يعتبر فن التطريز الفلسطيني أحد أهم الفنون الشعبية التراثية المتوارثة عبر الأجيال ورمزا من رموز الهوية الفلسطينية، وهو فن لا يزال حاضرا بقوة بين الفلسطينيين رغم انتشار الملابس العصرية الجاهزة.

لم تلبس روزا الفستان الأبيض في عرسها، فقد اختارت وزوجها التميز بارتداء الزي الفلسطيني في حفل زفافهما، لبست روزا الثوب التقليدي المطرز، ولبس أشرف كما لبس أجداده من قبله.

روزا الحلو.. عروس
"إحنا لبسنا الثوب والقمباز لأنه كان عنا فكرة نرجع كيف كنا زمان نحتفل بالأعراس.. كيف أجدادنا احتفلوا، بدنا نرجع لتراثنا الحلو اللي كتير من الناس عم بنسوه، كان بدي أعمل هاد الشي قبل ما أتعرف على أشرف.. كتير من الناس وصاحباتي حكولي إنت مجنونة كل واحدة بتحب تلبس الأبيض بس أنا كان حلمي ألبس ثوبا".

أشرف المشني.. عريس
"القمباز هو اللباس التقليدي اللي لبسوه أجدادنا.. أنا الفكرة كانت عندي من زمان، لأني كنت أستمتع بشكل سيدي وهو لابس القمباز.. بحس فيه بمتعة أكتر من البدلة والغرافة.. وبه شيء له علاقة بتقاليدنا وعاداتنا وتراثنا.. الخياط اللي نزلت عنده قالي يا ولدي أديه أنا صار لي فترة طويلة ما اشتغلت هاد الشغل.. وإنه ييجي شاب بعمرك يفصل قمباز يلبسه بعرسه".

يعود تاريخ التطريز الفلسطيني إلى عهد الكنعانيين منذ آلاف السنين، وهو جزء من ثقافة الشعب الفلسطيني وتراثه، عشرات الزخارف والألوان تدمج أشكالا وألوانا، في كل رسمة لغة تمثل قصة الثوب المطرز وحكاية من تلبسه.

مديرة مركز التراث الفلسطيني مها السقا
"الثوب هو هوية ووثيقة لوجودنا في كل قرية ومدينة فلسطينية، الفلسطينية طرزت من خلال البيئة التي كانت موجودة فيها.. فأصبح ثوبها هويتها، مثلا اشتهرت يافا ببيارات البرتقال.. فطرزنا زهر البرتقال على ثوب يافا وأحطناه بشجر السرو.. ثوب بئر السبع كان أحمر ولكن إذا توفي زوجها يتغير لونه إلى الأزرق.. هيك كنا نعرف الفلسطينية من أي قرية وأي مدينة حسب ثوبها".

تحرص أغلبية الفلسطينيات على اقتناء الثوب الفلسطيني، سواء أكان تقليديا أم محاكا بطريقة حديثة.

مها السقا
"أنا بنتي لبست الثوب في يوم عرسها ولما دخلت كان انبهار بجمال الفلسطينية بالثوب المطرز.. لما طورنا الثوب الفلسطيني كان علينا الحفاظ على ألوانه والاحتشام من أجل الحفاظ على هوية الثوب.. هو نوع من التواصل بين الماضي والحاضر".

وكجزء من هذا التواصل بين الماضي والحاضر تسعى السيدة مها اليوم لإدخال التطريز على اللباس الموحد لطالبات المدارس، وفي السنوات الماضية بدا لافتا دمج التطريز الفلسطيني في الملابس العصرية، وما عاد استخدامه يقتصر على الثياب فحسب، بل تعدى ذلك ليزين الإكسسوارات والأثاث والتحف.

سهى البرغوثي.. صاحبة محل للحرف التقليدية
"التراث ما بيتحدث.. التراث يبقى متل ما هو ولكن يتم استخدامه في الحياة العصرية بشكل مختلف لينتقل من المتحف إلى الحياة اليومية.. لأنماط وأعمار مختلفة من الناس.. يعني الثوب طويل وثقيل صعب استخدامه في الحياة اليومية وفي العمل.. مثلا ممكن دمج قطب الثوب الأصلي في هيك فيست ميشان تلبسه صبية في العمل.. والهدف هو حمل الموروث الثقافي على رأسه التطريز من المتحف للشارع بطريقة عملية".

وفي شكل آخر لإخراج الثوب المطرز من المتحف إلى الشارع تخرج هذه المسيرة التقليدية للسنة الثانية في عدة مدن فلسطينية، وفيها رسالة تدعو لحماية اللباس التقليدي والحفاظ عليه.

(أمام الكاميرا) "مهما مرت السنون ومهما مر الغرباء المؤقتون فإن بعض الأشياء لا تغيب عن أزقة المدن الفلسطينية ولا تتغير كهذا الثوب، فاللباس التقليدي هو رمز للموروث الثقافي لدى الشعوب، وفي الحالة الفلسطينية هو رمز للهوية الحقيقية لهذا المكان".

فبعد احتلال فلسطين تنبه الفلسطينيون إلى المحاولات الإسرائيلية لإلغاء وجودهم وسرقة موروثهم الثقافي.

رئيسة جمعية إنعاش الأسرة فريدة العمد
"لما بدأ القادة الإسرائيليون يقولوا إحنا شعب بلا أرض وجئنا لأرض بلا شعب هون رأسا شكلنا لجنة سميناها لجنة الأبحاث الاجتماعية والتراث، وكانت مهمة هذه اللجنة كيف نحافظ على التراث من خلال جمعه وتوثيقه وحفظه لأن كان مهم إلنا دحض هذه المقولة لأنهم نفوا وجودنا كليا، بس نحن شعب عنا عاداتنا وتقاليدنا وأهازيجنا".

وضمن توثيق التراث الفلسطيني قام المصور أسامة السلوادي بإصدار كتاب تحت عنوان "ملكات الحرير" جمع فيه توثيقا بصريا وتاريخيا لمختلف أزياء فلسطين من شمالها إلى جنوبها، ومن جليلها إلى نقبها.

أسامة السلوادي.. مصور فوتوغرافي
"اللي خلاني أتجه لموضوع توثيق التراث الفلسطيني إنه شفت مرة عرض أزياء عالمي كل شعب وكل دولة تعرض لباسها التقليدي، فشفت عارضة تعرض الثوب الفلسطيني باسم إسرائيل، الموضوع استفزني.. هذا ثوب أمي وخواتي، أنا بشوف أنه المعركة الثقافية والحضارية إذا لم تكن أهم من المعركة السياسية فهي بنفس الأهمية، ميشان هيك أطلقت هذه المعركة لنقل صورة الحضارة الفلسطينية والحفاظ عليها من التزوير والتغييب".

في أحد المحال لبيع المطرزات قابلنا الحاجة ياسمينا، وهي تتقن التطريز منذ صغرها، تحن إلى أيام الماضي وتقول إن اللباس التقليدي يبقى الأجمل.

الحاجة ياسمينا صرمة
"لا شيء يعلو على الثوب الفلسطيني.. ولا كل فساتين باريس".

فإضافة إلى ما تحمله هذه المطرزات من عبق التاريخ والحضارة الفلسطينية فإنها تساهم في الترويج لقضية الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والحضارة والتاريخ.

نجوان سمري لبرنامج "مراسلو الجزيرة"-فلسطين

المصدر : الجزيرة