آخر تحديث: 2016/10/4 الساعة 14:09 (مكة المكرمة) الموافق 1438/1/3 هـ
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2016/10/4 الساعة 14:09 (مكة المكرمة) الموافق 1438/1/3 هـ
الرحامنة.. روح بداوة المغرب

رقم العدد : 56

تاريخ العدد : أكتوبر/تشرين الأول 2016

-1/17-

المدنية بروح البداوة

محمد المختار الخليل
مدير موقع الجزيرة نت 
 

 

ارتبطت السلطة في المغرب عبر الدول التي تعاقبت عليه بحركية القبائل والزوايا، وسط البلاد إلى الجنوب، كانت قبيلة الرحامنة واحدة من أهم القبائل التي صنعت تاريخ المنطقة. تحديدا منذ عصر الدولة السعدية، التي صاهر منها السلطان محمد الشيخ الرحامنة، بزواجه من سحابة الرحمانية، أم أعظم سلاطين الدولة عبد الملك السعدي، والتي ثبتت حكم ولدها بدهائها العظيم.

 

 تحدّث الروايات التاريخية عن الرحمانيين فتسميهم أسوة ببقية القبائل السائبة أي المتمردة بـ"مساخيط سيدنا" المسخوط عليهم من السلطان، وليس أولهم السلطان العلوي "محمد بن عبد الرحمن" الذي أمر بتقسيم قبيلة الرحامنة إلى تسع إيالات (عوض الولاية) بعدما كانت في إيالتين اثنتين، وكان هدفه من ذلك كما يروى تشتيت قبيلة الرحامنة في ربوع المملكة للحد من تمردها الذي تحول إلى عصيان في عهد سلاطين سابقين، حتى استبدوا بمراكش وأحوازها، وعملوا لحسابهم الخاص كلما ضعف المخزن (التسمية المحلية للسلطة في المغرب).

 

 آخر تمرد للرحامنة كان بعهد السلطان العلوي المولى عبد العزيز، كما يحكي المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان في كتاب "الإتحاف" لكن لم تنته أدوار الرحمانيين البطولية في محاربة الاستعمار الفرنسي للمغرب، تشهد على ذلك معركة سيدي بوعثمان، وهي أول معركة كبرى خاضها المغرب بعد معاهدة الحماية بقيادة الشيخ المجاهد أحمد الهيبة، كما تشهد عليه أيضا حكايا السّلف وكثير منهم قضى نحبه دون أن يفكر باللجوء إلى الدولة المغربية للحصول على بطاقة "قدامى المحاربين" مع امتيازاتها.

 

لقبيلة الرحامنة، عمومة راسخة وممتدة مع سميتها في مصر والنيجر وتمبكتو وموريتانيا، ومن أكبر القبائل الرحمانية بالصحراء قبيلة "البرابيش".

 

وبهذه العراقة، ندخل ملف هذا الشهر، بعيدا عن السياسة وقريبا من الإنسان، نقترب من نمط عيش قرويي قبيلة الرحامنة، الإقليم حاليا في المغرب. ندخل بيوتهم ونتعرف على معيشهم اليومي. نسمع أحاديثهم ونشاركهم أمسياتهم ونسمع أغانيهم، ونجوب معهم حقولهم وأسواقهم الأسبوعية، ونتحدث إلى الرحمانيات والرحمانيين عن حياة البداوة في القرن الـ21. صبرها وسكينتها أمام جفاف الماء والمال الذي لا يمس بأية حال كرم الروح وبذل اليد. إنها الرحامنة .. روح البداوة في المغرب.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/17-

ملف العدد

ملف العدد

أعد الملف: فاطمة سلام

تصوير: هشام أزريول

 

 

 

 

 

 

 

 

الأرض والماشية في الرحامنة.. نضال لأجل البقاء
إن أمطرت السماء حييت المنطقة وأهلها، وإن لم تفعل عاشوا أيام جفاف تباع فيها الماشية، وتصعب معها المعيشة.

فصل الربيع وبعد موسم مطير تكون حقول الرحامنة وقراها قطعة من الجنة (الجزيرة)

 

العزيب.. موسم هجرة الرحماني للرعي
يهجر راعي الغنم بيته خلال مواسم معينة خصوصا موسم الحصاد، ويقيم وسط الحقول التي يتوفر فيها الكلأ لقطيعه.

الأطفال أيضا يشاركون برعي الماشية إن رافقوا والديهم إلى العزيب (الجزيرة)



البيوت الطينية.. توطين البداوة على أرض الرحامنة

قرى مازالت في القرن الواحد والعشرين تحمل كافة سمات البداوة، تبنى بيوتها سهلة البناء من الطين قليل التكلفة.

قرية في إقليم الرحامنة غالبية بيوتها طينية (الجزيرة)



التبوريدة
.. شرف الفروسية التقليدية
الخيل عند الرّحمانيين، عنوان للنبل والشهامة، ووجودها في البيت مبعث بركة للرزق، وتشارك النساء اليوم في مهرجانات الفروسية.

سربة خيالة مختلطة تبين إصرارالرحمانيين على تعلم بناتهم وأبنائهم للتبوريدة (لجزيرة)



الصبّار.. منقذ البداوة الصبورة من الأزمات

في أجواء الرحامنة الجافة والحارة تشكل نبتة الصبّار مصدرا مهما لمعيشة السكان والتكيف مع مواسم الجفاف.

يقول الفلاحون في الرحامنة الصبار لم يخذلنا إلى الآن. (الجزيرة)



الأسواق الأسبوعية.. ميدان للنساء والتواصل الاجتماعي

في مجتمع بدوي التقاليد تشكل الأسواق الأسبوعية فرصة للنساء للبيع والشراء والتواصل الاجتماعي وحتى الزواج.

لسان حال الرحمانيين نساؤنا قادرات، وهن يتقنن الشراء وكفؤات وشجاعات في البيع (الجزيرة)

 

العيطة.. تَجلّي النساء بالشعر المُغنى والدعاء
تتجلى في العيطة فنون الشيخة التي تصدح بالشعر المغنى من تأليفها، وتختم حفلها بالدعاء، وفي ذلك تتنافس الشيخات.

تتنافس النساء في الرحامنة بالشعر المغنى والدعاء في المناسبات والأعراس (الجزيرة)

 

الزرابي.. عندما تجسد الرحمانية فنونها في سجادة
نسيج الزرابي في قبيلة الرحامنة ليس مهارة يدوية فقط، إنه هوية نسائية، تجسد النساء فيها أفكارهن ولمساتهن الجمالية.

 

زربية من خيوط مصبوغة تعد لتزيين للغرف (الجزيرة)
السابق

السابق

التالي

السابق

-3/17-

الأرض والماشية في الرحامنة.. نضال لأجل البقاء

الأرض والماشية في الرحامنة.. نضال لأجل البقاء

 

548 ألف هكتار هي مساحة إقليم الرحامنة في المغرب، 70% من سكان الإقليم قرويون، نشاطهم الأساسي هو الفلاحة.


مناخ الرحامنة قاري. إن أمطرت حييت المنطقة وأهلها، وإن لم تفعل عاشوا أيام جفاف تباع فيها الماشية، وتنخفض فيها القدرة الشرائية إلى أدنى مستوياتها، إذ لا يعرف للمنطقة أي نشاط صناعي باستثناء استخراج الفوسفات، ونسبة تشغيله لا تغني ولا تسمن من جوع.

 

وتضاف إلى هذه العوامل الصعبة، صلاحية الأراضي للزراعة والرعي، ورغم ذلك هناك ارتباط تاريخي بين الفلاح والحقول والماشية، مما شكل فلكا تدور فيه حياة الرحمانيين.

 

عندما يبدأ موسم الأمطار، وتحرث الأرض وتنبت وتشبع الماشية، تكون تلك أسعد أيام الفلاح (الجزيرة)

يبدأ فلاحو الرحامنة في أكتوبر بمراقبة السماء، ونشرة الأحوال الجوية هي أهم ما يلفت اهتمامهم في نشرات الأخبار، في وقت تستمر حواسهم في شم ريح المطر، وأعينهم ترقب وجه السماء.

 

مع أول زخات المطر في الرحامنة، أواخر أكتوبر/تشرين الأول وبداية نوفمبر/تشرين الثاني، ينطلق موسم الحرث، وقبل انطلاقه هناك مرحلتان أساسيتان يجب قطعهما، الأولى ضرورة أن يكون الفلاحون قد جمعوا الحبوب اللازمة، وهي بالأساس القمح والشعير، وجمعها مهمة صعبة تتطلب أن يكون الموسم الفلاحي السابق جيدا، بحيث يدخر منه الفلاح كفايته للقادم، لكن توالي سنوات الجفاف على الرحامنة لم يسمح للفلاحين بتوفير حبوب كافية، مما يضطرهم لشرائها، وهو أمر مكلف للأسباب ذاتها.

 

المرحلة الثانية تتعلق بالعمال وتوفر جرارات الحرث، هذه الأخيرة بات اللجوء إليها حتميا في السنوات الأخيرة مع اتساع رقعة الأراضي المزروعة، وسرعة هذه الآلات في إنجاز العمل، في حين كان الاعتماد سابقا على المحراث اليدوي.

 

الحقول تحيط بقرى الرحامنة، ودورة حياة القروي منها وإليها (الجزيرة)

ورغم توفر جرارات الحرث في الرحامنة بكثافة خلال موسم الحرث كما هو شأن آلات الحصاد في موسمه، فإن ارتفاع أسعارها )20 دولارا للساعة( يجعل الفلاحين متريثين بعض الشيء حتى تتوفر ما يناسبهم من أسعار منها. أما العمال فيكلف الواحد منهم 12 دولارا للساعة، ومهمتهم بذر الحبوب بعد تقليب الجرارات للأرض.

 

هذه التكلفة بات يحسم فيها الجفاف، سواء تعلق الأمر بغلاء الأسعار أو بالمساحة المزروعة، حيث بات يكتفي الفلاحون الصغار بالزراعة لتأمين معيشتهم تقليلا من حجم الخسائر إذا منيت المنطقة بسنة فلاحية سيئة، بينما يلجأ الفلاحون الكبار إلى حرث كافة أراضيهم لاعتمادهم بالأساس على السقي، هذا الأخير غير متاح للكل بسبب التكاليف الباهظة لحفر الآبار، وبسبب تضرر الوفرة المائية للرحامنة وتقلص مصادرها.

 

يقول خليفة (54 عاما) وهو واحد من ملاك الضيعات في مركز سيدي بوعثمان بالرحامنة، إن "الجميع يعاني من مشكلة المياه، الجفاف أضر بالبشر والأرض والحجر، وارتفاع تكاليف الحرث والسقي والحصاد بات يقلل العائد المادي". ويضيف لمجلة الجزيرة "هذا التقليل توازيه حالات تمسّ خط الفقر في الرحامنة أو تتجاوزه، لكن لا شيء يجعلها تنضم إلى قوافل المهاجرين إلى المدن بسبب ذلك، أقله ليس كل أفراد العائلة".

 

جرار يحرث بستانا في ضيعة فلاحية بالرحامنة (الجزيرة)

في حين يرى حسن (43 عاما) وهو فلاح من دوار "لمخاليف" بالرحامنة أن "الفلاحة لم تعد مصدرا كافيا للعيش، الأولاد باتوا يهاجرون من أجل العمل ليساعدوا العائلة ماديا، ويبقى الآباء للعناية بالحقول والماشية، ولا يمكننا أبدا أن نتخلى عنها"، فكل ما يسري على الأرض، وموسم حرثها وحصادها، يمتد إلى الماشية والبهائم. وتعرف الرحامنة بإنتاج نوع "الصردي" من الأغنام، والعناية بهذا النوع تجعل من لحومه مطلوبة ومصدر دخل لا بأس بعائداته للمقاهي على جانبي الطريق الوطنية رقم 9 الرابطة بين مدينتي مراكش والدار البيضاء والتي تخترق أراضي الإقليم.

 

الأرض والماشية يحيلان على بعضهما في الرحامنة، ويخلقان "شرعية الأرض" وحتميتها، ونظام التوازن والتكامل بين القرى والمدن بات يدفع الدولة المغربية إلى اقتراح حلول بديلة، كالانتقال من الزراعة المعيشية إلى الزراعة المحمية، الداعمة للبيئة أيضا، لكن التأقلم معها يحتاج إلى أبعد من الدفع باتجاهها بالمقترحات والنماذج المتفرقة هنا وهناك.

 

إلى ذلك الحين تظل المحاولة مع الأرض ومراقبة عطايا السماء، النرد الذي يرميه الرحمانيون كل خريف، وتلتقطه أغاني الحصاد، حتى تلك التي تعود مساء خاوية الوفاض إلا من بركة الأيدي وهي تمس الأرض وتمسح العرق.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/17-

العزيب.. موسم هجرة الرحماني للرعي

العزيب.. موسم هجرة الرحماني للرعي

 

في الرحامنة كما في غيرها من الأقاليم ذات الغالبية القروية، ينتشر "التّعزاب" أو "العزيب"، ويعني أن يهجر راعي الغنم والماعز بشكل خاص بيته خلال مواسم معينة خصوصا في موسم الحصاد، ويقيم وسط الحقول التي يتوفر فيها الكلأ لقطيعه، ينصب هناك مع رعاة غنم آخرين خيمات مؤقتة من أجل السكن، ويقتصرون في عيشهم على المواد التي تنتجها ماشيتهم، من قبيل السمن والحليب واللبن، وينتهي "التّعزاب" حال انتهاء الموسم واختفاء التبن والحشائش من الحقول.

 

ولأن تربية الماشية تصبح مكلفة أكثر خلال مواسم الجفاف، وهي متوالية على الرحامنة، ولانعدام ما ترعى فيه بالحقول، وارتفاع أسعار العلف حتى لا يستطيع الفلاح مسايرتها بعد الخسائر التي تكبدها خلال موسم الحرث، لم يجد مصطفى (41) عاما بديلا عن "التّعزاب"، كان يمتلك مئتي رأس غنم عليه أن يضمن بقاءها، لذا حسم قراره بالترحال بها نحو غرب المغرب، المنطقة البعيدة عن الرحامنة بمئات الكيلومترات، لكنها الأخصب، وتشهد سنويا تساقط  كميات كبيرة من الأمطار، ما يؤهلها لإنتاج كميات وافرة من الحبوب والتبن لاحقا.

 

اتفق مصطفى مع مالك أحد الحقول في الغرب، على تأجير مساحة كافية لقطيعه طوال ثلاثة أشهر، وهي فترة الحصاد وأيضا المدة المتبقية على انطلاق موسم الحرث الجديد، ولأن الجهد مضن ولن يتحمل أتعاب مرافق له، كان لابد أن يأخذ معه زوجته، تاركين أبنائهما في عهدة أختهم الكبرى.

 

يقول مصطفى لـ"مجلة الجزيرة" إن "التّعزاب ليس اختياريا، هو صعب وقاس ويتطلب صبرا كبيرا، لكن توالي سنوات الجفاف على الرحامنة يكاد يهلك ماشيتنا، ونحن لن نسمح بذلك". أقام وزوجته في خيمة نصبوها وسط الحقل المستأجر، وسوروا إلى جانبها بجذوع شجر السدر القصير الأطراف حظيرة لقطيعهم.

 

مشقة العمل في العزيب كما في الدوار تتقاسمها النساء والرجال (الجزيرة)

يقول مصطفى "لم تكن الخيمة كافية، وكان علينا أن لا نعتمد كلية على منتجات غنمنا، فأخذنا معنا كفاية من الطعام المعلب" بالرغم من ذلك يرى الرجل أنه كان محظوظا بالحصول على عزيب أرضه خصبة، إذ لو لم تكن كذلك لاضطر إلى أن يستمر في الترحال، وحيث شبع قطيعه يقيم.

 

يقولون في الرحامنة باللهجة المغربية إن "الكسيبة كتعمر الشكارة" أي أن تربية الماشية تملأ المحفظة مالا، لكن مصطفى وغيره من الرعاة الذين يضطرهم الجفاف إلى "التعزاب" باتوا يرون أن "الماشية كتخوي الشكارة" أي تفرغ المحفظة من النقود، لكن دون أن يعني ذلك أنهم قد يتخلون عنها يوما، تربية الماشية في الرحامنة من الأصول الراسخة والممتدة في دماء كل رحماني، تربيتها تعادل الشرف والنخوة وكل الأمور الحيوية الأساسية في الحياة، وفقدانها يعني البؤس وقطع الرحم مع الأرض، وهو الأمر المرفوض كلية لدى الرحامنة.

 

عيد الأضحى الماضي كان أول عيد تقضيه "نعيمة" زوجة مصطفى بعيدا عن أولادها و"معزّبة" أي مقيمة في العزيب، ترعى مع زوجها قطيعهما، وتطبخ إن تيسر وتغسل له. تقول لمجلة الجزيرة "صحيح أننا بنينا عريشتين من القصب وأغصان الشجر، جعلتا مقامنا أفضل منه في الخيمة، وبنيت فرنا تقليديا من الطين لأجل الخبز، وذبحنا أضحيتنا، ونحاول أن لا نحرم أنفسنا من طقوس العيد، لكنه ليس هينا أبدا أن لا تكون مع أولادك في هكذا مناسبة" لكن مع ذلك تتشاطر ربيعة مع زوجها بأن لا حياة لهم دون قطيع، وبالتالي عليهم أن يعتنوا به جيدا.

 

مشقة العمل في العزيب كما في الدوار تتقاسمها النساء والرجال (الجزيرة)

أصحاب الأرض حيث "عزّب" مصطفى ونعيمة، كانوا كريمين معهما بحيث منحوهما عند انتهاء موسم الحصاد نصيبا كما قالوا "من خيرات الله" وكان يكفي ذلك حتى تطمئن نعيمة إلى وجود كفاية أسرتها من القمح لأجل الخبز، ولذروه لأجل الحرث القادم "كيفما كانت الظروف علينا أن نفكر بأن أمامنا موسم حرث يجب أن لا نخلفه، ربما يكون هذه السنة أفضل" هي هكذا دورة حياة الأسر في قرى الرحامنة.

 

 في ظرف آخر يعني "التّعزاب" أيضا أن يغادر مربي الماشية قطعة الأرض المقام عليها بيته، إلى قطعة أرض أخصب، تكون في ملكيته أو يكتريها، لكن مع بيت طيني بها، لا يهم إن كان صغيرا المهم أن يكون مأوى جيدا، وليس شرطا أن ترافق الزوجة زوجها إليها، بالأخص إن كان سيقتسم العزيب معه رعاة غنم آخرون، لكن في حال رافقته يكون وضعها كـ"نعيمة" راعية للقطيع وللبيت/الخيمة ولزوجها.

 

وليس "التّعزاب" خاليا من البهجة كلية، بل إن العلاقات الإنسانية بين رعاة الغنم وطرائفهم تتحول إلى مثار تندر شعبي كلما انتشرت، كما أن حفل "الدزازة" أو جز صوف الغنم، يكون بهيجا وكريما، حيث يحرص مربو الأغنام على تخليصها من صوفها أول الصيف لارتفاع درجات الحرارة بالمنطقة، ويكون ذلك بصيغة احتفالية تحضر فيها وليمة من لحم الغنم، ويدعى إليها مقرئو القرآن، كما يمكن للنساء أن يجتمعن ويغنين للبركة والخير، ولهذا سميت "الدازاة أيضا" بـ"عرس الغنم".

 

إن البداوة والخلوة لا تجعل من "العزّابة" أناسا قساة أوخشنين، بل بشرا يؤمنون بالرعاية بصدق، وهو التناقض الجميل ذاته لدى أرض الرحامنة، صعبة لكن أيضا خصبة جدا ما إن ترتوي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/17-

البيوت الطينية.. توطين البداوة على أرض الرحامنة

البيوت الطينية.. توطين البداوة على أرض الرحامنة

 

ما يقارب الـ70% من سكان إقليم الرحامنة جنوب المغرب يسكنون البيوت الطينية التي صمد نمطها التقليدي على مر السنين.

 

يحكي صانع أفلام وثائقية فيقول إنه يبحث عن قرية ما زالت في القرن الحادي والعشرين، تحمل جميع سمات البداوة، قرية حقيقية حسب تعبيره، الرحامنة هي المكان المطلوب بالنسبة له، رغم أن المنطقة لم توجد لتكون نموذجية وتمنح فرصة التعرف على الحياة القروية، وتثمين القرويين لبساطتها، بل تمتد في سلاسة، وهي ذاتها كما في عدد من مناطق المغرب: القرية ببيوتها الطينية وقروييها، وخرافها وأبقارها ودجاجها وحقلها وصبارها وكفى.

 

أوجدت البيوت الطينية من سمات المنطقة، بنيت بما تتوفر عليه من مواد وتكيفت مع طباعها وأحوالها. في الرحامنة تبنى البيوت باستعمال ثلاث مواد رئيسية هي التراب والحجر والتبن، بينما تسقف بالخشب والقصب، فلا يحتاج القروي إلى أن يشتري إسمنتا أو يكلف نفسه عبئا اقتصاديا ليس بمقدرته، ناهيك عن المميزات الصحية للبيوت الطينية، وأكثر من ذلك يكون صاحب البيت على الأغلب هو ذاته بانيه، لبنة لبنة، أو ما يسمى بـ "الياجور" بالدارجة المغربية.

 

الغالبية العظمى من بيوت الرحامنة تبنى من الطين محلي الصنع (الجزيرة)

يعد الياجور الترابي بخليط من الماء والتبن، يضاف إليهما التراب الذي يجب أن يكون قد مر بعملية الغربلة التي تزيل الحجارة الصغيرة منه، ويخلط هذا المزيج بشكل جيد حتى يفقد اللزوجة ويصبح متجانسا، بعد ذلك يوضع في قوالب الياجور كما تسمى في اللهجة المحلية، ويسوّى داخلها الخليط بقطعة حديدية صغيرة تسمى "الملاّسة" أو باستعمال اليدين.

 

يحتاج الياجور إلى عشرة أيام حتى يجف ويتماسك، بعدها تنطلق عملية البناء. ولا يحتاج بيت طيني من خمس غرفة كبيرة لأكثر من أربعة رجال يعملون في تعاون على رص الياجور مع الحجر وتكوين بيت طيني في مدة أقصاها 25 يوما، يسقف بالقصب المربوط إلى بعضه في تراص مع جذوع الأشجار المعدة لهذه الغاية، "الكايزة" كما تسمى في الرحامنة، وتكون في أغلب الأحيان من شجر الصفصاف الذي يعوض ما قطع من شجرته سريعا.

 

يقول عبد الفتاح (45 عاما) من سكان دوار "الخراربة" بالرحامنة، إن أهم مميزات البيوت الطينية هي كونها باردة في الصيف وساخنة في الشتاء، وفي منطقة تتميز بارتفاع درجات حرارتها صيفا وبرودتها اللاسعة شتاء، يحتاج السكان إلى هذا التفاعل بين الطين والطقس، التكيف مع الوسط.

 

الإسمنت بدأ يزاحم الطين في بناء بيوت قرى الرحامنة لكن دون أن تستطيع إلغائها (الجزيرة)

لكن إلى جانب هذه الميزات، للبيوت الطينية مساوئها بالذات تلك المتعلقة بالحشرات الزاحفة التي تجد أحيانا في الأسقف القصبية والخشبية بيوتا لها، كما تجد العقارب والأفاعي في الزوايا الطينية مكانا مناسبا لحفر غار.

 

يضيف عبد الفتاح لمجلة الجزيرة "نعاني كثيرا من العقارب والحشرات السامة، لكن البداوة نظام متوازن من كل شيء وسواء كنا نسكن بيوتا من طين أو من إسمنت ستجد هذه الحشرات طريقها إلينا كون القرية محيطها أيضا، لذا تعلمنا منذ صغرنا التعايش معها، إما بالترصد لها بالأدوية التي نرشها لمحاربتها، أو بالكتبة" وتعني كتابة حجاب عند فقيه يعلق عند مدخل الغرفة للحماية من العقارب والحشرات، حجاب بآيات مختارة من القرآن الكريم وبأدعية في هذا الجانب.

 

لكن الاعتقاد بحماية "الكتبة" لا يعني أن الرحمانيين لا يؤمنون بأن القدر نافذ وأن الحفظ من عند الله، يقول عبد الفتاح "الكتبة صارت جزءا من البناء الطيني ونحن نؤمن بالعناية الإلهية كما نواجه قدرنا وهو ليس سيئا، نستطيع التعامل مع الحشرات، كما أن كل من استطاع ماديا بات يلجأ إلى بناء بيوت إسمنتية، باتت في القرى تزاحم البناء الطيني لكن دون أن تقضي عليه أو تحتل مكانه".

 

يجب أن يبقى الياجور الطيني أكثر من 10 أيام حتى يجف (الجزيرة)

"التعامل" الذي يتكلم عنه عبد الفتاح لا يقف حائلا أمام حصد لسعات العقارب سنويا لعدد من الأرواح، ما تطلب تدخل السلطات المغربية بالأخص في إقليم قلعة السراغنة المجاور للرحامنة الذي يسجل أكبر نسب الإصابة في هذا الباب.

 

تنسى ذلك كأنه لم يكن، عندما ترى أمامك هذا المشهد الحقيقي والحميمي في ليالي الصيف عندما يرش الرحمانيون أمام غرفهم بالماء، حتى يسمع للتراب هسيس جميل، كما لو أن التراب يتكلم، وتصعد منه رائحة لذيذة كتلك التي تنبعث منه عندما يهطل المطر ويشيع ريح البداوة والفطرة.

 

على هذه الأرض المرشوشة، تبسط الزرابي التي أبدعت النساء في نسجها، ويمد المجلس عليها قريبا من الحبق الذي تزرعه كل رحمانية خارج نافذة غرفتها، فينبت كثيفا كالبركات، إنه مشهد حقيقي من ليالي السمر غير النادرة بل المتاحة كالمحبة، يعود الرجال مساء من العمل، وتجتمع الأسرة في لمّتها الدافئة وتتداول الأخبار والحكايا والنوادر،كما يفصل في الشؤون بينما تدار كؤوس الشاي قبل موعد العشاء أو بعده.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/17-

التبوريدة.. شرف الفروسية التقليدية

التبوريدة.. شرف الفروسية التقليدية

 

لم يكن يعرف سكان الرحامنة قديما الفروسية أو "التبوريدة" كما تسمى في اللهجة المغربية، مع أنهم كانوا يعتمدون في معيشهم اليومي كبقية سكان السهول والمناطقة المنخفضة على الجياد والحمير، عكس سكان الجبال الذين اعتمدوا على البغال في تيسير التنقل والنقل، وبفضل القبائل الزناتية دخلت الفروسية للمغرب وضمنه الرحامنة.

 

من حينه مارس سكان القبيلة هذا الطقس بإيمان الحديث النبوي الشريف "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" وبات تقليدا راسخا يفاخرون به، ويقيمون لأجله الولائم، وحاليا المهرجانات، ويخصصون لفرسانه "الخيّالة" الجوائز القيمة ناهيك عن الاحترام المجتمعي الذي يحظون به.

 

على مائة هكتار من الأرض والحقول الزراعية تمتد قرية أولاد غنام في جنوب قبيلة أو إقليم الرحامنة. بيوتها الطينية متراصة في وداعة العيون الطيبة لأهلها، وتتوسد السهول التي تسير في فلكها دورة حياة فلاحيها.

 

التبوريدة إحدى مظاهر الفروسية التقليدية عند قبائل الرحامنة التي يفاخرون بها (لجزيرة)

هذا الانبساط الذي تتمتع به القرية أسوة ببقية قرى الرحامنة جعلها المكان الأنسب لتعلم ركوب الخيل وممارسة "التبوريدة"، ويكون الأمر فيها شبيها بشن هجمات متتالية، حيث تقف في خط مستقيم فرقة من الخيّالة على جيادهم تسمى"السّربة" ينطلقون في الوقت نفسه باتجاه الجانب الآخر الذي يسمى "المجبد" وهو الاسم المحلي للساحة التي تحتضن طقس "التبوريدة"، ويشترط فيها أن تكون ترابية وخالية من الأحجار والحصى حتى يسهل على الفرس التنقل فوقها بسرعة ويسر.

 

 وقبل الوصول إلى خط النهاية يطلق الخيّالة بشكل جماعي طلقات من بنادقهم التقليدية التي تملأ بالبارود بأمر من "العلاّم" أي قائد السّربة، وتكون أنجح الجولات تلك التي يفلح بها الخيالة في إطلاق طلقات بنادقهم بشكل موحد ومتزامن، حتى يخيل للمتابع أنها طلقة واحدة.

 

في قرية أولاد غنام وبعد غياب لسنوات، تجدّد اهتمام الأهالي بالخيل والتبوريدة، فتشكلت خلال السنوات الأخيرة سربة معدل سن خيّالتها لا يتجاوز الـ17 عشر عاما، عدد أفرادها 15 شخصا وعمر العلاّم لا يتجاوز الـ16عاما، وجاء اختياره لكونه الأصغر سنا بعد أن أبدى الخيّالة بعض الاعتراض على فرز اسمه لثلاث مرات في القرعة التي لجأوا إليها في البداية.

 

وفي السّربة العلاّم هو الأبرز، هو الفطن لحركة الخيل ووجوب التحرك، والمحفّز ومعطي أمر الانطلاق بهذا النداء التاريخي المميز "وا الخيل .. وا المكاحل .. وا البارود" الخيل والبنادق والبارود، ثم يطلق العلاّم شارة الانطلاق وبعدها الرمي، وأيضا يكون العلاّم هو المسؤول عن متابعة الأمور اللوجيستية لتحرك السّربة إلى "مواسم" التبوريدة أي مهرجاناتها الشعبية وإلى غيرها.

 

إطلاق الفرسان النار في لحظة واحدة هو معيار الفروسية والدقة في المسابقة (لجزيرة)

في أولاد غنام اشترى بداية أحد سكان القرية الميسورين جوادا، وبدأ ابنه يتعلم "التّحراك" عليه، أي ركوبه بغرض ممارسة التبوريدة، بعد ذلك قام ثلاثة أشخاص آخرين من الساكنة باقتناء جياد من النوع العربي البربري، وهو الأكثر انتشارا في المنطقة، فكوّنوا سربة من أربعة جياد وأربع خيّالة.

 

 يحكي عبد الله (17 عاما) لمجلة الجزيرة أن "العدوى أصابت جميع سكان الدوار، فبعدما أصبح ثلاثة من أصدقائي فرسانا، سألني والدي عما إذا كنت قادرا على التّحراك أيضا، وعندما لمس اهتمامي بالموضوع لم يتردد في شراء جواد لي يصلح لهذه الغاية، وهكذا بدأت قصتي مع التبوريدة".

 

عم عبد الله "مبارك" كان قبل حوالي أربعين عاما واحدا من فرسان القبيلة، وكان يشهد له بعلو كعبه في التبوريدة وتمكنه منها، لكنه ابتعد عن هذا المجال وانقطعت صلته به لأسباب تتعلق بالترحال لأجل العمل، وللسبب ذاته وإكراهات اقتصادية تتعلق بالجفاف الذي ضرب المنطقة انقطعت صلة معظم سكان القرية بالخيل خلال تلك الفترة.

 

يقول عبد الله "الجواد يكلفني يوميا ما بين 4 و5 دولارات من العلف، تزيد خلال أيام مزاولة التبوريدة، إذ ينبغي أن يتضاعف علف الخيل حينها لتكون في أوج قوتها" ويتعامل مع الأمر بتكفل الجهة الدّاعية لمشاركتهم في المواسم والمهرجانات بتوفير علف الخيل، والبارود للبنادق، ووسائل التنقل للخيل والخيّالة، كما تمنح غالبا ذبيحة لكل سربة مشاركة، تشكّل أساس وليمة للفرسان ومن يرافقهم من أهالي القرية أو القبيلة، هذه الأخيرة التي تجتمع "جماعتها" وتحصّل من الميسورين من السكان المال اللازم لتمويل مشاركة السّربة في المواسم المهمّة في حال لم تتكلف الجهات المنظمة بذلك.

 

يستمد الرحمانيون الإصرار على تعليم أبنائهم ركوب الخيل وممارسة التبوريدة من الحديث النبوي علموا أولادكم ركوب الخيل (الجزيرة)

الخيل عند الرّحمانيين، عنوان للنبل والشهامة، ووجودها في البيت مبعث بركة للرزق، وإن تم التخلّي عنها لفترة لتوالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الخيل، فالأوضاع اليوم برأيهم أحسن من سابقها، ولا يتعلم ركوبها حاليا أو يمارس التبوريدة الذكور فقط بل الإناث أيضا، يستمدون ذلك من الحديث النبوي "علموا أولادكم ركوب الخيل". وقد أبانت الإناث عن علوّ كعب في هذا المجال جعل منهن عضوات سربات مختلطة، لا فارسات سربة نسائية فقط.

 

هذا الإصرار وتحفيز الأبناء على ممارسة التبوريدة، جعل من عبد الله  اليوم واحدا من الخيّالة المتميزين في سربة أولاد غنام. بدأ ذلك بالتدرب على التحكم في الجواد والتعامل معه خلال السباق، فالتدرب على إمساك البندقية خلال عدو الجواد، ثم إطلاق البارود في اللحظة المناسبة.

 

وتوّج عبدالله مجهوده ومجهود سربته بالجائزة الذهبية في فئة الفرسان الصغار على صعيد كل التراب المغربي، ضمن مهرجان الفروسية التقليدية دار السلام بمدينة الصخيرات المغربية، وهي أول جائزة وطنية تتوّج بها فرقة للفروسية من إقليم الرحامنة. هي برأي عبد الله "الخير الذي يبذر في طريق الخيل" يقصد بذلك الدعوات الجماعية التي يرفعها الرّحمانيون وكل عشاق التبوريدة، بشكل جماعي، للخيّالة خلال التّحراك، والأشخاص "المولعين" الذين يرافقون السّربات خلال تنقّلها بين المواسم ليبذروا القمح عند أقدامها "داعين لها وللخيّالة ومغنين أيضا، ومتمرّغين في التراب الطّيب الذي جعل الأرض والعباد على هذه الفطرة".

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/17-

الصبّار.. منقذ البداوة الصبورة من الأزمات

الصبّار.. منقذ البداوة الصبورة من الأزمات
 

في إقليم الرحامنة، لا يمكن أن تخطئ عين الزائر الانتشار الكبير لنبتة الصبار في أراضيها. إنها الشارة الخضراء التي تدلك على صمود وكرم صبر القبيلة العريقة في المغرب.

 

وعلى أكثر من ثلاثين ألف هكتار بمجموع تراب الرحامنة، يحاول مخطط المغرب الأخضر -الذي أطلقته وزارة الفلاحة المغربية سنة 2008- أن يحول نبتة الصبار من وضعها في النمط المعيشي القروي والاستهلاك المحلي للفلاحين إلى مصدر دخل مستقر لهم.

 

سيتأتى ذلك -بحسب المخطط- بالاستفادة من الفوائد الطبية للنبتة، عبر استخراج زيوتها واستعمالها في صناعة مواد تجميلية طبيعية غالية الثمن.

 

يحاول مخطط المغرب الأخضر تحويل نبتة الصبار من النمط المعيشي القروي والاستهلاك المحلي للفلاحين إلى مصدر دخل قار لهم. (الجزيرة)

لكن بين تعثر الفلاحين في فهم طبيعة هذا الإنتاج البديل، وعدم استعداد عدد منهم لترك تربية الماشية أو الانشغال عنها وعن الزراعة، وبين العراقيل المادية والتقنية للمشروع؛ يظل الاستعمال الأصلي لنبتة الصبار هو الأبرز.

 

إنه سور البيوت، ومانح أجود الثمار الصحية التي أنقذت في عقود سابقة الآلاف من القرويين من الموت جوعا خلال سنوات الجفاف، بالذات كما تنقذ اليوم ماشية الرحامنة لذات عوامل الجفاف القاسية، حيث أصبحت علفهم.

 

في دوّار "بلكرن" بالرحامنة، المشهد العام للبيوت الطينية التي يتوسطها جامع القرية تحيطه نبتات الصبار الخضراء، يجعلك تفكر بمشهد اقتص من حكاية عن الفطرة والنقاء والعودة إلى الطبيعة الأم.

 

حافظ سكان القرية -كما كل القرويين في قبيلتي الرحامنة والسراغنة المجاورة- على إحاطة بيوتهم بسور من نباتات الصبار والسدر، إنه يضع الفواصل بين ما هو صالح من الأرض لبناء البيت أو توسعته وبين حقول الزراعة، ويرسم الحدود بين حقول هذا الفلاح وأخيه وجاره.

 

تحرق أشواك الصبار بحيث لا تصل النار بالوصول إلى النبتة. ثم يشرع في تقطيعه إلى قطع صغيرة جدا لتسهيل تناولها على الماشية (الجزيرة )

تحتمل نبتة الصبار درجات الحرارة العالية، ومناخ الرحامنة الجاف يجعلها في مكانها الطبيعي. ربيعا تبدأ أزهاره في التفتح وتتمايل بين الصفرة والحمرة مانحة البداوة لمسة حيوية، وصيفا يبدأ إنتاج ثمارها الصحية -"الكرموس" كما تسمى في الرحامنة- التي بات يخلق الطلب المتزايد عليها في المدن فرص عمل موسمية للقرويين، بذات الوقت الذي يزاحم فيه اعتماد أسر عليها كغذاء رئيسي.

 

لكن في الرحامنة يتحول هذا الانتفاع التقليدي من الصبار إلى انتفاع حيوي عندما يتعلق الأمر بالجفاف الذي أضر بميزانية فلاحيهم، وجعل أعدادا كبيرة منهم تحت خط الفقر.

 

يلجأ الفلاحون إلى تجميع الصبار بداية، ثم تحرق أشواكه باستعمال الغاز برشاقة لا يسمح معها للنار بالوصول إلى النبتة. ثم يشرع في تقطيعه إلى قطع صغيرة جدا لا يصعب على الماشية التقاطها.

 

تبدو هذه العملية سهلة بينما يتطلب قطع الصبار بعيدا عن جذره وحرق أشواكه وتقطيعه، إلى جهد مضن يترك آثاره الواضحة على اليدين، خصوصا أن درجات الحرارة صيفا في الرحامنة تصل إلى 50 درجة مئوية.

 

لا يمكن أن تخطئ عين الزائر الانتشار الكبير لنبتة الصبار في أراضيها (الجزيرة)

يقول عبد الرحمن (45 عاما) وهو فلاح من قرية أولاد سيدي بوزيد، "حرثت كل قطع الأرض التي ورثتها عن المرحوم والدي، وانتظرت أن أحصّل منها أضعاف ما دفعته من مال، لكن الجفاف ضرب الرحامنة للعام الثالث على التوالي، وخرجت من موسم الحصاد خاوي الوفاض. تضررت ولم يوجد في الحقول تبن، فجاعت ماشيتي".

 

إذا لم يوجد الكلأ في الحقول فعلى الفلاحين اللجوء لشراء الأعلاف. يقول عبد الرحمن لمجلة الجزيرة إن "العلف يكلف كثيرا"، فالقطيع الصغير المكون من 23 رأس غنم يحتاج إلى حوالي 12 دولار يوميا، "نحتاج شراء أعلاف وحزم وفيرة من التبن، لكن أسعارها جميعا ترتفع في مواسم الجفاف".

 

وبالنسبة لفلاح دخله اليومي لا يصل إلى ستة دولارات، فالأمر "كارثة" يتم التخفيف من وطأتها باللجوء لاستعمال الصبار علفا، يقول عبد الرحمن "الحمد لله، هو إلى الآن لم يخذلنا".

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/17-

الأسواق الأسبوعية.. ميدان للنساء والتواصل الاجتماعي

الأسواق الأسبوعية.. ميدان للنساء والتواصل الاجتماعي

 

في القرن الحادي والعشرين حيث يصنع البيع والشراء أون لاين ثروات ضخمة، وحيث يبتكر في أساليب التقدم للزواج وعقد القران وتنشط الأحداث واللقاءات الاجتماعية على مواقع التواصل الاجتماعي، مازالت تقام الأسواق الأسبوعية في المغرب، للبيع والشراء المباشر والطازج لكل ما تحتاجه الأسر لمدة أسبوع، وللقاءات الأصدقاء وأبناء العمومة والغرباء أيضا، حيث يشاع السلام وتدفأ الأحاديث دون هواتف ذكية، ومازال عقد القران يجري في الأسواق ذاتها، على الأغلب عند العدل "العدول" نفسه الذي كتب ربما عقد قران نصف سكان القبيلة.

 

لا غنى لأهل الرحامنة عن الأسواق الأسبوعية، أسوة ببقية المناطق القروية، إنها مركز الثقل في كل شيء، وتأتي قوتها هذه من كونها نقطة التجمع الحتمي والنشط للجميع، يحج إليها السكان أسبوعيا من أجل التسوق الذي هو فقط واحد من بين أهداف كثيرة تحققها.

 

وتنعقد الأسواق بعدد أيام الأسبوع على الأغلب في المراكز القروية، تلك التي لا يمكن أن تقول إنها قرية بالكامل وليست حضرية بالتأكيد، كـ"اثنين سيدي بوعثمان" أو فيما يقارب أن يكون مدينة )كما يتعارف على المدن بما هو أبعد من التسمية( كـ"ثلاثاء ابن جرير"، ونجد أيضا أنه قد يتشارك مكانان مختلفان من المنطقة في يوم السوق ذاته.

 

ولأن للبداوة صرامتها المعلنة، بالذات فيما يخص ظهور النساء، كان من البديهي أن تكون أسواق الرحامنة رجالية بامتياز، لكن زائرها سيلمح النساء إلى جنب الرجال، يبعن ويشترين ويفاصلن في الأسعار، ويجلسن للحديث على جنبات السوق، أو يتوقفن لإلقاء السلام وسماع أخبار بعضهن، وأيضا تبادل الآراء بشأن جودة المنتوجات وأفضل العروض، أو لنسمها باسمها البسيط والدال في اللهجة المغربية "الهمزات"(بتسكين الميم).

 

لا غنى لأهل الرحامنة عن الأسواق الأسبوعية، إنها مركز الثقل في كل شيء. منظر عام لسوق اثنين سيدي بوعثمان (الجزيرة)

ولا يتعلق الأمر بتسامح أبوي مع الحضور النسائي في الأسواق، بقدر ما يتعلق بالثقة أولا وبالضرورة ثانيا، بالأخص وأن الحياة الاقتصادية والاجتماعية للقرى تدور في فلك الأسواق الأسبوعية، فتؤجل زيارة الطبيب لتلقيح الرضع على سبيل المثال إلى يوم السوق، أو تستغل فرصته لاختتام يومه بصلة الرحم بين الأهل في القرية وسكان المركز، ورغم ذلك فإنه من البديهي معرفة أن الحضور النسائي في الأسواق القروية لم يتأت بسهولة، بل تحول وتطور مع الوقت.

 

في السوق الأسبوعية لقرية أولاد ملول في الرحامنة، والذي يسمى "سوق الأحد" لكونه ينعقد كل يوم أحد، تغير المشهد كليا عما كان سائدا قبل بضع سنوات، يحكي الحاج عبد القادر (80 عاما) لـ"مجلة الجزيرة" فيقول إنه ارتاد خلال سني عمره بشكل أسبوعي تقريبا هذا السوق العريق.

 

ويضيف، "قبل خمسين عاما كان السوق ذكوريا بامتياز، كل الباعة والمتسوقين رجال، وفي نهاية السبعينيات بدأت تظهر بوادر حضور المرأة كمتسوقة، لكن معظمهن في بداية الأمر كن يحضرن بصحبة مرافقين رجال لكن دون أن يدخلنه، غالبا ما كانت النساء تبقى في الشاحنة أو السيارة التي جئن فيها، ويقوم الرجال بالتسوق لهن دون أن يغادرن المركبة، يلمحن السوق من بعيد فقط".

 

 في تسعينيات القرن الماضي دخلت "الخالة وردية" (70 عاما) سوق "اثنين سيدي بوعثمان" كبائعة للصوف وخيوط الحياكة، كانت من أوائل الرحمانيات اللاتي فعلن ذلك، وتقول لـ"مجلة الجزيرة" إنه ما كان لها أن ترتاد السوق وتنصب خيمة لبضاعتها فيه لولا موافقة زوجها الذي كان يبيع "البطاين" أو جلد السليخة في خيمة ملاصقة لخيمتها.

 

في تسعينيات القرن الماضي بدأت نساء الرحامنة، على قلة ذلك في حينه، بالبيع في الأسواق لا الشراء فقط (الجزيرة)

 وتضيف "ما ساعدني على المضي في عملي هو أن معظم الزبائن كن من النساء، فهن من يتخصصن بالنسيج والحياكة ويعرفن متطلباته، ولم يكن يتردد علي مشترون من الرجال".

 

رويدا رويدا تحولت السوق التي كانت شبه خالية من أي امرأة إلى فضاء أسبوعي تأتيها النساء من كل المناطق المجاورة، كل وغايتها.

 

 تقول "مينة" (29 عاما) أم لطفلين لمجلة الجزيرة "لا أثق بأن زوجي سيحضر للبيت كل الأغراض التي تلزمه، غالبا ما ينسى أو يبالغ بكميات بعض المواد، لذا أقصده بنفسي، البيت مملكتي وأنا أدرى باحتياجاته، ناهيك عن أنني أضع الأولويات المناسبة لأسرتي، كشراء ملابس للأطفال بدل تحمل كلفة إفطار شواء في السوق يصر عليه الرجال دائما".

 

منذ سنة 1998، بدأت "الخالة رشيدة" (52 عاما) مهنتها كبائعة في الأسواق الأسبوعية، تبيع الحناء والسواك وما جاورها من منتجات تجميلية طبيعية، تفرش بسطتها الصغيرة وتضع شمسية أعلى رأسها، لا تصرخ عبر مذياع كما يفعل معظم الباعة، بل تتحرك في هدوء ترتب جوانب بسطتها، وتعدل عرضها حتى يكون جاذبا.

 

دورة حياة الرحمانيين تدور بين الأرض والماشية والأسواق (الجزيرة)

تقول الخالة رشيدة -كما أحبت أن نناديها- "أتنقل بين الأسواق الأسبوعية في الرحامنة منذ عشر سنوات تقريبا، أدفع "الصنك" )أداء كراء فسحة بيع لليوم في السوق( كغيري وأبيع دون أي مضايقة من أي أحد، في الدواوير مازلنا نمتلك الحشمة الحمد لله، حيث لا يقلل أحد من أدبه معك، ولا ينازعك في لقمة عيشك أحد، كل وبضاعته، وأجتهد كغيري لبيع بضاعتي ثم أمضي لسوق آخر".

 

هذا لا يعني أن الأسواق القروية بالرحامنة خالية من التحرش، فالمراهقون سنا أو فكرا يستسهلون بين الحين والآخر التعرض للشابات بالمضايقة، على صعوبة الأمر في منطقة تقول فيها هند وامعتصماه فتلبى.

 

أيضا لا يعني تعامل الخالة رشيدة مع النساء في عملها أنه حتى في الوقت الحالي رهن وجودهن في السوق  بمتسوقات لا متسوقين، كما في حالة الخالة وردية، بل إنها تبيع بضاعتها أيضا للرجال الذين يشترون لنساء بيوتهم ممن لم يحضرن للسوق حاجتهن من الحناء أو غيرها، كما أنه في الأسواق ذاتها تبيع نساء الخبز أو الطعام للجميع، وأخريات الملابس وهكذا.

 

يلخص الحاج عبد القادر الأمر بالقول "المقدية معطية للعيالات، والبيع كابابل فيه، كادات تبارك الله" بمعنى "نساؤنا قادرات، وهن يتقنن الشراء وكفؤات وشجاعات في البيع".

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/17-

العيطة.. تَجلّي النساء بالشعر المُغنى والدعاء

العيطة.. تَجلّي النساء بالشعر المُغنى والدعاء

 

منذ القدم اشتهرت قبيلة الرحامنة بفن "العيطة" الغنائي الشعبي. وينخرط فيه الرجال والنساء معا، على تفوق للنساء منحتهن إياه الحياة القروية التي ترتبط مشقة العمل فيها بتسلية الغناء، الذي سرعان ما يتحول إلى حياة من المعاني عن البداوة ومشاغل أهلها، ومشاغل الوطن أيضا عندما كان في فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب واحدا من أهم الأسلحة الحماسية.

 

في اللهجة المغربية تعني كلمة "العيطة" النداء، إذ كان الهدف الأساسي من هذا الفن هو المناداة على أفراد القبيلة، واستنهاض هممهم وشحذ عزيمتهم، وبقي هذا الاسم ملاصقا لهذا الفن دون أن يتغير، وإن أخذ سمات القبائل بتنوعها، فباتت لدينا العيطة الحوزية التي تعتبر منطقة الرحامنة من معاقلها، والعيطة المرساويّة، والعيطة الملاّلية، والعيطة الدكالية، وعيوط أضاف إليها الباحثون في المجال، العيطة الحصباوية والعيطة الخريبكية، وكل منها يسمى باسم المنطقة التي نشأ فيها وذاع منها.

 

 ويعتمد هذا الفن بالأساس على طريقة أو نمط إلقاء الكلمات، في ما يسمى في اللهجة المحلية بالرحامنة، كأمر للأجود بين نسائها في ذلك، "هزي الغنّاية" أي "ارفعي مطلع الأغنية/العيطة"، تصاحبها بعد ذلك آلات موسيقية قليلة، أهمها الطعريجة و"المقص"، والتحق بركبهما الكمان (الكمنجة) كما يسمى في المحكي المحلي.

 

في قبيلة/إقليم الرحامنة وعلى عكس قبائل أخرى، كان عدد النساء المشهورات بفن العيطة أكثر من عدد الرجال، ومن بين أيقونات المنطقة "الشيخة السعدية نقيرة" )الشيخة تعني السيدة الفنانة التي تخصصت بفن العيطة( التي تحكي عنها لمجلة الجزيرة أختها الصغرى "الخالة رقية" (91 عاما).

 

تقول الخالة رقية إن شقيقتها "كانت ذات صوت شجي طرب له كل من سمعه، وكان أعيان المنطقة وقادتها يتسابقون إلى دعوتها لإحياء حفلاتهم وسهراتهم الفنية، التي يفاخرون بها الأعيان وكبار الفلاحين وأعيان القبائل الأخرى، وهو ما كان محط غيرة نساء الرحامنة، بالأخص الشيخات، فعمدت واحدة منهن إلى تسميم أكلها، فلقيت حتفها في عز شبابها وعطائها".

 

تختتم الشيخة الغناء بالدعاء وهي من تقوم بكتابة كلمات الأغنية حتى وإن كانت أمية  (الجزيرة)

تضيف الخالة رقية أن شقيقتها الشيخة السعدية "جابت القبائل بالعيطة الحوزية، وكانت لها فرقة بين أفرادها سيدة من الجزائر استقر بها المقام في الرحامنة، وأصبحت لاحقا واحدة من الشيخات المعروفات".

 

ومن بين أشهر مقاطع أغاني العيطة التي تغنت بها الشيخة السعدية وغيرها من شيخات الرحامنة، هذا المقطع الذي يؤرخ لمعركة سيدي بوعثمان عام 1912 بين الجيش الفرنسي وجيش المقاوم المغربي أحمد الهيبة، وهزم فيها هذا الأخير، إذ تقول فيها "فين أيامك بوعثمان؟ كان موسم ولا حـرْكة لا خـزانة ولا عود بقا، شعلات النار بلا دخان ورا الطرابش كي بلعمان، ورا الموتى كيف الذبان، ورا العسكر حابس البيبان"، وتتحسر فيها على انكسار منطقة سيدي بوعثمان في الرحامنة بهذه الهزيمة، ومذبحة المستعمر في أهلها.

 

في العيطة غالبا ما تقوم الشيخة -بالإضافة إلى الغناء- بكتابة وتأليف كلمات الأغاني أيضا. ولا يحتاج الأمر إلى أن تكون متعلمة، بل تُنظم شفهيا وتُتناقل سماعا. كما لا يحتاج أن تكون السيدة شيخة، فهناك نساء كثيرات هاويات لهذا الفن في جميع دواوير وقرى الرحامنة، يعكفن على تأليف أغان تتغنى على سبيل المثال بأزواجهن وأبنائهن، ويرد فيها ذكر اسم الشخص الذي أريد للأغنية أن تكون له. ويمكن أن تغنى تلك الأغنية في قرية أخرى بحيث يتم استبدال اسم صاحبها باسم شخص جديد، وهكذا دواليك.

 

ومن الطرائف التي تحكى في هذا الباب بالرحامنة، عن سيدتين تنازعتا على نسبة أغنية/عيطة، أنهما تخاصمتا لأجلها عند الدرك الملكي، وهو المكلف بحفظ الأمن في قرى المغرب، وكان قائد فرع الدرك رجلا فطينا فقال لهما "من غنتها أفضل ستنسب إليها"، فغنتاها على التوالي أمامه، أطرب ثم فصل في أمرهما حسب ذوق استماعه.

 

تقطع الغناء العناقات وعبارات الترحيب ليستأنف وصولا إلى القبّة صالون الاستقبال (الجزيرة)

السلاّميات.. عندما يختم الغناء بالدعاء

في قرية أولاد ملول جنوب الرحامنة، توجد فرقة نسائية شهيرة وذائع صيتها عبر ربوع القبيلة/الإقليم، يطلق عليها اسم "السلاّميات" نسبة لأصول أفرادها التي تعود إلى فرع سلاّم من القبيلة، أو "فخذ" كما يسمى الفرع منها محليا.

 

تتكون هذه الفرقة من عشرين امرأة، جلّهن تخطّين الستين من العمر، يخلطن بين الغناء و"الجذبة" و"الفاتحة"، ويعني ذلك أنهن من الدرويشات اللاتي قد يشربن إناء من الماء الشديد السخونة دون أن يحرقهن لعادة يسمينها بركة نزلت بهن، والفاتحة تعني الدعاء والضراعة الجماعيين.

 

في بيت "الخالة رقية" حضرت "مجلة الجزيرة" زيارة السلاّميات السنوية لبيتها، وهي تقليد دأبت مع زوجها -وحتى بعد وفاته- على الالتزام به.

 

لهذه الزيارة أصول لا تتجاوز، فتخصص وسيلة نقل للسلاّميات، وتقام لهن وليمة تليق بقدرهن المحترم. عندما وصلت السلاّميات بيت الخالة رقية، كانت ابنتها وأبناؤها الستة وزوجاتهم، وحفيداتها وأحفادها الذين يتعدى عددهم الأربعين، في استقبال موكبهن.

 

تتمتع الخالة رقية بصحة جيدة، لكنها لم تعد تقوى على الحركة فلم تخرج للقاء السلاّميات "صاحباتي" كما تناديهن، ونابت عنها ابنتها حبيبة (62 عاما) في حمل الصينية التي حملتها لعقود أمام الباب الكبير لبيتها الطيني المترامي الأطراف.

 

تضم الصينية باقة أزهار قطفت من جوانب الدار "مشموم النوار" كما يسمى، ومرشة عطر فضّية، وإناء به تمر وقطع من السكر. وبينما كانت السلاّميات قد بدأن عند الباب يرددن اللازمة التالية "جينا سالمين، ويا رقية جينا سالمين، السلاّميات سلموا لينا"، وعبر هذه الأغنية يؤكدن أنهن وصلن بخير وسلامة من قريتهن إلى بيت الخالة رقية.

 

تبدأ حبيبة برشّهن بالعطر، وتقطع الغناء العناقاتُ وعبارات الترحيب، ليستأنف وصولا إلى "القبّة" (صالون الاستقبال) حيث الخالة رقية بانتظار الجميع. يبدأ لاحقا توزيع كؤوس الشاي المغربي الشهير الذي تتضاعف لذته في الرحامنة لأنه يعد على الجمر، وبنعناع قطف من حقولها. وتوضع أواني الفطور، ويتكون من الخبز المعد بيتيا في أفران طينية، وسمن وزبد من أبقار المنطقة، وزيت زيتون عُصر في معاصر الرحامنة.

 

من حينه وإلى أن يحين موعد وليمة الغداء، يستمر غناء العيطة الحوزية، والمرددات المحلية التي تخرج عن فن العيطة فتسمى بـ"غنا الدوار، غناء القرية". ولأن خبر وصول السلاّميات سرى كانتشار النار في الهشيم، تبدأ نساء القرية مرتديات قفاطينهن الجميلة -مع بناتهن وأطفالهن- في التوافد على بيت الخالة رقية. عائلة هذه الأخيرة تكون قد وضعت في حسبانها حضور هذه الأعداد، فتفسح لها أمكنة ويتوسع مجلس السلاّميات حتى يمتد خارج "القبّة" إلى الدويريّة التي نصبت حولها خيمة صغيرة تقي الجلوس من حرارة شمس الرحامنة اللاهبة.

 

كانت صوان تحمل كؤوس الشاي المغربي المميز وأخرى تحمل الحنّاء (الجزيرة)

يصمت الغناء لأجل غداء الوليمة، وقد ذبحت لأجله خراف وأعدت له دجاجات ربّين لأشهر في خمّ الدار. بعده تدار كؤوس أتاي (الشاي) من جديد ويستأنف الغناء، وتبدأ نساء القرية في رمي "البياض" وهو ما يجُدن به من مال، ولا يهم قدره، ولا يسأل عنه بقدر ما تهم بركة العطاء فيه، وتطلب كل واحدة منهن أن تغنى عليها أو على زوجها أو أبنائها أو أي عزيز عليها أغنية ما، وتتناوب السلاّميات في إبهار الجمع بالغناء والعيوط والضرب والرقص أيضا عندما يحمى الجو، فتبادلهن نساء القرية سخاءهن ويرضين رغبة الغناء والرقص لديهن فيتشاركن معهن فيه.

 

وبين غناء وغناء، يتوقف الجمع ليرفع الجميع دون استثناء -حتى الأطفال- أكفّ الضّراعة لأجل كل ذات حاجة بين الحضور. سألنا حبيبة عن الأسماء التي سمعناها منهن ويتوسل بها في الدعاء كـ"البرابيش ورجال سلاّم وفاطنة بنت أحمد"، فقالت "إنهن يستدعين بركة الأجداد في فاطنة بنت أحمد، والأصل الطيب في فرعي البرابيش وسلاّم من القبيلة". وفي ردها عما إن كان من الشرك أن يتوسل في الدعاء بغير الله وهو المدعو أيضا، قالت "هن يتوسلن بالبركة الجماعية والأصل الطيب في التوجه بالدعاء إلى الله، لا يؤمنّ بغيره، لذا ليس كفرا، الله وهبهن قلوبا عظيمة لذا يطلب منهن الجميع أن يدعين لأجلهن لا لأنهن سيحققن شيئا لهن، أو لأن لهن وساطة مع الله، أستغفر الله، بل إننا نتحفز جميعا لنخلص وإياهن نية الدعاء، وبهذه النية الصافية والطيبة والجماعية ندفع ونتوسل".

 

خلال ذلك كانت صينيات أخرى توزع، هذه المرة كانت تحمل أواني ضمّخت بالحنّاء التي تفوح منها رائحة الورد البلدي والقرنفل، وتحمل أواني تضم "الحركوس" وهو تجميلي يعدّ بيتيا ويستعمل لأجل الحواجب وله رائحة زكية، كما تحمل مرشات العطر، والكحل الذي أعدّ بيتيا وله لون مميز بين الأسود والرمادي، لكنه لاذع "يخرج من العين أمراضها" كما قلن في القرين.

 

"وا هذي فاطمة راها في الدويريّة، وا هذي فاطمة راها في دار بّاها والعسّة عليها" كانت واحدة من المقطوعات التي ظلت عالقة بذهني وتتحدث عن الشابة المصون في بيت أبيها، عزيزة الدار.

 

مقطوعة أخرى كانت تصف العروس فتقول "خارجة ضاوية من بين الغمام سالفها مرشوش بالعطر"، أي أنها تخرج من بين غمام الحمام البلدي، يضيء جمالها، بينما يحمل شعرها الطويل رائحة الورد البلدي.

 

لقد كان غناء فيه رهافة شعرية بديعة، وكان الانتقال بين أغان في كثير منها وصف للجانب الحسي في العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة، في لمحات مرموزة لكن موحية ومثيرة، وبين الدعاء المخلص بالصحة والخير والسلام والرزق، خيط ناظم ليس منطقيا وليس مطلوبا أن يكون، بل يشعر بالدفء والسلام والإخلاص والصفاء الذي تحس به عندما تكون أمام الجداول الرقراقة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/17-

الزرابي.. عندما تجسد الرحمانية فنونها في سجادة

الزرابي.. عندما تجسد الرحمانية فنونها في سجادة

 

نسيج الزرابي أو السجاد في قبيلة الرحامنة بالمغرب ليس مهارة يدوية فقط، إنه هوية نسائية، تجسد النساء فيها أفكارهن ولمساتهن الجمالية، ويحتفين فيها بالحياة وألوانها وبالعائلة والجماعة والقبيلة والأرض والأصالة، وتورثها كالعرف الطيب الجدة للأم فالابنة وهكذا دواليك.

 

في قبيلة الرحامنة تتعلم النساء منذ نعومة أظفارهن كيف يغزلن الصوف للحياكة، وكيف يعددن الخيوط لنسيج الزربية، إنه نشاط رئيسي للنساء، وأساليبه المتوارثة لا تختلف اليوم كثيرا عن الأمس، باستثناء أن "الزواقات" أي الرسمات تتغير، وأن الألوان تنضح أكثر.

 

تعلم النساء للنسيج ليس حصرا لهن بمهام محددة، بل لأن كل البيوت تحتاج زرابي تتماشى مع احتياجات العائلة الكبيرة، والنسيج يحتاج ذوقا رفيعا يملكنه، وصبرا أيضا يتقنّه، وهو ما يجعل النساء في شغل دائم، ينتهي العمل بزربية ليبدأ في الأخرى.

 

في بيت "فنيدة" (50 عاما) هناك أسرتان إضافة إليها وزوجها، تعودان لابنيها اللذين تزوجا كغيرهما من شباب القرى ما إن بلغا، وبات لديهما مدخول شخصي -على قلته- استطاعا به إصلاح غرف الدار الطينية الكبيرة لأجل السكن الزوجي.

 

المنجج يكون من خشب أو حديد وتنسج الزربية عليه (الجزيرة)

هذه العائلة التي كبر عدد أفرادها مع إنجاب الابنين لأطفال )4 أولاد لكل منهما( تحوز ما يقارب 25 زربية مختلفة الشكل والحجم، كل الغرف بحاجة إلى زرابي، وهي الأثاث الرسمي في القرى الذي لا غنى عنه. بعضها كبير الحجم ويعد لأجل "القبة" أو صالون استقبال الضيوف وتكون في الغالب زربية الصوف الأحمر، أي الصوف المصبوغ باللون الأحمر، وبعضها متوسط الحجم للفرش في غرف الجلوس ومراقد للنوم، وبعضها يبطن ببلاستيك ويفرش لنوم الأطفال أو يوضع على عتباب الأبواب.

 

لنسج زربية تحتاج النساء إلى غزل الصوف الذي يأتي غالبا من قطيع أغنام العائلة، وبعد غسله وتجفيفه تحت شمس الرحامنة اللاهبة، يمشط ويلين بـ"القرشان" وغزله بـ"المغزل" والاثنان صغيرا الحجم، صنعا من خشب، ويحتاجان مهارة تمتلك بالتدريب.

 

بعد ذلك تعمد النساء إلى صبغ خيوط الصوف ذات اللون الأبيض السكري بالألوان التي قررن سلفا أن الزربية القادمة ستحملها، اللون الأحمر وهو الأهم والأكثر انتشارا في زربية الصوف، يصبغ بالاعتماد على الحناء.

 

زربية الصوف الحمراء أشهر أنواع الزرابي الرحمانية، تختلف الرسومات عليها وتعد بالأساس للقبة صالون الضيوف (الجزيرة)

عملية صبغ الصوف تبدأ بوضع قِدر كبير على الجمر، فيه ماء ممزوج بمسحوق الحناء، وعندما يغلي الماء تبدأ النساء في وضع خيوط الصوف المغزولة داخل القدر مع تحريكها طيلة العملية، بينما تكون "الشبة" (واحدة من المكونات الشعبية المغربية) قد دقت لتضاف إلى الخليط، ولها دور تثبيت اللون على الصوف ومفعولها فعال في ذلك.

 

هذا فيما يتعلق بزربية الصوف أما إذا تعلق الأمر بزربية الخيوط أو الثوب، فإنه لا يلجأ دائما إلى الصباغة بقدر ما يلجأ إلى استعمال الثياب القديمة، والتي يعاد استعمالها بطريقة ذكية، حيث تفرز خيوطها لتكون مادة الزربية، كل وألوانها، وتضاف إلى كميات أخرى من النوعية ذاتها يتحصل عليها من السوق الأسبوعي للقرية، أما بقية أنواع الثياب غير الصوفية فتستعمل في نسج "بوشرواط" وهو كما يحيل عليه الاسم زربية منسوجة من قطع شرائط.

 

و"المنجج" أو المنسج، هو قالب الزربية إن صح التعبير، ينصب وقوفا بشكل عمودي، وقديما كان يصنع من الخشب لكن حاليا كما يتوفر الخشبي منه يتوفر الحديدي أيضا، ولا تقيمه امرأة واحدة، يحتاج "المنجج" إلى يد الجماعة، لثقله وكبر حجمه، وللعرف الذي يحتفي بإقامته وبدء العمل بزربية جديدة بوليمة تدعى إليها نساء العائلة والجارات، يدعون إلى غيرها أيضا عند الانتهاء من العمل.

 

الألوان التي تختارها النساء للزرابي تعكس ذوقهن المحتفي بالجمال، هذ الأخير الذي اكتشفه واكتشف تنوع رسمات الزرابي وجودتها المغاربة سكان المدن والسياح الأجانب أيضا، فبدأت تنشأ في الرحامنة كما في فاس والرباط وفي المناطق الأمازيغية الشهيرة بإنتاج "الزربية الأمازيغية المميزة، تعاونيات نسائية للنسيج تخلق فرص عمل للنساء ودخلا شخصيا لهن.

 

تصبغ خيوط الصوف بالألوان المستخدمة في صناعة الزرابي التقليدية في الرحامنة (الجزيرة)

لكن الأصل في الزربية ليس هو الربح، تقول مارية (44 عاما) وهي واحدة من أشهر نساجات الزرابي في دوار أولاد غنام بالرحامنة، إن "الربح المادي من وراء نسج زربية لا يعادل الجهد الكبير المبذول في ذلك، تتطلب مواظبة وساعات من الجلوس لأجل العمل وتركيزا كبيرا" لذا برأيها "فرحة الإنجاز هي ما نملكه، عندما تجعل شخصا آخر سعيدا بعملك، وتمنحه ما يعتبره هدية ثمينة".

 

ما تحاول مارية قوله لمجلة الجزيرة هو أن النساء في الرحامنة وهن ينسجن الزرابي، يعبرن عن شخصيتهن ويمارسن صبر الحياة كما يمارسن جماليتها، هذه الجمالية تتبدى في قولها "لا نترك عروسا تدخل بيت زوجها دون أن تحمل معها زربية جديدة، تشارك هي ونساء العائلة في نسجها، إننا نحمّلها أمانة الاستمرارية من هناك".

 

هذه الاستمرارية ستظل دائما ملازمة للرحمانيات وهن داخل "المنجج" لا تقطع عملهن إلا صواني الشاي بالنعناع التي تعد لفترات الاستراحة القصيرة، وتستمر في وصله مقاطع الغناء القروي و"العيوط" (نمط من الغناء الشعبي المغربي) التي تتحدث عن الأكف التي تعمر، وأكفهن كانت تعمر بيوتا بجمال يرسمنه ويوثقن بقاءه على الزرابي الممدودة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/17-

تقارير منوعة

تقارير منوعة


الحياة تعود لشرايين أهوار العراق

هي مسطحات مائية بين نهري دجلة والفرات جنوب العراق جففت عام 1991 وعادت إليها الحياة مؤخرا برعاية دولية.

مراحل بناء الصرائف في الأهوار باستخدام نباتي القصب والبردي (الجزيرة)


"إعمار منازل الأحرار".. انتصار الفلسطينيين للشهداء 

يدفع أهالي الشهداء الفلسطينيين ثمن مقاومتهم للاحتلال بهدم بيوتهم، فينتصر لهم الأهالي بإعادة بناء ما يهدمه الاحتلال.

 

- منزل آخر لشهيد ثاني من الشهداء الثلاثة في قباطية يكمل البناؤون تشييده وقريبا سيكون جاهزا للسكن (الجزيرة)

 

حركة المقاطعة تلاحق إسرائيل بأميركا اللاتينية 
تنشط حركة مقاطعة إسرائيل في مختلف دول أميركا اللاتينية خصوصا في الجامعات وأوساط الشباب.

 

من فعاليات إحياء ذكرى النكبة في جامعات بويبلا المكسيكية (الجزيرة)

 

جحيم اللاجئين في أدغال "كالييه" الفرنسية
دخل طارق حداد وساندرا علوش إلى عمق أدغال كالييه في فرنسا للاجئين، وسجلا مشاهداتهم المرعبة في فيلم "غرباء في الغابة"، ويتحدثان عما شاهداه.

 

أحد طالبي اللجوء من السوريين في اتصال سكايب من مخيم كالييه مع ابنته (الجزيرة)

 

معركة العمالة والروبوت في بلاد التنين
تخشى الصين من تراجع الحاجة للأيدي العاملة في ظل توظيف الروبوت في أماكن العمل وتراجع اقتصاد البلاد.

 

ركود الاقتصاد الصيني قلص الحاجة إلى العمالة في السنوات الأخيرة (رويترز)

 

ألبوم صور:
الرحامنة.. البداوة في القرى

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/17-

الحياة تعود لشرايين أهوار العراق

الحياة تعود لشرايين أهوار العراق

 

أميمة يونس-بغداد

 

ونحن نهم بالذهاب لزيارة أم عادل في منزلها بمدينة الصدر (شرق العاصمة بغداد) أصر مرافقي أحمد على أن نعيش أجواء جنوبية رائعة بإسماعي عددا من أغاني المطرب الجنوبي المشهور داخل حسن، ولم يتوقف أحمد عن ترديد أغنيته المشهورة :

"لو رايد عشرتي وياك..

حجي الجذب لا تطري..

أدور على الصدك يا ناس ..

ضاع وبعد وين الكاه.."

عند كل نقطة تفتيش نمر بها باتجاه المنطقة المنشودة.

وبالعودة إلى أم عادل أو الخالة السبعينية فخرية التي استقبلتنا بابتسامة دافئة في منزلها المتواضع معتمرة عباءتها السوداء التي تعد اللباس الشعبي الأول لدى نسوة جنوب وغرب العراق، وبلهجة هجينة تحدثت وقد اتخذت موقعها عند شجرة السدرة التي تتوسط البيت عن السنوات التي قضتها في هور المجر بمحافظة ميسان (جنوب العراق)، وتقول "كنا صغارا، جل اهتمامنا التنقل بين الصرايف (منازل شيدت من نبات القصب والبردي) المنتشرة في تلك البقعة المائية من خلال المشاحيف (نوع من الزوارق المشهورة في الأهوار).

 

وتتابع "كنا نضحك في سرنا ونحن نسمع عن حياة المدينة، وعن السيارات التي تقل الناس فلم أعش تلك الحياة إلا بعد أن تركتها في سن المراهقة، وتعترف بأن العيش في الأهوار كان قاسيا بسبب المناخ والظروف التي أحاطت بتلك المناطق خلال العقود السابقة".

 

ويتصف سكان الأهوار بنمط حياتي معين يميزهم عن بقية سكان العراق، حيث يهتمون بتربية الجاموس الذي يحتاج لبيئة الأهوار، ويبنون بيوتهم من القصب إضافة لامتهانهم صيد السمك، ويعد التنوع البيئي في المنطقة أحد أبرز عوامل نهضة وتنمية السياحة فيها.

 

وتستدرك الخالة فخرية قائلة "كانت الروابط الاجتماعية أجمل مما نعيشه الآن"، معترفة بأن "حياة الطبيعة جعلت حياتهم مختلفة عن أقرانهم من خلال نمط العيش البدائي الذي وفرته المنطقة لهم لفترة من الزمن".


وتقول "كنت وأقراني نصطاد السمك والبط وأنواعا أخرى من الطيور التي لم نشاهدها إلا في الأهوار، والتي اختفت فيما بعد جراء عمليات التجفيف التي طالتها".

 

الأهوار (مسطحات مائية) بين نهري دجلة والفرات بمساحة تقدر بنحو عشرة آلاف كيلومتر مربع قد تعرضت للتجفيف في العام 1991 عقابا لسكانها الذين قاموا بانتفاضة ضد نظام الرئيس السابق صدام حسين، ولم يتبق سوى 4% من إجمالي مساحتها بعد تجفيف معظمها إلا أن الحكومة الحالية بدأت بمشاريع لتنمية الأهوار التي تعدها من أجمل المناطق السياحية في مدن جنوب العراق (الناصرية والعمارة والبصرة).

 

تركنا الخالة فخرية وهي مستمتعة بحياتها في بغداد، وبما تحمله من ذكريات عن منطقة الأهوار التي أضيفت مؤخرا إلى لائحة التراث العالمي بعد جهود حثيثة من قبل أطراف حكومية وشعبية عديدة.

 

بيوت القصب والبردي أو ما يعرف بالصرايف التي تعد أبرز معالم أهوار العراق (الجزيرة)

لائحة التراث العالمي

وتمكن العراق في يوليو/تموز الماضي من إدراج مناطق أهواره الثلاث (الحويزة والأهوار الوسطى والحمار) وعدد من المناطق الأثرية على لائحة التراث العالمي.

 

وتمت الموافقة أيضا على ضم ثلاث مدن قديمة إلى سجل التراث العالمي بعدما حظي الطلب الذي تقدم به العراق بدعم دول الكويت ولبنان وإيران وفرنسا وكزاخستان وفنلندا وإندونيسيا والبرتغال وتونس وتنزانيا وفيتنام واليابان والبيرو.

 

وسبق أن قاد العشرات من النشطاء والصحفيين بالإضافة إلى ممثلي السلطات المحلية في المحافظات الجنوبية حملة لمطالبة الأمم المتحدة واليونسكو بضم الأهوار ومدينة أور إلى لائحة التراث العالمي.

 

ويقول الناشط المدني مهند رعد إن أهل الأهوار هم الامتداد الأصلي للحضارة السومرية في البلاد، ويؤكد أن جهودهم كنشطاء أثمرت في إدراج الأهوار وبعض المدن الأثرية على لائحة التراث العالمي.

 

وأشار إلى أنهم استطاعوا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي الوصول إلى مبتغاهم الذي يعتبرونه شهادة متأخرة بحضارة عمقها آلاف السنين. وبرر ابن الجنوب -كما يصف نفسه- اندفاعه بأنه كجنوبي نشأ وترعرع على حياة الأرياف الغنية بالشعر الشعبي والحياة الطبيعية الخلابة.

 

ويعتقد رعد أن جهود منظمات المجتمع المدني يجب ألا تتوقف عند هذا الحد، فالمخاوف قائمة من عدم تنفيذ العراق تعهداته الدولية، مؤكدا أن "الأهوار عالم غريب مليء بالقصص والثروات الذي ارتبط بحياة الأجداد، وبالتالي لا يمكن السكوت على اندثارها فيما إذا لمسنا تقاعسا حكوميا، كذلك الأمر بالنسبة للمناطق التاريخية التي تضمها المحافظة باعتبارها إرثا عالميا يجب الحفاظ عليه".

 

سكان الأهوار وفرحة الاستمتاع بالطبيعة التي وفرتها المنطقة التي يعود تكوينها إلى آلاف الأعوام  (الجزيرة)

إعادة الحياة للأهوار

ويرى الصحفي أحمد السعيدي أن الأهوار استعادت عافيتها عبر إعلانها أكبر محمية طبيعية في البلاد، لكنه يعترف بأن سكانها المتمسكين بنمط حياتهم ما زالوا يتنقلون في عمليات نزوح تكاد تكون مستمرة بحثا عن الماء الذي يعد سر ديمومة هذه المناطق.

 

وأوضح أن "عمليات التجفيف وهجرة الأهالي إلى المدينة أسهمت في انحسار الأهوار بشكل كبير، الأمر الذي نستبعد معه عودة السكان إليها حتى لو عادت إلى سابق عهدها"، مبررا ذلك "بأن العوائل تعودت على حياة المدينة، فضلا عن أن نسبة غمر المياه لم تصل إلى مستوياتها السابقة".

 

وأكد أن "نسبة الغمر تصل إلى ما بين 35 و40% وهذه نسبة قليلة بالنسبة لمنطقة الأهوار التي كانت تعتبر من أكبر المسطحات المائية في البلاد".

 

واعتبر السعيدي ضم الأهوار إلى لائحة التراث العالمي مسؤولية تضامنية دولية باعتبارها محمية دولية، مما يؤمن لها الخبراء الذين سيقدمون استشاراتهم ومساعداتهم على النهوض واستعادة الأهوار وكل ما له علاقة بالآثار التاريخية.

 

يذكر أن الأمم المتحدة اعتبرت عمليات تجفيف الأهوار العراقية من أكبر الكوارث البيئية التي حدثت في القرن العشرين وتقارن بما جرى في البرازيل من قطع الأشجار بحوض الأمازون.

 

بالمقابل، أكد رئيس منظمة طبيعة العراق جاسم الأسدي أن استعادة نحو 5600 كيلومتر مربع من أصل مساحة الأهوار البالغة 9500 كيلومتر مربع يعد إنجازا مهما للعراق الذي يعاني مشاكل جفاف كبيرة.

 

واعترف بأن أغلب أهوار البلاد تعتمد على المياه الإقليمية. وعن التحديات بعد ضمها دوليا قال "بالإضافة إلى تحدي استعادة الغمر إلا أن عدم وجود تكامل بين الوزارات الحكومية المختصة يعتبر أكبر التحديات".

 

وتابع كما أن ثقافة الاهتمام وتقدير ما تعرف بالأراضي الرطبة متأخر لدى العديد من الجهات، ويعترف بأن هناك الكثير من القوانين البيئية والمائية المعطلة بسبب عدم وجود آلية لتطبيقها، لافتا إلى وجود صراع بين وزارتي الصحة والموارد المائية في إدارة ملف الأهوار.

 

وعن الدور الدولي، يرى الأسدي أن منظمة اليونسكو من أضعف منظمات الأمم المتحدة التي تترك كل شيء على الدولة التي رشحت الممتلك (الأهوار والمناطق الأثرية)، لكنه أكد أن القضية تعد مطلبا وطنيا بالنسبة للعراق الذي سيحاول تحت أي ظرف الالتزام بتعهداته الدولية.

 

صريفة ومشحوف وجاموس أبرز سمات الأهوار (الجزيرة)

معاهدة رامسار

ويتعرض العراق لمخاطر التصحر بسبب موجات الجفاف الناتجة عن قلة الحصة المائية لنهري دجلة والفرات بعد بناء عدة سدود عليها من قبل دول الجوار على الرغم من وجود اتفاقيات ومعاهدات دولية تنظم ذلك، مثل معاهدة "رامسار" للأراضي الرطبة، والتي انطلقت عام 1971 في إيران وأصبحت سارية المفعول عام 1975، وتتخذ من مدينة جنيف مقرا لها، وانضم إليها العراق عام 2007.

 

وذكر الأسدي أن شروط الانضمام لهذه المعاهدة "تلزم الدولة الراغبة في الانضمام لها اختيار موقع يعتبر من الأراضي الرطبة ووضع خطة لإدارته، وبالتعاون بين وزارتي الموارد المائية والبيئة ومنظمة طبيعة العراق، حيث تم اختيار هور الحويزة موقعا لهذه المعاهدة".

 

وشدد على أن "الأهواريين متمسكون بثقافتهم وبيئتهم ولا يستطيعون تركها بأي شكل من الأشكال"، لأنها المصدر الرئيسي في معيشتهم وطريقة حياتهم المعتمدة على صيد الأسماك وتربية الجاموس.

 

من جانبها، أكدت سميرة عبد شبيب معاونة المديرة العامة لإنعاش الأهوار في وزارة الموارد المائية أن الوزارة شرعت منذ العام 2004 في إعادة الحياة للأهوار من خلال فتح شرايين المياه المغلقة منذ سنوات.

 

وتؤكد أن العراق حريص على الالتزام بالتعهدات الدولية من أجل الحفاظ على مواقعه ضمن اللائحة الدولية، وتعترف بأن الأمر يحتاج مزيدا من التنسيق والتعاون وأيضا تنفيذ القوانين التي من شأنها الحفاظ على مستوى ونوعية المياه، فضلا عن وقف التجاوزات التي ستساعد على وفاء العراق بتعهداته أمام العالم.

 

ويتفق المستشار في رئاسة الجمهورية قحطان الجبوري مع شبيب، ويؤكد أن الحفاظ على المواقع ضمن لائحة التراث العالمي يحتاج إلى رقابة والتزامات حكومية. وأضاف أن من الضروري تطوير المواقع البيئية والأثرية بتسهيل إجراءات الاستثمار  لضمان الجذب السياحي لتلك المواقع التي تعد ثروات بديلة عن النفط.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/17-

"إعمار منازل الأحرار".. انتصار الفلسطينيين للشهداء

"إعمار منازل الأحرار".. انتصار الفلسطينيين للشهداء
عاطف دغلس - نابلس

 

حتى الصباح ظل الفلسطيني أحمد كميل (أبو العز) يرقب كيف تتهاوى أعمدة المنزل وجدرانه واحدا تلو الآخر، لم يملك الرجل أن يمنع ذلك، فالجنود المدججون بالأسلحة الثقيلة يقفون في محيط المكان، يظنون أنهم أسدوا له معروفا بتركه ينظر إلى "شقا عمره" يضيع أمام عينيه، فيهمس شيء بداخله أنه "لا آسف رخيص إذا ذهب غال".

 

لم تكن ليلة الرابع من أبريل/نيسان الماضي عادية بالنسبة لأهالي بلدة قباطية شمال الضفة الغربية، فقد اقتحمت بعدة وعتاد إسرائيلي فاق 1500 جندي وعشرات الآليات ما يكفي ليشكل جبهة حربية لا أن تقتحم به بلدة وادعة كانت للتو قد ودعت ثلاثة من أبنائها شهداء.

 

دفع الأهالي ثمن هذا الاقتحام، فقد هدم الجنود بجرافاتهم العسكرية الضخمة منازل الشهداء الثلاثة وسووا بعضها بالأرض، في خطوة تكشف عنصرية الاحتلال وتعكس مدى صلفه بمحاربة الفلسطينيين العزل.

 

بالنسبة للخمسيني أبو العز كان الثمن مضاعفا، فقبل الهدم بشهرين كان نجله محمد (19 عاما) وشابان آخران من البلدة قد نفذا عملية طعن إسرائيليين بمدينة القدس وأسقطوا قتلى، "ولذلك كنت متوقعا أن يصل العقاب حد الهدم وأكثر" يقول الرجل.

 

- الطفل حلمي كميل ينظر لصورة قريبه الشهيد محمد كميل فوق أنقاض منزل الشهيد المهدم (الجزيرة)

ليلة الهدم والبناء

في ليلة الهدم لم يفارق بنظراته جرافة الجنزير العسكرية وهي تنهش منزله شيئا فشيئا ليسقط أمامه ويصبح أثرا بعد عين. في تلك الأثناء، غادر أبو العز لوقت قصير جمعا من الناس تداعوا للمكان ليروا ما حل بالرجل وعائلته وذهب للمقبرة يتفقد شهيدا ويخبر بما حل بهم، دعا له وقرأ الفاتحة ثم عاد.

 

بينما كان الوالد المكلوم يرقب منزله المهدم خرج الأهالي عن صمتهم وسارعوا إلى شيء يشدون به من أزر ذوي الشهداء الثلاثة ويكسرون شوكة الاحتلال، فأطلقوا على الفور دعواتهم لجمع الأموال وإعادة إعمار المنازل المهدمة.

 

ومثل خلية نحل لجأ أهالي البلدة ونشطاؤها ومسؤولوها بمختلف انتماءاتهم وفصائلهم للعمل على تشكيل لجان تكون مهمتها جمع المال والمباشرة بالبناء، يقول عمار نزال الناشط بلجان دعم الأهالي.

 

وساعد في نجاح الحملة أن الأهالي كانوا يسيرون بخطوات الإعمار منذ اللحظات الأولى للإخطار، أي قبل الهدم بشهرين عندما اقتحم الجنود المنازل وأخذوا قياساتها.

 

يردف الرجل بالقول "إن نشاطهم تميز بسرية التبرع والدعم والنزول عند رغبة الأهالي المتضررين دون المس بكرامتهم، كما أن جل الدعم من أهالي البلدة كان بتوفير المواد العينية مباشرة".

 

تعرف قباطية التي تعد ثلاثين ألف نسمة بأنها بلد صناعي وزراعي في آن معا، وتعد صناعة الحجر ومواد البناء أبرز منتجاتها مما وفر سهولة التبرع وتلبية احتياج العائلات جميعها، ودفع اللجان أيضا إلى مباشرة جمع التبرعات لبناء وتجهيز هذه المنازل بالشكل المطلوب والأفضل.

 

ودعت البلدة خلال انتفاضة القدس وعلى مدار عام كامل 11 شهيدا، هدم الاحتلال أربعة من منازلهم حتى اللحظة.

 

يوضح عضو اللجنة المالية المكلفة بالبناء عبد الرحمن زكارنة إنهم سيعدون البيوت لسابق عهدها الذي كانت عليه، إذ تقدر مساحة البيت بأكثر من 170 مترا وبتكلفة تقدر مبدئيا بأكثر من 35 ألف دولار للمنزل الواحد.


يضيف زكارنة أن جهات رسمية قدمت تبرعات مثل مكتب الرئيس الفلسطيني، وكلفت عناصر الأمن الوطني الفلسطيني بتجهيز البناء، في إشارة منه إلى تكامل وتضافر جهود البناء.

 

مثل هذه الجهود لم تقتصر على قباطية وحدها، مدن وبلدات فلسطينية بأكملها كانت قد هبت للوقوف إلى جانب عوائل الأسرى الذين هدم الاحتلال منازلهم خلال انتفاضة القدس.

 

 المواطن احمد كميل في ارضه التي قام بتجريفها لبناء منزله الجديد الذي سيشيد بدعم اهالي بلدته قباطية (الجزيرة)

منازل نابلس

كانت نابلس أولى تلك المدن، فلم تكتف بإطلاق شرارة انتفاضة القدس بتنفيذ خمسة من أبنائها ما عرفت بعملية إيتمار شرق المدينة وأدت لمقتل مستوطن إسرائيلي وزوجته، بل سارع شيبها وشبابها إلى المبادرة بتنظيم حملة التبرع لعائلات الأسرى الذين هدم الاحتلال منازلهم على خلفية العملية لإعادة البناء أو شراء شقق جاهزة.

 

على عاتقه مع أربعة شبان آخرين أخذ الناشط الاجتماعي مازن الدنبك ابن المدينة جمع التبرعات لصالح ذوي الأسرى الذين عاقبهم الاحتلال بهدم منازلهم واستطاعوا في حملة نظمت على مدار أسبوع كامل تحت شعار "إعمار منازل الأحرار" أن يجمعوا نحو مليون شيكل إسرائيلي (تقريبا 263 ألف دولار)، قسمت بالتساوي على العائلات المستهدفة.

 

يقول الدنبك "إن نابلس كانت بداية الشرارة لجمع التبرعات، فقد لحقتها مدن الضفة الغربية ومدينة القدس بإعادة بناء أو توفير سكن للعائلات فور الهدم مباشرة".

 

تشير إحصائيات إلى أن الاحتلال هدم وخلال عام من الآن نحو ثمانمئة منشأة فلسطينية، بينما قدر عدد منازل الشهداء والأسرى التي هدمها الاحتلال بنحو ثلاثين منزلا.

 

وتأتي رسائل الفلسطينيين لتؤكد للمحتل الإسرائيلي أنهم موحدون وصامدون أمام صلفه، وهي رسالة موجهة أيضا للداخل الفلسطيني والفصائلي تحديدا بإعادة لم الشمل والتوحد بإنهاء الانقسام ضد الاحتلال.

 

 المواطن احمد كميل ينظر غلى منزله الذي هدمه الاحتلال ويستعد بعد أشهر قليلة للسكن في منزله الجديد (الجزيرة)

ذكريات فوق الركام

هناك وعلى قارعة منزله لا يزال أبو العز ينتظر، منذ الهدم قبل نحو ستة أشهر لم يبرح الرجل مكانه، يزور منزله يوميا ويمكث لأكثر من ساعتين متأملا ولسان حاله يقول "وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا"، وينتظر أيضا أقرب فرصة يرفع بها الاحتلال الحظر عن مصادرة الأرض مكان المنزل المهدم ليعيد بناءه ويعيد مع ذلك ذكريات طفولة جميلة قضاها ونجله الشهيد فيه.

 

يساند أبو العز ويشد من أزره جاره الطفل الصغير حلمي كميل (ست سنوات) الذي يمر فوق ركام المنزل محدقا النظر بصور الشهيد محمد التي تحتضنها الحجارة المهدمة، يمكث مع والد الشهيد تلك الساعات التي يقضيها يسترجع تفاصيل جميلة وكثيرة في حياة الشهيد والأسرة بأكملها، خاصة تلك التي عرفها الطفل حلمي وعاش لحظاتها والشهيد نفسه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/17-

حركة المقاطعة تلاحق إسرائيل بأميركا اللاتينية

حركة المقاطعة تلاحق إسرائيل بأميركا اللاتينية
غدير أبو سنينة - نيكاراغوا 

 

استضاف معرض غواذالاخارا الدولي للكتاب دولة الاحتلال الإسرائيلي ضيفة شرف عام 2013، وافتتح المعرض بحضور الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس، فيما لم يخف الزوار امتعاضهم من تشديد الحراسات على البوابات والمبالغة في تعزيز إجراءات الأمن.

 

على إثر ذلك بدأ في العام نفسه الحديث عن حملة المقاطعة الدولية لإسرائيل في غواذالاخارا نهاية 2013، لكنها لم تستمر، وعادت الحملة للظهور عام 2014 خلال حرب الكيان المحتل ضد قطاع غزة، لكن هذه المرة من مدينة بويبلا.

 

آنا روسا مورينو -الطالبة والناشطة الجامعية- تقول إنه في تلك الفترة نظمت مظاهرات ضد إسرائيل كانت البذرة الأولى لحملة المقاطعة.

 

عام 2015 قرر النشطاء تأسيس مجموعة لدعم حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل المسماة "بي دي أس" (BDS)، حيث شاركت المجموعة في أسبوع مناهضة الفصل العنصري ونظمت محاضرات عن  دور شركة التأمين "جي فور أس" (G4S) في دعم إسرائيل منتهكة بذلك حقوق الإنسان والأطفال في السجون الإسرائيلية، إضافة لتنظيم نشاطات تدعم الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي وإحياء ذكرى النكبة في عدد من جامعات مدينة بويبلا.

 

إحياء ذكرى النكبة في جامعات بويبلا المكسيكية (الجزيرة)

الطلاب عصب الحركة

حاورنا ممثلين عن الحركة ومعظمهم طلاب جامعات في كل من المكسيك والإكوادور وتشيلي والأرجنتين والبرازيل والأورغواي، ولهذا أهمية كبرى تتمثل في نشر الوعي بين الحركات الطلابية والأكاديمية ليس في المعاهد والجامعات فقط بل بالمدارس. في المقابل، تبقى أدوار الحركة محدودة كون أفرادها بعيدين عن مراكز صنع القرار، وهو تحد استطاع البعض تجاوزه حسب الظروف السياسية لبلاده.

 

ففي المكسيك من المشاكل ما يكفي لغمر القارة الجنوبية، لذا لا يبدي الناس الكثير من الاهتمام لموضوع المقاطعة. مع هذا، فمورينو ترى تقاربا بين ما مر ويمر به المكسيكيون والفلسطينيون، فهناك جدار حدودي فاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك بظروف لا إنسانية للمكسيكيين يشبه الجدار العازل، كما يتلقى بعض كوادر الشرطة المكسيكية التدريب في دولة الاحتلال، ويستخدمون الرصاص المطاطي في تفرقة المتظاهرين، ثمة روح ثائرة تجعلها تنضم مع زملائها لتلك الحركة، وهي من أخبرتنا بوجود جدارية في المكسيك تحمل صورة الثائر المكسيكي إيميليانو ساباتا وبجانبه صورة للفلسطيني عبد القادر الحسيني.

 

وتتشابه مع المكسيك الظروف السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية إلى حد ما في كولومبيا، فالحكومة الكولومبية تتيح التعامل التجاري مع دولة الاحتلال وتشجعه، وهي ليست داعمة للقضية الفلسطينية. بالنسبة لسعيد خميس توبار -وهو العضو الوحيد تقريبا الذي أخبرنا أنه من أصول فلسطينية- فإن هناك عددا من أعضاء مجلس الشيوخ المتجاوبين مع حركة المقاطعة التي لم تكتف بالنشاطات داخل أسوار الجامعة بل انتقلت للشوارع والشركات التجارية، وقد أقامت الحركة في المكسيك وكولومبيا عدة أنشطة تدعو لمقاطعة شركة الأمن "جي فور أس" التي تتعامل مع إسرائيل، واستجاب لها عدد من الشركات والمتاجر مثل مطعم (Crepes & Waffles).

 

توبار أخبرنا أيضا أن معظم أعضاء حركة المقاطعة الناشطين ليسوا من أصول عربية ولا فلسطينية، وأن ما جمعهم هو إيمانهم بحق الإنسان الفلسطيني في العيش بكرامة.

 

طالبة مكسيكية من حركة بي دي إس تشارك في إحياء ذكرى النكبة في مدينة بويبلا (الجزيرة)

"أنا فلسطيني.. لست إرهابيا"

رغم اختلاف الاسم فإن الهدف واحد.. مقاطعة الكيان المحتل، تشكلت في الأورغواي مجموعة "إبنوت" (IPNOT) أو (I am Palestinian, I am not terrorist) على فيسبوك، وتهدف إلى ضم مؤيدي القضية الفلسطينية والعمل مع حركة المقاطعة لذات الهدف، وهي كباقي حركات المقاطعة في أميركا اللاتينية تنشط في الجامعات ووسائل التواصل الاجتماعي وتقيم الندوات والمنتديات لوضع القضية الفلسطينية في سياقها التاريخي.

 

فالمعظم -كما كانت قد أخبرتنا مورينو من المكسيك- يفضل أن يسمع الرواية ذاتها عن القضية التي تخبره بها وسائل الإعلام الكبرى والمنافية للحقيقة.

 

باتريسيا راميرس من الأورغواي -أحد نشطاء إبنوت- أخبرتنا أن الحكومة الأورغوانية لها دور محدود في عملية المقاطعة، صحيح أنها لا تحاول المساس بها إلا أنها لا تدعمها، فالعلاقات التجارية بين الأورغواي ودولة الاحتلال محدودة لكن أصوات الاحتجاجات فيها ترتفع ضد دولة الاحتلال حين تشن حربا ضد الفلسطينيين كحروبها الأخيرة على غزة.

 

صورة في جامعة بويبلا ومحاضرة عن حنظلة رمز رسومات ناجي العلي (الجزيرة)

حظا أوفر في الأرجنتين

يقول دافيد كوميدي إنه يرى عدم دعم الحكومات للمقاطعة أمرا منطقيا، فهي نشأت أصلا بسبب تقاعس الحكومات تجاه حقوق الفلسطينيين، كما أن الحركة جاءت من رحم المجتمع المدني الذي زاد تعاطفه شيئا فشيئا مع حقوق الفلسطينيين.

 

ورغم أن الحكومة الأرجنتينية لها خطاب مؤيد للدولة الفلسطينية فإن مواقفها مزدوجة، فخلال العام الحالي ظهرت قوى تعزز التعاون التجاري والأمني والتكنولوجي مع دولة الاحتلال، الأمر الذي قاد المقاطعة لرفع وتيرة صوتها نحو المطالبة بوقف التعاون.

 

من جهتها، تروج الدعاية الصهيونية أن حملة المقاطعة تسيء للسامية وللديانة اليهودية، مما يصعب المهمة على أعضاء الحركة الذين -وفقا لكوميدي- يجدون أنفسهم مضطرين لتقديم تفسيرات عند كل فعالية يقومون بها لتوضيح موقفهم إزاء الديانة اليهودية التي يحترمونها والفكر الصهيوني الذي يحاربونه.

 

وقد قطعت الحركة في الأرجنتين شوطا حينما تمكنت من ضم أصوات مؤثرة لصفها، ففضلا عن دعم الاتحاد الأرجنتيني الفلسطيني لها فقد تمكنت من الحصول على دعم بعض المنظمات النقابية والعمالية مثل نقابة العمال (CTA)، والشبكة العالمية لليهود المناهضين للصهيونية (IJAN).

 

إحياء ذكرى النكبة في جامعات بويبلا المكسيكية (الجزيرة)

تشيلي.. خطاب الحكومة المزدوج

ربما بسبب وجود نسبة كبيرة من الفلسطينيين في تشيلي فإن تفاعل الناس مع حركة "بي دي أس" يبدو أسهل، ومن الجامعات أيضا تدور حروب باردة بين الحركة واتحاد الطلبة اليهود، فقد باتت حركة المقاطعة حديث الجامعات التشيلية في السنتين الأخيرتين، وحصلت على تصويت اتحاد الطلبة في جامعة تشيلي ونظمت أكثر من نشاط ومعرض للقضية الفلسطينية، بل قدمت نسخة مشابهة لجدار الفصل العنصري في أحد نشاطاتها لتوعية الطلاب بما يحدث فعلا على الأرض.

 

وتخاطب الحركة الكثير من المؤسسات التعليمية لوقف التعاون الأكاديمي مع دولة الاحتلال، ومنها الجامعة الكاثوليكية في تشيلي، الأمر الذي أثار حفيظة اتحاد الطلبة اليهود الذين باتوا يروجون لمصطلح "التعايش" محاولين إظهار "الوجه الناعم" لإسرائيل.

 

المقاطعة في تشيلي تمكنت من التواصل مع كتلة برلمانية تتعاون معها لفرض المقاطعة على المستوى الحكومي رغم أن الأمر ليس سهلا، فهناك تعاقدات بين تشيلي والكيان المحتل لشراء أسلحة قمع المتظاهرين، ومنذ فترة قصيرة كشف عن اتفاق سري يقضي بتدريب عسكريين تشيليين في إسرائيل، مما يشير إلى وجود ازدواجية في خطاب الحكومة التشيلية.

 

يتفق أعضاء المقاطعة في كل من تشيلي والإكوادور والمكسيك والأرجنتين والأورغواي وكولومبيا على أن وسائل التواصل الاجتماعي قد أمدتهم بالكثير من المساعدة فيما يتعلق بالتواصل فيما بينهم، والحصول على الأخبار بسرعة من مصادرها، فهم على علاقة أيضا بممثلي حركات المقاطعة في أكثر من مكان، خصوصا في الداخل الفلسطيني، حيث يتم تزويدهم بالصور والأخبار والفيديوهات أولا بأول.

 

في المقابل، تعرضت صفحات الأعضاء للاختراق والقرصنة وألغيت الكثير من حساباتهم، وبعضهم تم حظره من التعليق في صفحات بعض وسائل الإعلام المعروفة مثل الغارديان، إضافة إلى عرقلة بعض نشاطاتهم من قبل الاتحادات اليهودية الموجودة في بعض دول أميركا اللاتينية، مثل كولومبيا والأرجنتين وتشيلي والمكسيك.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/17-

جحيم اللاجئين في أدغال "كالييه" الفرنسية

جحيم اللاجئين في أدغال "كالييه" الفرنسية
جورج كدر-هلسنكي

 

لم يكن ليصدق أحد أن هذا المكان المرعب موجود في القارة التي تفتخر بإنجازاتها في الحرية والكرامة الإنسانية، لولا عدسات الصحفيين. لم يكن أحد ليصدق أن "غابة كالييه" -كما باتت تعرف- تقبع بين دولتين تتغنيان بإرثهما الديمقراطي لمحو تاريخهما الاستعماري الحافل للشعوب، هما بريطانيا وفرنسا.

 

عندما دخل طارق حداد وساندرا علوش إلى عمق أدغال كالييه كانا خائفين من هول المنظر وبؤس الحال، لم يخطر في بال مخرجي فيلم "غرباء في الغابة" -الذي حاز مؤخرا على جائزة أفضل فيلم وثائقي متميز في المهرجان الإسكندنافي الدولي للأفلام الوثائقية- أن هنالك مكانا في أوروبا كلها كهذا، حيث تنعدم الإنسانية وتنتهك حرية الإنسان وكرامته، وهو الهارب من بلاده التي تغتالها الحروب وينشد الكرامة والحرية له ولأسرته.

 

ربما كان فيلم "غرباء في الغابة" آخر الأفلام الوثائقية التي وثقت الحال في هذا المكان البائس، لأن السلطات الفرنسية باشرت بتشييد جدار -تموله بريطانيا- في ميناء كالييه شمال غربي فرنسا، لمنع المهاجرين من التسلل إلى الشاحنات المتوجهة من فرنسا إلى بريطانيا؛ لكن الصورة ستبقى وصمة عار في تاريخ الديمقراطية الأوروبية كما ظهر جليا في الفيلم.

 

على هامش عرض الفيلم في افتتاح المهرجان الإسكندنافي الدولي الأول في هلسنكي، التقت مجلة الجزيرة ساندرا وطارق في محاولة للوقوف على ما جرى ويجري في "غابة كالييه"، وكان هذا الحوار:

 

ألعاب الأطفال في غابة كالييه (الجزيرة)

لماذا اخترتما مخيم كالييه للاجئين محورا لأول عمل وثائقي لكما؟

منذ أن وصلنا إلى فرنسا أواخر الصيف الماضي ونحن نسمع عن مشاكل المهاجرين في كالييه، وبعد أن أتيحت لنا الفرصة للعمل مع قناة فرنسية ألمانية، قررنا التوجه إلى هناك، لأننا بصراحة لا نثق بالأخبار ونفضل أن نرى الواقع بنفسنا، وبعد أن وصلنا قضينا ثلاثة أيام مع السوريين في قلب "أدغال كالييه"، وهي التسمية التي أريد بها بث الذعر في نفوس الفرنسيين والإنجليز على حد سواء، وخلالها أنجزنا فيلمنا الذي يتحدث عن معاناة طالبي اللجوء.

 

بعد بدء السلطات الفرنسية هدم المخيم وبناء جدار فاصل مع بريطانيا، هل يمكن القول إن فيلمكما كان آخر ما أنجز عن "مخيم كالييه"؟

أعتقد ذلك، ويمكن القول بالمجمل إنه لم ينجز فيلم كامل عن كالييه، وما أنجز عنه هو تقارير إخبارية وبعض المحاولات لناشطين قاموا بإنجاز أفلام قصيرة مستعينين بهواتفهم الذكية، ولكن نحن دخلنا المخيم وتمكنا من رصد تفاصيل حياة سكانه التي لا تمت للإنسانية بصلة، لنقدم وثيقة للعالم عن طريقة معاملة اللاجئين في دول تدعي احترام الإنسان وحقه بحياة كريمة.

 

وهل كان دخول هذا المخيم البائس سهلا؛ بمعنى هل يمكن أن يدخله أيّ إنسان؟

في الحقيقة نحن توجهنا دون تراخيص، كل ما كان معنا هو ورقة من القناة تطلب تسهيل مهمتنا من أي صاحب علاقة، وهناك تدبرنا أمرنا بالكثير من الابتسام والتحدث باللغة الفرنسية مع نقاط الشرطة الثلاث التي توجب علينا قطعها لدخول الأدغال.

 

كنا أنا وزوجي وحدنا ولم يكن معنا سوى معدات خفيفة للتصوير، وكنا خائفين لدى وصولنا لهول المنظر وبؤس الحال الذي شهدناه، وباللاوعي تبادرت إلى ذهني الصور المرعبة التي شاهدتها في الفيديوهات عن كالييه.

 

ما صدمني أكثر هو اختلاف الواقع الذي يعيشه الناس في هذه الأدغال عن واقع اللاجئين في باقي المدن الفرنسية، إذ لم أكن أتوقع أن هنالك مكانا في أوروبا كلها كهذا. أعتقد أنه لا يوجد مكان أقل إنسانية من هذا في فرنسا كلها، كلما تحدثت مع أناس أكثر هناك صدمت بوقائع يتم التعتيم عليها بشكل مقصود في الإعلام، وشيئا فشيئا اكتشفت أن السوريين هم أقل من 1%‏ من سكان الأدغال في كالييه.

 

علم الثورة السورية في غابة كالييه (الجزيرة)

1% فقط؛ لماذا عندما نسمع نشرات الأخبار وتغطية موجات اللجوء إلى أوروبا نظن أن كل من قدم إلى أوروبا كان سوريّا؟

حين كنا في كالييه في مايو/أيار الماضي، لم يكن عدد السوريين يتجاوز 170 من أصل خمسة آلاف تقريبا، وكان من المفترض إيجاد حل قريب لأزمة كالييه، أما اليوم فيقولون إن العدد أصبح حوالي عشرة آلاف، وبعد هدم المخيم والإجراءات المحددة مع بناء "حائط كالييه" بين فرنسا وبريطانيا، تشتت سكان المخيم إلى عدة دول منها بلجيكا والداخل الفرنسي، بهدف منع الناس من الوصول إلى بريطانيا التي أغلقت أبوابها في وجههم.

 

إذن، يمكن القول إن "مخيم كالييه" البائس بعد البدء بعمليات هدمه، قد انتهى؟

برأيي أبدا، هذه الرؤية غير صحيحة، فمن خلال معايشتي للناس في كالييه، أنا على ثقة من أن أولئك التعساء الذين يخاطرون بأرواحهم للحصول على حقهم كلاجئين من بلاد الحرب هم المتضررون الوحيدون من بناء هذا الجدار، وأن المستفيد الأول والأخير منه ومن إزالة المخيم سيكون المهربين، وخاصة الذين يتحكمون بمواقف الشاحنات.

 

ولم يبق أمام طالب اللجوء في هذه الحالة سوى الاستعانة بعصابات التهريب الخطيرة التي تملك شتى أنواع الأسلحة، فلكل جنسية من الجنسيات ذات الأغلبية في المخيم موقف خاص معروف للجميع، حيث تركن الشاحنات للمبيت، قبل أن تكمل طريقها بالعبور من فرنسا إلى بريطانيا، لكن ليس بمقدور أيٍّ كان من المهاجرين التسلل إلى إحدى هذه الشاحنات ما لم يتفق مسبقا مع أحد المهربين ويدفع حوالي عشرة آلاف جنيه إسترليني، ليسمح له بالدخول إلى الموقف ويحاول التسلل إلى إحدى الشاحنات.

 

وبالرغم من أن الحكومة الفرنسية على علم بكل هذا، فإنها لم تتخذ أي إجراء بحق هذه العصابات، بل تبدو كأنها تغض النظر عما يحدث، طالما أنه لا يُحكى عنه في الإعلام، وطالما أن المال يجد طريقه إلى بعض الجيوب.

 

هذه الأيام على سبيل المثال يشهد سوق التهريب من بلجيكا انتعاشا هائلا، فمن يهرب من كالييه ولا يريد التقدم بطلب لجوئه إلى فرنسا يهرب إلى القرى الحدودية البلجيكية، باختصار: المهربون اليوم يعيشون عصرهم الذهبي.

 

بيوت وشوارع في غابة كالييه (الجزيرة)

ظهرت في فيلمكما امرأة أوروبية اعتبرت كالييه وصمة عار في تاريخ أوروبا التي طالما تغنت بديمقراطيتها واحترامها لحقوق الإنسان، من هذه المرأة؟ وماذا استفدتم منها؟

هي امرأة فرنسية تدعى مايا كونفورتي، وهي رئيسة جمعية إسكان المهاجرين التطوعية، وخلال وجودنا في المخيم كانت صدمتنا كبيرة عندما عرفنا أنها تركت بيتها الذي تملكه في ضواحي كالييه واتخذت من المخيم مسكنا لها، حتى لا تعاني صعوبة في الدخول إليه وتتمكن من مساعدة طالبي اللجوء والمهاجرين.

 

لا أخفيك، إن وجود هذه المرأة أعاد لي بعض الأمل بالقيم الأوروبية وخاصة الفرنسية في العدالة والمساواة والحرية، حيث كانت تتحدى كل هذه القرارات التعسفية وتهرع لمساعدة الناس دون التفكير في لون بشرتهم أو دينهم، كل همها أن تؤمّن لهم أبسط مستلزمات الحياة.

 

كما أن التصريحات التي أدلت بها تدين حكومتها وسوء إدارتها لهذه الأزمة، وتكشف تورط هذه الحكومات في الحروب في سوريا والعراق وأفغانستان للحصول على ثروات هذه البلاد، ثم ترفض استقبال اللاجئين منها. ووصفت الأمر بالمقزز، لم أقابل سابقا شخصية قدمت توصيفا للواقع مثلها؛ نحن نكن لها كل احترام و تقدير.

 

هل عرض الفيلم في فرنسا المعنية الأولى والأخيرة بهذا المخيم غير الإنساني؟

الفيلم حتى الآن لم يعرض في فرنسا، بالتالي لم يحظ بفرصة للتأثير بعد، لكننا بالتعاون مع القناة الفرنسية التي أنتجت العمل، نحضّر لعرض يدعى إليه نخبة من أهل الصحافة والناشطين الإنسانيين ويتلوه نقاش حول القضية، في محاولة منا لتنشيط الحراك الداعي للقيم الإنسانية وعدم التخلي عن هؤلاء الذين ظلمتهم الحياة إلى هذا الحد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/17-

معركة العمالة والروبوت في بلاد التنين

معركة العمالة والروبوت في بلاد التنين
علي أبو مريحيل- بكين

 

تتزايد المخاوف في الصين بشأن انخفاض القوة العاملة إلى معدلات غير مسبوقة، فقد حذرت وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي الصينية من انخفاض نسبة الأيدي العاملة إلى أكثر من 23 %ليصل إلى نحو 700 مليون نسمة مع حلول العام 2030.

 

وكان المتحدث باسم الوزارة لي فانغ قد أكد أن عدد من هم في سن العمل ممن تتراوح أعمارهم بين 16 و59 عاما، شهد انخفاضا منذ العام 2012، مشيرا إلى أن الرقم سيشهد انخفاضا حاداً خلال السنوات المقبلة، ليتقلص بـ7.6 ملايين شخص كل سنة في المتوسط.

 

لا يزال قطاع الإنشاءات بعيدا عن اقتحام الروبوت عالم الأعمال (رويترز)

وبحسب الأرقام التي أوردتها مصلحة الدولة للإحصاء، بلغ عدد الأيدي العاملة في الصين 910.96 ملايين نسمة عام 2015، مسجلاً انخفاضاً بمعدل 4.87 ملايين عن العام السابق، وهو الأمر الذي أثار مخاوف الصين الطامحة لأن تكون أكبر قوة اقتصادية في العالم.

 

وأرجع عميد كلية الاقتصاد بجامعة "جينان" دونغ يي انخفاض القوة العاملة إلى الدخول القوي للتقنية إلى سوق العمل، وأعطى مثلاً بصناعة الروبوتات التي استطاعت خلال فترة قياسية أن تستأثر بنحو 15 %من القطاعات الصناعية الإنتاجية.

 

وأوضح يي في حديثه لمجلة "الجزيرة" أن عدد الروبوتات المصنعة في الصين بلغ عام 2015 قرابة 250 ألفاً.

 

روبوت على هيئة امرأة من انتاج جامعة العلوم والتكنولوجيا في الصين قدم في أحد معارض الروبوتات (رويترز)

وتوقع أن تحتل الروبوتات العاملة نحو 45 %من سوق العمل بحلول العام 2020، مشيراً إلى أنه في ذلك الوقت سيكون نحو 65% من الموظفين معرضين للتسريح من أعمالهم لصالح الروبوت. وأضاف أن دخول نحو 25 ألف ربوتاً في العام إلى سوق العمل يعني الاستغناء عن نحو 250 ألف موظف، لافتاً إلى أنه في مثل هذه الحالة لا ينبغي النظر إلى انخفاض القوة العاملة على أنه أزمة أو ظاهرة سلبية.

 

من جهته، علل شياو لي -وهو محلل مالي في شركة صينية- انخفاض القوة العاملة باستمرار تباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاض الأجور في ظل التنافس الكبير بسوق العمل، مشيراً إلى أن الصين شهدت العام الماضي أبطأ نمو اقتصادي منذ 25 عاما.

 

وقال لي لمجلة "الجزيرة" إن تباطؤ النمو من شأنه أن يرفع من معدلات البطالة في البلاد، ويزيد من طوابير الخريجين أمام مكاتب التوظيف، لكنه في الوقت نفسه أشار إلى عامل آخر اعتبره إيجابياً، وهو توجه البلاد نحو الاستغناء عن العملة النقدية في التعاملات اليومية واللجوء إلى الدفع الإلكتروني عبر تطبيقات خاصة، وهو الأمر إلى أدى -من وجهة نظره- إلى تسريح آلاف الموظفين من البنوك والمؤسسات المالية.

 

توقعات بانخفاض نسبة الأيدي العاملة إلى أكثر من 23 في المائة بمعدل 7.6 مليون شخص كل عام (الجزيرة)

ويرى مراقبون أن الأزمة لا علاقة لها بعوامل اقتصادية أو تقنية، بل هي اجتماعية بحتة خلفتها سياسة الطفل الواحد التي اتبعتها الصين في العقود الثلاثة الماضية، التي خلقت مجتمعاً ذكورياً تتجاوز فيه نسبة الشيخوخة 45% ، وهو ما أدى إلى تراجع نسبة الشباب ممن هم في سن العمل.

 

ورغم تجاوز الصين سياسة الطفل الواحد والسماح بإنجاب طفل آخر، فإن هناك مخاوف من عدم إقبال الصينيين على الإنجاب، وهو الأمر الذي أرجعه محللون إلى اتساع الفجوة بين الذكور والإناث، فوفقا للأرقام الصادرة عن وزارة الشؤون المدنية، بلغت نسبة العنوسة في الصين حتى منتصف العام الجاري 75%، كما بلغ معدل الذكور بالنسبة للإناث ستة ذكور مقابل أنثى واحدة.

 

يشار إلى أن سبعة بنوك صينية مدرجة في البورصة أعلنت قبل أيام عن تخفيض حجم العمالة والاستغناء عن 34.7 ألف وظيفة، بالإضافة إلى تخفيض رواتب الموظفين، وذلك لتقليص النفقات في ظل انخفاض صافي الفوائد وارتفاع القروض المعدومة وتباطؤ معدلات النمو

السابق

السابق

التالي

السابق

-17/17-

الرحامنة.. البداوة في القرى

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك