قالوا قديما: الورد رغمَ صمته يحمل قلبا نابضا بكل أنواع الحياة، نبضٌ قد تدل عليه روعة المنظر ورقة القوام، أو تباين وتمازج الألوان، وربما عَبَقُ رائحة ندية تُشفي السقام. أما هنا في سهول ووديان مدينة إسبارطة التركية التي توصف بأنها عاصمة الورد في العالم، فالحياة تولد في قرى وبلدات هذه المدينة مع كل قطفة ورد من حقولها غير المتناهية.

غير عابئة بقساوة شوكه تجمع فردوس يوميا كمية كبيرة قد تصل إلى نحو مئة كيلوغرام من هذه الزهور المسماة الورد الدمشقي، لكي تتمكن من كسب قوت يومها، ومن هنا تبدأ رحلة صناعة زيت الورد التي سنرويها لكم.

ولقطف الورد طريقة معينة تحتاج إلى التركيز والدقة حتى تحافظ على الوردة، وتنجو من أشواكها في الوقت نفسه، حاولنا تعلمها وحينها اكتشفنا أنها أصعب مما كنا نتوقع.

فردوس كان تيمور/ مزارعة ورد
"جمع الورد هو أحب الأعمال إلى قلبي، وقد قالوا قديما من يحب الورد فعليه أن يتحمل أشواكه، إنه عمل شاق لكن أن تكون وسط هذا الجمال وهذه الرائحة الرائعة فهذا يهون عليك الأمر كثيرا".

تُنتج مدينةُ إسبارطة التركية وحدها نحو 65% مما يحتاجه العالم من زيت الورد، الذي يعدّ مكونا رئيسيا في صناعة العطور ومستحضرات التجميل.

تبدأ رحلة الحصاد اليومي للمزارعين هنا مع فجر كل يوم جديد، فعليهم الانتهاء من قطف كل الورود المتفتحة يوميا وجمعها من الحقول، قبل أن تصير الشمس عمودية في كبد السماء.

فدان كيا / مزارعة ورد
"عندما نحصد الورد في الصباح الباكر يكون طريا وغضا ويكون قطفه أسهل بكثير، حتى لونه يتحول من الزهري إلى الأبيض كلما صعدت الشمس في السماء، انظر إلى الفرق مثلا بين هاتين الوردتين".

ومن الحقول ينقل الفلاحون الورد إلى مراكز القرى والبلدات على وجه السرعة قبل أن يذبل، وهناك يشتريه سماسرة الورد؛ فالمصانع غير معنية بشراء الكميات الصغيرة من الفلاحين وتفضل التعامل مع السماسرة في الغالب.

علي إحسان تشولاك / سمسار ورد
"نعطي نصف قيمة الورد للمزارعين ونبيعه للمصنع، وفي نهاية الموسم عندما يباع الزيت نعطي باقي ثمن الورد إلى المزارعين، وهذا هو النظام المتبع منذ زمن بعيد".

أحمد هو مدير أحد أهم مصانع زيت الورد في إسبارطة، أخبرنا الرجل بأنه من أجل إنتاج كيلوغرام واحد فقط من زيت الورد فإنهم يحتاجون إلى نحو أربعة أطنان من الورد.

يوزن الورد الذي وصل للتو من الحقول، ثم يوضع في مراجل ضخمة يتسع الواحد منها إلى خمسمئة كيلوغرام من الورد، وتضاف إليه خمسة أضعاف وزنه من الماء، وينضج في درجة حرارة عالية، ومن ثَم يتم تقطير بخار الماء بأجهزة حديثة تستخلص زيت الورد، الذي يطفو على سطح الماء بسبب كثافته المنخفضة، وتعاد عملية الغلي والتقطير عدة مرات للحصول على أكبر كمية من الزيت، أما الماء المتبقي فهو ما يعرف بماء الورد، بينما يجمع الزيت بعناية فائقة حيث يتم تصدير نحو 95% منه إلى خارج البلاد بسعر قد يصل إلى نحو عشرة آلاف يورو للكيلوغرام الواحد.

أحمد سنجار / مدير مصنع لزيت الورد
"من أجل استخراج كيلوغرام واحد من زيت الورد فنحن بحاجة إلى نحو مليوني وردة، تجمع بشكل يدوي وفي ظروف صعبة، لذلك يبقى سعر الزيت قليلا جدا في مقابل هذا العمل الشاق".

بالنسبة للحاج عصمت ذي السبعين عاما، فهو لا يعترف بماء الورد الذي تنتجه المصانع كما يقول، وما زال يفضل إنتاجه بالطرق التقليدية التي ظلت سائدة في قرى إسبارطة عشرات السنين، والتي تعتمد أساسا على الفكرة نفسها من حيث مبدأ غلي الورد وتقطير مائه.

وبالرغم من تراجع إنتاج ماء الورد وزيته بهذه الطريقة القديمة إلى حد كبير، فإن هناك من لا يزالون يفضلون هذا المنتج التقليدي وهو ما يحافظ على بقائها.

عصمت أجار / صانع زيت ورد بالطرق التقليدية
"ماء الورد الذي تنتجه المصانع هو ماء خال تماما من زيت الورد، فالأجهزة الحديثة تستخلصه كله تقريبا، وبالتالي فهو فاقد كثير من خصائص ماء الورد، بعكس الماء الذي ننتجه نحن".

على مداخل ومخارج إسبارطة تستقبل المدينة زوارها وتودعهم بمجسمات الوردة الدمشقية التي منحت إسبارطة أسماء تعتز بها، كحديقة ورود تركيا، ووادي الروائح الزكية، وجنة الورد في العالم.

يلفت انتباهك وأنت تتجول في شوارع المدينة عدد المحال التي تبيع مستحضرات التجميل والمنتجات الغذائية المصنوعة من الورد وزيته.

منتجاتٌ متعددةٌ ومتنوعة، تعد هي أيضا مصدر فخر لأهالي إسبارطة، وظل أجدادهم يصنعون بالطرق التقليدية أنواعا بدائية منها، وطوروها اليوم إلى صناعات حديثة، إلا أنها على ما يبدو ما زالت في بداية الطريق.

ظفر اوزفرات / صاحب محل مستحضرات تجميل زيت الورد
"السوق العالمي لمستحضرات التجميل تتحكم به فرنسا ودول أخرى بنسبة أقل كاليابان، لأن منتجاتهم علامات تجارية عالمية، وهم يتحكمون في السوق، ومع أن منتجاتنا تنافسها بالجودة، فإننا على ما يبدو لم ننجح في التسويق بعد".

وكما بدأنا رحلة صناعة زيت الورد اليومية من هذه الحقول، إليها نعود، فمن هنا تبدأ الرحلة مرة أخرى مع إشراقة كل يوم جديد تتفتح فيه ورود دمشقية، حان قطافها.

أمام الكاميرا
يعرف الورد في كل مكان بأنه رمزٌ للحب والرقة والجمال، أما هنا فهو أيضا رمز لمدينة إسبارطة يعرف بها وتعرف به، حتى صارت أكبر منتجع في العالم يحتضن هذا النوع من الزهور, يزين أرضها وهو رزق أهلها.

عامر لافي - لبرنامج مراسلو الجزيرة - إسبارطة/ تركيا

المصدر : الجزيرة