آخر تحديث: 2016/1/14 الساعة 11:55 (مكة المكرمة)
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2016/1/14 الساعة 11:55 (مكة المكرمة)
-1/16-

حين يتضور الغني جوعا

محمد المختار الخليل 
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

للشعوب والدول دورات حياة كالبشر تماما، تمر بمراحل الفتوة والقوة وتعتريها سنوات الشيخوخة والهرم، إلا أن هذه المراحل رهينة عوامل موضوعية، وليست تسلسلا زمنيا ثابتا كالإنسان.

 

تنتعش الدول وتقوى اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا حين تتوفر لها قيادة قوية ذات رؤية واضحة وإرادة قوية لتنفيذها، وتتمكن هذه القيادة من خلق مناخ اجتماعي وسياسي مناسب لتجييش إمكانات الدولة لتحقيق الرؤية المجمع عليها وطنيا. وتنهار الدول حين تغيب هذه الأجواء.

 

جمهورية الكونغو الديمقراطية حالة مثالية للتدليل على هذه الفكرة، فالبلاد التي كانت سابقا إمبراطورية ذات حضارة في القارة الأفريقية، تعد من أغنى دول العالم بالثروات الطبيعية، حيث تحتكر نسبة كبيرة من المعادن النادرة والمهمة، التي تقدر قيمتها بنحو 24 تريليون دولار، وتملك نصف غابات أفريقيا، ومساحة زراعية قادرة على توفير الغذاء لملياري إنسان.

 

لكن هذا الغنى الفاحش في الثروات غير المستغلة يقابله فقر ساحق للسكان، حيث يعيش 71% من المواطنين تحت خط الفقر، وتأتي الكونغو في المرتبة قبل الأخيرة في العالم على سلم التنمية البشرية؛ والسر في هذا التردي أمران: أولهما حكم العسكر الذي أدخل البلاد في صراعات داخلية، والثاني -وهو نتيجة للأول- الفساد وقمع الحريات.

 

دول -من بينها إسرائيل- ومنظمات ورأسماليون استفادوا من مستنقع الفساد واحتكار السلطة لمصّ دماء الشعب الكونغولي، بما يخدم مصالح المتنفذين ويراكم ثرواتهم، في جمهورية تسمى "الديمقراطية" وهي الصفة الأبعد عنها، والتي قتل فيه ملايين المواطنين في الصراعات الأهلية.

 

مجلة الجزيرة ارتأت أن تفرد لهذا البلد ملفا يسلط الضوء على بعض الزوايا المعتمة، بالنسبة للقارئ العربي، في بلد قائم على التناقضات، وفيه الكثير من أوجه الغرابة في الدين والثقافة والعادات والتقاليد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

ملف العدد

ملف العدد
أعد ملف الكونغو "غير الديمقراطية"
ياسين الكزباري - كينشاسا
 
ياسين الكزباري - كينشاسا (الجزيرة)
 
الكونغو.. بلد المتناقضات
الكونغو الديمقراطية بلد يجمع التناقضات في كل مناحي حياته وأول تناقضاته مع اسم الدولة "الديمقراطية"
أول قاطرة اشتغلت في الكونغو الديمقراطية في حقبة الازدهار (الجزيرة)

 

مزيج ثقافي من العراقة والغرابة

خليط من الغرائب في ثقافة الكونغوليين في لغاتهم وطعامهم وحتى ثقافتهم الدينية

سيدة قروية تدق الذرة لإعداد عصيدة الفوفو كوجبة تقليدية  (الجزيرة)

 

الكونغو.. الثرية الجائعة لأجل السلام

في بلد يعد من أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية يعيش أكثر من 70% من السكان تحت خط الفقر

يفضل كثير من الناس نقل بضائعهم على عربات يجرها الرجال لرخص التكلفة (الجزيرة)

 

الفساد.. الثقب الأسود في الكونغو

الفساد أحد أبرز مظاهر الحياة اليومية في الكونغو خصوصا بعد أن وقعت البلاد في قبضة العسكر

العملة المحلية في الكونغو تدنت قيمتها كثيرا بسبب انهيار الاقتصاد (رويترز)

 

العمل "نبيا" مهنة تدر الملايين

في بلد تخنقه البطالة وقلة الدخل يصبح إدعاء النبوة مهنة رائجة وتدر الملايين على صاحبها

أحد مدعي النبوة يصلي لأتباعه ويلاحظ أن أغلب الحاضرين في كنائس اليقظة هم من النساء (الجزيرة)

"أرض الميعاد".. رواج مبكر في الكونغو

تسللت إسرائيل مبكرا إلى الكونغو الديمقراطية من باب "أرض الميعاد" في بلد مسيحي يغلب عليه التدين

وضع علم إسرائيل في السيارة أمر شائع في كينشاسا (الجزيرة)

العرب في ذاكرة الكونغو.. تجار عبيد

لا تزال ذاكرة شعب الكونغو الديمقراطية تحتفظ للعرب بتاريخ سلبي باعتبارهم تجار عبيد

مجسم يظهر العرب مساعدين للبلجيكيين في تجارة الرقيق  (الجزيرة)

 

تجربة صحفي في الكونغو "غير الديمقراطية"

حكم العسكر والحريات العامة لا يلتقيان وهنا تجربة الزميل معد الملف مع الشرطة وقمعها للحريات

قمع المواطنين في كل المناسبات سياسة تتبعها الشرطة والأمن الكونغولي - أسوشيتيدبرس 
السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

الكونغو.. بلد المتناقضات

الكونغو.. بلد المتناقضات
 

بمساحة 2,3 مليون كيلومتر مربع -أي أكبر 76 مرة من مستعمِرها السابق بلجيكا- تتوسط جمهورية الكونغو الديمقراطية القارة الأفريقية، وتحدها ثماني دول: الكونغو برازافيل غربا، وأنغولا وزامبيا جنوبا، وتنزانيا وبوروندي ورواندا وأوغندا شرقا، وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى شمالا.

 

وتعد الكونغو من أكثر دول العالم ثراء بشريا وتنوعا ثقافيا، حيث يبلغ سكانها ثمانين مليونا، ينحدرون من شعوب البانتو في نيجيريا، والنوبيين من السودان، وشعوب أخرى؛ لينقسموا إلى أكثر من أربعمئة إثنية، ويتحدثون أكثر من أربعمئة لغة ولهجة.

 

أول قاطرة اشتغلت في الكونغو الديمقراطية في حقبة الازدهار (الجزيرة)

الاقتصاد

في الكونغو ثروات طبيعية هائلة، قلما اجتمعت في دولة واحدة، حيث باطن الأرض يخبئ احتياطيات ضخمة من معادن مختلفة، خاصة تلك المصنفة بالنادرة، مثل كالكولتان الذي يوجد 80% من احتياطي العالم منه في الكونغو فقط، وأما سطحها فيجري خلاله نهر الكونغو لأكثر من خمسة آلاف كيلومتر، وتحفه شرقا خمس بحيرات عظمى أكبرها طانجانيقا، مانحة البلاد وفرة مائية وأرضا خصبة كافية لإطعام مليارين من البشر، وطاقة كهرومائية كافية لإضاءة القارة بأكملها.

 

هذه الثروات المتنوعة أسالت لعاب الدول الكبرى، والشركات العابرة للقارات، والمستثمرين المتوسطين والصغار، والذين لا يزالون يتوافدون على البلاد من مختلف أصقاع العالم. وإذ عرفت البلاد منذ بداية القرن العشرين حضورا غربيا قويا، فقد صارت في العقد الأخير وجهة استثمارية مهمة للصينيين والهنود، كما للأتراك والإيرانيين، بينما يبقى العرب غائبين بشكل شبه كلي عن دولة تعد خزان العالم ومستقبله.

 

الوضع الاجتماعي

ورغم كل هذه الثروات الطبيعية، والاستثمارات الأجنبية الضخمة، فإن 75% من الكونغوليين يعيشون تحت عتبة الفقر، بمتوسط دخل أقل من دولارين في اليوم، ومتوسط مدى حياة أقل من خمسين سنة، وهم محرومون من الخدمات الأساسية، كالكهرباء والصرف الصحي والتعليم والتطبيب، حيث لا تزال أمراض كالملاريا والتيفوئيد تودي بحياة مئات الآلاف من الأطفال سنويا، كما أن آلاف الأطفال يعرضهم الفقر لحمل السلاح ضمن مجموعات متمردة شرق البلاد.

 

الكنيسة الإنجيلية الكبيرة في كينشاسا (الجزيرة)

الدين

تعد الكونغو واحدة من أكثر المجتمعات تدينا، بأغلبية مسيحية كاثوليكية وبروتستانتية، ما فتئت تنقسم على نفسها دينيا، كان آخرها كنائس "اليقظة" التي انتشرت في العقد الأخير، وصار عددها يتجاوز ثلاثة آلاف كنيسة في كينشاسا وحدها، ويتزعمها رجال غريبو الأطوار يدعون النبوة والمعجزات، مراكمين الثروات على حساب بؤس الأتباع، متشبهين في ذلك بالزعيم الديني التاريخي سيمون كيمبانغو الذي ادعى النبوة سنة 1921، غير أنه عكسهم، حيث وظف دعوته للتعبئة ضد الاستعمار البلجيكي.

 

تاريخ مرير

كان استعمار بلجيكا للكونغو مختلفا عن باقي التجارب الاستعمارية، إذ اعتبرت الكونغو وما فيها من شعوب ملكية خاصة لملك بلجيكا ليوبولد الثاني، ليعاني الكونغوليون خلال عقدين من جرائم من شدة بشاعتها استنكرتها دول استعمارية أخرى كبريطانيا وفرنسا، مما اضطر ليوبولد إلى تسليم الكونغو إلى الحكومة البلجيكية، التي ستقود بدورها أربعة عقود من الاستغلال والقمع الممنهجين، انتهت بإعلان استقلال الكونغو سنة 1960 إثر ثورة شعبية قادها الزعيم الوطني لومومبا، الذي قتل بعد فترة قصيرة، وهو ما أدخل البلاد بعدها في نفق من الاضطرابات، إثر انقلاب قاده الزعيم القومي موبوتو، الذي حكم البلاد ثلاثة عقود، واتخذ خلالها إجراءات راديكالية ضد الأجانب، فانتهت البلاد إلى انهيار اقتصادي، أعقبه انقلاب يقوده لوران كابيلا سنة 1997، وقتل بعد أربع سنوات، فيخلفه ابنه جوزيف كابيلا الذي لا يزال يحكم إلى اليوم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

مزيج ثقافي من العراقة والغرابة

مزيج ثقافي من العراقة والغرابة

 قبل أن أزور الكونغو قرأت أنها أكبر دولة فرانكفونية من حيث عدد السكان، فتوقعت أن تكون الفرنسية هي اللغة السائدة، مثلما هي الحال في بلداننا المغاربية، ولكن الأمر لم يكن كذلك.

 

كان كريستيان يتحدث مع الناس طول الوقت "باللينغالا"، لكن حين دخلنا إحدى الإدارات تحدث بلغة مختلفة، عرفت من خلال شبهها بالعربية أنها السواحيلية. إنها تعطي لصاحبها الهيبة والاحترام في الإدارة، كما يقول كريستيان (اسم مستعار)، وهو خبير اقتصادي يعمل سكرتيرا عاما في منظمة أجنبية تعنى بمشاريع التنمية البشرية.

 

ويواصل كريستيان حديثه "اللغة السواحيلية لها هيبتها لأنها لغة الرئيس، وحاشية الرئيس، وقادة الجيش، وجل المسؤولين الكبار؛ فجلهم أتوا قبل 15 سنة من شرق البلاد، متمردين على سلطة موبوتو، فأخذوا الحكم ووزعوا المناصب فيما بينهم، وحلوا في هياكل الدولة، وحلت معهم لغة أهل الشرق السواحيلية، بعدما كانت اللينغالا هي لغة السلطة، واللغة الرسمية للجيش أيام الرئيس موبوتو، وهي لغة قياسية وضعها البلجيكيون، وهي هجينة بين الفرنسية واللغات المحلية السائدة غرب البلاد.


وإلى جانب اللينغالا والسواحيلية هناك الليتشوبا، وهي لغة أهل كاساي منبع الألماس، والكيكونغو لغة سكان مصب نهر الكونغو أو الكونغو السفلية، حيث ظهرت مملكة الكونغو قبل 17 قرنا، ويرى أهل هذه اللغة أنفسهم الأصل، إنها اللغات الأربع الرسمية إلى جانب الفرنسية. لكنها ليست الوحيدة.

 

فالكونغوليون يتحدثون أكثر من مئتي لغة، وأكثر من مئتي لهجة، بعضها لغات واسعة الانتشار يتحدثها الملايين من الناس، وبعضها لغات يتحدثها بضع مئات فقط، مثل لغة قبيلة لونزو، ويتحدثها ثلاثمئة شخص فقط، وهناك أيضا لغات خاصة فقط بزعماء بعض القبائل، ولغات أخرى خاصة بكهنتها، ويورثونها عموديا لأبنائهم؛ في ثراء لغوي يتماهى مع ثراء الأرض الطبيعي.

 

استعملت القبائل القديمة الأقنعة المختلفة للعب أدوار معينة في الرقصات والعروض التمثيلية (الجزيرة)

تاريخي مغيب

قبل وصول البلجيكيين إلى الكونغو وصل العرب، وقبل العرب وصل البرتغاليون في القرن الـ16، وحينها لم يجدوا بشرا بدائيين، بل وجدوا مملكة الكونغو العظيمة، التي يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن الرابع الميلادي، والتي كان نظامها فدراليا، حيث تتكون من أربعة أقاليم تتبع إقليما مركزيا حيث الملك.

 

وكانت تدار البلاد بنظام إداري متطور، فكل إقليم كان ينقسم إلى سبعة أجزاء تسمى "كينكوسو"، وكل كينكوسو يتكون من فروع تسمى "كيمبوكو"، التي بدورها تنقسم إلى عدة "كيكاييي"، وهذه الأخيرة تتكون من عدد كبير من "الكيفوكو"، وكان هناك نظام ضريبي قائم على عملة تسمى نزيمبو، ونظام عسكري، كما كانت لديهم اتفاقيات تجارية مع الشعوب المجاورة وشعوب بعيدة كالبرتغال والعرب.


وكان سكان مملكة الكونغو حرفيين ماهرين، يحيكون المنسوجات ويزخرفونها بالألوان والأصداف والأحجار المصقولة، ويفصلون منها ملابسهم وأفرشتهم وخيامهم، وكانوا ينحتون الأخشاب ليصنعوا منها أثاثهم وتماثيلهم، ويذيبون النحاس والحديد لصناعة أدوات مختلفة.

 

وكانوا متطورين فنيا، حيث صنعوا آلات وترية وإيقاعية متنوعة، وصمموا رقصات وعروضا تمثيلية، كما كانت لديهم أعياد ومناسبات، وطقوس دينية يقدسون فيها حكمة أجدادهم، وكانوا يدخنون بأدوات شبيهة بالأرجيلة العربية والغليون الأوروبي.

 

ولعل هذه المظاهر الحضارية هي ما دفع الرحالة ويليام شيبارد سنة 1889 إلى وصف قبيلة كوبا الكونغولية بأنها أحد أكثر الشعوب تحضرا في العالم.

 

نساء يرقصن في عزاء كأحد طقوس الموت في الكونغو الديمقراطية (الجزيرة)

مسيحيون بثقافة إسلامية 

في إحدى الأمسيات طلب مني الكولونيل أن أشرح له معنى كلمات مكتوبة في تميمة كان يعلقها في رقبته، فكانت الكلمات أسماءَ الله الحسنى، فأخبرته بمعناها، وأنها إسلامية المصدر، وتوقعت أنه لا يدري، لكنه أجابني بأنه يعرف أنها إسلامية، فاستغربت، ثم زاد استغرابي حين حكى لي: أنا في الأصل مسلم، كنت كذلك إلى اليوم الذي قطعت فيه عدة كيلومترات لحضور صلاة العيد، وهناك سُرق حذائي، وكان جديدا، فعدت أدراجي حافيا وغاضبا وحزينا، وقررت يومها أن أكف عن الذهاب للمسجد، وأن أذهب إلى الكنيسة، وكان عمري حينها 16 عاما.

 

وطلب مني طلبا غريبا: أريدك أن تقرأ لي سورة من القرآن لا أذكر اسمها، لكن لحنها مميز جدا، إذا سمعتها سأعرفها، وبعد بضع محاولات وجدناها، وكانت سورة الرحمن، فقرأتها له مرة، ثم طلب مني أن أعيدها، مرة ومرتين، وقد ترك ذلك في نفسي أثرا عميقا.

 

في الكونغو لا يكفي أن يكون اسم شخص ما مصطفى أو عبد الله ليكون مسلما، وليس غريبا أن تقابل قسا مسيحيا اسمه مصطفى أو عبد الرزاق، كما ليس غريبا أن تضع امرأة مسيحية الحجاب، أما الخنزير والخمر فحرام عند المسلمين والمسيحيين على حد سواء، و"السلام عليكم" تحية الجميع مسلمين ومسيحيين. وأكثر من كل هذا، فإن ذكرت النبي محمد فأضاف أحدهم "صلى الله عليه و سلم"، فلا تجزم بأنه مسلم، لأن المسيحيين أيضا يصلون عليه.

 

إنها ثقافة الناس في شرق الكونغو، حيث كان الإسلام حاضرا بقوة في حياتهم لقرنين من الزمن، قبل أن يتحول جزء كبير منهم إلى المسيحية، سواء بسبب عمليات التنصير الممنهجة، أو بسبب الصدمة الحضارية التي جعلت الناس يلتحقون بالمتغلب، لكن دون أن تختفي فيهم ثقافة الإسلام.

  

يرقات حية للبيع كوجبات طعام شعبية  (الجزيرة)

أطباق من وحي الأدغال

كنت في السوق حين اقتربت من سلة لأتفحص محتواها، وقد توقعت أنها نوع من القطاني، غير أنها كانت يرقات مجففة، أما سعرها فأغلى من اللحم بكثير، يبدأ من 15 دولارا، وقد يصل إلى خمسين دولارا. إنها وجبة فاخرة ليست في متناول الجميع، تلتقط اليرقات من الغابات، وتنشر على الأرض لتجف، أو تباع حية طرية، وتصلح للأكل جافة أو مطبوخة مع المرق.

 

وفي السوق نفسه، غير بعيد عن اليرقات، كانت هناك كائنات لم تتوقع أن يأتي عليها حين من الدهر تصير فيه مأكولة، بعد أن عاشت ملايين السنين تفترس غيرها، إنها التماسيح، وتباع حية أو مقطعة، ولا ينصح بشرائها حية، لسبب وجيه طبعا.

 

ومن الأطباق المميزة أيضا لدى الكونغوليين جلود فرس النهر، والسلاحف، والشامبانزي المشوي، لكن هذا الأخير أقلع عنه الناس مؤخرا، للاشتباه بنقله عدوى إيبولا.

 

وفي كتاب "شبح الملك ليوبولد" يذكر آدم هوتشيلد أن القبائل الكونغولية كانت تعيش أساسا على تربية الأنعام والدواجن والزراعة، لكن المستعمر البلجيكي دفع كثيرا منها للعيش في حالة هروب دائم متوغلة باستمرار داخل الغابات، مما اضطرها إلى تغيير عاداتها الغذائية.

 

تماسيح للبيع في السوق، تباع حية أو مقطعة (الجزيرة)

عادات مشتركة

وفي سياق الحديث عن الأشياء المشتركة بين العرب والكونغوليين، أخبرني باكا -وهو موظف حكومي في الخمسين من العمر- أنه كان لجدي 12 زوجة، وأضاف أنه "رغم أن تعدد الزوجات ممنوع في القانون الكونغولي الذي وضعه الأوروبيون فإننا متشبثين بتقاليدنا الأفريقية، ويندر أن تجد رجلا غنيا مكتفيا بزوجة واحدة، ولتفادي المنع القانوني يلجأ الرجل إلى تسجيل زوجته الثانية أو الثالثة لدى قبيلته.

 

وللقبائل في الكونغو -كما في غيرها من الدول الأفريقية- استقلالية نسبية تراعي خصوصياتها الثقافية، فما لا يجوز في القانون الرسمي للبلاد يجوز في قوانين القبائل، وبدا لي أن ظاهرة التعدد هذه يمكن أن تكون أرضية مشتركة صلبة تجمع العرب والكونغوليين.

 

لكن أكثر التقاليد فرادة لدى الكونغوليين ما أخبرني عبد الله نزامبالا -وهو ممثل كوميدي معروف في كينشاسا- بأن لديه عرضا كوميديا في المساء، ودعانا لتصويره إن أحببنا، وحين سألته عن مناسبة العرض، أخبرني أنه عزاء. فحين يموت أحد الكونغوليين يبكي عليه أهله في الصباح، لكن في المساء يحضرون فنانا فكاهيا فيضحكون ثم يأكلون ويشربون، فيشغلون الموسيقى ويرقصون. وهم بذلك يعتقدون بأن ميتهم يشاركهم الفرح والضحك.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

الكونغو.. الثرية الجائعة لأجل السلام

الكونغو.. الثرية الجائعة لأجل السلام

 في مناسبة أعياد الميلاد سنة 2000 لم تتمكن شركة سوني اليابانية من تزويد السوق بكمية كافية من لعبتها الجديدة "بلاي ستيشن 2" فاعتذرت لزبائنها الغاضبين عن عدم تلبية طلباتهم، بسبب نقص حاد في معدن لم يكن للناس به عهد من قبل وهو "الكولتان"، وأرجعت سبب ذلك النقص إلى الحرب الدائرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

 

والكولتان معدن نادر يستخدم في صناعة المفاعلات النووية ومحركات الطائرات والصواريخ والأجهزة عالية الدقة، ويمتاز بكونه لا ينصهر إلا عند درجة ثلاثة آلاف مئوية، أما جمهورية الكونغو الديمقراطية فهي الدولة التي تملك 80% من الاحتياطي العالمي المكتشف من هذا المعدن.

 

تقول لوسانج لوسيكو رئيسة تحرير جريدة Le souverain "في تلك السنة كان الجميع يتحدث عن الكولتان، كانت عشرات الشاحنات تخرج يوميا محملة بأطنان منه، وتضاعف سعره عشر مرات، فتضاعفت ثروات أمراء الحرب، أما السكان فتضاعفت فقط أعداد القتلى والنازحين منهم".

 

حي صفيح في كينشاسا أكثر الأحياء فقرا، في بلد فقير أصلا (الجزيرة)

كفارة أكل اللحم

يعمل كريستيان سكرتيرا عاما في منظمة أجنبية تعنى بمشاريع التنمية البشرية، ويتقاضى أربعمئة دولار في الشهر. قلت له "راتبك جيد بالنظر إلى متوسط الدخل في البلد"، فوافقني الرأي ثم أضاف أنه مع ذلك لا يصمد أمام الغلاء الجنوني في كينشاسا، كنا في السوق نتفقد حزمة أخرى من الأرقام، أو الأسعار.

 

كيلو الطماطم بـ15 دولارا، الخس بـ19، البطاطس بسبعة دولارات، البرتقال بعشرة، الجزر بدولار واحد، للحبة الواحدة. في السوق الشعبي لا يشتري الناس بالكيلو إنما بالحبة، ومعظمهم يشترون حبة أو حبتين من كل نوع، حتى الفواكه الاستوائية التي تنبت من تلقاء نفسها في كل مكان هنا أسعارها مرتفعة "وكأنها مستوردة".



قلت لكريستيان فوافقني "بالفعل هي مستوردة، فالمكان الذي تأتي منه لا تربطه أي طريق بالعاصمة، ونقلها من هناك أصعب من نقلها من برازافيل مثلا".

 

أما السكن فأجرة الشقة الفاخرة تصل إلى عشرة آلاف دولار، ومتوسط سعر شقة بثلاث غرف 2500 دولار، أما الغرفة الصغيرة المفروشة فبألف دولار، لم أعلم أني كنت أتجول في إحدى أغلى المدن في العالم، أغلى حتى من لندن ونيويورك وباريس.

 

يستأجر كريستيان غرفة بمئتي دولار، والباقي يذهب جله للأكل، والطبق الرئيسي في الأغلب يتكون من الفوفو وأوراق المانيوك المهروسة وأحيانا مرق السمك، والأصل وجبتان في اليوم، وهناك من يكتفي بواحدة.


كنت أسأل كريستيان عن نمط عيشه حين قال لي "حري بك أن تسأل عن أولئك الذين راتبهم خمسون دولارا، وأشار إلى شرطي مرور في الشارع".

 

عدنا أدراجنا، وعند باب المؤسسة سألني كريستيان عن الحارس "هل تعرف كم راتب هذا الرجل؟ إنه 150 دولارا، هل تعرف ماذا كان يعمل في السابق؟ لقد كان ممرضا".

 

ويحكي يوسف -وهو حارس المؤسسة- "كان ابني الأكبر يعينني على مصاريف العيش، لكنه توفي قبل أشهر، وحينها لم أستطع دفع الإيجار، مما اضطرني للبحث عن عمل آخر".

 

عند العشاء خطر ببالي ما إذا كان يسع يوسف -مثلا- أن يحضر لأسرته لحما على العشاء، فشاركت كريستيان أفكاري فقال "نعم يستطيع، لكن غالبا سيضطر وأسرته إلى صيام ثلاثة أيام لتعويض عجز الموازنة". أجابني وسكت برهة، ثم أضاف "إنها كفارة أكل اللحم هنا".

 

يفضل كثير من الناس نقل بضائعهم على عربات يجرها الرجال لرخص التكلفة (الجزيرة)

الأغنى بالموارد

هي أسعار موجهة لأقل من 2% من الشعب، وحوالي نصف مليون من الأجانب -منهم قوات حفظ السلام ودبلوماسيون وموظفون- برواتب عالية، فضلا عن رجال أعمال من كل أنحاء العالم اختاروا الاستثمار في بلد يوصف بكونه الأغنى من حيث الموارد الطبيعية.

 

في فبراير/شباط 2009 قدرت مجلة "أفريكان بيزنس" المتخصصة أن احتياطي الكونغو الديمقراطية من المعادن غير المستغلة 24 تريليون دولار، وهو ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2009 لكل من الولايات المتحدة والصين واليابان، أو ما يقارب ثلث الناتج الإجمالي العالمي لسنة 2014 الذي يقدر بـ77 تريليون دولار.

 

تمتلك الكونغو الديمقراطية نصف احتياطي العالم من الكوبالت، وثلثه من الألماس، وعشره من النحاس، وتمتلك 13% من طاقة العالم الهيدروليكية، وهو ما يكفي لإضاءة أفريقيا جنوب الصحراء كلها، وتمتلك أيضا سادس احتياطي من الخشب، وأراضي زراعية قادرة على توفير الغذاء لمليارين من البشر.

 

غير أن الأرقام أعلاه لا تنعكس على حياة الناس، فالناتج الإجمالي المحلي حوالي 35 مليار دولار، أي أقل من نصف الرقم المسجل في دولة صغيرة مثل كوبا، وحصة المواطن السنوية من هذا الناتج سبعمئة دولار، وهذا الرقم قريب من ذاك المسجل في الصومال، والمحصلة أن 71% من الشعب يعيشون تحت خط الفقر، و27% يعيشون على أقل من أربعة دولارات في اليوم، فيما 2% فقط خارج دائرة الفقر.

 

على بعد خمسين كيلومترا من كينشاسا في منطقة تسمى كاسانغولو وقفنا داخل أحد المناجم بدا لي ضخما جدا، هذا المنجم أصغر بمئة مرة من مناجم كاطانغا العملاقة، وقال لنا مديره "في السابق كان يستخرج منه الألماس، لكنه اليوم يصلح فقط لاستخراج الحجر، ويريد صاحبه بيعه بخمسين مليون دولار فقط".

 

وفي طريق عودتنا إلى كينشاسا توقفنا قليلا في القرية، وكان آخر شيء يمكن للمرء تخيله وهو يتأمل حال الناس هو أنه على بعد مئات الأمتار فقط توجد مناجم تدر على أصحابها ملايين الدولارات. 

 

كان كريستيان يقلب صفحات التقارير الدولية ويشرح لي النكبة التي حلت ببلده فقاطعته "تبدو مغارة علي بابا خاصتكم واسعة جدا"، ليجيبني "الأمر لا يتعلق بمغارة، الأمر هنا يتعلق بثقب أسود يبتلع بلدا بأكمله".

 

بسبب غياب الجسور والطرق الرابطة بين المدن الرئيسية يعتمد على عبارات متهالكة في قطع نهر الكونغو (الجزيرة)

سلام مكلف

في السابق لم يكن الناس يعرفون الغلاء، وبعد الحرب ومع بدء إحلال السلام بدأت المناجم تتوسع، وفروع الشركات تنتشر، والعقار يزدهر، والفنادق تستقبل رجال الأعمال الأجانب فتفاءل الناس واستبشروا كما يقول جون جاك ووندو.

 

لكنه يضيف "كنا نتوقع أن تتحسن حياتنا، لكنها كانت تسوء، ولم نكن نفهم ماذا يجري وأين تذهب الثروات؟ ثم اكتشفنا أن السلام الذي فرحنا به كان بندا واحدا من بين عدة بنود في صفقة لم يكن الشعب طرفا فيها، فقط: الجيش والشركات العالمية، وكانت تقايض الثروة بالسلام، والسلام مقابل السلطة، ولأن عدد الذين قتلوا في الحرب تجاوز عشرة ملايين إنسان وافقنا، ولم نعلم أن المقابل الذي سندفعه لأجل السلام هو ثروة بلدنا كلها".



"هل من أفق؟" سألت جون جاك، فقال "المشكلة هي أنه بدل أن يعم السلام صار عدد الفصائل المتمردة أكثر من سبعين فصيلا بعدما كانت بضعة فصائل فقط، وصار عدد قوات حفظ السلام 23 ألفا بعدما كان ستة آلاف قبل 15 سنة، ويبدو أننا عالقون".

 

"إنه سلام مكلف" قلت لجون جاك، فقال لي "سلام مكلف نعم، لكنه بالنسبة لمعظم الناس أقل تكلفة من الحرب"، فخطر ببالي أن الثقب الأسود لم يبتلع البلاد فقط، وإنما نزع من قلوب أهلها حتى الأمل، والأمل أغلى ما يمكن للمرء فقدانه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

الفساد.. الثقب الأسود في الكونغو

الفساد.. الثقب الأسود في الكونغو

 أخبرني القنصل في سفارة الكونغو أن الفساد صار جزءا من الماضي، وبأن التأشيرة ستسلم خلال ثلاثة أيام، والتي امتدت إلى عشرة أيام، استلمت التأشيرة وسألت القنصل عن البطاقة الصفراء فأخبرني بأنها لم تعد ضرورية، وحين وصلت سألني ضابط الجوازات عنها فأخبرته بما أخبرني به القنصل، فرد علي "إنه بعيد هناك، فكيف له أن يعرف ماذا يجري هنا؟" فقلت لنفسي مرحبا بك في كينشاسا.

حين سألت الخبير الاقتصادي كريستيان (اسم مستعار) الذي يعمل سكرتيرا عاما في منظمة أجنبية تعنى بمشاريع التنمية البشرية عن الفساد لم أتوقع أن يعود بي نصف قرن إلى الوراء.

 

فقال إنه في سنة 1966 أقر البرلمان قانونا يلغي الملكيات المسجلة قبل الاستقلال، وكانت جل الأراضي ملكا للأجانب، وبعد سبع سنوات أعلن الرئيس موبوتو أن "الأرض وما تحتها ملك للدولة" فأممت ممتلكات الأجانب، وتعرضت البلاد لمقاطعة الغرب فاختنق الاقتصاد وعجزت الدولة عن دفع الرواتب.

 

خطب موبوتو في الشعب "الموظفون يأخذون رواتبهم مباشرة من الشعب، فصار المواطن يدفع مقابل أي خدمة إدارية، والمعلم يستلم راتبه من آباء التلاميذ، والجندي يمر في السوق ويتناول ما يشاء".

 

 ويقول عقيد سابق "في ذلك العهد كان راتبنا عشرة دولارات فكنا ننام نهارا، ونترصد الناس ليلا، فإذا مر أحدهم نأخذ ماله". "لقد كنا مشردين" قالها فدمعت عيناه، ثم استرسل "ولما جاء كابيلا صرنا نتقاضى مئة دولار، وحينها شعرنا بالاحترام أمام الشعب، ومع مرور الزمن تبدلت الأحوال وغلت المعيشة فعاد الموظفون يعتمدون على الرشوة، أما كبار الموظفين -خصوصا العسكريين- فقد أغدقت عليهم الدولة الامتيازات حتى تأمنهم".

 

على ضفة نهر الكونغو الساحر هممت بالتقاط صورة لشجرة رائعة الجمال فإذا بجندي يجري نحوي "هذه شجرتي، لا تصورها". فسألته "إنها تبدو أكبر منك عمرا فكيف تكون شجرتك؟". فأجابني "لقد زرعتها وأنا صغير".

 

تبادلت معه أطراف الحديث فأخبرني بأن راتبه 46 دولارا. طلب منه مرافقي أن يلتقط له صورة مع سلاحه فوافق وهم بإعطائه له قبل أن أمنعه لخطورة ذلك عليه وعلينا، ثم ودعناه وأنا أتساءل كيف لجندي بائس أن يحمي وطنا؟. وتذكرت العقيد حين أخبرني بأن الموظف والجندي الكونغولي يراد لهما أن يظلا مشردين حتى لا يجد البلد من يحميه ولا تجد القوانين من يطبقها.

 

مظاهرة لأحزاب المعارضة ضد الرئيس الكونغولي كابيلا احتجاجا على أوضاع البلاد السيئة (أسوشيتد برس)

22 على سلم الفساد

في تقرير منظمة الشفافية الدولية تحتل الكونغو الرتبة الـ22 على سلم الفساد، قرأت ذلك ولكن لم أدرك معناه إلا حين زرت البلاد.

 

"عندكم فاتورة بألف دولار لم تسدد بعد" قالها موظف شركة الكهرباء فطلبت منه أن يعود لاحقا حتى نستفسر عن الأمر،
ثم اكتشفت أن كثيرا من الناس لا يدفعون فواتير الكهرباء، وحين يأتي الموظف لقطعها يدفعون له بضعة دولارات فيعود أدراجه.

 

وإذا تضخمت الفواتير المستحقة يذهب صاحبها إلى الشركة ويرشو المسؤول ليلغي الخط القديم ويفتح له خطا جديدا باسم آخر، وهكذا تتراكم الديون على شركة الكهرباء فلا تتمكن من تحسين خدماتها، ولعل هذا ما يجعل الكهرباء في متناول 10% فقط من الشعب.

 

وبهذا الخصوص زرت بلدية الحي وقابلت رئيسها فأخبرني بأن دخل البلدية للشهر السابق كان أربعين دولارا فقط، الدولة لا تدفع رواتب حقيقية للموظفين فيعيشون على دخل المؤسسات التي يعملون فيها، وهكذا وضع جميع الإدارات.

 

أين اختفى فلان؟ سألت كريستيان عن زميل له فأخبرني أنه حصل على فرصة ليكمل دراسته الجامعية في الخارج، "لكنه في الخمسين من العمر!" قلت له مستغربا، ولم أكد أصدق ما حكاه لي "الأمر بسيط جدا، لقد ذهب إلى الأحوال المدنية وغيروا تاريخ ولادته في كل الوثائق الرسمية ليصير عمره 25 سنة"، وحين أراد أن يدفع للمسؤول قال له "احتفظ بمالك فستكون بحاجة له هناك". لقد صار الوضع في الإدارة أقرب للتكافل منه إلى الفساد.

 

بدا لي كلام كريستيان وجيها، فماذا تعني بضعة دولارات تقدم لموظف تحت خط الفقر، بينما ملايين الدولارات تتطاير في الأعالي.

 

العملة المحلية في الكونغو تدنت قيمتها كثيرا بسبب انهيار الاقتصاد (رويترز)

الفساد في الأعالي

في لقاء مع رجل أعمال صيني سألته عن أشكال الفساد في عالم المشاريع الكبرى فحكى لي أن مستثمرا صينيا اهتم بدخول الكونغو، وبدل أن يتوجه إلى وزارة الاستثمار توجه مباشرة إلى رئيس الدولة واجتمع به في طائرته الخاصة التي حلقت فوق منجم ذهب يريد الاستثمار فيه، وهناك في الأعالي عقد الاتفاق، الرجل الصيني يحصل على المنجم، والرئيس يحصل على 22 % من الأرباح، لم أكد أصدق فضحك الصيني وقال "إنها مسألة شخصية، فما دخل الدولة فيها؟".

 

ثم أخبرني أن مشروع الطريق السريع الذي عقدته الحكومة مع شركة صينية بعقد قدره مئتا مليون دولار، كان هو الوسيط فيه، فالمشاريع الضخمة هنا لا تعتمد طلبات العروض وفتح المغلفات، وإنما تعتمد بالأساس على الوساطة، كم ستقدم الشركة للمسؤولين؟ هذا هو السؤال، وفي هذه الوساطة حصل الرجل على 0.5% من التكلفة الإجمالية للمشروع، أي مليون دولار.  

 

وفي 2011 باعت الحكومة الكونغولية لرجل الأعمال الإسرائيلي دان غرتلر 25% من شركة جيكامين التي تعتبر رئة الدولة، فصرح وزير المعادن بأنه لم يخبر ولم يستشر بشأن هذه الصفقة الكارثية، أما صندوق النقد الدولي فقد ألغى قرضا للكونغو بقيمة 532 مليون دولار بعدما عجزت الحكومة عن إثبات جدوى الصفقة.

 

وفي 2006 باعت الحكومة اثنين من حقول البترول بقيمة خمسمئة ألف دولار، "إنهما أرخص من بعض الفيلات في كينشاسا" قال كريستيان، وأكمل "وبعد ست سنوات اشترت الحكومة الحقلين بـ194 مليون دولار، أي أغلى بـ380 مرة من سعر البيع".

 

ويقول جبريل وبعدما كثرت الانتقادات الموجهة للحكومة تفتق ذهن المسؤولين عن حل جذري  بدل أن يسأل العالم: أين تذهب الثروات؟ فلنقل إنها نضبت أو إنها لم تكتشف أصلا. وهكذا صارت شركات تنقيب خاصة تابعة لرجال أعمال محددين تكتشف ثروات جديدة، ومن دون أن تعلن رسميا يتم استخراجها وبيعها لكن خارج إطار الدولة.

 

وقبل أن يزودني  بتحقيق صحفي أعده باتريك فوريستيي عن تهريب اليورانيوم في إقليم كاطانغا قال لي جبريل "العالم كله مساهم في استمرار الفساد في هذه البلاد، لأنها الطريقة الوحيدة التي تمكنه من الاستمرار في سرقتها".

 

يكشف التحقيق الصحفي حقائق كثيرة، أبسطها أن الأجهزة المستعملة بالكشف عن خام المعادن غير فعالة أو غير حقيقية، وأخطرها أن مناطق شاسعة مغلقة من طرف الجيش، ويتم استغلال ثرواتها من طرف العصابات بالتعاون مع شركات عالمية.

 

"علينا أن نبقي المقابلة عامة، فموضوعنا هو دور الوكالة في تنظيم تجارة اليورانيوم" قاطع مسؤول التواصل في الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصحفي باتريك حين سأل عن تهريب اليورانيوم في الكونغو.



وفي نهاية المقابلة سأل الصحفي "هل أستطيع مقابلة خبير متخصص في حالة الكونغو؟" ليجيبه المسؤول "لا، الكونغو موضوع لا نستطيع الحديث عنه".

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

العمل "نبيا" مهنة تدر الملايين

العمل "نبيا" مهنة تدر الملايين

كنت أتجول في كينشاسا حين رأيت لوحة ضخمة تعلن عن محاضرة دينية، يقدمها "النبي باراكا نغوشو" فسألت مرافقي "هل يسمي الكونغوليون أبناءهم باسم نبي"؟ فأجابني "لا، إنه ليس اسما وإنما صفة". ويعني أنه نبي يُوحى إليه.

 

يسأل مدعي النبوة صائحا "هل قررت السحرة هذه الليلة قتلكم؟ سأنزل الصواعق على مخابئهم قبل أن يؤذوكم، باسم يسوع القادر، فلتغادر أرواح الموت أجسادكم". فتهتز القاعة وتمتلئ بصياح الأتباع، وهم يصلون، ويتمرغ بعضهم على الأرض ويغمى على البعض.

 

وفي مهرجان ديني آخر، يقف أتباع أحد أشهر "أنبياء" الكونغو "باسكال موكونا" في صف طويل، بينما يخطب فيهم نبيهم "ادفع عشرين أو خمسين دولارا، وإن لم يكن بوسعك فخمسة دولارات، أعط ما تستطيع، أعط من مالك للرب وإن كنت فقيرا، وإن لم تعط فستصير أكثر فقرا". فيمر الأتباع الواحد تلو الآخر يضعون في سلة ما استطاعوا، ويحظون بلمسة اليد للمباركة. يروج لنفسه على أنه نبي حقيقي، يتنزل عليه الوحي، ويأتي بالمعجزات، ويشفي المرضى، ويبطل السحر، ويطرد الأرواح من الأجساد.

 

يدعي موكونا أنه قبل 15 سنة أخبره الوحي بأنه نبي، وهو اليوم يمتلك 130 كنيسة، في كل واحدة منها نبي مبتدئ، يدفع 10% من دخله الشهري لزعيمه، ويقدر أتباع كنيسته في كينشاسا وحدها، بمئة ألف شخص، وقد صار باسكال موكونا اليوم مليونيرا، بعدما كان صحفيا متواضعا.

 

تجارة الرموز الدينية رائجة بقوة في الكونغو ذات الأغلبية المسيحية (الجزيرة)

مشهد مألوف في كينشاسا، ويتكرر في ثلاثة آلاف كنيسة، انتشرت في العقد الأخير لتملأ كل الشوارع والأزقة، إنها كنائس اليقظة، المتفرعة عن الكنيسة الخمسينية البروتيستانتية، التي تؤمن بأن كل مسيحي بإمكانه أن يصير نبيا.

 

ولكي يصير نبيا، يجب أن يمتلك معجزات المسيح، فيشفي المرضى، ويكلم الملائكة، ويكلمه الرب مباشرة، وهذه الأخيرة هي المفضلة لدى الأنبياء، ولدى أتباعهم، وهي الكفيلة بجعل مئات الآلاف منهم  يتبرعون بأموالهم. كما يقول الأستاذ هود، الذي يضيف "لقد صار ادعاء النبوة مهنة من لا مهنة له".

 

في عام 1921، رأى سيمون كيمبانغو "رؤيا مقدسة"، أمرته بعلاج المرضى، فصار يدّعي هو ويدّعي أتباعه أنه "يعالج العميان والصم والبكم والمعاقين، وصار أيضا يحيي الموتى". فلقبه الناس بالمسيح، وصاروا يحجون إليه بالآلاف، وحين خشي البلجيكيون منه، منعوا نشاطه، فزاد التفاف الناس حوله، وبعد بضع سنين صارت الكيمبانغية ديانة جديدة، وصار اسم قريته الصغيرة نكامبا "القدس الجديدة"، ثم حرّم الخمر والتدخين والخنزير والقردة والرقص والسحر والتعدد والتنورات، في شريعة أشبه بخليط من المسيحية والإسلام، واليوم تعد الكيمبانغية ديانة رسمية، ويقدر أتباعها في وسط أفريقيا بنحو 42 مليونا.

 

ويقول الباحث في العلوم الاجتماعية جون ووندو "ينص دستور جمهورية الكونغو الديمقراطية على أنها دولة علمانية، لكن شعبها -في المقابل- أحد أكثر الشعوب تدينا، والدولة تشجع هذه الظاهرة". ويفسر ذلك "أن هذه الكنائس تقنع الناس بأن حياتهم الحقيقية تنتظرهم في الآخرة، أما حياتهم الدنيوية فحري بهم أن يعرضوا عنها، وإن مرضوا فعليهم الذهاب إلى النبي بدل الطبيب، وإذا فقدوا عملهم أيقنوا أنه نتيجة سحر وليس نتيجة ظلم مشغِّلهم؛ إنها كنائس تخدير وليست كنائس يقظة".

 

ولأنهم يعدون بالآلاف، فالأنبياء يحرصون على التميز؛ فقد سمعت ذات صباح غناءً وموسيقى فظننته حفلا ليليا، وحين أصغيت كان قدّاسا دينيا، وكانت الأصوات من كنيسة تقيم الصلاة في الفجر.

وذات مساء، دعونا الحدائقي ليشاركنا الطعام، فاعتذر قائلا "أنا من الكنيسة النباتية، بالهناء والشفاء". فقلت في نفسي "إذا كان أتباعك لا يملكون شراء اللحم فأفضل عزاء تقدمه لهم هو أن تخبرهم بأنه حرام أصلا".

 

لكن غرائب الأنبياء تكون أحيانا قاتلة، ففي ليلة رأس سنة 2014 اقتحم 12 شابا ثكنة عسكرية بعدما قتلوا حراسها، وتبادلوا إطلاق النار مع الجنود، فقتل تسعة منهم وقبض على البقية، وأثناء التحقيقات قالوا إن نبيهم أخبرهم أن الرب أذن لهم أن يحكموا البلاد. 

 

أسرة كونغولية مسلمة تتميز اجتماعيا وثقافيا عن محيطها في المجتمع (الجزيرة)

الإسلام.. واقع معقد

سألت الأستاذ هود "كم عدد المسلمين في الكونغو؟" فأجابني "الكونغوليون أصلا لا يعرفون عددهم، فكيف سنعرف عدد المسلمين منهم؟!"  وواصل حديثه "آخر إحصاء أجري كان سنة 1984، وكان عدد السكان حينها ثلاثين مليونا، وعدا هذا الرقم فلا تتوفر سوى تقديرات، وبالنسبة للمسلمين فتقديرات المنظمات الغربية تقول أنهم سبعة ملايين، لكن المسلمين يتفقون على أنهم أكثر بكثير، وأكثر التقديرات اتزانا تقول إنهم 15 مليونا، وهم يتركزون في الشرق".

 

وتعد الكوميكو (الجمعية الإسلامية في جمهورية الكونغو الديمقراطية) الهيئة الرسمية للمسلمين، لكن أثرها في واقعهم شبه منعدم، لضعف إمكاناتها المادية. ويقول محمد (اسم مستعار) "إضافة إلى سوء الإدارة، والفساد، فالهيئة مرتهنة لصراعات مختلف التيارات الإسلامية الحاضرة في البلاد".

 

و يقول محمد -وهو عضو سابق في مجلس الكوميكو- مقر الكوميكو بني على أرض تبرعت بها جمعية التنمية البشرية، وهي مؤسسة سنية، وأما تجهيزه وتأثيثه، فتبرعت به جمعية الرسول الأعظم، وهي مؤسسة شيعية، ويضيف أن "الرئيس الحالي للكوميكو سني وصل بدعم من التيار السني، بينما الرئيس السابق شيعي وصل أيضا بدعم من التيار الشيعي، وهذا يدل على غياب الاستقلالية في المؤسسة".

 

أما التيارات المتنافسة على قيادة المسلمين في الكونغو فهي -في الأساس- التيار الشيعي وتمثله الجالية اللبنانية والإيرانية، والتيار السني وتمثله الجاليات المغاربية والسودانية والتركية، ثم التيار الصوفي وتمثله الجالية الغرب أفريقية، ثم التيار الأحمدي ممثلا في الجالية الهندية والباكستانية.

 

ويقول محمد لمجلة الجزيرة "العرب دوما يأخذون معهم مشاكلهم أينما حلوا؛ فقبل عقد من الزمن، لم يكن الناس يعرفون الفرق بين سني وشيعي، لكنهم اليوم يفعلون، وقبل سنة وصل رئيس سني للكوميكو، فقام الرئيس السابق بتأسيس الكوميشي (الجمعية الإسلامية الشيعية)، وأرسلت أول فوج من الطلبة والأئمة إلى إيران".

 

وبشكل رسمي، هناك مؤسسة عربية واحدة، هي مؤسسة آل مكتوم الخيرية، التي افتتحت قبل 15 سنة، ويدرس فيها اليوم نحو ألف طالب، يحصلون على الكتب واللباس الموحد ومنح للمتميزين منهم، وتعتمد المؤسسة البرنامج الحكومي، بالإضافة إلى درسين اختياريين في اللغة العربية والتربية الإسلامية، كما قامت المؤسسة ببناء مسجد في وقت لم يكن فيه أي مسجد كبير في كينشاسا.

 

وتنشط بعض الجمعيات الإسلامية في مجال التعليم، مثل مدرسة شفق التركية-الكونغولية التابعة لحركة الخدمة بقيادة فتح الله غولن، ويدرس فيها قرابة ستمئة طالب، وجمعية التنمية البشرية المغربية التي تجري عمليات جراحية مجانية، وأنشأت مستشفيين، ولديها مئة فرع في الكونغو.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

"أرض الميعاد".. رواج مبكر في الكونغو

"أرض الميعاد".. رواج مبكر في الكونغو

"أمر ما ليس على ما يرام". هكذا حدثت نفسي، ثم توجهت للسائق: هل أنت يهودي؟ فقال لا أنا مسيحي. جلت ببصري داخل سيارة الأجرة، ثم سألته من جديد "هل الشركة التي تعمل فيها إسرائيلية؟" نظر إليّ مستغربا وقال "لا هذه سيارتي وأنا أعمل لحسابي". فسألته "لماذا إذن تعلق علم إسرائيل؟" فأجابني مستغربا "إنها أرض الميعاد".

 

في كينشاسا رأيت علم إسرائيل أكثر مما رأيت علم الكونغو نفسها؛ على واجهات المحلات، في السيارات، في أيدي الباعة المتجولين، على ملابس الأطفال، ولا يمكنك أن تمضي بضع ساعات في الخارج دون أن تصادف علم "أرض الميعاد".

 

جلست في أحد المطاعم الأنيقة، وكان النادل يتحدث الفرنسية والإنجليزية، ولغة ثالثة كان فخورا بها، إنها العبرية.  قال "تعلمتها في بيت يعقوب، هناك يعمل والدي حارسا". وأضاف "أختي تدرس الآن في إسرائيل، إنها بلاد رائعة أحلم بزيارتها يوما ما". كانت عيناه تلمعان وهو يتحدث عن حلمه الإسرائيلي، وسألته عن صاحب المطعم، فأخبرني أنه تابع لمؤسسة غرتلر الخيرية.

 

شلومو بنطليلة حاخام يهود الكونغو رفقة الرئيس كابيلا  (الجزيرة)

ملك الكونغو الجديد

في يوليو/تموز 2000، اتصل المسؤول الإسرائيل أفيغدور ليبرمان بصديقه ضابط المخابرات يوسي كاميسا، ودعاه إلى اجتماع مهم، بعد بضعة أيام اجتمعا، وكان برفقتهما شخص ثالث.. صديقنا دان يعمل على الحصول على عقد احتكار لتصدير الألماس الكونغولي، لكنه يحتاج مساعدتك، وافق كاميسا على المساعدة، وطلب كتابة عقد رسمي، لكن غرتلر وقف ومد يده لكاميسا قائلا: في مجال الألماس لا نكتب عقودا، وإنما كل شيء يتم بمصافحة.

 

كان دان غرتلر في الـ27 من العمر حين عرض على رئيس الكونغو الجديد شيكا بعشرين مليون دولار، مقابل عقد لاحتكار الألماس. كانت خزينة البلاد فارغة، فاضطر كابيلا لقبول العرض، واشترط أن يحصل على تدريب عسكري من إسرائيل، وكان ذلك.

 

ثم انفضحت القصة، حين رفع كاميسا دعوى قضائية ضد شريكيه، لأنهما استغنيا عنه عندما وجد بديلا أفضل، وكان البديل هو مائير داغان رئيس الموساد نفسه.

 

اغتيل كابيلا في السنة نفسها، فسافر ابنه إلى واشنطن ورتب له غرتلر لقاءً مع جورج بوش، وهناك وقع على العقود التي رفضها والده. كما يقول الصحفي آمبا بودوين. وبعد احتكار غرتلر الألماس، اشترى أهم حقلي بترول في البلاد، ثم 20% من شركة جيكامين الحكومية التي تدير 75% من إنتاج البلاد من المعادن. وفي السنة نفسها، انضم رئيس الكونغرس اليهودي الأميركي وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة "إيباك" جاك روزِن إلى مجلس إدارة الشركة التي توصف بأنها رئة الكونغو.

 

عندما نتحدث عن غرتلر، فإننا نتحدث عن إسرائيل، أخبرني جبريل سيفو النائب البرلماني وتاجر الألماس السابق أن غرتلر حفيد موشي شنيتزر الرئيس السابق لبورصة الألماس الإسرائيلية التي تبيع 50% من ألماس العالم، وتشكل مبيعاتها ثلث صادرات إسرائيل. من هنا يفهم دور غرتلر والجالية الإسرائيلية في الكونغو.

 

في 27 فبراير/شباط 2011، هاجم مئة مقاتل مسلحين بالبنادق الرشاشة والقذائف الصاروخية القصر الرئاسي في كينشاسا. يحكي جبريل أن كابيلا أجرى مكالمة هاتفية في تلك الليلة. وحده الله يعلم ما دار فيها، لكن الناس يعلمون أن المسلحين انسحبوا على إثرها.

 

وبعد أربعة أيام فقط، أقامت منظمة حاباد حفلا بمناسبة مرور عشرين سنة على نشاطها في أفريقيا، وهناك رقص رئيس وزراء الكونغو وآخرون مع كبار أعضاء المنظمة اليهودية الأكبر في العالم، وألقى كابيلا خطاب شكر للجالية الإسرائيلية على ثقتها في بلاده. سألني جبريل: متى يمكن لمنظمة إقامة حفل دولي في بلاد عرفت قبل أربعة أيام محاولة انقلاب؟ ثم أجاب "فقط حين تكون تلك المنظمة وراء محاولة الانقلاب تلك".

 

في "غومبي" أو حي الأعمال في كينشاسا، وعند بوابة "بيت يعقوب"، طلبنا مقابلة الرجل الذي اتصل عليه كابيلا عشية الانقلاب، لكن لم يسمح لنا. إنه الرجل الأكثر نفوذا من غرتلر نفسه، بل إنه صاحب فكرة "غرتلر" نفسها.

 

ولد أصلان بيها سنة 1948 في لومومباشي، وأنهى دراسته في بلجيكا سنة 1973، ليرأس في السنة نفسها شركة أليمكس للتصدير والاستيراد، وسيمضي بعدها أربعين سنة رئيسا لكبريات شركات الألماس، وسيترأس أيضا اللجنة المهنية لتجار الألماس، واتحاد شركات الكونغو (يضم 2500 شركة)، واللجنة الوطنية للمعادن النفيسة، والهيئة الوطنية للاقتصاد والمالية، وفي سنة 2012 عُيّن سفيرا شرفيا لإسرائيل في كينشاسا.

 

وضع علم إسرائيل في السيارة أمر شائع في كينشاسا (الجزيرة )

العودة بعد التيه

وصل اليهود إلى الكونغو بداية القرن العشرين، وتركزوا في لومومباشي عاصمة إقليم كاطنغا الغني بالمعادن، بلغ عددهم ثلاثة آلاف منتصف القرن، وبعد استقلال الكونغو سنة 1960 أعلن مويز تشومبي إقليم كاطانغا دولة مستقلة، لكن لومومبا اعترض، فنسق تشومبي مع الرئيس كاسافوبو حليف بلجيكا، فاعتقل لومومبا وأرسل إلى تشومبي ليقتله.

 

كان تشومبي يهوديا، فخشي اليهود الانتقام، وغادر بعضهم البلاد، وبعد أربع سنوات انقلب جوزيف موبوتو على كاسافوبو، ثم غيّر اسمه إلى سيسي سيكو، واسم الدولة إلى زائير، ومنع ارتداء البذلة الأوروبية، ثم أمّم ممتلكات الأجانب ومنعهم من دخول مناطق المناجم، فغادر باقي اليهود.

 

يواصل جبريل سرده قائلا وبعد سقوط موبوتو سرعان ما عاد اليهود إلى الواجهة؛ فمويز كاتومبي، رجل الأعمال اليهودي، صار محافظا لإقليم كاطانغا، والسنة الماضية رفض استقبال الرئيس كابيلا. متى يمكن لمحافظ أن يرفض استقبال رئيس الدولة؟ سألني جبريل ولم ينتظر جوابي كعادته "فقط حين يكون هذا المحافظ أقوى من الرئيس نفسه"، واستقال كاتومبي ليترشح للرئاسة.

 

قضيت بعض الأيام برفقة بعض الشباب، كان جاك أكثر تدينا، كان ممسكا طول الوقت بالإنجيل، غير أنه يبتعد كلما تطرقنا للحديث عن إسرائيل، أخبرته أنني مهتم بسماع رأيه، فقال لي ضجرا "تلك أرضهم، الرب وعدهم بها"، ثم دخل إلى غرفته. لكن باتريك الذي أمضى جزءا من حياته في أوروبا أجابه صائحا "ليست تلك المشكلة، المشكلة في أنهم حين عادوا إلى أرضهم، أخذوا يقتلون الفلسطينيين" فصاح جاك "لم يفعلوا". فرد باتريك "بلى فعلوا، رأيت ذلك بعيني"،   ثم أضاف مازحا "إذن سأطردك الآن لأن باكونغو أرض أجدادي، بينما أرضك في كيفو، اجمع حقائبك". فضحك الجميع.

 

حاكم كاطانغا مويز كاتومبي أمام كنيس لومومباشي (الجزيرة)

حساب قديم

لم أتمكن من مقابلة أصلان بيها، ولم أحظ برد منه على اتصالاتي، فلجأت إلى قراءة افتتاحياته في صحيفة "كاديما" الصادرة عن بيت يعقوب. وفي إحدى الافتتاحيات كتب "إذا كانت الوطنية تقاس بحب البلاد والعمل فيها، فاليهود كونغوليون قبل غيرهم".

 

لم أفهم كيف يمكن لليهود أن يكونوا كونغوليين أكثر من الكونغوليين أنفسهم، إلا حين طالعت صفحة غابرة من التاريخ.

 

يذكر فوربس مونرو أستاذ تاريخ الاقتصاد في كتابه "الشركات البحرية والإمبراطوريات" أنه عندما أراد ليوبولد الثاني استكشاف أفريقيا، اقترض التمويل من صديقه ليون لامبيرت، وكان ليون مصرفيا كبيرا. وعندما اكتُشفت الكونغو وأراد ليوبولد تأسيس مستعمرته وجد ليون في خدمته، وكان ليون يهوديا من عائلة كوهن، وكان وكيلا لبنك الإخوة روتشيلد في بلجيكا وفرنسا، واستطاع إقناع عائلة روتشيلد بجدوى تمويل مشروع ليوبولد.

 

وعلى موقع الجالية الإسرائيلية في الكونغو ظهر ليوبولد الثالث منحنيا بتواضع أمام ليفي مويز حاخام يهود وسط أفريقيا. تأملت الصورة، فبدا لي شرح كل شيء.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

العرب في ذاكرة الكونغو.. تجار عبيد

العرب في ذاكرة الكونغو.. تجار عبيد

كنت برفقة صديق عربي في سيارة أجرة فأوردت الإذاعة كالعادة خبرا عن الإرهاب، توجه صديقي للسائق مازحا: إذا أخبرتك أني إرهابي، هل ستصدق ذلك؟ فما كان من السائق إلا أن داس المكابح مذعورا قبل أن يفهم أنها مجرد مزحة.

 

وفي يوم آخر تابعت نشرة أخبار لقناة محلية فبثت على التوالي أربعة تقارير حول كل من بوكو حرام، وشارلي إيبدو، وتنظيم الدولة الإسلامية، والشباب المجاهدين.



كان واضحا تركيز الإعلام على الإرهاب في العالم العربي، وكان واضحا أثر ذلك على الناس، ففي دردشة مع رجل خمسيني سألني: لماذا لا تخافون الموت؟ أجبته: ومن لا يخاف الموت؟ فرد علي: أنتم، إنكم لا تخافون الموت، تضعون تلك الأحزمة ثم تفجرون أنفسكم.

 

كنت أتوقع قبل زيارة الكونغو أن أضطر أحيانا إلى شرح كيف أن بوكو حرام لا تمثل الإسلام، لكني لم أعلم أن الإرهاب ليس المشكلة الوحيدة للكونغوليين مع العرب.

 

كنت في السوق حين اقترب مني شاب وسألني عن محتوى وريقة بالعربية فأخبرته أنها طلسم للعشق ونصحته بالتخلص منها فطواها في جيبه بعناية وشكرني وذهب، ثم اكتشفت بعدها أن كثيرا من الكونغوليين يعتقدون أن المسلمين مشعوذون.

 

تعود جذور هذا الاعتقاد إلى بدايات القرن الـ19، يشرح لي عبد الله فوندي -وهو من أسرة عمانية لم تغادر الكونغو زمن الاستعمار- "في سنة 1928 أشاع البلجيكيون أن الإسلام ديانة وثنية، وقبل ذلك -سنة 1924- أمر الحاكم البلجيكي بالتصدي للإسلام فمنع اعتناقه ومنع بناء المساجد، وكان الهدف دفع أبناء المسلمين إلى المدارس الكاثوليكية، لكن المسلمين امتنعوا فشاع الجهل بينهم، واحترف بعضهم الشعوذة".

 

في تلك الأيام بلغنا أن قرويا أحرق المسلمون بيته بعدما أحرق مصحفا، وفي المحكمة قال الرجل إن المصحف كتاب شعوذة.

 

جدارية في رأس شارع الاستقلال، تعطي انطباعا خاطئا عن التاريخ  (الجزيرة)

معرفة قديمة

سنة 1884 اتفق الأوروبيون على تقسيم أفريقيا، وكانت الكونغو من حصة ملك بلجيكا، فأسس ليوبولد دولة الكونغو الحرة، وطلب من تيبو تيب أن يساعده على إدارة إقليم مانياما، وكان المقابل أن يشتري ليوبولد آلافا من عبيد تيبو تيب لتحريرهم شرط أن يخدموا في جيشه سبع سنوات، وافق تيبو تيب فصار ممثلا عن ليوبولد سنة 1888.

 

ولد تيبو تيب في زنجبار من أب عماني وأم أفريقية، وكان اسمه الحقيقي حميد المرجبي، وبنى إمبراطوريته من تجارة العاج والعبيد، وساعد الأوروبيين على اكتشاف الكونغو، وهو الآن إحدى أكثر الشخصيات التاريخية مقتا لدى الكونغوليين.

 

"أنتم بعتمونا لهم" هكذا يقولون، ويبدو أنهم غاضبون من العرب أكثر من غضبهم من البلجيكيين.

وفي مقابلة مع مسؤول حكومي -فضل عدم الإشارة إلى اسمه-  ذكر أهمية التعارف بين العرب والكونغوليين، فعلق "لكننا نتعارف منذ ثلاثة قرون"، ثم استطرد "كان العرب يأتون من زنجبار ويصطادون الكونغوليين، ومن عدة مناطق يتجهون إلى نقطة تجميع سموها "بركة"، وتعني الخير الوفير، ثم إلى أوجيجي في تنزانيا، وبعد أيام يصلون دار السلام، ثم زنجبار، وهناك كان يباع آلاف العبيد". ثم ختم مبتسما "إنها معرفة قديمة إذن، لكنها ليست بتلك الروعة!".

 

حفلة شنق لثوار كونغوليين في حضور نخبة من البلجيكيين من كتاب شبح الملك ليوبولد (الجزيرة)

حرب على الرق أم الإنسان؟

في كتابه "شبح الملك ليوبولد" ذهب آدم هوتشيلد إلى أن "ليوبولد استغل المرجبي للاستفادة من خبرته وعلاقاته قبل أن ينقلب ضده".

 

وبعد أربع سنوات من تحالفهما سافر المرجبي إلى زنجبار فأعلن ليوبولد حملته العسكرية ضد تجارة الرقيق سنة 1892، وكان الهدف "القضاء على العرب".

 

تشكلت قوات دولة الكونغو الحرة من 35 ألف مقاتل مسلحين بالمدافع، فيما قاتل مع المرجبي 16 ألفا من القبائل، تسلح نصفهم بالبنادق الخفيفة، والبقية بالسهام والرماح.

 

دامت الحرب سنتين، ودارت في معظم الكونغو، وأسفرت عن مقتل عشرة آلاف من قوات ليوبولد، بينما قتل من قوات المرجبي مئة ألف هكذا تقول المراجع الأوروبية، في تضارب يشير إلى أن تسعين ألفا من القتلى كانوا مدنيين ولم يكونوا مقاتلين.

 

لكن المسلمين يقولون إن القتلى كانوا ستمئة ألف من الأفارقة المسلمين، وإن المرجبي كان داعية للإسلام، ولقب تيبو تيب، أي الطيب الناصح.

 

الأحرار وحدهم يضحون بحياتهم.. يقرر فوندي بلغة عربية فصيحة، ثم يتساءل "لماذا غطت الحرب جل البلاد؟"، ثم يجيب "لأن المسلمين دخلوا إلى الكونغو تجارا ودعاة لا محتلين، ولهذا تعاطفت القبائل وحاربت معهم، وظل الإسلام صامدا في المنطقة على الرغم من محاولات الاجتثاث".

 

وفي كتاب "جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار" يذكر سعيد المغيري أن العرب العمانيين ارتبطوا مع القبائل الأفريقية بعلاقات تجارية وسياسية، فقد تبايعوا معهم وتزوجوا، وكان منهم القضاة والفقهاء والأمراء، مثل سلطان إمارة "أوجيجي" روماليزا.

 

أما أوغوستين مفويكير صاحب كتاب "الكاثوليكية في بوروندي" فيقول "على الرغم من محاولات التحجيم فإن الإسلام والبروتستانتية حافظا على مكانتهما في قلوب السكان".

 

يقولون إن العرب باعونا، لكن من اشترانا يا ترى؟ يسألني المؤرخ والقس إيفاريست بيني-بيني، ويسترسل "كانوا يجبرون الرجال على جلب العاج والمطاط، فإن لم يفعلوا قطعوا أقدام وأيدي أطفالهم". ثم خطفوا آلاف الأطفال، وأقنعوهم بأنهم "المتحضرون" الذين سيقاتلون "الهمجيين". كم من طفل قتل أباه أو أمه؟ الرب وحده يعلم.



"علينا أن نبني ثلاث مستعمرات للأطفال، واحدة في الشمال، عسكرية ودينية، وواحدة في ليوبولدفيل (كينشاسا) تحت إشراف الكنيسة، ومثلها في الجنوب، والهدف الرئيسي تزويدنا بالجنود". رسالة كتبها ليوبولد سنة 1890، وينقلها هوتشيلد في كتابه المروع.

 

سألت إيفاريست عن المرجبي، فقال "لقد قتل البلجيكيون عشرة ملايين كونغولي، ولإخفاء الجريمة ادعوا أنهم حررونا من العرب الذين استعبدونا، لقد وصموا القبائل الثائرة بأنها آكلة لحوم البشر ليبرروا إفناءها، ومنعوا الطبول والرقص لأنها شعوذة، ليقضوا على ثقافتنا وروحنا، لقد كانت حربا على الإنسان فينا".

 

جنود كونغوليون من الذين اختطفهم ليوبولد الثاني وهو أطفال واتخذهم جنودا ملقين القبض على شبان كونغوليين (الجزيرة)

العيش في السجن والجحيم

في الشارع الرئيسي بكينشاسا وقفت متأملا جدارية -تؤرخ لذكرى إطلاق سكة الحديد- فيها مجموعة من الكونغوليين يعملون تحت إمرة بضعة بلجيكيين في جو من الاحترام المتبادل، لم تشر الجدارية إلى السبعة آلاف الذين قضوا تحت الأنقاض أو التعذيب.

 

وفي معهد الفنون الجميلة بمدينة لومومباشي كانت هنالك رسمة عن نغونغو لوتيتي، وكان زعيم قبيلة حاربت مع المرجبي. يقول المسلمون أن لوتيتي كان مسلما، لكنه في اللوحة كان آكل لحوم بشر.

 

أما في متحف أفريقيا الوسطى في بروكسل فيقف شاب كونغولي مدافعا عن فتاة ضد رجل عربي، منحوتة مؤرخة في 1897، وفي منحوتة أخرى ينقض كونغولي على رجل نائم، لكن لا توجد في كل المتحف أي إشارة للملايين العشرة الذين قتلهم البلجيكيون.

 

يبدأ تاريخ الكونغو مع وصول البلجيكيين، هكذا يعتقد أغلب الناس حتى أن أكثر الكونغوليين يجهلون أن أجدادهم أقاموا مملكة عظيمة قبل خمسة قرون من وصول البلجيكيين، لقد شوه وعي شعب بأكمله عبر المدارس والكنائس. يقول إيفاريست "حين نشرت كتابي فصلتني الكنيسة".

 

تصفحت كتاب إيفاريست، وكان يضج بفظاعات المستعمر البلجيكي، وكان عنوانه موفقا "المهمة الحضارية.. تنغيص العيش في السجن والجحيم".

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

تجربة صحفي في الكونغو "غير الديمقراطية"

تجربة صحفي في الكونغو "غير الديمقراطية"

"أنت محظوظ لأنك على قيد الحياة" كررها زملائي مذعورين وهم يتلاومون "لِم لم تخبروه بأن التمشي ليلا أمر خطير؟".

 

كنت قد أنهيت عملي ليلا متأخرا فغادرت إلى السكن مشيا، فقد كان قريبا، وكنت على بعد بضعة أمتار من المكتب حين أوقفتني سيارة شرطة كبيرة، ولأني لم أكن أحمل جواز السفر فقد طلبوا مني مرافقتهم لتدقيق هويتي فرفضت لأجدني لأول مرة في حياتي على مسافة قريبة جدا من بندقية آلية "عليك أن تحترم القانون" قالها أحدهم مصوبا بندقيته نحوي.

 

وبعد أن انطلقت بي سيارة الشرطة قليلا توقفت في منطقة خالية بدل أن تتوقف عند مخفر شرطة، أمسك أحدهم قبعته مقلوبة كإناء فيما أفرغ فيها آخر محتويات جيوبي، بعد لحظات أعادوا لي شريحة الجوال ودولارين، "طاب مساؤك" قال أحدهم قبل أن ينطلقوا بسيارتهم مسرعين.

 

وقال لي قنصل إحدى الدول العربية "الناس عموما لطفاء، لكن المشكلة مع الشرطة فهم لصوص، وحين يعترضني أحدهم لا أتوقف له ولا أتردد في دعسه".

 

قمع المواطنين في كل المناسبات سياسة تتبعها الشرطة والأمن الكونغولي (الجزيرة)

اسم على غير مسمى

في بداية عام 2015 أقر البرلمان تعديلا دستوريا يمنح الرئيس فترة رئاسية ثالثة، فخرج الطلبة محتجين، وبعد يوم أو يومين أطلقت الشرطة النار، وبينما كان أحد الزملاء في الخارج اتصل علي ليخبرني بأن الطرق مغلقة، وأنه رأى جثتا على الطريق، وكان صوت الرصاص قويا بما يكفي لأسمعه من الهاتف، وبعد يومين قطعت خدمة الإنترنت والرسائل القصيرة، ولكن لم ينقطع الطلبة عن التظاهر.

 

أخذت المظاهرات تتوسع، خصوصا في الأحياء الأشد فقرا، وتحت ضغط الشارع وبسبب توسع نطاق الفوضى وتهديد مصالح الأجانب صوت مجلس المستشارين على إلغاء التعديل الدستوري.

 

ظل الإنترنت مقطوعا مدة شهرين، وحظر التجول ليلا في بعض الأحياء، وظل الناس مترقبين، ولما هدأ الوضع وعاد الإنترنت أخذت انتهاكات الشرطة تنتشر عبر الجوالات، أحد الأصدقاء الكونغوليين أخبرنا بأن ابنته ذات الـ16 ربيعا تعرضت للاغتصاب من قبل خمسة جنود، حيث صادف خروجها لشراء بعض الحاجيات مرور مجموعة من الجنود وكان التجول محظورا.

 

ويؤكد المحامي والناشط الحقوقي جوزيف كالالا "اكتشفت مقابر جماعية لحوالي ثلاثمئة شاب دفنوا ليلا من دون تحديد هوياتهم أو إخبار عائلاتهم، دفنوا وحسب".

 

وفي مؤشر فريدم هاوس للحرية تعتبر الكونغو دولة غير حرة، والاقتصاد حسب مؤشر مؤسسة هريتيج غير حر، والصحافة وفق "مراسلون بلا حدود" غير حرة، وأمنستي تقول إن أسوأ دولة بالنسبة للأمهات هي الكونغو، وهي أيضا ثالث أخطر دولة وفق مؤشر مابلكروفت، فهي أخطر من العراق وأفغانستان والصومال كما تقول الصحفية الكونغولية سولانج لوسيكو.

 

وأضافت لهذا اقترحت أن تحذف كلمة ديمقراطية من اسم الدولة، أو على الأقل أن توضع بين مزدوجتين لتصير جمهورية الكونغو "الديمقراطية".

 

أضحكني مزاحها، لكنها لم تضحك، ربما بسبب الرصاصات التي أطلقت عليها عدة مرات، بينما كانت تقوم بعملها، وكانت لوسيكو الوحيدة التي تغطي أخبار ما يجري في الشرق من انتهاكات، وكان أسوأ ما ذكرته لي أن أطفالا رضعا تعرضوا للاغتصاب عقابا لآبائهم الذين يدعمون المتمردين أو الحكومة.

 

الشرطة الكونغولية واقع سيء وسجل حقوقي غني بالمخالفات (الجزيرة)

إلكترونات حرة

وبعد بضعة أشهر سيرسل لي أحد الزملاء: المخابرات مروا عندنا، إنهم يسألون عنك، إنهم خطرون، لم أولِ الرسالة اهتماما، وأجبته "مرحبا بهم، ليس لدينا ما نخافه".

 

كانوا خمسة عناصر من قسم الأمن الداخلي المتورط عادة في اعتقال الصحفيين والمعارضين السياسيين، ولأن الانتخابات الرئاسية قريبة، فقط أطلقت أيديهم لقمع المعارضة، ويستغلون ذلك لابتزاز الناس.

 

سلمني المفتش إيمانويل ورقة "أمر بالاعتقال والمصادرة"، وكان المبرر عدم توفر "التراخيص الصحيحة" لدينا والتي تتيح لنا التصوير وإنتاج البرامج، ثم قاموا بجمع جميع الأجهزة والوثائق ومبلغ كان في مكتبي، بعدها طلبوا -ومن دون مواربة- دفع عشرين ألف دولار مقابل عدم الاعتقال والمصادرة، ثم وصلوا إلى خمسة آلاف دولار فقط، لكننا رفضنا، فقال لي إيمانويل إن المطلوب مني فقط هو مقابلة رئيسهم ثم سأعود، والأجهزة ستعود بعد تدقيقها يوم الاثنين.

 

"وفق القانون لا بد من أن نقيد يديك، لكننا لم نفعل، لأننا أناس متحضرون ومتعلمون" قال إيمانويل ونحن في الطريق إلى مكتبهم، وهناك قابلت رئيسهم كيتوكو الذي قال لي غاضبا "نحن بلد مسيحي"، فدعوته إلى مشاهدة برامجنا، وأكدت أنها ثقافية وتنموية وخطابها منفتح ومتسامح، فقال لي غاضبا "اذهب إلى سوريا وتكلم عن التسامح، نحن متسامحون"، ثم قام وقال ببرود "قل لرؤسائك أن يرسلوا المال وإلا فلن تخرج من هنا"، فسألته عن كلام زملائه، وكوني أتيت لأقابله ثم أعود، فقال لي إن تسجيل الأقوال غير ممكن مساء السبت.

 

وأضاف "يوم الاثنين ستغادر، هذا وعد مني"، ثم عد المبلغ الذي صودر مني، وقال "نصفه محفوظ هنا، لأنك قد تمرض وتحتاج العلاج، ونصفه الآخر لنا، لأنك ستغادر يوم الاثنين".

 

وقال لي إيمانويل "الشباب لطفاء جدا، وستجلس في زنزانة متميزة ومحترمة، ولو لم نتأخر لكنت عدت اليوم، إنها مشكلة تقنية وحسب".

 

كانت الزنزانة بناية مستقلة عن الزنازين العادية، وكانت نظيفة بشكل عام، وكان فيها عشرة أسرّة وسبعة سجناء.

حملة تفقدية لإحدى المنظمات لإقناع الأطفال بترك حمل السلاح (الجزيرة)


باتريك ابن جنرال في عهد موبوتو اعتقل في المطار عائدا من كندا، وجاك -من مدينة غوما (شرقا)- اعتقل لخروجه في الاحتجاجات ضد تعديل الدستور، وسفير الكونغو في إحدى الدول المجاورة اعتقل للاشتباه في علاقته بمعارضين.



 وإدريسا -من غوما- متهم بالنصب على قريبة للرئيس، والكولونيل اعتقل لعصيانه الأوامر، وتاجر من غوما وجد رقمه في هاتف أحد المتمردين، وشاب مصاب بالهزال يتحدث الهولندية، ويرفض مغادرة السجن، لأنه لا يعرف أحدا في الكونغو، ولا يملك أي وثائق هوية، ويحاول الشباب مساعدته على إيجاد أسرة هولندية يقول إنها تبنته وهو طفل.

 

سألت باتريك: لماذا وضعوكم في زنزانة متميزة؟ فأجابني "المال أو العلاقات، جاك هنا لأنه من أقارب الضابط إيمانويل، أما البقية فقد دفعوا المال، وأنا دفعت ستة آلاف دولار مقابل أن أكون هنا".

 

صباح الأحد سأرى الزنازين العادية، كانت كارثية، ثماني زنازين أصغر من زنزانتنا، ويتكدس فيها 15 إلى عشرين سجينا، ينام أغلبهم على ألواح كرتونية، كان جلهم من المتمردين، وبعضهم من المعارضين السياسيين، كان معظمهم مصابين بالهزال بسبب سوء التغذية، وبينهم مرضى ومصابون بالإيدز لا يتلقون أي علاج مثل الرجل هناك.



قال باتريك -وهو يشير إلى رجل عجوز تجاوز الثمانين- عظام صدره بارزة، ويتحرك بصعوبة، وكان هناك أطفال من الذين أجبرهم المتمردون على حمل السلاح.

 

صباح الاثنين سجلت أقوالي، وكانت أسئلة غير جادة عموما، وحين قابلت كيتوكو لأغادر قال إنهم سيشاهدون جميع البرامج التي أنتجناها قبل مغادرتي، وكانت أكثر من 450 ساعة تلفزيونية، وستحتاج أياما أو أسابيع، "اتصل على رؤسائك ليرسلوا المال وإلا فبعد بضعة أيام ستصاب بالسل، الصحة أهم من المال" قال لي كيتوكو، فقلت له "لكن الشرف أهم من كليهما، ولم يعلق".

 

اتصلت بي السفارة، فاجتاحتني مشاعر الوطنية، لكن وجدت أنهم مهتمون بأشياء أخرى أكثر من اهتمامهم بسلامتي، لم يزرني أي زميل لخشيتهم من الاعتقال، حكى لي باتريك أن عربيا مر بتلك الزنزانة فجاء محاميه ليقابله فوضعوه معه فيها.

 

وقال لي باتريك "إنهم يدعون حماية الرئيس والنظام، لذلك لا أحد يستطيع محاسبتهم، وكل من تراهم هنا لم يعرضوا على المحكمة، وجلهم تجهل عائلاتهم مكانهم، ومنهم أشخاص ماتوا ودفنوا خلف هذه البناية".

 

كلف الزملاء نائبا برلمانيا للتدخل، وقد ضمن خروجي، لكن بعد دفع المبلغ الذي اشترطوه، وبعد أسبوع من خروجي دعانا رئيس كيتوكو، وقال "أرجو أن تتفضلوا بقبول اعتذاري الشخصي". ثم أضاف "كل ما حصل كان بسبب "إلكترونات حرة" ونحن نرحب بكم.



ثم توجه بالحديث إلي "وإن لم تكن متزوجا زوجناك". شكرته وسألته عن جوازي وعن الأجهزة، فأخبرني بأن الجواز سأستلمه يوم الاثنين، ثم مر شهران ولم أستلمه إلا بعد تدخل رئاسة حكومة بلدي. أما الأجهزة فلم تسلم إلى اليوم، ووجدنا أنفسنا مضطرين للمغادرة إلى بلد آخر لا تحكمه "إلكترونات حرة".

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

الكونغو "غير الديمقراطية" في صور

الكونغو "غير الديمقراطية" في صور
السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

سكان المقابر.. حياة بحضرة الموت
تقرير يوسف حسني - القاهرة

أكثر من مليون ونصف مليون مصري يعيشون مع الأموات في مقابرهم

ارتفاع نسبة الفقر في المجتمع المصري دفع أكثر من مليون شخص للعيش داخل المقابر(الجزيرة)

 

"أفلاج" عُمان للري.. تراث يتمنع على السياحة
تقرير سامر علاوي - مسقط

نظام خاص في ري الأراضي توافقت عليه القبائل العمانية من قديم الزمن ولا يزال معمول به في السلطنة

تجمع مياه الأفلاج في أحواض قبل توزيعها على المزارعين في حصص تعتمد الأثر لمعرفة الحصص(الجزيرة)

معاصر الزيتون الحجرية.. تراث فلسطيني صامد
تقرير عاطف دغلس- نابلس

رغم دخول المعدات الحديثة في عصر الزيتون إلا أن المعاصر الحجرية لا تزال المفضلة لدى الكثير من الفلسطينيين

 زيت الزيتون المعصور على الحجر أطيب وأفضل كما يؤكد الخبراء (الجزيرة)


شتاء أوروبا الطويل الذي صار ربيعا
تقرير جورج كدر- أمستردام

تتجلى ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ في أوروبا التي بات شتاؤها دافئا نسبيا وتتراجع فيها مظاهر الشتاء التقليدية

طبيعة مدينة دوردخت الهولندية جنوب أمستردام ربيع عام 2013(الجزيرة)
السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

سكان المقابر.. حياة بحضرة الموت

سكان المقابر.. حياة بحضرة الموت
يوسف حسني - القاهرة 

 

الفقر في مصر يشبه الصورة الكبيرة، التي إن دققت فيها وجدت تفاصيل كثيرة تحتاج كل منها خطة، وربما خططًا للحد من قسوتها، ناهيك عن القضاء عليها.

 

الحياة في المقابر، أو التُرَب كما يسميها المصريون، هي واحدة من أبرز هذه التفاصيل وأكثرها قسوة، حيث يعيش أكثر من مليون ونصف مليون مصري مع الأموات، وذلك وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

 

"سكان المقابر" عنوانٌ عريضٌ تندرج تحته عشرات العناوين الفرعية التي تعج بالحرمان والقلق والأمل الذي مازال معلقًا على جدران الانتظار منذ عقود، حتى أوشك على الذبول.

 

سكان المقابر تعايشوا من أجواء الموت لعشرات السنين حتى ألفوها (الجزيرة)

حياة مع الموتى

ففي قلب العاصمة القاهرة، تعيش آلاف الأسر -الممعنة في الفقر- أياما تختلط فيها رائحة الموت برائحة الحياة، ويتداخل فيها سكون الموتى بصخب الأحياء. ينامون ويأكلون ويتزوجون وينجبون في ضيافة الموتى.

 

من على جبل المقطم، أو من على حصن القلعة، الذي قصف منه نابليون بونابرت القاهرة عندما ثارت عليه، تشكل "تُرَب الغفير" و"باب النصر" لوحة صفراء تنضح بالوحشة.

 

وتتباين رؤية هذه المقابر من الخارج كثيرا عن رؤيتها من الداخل، فالمشهد من الخارج مرتبط بالأموات فقط، أما من الداخل فهو مرتبط بموتى آخرين مازالوا على قيد الحياة، مجرد أرقام مدونة في إحصاءات السكان وكشوف الناخبين.

 

عندما تعبر البوابة الرئيسية للمكان تجد أن ثمة ضريبة لابد من دفعها، طالما أنك لم تنسق مع أحد البلطجية أو مع أحد رجال الأمن. عليك إخراج كل ما في جيبك، حتى إن قررت مغادرة المكان، فستكتشف أن الدخول إلى هنا ليس كالخروج.

 

لكن قدرا لا بأس به من المساومة ووعود الصحفيين الكبيرة، مكنتنا من دفع مائتين وخمسين جنيهًا (ثلاثين دولارا) مقابل التجول بين المقابر والتحدث لبعض ساكنيها، مع الالتزام بالتقاط الصور في أضيق الحدود.

 

"إياكم أن تصوروا وجه أحد، وإلا فعلنا معكم الغلط" هكذا قال لنا أحد البلطجية وهو يحصي المال الذي حصل عليه منا، فالشك في الغرباء هو الأساس، فما بالك بالصحفيين.

 

ارتفاع نسبة الفقر في المجتمع المصري دفع أكثر من مليون شخص للعيش داخل المقابر (الجزيرة)

مظاهر الموت

شارع رئيسي تتفرع منه شوارع صغيرة، تتجاور فيها أحواش وضعت عليها أرقام ولوحات رخامية نقشت عليها عبارات من قبيل "كل نفس ذائقة الموت" أو "هنا يرقد المغفور له بإذن الله فلان".

 

مع الاقتراب من هذه الأحواش تأتيك أصوات أناس عقدوا صداقات قديمة مع الموتى، يتقاسمون مقابر مازال أصحابها يأتون لزيارتها في الأعياد والمواسم، وقليل منها هجرها أصحابها منذ زمن، فهي تخص عائلات ما قبل ثورة يوليو/تموز 1952.

 

على جانبي الشواهد تقف غرف صغيرة متهالكة، لا تنم عن أي حياة لولا أن بها أثاثا قديما لا يخص الموتى في شيء. دولاب بلا أبواب وكنبة بنصف حشو وبوتاجاز عفا عليه الزمن وسرير أشبه بأسرة المستشفيات الحكومية.

 

بعض الأسر تدفع إيجارًا شهريًا للتربي (حارس المقابر) شريطة إخلاء المكان قبل مواعيد الزيارة السنوية أو الأسبوعية لذوي الموتى، وكثير من الأسر تتشارك في دورة مياه واحدة، وتعتمد على الشارع في غسل ملابسها وطهي طعامها.

 

وحدها مقابر الصدقات التي لا يسكنها أحد، فهي لله كما قالوا، وقد بنيت بجهود شخصية لاستقبال مجهولي الهوية من الموتى. أما مقابر "الغلابة" فهي تحتضن الفقراء من الأحياء والموتى.

 

في المساء يضع أحدهم حصيرة أو بطانية فوق مصطبة تتوسط الحوش، ثم يغط في نوم عميق، هذه المصطبة ليست إلا قبرا بداخله نائم آخر، لكن أحدهما لا يشكو من الآخر. ينامان هكذا منذ زمن دون أدنى خلاف.

 

وحول هذه المقابر ضرب سياج من الطوب والحديد، تتوسطه أعمدة للإنارة يرفرف فوقها علم مصر، وعلى بعضها وضعت صور لبعض مرشحي الانتخابات.

رجل على مشارف السبعين سألنا "ما الذي جاء بكم؟ لقد شبعنا من الأسئلة والتقاط الصور". لكنه أخبرنا -بعدما وضعنا بعض المال في يده- أنه يعيش في هذا المكان منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر.

 

يقول الرجل إن ساكني المقابر يعيشون غالبًا على الصدقة، ففي أيام الخميس وفي الأعياد يأتي الناس لزيارة موتاهم فيوزعون الطعام والمال على السكان الذين يجتهدون في تنظيف الأحواش وري الصبار الموجود أمامها لاستعطاف ذوي الموتى.

 

وتابع حديثه لمجلة الجزيرة "قبل سنوات كثيرة نشبت خلافات بيننا وبين أصحاب المقابر، ثم اتفقنا على أن نعيش في المقابر مقابل حمايتها والاهتمام بها، وعندما وقع زلزال 1992 انخرطنا وسط المنكوبين للحصول على مساكن من الدولة، لكن منكوبي الزلزال وشوا بنا، فطردنا بالقوة" هكذا قال الرجل ثم طالبنا بالانصراف.

 

في الشوارع الصغيرة تتناثر قطع الأثاث والأواني والملابس المعلقة على حبال الغسيل، نساء يقمن بأعمالهن المنزلية ورجال يتكئون على جدران الأحواش في انتظار أي طلعة "زيارة" أما الأطفال فكما هم في كل مكان، يلعبون ويضحكون من قلوبهم ويستعطفون الزوار لمنحهم أي شيء، مالا أو طعاما، بعضهم يمشي نصف عار، لكن ضحكته تغطي وجهه الصغير.

 

حياة يطبعها البؤس وانعدام مظاهر الحياة الحقيقية (الجزيرة)

خوف وبلطجة

بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، استغل البلطجية المكان للقيام بأعمال غير مشروعة كتجارة المخدرات والدعارة وإخفاء المسروقات، وفق بعض السكان.

 

وفي المساء تخلو الشوارع مبكرا، إلا من هؤلاء الذين يعقدون الصفقات الحرام، تحت جنح الظلام وهالة الصمت، دون أن يحرك جلال الموت لهم ساكنا.

 

إحدى السيدات قالت لمجلة الجزيرة إنها تعيش هنا منذ أكثر من ثلاثين عاما، حتى إنها لم تكن ترغب في الرحيل "لولا تغير الأوضاع وانتشار الخوف بالمكان بعد الثورة". وأضافت بصوت خافت "لم نعد نخاف جوار الأموات، فالأذى كله يأتي من الأحياء".

 

وتفتقر هذه المقابر لكل الخدمات تقريبا، لأنها ليست للأحياء، فلا يوجد صرف صحي ولا مياه ولا كهرباء، إلا في أضيق الحدود وبطرق مخالفة. 

 

وخلال فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، نظم سكان المقابر وقفات وعقدوا مؤتمرات صحفية حضرتها كاميرات القنوات المصرية ونقلت مطالبهم بتوفير مساكن بديلة لهم، أما اليوم فلا وقفات تنظم ولا مؤتمرات تعقد ولا كاميرات تأتي، أما المطالبات فهي أقرب للتوسل منها للمطالبة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

"أفلاج" عُمان للري.. تراث يتمنع على السياحة

"أفلاج" عُمان للري.. تراث يتمنع على السياحة
سامر علاوي - مسقط

 

طوّر العمانيون عبر آلاف السنين نظاما متميزا للري، يعرف باسم الأفلاج، يقوم على سحب المياه الجوفية في قنوات طويلة تحت الأرض تمتد إلى داخل الجبال، وتوزع على المزارعين في حصص متساوية.

 

وأصبحت هذه الأفلاج في العصر الحديث علامة فارقة للتراث العماني، فهي تستعصي على التغيير أو التطوير مخافة الإضرار بالتراث أو الإخلال بالتركيبة الاجتماعية، وما زال الأهالي يتولون إدارتها والإشراف عليها، بينما يقتصر دور الدولة على المساعدة في ترميمها والحفاظ عليها، بوصفها قيمة إنسانية وتراثية.

 

تعد قرية "غلا" في العاصمة مسقط نموذجا لإدارة الأفلاج وتنظيمها، حيث يشرف وجهاء القرية على تنظيم عملية الري من عين ماء معدنية ساخنة، معتمدين نظام الحصص، وهو ما يطلق عليه محليا "الأثر"، نسبة إلى الأثر الذي تتركه المياه في جدار الحوض الذي تجمع فيه، حيث يلتزم كل مزارع بحصته حسب أثر المياه على جدار الحوض، مما يشير إلى حصة كل مزارع.

 

ويشمل تقسيم وقت الري ليلا ونهارا، حسب الجدول الذي يقره الوجهاء والشيوخ، وحسب رأي أحمد عبد العزيز الرئيسي -أحد وجهاء قرية غلا- فإن الأفلاج تمثل جزءا أصيلا من حياة أهل القرية وتراثهم وتقاليدهم، إضافة إلى الهدف الأساسي المتمثل في ري مزارع النخيل والحمضيات، ولذلك فإنهم يرفضون تطوير الأفلاج بما يخالف ثقافتهم أو التأثير على منسوب الينابيع بحفر قنوات مائية موازية للعيون والأفلاج التاريخية.

 

ويضيف -في حديثه لمجلة الجزيرة- أن منسوب المياه لا يتأثر بزيادة كمية الأمطار ونقصها، ولم يعرف أنه نقص أو زاد صيفا أو شتاء، أو بزيادة كمية الأمطار ونقصها على مدار التاريخ.

 

ويرى الرئيسي -وهو ضابط متقاعد في سلاح الجو العماني- أن "الأهالي يحرصون على عدم ضياع حصص المستفيدين من الأفلاج في ري مزارعهم". ويضيف أن "هذه الحصص قائمة وفق نظام عادل متعارف عليه منذ زمن بعيد، وأن محدودية مصادر مياه الأفلاج تجعلهم يخشون استثمارها تجاريا، بوصفها حقا لأهل المنطقة الذين يرفضون أي تدخل من شأنه أن يحدث تغييرا على بنيتها الأساسية".

 

سد القريات بالقرب من العاصمة العمانية مسقط (الجزيرة)

السياحة

يتردد الزوار بشكل يومي على عيون غلا للاستحمام والاستجمام في مياهها المعدنية الحارة، لما فيها من فوائد صحية، لكن هذه العيون تبدو غير مهيأة سياحيا. ويعزو الحاج علي بن خلفان الرقادي عدم وجود مرافق سياحية بجوار أحواض السباحة إلى الطبيعة المحافظة للشعب العماني، والخشية من تهديد السياحة للتقاليد والتراث.

 

ويقول الرقادي لمجلة الجزيرة إن "الأهالي لا يرغبون في استخدام الأفلاج في أغراض غير التي خصصت لها مثل السياحة، فهم يخشون من أن تؤثر المشاريع السياحية على تقاليد وثقافة الأهالي، وتعكر صفو حياتهم واستقرارها".

 

ويرى أن "الأفلاج خط أحمر لا يسمح بالمساس بها، باستثناء أعمال الصيانة، فيمنع حفر مسارات جديدة للمياه، لكن الأهالي لا يمانعون حفر آبار ارتوازية في محيط المنطقة لزيادة الموارد المالية إلى جانب الأفلاج".

 

تجربة عمانية عريقة في التعامل مع المياه وإدارتها (الجزيرة)

تنمية منضبطة

ويؤكد رجل الأعمال والناشط الاجتماعي سليمان بن أحمد الصلتي أن قرية غلا تمثل النمط العماني في الحفاظ على التراث؛ فبعض الولايات تحافظ بشكل كبير على تقاليدها كما تحافظ على مصادر مياهها التقليدية، على الرغم من بحث الدولة عن مصادر مياه جديدة تلبي الزيادة المضطردة للسكان، وتحسين مستوى حياتهم، كما حدث بالفعل في ولاية عبري والمنطقة الشرقية.

 

ويفضل الصلتي -في حديثه لمجلة الجزيرة- وجود تنمية سياحية منضبطة، ويعني بمنضبطة عدم التأثير على ثقافة السكان المحليين وابتزازهم بما قد يجلبه السياح معهم من انفتاح غير مقبول لدى المجتمع العماني.

 

ويضيف أن "المجتمع العماني رغم ما وصل إليه من الانفتاح على الآخرين خارجيا والتحرر داخليا، مثل المشاركة الفاعلة للمرأة في الانتخابات التشريعية وجلوس الشباب والفتيات إلى جانب بعضهم بعضا في الجامعات ومكاتب العمل، فإنه غير متصور أن يقبل المجتمع العماني الانفتاح السياحي المعروف في بعض الدول، الذي وصل إلى درجة الابتذال".

 

ويؤكد ضرورة أن تكون السياحة العمانية ضمن إطار الحفاظ على أخلاق المجتمع وتماسكه الأسري والاجتماعي والثقافي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

معاصر الزيتون الحجرية.. تراث فلسطيني صامد

معاصر الزيتون الحجرية.. تراث فلسطيني صامد
عاطف دغلس - نابلس

 

بشيء من الرفق والحنان يُغازل المزارع الفلسطيني محمد فرعونية (أبو علاء) أشجار زيتونه مسمعا إياها بعض الترانيم الصباحية التي اعتاد سماعها صغيرا مع والديه خلال قطف ثمارها، ويحرص على ألا يؤذيها بكسر أغصانها اليانعة خلال حصادها.



ويكتمل هذا الحرص لدى أبو علاء (62 عاما) لِما بعد جني المحصول، إذ يواصل ومنذ أمد بعيد الحفاظ على عصر زيتونه بمعصرة الحجر في قريته برقة -قضاء نابلس شمال الضفة الغربية- غير آبه بالمعاصر الحديثة التي يغلب عليها طابع السرعة.



ويقول في حديثه لمجلة الجزيرة إن عصر الزيتون على الحجر لا يتوقف عند حدود الطعم وجودة الزيت بمذاقه أو شكله، بل يعد جزءا أساسيا في الحفاظ على موروث ثقافي، وتقليد سنوي اعتاد عليه وأهالي قريته وحيثما وجدت مثل هذه المعاصر.

محمد فرعونية أبو علاء يقطف زيتونه بحنان ورفق ويعصره على الحجر منذ سنوات كما اعتاد على ذلك (الجزيرة)


ذكريات الماضي

ويهون التعب والجهد على رجل ستيني مثل أبو علاء عندما تأخذه الذكريات إلى معصرة الحجر الوحيدة والمتبقية في قريته من أصل خمس كانت تعمل بذات الطريقة، بل وتحضره ذكريات جميلة كاللقاء سوية وبعض صحبه، والنظر مطولا للحجارة وهي تدور رحاها فوق حبات الزيتون محولة إياها لزيت له طعم مختلف.



ويردف قائلا "كانت هذه المعاصر غالية الثمن، وكل عائلة تشترك بشراء واحدة، ولذا سمي بعضها بأسماء العائلات المالكة لها، وتوزع أرباحها بالتساوي على المساهمين فيها".



ومثل أبو علاء يحافظ المزارع عبد الفتاح مسعود (أبو راشد) من قرية برقة أيضا على هذا التقليد السنوي بعصر زيتونه على الحجر، ليستفيد من كل الصفات الجيدة التي تجتمع بهذا النوع من الزيت.


ويستعيد أبو راشد (60 عاما) ذكرياته مع معاصر قريته الحجرية، ويعتبر وجودها والحفاظ عليها جزءا أساسيا من الأصالة والتراث، ويقف عند ذكريات كثيرة كانت ولا تزال تضفي جمالا آخر على حياته، خاصة طفولته التي عاشها وهو يتنقل بين تلك المعاصر ويرقبها.



ويضيف متحدثا لمجلة الجزيرة بعد أن غدا مشرفا على العمل في معصرة الحجر الوحيدة في قريته أن الكثير من أهالي قريته والقرى المجاورة "يتمسكون بعصر زيتونهم على الحجر، حيث كانت ولا تزال أفضل الطرق في تقديم مذاق جيد وطيب".

 

شغف النظر لمعصرة الحجر وهي تدور فوق الزيتون وتقوم بطحنه لا ينقطع (الجزيرة)

مراحل العصر

وتبدأ عملية العصر أو (الدّراس) كما يعرفها المزارعون بوضع الزيتون داخل المصب (الحوض) ثم تنتقل عبر مضخة خاصة تفصل البذور عن الأوراق وبعض العوالق، لتستقر فوق أرضية حجرية مصنوعة من الجرانيت وتزن طنين ونصف الطن تعرف بـ"الفرشة" ثم يعمل حجران دائريان ضخمان، مصنوعان من الجرانيت أيضا ويزنان ثلاثة أطنان، على طحن بذور الزيتون.



وبعد أن يأخذ الطحن وقته يُنقل الدّريس (الزيتون المطحون) لحوض أصغر ليسكب بعدها فوق قطع من الخيش الدائري تعرف بـ"القفاف" توضع فوق بعضها على عربة حديدية تعرف بـ(الشدة) لتُضغط بواسطة آلات خاصة (مكابس) لمدة زمنية معينة يصار من خلالها لفصل الزيت عن مخلفات الزيتون الجافة المعروف بـ"الجفت".

 

ثم ينقل الزيت لآبار مخصصة وآلات تعرف بالفرازات، تفصل الزيت عن أية مواد أخرى كالماء والشوائب، في هذه الأثناء تكون مخلفات الزيتون (الجفت) قد تم بشكرتها (إزالتها) من فوق قفاف الخيش، حيث يستخدم هذا الجفت لإشعال النيران لدى المزارعين.



ويميز المعاصر الحجرية، عن نظيرتها الحديثة، أن الأولى تُطحن فيها بذور الزيتون تحت الحجارة الثقيلة وفق عملية بطيئة وباردة لا تحتاج للغلي بالماء الساخن تحت درجة حرارة مرتفعة تضر بطعم الزيت وتعمل على أكسدته، ولا للعمل بنظام التوربين كما حال المعاصر الحديثة، وبالتالي بالطريقة القديمة (الحجرية) يأخذ الزيتون حقه في الطحن لدرجة أن طنا من الزيتون يستغرق نحو ست ساعات من الطحن بينما لا يستغرق ثلثها في المعاصر الحديثة، كما يقول ناصر حجي أحد ملاك معصرة برقة الحجرية شمال نابلس.

الزيتون المطحون يوضع فوق قفاف من الخيش كما تعرف لاستخلاص الزيت  (الجزيرة)


زيت طيب

ويوضح حجي -في حديثه لمجلة الجزيرة- أن غالبية المزارعين يفضلون زيت الحجر ويرغبون بزيته لأسباب كثيرة، فبالإضافة لكونها نوعا من التراث والتقليد فهي تعطيهم زيتا مذاقه ورائحته طيبة، ومخضر اللون (قاتم) وقليل الشوائب، ويحافظ على جودته لفترة أطول إذا ما حفظ بشكل جيد بعيدا عن الشمس والرطوبة.



ويضيف أن أكثر من 90% من زبائنه يفضلون معصرتهم الحجرية التي أضحت واحدة من معاصر حجرية قليلة ليس بمناطق الشمال فحسب، بل بالضفة الغربية كلها، خاصة وأنه يرفدها بأكثر من عشرين طنا سنويا.


ويقول حجي "إن رغبة المواطنين بزيت الحجر تفوق غيره، وبعضهم يفضل شراء زيت الحجر ويحجزه من المزارعين حتى قبل بدء موسم الزيتون".


وفي المعصرة الحجرية خاصتهم والتي أنشئت عام 1983 بعد استيراد معداتها من إيطاليا، واكب ناصر والقائمون على المعصرة التحديثات المطلوبة التي تجعلها بالصدارة دوما، وتحافظ على رونقها بالوقت نفسه، حيث أضافوا لها مضخة خاصة تقوم بفصل ورق الزيتون عن الحب قبل نزوله لفرش الحجر لبدء الطحن.

معصرة برقة الحجرية واحدة من 34 أخرى مشابهة لها تتوزع في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، ويطلق عليها "نصف أوتوماتيك" بمعنى أن الأيدي العاملة تدخل بها وهو ما يساعد في خلق فرص عمل لكثير من المواطنين سنويا.

 بعد ان يوضع الزيتون الطحون فوق القفاف يتم ضغطه بدرجة عالية لاستخلاص الزيت منه (الجزيرة)


البدّادة

ويُطلق على هؤلاء العمال "البدادة" ومجرد ذكر الاسم يُعطي انطباعا بأن شيئا جميلا من الزمن الماضي يعود بهم للوراء سنوات مضت وانقضت، فمثل هؤلاء البدادة يعدون من تراث المعاصر الحجرية وتقاليدها لما لدورهم في تكميل عملية عصر الزيتون ومساعدة المزارعين، وهم يأخذون أجرتهم زيتا فقط.


وهذا ما جعل ذياب سيف (50 عاما) يحرص على العمل بمعصرة برقة الحجرية لسنوات عدة، وطوال الموسم الذي يمتد لنحو شهرين من كل عام.


ويقول سيف إنه ونحو 15 بدادا يعملون بنظام المناوبة طوال الموسم ويأخذون أجرتهم زيتا، حيث يحصل الواحد منهم تقريبا على نحو 160 كيلوغراما من الزيت تكفيه طوال العام وتغنيه عن شرائه.


وأمام كل هذا التقليد والصمود لمثل هذه المعاصر، يؤكد مدير مجلس الزيت الفلسطيني فياض فياض أنها باتت "تقليدا" يتمسك به المزارعون لاعتباره موروثا ثقافيا واجتماعيا قديما، ويميزها أنها تعصر الزيتون على النظام البارد، وهو ما يغيب عن المعاصر الحديثة التي تعتمد نظام الغلي بالماء الساخن والأنظمة التوربينية.

ويضيف أن الحرارة أسوأ عنصر يضر بالزيتون إضافة للرطوبة والأوكسجين، ومن هنا يبرز مدى حرص المزارع نفسه ووقوفه على عملية عصر زيتونه في المعاصر الحديثة باشتراطه عدم استخدام الماء الساخن خلال العصر، وبنظافة المعدات وعدم اختلاط الزيتون بالورق.


وفي المحصلة، لا يرى المسؤول الفلسطيني أن هناك اختلافا جوهريا في طعم الزيت وجودته بين المعاصر الحجرية والحديثة ما دامت أساليب العصر الجيدة مطبقة بحذافيرها، لكنه يلفت الانتباه بالقول مجددا "إن المسألة لا تخرج عن كونها تراثا وتقليدا له رونقه، في حين يُصر المزارعون على عكس ذلك ويؤكدون جودة زيت الحجر أكثر لغياب الضمانة الحقيقة لعملية العصر الحديثة".

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

شتاء أوروبا الطويل الذي صار ربيعا

شتاء أوروبا الطويل الذي صار ربيعا
 جورج كدر - أمستردام

 

شتاء أوروبا الطويل لم يعد طويلا، كل شيء يتغير في القارة العجوز ابتداء من الطقس وحتى الطقوس التي اعتاد عليها الأوروبيون في شتائهم القارس. شتاء أوروبا الذي صاغ أساطيرها وحكايات الجدات، ينسحب بهدوء منذ ثلاث سنوات.

 

في مثل هذا الوقت كان الثلج يغزو أوروبا التي تنسحب عنها الشمس وتترك البشر فيها ليبتلعهم البرد والظلام. شهور تمر والبرد القارس والثلوج "تقرض" العظام والطرقات. الكل كان يسكن بجانب الموقد بحثا عن الدفء الذي يحاول جاهدا الهروب من النوافذ والأبواب محكمة الإغلاق.

 

نتذكر قصة "ملكة الثلج" والطفل "كاي" الذي تختطفه الملكة بعد أن تزرع في قلبه الحقد على صديقته غيردا التي تتمكن من إنقاذه بعد أن جمدته ملكة الثلج في مملكتها "بدموعها" الدافئة.

 

تتذكرون قصة بياض الثلج والأقزام السبعة التي منحتها السماء بياضا في جسدها كبياض الثلج، استجابة لدعوة أمها الملكة التي تقتلها الساحرة الشريرة لأنها خُلقت أجمل فتاة على سطح هذا الكوكب.

 

طبيعة مدينة دوردخت الهولندية جنوب أمستردام ربيع 2013  (الجزيرة)

ونتذكر حكاية بائعة الكبريت، رائعة الأديب الدانماركي هانس كريستيان أندرسن مطلع القرن الــ19، الفتاة الفقيرة حافية القدمين التي تبيع عيدان الكبريت لتعيل أمها المريضة، فتقضي ليلة رأس السنة، حيث تتساقط الثلوج، والبرد القارس، باحثة عن الدفء بإحراق عيدان الثقاب، التي يرفض أحدا أن يشتريها منها، فتموت بردا ويكفن الثلج جسدها الغض.

 

هذا العام كما سبقه 2014 و2013، تأتي ليلة رأس السنة إلى أوروبا، بدون ثلج ولا برد، لو عاش الأديب الدانماركي هذه الأعوام لما كتب روائعه القصصية، التي ألهمه الثلج والبرد بعضها.

 

أوروبا اليوم تعيش ربيعا مدهشا، الحرارة اليوم في ديسمبر/كانون الأول الذي صاغ أسطورة ميلاد المسيح ليناسب برد أوروبا، وصلت إلى 16 درجة مئوية فوق الصفر، الثلج هرب والدفء استوطن الروح والمنازل والطرقات.

 

حتى المحلات التجارية في أوروبا التي اعتادت منتصف أكتوبر/ تشرين الأول، على طرح منتجاتها لمواجهة شتاء القارة القارس، تعاني بضاعتها "الثلجية" من الكساد في مخازنها.

 

طبيعة مدينة دوردخت الهولندية جنوب أمستردام ربيع 2013  (الجزيرة)

الثلج هجر روحي

ثلاث سنوات مرت، لم يتغير فيها مناخ أوروبا فقط، بل سلوك الناس، عاداتهم الاقتصادية، والاجتماعية، أساطيرهم وحكاياتهم، من ولد في هذه السنوات، ستبدو له قصص أهله عندما يكبر قليلا، مجرد خيال جميل عن ثلوج تغطي جسد القارة بالبياض وبرد قارس يشبه قطيع ذئاب يجتاح الطرقات.

 

مريان لانس، سيدة هولندية، ولدت في شهر الثلج، عندما التقيتها كانت تحتفل بعيد ميلادها الستين، قلت لها "يقال إن الإنسان يتطبع بطباع الشهر الذي ولد فيه، لكنك لا تبدين كالثلج". نظرت إلى الخارج من النافذة والحرارة تخطت حاجز الـ 15 درجة مئوية، وقالت "الثلج يمنحني الطاقة والأمل، كان لي طقوسي في هذا الفصل، كنت أحب اللعب في الثلج، ثلاث سنوات مرت والثلج يهجر روحي".

 

بالنسبة لمريان فإن فصل الشتاء تجد نفسها فيه، وتقول "فيه خلقت وفيه قضيت أجمل ذكرياتي".

تروي ذكرياتها الجميلة في هذا الفصل كما لو كانت قصة عشق، تحاول جاهدة أن تشرح لي ما يحدثه هذا الفصل في كيانها. تقول "أحب بياض الطرقات، والبرد الذي يحشر نفسه بين جسدي ومعطف الفرو، أحب صوت الدوس على الثلج، ثمة موسيقى تحدثها ملامسة القدم لحنجرة الثلج". بالنسبة لكم أنتم تشبه موسيقى زقزقة العصافير في الربيع. بالنسبة لمريان الثلج عروس ترتدي ثوبها الأبيض وهي ترقص في الطرقات تغني.

 

طبيعة مدينة دوردخت الهولندية جنوب أمستردام ربيع عام 2013 (الجزيرة)

قمة المناخ

صنف 2015 كأكثر الأعوام ارتفاعا في درجات الحرارة منذ قرون مضت، وسيمتد الحال للأعوام المقبلة ومنها 2016 الذي ندخله، في ضوء تحذيرات أطلقتها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة تقول إن "موجات الحر ستكون أكثر وأشد حرارة، بينما ستتعرض مناطق كثيرة للفيضانات، كما ستتكرر كثيرا العواصف الشديدة التي قد تصل إلى مستوى أعاصير من الفئتين الرابعة والخامسة".

 

مؤخرا أقر ممثلو 195 دولة اجتمعوا في قمة المناخ في باريس اتفاقية تاريخية لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري، ودخلت حيز التنفيذ الفعلي، فهذا يعني أن المناخ العالمي لن يكون هو الوحيد الذي سيدخل في دائرة الخطر الكارثية، بل حتى ذاكرة الشعوب وتراثها الثقافي، وعاداتها وتقاليدها.

 

تهدف الاتفاقية إلى إلزام 55 دولة تتسبب بإطلاق 55% من الحجم الكلي للغازات الدفيئة التي تتسبب برفع درجات الحرارة على سطح الكوكب لدرجات غير مسبوقة، ارتفاع سيغير مفاهيمنا عن المناخ في الشرق والغرب، فشتاء أوروبا صار ربيعا، وربيع الشرق صار شتاءً أنهك دوله التي تعيش منذ سنوات حروبا دامية دمرت بنيتها التحتية وأسكنت كثيرا من شعوبها في خيم اللجوء.

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك