آخر تحديث: 2016/11/3 الساعة 07:29 (مكة المكرمة) الموافق 1438/2/1 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2016/11/3 الساعة 07:29 (مكة المكرمة) الموافق 1438/2/1 هـ
الخط العربي.. الرسم بالحروف

رقم العدد : 57

تاريخ العدد : نوفمبر/تشرين الثاني 2016

-1/17-

الخط العربي.. قرين الحضارة

محمد المختار الخليل  
مدير تحرير الجزيرة نت

واحدة من الظواهر التي يشكو منها التربويون والمعنيون بالطفولة هي أن المدارس الأجنبية ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي خلقت جدارا عاليا بين الجيل الجديد ولغته العربية، لحساب اللغات الأجنبية وخصوصا الإنجليزية، مع تردي قدرتهم على الكتابة السليمة إملاء ونحوا.

 

وتساهم المدارس الحديثة المعتمدة على الحواسيب التقليدية واللوحية في انصراف الأطفال عن الكتابة بخط اليد، حتى باتت خطوط كثير من هذا الجيل عصية على القراءة، فضلا عن مطالبتهم بالكتابة بخط جميل.

 

الخط العربي بجمالياته وفنونه الواسعة هو نوع من الرياضة العقلية والفنية التي تنمى بالتدريب والممارسة وتضمر بالترك والإهمال، وتسهم قوة الأمة الحضارية في تعزيز إقبال الآخرين على تعلم فنون اللغة العربية مثل الخط، وينصرف الآخرون وأبناء الأمة أنفسهم عن لغتهم وفنونها في أوقات التردي الحضاري كالحقبة التي نمر بها اليوم.

 

ففي حقب الصعود الحضاري للمسلمين تسابقت الشعوب -خصوصا المسلمة منها- إلى تشرب الثقافة والعلوم الإسلامية، فاعتمدت كتابة لغاتها المحلية بالحروف العربية، مثل التركية والفارسية والأوردية وحتى المالاوية في جنوب شرق آسيا، إلا أن حركات التغريب وفقدان الثقافة الإسلامية بريقها وجاذبيتها سلخت تلك اللغات عن الحروف العربية واستبدلتها باللاتينية، كما حدث في تركيا وإندونيسيا، وهو ما خلق حاجزا ثقافيا بين تلك الشعوب والثقافة الإسلامية.

 

فالكتابة هي وعاء العلوم والثقافة، والخطوط هي لغة التواصل مع هذه الثقافة، والخطر المحدق بثقافة الأجيال القادمة ووعيها خطر حقيقي، بابتعادها عن لغتها المحكية أولا، وكتابة هذه اللغة ثانيا كتابة سليمة ومفعمة بجمالياتها.

 

إلى جانب ما تتمتع به اللغة العربية من اتساع وعمق أدبي وبلاغي، فإن جماليات الخط العربي تزيد من فرادة هذه اللغة، فالخط العربي يصنف على أنه الأجمل بين خطوط لغات العالم، لقدرته على التشكل والتطور، وقدرة الفنان على تطويعه لخدمة الرسوم التشكيلية.

 

في هذا العدد من مجلة الجزيرة نسرح مع الخط العربي وجمالياته، وبعض أنواعه التي انتشرت في شرق الأرض وغربها، أو تلك الخطوط التي أغرمت وتأثرت بفنون الخط العربي، لعلنا نثير بذلك شيئا من الاهتمام بهذا الفن الذي نخشى عليه من الاندثار.

 
السابق

السابق

التالي

السابق

-2/17-

ملف العدد

ملف العدد

 

رحلة الخط العربي بين الوظيفة والجمال
رحلة طويلة مر بها الخط العربي من وسيلة للكتابة والتوثيق إلى دخوله عالم الفن والجماليات وكيف تؤثر الحداثة على روحية هذه الخطوط.

ديكور خشبي محفور بخطوط عربية يزين أحد مساجد ماليزيا (رويترز)

 

حسين الأزعط: لا جدوى من حوسبة فن بصري كالخط
علم تصميم الحروف لا يزال في طور التجربة والفردية وواقعه معقد، وجماليات خط اليد تفسدها الحوسبة الجامدة. 

أحد أنواع الخطوط التي أبدعها الخطاط حسين الأزعط تتناسب مع توجهات الشباب على الإنترنت (الجزيرة)

 

التكنولوجيا.. تخدم خط اليد أو تشوهه؟
يختلف المعنيون بالخط العربي كفن وتصميمه للحواسيب حول جدوى إدخال هذا الفن اليدوي في مجال الكتابة الجاهزة.

الخط العربي فيه الكثير من المرونة للتشكيل في اللوحات الفنية (الجزيرة)

 

عبيدة البنكي: الحروف تعكس روح ومزاج الخطاط
كتابة المصحف الشريف بخط اليد حلم أي خطاط. الخطاط السوري عبيدة البنكي يحدثنا عن هذه التجربة الممتعة والمرهقة.

عبيدة البنكي أثناء كتابة صفحة من المصحف الشريف (الجزيرة)

 

العاني: الخط العربي هندسة جمالية تمسّ الروح
حصل الخطاط العراقي عبد الغني العاني على العديد من الجوائز الرفيعة في فن الخط وكان سفيرا ناجحا للخط العربي في أوروبا.

الخطاط العراقي عبد الغني العاني سفير الخط العربي في أوروبا (الجزيرة)

 

شيخ الخطاطين حسن جلبي: تعليم الخط العربي رسالة
رغم بلوغه الثمانين إلا أنه يحرص على تعليم الشباب فنون الخط العربي بشغف، ومنح العديد من الخطاطين العرب إجازة الخط.

شيخ الخطاطين حسن جلبي يهدي لوحة مكتوبة بخط يهده للرئيس التركي رجب طيب أردوغان (الجزيرة)

 

الخط المغربي.. رسالة المغاربة من القيروان إلى تمبكتو
خط ولد الأندلس واكتسب روح المغرب حتى وصل إلى تمبكتو في الصحراء الكبرى وفي جمالياته حمل رسالة المغرب لشعوب المنطقة.

من سورة الفاتحة وحسب كولين فإنها تقرأ من أسفل إلى أعلى وقد كتبت بخط مغربي مجوهر (الجزيرة)

 

 

أشهر الخطوط الإيرانية ولدت من الخط العربي
طور أهل فارس خطوطا عربية واستخدموها إلى اليوم في الكتابة اليومية، إلا أن خط نستعليق يعد الأكثر انتشارا في الفنون والزخرفة.

خط النستعليق هو الأكثر شهرة في إيران المعاصرة (الجزيرة)

 

الإمام يحيى سكب الخط العربي في قالب صيني
تعلم اللغة العربية وخطها في المدينة المنورة، وطوع الخط العربي ليتلبس روح الكتابة الصينية وهي رسالته في الحياة.

الإمام يحيى في مدينة القدس (الجزيرة)
السابق

السابق

التالي

السابق

-3/17-

رحلة الخط العربي بين الوظيفة والجمال

رحلة الخط العربي بين الوظيفة والجمال
د. نزار الطرشان
أستاذ الآثار والسياحة في الجامعة الأردنية 

 

إن تتبع بدايات الأشياء تعتبر من أصعب المعارف في العادة , خاصة في حالة غياب النص خاصة بناء تسلسل معقول لتطور الخط العربي منذ عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما بعده, أمر يحتاج لصبر وأناة لمحاولة رسم الصورة في هذا الجانب                                                             

         

على أن تتبع الخط العربي بعد ذلك قد يصبح هينا يسيرا إن توفرت الشواهد الدالة عليه بحيث يعطي الصورة تفاصيلها التي قد تكون أكثر تعقيدا، بسبب ما رافق الخط العربي في العصر الأموي والعباسي من تطورات متسارعة زادت من المسألة، بسبب طول الفترات الزمنية المقصودة هنا.       

                                                                                 

فقد بدأ عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بنزول القرآن الكريم وبقي النص مرويا شفهيا إلى أن استقرت الدعوة الجديدة ورافقها تدوين النص بتكليف من الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما قام به  "كتبة الوحي"  من تدوين القرآن على الورق أو الخشب  أو العظم وغيرها من المواد المتوفرة لهم، فضلا عن كتابة مراسلات الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الحكام والملوك والأمراء.

                                                     

وعن أصل الخط العربي في البدايات الأولى للقرن الهجري الأول يرى بعضهم أنه من "الخط النبطي"، ويرى آخرون أنه متأثر "بالخط السرياني" وقيل إن العرب كتبوا بمكة بخط يسمى "الخط المكي" المشتق من النبطي، وفي المدينة كتبوا بخط يسمى "الخط المدني"، وفي الكوفة يسمى "الخط الكوفي"، ومع انتشار الإسلام ظهر ما يسمى "بالخط الدمشقي" و"البغدادي" و"المصري" و"القيرواني" و"الأندلسي"......إلخ.                                                               

 

متجر في سنغافورة يعرض لوحات بالخط العربي على الطريقة الصينية (رويترز)

والمصادر التاريخية قد تسعف أحيانا في مسألة تتبع الخط وتطوره من فترة إلى أخرى، ولنا من ابن خلكان رأي يقول فيه  "إن الناس يقرؤون في مصحف عثمان نيفا وأربعين سنة إلى أيام عبد الملك بن مروان، ثم كثر التصحيف وانتشر في العراق ففزع الحجاج إلى كتَابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات، فعبر الناس بذلك زمانا لا يكتبون إلا منقوطا فكان مع النقط يقع التصحيف فوضعوا الإعجام.

                                                                         

ومهما يكن من أمر، فقد بقي الخط العربي الذي شاع في صدر الإسلام قائما في أوائل العصر الأموي، أي منذ خلافة معاوية إلى بدايات خلافة الأسرة الأموية الثانية "المروانية" بمعنى أن الانقلاب الكبير في الخط والكتابة وربما اللغة حدث إثر وصول قوات الفتح الإسلامي إلى خارج إطار الجزيرة العربية وبلاد الشام، فحملت الخيول العربية الخط والكتابة إلى شتى الأصقاع التي وصلوها ومع تكون الدولة الأموية وزيادة متطلبات الكتابة والتدوين، الأمر الذي سارع في نشأة وتطور وتشكل الحرف.

 

الاستعراض السابق يقودنا إلى إلقاء الضوء على أهم خصائص الخط العربي في القرن الهجري الأول والثاني أي الأموي  والعباسي، فنجد على العموم أن الخطوط اتخذت مسارين هامين هما الخط الجاف والخط الصلب أو اللين أو ما يسمى (الكوفي البسيط)، وإن كانت المادة التي يكتب عليها لينة مال الخطاط  إلى التدوير، وهذا يمكن مشاهدته على شاهد قبر عثر عليه في أسوان، فنجد الكاتب ضيق في السطور الأولى وعندما انتهى النص بقي الفراغ واسعا فأسرع الكاتب فمال إلى الليونة، رغم قساوة المادة المدون عليها.

 

وسارت الخطوط على تلك الشاكلة تميل نحو الليونة لسهولتها إلى أن مر الخط العربي في أكثر مراحله تطورا في العصر العباسي، حيث وضع الخطاط "علي بن مقلة" الأسس الهندسية للحروف العربية منذ النصف الثاني من القرن الهجري الثالث حين وضع خط الثلث والنسخ والبديع. وبدراسة الروايات التاريخية يمكن الاستدلال على أن ابن مقلة قد طور الخط الذي يطلق عليه أحيانا "نصف الكوفي" حيث وضع قواعد هندسة الحرف، مضيفا عليها الليونة بمقادير موزونه.

                                                                                    

مرونة الخط العربي شجع مصممة الأزياء اللبنانية شيرين خضرا بإدخاله في تصاميمها للأزياء (رويترز)

         

وقد ظهر الفرق بين الخط الكوفي واللين واضحا عند ابن البواب أواخر القرن الهجري الرابع حيث وضع الحروف الموصولة في ربط محكم قاعدته الأساسية تسير بقلم إلى الأمام لإظهار الحرف في نهاية الكلمة بصورته الكاملة لانتهائها، علما بأن بعض الحروف لاتتصل بما يليها مثل الألف والذال والدال والراء والزاي والواو.                                                  

                   

الجدير بالذكر أن الخط العربي في العصر العباسي كانت له أصوله غير الاعتباطية التي تخضع لميول وأهواء الخطاطين، ولكنه خط موزون مدروس متوازن, فظهرت بذلك قيم جمالية وفنية وزخرفية بالخط العربي وفق نسب مضبوطة، وهذا ما يلاحظ على العديد من مخطوطات العصر العباسي.

 

 وقد مر الخط العربي بمزيد من التطور في مناطق أخرى في العالم الإسلامي ففي الأندلس  في شبه الجزيرة الأيبيرية، حينما استقر فيها لثمانية قرون. و تذكر الباحثة الألمانية زيغريد هونكه "أن الخط العربي  سار على بساط من نبات المسك والعنبر يتثنَّى".

 

وكان في الأندلس من بين تلك الاختراعات آلة الطباعة الحجرية التي كانت مستعملة في القرن التاسع عشر، فقد كان لعبد الرحمن كاتب اعتاد أن ينشئ الرسائل الرسمية في منزله، ثم ينفذها إلى ديوان خاص يصير فيه إظهارها على الورق، وهو نوع من الطباعة فتصدر في نسخ متعددة، توزع على عمال الدولة.

 

بوابة مدينة لاهور الباكستانية تحتفظ ببقايا زخارف الخط العربي التي تعود للعهد المغولي (الأوروبية)

 وبذلك أصبح الكتاب العربي في كل بيت، وأصبح المخطوط العربي في كل مكتبة، ولا يمكن أن يخلو شارع من شوارع غرناطة وقرطبة وإشبيلية وغيرها من مدن الأندلسي من مكتبة تحوي نفائس المخطوطات المدونة بنفائس الخطوط العربية.

 

 كذلك اعتنى الفاطميون في مصر بالخط العربي عناية كبيرة، قد كتبوه على المآذن والقباب والأروقة وقصور الخلفاء.

 

ثم ما لبث الخط  العربي أن أصبح أهم ما ورثه العثمانيون، وأصله عندهم من مدرسة تبريز التي ازدهرت ليس في الخط  فحسب، وإنما في صناعة الكتاب أيضا، ونال الخطاطون احترام الخلفاء، فنالوا منهم الحظوة وجعلوهم من المقربين منهم، وأسندوا إليهم العمل في الدواوين التابعة للدولة. لكنهم رغم هذا لم يبلغوا ما أوصلهم إليه العرب من مكانة حين عيّنوهم في الوزارة، كما حصل مع الخطاط ابن مقلة في العصر العباسي مثلا.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم وبقوة هل ساهمت الحداثة في نشر وتطور الخط العربي؟ وهل كان لآخر عهوده العثمانية دور في عدم مواكبة التقدم التكنولوجي؟ أو هل كان هناك عوائق في هذا الخصوص؟

 

وعند محاولة الإجابة على هذه الأسئلة يتبين أن الخطاطين العثمانيين قد ورثوا المنهج القديم في رسم الخطوط العربية مع تطور طفيف أضافوه على ما سبق حفاظا  على قدسية الخط الذي كان في أصله خطا قرآنيا بامتياز، مما  أدى إلى عدم دخوله وتطوره في منظومة التقنيات الحداثية.

 

لوحات بالخط العربي بطابع آسيوي في أسواق سنغافورة (رويترز)

ومن جانب آخر فإن على المؤسسات ذات الصلة اليوم التصدي لمثل هذا الأمر، مما يسارع في وضع أشكال الحرف العربي بصورة محوسبة قد تساعد كثيرا في انبعاث ما قد نسميه بالخط العربي المحوسب, وهذا ما يمكن أن يدفع بظهور أشكال فنية جديدة أكثر مقاربة مع العصر الحديث، مما قد يؤسس لثورة جديدة في مجال تطور الخطوط العربية، خلافا لما هو منتشر في برامج الحواسيب اليوم.

 

إن مثل هذا المنحى قد يدفع من جانب آخر فئة من أصحاب المدرسة التقليدية للوقوف أمام منهج الحداثة، وربما يقولون إن تدوير الحرف بما أوتيت اليد من مرونة تسمح بالتصرف أكثر مما يفوق إمكانات الحوسبة الحديثة، وهم على حق في مثل هذا الأمر, ولكن في السياق ذاته لا بد للحداثة أن  تأخذ نصيبها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/17-

حسين الأزعط: لا جدوى من حوسبة فن بصري كالخط

حسين الأزعط: لا جدوى من حوسبة فن بصري كالخط

دخلت التكنولوجيا في تفاصيل حياتنا اليومية لتسهلها وتسرّع من الأداء وتعظم الإنتاج، ومن هذه المجالات الحواسيب التي سهلت علينا الكتابة الموحدة، سهلة القراءة، بخطوط متعارف عليها ومشتركة، ورغم هذه الميزة إلا أنها أفقدت الكلمات المطبوعة روح كاتبها، ولمساته الخاصة التي تميزه بخط يده.

 

هذه الروح المسلوبة من خط اليد في الكتابة اليومية تتعاظم خسارتها في اللوحات الفنية القائمة على  الخط العربي بأنواعه، فلا يمكن للخطوط المبرمجة أن تجاري خط اليد وجمالياته التي تميز كل خطاط أو فنان تشكيلي.

 

حول قضية التكنولوجيا وتصميم الخطوط على الحواسيب وعلاقتها بخط اليد، هل تخدم جماليات الخط العربي أم تشوهه وتحد من فنياته وخيال الخطاط، التقت مجلة الجزيرة مع مصمم الخطوط والخطاط الأردني حسين الأزعط، وكان هذا الحوار:

 

لوحة فنية بالخط العربي للفنان الأزعط في أحد فنادق العاصمة الأردنية  (الجزيرة)

هل التكنولوجيا خدمت جمالية الخط العربي، أم أضرت بها؟

التكنولوجيا دوما تخدم الإنسان ومنتجاته الحضارية، ولطالما ارتبط الحرف العربي بالتكنولوجيا وواكب تطورها، فمنذ إنشاء الدواوين والوزارات في المجتمع المدني العربي خلال الحكم الراشدي والأموي، ظهرت الحاجة إلى تطوير صناعة الورق والأحبار لتتماشى مع حجم الدولة المستمر بالتوسع حينها، وأيضا تطورت الصناعات الزراعية والعسكرية والبحرية، ولاحقا الممارسات التقنية والتجارب العلمية في العصر العباسي، التي أثرت بإيجاد علوم جديدة للعرب والمسلمين كالفلك والرياضيات والميكانيكا، كل ما سبق احتاج إلى توجهات جديدة لجعل الحرف العربي المكتوب يتفاعل مع هذه التطورات، ويتكيف ويتطور مع كل جانب منها.

 

كان الخط العربي في كل هذه التطورات يؤدي مهامه الوظيفية بنجاح وإتقان، ولَم يكن للجوانب الجمالية نصيب مهم في العصور الإسلامية الأولى، ولكن بعدما عّم الرخاء والاستقرار في الحواضر العربية الرائدة كدمشق وبغداد والكوفة، أخذ بعض الفنانين على عاتقهم مهمة تزويق وتجميل الحرف العربي المكتوب، وكان التركيز آنذاك على المصحف الشريف الذي أبدع الفنان المسلم بإظهاره في أجمل صورة وأبهى حلة.

 

ثم بعد ذ لك تمت صياغة قوانين وقواعد للخطوط القرآنية، وجرى تحسين هذه الخطوط وتسميتها، بل اشتقت أفرع عدة منها لتخدم كتابة المصحف الكريم بمختلف قياساته وتصميماته، ولقد أثرت هذه الممارسة في الكتابات العربية الأخرى، وانتقلت عدوى التطوير لباقي الاستخدامات الحياتية، وأصبح الحرف العربي المكتوب خاضعا لفن كتابة الخط العربي، لغايات الإبهار البصري والجماليات العالية. وكان استخدام هذا الفن في المصاحف والمساجد والمعمار بشكل عام، وفيما بعد على شكل لوحات وقطع فنية.

 

وهناك الخط العربي للغايات الوظيفية البحتة التي تتطلب الوضوح، كالكتب والمعدات والأدوات والتوثيق الفكري والأدبي والعلمي، وهو ما جرى الاصطلاح عليه بـ "خطوط النساخين أو الوراقين".

 

بقيت الحضارة الإسلامية تستفيد من هذين السياقين الهامين وكانت التكنولوجيا تغذيهما وتطرح لهما تحديات جديدة في كل يوم، وكان الفنان المسلم على درجة من الالتزام والشغف بتطبيق الحرف العربي المكتوب على كل ما هو جديد تعزيزا للهوية ومواكبة للعصر.

 

إلا أن الحرف العربي تعرض للانتكاسة الأولى في تاريخه عندما تم حظر اللغة العربية كلغة رسمية للدولة العثمانية في القرن السادس عشر، وأتت الضربة الثانية عندما منعت السلطات العثمانية إدخال المطبعة التي كانت الاختراع التقني الأهم حينها والثورة المعلوماتية الأضخم، وجرّاء ذلك تم حرمان كل رعايا الدولة من هذه التكنولوجيا التي كانت تغزو الغرب بلا هوادة وتنير العقول والأفكار إلى يومنا هذا.

 

وسمح العثمانيون بالمطابع العربية في وقت متأخر جدا، وكان الجهل والأمية تملآن شوارع العرب. وعكس ذلك ما كان يجري في الغرب، وأيقن الجميع بأن معاداة التكنولوجيا أمر خاطئ لا محالة، وبالتحجر يحدث الضرر.

 

من الخطوط الجديدة المصممة بالكمبيوتر لتعليم الأطفال (الجزيرة )

وهل تتمكن هذه التكنولوجيا من الاستفادة من مزايا الخط ومرونته مثل الخط اليدوي؟

عندما نرى إسطرلابا أو آيات كريمة في مسجد فإننا نلمس الوعي الكبير عند الفنان المسلم باختيار الشكل الأنسب لمشروعه ووظيفته، المرونة لها أسباب ودواعٍ للاستخدام والصلابة كذلك، ومن غير المنطقي أن نقرأ خبرا صحافيا في جريدة وحروفه مكتوبة بخط الثلث العالي الفنيات مثلا.

 

أنا شخصيا لا أرى فائدة من إقحام التكنولوجيا والمكننة في فن الخط العربي، ما الفائدة المرجوة من روبوت يرسم على طريقة فان جوخ؟ لا شيء. الفن هو ممارسة إنسانية بحتة، يؤدي بها الفنان عمله عبر مشاعره وحواسه وخبرته. وقديما كان الفنان يحتاج إلى وسائل وتقنيات بدائية لتكبير أعماله مثلاً، الآن يكفي استخدام بروجيكتور بسيط ليقوم بالواجب وزيادة. مجدداً، التكنولوجيا في خدمة الفن والتحضر والتطور.

 

والمعادلة نفسها تنطبق على الحرف العربي، لا جدوى من حوسبة فن بصري عمره مئات السنوات مثل خط الثلث، لأنها تقتل كل جمالية بشرية تنتجها يد الفنان والإنسان المسلم، وللأسف نرى محاولات لجعل فن الخط Calligraphy متوفرا على الحواسيب، والنتائج بالطبع كارثية ومشوهة.

 

أما التطوير الواجب الاهتمام به وتفعيل دوره بعد مئات السنين من الثورة المعرفية التي أطلقتها المطابع هو "علم تصميم الحرف" أو "علم الحرف الطباعي" Typography وهذا الأمر الذي بدأنا فيه متأخرين جدا عن باقي الأمم، هو ما يجعل القارئ محتارا أو منزعجا أو متألما من قراءة نص عربي في كتاب أو على موبايل أو على لافتة في مستشفى أو شارع سريع.

 

الخط العربي قابل للتأقلم مع مساحات المكان واحتياجاته (الجزيرة)

 

كيف تقيم برأيك واقع واستخدامات الخط العربي بأنواعه حاليا؟ وعلى من تقع مسؤولية إعادة إحياء الخطوط القديمة ونشرها إلكترونيا؟

 

جرى وأد عشرات الأنواع من الخطوط العربية خلال حكم العثمانيين للمنطقة العربية، وما تبقى من خطوط جرى تهذيبها وتحسين صورتها على يد خطاطين عثمانيين، ومؤخراً جرى تطوير بعض الأنواع الجديدة على يد فنانين عرب وفرس، في محاولة لإغناء المكتبة الخطية العربية، هذه الخطوط ما زالت تستخدم إلى الآن في صناعة اللوحات الخطية الفنية، وعلى المساجد وعناوين الكتب وبعض الاستخدامات الإعلانية أحيانا.

 

ودخل هذا الفن في عالم التصميم الجرافيكي لينتج العديد من الشعارات والعلامات التجارية، وأصبح مكونا بصريات هاما للعديد من الهويات المؤسسية العربية، ودخل أيضا فن الخط بأشكاله الكلاسيكية والحداثية بفنون تصميم الأزياء والأثاث والحلي، أي أن فن الخط أصبح له حضور جيد في الحياة المعاصرة، ويلاقي إقبالاً من الجميع، كونه ممثلا رئيسيا للثقافة البصرية العربية.

 

أما الشق الآخر من واقع الحرف العربي المكتوب "علم تصميم الحرف" فهو ما زال في طور التجربة والممارسات الفردية، وواقعه معقّد قليلا، حيث أن الرهبان الأوروبيين هم من بدأوا بتطويره لغايات الطباعة في القرن السادس عشر، وأتى العديدون من عجم وعرب ليطوروا كل على مزاجه ورأيه.

 

ولم يحصل هذا العلم الأساسي حتى اللحظة بدراسة واضحة وشاملة ومحكمة تضع مواصفات ومقاييس لتفاصيله وجمالياته وتحدياته الإلكترونية والطباعية، وهذا الذي أنا بصدده حاليا، مشروع كبير، أعمل عليه بشكل فردي منذ سنوات، على أمل أن يرى النور قريبا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/17-

التكنولوجيا.. تخدم خط اليد أو تشوهه؟

التكنولوجيا.. تخدم خط اليد أو تشوهه؟

 

هديل صدّيق - عمّان

لطالما امتاز الخط العربي بجمال رسمه وشكله فكان وجها ثقافيا وحضاريا مهما للعرب، فعكس ذلك الخط قديما جمال اللغة بأحرف تنوعت بأشكالها وهندسة تصاميمها، وقد تطور مع تطور الحضارة البشرية.

 

يعود أصل الخط العربي إلى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث تمثل بنزول القرآن الكريم وبقي النص مرويا إلى أن استقرت الدعوة الجديدة ورافقها تدوين النص بتكليف من الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما قام به كتبة الوحي من تدوين القرآن على ورق وخشب وعظم وغيرها من المواد المتوفرة، فضلا عن كتابة مراسلات الرسول إلى الحكام والملوك والأمراء.

يقول أستاذ الآثار والفنون الإسلامية في الجامعة الأردنية نزار الطرشان لمجلة الجزيرة "ثمة من يرى أن الخط العربي مستمد من الخط النبطي، ويرى آخرون أنه تأثر بالخط السرياني، وقيل إن العرب الذين سكنوا مكة كتبوا بخط يسمى الخط المكي المشتق من النبطي، وفي المدينة المنورة كتبوا بخط سمي الخط المدني، وفي الكوفة سمي الخط الكوفي، ومع انتشار الإسلام ظهر ما يسمى الخط الدمشقي والبغدادي والمصري والقيرواني والأندلسي.. إلخ".

 

جمالية خط اليد لا تتناسب مع قوالب خطوط الكمبيوتر مهما كانت مرونتها (الجزيرة)

وقد شهدت الفترة الأموية اهتماما ملحوظا بالكتابة والتدوين، الأمر الذي ساهم في نشأة وتطور ونضوج الحرف العربي.

 

ويقول الطرشان "إن الخط في زمن الدولة العباسية شهد أكثر مراحل تطوره، وظهرت له قيم جمالية وفنية، وقام الخطاط علي بن مقلة بوضع الأسس الهندسية للحروف العربية منذ النصف الثاني من القرن الهجري الثالث حين وضع خطوط الثلث والنسخ والبديع".

 

ويضيف أنه وبدراسة الروايات التاريخية يمكن الاستدلال على أن ابن مقلة طور الخط الذي يطلق عليه أحيانا نصف الكوفي، حيث وضع قواعد هندسة الحروف، أما في عهد الدولة العثمانية فقد نال الخطاطون احترام واهتمام السلاطين وأصبحوا مقربين منهم وأسند لهم العمل في الدواوين التابعة للدولة. 

 

 وفي زمن التكنولوجيا يتساءل كثيرون فيما إذا كانت الحداثة قد ساهمت في نشر وتطور الخط العربي.

 

من لوحات حاتم عرفة التي تظهر مرونة الخط العربي لتشكيله في لوحات فنية (الجزيرة)

ويقول الطرشان "إن على المؤسسات المعنية بالخط السعي إلى وضع أشكال الحرف العربي بصورة محوسبة"، الأمر الذي يساعد -في رأيه- على إنتاج ما قد نسميه الخط العربي المحوسب.

 

ويؤكد أن "هذا قد يدفع إلى ظهور أشكال فنية جديدة أكثر مقاربة مع العصر الحديث، وهو أمر قد يؤسس لثورة جديدة في مجال تطور الخطوط العربية خلافا لما هو منتشر في برامج الحواسيب اليوم".


من جهته، يرى مصمم الحروف العربية حسين الأزعط أن الخط العربي واكب التكنولوجيا وبات له حضور جيد في الحياة المعاصرة، وصار يلاقي إقبالا من الجميع كونه ممثلا رئيسيا للثقافة البصرية العربية.

 

ويقول الأزعط "دخل هذا الفن في عالم التصميم الغرافيكي لينتج العديد من الشعارات والعلامات التجارية، وأصبح مكونا بصريا مهما للعديد من الهويات المؤسسية العربية، ودخل أيضا فن الخط بأشكاله الكلاسيكية والحداثية بفنون تصميم الأزياء والأثاث والحلي".

 

 لكنه يرى أن حوسبة الحروف العربية القديمة مثل الثلث قد تقتل كل جمالية بشرية تنتجها يد الفنان والإنسان، فالفن كما يراه هو ممارسة إنسانية بحتة يؤدي بها الفنان عمله عبر مشاعره وحواسه وخبرته. ويقول "للأسف نرى عدة محاولات لجعل فن الخط متوفرا على الحواسيب، والنتائج أغلبيتها كارثية ومشوهة".

 

الفنان الأزعط يعرض بعض الخطوط التي صممها للكمبيوتر لمجلة الجزيرة (الجزيرة)

ويشدد الأزعط على أن المطلوب الآن تفعيل علم تصميم الحرف أو ما يسمى علم الحرف الطباعي، فيقول "بدأنا بتصميم الحروف متأخرين جدا عن باقي الأمم وما زال في طور التجريب والممارسات الفردية، وكان الرهبان الأوروبيون أوائل من بدؤوا بتطويره لغايات الطباعة في القرن الـ16، وأتى العديدون من عجم وعرب ليقوموا بالتطوير كل على مزاجه ورأيه، ولم يحظ هذا العلم الأساسي حتى اللحظة بدراسة واضحة وشاملة ومحكمة تضع مواصفات ومقاييس لتفاصيله وجمالياته وتحدياته الإلكترونية والطباعية".

 

وفي ذات السياق، يقول الخطاط المصري والمصمم الغرافيكي حاتم عرفة إن التكنولوجيا تساعد على تقديم عمل فني أفضل للخط العربي طالما كان المستخدم دارسا ومستوعبا لأساسياته، وفي حال لم يكن كذلك فإن النتيجة ستكون عكسية وغير مقبولة.

 

ويضيف عرفة أن "التكنولوجيا ساهمت في ربط فنون مختلفة ببعض مثل الربط بين تصميمات الغرافيك والخطوط اليدوية، أو الربط بين الخط والصورة الفوتوغرافية أو الأفلام، وما ينتج عن ذلك من تعدد بالغ في التطبيقات المتاحة له، كما أنها تستبعد الفنان التقليدي المتجمد في مكانه الذي لا يتطور ولا يرغب في مواكبة العصر".

 

أما عن آثار التكنولوجيا السلبية على الخط فيقول "إن البعض أحيانا يستسهل استخدامها دون فهم أو معرفة كافية بأصول الخط، وينتج عن هذا بعض الأعمال المشوهة بلا روح، ولكن هذا في الأساس نتيجة للجهل بالخط وليس في التكنولوجيا بحد ذاتها، فنفس الشيء قد يحدث مع من لا يستخدم التكنولوجيا ويخط فقط بقلم الخط، فإذا كان غير متمكن فستخرج منه الحروف مشوهة وبلا روح كذلك".

 

ويعتقد عرفة أن الاهتمام بالخط في تزايد إلا أن قلة -برأيه- من تهتم بمعرفته حق المعرفة والغوص في إسراره حتى فهمه واستيعاب تاريخه بشكل جاد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/17-

عبيدة البنكي: الحروف تعكس روح ومزاج الخطاط

عبيدة البنكي: الحروف تعكس روح ومزاج الخطاط

علي صبري - الدوحة

كحال أي خطاط يحلم بأن يرتبط اسمه بالمصحف الشريف بكتابته بخط يده، راود هذا الحلم عبيدة البنكي مبكرا حين بدأ يمارس الخط هواية ثم تعلم قواعده واحترف هذا الفن، رغم أن دراسته الجامعية اتجهت نحو الهندسة الزراعية لعدم وجود أكاديميات بمسقط رأسه في دير الزور بسوريا لتعليم الخط العربي.

 

موهبة الخط التي بدأت في المرحلة الابتدائية مع البنكي (52 عاما) صقلها بالممارسة ثم التتلمذ لاحقا على شيخ الخطاطين الأتراك حسن جلبي، ومنه حصل على إجازة بالخط عام 1999. ويلفت إلى أن الخط العربي ينال بالسند من الشيخ إلى تلميذ يملك الموهبة التي تحتاج لصقل فقط، كحال أستاذ الجامعة الذي يأتيه الطالب مؤهلا علميا بدرجة ما ويحتاج إلى تعزيز معرفته في علم محدد.

 

مجلة الجزيرة التقت البنكي في منزله بالدوحة لتتعرف على تجربته في كتابة "مصحف قطر". فقال إن فوزه بجوائز دولية في خط النسخ فتح أمامه آفاقا واسعة لتحقيق حلمه، حين دعته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر للمشاركة في مسابقة دولية لكتابة "مصحف قطر" وشعر حينها بأن الدعوة أرسلت له لكتابة المصحف كما تمنى. فحسم أمره بعد تردد بالإقامة في قطر من أجل المسابقة وإنهاء إقامته بالسعودية حيث كان يقيم.

 

ويتذكر البنكي المسابقة "التاريخية" فيقول "شارك في المسابقة 120 خطاطا من مختلف أنحاء العالم من محترفي خط النسخ، وطُلب من كل خطاط كتابة خمس صفحات من المصحف، وأفرزت المرحلة الأولى سبعة خطاطين، طلب من كل واحد كتابة جزأين من المصحف، ثم وصلت إلى المنافسة النهائية أنا وخطاط آخر، وبفضل الله فزت بالمسابقة ووقع اختياري لكتابة "مصحف قطر" الذي تشرفت بكتابته، وطبع منه حتى الآن حوالي ثلاثة ملايين نسخة.

 

أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني يهدي الخطاط عبيدة البنكي درعا تقديرا لجهده في كتابة مصحف قطر (الجزيرة)

متعة كتابة المصحف الشريف صاحبها عمل شاق ودؤوب استمر ثلاث سنوات ونصف السنة من التفرغ التام، حيث كانت تستغرق الصفحة الواحدة ثماني ساعات، أي العمل المتواصل ليوم كامل. ويقول البنكي عن فنيات كتابة المصحف إنها "عبارة عن هندسة وتوزيع لعدد الكلمات على مساحة السطر، بحيث لا تكون الكلمات مضغوطة ولا ممدودة، ومن المهم أن تنتهي الآية مع نهاية السطر، ولا يجوز أن يبدأ سطر جديد بنهاية آية".

 

ويصف إخراج صفحة المصحف بالعملية المعقدة والمربكة جدا "في البداية أدرس الصفحة على المصحف الأساسي الذي أنقل منه، وقد أغير موضع كلمة بين سطر وآخر حتى يتوازن النص، وهذا يتطلب أحيانا أن أكتب الصفحة بقلم الرصاص بشكل أولي، ثم أنقلها على مقاس صفحة الكتابة، ثم أنفذها تنفيذا كاملا بقلم الكتابة، ثم أنظف الحروف من أية زوائد غير ضرورية، ثم أقوم بوضع حركات الإعراب والزينة".

 

هذا الجهد البدني والذهني الكبير يهون منه الاستمتاع بكتابة كلام الله تعالى، والممارسة الطويلة في هذا الفن، وإلا فإن البنكي يصف فن الخط بأنه "من أصعب الفنون وأكثرها إرهاقا".

 

وسألت مجلة الجزيرة البنكي إن كان يقوم بهذا العمل والجهد الضخم وحيدا أم يوجد له مساعدون؟ فقال "أقوم وحدي بهذا العمل، لكن عند وضع التشكيل، تساعدني زوجتي بقراءة الآيات، حتى لا أنتقل ببصري بين المصحف الأصلي وورقة الكتابة، فهذا يضيع علي الكثير من الوقت ويفقدني التركيز".

الخطاط عبيدة البنكي يهدي نسخة من الصحف لمجلة الجزيرة  (الجزيرة)


ويمضي بالقول "زوجتي أخذت دورات في تجويد القرآن لتتقن القراءة علي، فهي استفادت أيضا من مساعدتي في كتابة المصحف". 

 

وعن التعامل مع الأخطاء التي قد تقع في الكتابة، يقول "إذا وقعت في خطأ لا أتوقف عن الكتابة، وأسجل موضع الخطأ وأعود لتصحيحه لاحقا. ولتصحيح الخطأ إن وجد، اخترت ورقا خاصا يمكنني من إزالة الكتابة بالمشرط الحاد مرة واحدة، وبطريقة خاصة جدا. لكن إن وقع خطأ آخر في نفس الموضع، فأعيد كتابة الصفحة كاملة، لكن نادرا ما يحدث ذلك، لأني أحسب حساب كل شيء قبل أن أبدأ بالكتابة".

 

ويلاحظ أن معظم المصاحف كتبت بخط النسخ ربما لأنه الأسهل للقراءة، وعن ذلك يقول البنكي "أفضل الخطوط لكتابة المصحف هو النسخ، وهو المعتمد حاليا في معظم المصاحف، لكن في السابق كان يكتب بخطوط أخرى، ومنها خطا المحقق والريحان".

 

ولشرح طبيعة خطي المحقق والريحان وعرض نموذج منها، تناول مصحفا كبير الحجم كان بجانبه، نسخة طبق الأصل من مصحف أمر بكتابته السلطان العثماني سليمان القانوني، تكتب آيتين في الصفحة بهذين الخطين بحجم كبير في إطار يعترض الصفحة، مما يكسبها جمالا إخراجيا.

 

مصحف الهند الذي تبدأ كل سطوره بحرف الألف (الجزيرة)

ولم يكن مثل هذا المصحف للزينة وحفظا لجماليات الخط، بل هو للقراءة اليومية، كما يقول البنكي الذي عقب على هذه الخطوط بقوله " أنا أميل لاستخدام هذين الخطين في كتابة المصحف لأنها تسهل عملية الحفظ، فهي تعتمد على التصور البصري المكاني".

 

ويضيف "سبق أن كتبت صحفة من سورة الإسراء منذ سبع سنوات بهذين الخطين، وأنا إلى الآن أحفظ هذه الصفحة وموضع كل كلمة فيها، بسبب خطيْ المحقق والريحان ومساعدتهما على التصور البصري المكاني. وكشف لمجلة الجزيرة أنه ينوي كتابة المصحف بهذه الطريقة "لأني وجدت فيها مساحات جمالية ومساعدة على الحفظ".

 

وهو ما قادنا للحديث عن جماليات الخط العربي، فقال كاتب مصحف قطر "الخط العربي هو الوحيد الذي يتمتع بالجمالية والقدرة على تطويعه  للفنون، الخطوط الصينية واليابانية تستخدم جماليا، لكن ليس كالخط العربي، فهو له وظيفتان، الكتابة اليومية والاستخدام في الفنون واللوحات".

 

ويعتقد البنكي أن الخط العربي يتجاوز كونه قواعد ومسافات وأبعادا وزوايا كتابة، فهو فن تُسكب فيه روح الخطاط، ويعكس الحالة المزاجية للإنسان. وعندما يتعلق الأمر بكتابة المصحف الشريف يتجلى هذا المعنى بشكل أكبر "فكلما كانت روح الخطاط عالية وصافية ينعكس ذلك على خطه. فعندما يتوضأ قبل كتابة المصحف ويصلي ويذكر الله، فهذا كله يعطي جمالا وروحا أكثر للكتابة".

 

صفحة من نسخة طبق الأصل عن مصحف أمر سليمان القانوني بكتابته يعتمد أكثر من خط في كتابة المصحف (الجزيرة)

وهو ما استدعى الحديث عن إمكانية أن تحل خطوط الحاسب الآلي محل خط اليد في كتابة المصحف. فيرى البنكي أن الأصل في كتابة المصاحف أن تكون بخط اليد. ويستدرك بقوله "كان هناك تجارب قليلة جدا في كتابة المصحف بصف الحروف الجاهزة، لكنها كانت تجربة غير موفقة".

 

ويشرح قليلا في توضيح فكرته بالقول "مثلا حرف الميم عندنا له تسعة أشكال حسب موضعه وسياقه في الكلمة حتى في الخط الواحد، لكن الحاسوب يعجز عن التمييز بين هذه المواضع والسياقات. ويكتفي بشكل للحرف في أول الكلمة أو وسطها أو آخرها، ولا يستطيع أن يتعامل مع باقي المواضع وجمالياته. وحتى على فرض لو استطاع التنويع فإنها تبقى قوالب ثابتة لا روح فيها، ويؤدي غرضا يوميا وليس جماليا".

 

وفضلا عن افتقاد خطوط الحاسوب لجماليات وروح الخطاط فإن "من وضعوا خطوط الحاسوب هم بالأساس خطاطون من الدرجة الثانية أو الثالثة، لذلك يبقى خط الحاسوب ليس على درجة عالية من الجودة والدقة".

 

خصوصية خط اليد في كتابة المصحف تفتح مساحات واسعة للإبداع وتجاوز مجرد كتابة المصحف بخط جميل إلى ما هو أبعد من ذلك، وهنا عرض البنكي على مجلة الجزيرة نسخة من المصحف كتبت في الهند بخط النسخ على الطريقة الهندية، الغريب في هذا المصحف أن كل سطر في المصحف، من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، يبدأ بحرف الألف. في تنسيق عجيب ودون أن تضغط بعض السطور أو تمدد بشكل مُخل. وقال لمجلة الجزيرة إنه ينوي كتابة المصحف بهذا التنسيق المعجز.

 
السابق

السابق

التالي

السابق

-7/17-

العاني: الخط العربي هندسة جمالية تمسّ الروح

العاني: الخط العربي هندسة جمالية تمسّ الروح
محمد البقالي - باريس

 

من بغداد إلى باريس انطلقت رحلة الخطاط العراقي عبد الغاني العاني قبل نصف قرن، وما زالت تعد بالكثير من العطاء والإنجاز.

 

في التاسعة والسبعين من عمره، يواصل العاني سبر أغوار الخط العربي وإبراز مكامن الجمال فيه، حيث حول شقته الباريسية إلى مرسم ورواق ومزار لعشاق هذا الفن. واعترافا بجهوده، حصل العاني عام 2009 على جائزة اليونسكو، باعتباره أول من عرّف الغرب بفن الخط العربي.


الجزيرة نت زارت العاني في مرسمه وأجرت معه هذا الحوار:

 

•- من العراق إلى باريس، هل هي رحلة لنقل كنز من كنوز الشرق -وهو الخط العربي- إلى الغرب؟

هذا ما حاولت فعله في وقت كان فيه الغرب يجهل هذه الكلمة. جئت إلى فرنسا طالبا مبتعثا. كنت الأول على العراق في شعبة القانون، فسجلت دكتوراه في جامعة السوربون، لكن قبل أن آتي إلى باريس كنت قد حصلت على إجازة من عميد الخط العربي في الشرق، وهو هاشم الخطاط، وتعهدت له بأني لن أترك الخط بعد مجيئي إلى فرنسا.

 

تعهدي للأستاذ هاشم كان له أثر كبير على تمسكي بهذا الفن، بل في نقل تجربتي إلى الجامعة الفرنسية؛ لذلك وبالموازاة مع دراستي الأكاديمية، لم أفرط أبدا في هذه الوصية. تطور الأمر وبدأت أُدرّس هذا الفن في عدد من الجامعات الفرنسية من بينها السوربون، وحين عُقدت دروس في الفن في بلدية باريس على عهد جاك شيراك كان الخط العربي من ضمنها.

 

•-لكن كيف كان تفاعل الفرنسيين وغير العرب عموما مع ما كنت تقدمه لهم من فن بلغة لا يعرفونها؟

لعل ما أثار انتباهي هو أن الإقبال لم يكن فقط من العرب بل من كل الجنسيات. فكنت تجد في الفصل الياباني والصيني والفرنسي والعربي، وكان هناك تنوع كبير في الجنسيات والأعمار؛ هذا التقبل الجميل للفن الذي كنت أقدمه هو الذي دفعني للبقاء.

 

أنا جئت إلى فرنسا بغرض الحصول على شهادة الدكتوراه وقد فعلت، وكان بالإمكان أن أعود، لكن بقائي ارتبط بهذا الفن. وهذه الآلاف المؤلفة من اللوحات التي تراها في بيتي هي نتاج نصف قرن من العلاقة مع هذا الفن.

 

ورشة عمل الخطاط العاني الغنية بالأعمال الفنية القائمة على فنون الخط العربي (الجزيرة)

•-كيف تفسر هذا الاهتمام بالخط العربي من طلاب لا يعرفون اللغة العربية؟

إنه حب الجمال الموجود في الخط العربي. هذا الخط يتميز بسر كبير، قالتها لي مرة إحدى طالباتي وهي سيدة إسبانية كبيرة في السن. اعترفت أنها تجد في الخط العربي أسرارا جمالية وروحية كبيرة، ولذلك أقول دائما إن الخط هو هندسة روحانية وإن ظهرت في آلة جسمانية، هي اللوحة.

 

•-حصلتم على جوائز كثيرة، كان أهمها ربما جائزة اليونسكو للثقافة العربية. ما أهمية هذا الجائزة بالنسبة لك؟

هذه الجائزة منحتها لي اليونسكو عام 2009 باعتباري أول من عرّف الغرب بالخط العربي، وهي وإن كانت الأهم لأنها حملت اعترافا بجهود امتدت قرابة نصف قرن، فإنها لم تكن الوحيدة، حصلت على جائزة الدوحة وجوائز أخرى كثيرة.

 

•-الآن في عصر التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل السريع، هل ترى أن الخط العربي ما زال قادرا على التطور؟

يمكنني أن أؤكد لكم أن الخط يكتسب مزيدا من الاهتمام أكثر فأكثر. ما زال التلاميذ يدرسونه، وما زال يثير اهتمام الطلاب والمتعلمين من العرب وغيرهم. التقدم التقني لن يغير من أهمية هذا الفن، والآلة ليست جديدة وهي لم تقض يوما على الكتابة.

 

•-دعنا نعد إلى سؤال البدايات. كيف كانت بداية علاقتك بالخط؟

 

البداية كانت من المدارس القرآنية. كنت في صغري أحفظ القرآن الكريم مثل بقية الأطفال، وكان المعلم حريصا على أن نتعلم تجويد القرآن نطقا وكتابة. في يوم الجمعة -وهو يوم عطلة- كنت أتوجه إلى مساجد بغداد الكبيرة مثل مسجد الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي كانت فيه كتابات عظيمة على جدرانه. كنت معجبا بها تماما، وكنت أقضي وقتا طويلا أتأملها وأقلدها.

ولأنني كنت من عائلة فقيرة، كنت ملزما بالاشتغال في صغري، وكان حظي أني اشتغلت عاملا في تنظيف القطارات. فكنت أستعمل السخام الذي ينزل منها مدادا. لاحظ أحد الأصدقاء شغفي بالخط فأخذني إلى هاشم الخطاط عميد الخطاطين العرب وقتها، ومن ثم بدأت تعلم فن الخط على أصوله، حيث توج بحصولي على إجازة منه، هي الوحيدة التي قدمها لطالب.

 

•-الآن بعد هذه الرحلة الطويلة، أما زالت الرغبة في العودة إلى بغداد قائمة؟

 

أعيش في باريس منذ خمسين عاما، وأعتبر أني خلقت بغداد في شقتي، حتى في بغداد نفسها لن تجد هذه اللوحات التي تلخص عصورها جميعا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/17-

شيخ الخطاطين حسن جلبي: تعليم الخط العربي رسالة

شيخ الخطاطين حسن جلبي: تعليم الخط العربي رسالة
فاطمة سلام - إسطنبول

 

وأنت أمام الجوامع ومآثر الأوقاف العثمانية في مدينة إسطنبول التركية، تظن أنك تتجول في ديار لسان أهلها عربي. فعلى الجدران ترى الآيات القرآنية وأسماء الجلالة مرسومة، واسم الرسول الكريم وأسماء الصحابة الأبرار، وتنطق الأبواب بالتسبيح والحمد.

 

هذا الارتباط بالخط العربي "منطلقه ديني، فالأتراك من الشعوب التي عضت بالنواجذ على الدين الإسلامي منذ دخل ديارها"، كما يقول شيخ الخطاطين في العالم الإسلامي حسن جلبي لمجلة الجزيرة.

 

جلبي، شيخ ثمانيني من مواليد مدينة أرضروم التركية عام 1938، لم تكن رحلته باتجاه امتلاك ناصية الخط العربي يسيرة، ففي خضم الحرب العالمية الثانية لم تكن قرى الأناضول قد عرفت المدارس الرسمية بعد، ويستدرك جلبي "إلا أن رجلا متعلما من أفراد هذه القرية كان يحضر الصحف إليها، ويضعها بمتناول أيدي الجميع فيقرؤون، وكنت منهم".

 

يمارس حسن جلبي الخط العربي ويعلمه للشباب بشغف منذ عشرات السنين (الجزيرة)

لاحقا أحدث في قريته كتّابا لتحفيظ القرآن الكريم، دخله جلبي على يد خاله "يوسف طاش" وهو من أتم على يديه حفظ القرآن كاملا.

 

وفي عام 1945 انتقل جلبي إلى إسطنبول لتلقي المزيد من علوم القرآن الكريم، واستقر به المقام في مدرسة "أوج باش" لدراسة اللغة العربية والعلوم الدينية، قبل أن ينتقل إلى مدرسة "جينلي" في حي إسكودار. وبين عمله مؤذنا ثم إماما، وتوجهه للخدمة العسكرية الإجبارية، كان شغفه بالخط العربي الذي يراه على جدران المساجد، يكبر يوما بعد آخر.

 

وكان لتعرّفه على إمام عنده ملكة الخط، أثره في تعلمه جملة من الخطوط التي استحدثها أو طورها العثمانيون هي خط الثلث والنسخ والتعليق والرقعة والديواني والديواني، لكن لقاءه بالخطاط التركي الشهير حامد الآمدي، كان له الأثر الفيصل في توجهه لدراسة الخط العربي.

 

قد يستغرق الحصول على إجازة الخط من الشيخ حسن جلبي سبع سنوات كاملة (الجزيرة)

أولا أشار الآمدي على حسن جلبي بدراسة الخط لدى الخطاط مصطفى حليم، لكن هذ الأخير أصيب في حادثة سير بعد بدء الدراسة لديه بثلاثة أشهر فقط، مما جعل الآمدي يقبل جلبي في صفوف طلابه بالرغم من اكتمال عدد صفه.

 

ولسنتين تدرب جلبي عند الآمدي فقط على خط جملة "ربّ يسر ولا تعسّر، رب تَممّ بالخير"، وهو يحافظ إلى اليوم على بدء تدريب طلبته على هذه الجملة، بعد مرور عقود على حصوله على إجازة الخط من الشيخ الآمدي، وتوسيع مداركه بأعمال جعلته اليوم في قمة هرم الخطاطين في العالم الإسلامي.

 

يقول جلبي لمجلة الجزيرة إن هذه الجملة "هي التدريب الأولي في الخط العربي، لكنها أيضا تدريب على الصبر"، يقصد بذلك أنه يختبر طلبته ويعدهم لسبع سنوات قادمات سيكون عليهم انتظارها للحصول على إجازته في الخط العربي.

 

يقبل الشباب الأتراك على تعلم الخط العربي على يد شيخ الخطاطين حسن جلبي (الجزيرة)

سبع سنوات مدة طويلة لكنها تستحق الانتظار بحسب موسى، طالب "الشيخ جلبي" كما ينادى في قاعة بأحد الأوقاف العثمانية في منطقة إسكودار بمدينة إسطنبول، حيث يخصص الشيخ ساعات من وقته كل يوم سبت بعد الظهر، لتقديم خبرته لطلبته، دون أي مقابل مادي، "فقط لإيماني بالرسالة التي حملتها عن أساتذتي والتي تعكس الارتباط العقدي للأتراك بالخط العربي"، كما يقول.

 

المقولة الشهيرة "نزل القرآن في مكة، وقرئ في مصر، وكتب في إسطنبول" تعكس هذا الارتباط العقدي، كما يعكسها تطوير العثمانيين للخط العربي واستحداثهم لخط الجلي الديواني وخط الطغراء فيه، على سبيل المثال، لكن الشيخ جلبي انتقل بكتابة القرآن إلى خارج إسطنبول، فهو من خط بيده سورة الملك وسورة الجمعة على جدران المسجد النبوي في المدينة المنورة، وله تعود كل الكتابات على جدران مسجد قباء، أول مسجد بني في الإسلام.

 

واليوم يحظى الشيخ جلبي بسمعة طيبة وكبيرة بين الخطاطين في العالم الإسلامي، وقد بلغ الثمانين من عمره، مع إيمان يقول إنه سيستمر بالعمل به، هو "تزايد أعداد الخطاطين الأتراك، ودعم كل الشغوفين بالخط العربي من كل العالم الإسلامي، محبة للإسلام".

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/17-

الخط المغربي.. رسالة المغاربة من القيروان إلى تمبكتو

الخط المغربي.. رسالة المغاربة من القيروان إلى تمبكتو
اعتماد خلدون - الرباط

 

قيل قديما إن الخط لسان اليد, لكن الخط المغربي ليس لسان اليد التي تخطه فقط بل هو لسان شعب وحضارة عريقة نهلت من روافد متعددة, ولا أدل على ذلك من انتشار هذا الخط عبر رقعة واسعة امتدت من الأندلس إلى الحدود الليبية المصرية, فتونس ثم الجزائر والمغرب وموريتانيا وصولا إلى تومبكتو في الصحراء الكبرى، مشكلا بذلك رسالة جمالية فارقة في مشهد الحرف العربي، تمتد عبر الزمان والمكان.

 

ولد الخط المغربي من رحم الخط الكوفي, وكانت نشأته في القيروان قبل أن يواصل تطوره على يد المغاربة والأندلسيين فاتخذ شكله الخاص والمتناسق وفرض نفسه بين الخطوط العربية, بل وتميز عن كثير منها بخصائصه ومحاسنه ولعل أبرزها صعوبة قراءته وتمنعه اللامتناهي عن كشف أسرار حروفه من الوهلة الأولى، قبل ضمان خضوع القارئ بشكل تام.

 

لم يحظ الخط المغربي بالدراسة كما يستحق سواء في المغرب أو المشرق, وهو نقص عمل الدكتور محمد البندوري على تداركه، فأهله بحثه فيه للحصول على أول دكتوراه في تاريخ الجامعة المغربية في فن الخط المغربي, وقد أصدر أطروحته قبل أيام قليلة في كتاب حمل عنوان  "جماليات الخط المغربي في التراث المغربي, دراسة سيميائية".

بداية سورة العلق بالخط المغربي المبسوط, وعلم الإنسان ما لم يعلم بالثلث الجلي المغربي (الجزيرة )

جماليات الخط المغربي

الخط المغربي تراث فني أصيل ومتجذر وكان له عبر التاريخ دور ثقافي وحضاري بارز, زاد من تكريسه تعدد أبعاده الجمالية وإمكانياته الكاليغرافية، من بين ذلك أنه يتميز بتدويرات خاصة واسترسالات ممتدة وتقويسات متفردة تعطي جمالية أكبر للحروف وتكسر التركيب البين عادة للنص المخطوط، سواء كان دينيا أو أدبيا مما يعطيه دلالات ومعاني جديدة.

 

ويتميز هذا الخط بخصائص لا تتوفر في غيره من الخطوط أبرزها أنه مختلف التركيبة, يرتكز على التدوير والتقارب بين السطور, حروفه غير منقطة في الغالب مثل حرف النون إذا أتى في آخر الجملة, في حين تكتب فيه الحروف ذات العراقات مثل الصاد واللام والميم والسين باتساع وامتداد كبيرين, وفي الخط المغربي أيضا نادرا ما تأتي السطور العمودية لحروف مثل الألف واللام مستقيمة إذ يغلب عليها طابع الانحناء.

 

ويخالف الخط المغربي الخط العربي فيما يخص ترتيب الحروف الأبجدية, في مقابل ذلك حافظ على طبيعة عدد من الحروف كما تكتب في الخط الكوفي.

 

وبحسب تصريح الخطاط محمد البندوري لمجلة الجزيرة فإن "الخط المغربي يتكلم لغة التقارب، وتطغى عليه المزاحمة بين الكلمات إلى حد الطلسمة على خلاف النصوص المخطوطة بخطوط مشرقية التي تكون كلماتها في الغالب متباعدة ومقروءة بوضوح".

الخط العربي يتمتع بمرونة عالية تمكن من تطويعه حسب رؤية وذوق الفنان (الجزيرة)

الخط المغربي أنواع خمسة

انفتح الخط المغربي على آفاق جديدة فاتخذ نسقا يستحضر كل التشكيلات المغربية الرمزية واللونية والحضارية وتلك ميزة تحسب له دون أشكال فنية بصرية أخرى ما جعل أصنافه متعددة, يحصرها الدارسون في خمسة وهي , الكوفي المغربي والثلث المغربي والمبسوط المغربي والمجوهر المغربي والمسند المغربي، وقد أضاف إليها الدكتور محمد البندوري نوعا سادسا وضع له قواعده وميز خصائصه وهو الخط المغربي الصحراوي.

 

ويؤكد البندوري لمجلة الجزيرة أن التواصل كان قائما من خلال هذا الخط بين الملوك العلويين وأعيان الصحراء وكتبت به رسائل البيعة وكل المراسلات بين هؤلاء الأعيان والجالس على العرش المغربي. ويضيف نوعا سابعا ما زال بصدد تقعيده ووضع أسسه وهو خط تمازوغ الذي تكتب به الأمازيغية بحروف عربية وقد خط به التراث الأمازيغي.

 

وبالعودة إلى الأنواع الخمسة للخط المغربي, فإن لكل نوع استخدامات ووظائف محددة, فالمسند المغربي غالبا ما تحرر به الوثائق العدلية وعقود البيع والشراء، ولأن المجوهر المغربي له جمالية متفردة فقد اشتق اسمه من كلمة "الجوهر" وهو اسم عقد ثمين ترتديه النساء المغربيات ومعروف بجواهره المتراصة, بينما يدل اسم الخط المبسوط على بساطته وسهولة قراءته ويكاد يكون الخط الرسمي لكتابة المصاحف الشريفة في المغرب منذ العهد المرابطي وإلى اليوم.

 

جمالية خط اليد لا تتناسب مع قوالب خطوط الكمبيوتر مهما كانت مرونتها (الجزيرة)

شغف السلاطين والشعراء

اهتم السلاطين والحكام والملوك في المغرب الأقصى بالخط المغربي أيما اهتمام وجعلوا إتقانه مهارة ينبغي أن تدرك, فكان كثيرون منهم خطاطين بارعين، بل إن منهم من أقدم على نسخ القرآن الكريم بخط يده، ومن بينهم السلطان عمر المرتضى وأبو الحسن المريني وأحمد المنصور الذهبي, وكان اهتمام المنصور الذهبي أكبر بالخط إلى حد اختراعه خطا خاصا به.

 

حرص السلاطين أيضا عبر تاريخ المغرب على المزج بين فني العمارة والزخرفة بالخط المغربي, لذلك كثيرا ما نجد في القصبات التاريخية والقصور والمساجد نقوشا بالخط تزين الجدران وتكلل حواف السقف والأبواب، وإذا كان المغاربة في عهد المرابطين والموحدين قد اضطروا إلى إخفاء هذه الزخارف بالكتان والجبس حماية لها بسبب التشدد الذي ظهر حينها في أمور الدين ومنع النقوش, فإن المرينيين شجعوا هذا النوع من الزخارف واحتفوا بالخط المغربي.

 

واهتمام الشعراء وتقديرهم للخط المغربي لا يقل عن اهتمام هؤلاء السلاطين, إذ آثر عدد من الشعراء المغاربة ألا يكتفوا بشاعرية الكلمات فأضافوا إليها شاعرية الكتابة, واستعانوا بفنانين وخطاطين معروفين لكتابة دواوينهم الشعرية بالخط المغربي في تجربة فريدة من نوعها، ومن أبرز هؤلاء الشعراء محمد بنيس وعبد الله راجع وأحمد بلبداوي.

محمد البندوري من أشهر الخطاطين الذين وظفوا الخط المغربي في اللوحات الفنية التشكيلية (الجزيرة)

تحفيزات للخطاطين

قبل عشر سنوات من الآن أطلق الملك المغربي مسابقة وطنية لنيل جائزة محمد السادس لفن الخط المغربي تشرف على تنظيمها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية, الغاية من ذلك تشجيع الخطاطين الجدد وتكريم الخطاطين الكبار الذين أسهموا في الحفاظ على الخط المغربي والتعريف به داخل وخارج المغرب, وهي خطوة ثمنها الخطاطون المغاربة خصوصا أن قيمتها المادية فتحت الباب أمامهم من أجل التنافس والإبداع أكثر في هذا المجال.

 

كما أصبح فن الخط المغربي يدرس ضمن شعبة قائمة بذاتها تحمل اسم فن الخط في أكاديمية الفنون التقليدية بالدار البيضاء، وسنويا يتخرج منها خطاطون مهرة بشهادات عليا وتكوين أكاديمي على يد أمهر الخطاطين المغاربة، وأشهرهم الخطاط عبد الرحيم كولين.

 

إضافة إلى ما سبق، جرى تأسيس الجمعية المغربية للخط المغربي التي تعنى بهذا الخط ومحترفيه، وتسهم في تنظيم معارض للخط المغربي في عموم المغرب وهو ما لم يكن متعارفا عليه من قبل.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/17-

أشهر الخطوط الإيرانية ولدت من الخط العربي

أشهر الخطوط الإيرانية ولدت من الخط العربي
 
نور الدين الدغير - طهران
لم یکن الخط غريبا على الحضارة الإيرانية القديمة، فقد شهدت أنواعا متعددة من الخطوط كان الأساس فيها هو طبيعتها المسمارية، لكن كل خط اتخذ اسما مع كل سلالة حكمت إيران منذ القرن الثامن قبل الميلاد، فاشتهر المسماري والبهلوي والأوفستائي، لكن رغم ذلك لم يكن الخط العربي غريبا على إيران، فقربها من العراق جعلها تحتك بالخط الرائج هناك، خاصة الكوفي.


مع دخول الإسلام إلى إيران في القرن السابع الميلادي اشتهرت سبعة أنواع من الخطوط، هي الكوفي، والمحقق، والريحان، والثلث، والنسخ، والتعليق، والديواني، وكل من كان يتقن هذه الأنواع السبعة تطلق عليه صفة أستاذ.


يقول الخطاط الإيراني محمد إبراهيم زاده في حوار مع مجلة الجزيرة إن تطور الخط العربي في إيران بدأ في القرن الرابع الهجري مع ابن مقلة البيضاوي الشيرازي، وقد أبدع في ابتكار ثلاثة خطوط، هي النسخ والريحان والثلث، وتمثل اختلاف هذه الخطوط عن الخطوط الرائجة في ذلك الوقت في شكل الحروف والكلمات والأبعاد.


وتشير المصادر التاريخية إلى أن الدولة العباسية لعبت دورا كبيرا في اتساع رقعة الخط العربي بإيران، فقد كانت أصفهان المدينة الوحيدة التي تأخرت في استعمال هذا الخط، وواصلت استعمال الخط البهلوي إلى حدود القرن الثاني للهجرة، لكن وصول العباسيين إلى السلطة وتعاظم نفوذ أبو مسلم الخرساني في بلاد فارس دفعا أهالي أصفهان إلى استعمال الخط العربي بدلا عن الخط البهلوي.

 

خط نستعلیق لا يزال استخدامه في إيران محصورا في الفنون وليس الكتابة اليومية (الجزيرة)

وقد تأثر أهالي أصفهان بالخط الكوفي، وأدخلوا عليه بعض التعديلات، واعتمد الخط في تزيين بعض الأبنية والمساجد، ولا تزال آثاره موجودة على مآثر تاريخية تعود إلى العهد السلجوقي (429-552 هـ).


مع مرور الزمن بدأت الخطوط العربية تتراجع -خاصة الكوفي- في إيران، وأصبح الإيرانيون يميلون إلى إبداع خطوط بديلة، وقد كان خط التعليق أول خط إيراني يخرج من صلب الخطوط العربية، ولا توجد معلومات دقيقة عن مبتكر هذا الخط، فبعض المصادر ترجعه إلى حسن بن حسين فارسي في القرن الرابع الهجري.


وقد تم ابتكار هذا النوع من الخط عبر المزج بين خطي التوقيع والرقاع العربيين، ويتميز بكون حروفه متواصلة ومتداخلة وغير متجانسة، لكن سرعان ما ترك مكانه لخطوط إيرانية جديدة، فبعده مباشرة ظهر خط النستعليق.

نستعلیق شکسته من الخطوط المستخدم في اللوحات الفنية في إيران (الجزيرة)


يقول الخطاط الإيراني محمد إبراهيم زاده "إن خط النستعليق ابتكره شخص يدعى مير علي تبريزي في القرن الثامن الهجري، واستطاع إبداعه من خلال الجمع بين خطي النسخ والتعليق، وقد راج بشكل كبير في تلك الحقبة وأحدث تحولا كبيرا في فن الكتابة".


كان خط النستعليق يستعمل في كتابة الأوامر والقرارات الحكومية والمؤلفات الأدبية، وقد شهد تطورا على مدار أربعة قرون، وكانت له مدارس متعددة بلغت خمسا، أهمها مدرسة مير علي تبريزي ومدرسة مير عماد ومدرسة سلطان علي مشهدي.


أواسط القرن الـ11 الهجري ابتكر الخطاط مرتضى قلي خاني شاملو ثالث خط إيراني وعرف بخط النستعليق المكسر، وكان الهدف من ابتكاره هو سرعة الكتابة وراحتها، وقد أصبحت قواعد الخط كاملة مع الخطاط ميرزا شفيعا هراتي.


ثلاثة خطوط أبدعها الإيرانيون منذ أن دخل الإسلام أرض فارس، لكن مجال استعمالها لم يرق بعد إلى أن تعتمد رسميا لكتابة النصوص الدينية، خاصة القرآن الكريم، بل لا يزال مجال تداولها في كتابة النصوص الأدبية أو في مجال الفن التشكيلي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/17-

الإمام يحيى سكب الخط العربي في قالب صيني

الإمام يحيى سكب الخط العربي في قالب صيني
علي أبو مريحيل - بكين

 

"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى".. بهذا الحديث النبوي أجاب الخطاط الصيني المسلم الإمام يحيى -واسمه الصيني ما يي بينغ- عن سؤال يتعلق بزيارته إلى القدس حين كنت أتأمل صورة له على حائط بيته وهو في المسجد الأقصى.

 

ولد الإمام يحيى في مقاطعة شانسي لعائلة صينية مسلمة عام 1963، حفظ سورا من القرآن الكريم في سن الرابعة، وفي العاشرة من عمره كتب أول مخطوطة باللغة العربية، دفعه شغفه بالإسلام إلى الالتحاق بمعهد العلوم الإسلامية في بكين عام 1990، وبعد تخرجه توجه إلى المملكة العربية السعودية والتحق بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، حيث تعلم فن الخط العربي، وسرعان ما أصبح عضوا في جمعية الخط العربي بالمملكة.

 

بعد عودته إلى بلده عمل الإمام يحيى على المزج بين فن الخط العربي والفن التشكيلي الصيني، كما عمد إلى استخدام الوسائل التقليدية في الخط والكتابة، فأنتج مئات اللوحات المميزة التي تمازجت فيها الثقافتان العربية والصينية، وهو ما أضفى على أعماله بعدا جماليا خاصا فحل ضيفا فوق العادة على العديد من المتاحف والمعارض الفنية، وذلك في أكثر من عاصمة عربية وإسلامية.

 

الخط العربي يبدو واضحاً في زخرفة أحد المساجد الصينية (الجزيرة)

هوية ثقافية

قال الإمام يحيى إنه منذ دخول الإسلام إلى بعض الأقاليم الصينية قبل أكثر من 1300 عام أظهر سكان تلك الأقاليم شغفهم باللغة العربية، ومع الظهور الأول لنسخ القرآن الكريم المكتوبة بخط اليد أعجبوا بفن الخط العربي فصمموا على إجادته، لكنهم وجدوا صعوبة في البداية تتعلق بقراءة اللغة العربية وطريقة كتابتها كونها تبدأ من اليمين إلى اليسار عكس اللغة الصينية التي تكتب بشكل رأسي.

 

وأضاف يحيى في حديثه لمجلة الجزيرة أنه مع مرور الوقت أصبح الخط العربي سمة مميزة للأقليات المسلمة، حيث برزت الحاجة إلى بلورة هوية ثقافية في ظل الممارسات التي تعرضت لها تلك الأقليات على مدار العقود الماضية، لذلك أخذت تستخدمه في تزيين وزخرفة المساجد بالإضافة إلى واجهات المطاعم والمحال التجارية وشواهد القبور.

 

وتابع أنه مع تزايد الشعور بالعزلة والتهميش لم يعد الخط العربي مجرد موضوع فني، بل أصبح جزءا من الهوية الثقافية والعقيدة الدينية لدى القوميات المسلمة تستخدمه لتمييز نفسها عن باقي القوميات الصينية.

 

البسملة على مدخل أحد المساجد في الصين (الجزيرة)

فضاء مطلق

رغم كثرة الخطاطين المسلمين الصينيين وإتقانهم اللغة العربية فإن القليل منهم من حالفهم الحظ وتعلموا أصول فن الخط العربي في مدارس ومعاهد رسمية، حيث ظل تعلم هذا الفن لسنوات طويلة مقصورا على بيوت الأئمة والمساجد والمراكز السرية إبان الحظر الذي مارسته السلطات الصينية على استخدام الحروف العربية في بعض الأقاليم المسلمة.

 

ويرى الإمام يحيى أن ذلك ساهم -إلى حد ما- في التحرر من القوالب النظرية، فكان الفضاء مفتوحا للتجريب، لذلك أطلق كل خطاط العنان لنفسه للابتكار والإبداع، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن يتم التقييد بالقواعد الأساسية قبل الشروع في التحديث لكي لا يكون الجنوح عشوائيا، وهذا لا يتوفر -حسب قوله- إلا من خلال الالتحاق بمعاهد متخصصة ومراكز تعليم رسمية.

 

رمضان كريم بخط الإمام يحيى (الجزيرة)

التفوق على الذات

يعتقد يحيى أن التحدي الأكبر الذي يواجهه أثناء كتابة لوحاته هو القدرة على كسر حاجز اللغة أمام القارئين العربي والصيني على حد سواء، مشيرا إلى أن ذلك لا يتم إلا من خلال المزج بين الأحرف الصينية التي تعتمد على الشكل في توصيل المعنى، والأحرف العربية التي لا يرتبط معناها بالضرورة بطريقة كتابتها.

 

ويعتقد أن الأسهل تطويع الأحرف العربية ومدها وفق ما يقتضيه المعنى الصيني من دون أن يؤثر ذلك على مسار المعنيين، وهو ما نجح فيه عن جدارة بشهادة متابعين لأعماله ولوحاته يؤكدون أن بإمكانه أن يخاطب القراء، ويجمع بين الثقافتين في لوحة واحدة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/17-

تقارير منوعة

تقارير منوعة
 
زيتون "فرعون" يعاني عزل الاحتلال ومرارة القطف

يعاني سكان قرية فرعون الفلسطينية كثيرا في رعاية أرضهم التي عزلهم الاحتلال عنها، وفي موسم حصاد الزيتون تتعاظم هذه المعاناة.
 زيت الزيتون المعصور على الحجر أطيب وأفضل كما يؤكد الخبراء (الجزيرة)
 

أفغانستان.. عندما يتحول زعماء الحرب إلى التنمية

قصة قائد ميداني في مرحلة الجهاد وجد نفسه أمام تحدي تنمية منطقة نفوذه وتقديم الخدمات للمواطنين بعد انتهاء مرحلة القتال.

ملا تاج محمد يتوسط سكان منطقة الملك والعروس للفصل في مشاكل الأراضي (الجزيرة)

 

الناعس: من لا يقتني التاريخ لا مستقبل له

استفاد من خبرته في تقييم الآثار والتحف الشرقية في فتح معرضا للتحف التي يقبل عليها الغربيون أكثر من أهل التراث أنفسهم.

بعض معروضات مزاد الفن الشرقي (الجزيرة)

 
استشاري الموت.. مهنة جديدة في هولندا

تذكر العجوز الهولندي يان تن كيت (78 عاما) معاناة زوجته التي توفيت منتحرة بعد صراع طويل مع مرض أصاب رئتيها، وسبب لها معاناة وآلاما شديدة
يان هوخ فيرف يؤكد أنه يطلب الموت عن قناعة وليس بسبب ضغوط الأمراض  - موقع الحياة المنتهية

 
السابق

السابق

التالي

السابق

-13/17-

زيتون "فرعون" يعاني عزل الاحتلال ومرارة القطف

زيتون "فرعون" يعاني عزل الاحتلال ومرارة القطف
عاطف دغلس- قرية فرعون/طولكرم

 

رغم حاجته الشديدة للمبلغ، كان على المزارع الفلسطيني إياد الشيخ يوسف (أبو خالد) أن يشتري حمارا وعربة بثلاثمئة دولار أميركي ليصل أرضه ويقطف ثمار زيتونه ويعمرها بالمزروعات المختلفة.

 

عند البوابة رقم 708 -الفاصلة بين قرية فرعون جنوب مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية والداخل الفلسطيني المحتل عام 1948- يحظر الاحتلال على المزارعين المشي على الأقدام للدخول إلى أراضيهم.

 

لم يعرف أبو خالد وأهالي "فرعون" السر وراء الإجراء الاحتلالي، لكنهم يدركون أنها الوسيلة الوحيدة لدخول أرضهم، وأن الجنود المدججين بالأسلحة لن يسمحوا لهم بالمرور بغير ذلك.

 

ومع تصاعد انتفاضة الأقصى عام 2000 بدأ الاحتلال الإسرائيلي بإقامة جدار الفصل العنصري، ويصادر لذلك مئات آلاف الدونمات (الدونم يساوي ألف متر مربع) من أراضي المواطنين ويعزل آلافا أخرى.

 

ويقول أبو خالد إنه على جزء من هذه الأراضي -التي عزلت عبر جدار شائك وليس إسمنتيا- أقام الاحتلال بينها وبين أصحابها بوابات حديدية، وأطلق عليها مسميات وأرقاما مختلفة "لتظل زيارتها مرهونة بمزاج الاحتلال وشروطه القاسية".

 

يُمنح تصريح للمزارع المالك للأرض يجدد كل سنتين، وفي موسم الزيتون يُقدم الاحتلال تصاريح خاصة لشهر واحد فقط، وتفتح البوابة ثلاث مرات في اليوم وثلاثة أيام أسبوعيا أمام المزارعين، ولدقائق محدودة لا تتجاوز النصف ساعة في أحسن أحوالها.

 

يقول الخمسيني أبو خالد إن أسوأ ما يواجهونه هو التأخير عن المواعيد المحددة، حيث لا يسمح لهم بالدخول، إضافة لعدم السماح بإدخال محاصيلهم حملا على الأكتاف أو إدخال معداتهم وأدواتهم الزراعية بشكل منفرد "وهذا يُؤرق المزارعين الذين لا يستطيع معظمهم شراء الدّواب أو الجرار الزراعي".

 

المزارع إياد الشيخ يوسف قال إنهم اضطروا لشراء الحمير لاجتياز البوابة نحو أراضيهم (الجزيرة)

"روحنا في الأرض"

يجبر جنود الاحتلال المزارعين على الذهاب لمعبر الطيبة -المقام على أراضي القرية ويستخدم لتنقل العمال الفلسطينيين من وإلى داخل الخط الأخضر- إذا ما كانوا يسيرون على الأقدام لعدة كيلومترات، وهم يحملون منتجاتهم أو معداتهم من مناجل ومناشير وغير ذلك. ويضيف "عندما نصل المعبر يرفض الجنود إدخالنا بهذه الأدوات".

 

وتخلف إجراءات الاحتلال تلك جفاء بين المزارعين وأرضهم، لعدم تمكنهم من رعايتها والتواصل اليومي معها، وبالتالي تناقص الإنتاج وقلته، وتحولها لأرض يباب.

 

لكن الحاجة السبعينية فريال عدوان (أم نائل) وزوجها صبحي كانا أوفر حظا من أبو خالد، إذ يمتلك العجوزان حمارين يشكلان مفصل الحياة وداعما أساسيا للوصول للأرض وفلاحتها.

 

بدت أم نائل وكأنما تقود طائرة إيرباص وهي تعتلي ظهر دابتها وتمشي بخيلاء أمام الجنود، مطالبة بفتح البوابة يوميا بلا قيد أو شرط أو حتى إزالتها، وتقول "نريد أن نزور أرضنا كل يوم، روحنا فيها" بينما ظل زوجها أبو نائل يجمع القش والعشب فوق دابته متجاهلا صرخات الجنود بالخروج من الأرض والالتزام بالوقت المحدد.

 

يقول أبو نائل "على الاحتلال أن يعرف أن الأرض أرضنا ومهما فعل فلن نهجرها". ويضيف "هذا العشب لغذاء المواشي والحمارين، فالأرض تعطي الكل".

 

يشير الناشط أحمد درويش الذي يوثق انتهاكات الاحتلال ضد القرية -بينما كان يصطحبنا لحدود قريته- إلى أنه لم يتبق سوى ثلاثة آلاف دونم من أصل ثمانية تشكل مساحة القرية، إذ يعزل الجدار خمسة آلاف، ويصنف الاحتلال مساحة تقدر بأكثر من ألفين تقع داخل القرية بأنها مناطق (ج) أي خاضعة لسيطرته العسكرية، حيث هدم منزلين في القرية بحجة البناء غير المرخص بالمنطقة (ج).

 

لكن ما يقلق الناشط درويش أن معالم الأرض باتت تتغير تدريجيا، حيث لا يوجد طرقات تمر عبرها الدواب والجرارات لتتمكن من حراثتها، كما أن العشب الكثيف يغزوها، ويؤكد أن الصعوبة تكمن بعدم تمكن المزارعين من إحضار عمال كثيرين للعمل.

 

وتحتوي الأراضي المعزولة خلف الجدار الإسرائيلي على نحو 80% من زيتون القرية، وقد قل إنتاجها إلى النصف أو أقل من نحو ثلاثين طنا كانت تنتجها القرية.

 

- شغف النظر لمعصرة الحجر وهي تدور فوق الزيتون وتقوم بطحنه لا ينقطع  (الجزيرة)

12  بوابة

يقول رئيس المجلس القروي محي الدين عطير إن "الأباريط" -وهو اسم الأراضي المعزولة- كانت سلة غذاء "فرعون" وتزرع بعشرات أنواع الخضراوات والحمضيات وحتى الفاكهة، وبها بئر ارتوازية كانت تعمل 22 ساعة باليوم، والآن لم يسمح الاحتلال إلا بضخ ساعتين فقط بعد سيطرته عليها.

 

وتتعدى اعتداءات الاحتلال -والكلام لعطير- عزل الأرض ومصادرة مياهها وحرق محاصيلها وسرقتها، أو حتى الخنازير البرية التي يطلقها الجيش والمستوطنون من تخريب إلى "تهجير المزارعين من أرضهم".

 

والبوابة رقم 708 واحدة من 12 بوابة تقيمها إسرائيل على طول الجدار الفاصل الممتد من شمال محافظة طولكرم لجنوبها، وتعزل آلاف الدونمات، ويصادر مسار الجدار لوحده ثلاثمئة دونم.

 

هذا دفع مدير الإغاثة الزراعية بطولكرم عاهد زنابيط لإطلاق تحذيرات تؤكد أن المدينة "منكوبة" بفعل سرطان الجدار والاستيطان، وأن هذه البوابات تأتي لتعجيز المواطنين للدخول لأراضيهم ولإجبارهم على التخلي عنها.

 

ويقول زنابيط إن المطلوب ليس التماشي مع الجدار والبوابات والتعايش معها عبر التصاريح وغيرها "بل إزالة الجدار بالكامل".

 

وتطلق الإغاثة الزراعية الفلسطينية ومعها مؤسسات أهلية كثيرة حملات تحت شعار "إحنا معكم، ولستم وحدكم" لمساعدة المزارعين في قطف زيتونهم الواقع قرب المستوطنات وجدار الفصل العنصري، منذ بداية الموسم قبل نحو أسبوعين.

 

وتوفر هذه الحملات عشرات المتطوعين الفلسطينيين والأجانب للمساعدة بجني المحصول وحماية المزارعين من اعتداءات المستوطنين التي تصاعدت مع بدء الموسم، ورغم ذلك لا يتمكن المواطنون الذين تُعزل أراضيهم خلف الجدار من الاستفادة من هذه الحملات لعدم إصدار الاحتلال تصاريح لهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/17-

أفغانستان.. عندما يتحول زعماء الحرب إلى التنمية

أفغانستان.. عندما يتحول زعماء الحرب إلى التنمية
سامر علاوي-كابل

 

وسط مساكن شعبية عشوائية شمال العاصمة الأفغانية كابل أقيمت جامعة استقامت (الاستقامة) قبل أربع سنوات، ولا يختلف مبنى الجامعة كثيرا عن الأبنية المحيطة به من حيث سوء التنظيم والتصميم. وبنيت شبكة الطرق الترابية العشوائية المحيطة به بشكل ارتجالي دون تخطيط هندسي تشرف عليه وزارة أو بلدية.

 

لكن ما يميز جامعة الاستقامة أنها جهد شخصي لأحد القادة الميدانيين بالمنظمات الجهادية ضد الاجتياح السوفياتي لأفغانستان والحكومة الأفغانية التابعة له حقبة ثمانينيات القرن الماضي، وقاتل ضد حركة طالبان إلى جانب تحالف الشمال بقيادة أحمد شاه مسعود، إلى أن سقطت حكومة طالبان بعد التدخل العسكري الأميركي الغربي في البلاد.

 

مناصب ومسؤوليات

بتسلم القائد العسكري المعروف في منطقة شمالي منصب أول محافظ للعاصمة كابل، ثم ممثل منطقته في البرلمان، وجد ملا تاج محمد نفسه أمام تحد جديد هو الالتفات لهموم مجتمعه وأهل منطقته وحل مشاكلهم، إضافة إلى أعباء الأمن التي تلقي بظلالها على كل تحركاته وانخراطه في التجاذبات السياسية المعقدة.

 

عرض على ملا تاج محمد تقلد منصب وزير بحكومة حامد كرزاي فاعتذر بقوله إنني غير مؤهل لهذا المنصب، وأفضل خدمة مجتمعي على تقلد منصب يبعدني عن الناس، ووسط انتقادات كبيرة لأداء قادة المجاهدين السابقين سواء السياسيين منهم أو الميدانيين، لم تشر أصابع الاتهام إلى تاج محمد بالفساد الإداري والمالي.

 

نجح ملا تاج محمد في قطاع التعليم في منطقته رغم قلة الموارد البشرية والمادية (الجزيرة)

البداية في التعليم

وفي ظل مطالب شعبية متعاظمة تتناول جميع مناحي التنمية، كان على تاج محمد أن يفكّك أول عقدة كما يقول، وهي الإجابة عن سؤالين: من أين نبدأ؟ وما هي أولويات المرحلة؟ فكل شيء مدمر في منطقة شمالي وبشكل خاص موطنه الأصلي في مديرية (شكردرة).

 

في عام 2006 أسس أول مدرسة ملحقة بمنزله في قرية كاريزمير شمال كابل، وأتى بمن توفر من مدرسين من أبناء قريته، وتدبر أمرها من خلال صلاته ببعض التجار وقادة المجاهدين السابقين، حيث يكاد التعليم في شكردرة أن يكون مفقودا مثل معظم المناطق الأفغانية، فمباني المدارس الحكومية قديمة ومتهالكة وتفتقد إلى أية معايير إدارية أو تربوية.

 

وبعد عشرة أعوام من انشغاله بالتعليم وتأسيس المدارس، بات في منطقته سبع مدارس ثلاث منها للإناث وأربع للذكور، إضافة إلى جامعة الاستقامة.

 

بداية العمل في مشروع سد الملك والعروس شمال كابل (الجزيرة)

البنية التحتية

أدرك المحارب السابق أن العمل في البنية التحتية أكبر من طاقته ويتطلب اتصالات مع جهات ودول مانحة، وهي مهارات تتطلب الحديث بلغات أجنبية وسكرتاريا ومكتب إداري يقوم بالمهمة، بينما يتسم نشاطه مثل غيره من القادة الأفغان بالارتجالية وعدم التخطيط.

 

اقتصر عمله في مجال البنية التحتية على تمهيد طرق والعمل على إيصال الكهرباء لمنطقته وتقديم خدمات تعتبر أساسية في دول أكثر تقدما، أما في أفغانستان فتعد من الكماليات.

 

أما المشاريع الضخمة فلم تكن في حسبانه، إلى أن أعلنت الحكومة قبل عدة سنوات أن البنك الدولي ودولا مانحة مستعدة للمساعدة في حل مشاكل المياه والكهرباء، هنا أدرك ملا تاج محمد القيمة الإستراتيجية لمنطقته، حيث يعلوها واد ضيق ينحدر من الجبال ويشكل مجرى لمياه الثلوج التي تكسوها فصل الشتاء.

 

سارع ملا تاج محمد بالاتصال بالمسؤولين وطلب منهم عمل دراسة لبناء سد يوفر الماء والكهرباء في وادي درة، وبالفعل عملت دراسة لإقامة سد يجمع مياه الثلوج، ويوفر الكهرباء ومياه الري للمنطقة بتكلفة مبدئية قدرت بأربعين مليون دولار.

 

محافظ كابل عبد الجبار تقوى أثناء افتتاحه جامعة الاستقامة (الجزيرة)

شاه وعروس

وبمجرد الإعلان عن مشروع السد، ارتفعت قيمة الأراضي المحيطة به وانتعشت تجارة الأراضي بمنطقة شاه وعروس "الملك والعروس" وأصبحت مرشحة لتصبح منتجعا سياحيا إذا ما قدر لها أن تنعم بالأمن، وبات السد بمراحله الأخيرة ويتوقع افتتاحه صيف 2017.

 

لكن سد الملك والعروس تسبب بمشاكل اجتماعية لم تكن في الحسبان، مثل الصراع على ملكية الأراضي، والسيطرة على أراضي الدولة المحيطة بالسد من قبل مسلحين ومتنفذين.

 

هنا تحول دور ملا تاج محمد إلى محكّم ومصلح اجتماعي، فلا يكاد يمر يوم إلا ويستقبل في منزله بقرية كاريزمير أشخاصا يحملون أوراقا ووثائق مزورة أو صحيحة لملكية أراض في منطقة الملك والعروس.

ويزيد النزاع على الأراضي بين سكان المنطقة سطوة زعماء الحرب الذي يستولون على أراضي الناس بالقوة ويقسمونها بين أقاربهم والموالين لهم من المسلحين، وفي مجلس يشكو فيه أناس بسطاء من استيلاء أحد زعماء الحرب على أراضيهم التي يقدر ثمنها بما يزيد على نصف مليون دولار، اعتذر ملا تاج محمد بأنه غير قادر على شن حرب ضد زعماء الحرب بمنطقته تزهق فيها أرواح أبرياء.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/17-

تحف الشرق "المهملة" في مزادات أوروبا

تحف الشرق "المهملة" في مزادات أوروبا
جورج كدر-أمستردام

الناعس: من لا يقتني التاريخ لا مستقبل له

خالد الناعس أحد الخبراء المعروفين بأوروبا في عالم الآثار، فخبرته تعود لسنوات طويلة شكلها بعد دراسته لتاريخ الفن في جامعة ليدن بهولندا حيث تربى وعاش، يعمل حاليا خبيرا ومستشارا لعدة متاحف عالمية، ويمتلك صالات لعرض التحف الأثرية في هولندا ولندن.

 

وبدأ الناعس مؤخرا تأسيس أول مزاد علني له، وخصصه للفن الآسيوي والإسلامي. مجال تخصصه كخبير في فن الخزف الصيني خصوصا والشرق عموما أهّله لكتابة عدة مؤلفات في هذا المجال، كما جعله مرجعا موثوقا في تاريخ التحف الصينية.

 

يفكر حاليا بمشروع ضخم يهدف لتشكيل نقاط تجميع قانونية للقطع والتحف الفنية في عدد من دول العالم، بحيث تستقبل القطع ثم ترسل إلى المركز الرئيسي بهولندا حيث تقام لها مزادات علنية.

 

لوحة هندية للكعبة المشرفة تعود للقرن التاسع عشر (الجزيرة)

•·أنت تخوض تجربة جديدة في مسيرتك المهنية، فمن الخبرة الأكاديمية والعملية في توثيق الآثار في العالم إلى ميدان المزادات العلنية، وتؤسس لمشروعك الخاص في هذا الميدان. ما الذي يميز مزادك عن المزادات الأوربية الأخرى؟

اخترت أن يكون مزادي الأول مخصصا للتحف الفنية الآسيوية والإسلامية كبداية، ولأنه أول مزاد كان التحضير له صعبا جدا نظرا للموافقات الكثيرة والوقت الطويل الذي نقضيه للحصول عليها، واضطررت للاتفاق مع شركات متخصصة ضخمة تجمع زبائنها وتبيع القطع عبر الإنترنت، وهي التي تولت التسويق للمزاد لأنها تمكن صاحب المزاد من الوصول إلى أكثر من  ثلاثين مليون شخص عبر العالم، مقابل نسبة 3% تحصل عليها من الزبون.

 

إضافة إلى أن الاعلان بالصحف حقق انتشارا سريعا جدا لمزادنا، ورغم أنها تجربتي الأولى فإن مزادنا الأول الذي أقيم منتصف أكتوبر/تشرين الأول الجاري كان جيدا، فقد بعنا حوالي 70% من القطع، وهذا كبداية يعتبر نجاحا كبيرا، لذلك قررت أن يكون هناك مزاد كل ثلاثة أشهر وسيكون مزادي القادم في ديسمبر/كانون الأول.

 

بشكل عام تصلنا مئات القطع من قبل هواة أو مستشرقين وغيرهم، وبعد دراسة تلك القطع من قبل خبراء في علوم التاريخ وخبراء بالفن الصيني والإسلامي نقوم بتثمينها، وفي حال واجهتنا الشكوك بشأن قطعة من القطع نقوم بتحليلها في مخابر جامعة أكسفورد التي تربطنا معها اتفاقيات رسمية، وبعد تحليل تلك القطع يعطوننا الحقبة التي صنعت بها، ويتم تحديد عصرها، ثم نقوم بفرز القطع ونعرضها للبيع إما في المزادات الحية أو في المزاد الإلكتروني.

 

•·أطلقت على مزادك الأول "مزاد الفن الشرقي" ولاحظنا أن فيه قطعا من الصين والعالم الإسلامي، هل هناك اهتمام بالفن الإسلامي في أوروبا؟

في مزادي الأول كان لدي الكثير من القطع الإسلامية الجميلة، منها مثلا معاهدة أصلية تعود للقرن الـ16، وهي معاهدة أبرمت في عهد السلطان العثماني سليم الثاني (1566م-1574). أهمية هذه المعاهدة أنها تتحدث عن تعهد السلطان سليم الثاني بحماية الأقليات، وقد بيعت لأحد متاحف كندا.

 

وهناك قطعة مشغولة بحرفية عالية من الذهب مصنوعة على شكل ورقة شجر طولها 15 سم وعرضها 12 سم، تعود للقرن الـ17، وكتب عليها "يا علي مدد" كما أن هناك مجسما للكرة الأرضية من الفضة من القرن الـ19، كان من مقتنيات السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، ويحمل توقيعه أيضا. ويظهر في هذه التحفة الجميلة أسلوب بديع في زخرفة المعادن استخدم فيه خليط معدني لكتابة البلدان والبحار والمحيطات بالإضافة إلى خطوط العرض والطول. وهذا النوع من التحف تم البدء في صناعته منذ بدايات القرن الـ15 حتى الـ19.

 

سمكة فضية ومذهبة من الهند تعود للقرن التاسع عشر والعيون من الأحجار الكريمة (الجزيرة)

ما هي الحدود الفاصلة بين تهريب الآثار وبين فكرة المزادات العالمية؟

بشكل عام هناك مزادات خاصة تقوم بها شركات متخصصة ومرخصة في كل مدينة أو دولة، ولكن هذا العمل صعب جدا يتطلب الكثير من التوثيق والبحث عن مصدر القطع الأثرية. والأمر يصل إلى أن لكل قطعة هناك ما يشبه "جواز سفر" يتحدث عن مصدرها والأشخاص الموثوقين الذين كانوا يملكونها ومن أين حصلوا عليها، وبعد أن نحصل على جواز سفر التحفة نقوم بدراستها ونؤرخها ونتأكد ما إذا كانت مسروقة أو لا.

 

بالنسبة للقوانين في أوروبا، فإن التحف الأثرية الإسلامية بشكل عام يجب أن تكون منذ عام 1971 موجودة بأوروبا، ويتم تداولها بين أيدي الهواة والمهتمين، وإلا فلن نستطيع بيعها، هكذا هو القانون، وهو إنجليزي، ولكن يتم العمل به في كل المزادات الأوروبية، وكل قطعة نشك بها يتوجب علينا أن نخبر السلطات المختصة فورا.

 

الجميل في هذا العمل أنه عندما نبيع القطعة فإن المالك يحصل على جواز سفرها الذي يقول إنها معتمدة، وإنها كانت من مجموعة فلان وانتقلت إلى فلان وفلان.. إلخ .

 

ما هو سر وجود الكثير من النفائس والتحف الأثرية في هولندا، لاسيما الفن الشرقي؟

السر هو أن القرن الـ17 يعرف في هولندا بـ"القرن الذهبي" ففيه سيطر الهولنديون على كثير من الدول، واستطاعت هولندا في هذا العصر نتيجة لقوتها البحرية وقوة موانئها أن تكون أهم محطة تجارية بين دول العالم، وفي هذا الصدد لا بد من التذكير بشركة الهند الشرقية العملاقة "القابضة" هي التي أسست لفكرة البورصة، وكانت سفنها تصل إلى الصين ومنها كان يتم إحضار الشاي والتوابل.

 

وحتى تتم المحافظة على توازن السفن وحمولة مدروسة فيها، قرر التجار عام 1602 إحضار البورسلان الصيني، الأمر الذي حقق شهرة كبيرة لقوافل السفن القادمة من الصين، نظرا للشهرة الكبيرة التي حصلوا عليها من استيرادهم للخزف الصيني، حتى أن القطع كانت تباع في المرافئ.

 

المثير للاهتمام أنه في كل بيت هولندي هناك قطعة أو قطعتان صينيتان قديمتان، والطريف أن هذا الأمر تمكنت من اكتشافه خلال عملي التوثيقي للآثار بمدينة دوما السورية ومناطق من الشام القديمة. ففي تلك المناطق  كان من التقاليد أن يهدي الأهل لابنتهم عند زواجها قطع الخزف الصيني، لذلك كانت بيوتهم تحوي الكثير من القطع الصينية القديمة ومنها صناديق مطعمة بالخزف أو قطع خزفية رائعة.

 

وبالعودة إلى شهرة المزادات في هولندا فإنه عندما نتحدث عن مزاد صيني فإن الناس يعرفون مدى غنى هذا المزاد بالقطع النادرة والجميلة .

 

وهل الأمر نفسه يحصل فيما يخص الفن الإسلامي؟

للأسف لا، إذ لا يوجد لدينا الخلفيات عن التحف الإسلامية كما في حالة الصينية، ومن يهتم باقتنائها إما أنهم كانوا يعيشون في البلاد وتأثروا بثقافتها، أو كانوا سفراء معتمدين فيها أو مستشرقين.

 

ومن خلال عملي لم أكن أعلم أن هناك مهتمين ومقتنين للتحف الإسلامية في هولندا إلا من فترة قريبة، وبكل الأحوال يمكن القول من خلال مزادي الأول -الذي كان يحتوي على حوالي خمسمئة قطعة أثرية- إن هناك أربعمئة زبون يطلب التحف الصينية، بينما كان ثمانون زبونا مهتما بالفن الإسلامي، وصحيح أن الاهتمام والمعرفة أكبر بهذا الفن في فرنسا وبريطانيا، ولكنها نسبة لا بأس بها في هولندا.

 

اسطرلاب فارسي نحاسي يعود للقرن 12 (الجزيرة)

إذن لماذا لا تتوجه إلى العالم الإسلامي في تسويقك؟

للأسف هذه ثقافة ليست موجودة في البلاد العربية، وأقصد أننا لا نملك ثقافة الاهتمام بالتاريخ واقتنائه، في حين نجد أن هناك اهتماما بالتاريخ والمقتنيات الإسلامية والعربية، ولكنها تباع لأوروبا ويتم تداولها بين الأوروبيين، ففي هذه البلاد يمكن أن تجد مجمّعا للآثار والتحف وهواة ومهتمين.

 

وهناك ظاهرة محزنة لمستها هنا في مزادات الغرب لاسيما في بريطانيا، حيث نجد أن هناك رجال أعمال عربا يشترون قطعا أثرية دون أن تكون لديهم ثقافة اقتناء للقطع، هم فقط يدفعون النقود ويحصلون على القطعة دون أي معرفة بأهميتها، لا بل إن أصحاب المعارض والمزادات أصبحوا عندما يسمعون بوجود زبون من رجال الأعمال العرب يتناقلون الخبر فيما بينهم، ويتم نزع الأسعار الموجودة على القطع ووضع أسعار جديدة مرتفعة كثيرا، لأنهم يعلمون أن المقتني العربي يهتم بالسعر أكثر من اهتمامه بتاريخ القطعة. وهذا أمر محزن حقا.

 

في حين أن التعامل مع الأوروبيين سهل وواضح، لا بل إنه قد تنشأ علاقة حميمة بين صاحب المزاد وبعض المقتنين من كبار السن.

 

من خلال عملك الطويل في ميدان توثيق الآثار، أيهما أهم عند اندلاع النزاعات والحروب: الإنسان أم التاريخ؟

سأسوق لك مثلا، منذ اندلاع الأزمة السورية هناك من يرسل لي صورا لقطع أثرية يتم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة، وتصل إلى تركيا لبيعها في السوق السوداء، وللأسف هناك الكثير ممن تورط في هذا العمل غير القانوني، ومن كل الأطراف، واستفادوا ماديا بشكل كبير. لكن في الحقيقة أنه مع مرور الأيام سنكتشف أن تاريخنا يُنهب ويسرق منا؟

 

في ميدان عملنا هناك حقيقة في غاية الأهمية هي أن من لا يملك التاريخ لا مستقبل له، فماذا سيبقى لنا عندما يمحى تاريخنا ويسرق؟! نحن مشكلتنا أن في تاريخنا مغالطات كبيرة جدا، ولا نجرؤ على نقاشها، لذلك لا نستطيع الدفاع عنه.

 

كل الشعوب لديها تاريخها وتحاول أن تثبته، لا من خلال المكتشفات الأثرية بل من خلال نصوص كتبها مؤرخون، قد يكونون مخطئين أو أصحاب أهداف معينة، لكن يجدون من يصدقهم دون أي دليل، وللأسف نحن استخدمنا تاريخنا لتأجيج صراعاتنا والعيش بجزر منعزلة عن بعضها، بدل أن يكون سببا من أسباب تقاربنا.

 

هناك الكثير من الآثار الإسلامية المكتشفة تعود لعصور مختلفة، أتمنى أن تنشأ حالة من الاهتمام باقتنائها بين الشخصيات الميسورة على الأقل حتى لا تبقى في الخارج، فكثير من الدول تتيح قوانينها اقتناء التحف، مثل هذا الأمر يعيد لنا احترام تاريخنا والاحتفاظ به بدل أن يبقى موزعا ومشتتا في دول العالم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/17-

استشاري الموت.. مهنة جديدة في هولندا

استشاري الموت.. مهنة جديدة في هولندا
لور ديب -هولندا

 

تذكر العجوز الهولندي يان تن كيت (78 عاما) معاناة زوجته التي توفيت منتحرة بعد صراع طويل مع مرض أصاب رئتيها، وسبب لها معاناة وآلاما شديدة. يقول يان "كنت أخاف من الموت بشكل كبير، لكني بعد أن توفيت زوجتي شعرت بأن الموت أمر سهل جدا. أريد أن أتخذ قرار موتي بكامل إرادتي، ولا أريد أن أموت بالسر كما فعلت زوجتي، ولا أريد أن أتخذه بناء على عجزي. علينا ألا نسمح لشيء آخر بالتحكم في حياتنا، وعندما نقرر التوقف عن العيش، فيجب أن نفعل ذلك في العلن لا في السر".

 

قصة يان تن كيت ليست هي الوحيدة التي اكتفت "الجمعية الهولندية لإنهاء الحياة طواعية" (NVVE) بعرضها على موقعها الجديد الذي أطلقته تحت عنوان "الحياة التامة"، ضمن حملتها الداعمة لموقف الحكومة الهولندية التي طرحت مؤخرا مشروع قانون غريب من نوعه ومثير للجدل، يعتبر اختيار الإنسان للحظة موته حقا يكفله القانون. فهناك قصص أشخاص آخرين قرروا فعلا اختيار لحظة موتهم وعدم انتظار وفاتهم الطبيعية.

 

بحسب رأي الجمعية فإن الهولنديين تلقوا هذا العام خبر تزايد متوسط أعمارهم بردود فعل مختلفة، فعلى الرغم من أن هذا الخبر سار، لكنه لم يكن كذلك لجميع الهولنديين، فنوعية الحياة التي يعيشها كبار السن فيها تنوع كبير، فمنهم من لا يريد انتظار موته وإنما تقرير تلك اللحظة بنفسه.

 

رئيس ومؤسس الجمعية الهولندية لإنهاء الحياة طواعية الدكتور روبرت سخيورنك، يقول إن "فكرة المشروع ليست جديدة تماما فقد كانت مطروحة على طاولة البحث منذ مئتي عام مع رؤية كبار السن الذين يقررون إنهاء حيواتهم بأنفسهم، وقد ظهرت فكرة القانون الجديد منذ حوالي ثماني سنوات بعد أن أقرت الحكومة الهولندية قانون الموت الرحيم، لمن يعانون من أمراض مستعصية وآلام شديدة، لكن القانون لم يشمل جميع المسنين، بل من لديهم أمراض فقط".

 

يان تن كيت لا يريد أن يصل لمرحلة العجز وأجلس بين جدران المنزل- موقع الحياة المنتهية (الجزيرة)

ويضيف سخيورنك لمجلة الجزيرة "لذلك بدأ المسنون الأصحاء الذين يعانون من آلام نفسية وروحية ويعتقدون أن دفتر حياتهم قد انتهى ووصل إلى صفحة النهاية، بالمطالبة بمنحهم الحق في اختيار إنهاء هذه الحياة بشكل قانوني وشرعي، وأن لا يلجؤوا إلى الطرق الملتوية، فهم يرغبون في المساعدة لنيل موت مشرف، كما يقولون".

 

ويؤكد أن الحكومة الهولندية لم تكن راضية عن تقرير شنابل، لذلك أعادت طرح الموضوع مرة أخرى في البرلمان. "وقامت جمعيتنا بدعم موقف الحكومة وزودتها بتواقيع 116 ألف شخص يطالبون بإقرار القانون الجديد، وذلك لأنها اكتشفت أنه إن لم تقر هذا القانون فإن الناس سوف يقومون به بشكل غير قانوني، وربما يتسببون بمشاكل أكبر من ذلك بكثير وبحوادث خطيرة".

 

ولدى سؤاله عن السن المستهدفة من هذا القانون، يقول سخيورنك إن "مشروع القانون الجديد يستهدف فئة المسنين ممن يعانون من الإحساس بانتهاء حياتهم وليس لديهم أي شيء جديد ليقوموا به سوى انتظار الموت، أما الشبان والفئات العمرية الأخرى فليسوا مشمولين بهذا القانون تحديدا. فالحكومة تعتقد أن هؤلاء يجب أن ينالوا علاجا جيدا، وأن يتم إيلاؤهم اهتماما أكبر من جمعيات ومؤسسات أخرى".

 

وعن جمعيته وأعضائها، يشدد سخيورنك على أنها تعمل على تلبية رغبة الكثير من المواطنين الهولنديين الراغبين في إنهاء حياتهم عندما تصل إلى نقطة عدم العودة، أو بتعبير آخر "الحياة المنتهية"، هؤلاء من يحصل على المساعدة من الجمعية، حيث يجلس معهم الاستشاري والطبيب ويدرسون كل حالة جيدا حتى يستطيعوا اتخاذ قرار الموافقة على موتهم، ثم يتم تحديد موعد يختاره طالب الموت الطوعي لتنفيذ هذا الأمر، ويأتي الطبيب والمساعد ويعطيانه الجرعة القاتلة، ويتأكد من أن رغبته قد تحققت بالموت كما يريد.

 

وعن خلفيات التدين لدى الراغبين في الموت، يقول إن "هناك الكثير ممن لديهم دين واعتقاد وإيمان بالله، ولكن كان دائما جوابهم لدى مناقشتهم في الأسباب التي تستدعي طلبهم، أنهم بعد هذه السنوات الطوال تصالحوا مع الله وسألوه وطلبوا المغفرة منه، وأنهم مقتنعون بما يفعلونه. قد لا يروق هذا لمجتمعات متدينة كالعالم العربي مثلا، لكن الأمر مختلف في هولندا؛ فنحن لدينا الفصل بين الدين والدولة في التشريعات، ولدينا الكثير من الأشخاص الذين لا يؤمنون بشيء، وهذه تعتبر حريات شخصية. وما يعتبر أمرا غريبا في بعض البلدان يكون أمرا عاديا في أخرى".

 

إيلس فان ليليفيلد تشعر بأن حياتها اكتملت وأصبحت مرهقة وتريد أن ترتاح- موقع الحياة المنتهية (الجزيرة)

ولدى سؤاله كرئيس لجمعية المساعدة على الموت إن كان سيقرر الموت بهذه الطريقة، قال "أجل، فقد حدث في عائلتي منذ عام 1998 حادث مماثل، حيث قام جدي بجمع كل الأبناء والأحفاد وأعلمنا بأنه يريد الموت بعد ثلاثة أسابيع، وأنه قرر وضع حد لحياته، لأنه كان يعاني الكثير من الألم ولا يريد إطالة حياته أكثر من ذلك. في حينها حزنت كثيرا وافتقدته كثيرا، لكن يوم وفاته كان حدثا رائعا، لأن الجميع كانوا من حوله، ولم يمت وحيدا، وكان سعيدا وراضيا قبل مماته".

 

ووفق إحصائية نشرها المكتب المركزي للإحصاء في هولندا، فإن عدد حالات الانتحار تضاعف عدة مرات في القرن 21، فقد سُجلت 1871 حالة انتحار في عام 2015، بينما سجلت 559 حالة عام 1950.

 

والغريب أن نص مشروع القانون يعتبر الانتحار جريمة جنائية، ومن يساعد شخصا على الانتحار يعد مجرما، لذلك على الراغب بالموت أن يطلب المساعدة من مختصين وأطباء ومستشارين قانونيين ومعتمدين رسميا؛ وهم من يقرر الأمر. وينص مشروع القانون على "تدريب مهنيين مختصين في المساعدة على الموت، وهم: مستشارو مساعدة الموت".

 

وبالرغم من أن أعضاء من البرلمان اعترضوا على مشروع القانون معتبرين أن مثل هذه الأفكار التي تتملك شخصا ما لإنهاء حياته يمكن تبديدها من خلال إيلاء الناس اهتماما أكبر به وخاصة من كبار السن، على اعتبار أن الاكتئاب أو الوحدة ليسا سببا حقيقيا لإنهاء الحياة ويمكن تدارك ذلك ومعالجته بطرق أخرى؛ فإن البرلمان الهولندي أقر القانون بفارق بسيط في التصويت بين عدد المعارضين والمؤيدين، وتم رفعه إلى مجلس الشيوخ الذي تقع عليه الآن مسؤولية إقراره أو رفضه.

 

وبحسب التوقعات فإن البت في مشروع قانون الموت هذا لن يتم قبل نهاية 2017، إلا أن أي شخص يرغب في الانتحار بمساعدة الآخرين، ولديه أية هواجس بهذا الصدد يمكنه الاتصال على الرقم 113 للحصول على المساعدة والمشورة المطلوبة، وهو رقم خصصته الجمعية الهولندية للمساعدة على الموت الطوعي، لكن الكوميديا السوداوية تكمن في كون رقم الإسعاف والطوارئ لإنقاذ حياة الناس في هولندا هو 112، أي بفارق رقم واحد بين الحياة والموت. كوميديا سوداء لا يمكن فهمها في بلد تملؤه التناقضات والتشريعات الغريبة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-17/17-

ألبوم صور.. حروف حملت رسالة

السابق

السابق

التالي

السابق