تلقوه من أسرهم ومحيطهم وسمعوه من تعبئة في الإعلام؛ بأن أتباعه "دواعش ووهابيون وتكفيريون", وربما يفسر هذا التحاقهم بجبهات القتال, كما اعترف أحد الأطفال الأسرى لدى المقاومة، مفضلا عدم ذكر اسمه.

 

وتتنوع التداعيات التي تركتها الحرب على الأطفال بين نفسية ستلازمهم في مراحل عمرهم القادمة وبين تغير في سلوكهم بالحياة يجنح نحو العنف والعدوانية, وهو ما يحتاج إلى برامج تأهيل مكثفة تقوم بها السلطات والمنظمات المعنية بالأطفال.

 

طفلان يتفقدان منزلهما الذي دمر القصف جزءا منه (الجزيرة)

ويحدد أحمد القرشي رئيس منظمة "سياج" لحماية الطفولة (منظمة غير حكومية) أبرز ما رصده من تداعيات على الأطفال بالقول إن "الحرب تركت تأثيرات ذات خطورة بالغة، وخلفت جروحا نفسية ستلازمهم في مختلف مراحل أعمارهم، ويترتب عليها الكثير من التصرفات العدوانية والانتقام".

 

وحول انعكاس علاقة أولياء أمور الأطفال بمحيطهم الاجتماعي، قال القرشي لمجلة "الجزيرة" إن "التوتر والخلل الذي أصاب العلاقات الاجتماعية جعل الأطفال يصطفون مع أسرهم وهم في سن مبكرة، وقد يصبح جزءا من السلوك على صعيد الحياة بشكل عام, وسيتحول مع مرور الوقت إلى سلوك معادٍ لمخالفيهم في المذهب أو المنطقة أو اللهجة أو اللباس، وهذا ما سيؤثر على النسيج الاجتماعي".

 

ويقترح القرشي تعزيز الجوانب الإيجابية في المجتمع، وخفض كل ما من شأنه زيادة المشكلة بين المناطق أو المذاهب، وأن لا ينجرّ الصحفيون ونشطاء حقوق الإنسان إلى إذكاء البعد المذهبي للحرب -التي سببها سياسي بالدرجة الأولى- وإعداد البرامج الهادفة إلى تأهيل الأطفال وتخفيف تداعيات الحرب عليهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

أهوال الحروب تزرع الخوف في أطفال غزة

أهوال الحروب تزرع الخوف في أطفال غزة
أيمن الجرجاوي - غزة

مرور 17 شهرا على استشهاد والدة الطفلة الفلسطينية هبة الشنباري لم يكن كافيا لمحو الآثار النفسية السيئة التي عانت منها منذ لحظة الفقد، فالانطواء والعزلة وتراجع مستوى التحصيل الدراسي مشاكل لازمتها منذ ذلك الوقت.

 

وتستعصي ذاكرة الطفلة هبة (10 أعوام) على نسيان المشاهد القاسية التي مرت عليها، فصورة والدتها الغارقة بدمائها على الأرض ما زالت ماثلة أمامها، في الوقت الذي كانت تصرخ فيه شقيقتها الكبرى "منار" من ألم بتر قدميها.

 

فقدت الطفلة والدتها "فلسطين" وأم أختها من أبيها في قصف للطائرات الإسرائيلية على مدرسة للاجئين أثناء العدوان الأخير على قطاع غزة صيف العام 2014، وذلك بعد نحو عام من وفاة والدها في حادث سير.

 

وكانت طائرات الاحتلال قصفت مدرسة "أبو حسين" التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) شمال القطاع يوم 30 يوليو/تموز 2014، والتي كانت مركزا لإيواء النازحين، فاستشهد 15 فلسطينيا -بينهم نساء وأطفال- وأصيب العشرات.

 

وتبدو الصغيرة شاردة الذهن وهي تتحدث عن حالها داخل معهد الأيتام الذي تعيش فيه بمدينة غزة، رغم وجود أختين غير شقيقتين لها في نفس المكان، وتفضل الحديث عن المستقبل على نبش ذكريات الماضي الأليم.

 

"أحب لعب الباراشوت والغميضة، وتعلمت الصلاة والنظافة، وحفظ القرآن".. بهذه الكلمات قفزت هبة عن أحاديث الذكريات المفجعة، وتحدثت لمجلة "الجزيرة" عن حياتها داخل معهد "الأمل" لرعاية الأيتام.

 

تنشط مؤسسات تروبية عديدة في غزة لمعالجة الارتدادات النفسية للحروب على أطفال غزة (الجزيرة)

حافظت الطفلة على رباطة جأشها، وتحدثت عن أمنيتها بأن تصبح معلمة، وتُعامل الأطفال بلطف كما تعاملها معلمتها، لكن سؤالا عن نظرتها للاحتلال الإسرائيلي أثار استفزازها.

 

تقول هبة إن "إسرائيل تقتل الناس، وتقصف منازلهم، وتهدمها على رؤوس الأطفال، لذلك أنا أكرهها"، لكن أساريرها انفرجت عند سؤالها عن المقاومة، فأجابت "أنا أحبها لأنها تدافع عنا وتمنع الاحتلال من قتلنا".

 

ورغم أن خديجة (9 أعوام) -الأخت غير الشقيقة لهبة- تبدو بحالة نفسية أفضل، فإن عينيها ترقرقت بالدموع حينما تذكرت والدتها الشهيدة "فاطمة"، ففقدانها أكثر ما يحزنها حتى اليوم.

 

أما الطفلة عائشة (9 أعوام) -شقيقة هبة- فما زالت تتذكر وعد والدتها بأن تُخرجها من المعهد عندما تصبح في التاسعة من عمرها، وتجهش ليلا بالبكاء حزنًا على فراقها.

 

وتتطلب الحالة النفسية التي تعاني منها الأخوات الثلاث جراء بشاعة المشاهد التي شاهدنها في الحرب دعمًا نفسيًا مستمرًا، وهو ما يقدمه الأخصائيون النفسيون في معهد "الأمل" للأيتام، بالإضافة إلى البرامج الترفيهية والتعليمية.

 

ولاقت الأخصائية النفسية هبة أبو حسين صعوبة في التعامل مع الطفلات عند قدومهن أول مرة، إذ كنّ يرفضن التقيد بنظام المعهد بحكم تعوّدهن على نظام البيت، لكنهن بعد المعاملة الطيبة تكيّفن مع واقعهن الجديد.

 

تقول الأخصائية هبة -التي تعمل في المعهد منذ سبع سنوات- إن الطفلات كنّ في حالة نفسية سيئة عند استشهاد والدتيهن، حيث أصبحت الطفلة "هبة" منطوية وترفض مقابلة الصحفيين، ولا تتفاعل مع الأنشطة اليومية، فضلا عن تراجع مستوى تحصيلها الدراسي.

 

أما "خديجة"، فرغم وجود شقيقة كبيرة لها سدّت جزئيا محل والدتها، فإنها لم تصدق حتى اليوم أنها فقدت أمها، وترقب قدومها كل لحظة، بينما ما زالت "عائشة" تستيقظ ليلا باكية من شوقها إلى والدتها.

 

البرامج الترفيهية تساعد في إعادة التوازن لنفسية أطفال غزة بعد ما شوهتها الحروب (الجزيرة)

وتضيف الأخصائية "أن بكاء الطفلات يأتي لحظة شعورهن بالبعد عن الأم والأب، وينتج عن فراغ عاطفي لا يمكن لأحد أن يعوضه مهما قدّم، مما يخلق مزاجا سيئا ونفسية حزينة".

 

وتتطلب تلك الحالات التي تُصاب بها الطفلات، تدخلا سريعًا من المختصين النفسيين. ويُنفذ القائمون على هذه المهمة برامج متعددة وطرقًا عديدة لمحاولة التقليل من الآثار النفسية على الأطفال.

 

وتوضح هبة أبو حسين في حديثها لمجلة "الجزيرة" أن المختصين يستخدمون أسلوب التفريغ الانفعالي مع الأطفال، عبر الرسم والسايكو دراما والقصص، ويُعلمونهم النظافة الشخصية وقراءة القرآن، ويتابعونهم دراسيا، بالإضافة إلى الألعاب الترفيهية.

 

كما يستخدم المختصون النفسيون جلسات "استرجاع الأحداث الصادمة" لمجموعة من الأطفال، "وعندما يسمع كل واحد منهم مصيبة الآخر تهون عليه مصيبته، ويشعر أنه ليس غريبا عن الآخرين".

 

ويقدم معهد "الأمل" -الذي أنشئ عام 1949- خدماته لـ123 طفلا يتيما من سن الخامسة إلى الثامنة عشرة، ويعتمد في تمويله على المؤسسات الدولية والمحلية، بالإضافة إلى التمويل الذاتي.

 

ويوفر المعهد خدمات الإيواء والتعليم والعلاج والكساء والغذاء والصحة النفسية للأطفال، ويضم 50 موظفا ثابتا وعددا من المتطوعين، وتلقى مؤخرا تمويلا لرفع الطاقة الاستيعابية إلى 200 طفل، على أن يبدأ باستقبال الأطفال من عمر يوم واحد.

 

ووفق خبراء نفسيين، فإن الآثار النفسية التي يعاني منها أطفال غزة لن تندمل قريبا بفعل بقاء آثار الحرب على الأرض كالدمار والحصار، بالإضافة إلى ضعف خدمات العلاج النفسي مقارنة بحجم الكارثة.

 

معظم أطفال غزة يحتاجون إلى برامج تأهيل نفسي بسبب الحروب المتكررة (الجزيرة)

ويرى أستاذ علم النفس بجامعة الأقصى فضل أبو هين أن الحرب تركت "أهوالا" داخل نفوس الأطفال، لم يستطع المختصون ولا المؤسسات المحلية والدولية تخليصهم منها حتى اليوم.

 

ويشير أبو هين في حديثه لمجلة "الجزيرة" إلى أن امتثال الطفل لبرامج العلاج النفسي يساعده على التأقلم مع الواقع ويخفف من حدة الصدمة، لكن المآسي تبقى محفورة في ذاكرته.

 

ويُقدّر أن 125 ألف طفل في غزة تضرروا نفسيا بشكل مباشر جراء الحرب، وهم أبناء الشهداء والجرحى والمدمرة بيوتهم، وهم بحاجة ماسة إلى خدمات نفسية عميقة، لكنه يشير إلى أن جميع الأطفال فقدوا الأمن خلال تلك الأيام، وهو ما تسبب في توترات نفسية بحاجة إلى تدخل علاجي.

 

وعند الحديث عن الأعراض التي تركها العدوان في نفسيات الأطفال، يقول أبو هين "إن قواميس الطب النفسي تعجز عن إحصائها بسبب هول الكارثة وانتشارها".

 

وتتنوع الأعراض بين الرعب الشديد، والقلق، والاكتئاب، والأمراض العقلية، والسلوك العنيف، والخوف من الظلام والأصوات العالية، والأحلام المزعجة، بالإضافة إلى الالتصاق بالأم، وعدم القدرة على ترك المنزل، وفق أبو هين.

 

ويلفت إلى وجود قصور كبير في البرامج النفسية العلاجية لأطفال غزة، والتي يجب أن تتجدد بتجدد المعاناة المستمرة، بالإضافة إلى منع الحصار بعض المختصين من الوصول إلى القطاع، وخروج بعض المرضى للعلاج في الخارج.

 

وعبر متابعة أستاذ علم النفس للبرامج العلاجية التي نُفّذت لأطفال غزة بعد الحرب، فإنها لم ترتق بعدُ إلى حجم الكارثة التي تعرضوا لها، ووقفت في كثير من الأحيان عاجزة أمام هول المآسي المتجددة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

المنهاج الإسرائيلي.. صناعة الكراهية للفلسطيني

المنهاج الإسرائيلي.. صناعة الكراهية للفلسطيني
أسيل جندي - القدس

تنسج المجتمعات المارّة بصراع طويل روايةً تفسر الأحداث التي تشارك فيها وتبررها، وقد تكون تلك الروايات متجذرة بقوة وتستمر لعقود، حتى لو انتهى الصراع المباشر، وانفصلت المجتمعات جغرافيًّا.

 

وتسجل تلك الروايات عادة في الكتب المدرسية التي يضعها كل مجتمع كجزء من عملية تعليم الأطفال وتنشئتهم اجتماعيًّا. وفي الحالة الفلسطينية، يدفع الأطفال والبالغون -على حد سواء- ثمن الحقد والكراهية التي تُغذي بها المناهج الإسرائيلية أذهان الجيل الناشئ.

 

بدأ الإسرائيليون تأليف كتبهم المدرسية بأنفسهم منذ ما يزيد على ستين عاما، بينما بدأ الفلسطينيون وضع كتبهم المدرسية لأول مرة عام 2000، وأتمّوا مجموعة الكتب المدرسية للصفوف من الأول حتى الثاني عشر عام 2006.

 

وفي دراسة حملت عنوان "صورة الآخر في الكتب المدرسية الإسرائيلية والفلسطينية" وشارك في إعدادها الباحث الفلسطيني المتخصص بالمناهج سامي عدوان، تم التوصل إلى أن الكتب الإسرائيلية والفلسطينية تعرض روايات وطنية أحادية الجانب تنعت الآخر بالعدو، وأفعالا سلبية تاريخية قام بها الآخر ضد مجتمع الذات، وتصف مجتمع الذات بعبارات إيجابية وتصوّر أفعاله بأنها دفاع عن النفس وتحقيق لأهداف السلام.

 

مسيرة للمستوطنين في عقبة الخالدية بالبلدة القديمة بالقدس المحتلة (الجزيرة)

وكان إطلاق وصف العدو على الآخر في الكتب الإسرائيلية يرتبط عموما بالهجمات العنيفة ضد الإسرائيليين، وغالبا ما تصف هذه الكتب الفلسطينيين بأنهم يسعون إلى تدمير إسرائيل لا إلى الهيمنة عليها، كما أن هناك نقصا في المعلومات بالمناهج الإسرائيلية حول ديانات الآخر وثقافته وأنشطته الاقتصادية واليومية، وحول وجوده على الخريطة.

 

يتكون النظام التعليمي الإسرائيلي من مدارس يهودية تدرّس باللغة العبرية، ومدارس عربية تدرس باللغة العربية، في حين ينقسم التعليم العبري إلى ثلاثة مسارات: المسار الحكومي العلماني، والمسار الحكومي الديني، ومسار اليهود الحريديم "المتشددين" المستقل.

 

ويعكس نظام التعليم الخاص باليهود الحريديم التكوين المعقد لهذا المجتمع، فكل طائفة -بل كل مجموعة فرعية ضمن الطائفة- لديها نظام تعليمي خاص. ويزيد عدد المدارس في هذا النظام عن 1200 مدرسة بما نسبته 35% من مجموع المدارس. والجدير بالذكر أن هذه المدارس لا تتبع وزارة المعارف الإسرائيلية، وتُدرّس الطلبة منهاجا مختلفا عن بقية المدارس، بينما يُعتبر الحصول على نسخ من الكتب المدرسية لليهود الحريديم أمرا مستحيلا، وهي تصور العرب بشكل بشع جدا، وترسخه في أذهان أطفال المتدينين الإسرائيليين.

 

وبحسب الباحث الفلسطيني عدوان فإن الكتب في هذه المدارس تُركز على أن الآخرين خلقوا لخدمة اليهود، ويجب أن يكونوا عبيدا لهم لأنهم غير قادرين على الوصول إلى المستوى البشري الآدمي. وعندما يتم الحديث عن العربي في هذه المناهج، يحكى عنه بصفة عامة مجهولة في إطار إنكار إنسانيته، كما يُوصف بالمخادع، ولا يتم التطرق للتسامح في الدين الإسلامي والمسيحي. وفي الجزئيات المخصصة للحديث عن المقدسات، تتطرق الكتب لذكر المسجد الأقصى فقط وتحت مسمى "جبل الهيكل"، وأنه مركز ديني مؤقت سيتغير عاجلا أم آجلا.

 

وتطرق عدوان للغربلة التي يتعرض لها المنهاج الفلسطيني الذي يدرس في مدينة القدس المحتلة، قائلا إن هناك مركزا متخصصا في مدينة حيفا تشرف عليه الأجهزة الأمنية وخبراء إسرائيليون يُخضعون المنهاج الفلسطيني لعملية غربلة دقيقة، إذ يتم حذف كل صور العلم الفلسطيني من الكتب والنصوص المتعلقة بالمعاناة والهوية والحقوق الفلسطينية، في محاولة لسلخ الفلسطيني عن تاريخه وهويته، وخلق مناهج غريبة عن الحياة التي يعيشها لإفساد عقليته الفلسطينية.

 

جيش الاحتلال يحمي مجموعة من الفتية المتطرفين اليهود خلال اعتصام للفلسطينيين في البلدة القديمة بالخليل (الجزيرة)

ولا تتوقف المحاولات الإسرائيلية سواء لتشويه وتحريف المنهاج الفلسطيني بالقدس المحتلة أو إحلال الإسرائيلي مكانه، إذ أدخلت وزارة المعارف الإسرائيلية اللغة العبرية على كثير من المدارس، بالإضافة إلى بعض المواد عن الديمقراطية والسلوك المدني من وجهة النظر الإسرائيلية، كما تم إدخال امتحان "البجروت" الإسرائيلي على عدد من مدارس القدس.

 

وأشار عدوان إلى أن الإسرائيليين يدّعون أن المناهج الفلسطينية تدعو إلى العنف والإرهاب ونبذ اليهود، وهو الأمر الذي لم يجده الباحثون من خلال الدراسة بالطريقة التي يصورها الإسرائيليون، بينما أكد أن المناهج الإسرائيلية تحاول إنكار الآخر بشكل كبير حيث تطلق مصطلح المواطنين أو العرب على الفلسطينيين، لأن ذكر كلمة الفلسطينيين لها بعد تاريخي وجغرافي إسرائيل غير معنية بإثارته بين الطلبة. كما أن الخرائط في الكتب المدرسية تشمل الأماكن الدينية الإسرائيلية، والمدن والقرى الموجودة على الخرائط في الكتب هي مدن إسرائيلية فقط وبمسمياتها العبرية.

 

وتُلقي قوة تأثير الأحزاب اليمينية الدينية المتطرفة في الحكومة الإسرائيلية بظلالها على حجم ميزانيات الدعم المالي للمدارس والمعاهد الدينية في إسرائيل، والتي تبث ثقافة الكراهية والحقد ضد العرب والفلسطينيين واليسار الإسرائيلي.

 

كما يلاحظ حجم التركيز الكبير على المضامين التي تُدرس لطلبة المرحلة الابتدائية حيث يتم تلقين الأطفال عن الحق التاريخي والديني الممنوح من الله لشعب إسرائيل من النهر إلى البحر، وأنه لا وجود لحق تاريخي شرعي للفلسطينيين، ويتم عرض العربي في الصور المرفقة بالدروس بشكل بشع حيث يملك أنفا ضخما وشعرا أشعث، ويمشي دائما مع قطيع من الدواب.

 

ومن ضمن الكتب التي تدرس للمرحلة الإعدادية كتاب "هنا بيتي" الذي يسرد حقوق اليهود المقدسة في أرض الميعاد وضرورة الاهتمام بالمدن المقدسة الثلاث للشعب اليهودي، وهي القدس والخليل وبني براك ذات الأغلبية من اليهود المتدينين المتعصبين. وفي أحد أبواب هذا الكتاب، يدرس الطلبة أن "كل من يتنازل عن هذه المدن لأعداء الشعب اليهودي هو خائن وستطارده لعنات رجال الدين والرب بالموت أو المرض أو الجنون، وأن إسحق رابين أخذ عقابه بالموت لأنه أراد السلام، وأرييل شارون أصبح جثة هامدة قبل موته لأنه انسحب من غزة، بينما خسر إيهود باراك في الانتخابات عام 2002 لأنه أراد تحويل دولة إسرائيل إلى دولة علمانية".

 

مجموعة من المستوطنين أثناء جولتهم الاقتحامية للأقصى ومن بينهم طفلة (الجزيرة)

العنصرية والتفرقة لا تقتصر على العرب، وإنما تمتد إلى اليهود الفلاشا من الأصول الإثيوبية الذين يتجرعون كل أصناف الكراهية بدءا من الحضانات والمدارس حتى الجامعات، إذ تتسم مدارسهم بالاكتظاظ الشديد، ويُرفضون في كثير من الحضانات والمدارس بحجة أنهم يحملون الأمراض ويتسمون بالعنف.

 

الجدير بالذكر أن هناك عددا من المدارس المختلطة التي يدرس بها أبناء العرب واليهود في نفس الصفوف لغرض التعايش السلمي بين الشعبين، إلا أن معظم العرب ممن خاض أطفالهم هذه التجربة لاحظوا حجم التشويه الفكري الذي يُمارس على أطفالهم من خلال المناهج والأساليب التدريسية التي ترسخ فكرة وجود هؤلاء الأطفال في دولة إسرائيل بعيدا عن كل ما هو فلسطيني.

 

ولجأ العديد من الأهالي إلى سحب أطفالهم من هذه المدارس، خاصة بعد تدهور الأوضاع الأمنية في مدينة القدس المحتلة، واتساع دائرة الخطر والكراهية ضد العرب والتي قد يدفع أحد الأطفال حياته نتيجتها.

 

ويبقى الفلسطيني الضحية الأولى لأنه لا يواجه فقط محتلا مدججا بالسلاح، بل أيضا حقدا وكراهية من الإسرائيلي الذي يُغذَّى بأفكار ترسم صورة العربي بطريقة بشعة، خاصة في المناهج التي تُدرّس بمدارس المتدينين الإسرائيليين، والتي لم يتمكن أحد حتى الآن من سبر أغوارها، لكن تظهر نتائجها على الأرض يوميا من خلال الممارسات العنيفة المتطرفة التي يقوم بها شبان وأطفال المتدينين، والتي وصلت في بعض الحوادث إلى حرق فلسطينيين وهم أحياء.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

أكراد إسطنبول.. مواطنة لم تعكرها الحروب

أكراد إسطنبول.. مواطنة لم تعكرها الحروب
خليل مبروك - إسطنبول

يشبك الكردي إبراهيم إشكباش يديه بأيدي أبناء حيه الأتراك في دبكة شعبية يبدو على المشاركين فيها التجانس كما يتجانس الأتراك والأكراد بمدينة إسطنبول.

 

وبصعوبة قبل إشكباش الحديث عن علاقته بوصفه كرديا بالبيئة التركية التي يعيش فيها، فأمر الكرد والترك بالنسبة إليه قد عفا عليه الزمن، وهو تاريخ غير موثق حتى في "دائرة النفوس".

 

ورغم الانتشار الكبير والقديم للكرد بإسطنبول، فإن مهمة البحث عن ملامح البيئة الكردية في المدينة التي يقطنها 18 مليون نسمة بدت ضربا من المستحيل، وهي القناعة التي عززها إشكباش بقوله "لا يمكنك أن تجد فرقا هنا بين الكردي وغيره، نحن جميعنا أتراك بكل الأحوال".

 

ويشير الخمسيني إشكباش وهو متزوج من امرأة تركية غير كردية، إلى أن الأكراد في المدن المختلطة مثل إسطنبول وملاطيا وغيرها تجانسوا مع المجتمع الأكبر، فهم في النهاية أتراك، موضحا أن تاريخ الحروب الطويل قد ولّى إلى غير رجعة.

 

ويضيف للجزيرة نت "نحن نتحدث التركية وندين بالإسلام، ومذهبنا هو مذهب أهل السنة، حتى على الهوية لا نحمل أي إشارة لعرقنا الكردي، وهذا ما يجعلنا أكثر انتماء للمجتمع التركي".

 

نساء كرديات يشاركن في فعالية كردية وسط إسطنبول (الأوروبية)

تجانس كامل

سألناه كيف يمكننا أن نجد جمعية أو مؤسسة تعنى بالثقافة أو الفلوكلور الكردي، فقال "لن تجدوا بإسطنبول، فلباس الكرد حتى في الجنوب والشرق التركي هو لباس الأتراك ذاته، وعندما تزور أي قرية كردية لن تجد هناك أي فرق عند زيارتك قرية تركية".

 

وتابع "الأكراد لم يتخذوا بإسطنبول حيا سكنيا خاصا، بل عاشوا بين الأتراك وتزوجوا منهم واختلطوا بهم، لذلك لن تجد مناسبات أو كيانات ذات طبيعة كردية بإسطنبول".

  

ورغم الصراع الطويل الذي شهدته تركيا لعقود بين الأتراك والأكراد، فإن آثار تلك الحروب بقيت في إطارها السياسي، وانحصرت في مناطق الصراع دون أن تنرك تداعيات سلبية على السلم الاجتماعي أو تنقل إرث الكراهية بين الأجيال في المدن المختلطة.

 

ومنذ تسلمها مقاليد الحكم بتركيا عام 2002، سعت حكومة العدالة والتنمية لإنهاء هذا الصراع بإعطاء الأكراد حقوقهم الثقافية والسياسية، مما عزّز من تجانس البيئة الاجتماعية في تركيا لا سيما بين أوساط الشباب.

 

ويعلق الشاب الكردي محمد أصلان على تجانس المجتمع التركي رغم تعدد عرقياته بالقول "نحن نعيش مع الأتراك منذ القديم في أخوة، لكن بعض القوى الخارجية ودُماها في الداخل تحاول تمزيقنا".

 

ويضيف أصلان المنحدر من مدينة ملاطية، أن تاريخ الانصهار الكردي في البيئة التركية يرجع إلى عهد الفتح الإسلامي للأناضول مرورا بعصر الدولة العثمانية ثم زمن الجمهورية الكمالية وصولا إلى يومنا هذا.

 

الأكراد في إسطنبول يلحون بالمطالبة بالسلام مع الدولة التركية وهو ما استجابت له حكومة العدالة والتنمية (الأوروبية )

القضية السياسية

ويؤكد أصلان لمجلة الجزيرة أن من يسميهم "أصحاب المصالح" يقودون الشعوب بالإيقاع بين أبنائها، معتبرا أن المجتمع التركي يواجه مساعي التفرقة بين أبنائه باليقظة والتنبه.

 

وسبق أن خاض حزب العمال الكردستاني منذ أواسط ثمانينيات القرن الماضي ثورة مسلحة تطالب بإقامة حكم ذاتي للأكراد في المناطق التي يتمتعون فيها بالأغلبية السكانية، لكن الحكومة التركية أطلقت في عهد رئيسها رجب طيب أردوغان بداية العام 2013 مسيرة سلام للمصالحة الداخلية لتضع حدا للصراع الذي أوقع أكثر من خمسين ألف ضحية.

 

من جهته، يشير محمد أشسيز، طالب الهندسة الميكانيكية في جامعة أرض روم، إلى أنه عاش بمدينة إسطنبول 19 عاما منذ أن أبصر النور، دون أن يساوره أي إحساس بالتمييز أو الإقصاء من قبل الدولة أو الناس.

 

وأضاف للجزيرة نت "أنا في وطني أفعل ما أريد، وأكملت دراستي دون أن أحس يوما بأني مختلف عن أحد لأن عرقي كردي".

 

قضى أشسيز أربع سنوات في سكن طلابي خلال دراسته للثانوية العامة، ثم انتقل إلى سكن آخر عند التحاقه بالجامعة، فعاش في الغرفة نفسها مع زملاء من مختلف العرقيات لكنه لم يفقد شعوره بالتجانس.

 

وأضاف "أحد رفاقي في الغرفة من عرق اللاز، والآخر تركي صاف، والثالث كردي وأخوه شركسي، المجتمع هو خليط أعراق، ونحن نعيش مع بعضنا ونأكل على سفرة واحدة".

 

وأوضح أن سياسة الدولة تساهم في إشاعة التجانس بالمجتمع عبر عدم ممارسة التفريق في الحقوق والواجبات والأولويات بين الأعراق المختلفة بالبلاد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

المصالحة برواندا: يكفي مليون قتيل

المصالحة برواندا: يكفي مليون قتيل
ياسين الكزباري - رواندا

جنوب كيغالي، في ضاحية هادئة تحيطها التلال الخضراء، وقفت جانيث مع زوجها جوفينال أمام كنيسة البلدة، التي امتلأت بنحو خمسة آلاف شخص، لم يكونوا بصدد تأدية صلاة أو قداس ديني، كانوا جميعا صامتين؛ فقد قتلوا هنا قبل 22 سنة، واليوم لم تبق منهم سوى هياكلهم العظمية.

 

وتحكي جانيث عن يوم المجزرة "بلغنا أن المليشيات تقترب، فأصابنا الرعب، وتوجهنا إلى البلدة أملا في حماية السلطات، لكن مسؤولا خاطبنا "إن عدتم إلى بيوتكم أو فررتم إلى الغابة أو بقيتم هنا، ستقتلون". ثم صاح قس القرية "في بيت الرب، لا أحد سيؤذينا"، فهرعنا نحوه، وكنا خمسة آلاف.

 

وتواصل حديثها، وبعد ساعات أحاطت المليشيات بالكنيسة، فقام شيخ وقال "اطمئنوا، سأخبرهم بأن الأطفال والنساء فقط هنا، ولن يؤذوكم". ففتح الباب لتنهال عليه السواطير؛ فقتل الجميع يومها، إلا قلة نجت تحت الجثث، وكنت منهم".

 

رعاة ومزارعون

وعن جذور الكراهية بين العرقيتين، سألت أستاذ التاريخ بجامعة كيغالي جون ماكينزي، فأجاب "عاشت مجتمعات المنطقة خلال قرون على تربية الماشية والزراعة، وكان المزارعون يسمون هوتو، والرعاة يسمون توتسي، ولأن المواشي يزيد عددها بشكل طبيعي، فإنها توفر ثروة أكبر من الزراعة، وهكذا كان زعماء المجتمع وحكماؤه من أصحاب المواشي.

 

وكانت الأدوار الاجتماعية مفتوحة، فمن ينجح في امتلاك الماشية يتحول إلى توتسي، ومن يفقدها يتحول إلى هوتو؛ وبالتالي فإن توتسي وهوتو لا تدلان في الأصل على عرقيتين، وإنما على مكانتين اجتماعيتين".

 

ويوضح ماكينزي "وصل الألمان سنة 1887، فوجدوا التوتسي أقلية قوية اقتصاديا واجتماعيا، فقرروا توظيفها لحكم المنطقة، ففتحوا لها أبواب المدارس والوظائف ومنعوها عن الهوتو، ولما جاء البلجيكيون، فرضوا على الناس حمل بطاقات هوية تميز بين التوتسي والهوتو، ومن حينها حكم على من كان توتسي أو هوتو أن يظل كذلك إلى الأبد".

 

 ويضيف "وكان الأوروبيون يعتقدون بتفاضل الأعراق، فأشاعوا أن التوتسي أقرب إليهم تحضرا وأرقى عرقيا من الهوتو؛ مما رسب مشاعر الكراهية لدى الهوتو تجاه التوتسي".

 

هياكل ضحايا مذبجة نتاراما تحفظ ذكرى الحقبة السوداء بتاريخ رواندا (الجزيرة)

ثلاثة شهور قتل

ويقول ماكينزي "قبيل الاستقلال، سلمت بلجيكا السلطة للهوتو، وقادهم زعماء متطرفون نفذوا سياسات إقصائية تجاه التوتسي، فمنعوا من الأنشطة السياسية والوظائف والمدارس، وقتل في تلك الفترة منهم نحو سبعين ألفا بتهم مختلفة، فرد الجيش الذي يقوده التوتسي في بوروندي سنة 1972 بقتل مئتي ألف من الهوتو".

 

ويواصل حديثه، أنه بعد سنة من مذبحة الهوتو في بوروندي، انقلب على الحكم في رواندا وزير الدفاع جوفينال هابياريمانا، وعلّق الدستور وحل البرلمان، واتخذ سياسات أكثر تطرفا وعنفا ضد التوتسي.

 

وردا على سياسات هابياريمانا ضد التوتسي لجأ مئات الآلاف منهم إلى دول الجوار، وهناك ستتشكل الجبهة الوطنية الرواندية، مدعومة من بوروندي وأوغندا، والتي وقعت مع الحكومة الرواندية بعد ثلاث سنوات من الحرب اتفاقية أروشا لتقاسم السلطة، حيث أصبح زعيم الجبهة بول كاغامي وزيرا للدفاع ونائبا للرئيس سنة 1993".

 

وفي السادس من أبريل/نيسان 1994، قتل الرئيس الرواندي في حادث تحطم طائرته مع رئيس بوروندي، وكلاهما كانا من الهوتو.

 

وعن ذلك يعود جوفينال زوج جانيث ليقول "سمعنا زعيما يقول في الإذاعة "لقد قتلوا رؤساءنا، اقتلوا الآن كل التوتسي الخونة"، وبثوا أخبارا عن مذابح يرتكبها التوتسي في حق الهوتو، واتضح لاحقا أنها مكذوبة، لكنهم نجحوا في تحريضنا على قتل جيراننا، بعدما صوروا لنا أن اتفاقية السلام مؤامرة لاستعباد الهوتو، وأن حادثة الطائرة بداية لقتلنا. وكان جوفينال في الـ17 حين شارك في مذبحة كنيسة نتاراما.

 

وفي اليوم التالي السابع من أبريل/نيسان أنذر كاغامي قوات حفظ السلام بأنه سيستأنف الحرب ضد الحكومة إن لم يتوقف القتل الذي بدأ قبل يوم.

 

ويحكي جوفينال "لم يتوقف القتل طوال ثلاثة شهور، ولم تتدخل قوات حفظ السلام الأممية، وكنا نتحرك في مناطق القوات الفرنسية بكل حرية".

 

بعد شهرين، دخلت الجبهة إلى كيغالي، ونجحت في وقف الإبادة، لكن بعدما قتل أكثر من مليون من المواطنين -أغلبهم من التوتسي- واغتصبت نصف مليون امرأة، ونزح نصف الشعب داخل البلاد وخارجها، ورفضت الأمم المتحدة طلب زيادة قوات حفظ السلام لوقف الإبادة.

 

وحول انتصار الجبهة، يقول جوفينال "كنا نتوقع أن الجبهة ستنتقم من الهوتو بإبادة مقابلة، لكن كاغامي قال "لم نأت لأجل الانتقام، فلدينا وطن لنبنيه، وبينما نمسح دموعنا بيد، سنبني باليد الأخرى".

 

جانيث تحمل صورة لشقيقها الذي قتل في حرب الإبادة (الجزيرة)

الوحدة والمصالحة

أسس كاغامي حكومة وحدة وطنية، وهيئة وطنية للوحدة والمصالحة، كما تأسست محكمة دولية لجرائم الإبادة في أروشا بتنزانيا لمحاكمة القادة والمخططين، بينما حوكم مئات الآلاف من المتهمين بالمشاركة في أعمال القتل داخل المحاكم الرواندية، لكن المحاكمات كانت بطيئة، فخلال عشر سنوات لم يحاكم سوى عشرة آلاف شخص.

 

ولمواجهة هذه المعضلة، أبدعت الحكومة الرواندية حلا فريدا، حدثنا عنه ستيفان كينزر عضو هيئة الوحدة والمصالحة "كان المتهمون مئات الآلاف، وستستغرق محاكمتهم عقودا، وسيحتاجون عشرات السجون، وميزانية قدرت بأربعين مليار دولار، بينما كان ناتجنا الإجمالي مليارين فقط، فقررنا اللجوء إلى نظامنا القضائي التقليدي، ويسمى غاكاكا".

 

وعن تفاصيل ذلك يضيف "شكّلنا عام 2002 أكثر من 12000 محكمة في كل الأحياء والقرى، وفي كل محكمة تسعة قضاة يختارهم السكان، وتقام المحاكمات في الساحات، أما تمويلها، فكان بأن يدفع كل متهم مستطيع دولارا واحدا".

 

لكن الفرادة ليست في صيغة هذه المحاكم فقط، وإنما في عمقها الفلسفي وأثرها الاجتماعي، إذ يقول جوفينال "لا تقوم غاكاكا على فكرة القانون والعقاب، وإنما على فكرة الاعتراف بالخطأ والتكفير عنه، فالقضاة هم كبار قريتك، وأقاربك وجيرانك وأقارب ضحاياك حاضرون، وهذا يعطي للمحاكمة معنى مختلفا". ثم سألني "هل تستطيع إنكار ذنبك حين تنظر في عيني طفل شاركت في قتل أمه؟ محال".

 

بعد انطلاق عمل غاكاكا، أصدر بول كاغامي -وقد صار رئيسا للبلاد- مرسوما يقضي بالعفو عن كل مدان يعترف بجريمته، شرط أن يغفر له أقارب ضحاياه.

 

جلسة من جلسات محاكم الغاكاكا-الصورة من مؤسسة هيئة الوحدة والمصالحة (الجزيرة)

يقول جوفينال "ترددت كثيرا في الاعتراف، كنت خائفا من الألم الذي سأشعره إن غفروا لي بعدما آذيتهم، لقد كان الإعدام أهون علي من النظر في عيونهم".

 

واعترف جوفينال بذنبه، وقابل أقارب ضحاياه، وكانت جانيث من بينهم، وعن ذلك تقول "ما أن دخلت القاعة، حتى جثا على ركبتيه أمامي وأجهش بالبكاء، ثم رجاني ألا أغفر له وأن أنزل عليه العقوبة التي أريد، لكنني غفرت له. وفي تلك اللحظة، شعرت بأنني إنسان آخر، وكأن الألم الذي سكن قلبي عقدا من الزمن زال تماما".

 

وبعدما أطلق سراحه، تحكي جانيث "طرق بابي وأخبرني بأنه نذر حياته لخدمتي، فأخبرته أنه في حل من ذلك، لكنه أصر، فأخبرته بأنني بحاجة للمساعدة لتأهيل بيتي. وبعد أسبوع، عاد مع مجموعة من الشباب، وبنوا لي بيتا جديدا. ثم وعدني بأن يعمل في حقلي مدى حياته". لتختم حديثها "ماذا سيفيد أن أنتقم منه؟ لا شيء، لكن الصفح يفيد".

 

في سنة 2012 أنهت غاكاكا محاكمة مليونين من المتهمين، وأدانت 65% منهم، وتفاوتت العقوبات من السجن إلى العمل في حقول الضحايا أو تنظيف القرية.

 

ويقول ستيفان "المدهش أن المئات من أقارب الضحايا كانوا يزورون السجون يوميا ليغفروا للجناة، مما أثر بشكل عميق في نفسية المجتمع، وداوى الجراح العميقة التي لم تشفها عقوبة الإعدام".

 

وتعيش رواندا اليوم على وقع مسيرة تنموية واعدة، فبمعدل نمو 8% سنويا، قفز ناتجها الإجمالي الخام من ملياري دولار سنة 2002 إلى ثمانية مليارات دولار سنة 2013، كما قفز عدد الجامعات من واحدة سنة 1994 إلى 29 جامعة سنة 2010، وانتقل ترتيبها في سلم الفساد من 185 سنة 2005 إلى 52 سنة 2012.

 

وتبشر هذه الأرقام بتحقيق رؤية "رواندا 2020"، التي أعلنها بول كاغامي سنة 2000، والتي تهدف إلى تحويل رواندا من دولة فقيرة إلى دولة متوسطة الدخل. وقال حينها "تفكيرنا منصب على الناس، وفي الموازنة السنوية نركز على التعليم والصحة، ونتطلع إلى التقنية والمهارات والابتكار والإبداع، نفكر دوما في الناس، والناس، والناس".

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

ميانمار.. خطاب الكراهية وتحدي الانفتاح السياسي

ميانمار.. خطاب الكراهية وتحدي الانفتاح السياسي
صهيب جاسم

الحديث عن خطاب الكراهية ضد المسلمين في ميانمار يعود بنا إلى العقود الماضية، بل ما قبلها، فليس ما واجهه المسلمون هناك -وخاصة الروهينغا- حالة منعزلة عن خلفيات تاريخية وثقافية وواقع سياسي كانوا هم ضحية قراراته، بل ربما كانوا وسيلة لتعزيز نفوذ السلطة الحاكمة.

 

في كلمته أمام مسؤولي الحزب الاشتراكي البورمي يوم 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1966، قال الجنرال ني وين -الذي حكم البلاد حكما عسكريا مدة ربع قرن- "إنها مشكلة عرقية أيضا، فمن جاءنا بمن فيهم الصينيون والهنود والباكستانيون وكذلك الماليزيون وغيرهم، كل هؤلاء سيمثلون خطرا بالنسبة لنا". بهذه الأفكار حكم هذا الجنرال بورما، أو التي صارت تعرف اليوم باسم ميانمار.

 

وحاول الحاكم بخطاب البغض للغرباء والأجانب تبرير سياساته، بما في ذلك ما تعرضت له الأقلية الصينية من أعمال عنف وقرارات معادية لمصالحهم الاقتصادية وحقوقهم الثقافية، أدت إلى هجرة عشرات الآلاف منهم بعد موجة عنف ضدهم بدأت عام 1963، أي بعد عام من الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال ني وين، وهو الخطاب الذي آذى قوميات أخرى، وكان من أهدافه إبعاد الأنظار عن القضايا المعيشية التي يعاني منها عامة المواطنين، لكن ذلك لم يحل مشاكل ميانمار التي ترك ني وين حكمها عام 1988، وهي ضمن أفقر عشر دول في العالم عام 1988.

 

كان الخطاب القومي المصبوغ بالـ"زينفوبيا" -بغض الأجانب والخوف من الغرباء- هو السائد لعقود في لغة حكومة ني وين العسكرية، كسلاح لتوحيد الرأي العام بين الغالبية البامارية أو البوذية لصالح العسكر، ضد أي قومية أو عرقية أو مجموعة دينية في بلد متعدد الأعراق والقوميات.

 

مشهد يعود لعام 2012 يظهر إحراق البوذيين لمنازل الروهينغا بينما يصطف العسكر الميانماري متفرجاً (الجزيرة)

ويعود بنا ريناود إغريتيو ولاري جغان في كتابهما الموسوم "العسكر والدبلوماسية في بورما" إلى جذور هذه النظرة تجاه "الآخر" في هذه البلاد، مسترجعين ما كتبه عدد من المستشرقين الأوروبيين -ومنهم الفرنسي غولاومي روزنبيرغ- ممن يرون أن هذا التصور للآخر يعتمد على فكرة النقاء العرقي للبورميين، التي تستقي عناصرها من قصص وأساطير تنتمي إلى عهود بورما الموغلة في القدم.

 

وظل هذا الأمر ساريا على لسان النخبة السياسية والعسكرية التي حاولت تقديم نفسها على أنها تمثل البامار الأصليين الأنقياء، وليست من عموم البورميين الذين اختلطت دماؤهم مع القوميات والإثنيات المهاجرة. وربما أسهمت سياسات من غزوا بورما في القرنين الماضيين في ترسيخ الخوف من الأجانب، كما يعود أصل فكرة النقاء العرقي إلى عهد ملوك سكيا، فإن عاصمة ميانمار الإدارية الجديدة "ني بي دو" تعني "مدينة الملوك" أو "مدينة الشمس الملكية".

 

وقد ظل البعد الديني والعرقي مهما في القرارات السياسية في ميانمار على مدى العقود الماضية، ومن هذا المنطلق وُضعت زعيمة المعارضة أونغ سان سوتشي قيد الإقامة الجبرية بسبب زواجها من بريطاني كان في نظر الإعلام الموالي للدولة أجنبي، أو "كلا" وهو المصطلح الذي يستخدم في وصف الغريب، أو من هو من قومية أخرى مهاجرة، وهي تسمية قديمة لأي أجنبي قادم من وراء البحار، ولا سيما إن كان مختلفا في الدين كالمسلمين والمسيحيين والهندوس.

 

وحصل أنه عندما هاجر الهنود  المسلمون والهندوس إلى بورما ابتداء من النصف الثاني للقرن التاسع عشر، صارت لاسم "كلا" معنى آخر هو: "الأسود"، إشارة إلى الأجنبي القادم من الغرب.

 

حركة تنقل دورية للمساجين الروهينغيين بين السجون الحكومية دون تهم أو محاكمات (الجزيرة)

ويرى ديفد ستينبرغ الذي ألف سلسلة من الكتب عن ميانمار، أن تحليل الخطاب السائد في ميانمار خلال فترة الحكم العسكري -رغم تغير قادته- يظهر أن إخافة المواطن الميانماري من الأجنبي ومن القوميات والعرقيات من غير البامار، ظلت سلاحا يستخدم لترسيخ شرعية حكم العسكر. وتجدد ذلك بشكل واضح بعد الحراك الشعبي الكبير ضد حكم العسكر في عام 1988، وفوز المعارضة في انتخابات عام 1990 حيث شوهدت في الشوارع لافتات تهاجم "الأطراف الأجنبية المتآمرة" و"المستعمرين الجدد" وتحث على "الوحدة الوطنية".

 

أهداف سياسية

ومن هذا المنطلق، فإن العداء ضد المسلمين في ميانمار -الذي تجدد بأعمال عنف أواسط عام 2012- ليس إشكالية دينية مجردة، فقبل ذلك هناك المقاصد السياسية والاقتصادية على المستوى المحلي والوطني، رغم تغير بعض التفاصيل عما كان عليه الحال في أعمال العنف والحملات العدائية ضد المسلمين، منذ أربعينيات القرن الماضي مرورا بمآسيهم في عقدي السبعينيات والتسعينيات.

 

أما محليا في ولاية أراكان، فقد كان الهدف تعزيز قوة البوذيين من الركاين هناك، والذين توحدت قياداتهم السياسية من حزبين صغيرين في ظل حزب أراكان القومي، وهذا ما حصل فعلا في الانتخابات الأخيرة في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حيث استفاد هذا الحزب -الذي يمثل قومية الركاين البوذية- من حملة العداء للمسلمين في ولاية أراكان تحديدا، فحشد تأييد البوذيين في الولاية لحزبه ليفوز بنسبة كبيرة من مقاعد المجلس المحلي للولاية والمقاعد التمثيلية لها في مجلسي القوميات والبرلمان.

 

وبالطبع جاء حرمان مئات الآلاف من الروهينغا من التصويت ليصب في صالح هذا الحزب أكثر من غيره، وبهذا حرم المسلمون في هذه الولاية من المشاركة في حكم ولايتهم أو إدارة جزء من شؤونها.

 

فرق تسد عرقيا ودينيا

وأما على المستوى الوطني في ميانمار عموما، فقد سعى خطاب الكراهية لتحقيق أهداف عدة: أولها حشد التأييد للحزب الحاكم الذي يقوده جنرالات متقاعدون، وثانيها إضعاف حظوظ المعارضة من الفوز في الانتخابات لربط أصحاب هذا الخطاب بين المسلمين وحزب المعارضة، وهي علاقة لم يتقبلها غالبية الناخبين، فحققت المعارضة فوزا ساحقا بخلاف ما كان يهدف له الحزب الحاكم، وفي ذلك تأكيد على رفض شريحة كبيرة من سكان ميانمار أفكار الكراهية والعداء لقومية أو دين معين.

 

لكن هذا لا ينفي الأبعاد الدينية والاجتماعية للخطاب التحريضي على المسلمين، وأبرزها محاولة بث مشاعر الخوف في نفوس المسلمين في عموم ميانمار، من أن يواجهوا أعمال عنف أو اضطهاد لوقف انتشارهم الاقتصادي والديمغرافي. ومن رحم هذا التوجه التحريضي لبعض الرهبان، جاء التأييد لتمرير أربعة قوانين تفرض إجراءات مشددة تجاه من يريد التحول عن دينه إلى دين آخر، كما تحظر تعدد الزوجات، وزواج الفتاة البوذية بشاب من دين آخر، ثم السماح للسلطات المحلية في الولايات بإجراء ما تراه مناسبا لتحديد النسل.

 

وهذه القرارات تستهدف فيما تستهدفه مواجهة ما تخشاه بعض القيادات البوذية من زيادة أعداد المسلمين الذين تتفاوت تقديرات عددهم بما بين ثمانية ملايين و12 مليون نسمة.

 

حشد انتخابي للرابطة الوطنية للديمقراطية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة (الأوروبية )

التطلع نحو التغيير

وبعيدا عن تلك الجذور التاريخية يبقى هناك أمل في التغيير، فخلال تغطية الانتخابات في ميانمار حدثني بوذيون كثر عن أن نسبة الرهبان الذين يحملون فكرا عدائيا للمسلمين ليست كبيرة من مجموع نحو نصف مليون راهب وراهبة. ويقول بعض الميانماريين إن أي سلوك عدائي ضد الغير يتعارض مع تعاليمهم البوذية التي تركز على التسامح واحترام الآخرين والسلمية في التعامل الاجتماعي، قائلين إن الأمر في الواقع استغلال سياسي للاختلافات الدينية، وصياغة خطاب ديني عدائي تعالت الأصوات المنادية به، حتى لم يعد يسمع صوت الغالبية "المعتدلة" من البوذيين، كما يصفونهم.

 

وعندما زرنا بلدة ميتيلا في وسط ميانمار قبيل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني الماضي -التي شهدت أعمال عنف ضد المسلمين في مارس/آذار 2013- قابلنا رهبانا أكدوا بسلوكهم الإنساني أن إمكانات تحقيق الوئام قائمة في ميانمار، ما لم يكن هناك تحريض وخطاب عدائي يحرك موجة العنف. فالراهب أووي تيكا، أنقذ حياة نحو ألف مسلم في أحد أربعة أحياء للمسلمين في ميتيلا أحرقها بوذيون، فاحتمى المسلمون بمجمع الرهبان الذي يشرف عليه الراهب أووي، ومنع بوذيين آخرين من الاعتداء على من استجار به من المسلمين.

 

وقال لنا أووي "عندما سمع بعض الناس أنني أحمي المسلمين، جاؤوا يطالبون بأن أسلم لهم أولئك المسلمين، فرفضت بشدة وقلت لهم اقتلوني قبل أن تأخذوهم، لأن من واجبي حمايتهم. ولأنه لم يؤذن للشرطة حينها بتوفير الحماية للمشردين المسلمين، فقد أتى رجال الشرطة إلينا بأعداد أكبر من المسلمين ليحتموا بمجمعنا هذا".

 

مسيرة لرهبان بوذيين من أتباع ويراتو يتهجمون على المسلمين الروهينغا ومنظمة التعاون الإسلامي (الجزيرة)

تراجع الأحزاب القومية

ومن اللافت أن عشرات الأحزاب التي تمثل القوميات لم تستطع تحقيق فوز يذكر في الانتخابات التشريعية، إلا بعض المقاعد القليلة، باستثناء حزب أراكان القومي الآنف الذكر وحزب آخر مثّل قومية الشان. بينما جاء أداء الأحزاب الأخرى التي تمثل قوميات الكاتشين والكيا والكارين والمون وغيرها، ضعيفا للغاية.

 

حدث ذلك ليؤكد أن المواجهة في عموم ميانمار كانت وما زالت بين حزب حاكم مرتبط بالعسكر وتيار شعبي يريد بديلا معارضا على المستوى الوطني لا مجرد أحزاب قومية تمثل بعض القوميات والمناطق، كما أن السنوات الماضية حملت اندماجا اجتماعيا وهجرات داخلية نقلت كثيرين إلى مناطق ذات قوميات مختلفة عنهم.

 

بل إن الانتخابات الأخيرة أظهرت عدم تأييد كثير من القوميات والأقليات للأحزاب المرتبطة بالتنظيمات المسلحة التي تقاتل الحكومة باسم تلك القوميات، كما أنهم لم يؤيدوا الحزب الحاكم القريب من العسكر.

 

وبعيدا عن التوجهين جاء تأييد الغالبية للمعارضة، وهنا يطرح المحللون تساؤلات كبيرة حول مستقبل الخطاب السياسي وعلاقته بالدين والعرق، وهل ستقدر الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية أن تؤسس لخطاب وئام وطني وتعايش ديني ولسياسات تخدم جميع المواطنين دون تمييز على أساس دين وعرق؟ وهل ستتغير سياسات الدولة التي ظلت تنظر إلى التنوع العرقي الذي تتميز به المناطق الحدودية على أنه "مشكلة"، لتتحول إلى سياسات وقرارات ترعى تلك القوميات وتتعامل مع مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية؟

 

لعل التمهيد لذلك يكون بتعزيز ثقافة الحوار وبناء الثقة بين الحكومة المركزية والقوميات والأقليات التي ظل بعض رجالها يحملون السلاح لعقود ضد الحكومة المركزية، حوار ينتهي بتحقيق سلام في ولايات القوميات السبعة، ويمهد لبناء وطني حقيقي لميانمار ينقلها تدريجيا إلى التعايش السلمي الذي حققته معظم دول آسيان المجاورة.

 

وفي ظل هذا الواقع الجديد يأمل المسلمون أن يكون حالهم في قادم السنين أفضل من ماضيهم، بعد أن
أيدت الأغلبية الساحقة منهم حزب الرابطة من أجل الديمقراطية، بل كانوا متحمسين للمشاركة في صناعة التغيير مع غيرهم من القوميات، ومع إدراكهم أن المعارضة لن تقدم الكثير بالسرعة المأمولة، فقد تخفف من أجواء القلق. كما يتطلعون إلى أن تشهد الفترة المقبلة بعد اختيار رئيس جديد للبلاد تحسنا تدريجيا في أحوالهم، رغم أن الطريق نحو تحقيق التغيير ما زال طويلا ومحفوفا بالمخاطر والتحديات.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

الحروب حين تشوه الطفولة

الحروب حين تشوه الطفولة
السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك