يعتبر بازار طهران من أقدم المعالم التاريخية في العاصمة الإيرانية فقد تأسس قبل نحو خمسة قرون، ورغم مرور السنين لم يفقد مكانته كمركز تجاري، بل ظل يلعب دورا في الحياة الاقتصادية والسياسية على حد سواء رغم تراجع دوره السياسي في العقود الأخيرة.

كل شيء يدل هنا على عراقة المكان وأصالته، سقف بأقواس وقبة من فن العمارة الإسلامية توحي وكأن المكان للصلاة، لكنه ليس سوى بازار طهران الكبير.

لم يكن مغطى عندما بناه طهماسب أحد ملوك العهد الصفوي قبل خمسمئة عام، لكن معالمه تغيرت في القرن الـ19 في عهد الملك ناصر الدين شاه القجري، وأصبح للبازار سقف يقي الناس حر الصيف وبرد الشتاء، وهوة في وسطه يدخل منها ضوء النهار.

رمم المكان من جديد في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، لكن كل شيء فيه يدل على قدمه، جدران لا يزال الطوب الصغير يزينها، أما أسماء المحلات فمكتوبة بخط النستعليق، وهو الخط المعروف في إيران، وما بين الأزقة الضيقة للبازار لا يزال مقهى الحاج علي درويشي يجذب إليها عشاق الشاي.

عمر المقهى قارب المئة عام، لكن ابن الحاج علي الذي تجاوز السبعين هو من يشرف الآن على خدمة الزبائن، هنا تقدم كل أنواع الشاي، المعطر أو المخلوط بالزعفران، ويقول الرجل إنه يستعمل أجود الأنواع، أما أثمانه فحسب قدرة المرتادين.

حاج درويشي.. صاحب مقهى
هذا المقهى بني عام 1918 ومن وقتها وهو يقدم الشاي، وكان له مدخلان، بيع أحدهما وبقي هذا الذي ترونه.

لم يخل البازار من معالم دينية تزيد من عراقته وأصالته، فالمساجد هي قطب الرحى في يوميات تجار البازار، فمسجد جامع هو أقدم من البازار نفسه، وغير بعيد عنه يقع مسجد شاه الذي شيد قبل نحو قرنين، ومنه انطلقت ثورة الدستور بداية القرن العشرين، كما خرجت منه مظاهرات الثورة في سبعينيات القرن الماضي.

كل ممرات البازار تؤدي إلى أحد المسجدين، وتقول الروايات إن التجار هنا كانوا يتلقون دروسا في علم المكاسب وأخلاق التجارة قبل التوجه إلى محلاتهم.

(أمام الكاميرا) "ما بين هذه الجدران التاريخية بدأ بازار طهران نشاطه بأربعة أسواق تلاشى بعضها اليوم لكن أسواقا أخرى فرضها الزمن، وضرورات الحياة حلت محلها".

كانت بداية بازار طهران بأربعة أسواق مخصصة للملابس والخياطة والأحذية وصناعة السروج، لكن تفرعت أسواقه ومحلاته وتنوعت معروضاته، ربما قاوم تغيرات الزمن، لكن بعض الحرف لم تعد قادرة على المنافسة.

هنا كان سوق النحاسين، اليوم لم تعد فيه إلا محلات معدودة، ترك مكانه لمحلات بيع الملابس، أما هنا فلا ترى إلا أحدث أنواع الساعات، ومن يعرف المحلات في هذا السوق يتذكر أنه كان هنا سوق الأثواب، فبدأ مع مرور الزمن يفرغ محلاته لتجارة ربما أصبحت مربحة لأصحابها.

صاحب محل بيع الساعات
كان هذا المكان قبل 1995 مخصصا لتجارة الثياب لكن بعد ذلك تحول إلى مكان لتجارة الساعات كما ترون وأصبح عبارة عن بورصة لها.

إذا هو بازار طهران الكبير لا يذكر إلا ويذكر المال وأصحابه، وسوق الدلالين هذا هو أحد وجوه البازار المالية، فهنا بورصة البازار كما تسمى اليوم، ولا تزال تحتفظ بطريقتها التقليدية، ومن خلال هؤلاء تحدد أسعار السلع، وأغلب المداولات من مسكوكات ذهبية وعملات أجنبية.

وكما للدلالة هامش في البازار فإن لهامشه كذلك حكاية مع بائعي البسطات، فوضعهم المالي لا يسمح باقتناء محل لغلاء إيجاره، فاختاروا مكانا حددته السلطات لهم لبيع ما قد يسد حاجاتهم اليومية، كما حددت العصر زمنا للبيع ولباسا يميزهم.

ما بين حديث الباعة وحركة المال فإن للمواطن هو الآخر قصته في البازار، فإليه يلجأ لشراء ما يحتاجه وبأقل الأثمان، آلاف الزوار يترددون على البازار يوميا حتى من مدن أخرى.

لحظة استراحة على أطرافه لالتقاط الأنفاس بعد مشقة البحث بين محلاته، هنا لا مكان للسيارة ووسائل النقل الحديثة فقد أغلقت كل الطرق في وجهها حفاظا على أصالة المكان وعراقته.

هكذا إذا يتنقل الزوار بين جنبات البازار، قطار كان على ما يبدو جزءا من متعة الأطفال في أحد المنتجعات هو اليوم وسيلة نقل في بازار طهران، ولأن البازار لا يراد له أن يبتعد كثيرا عن أصالته وتاريخه، فللحصان وعربته مكان بين وسائل نقل الزوار، فهم يريدون التنقل براحة بين المكان والاستمتاع بوسيلة غابت عن شوارع المدينة.

إذا هو بازار طهران بتاريخه العريق، محلات، وتجارة، وبيع وشراء لكن يبدو أن مكانته تراجعت اليوم فلم يعد المتحكم في سوق المال ولا السياسة كما كان في السابق، ربما قد يغادر بهدوء ولن يبقى منه إلا طرازه المعماري، ومحلات أصبحت تضيق بأصحابها وذكريات من مروا من هنا.

(أمام الكاميرا) "هو بازار طهران حيث يجتمع التاريخ والمال والسياسة، لكن كل ذلك ليس إلا جزءا من الصورة، أما بقية الصورة فترسمها يوميات مواطن يبحث بين ثنايا البازار عن لقمة عيش تقيه شر الحياة وصعوباتها".

لبرنامج "مراسلو الجزيرة" نور الدين الدغير-طهران

المصدر : الجزيرة