آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:41 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:41 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
-1/16-

جرح الشعوب لا يندمل

محمد المختار الخليل 
مدير تحرير موقع الجزيرة نت 

يستسهل كثير من السياسيين جرّ بلادهم إلى حروب صغيرة أو كبيرة، أهلية أو إقليمية، لتحقيق مآرب سياسية أو اقتصادية، أو حتى من باب المناكفات الشخصية في بعض الأحيان. وما من حرب إلا وستنتهي بعد حين، لكن آثار تلك الحروب تبقى محفورة في ذاكرة الشعوب ووجدانها.

 

حرب البوسنة -مثل باقي الحروب الدائرة اليوم على أراضي العرب والمسلمين- مزقت نسيج المجتمع عرقيا أو طائفيا، وهو الشرخ الذي يصعب على أهل السياسة ترميمه مهما طال الزمن، بخلاف الشرخ السياسي الذي يمكن أن ينهيه اتفاق الفرقاء السياسيين.

 

فاتفاق دايتون الذي أنهى الحرب البشعة في البوسنة، لا يزال اتفاقا سياسيا، ولم ينزل بعد عقدين من الزمن ليكون حقيقة على الأرض، فلا تزال القلوب دامية، والذاكرة مثقلة بالوجع ورفض الآخر، رغم أن الإطار السياسي للدولة يجمع  بين المكونات التي احتربت قبل عقدين، لكن الهوة لا تزال واسعة بين النفوس.

 

مأساة البوسنة تستنسخ اليوم على أكثر من رقعة عربية، ويغامر بعض عشاق الحروب والدمار بإحراق المنطقة تحت عناوين الطائفية والعرقية، وتعمى عيونهم عن تجارب سابقة كالبوسنة وغيرها. فقد سبقهم أمثالهم من مهووسي السلطة إلى إحراق الأخضر واليابس لتحقيق أحلامهم الفاشية، وانتهى بهم التاريخ أبشع نهاية في محاكم دولية أو تحت أحذية الشعوب الثائرة.. إلا أن مرض السلطة يعمي البصر والبصيرة.

 

الركون إلى إثارة النزعات الطائفية والعرقية يسهل على السياسيين حشد الشعوب لخوض المعارك، أكثر من الخلافات السياسية، غير أن السياسيين بعيدي النظر هم من يحصرون الصراعات في إطارها السياسي، حتى يسهل تجاوزه مجتمعيا بعد انتهاء الأزمة.. وما من أزمة  إلا ستنتهي، وما من صراع إلا وله نهاية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

ملف العدد

ملف العدد
شادي الايوبي - سراييفو

عاشت البوسنة قبل عشرين عاما واحدة من أبشع المجازر في سربرنيتشا تحت مرأى ومسمع العالم ومؤسساته في العصر الحديث، فماذا حصدت البوسنة ومسلموها بعد عقدين من الزمن على اتفاق دايتون الذي أنهى الحرب؟ هذا ما يحاول ملف "البوسنة.. حصاد عقدين" الذي أعده مراسل مجلة الجزيرة شادي الأيوبي أن يلقي بعض الضوء عليه.

 

عاش المسلمون البوشناق رحلة تاريخية طويلة من الصراع مع محيط البوسنة الأوروبي لأنها تقع على تخوم أوروبا الشرقية المشتبكة على الدوام مع الدولة العثمانية. وتعد مذبحة سربرنيتشا أحدث فصول الصراع مع المحيط  المسيحي. وبعد عشرين عاما يرصد تقرير احتفاظ المدينة وأهلها بذاكرة الوجع الذي حفرته المذبحة في وجدانهم.

 

ويتناول تقرير آخر العلاقة بين مكونات البوسنة الثلاثة المسلمون والصرب والكروات بعد عقدين على اتفاق دايتون الذي أنهى الحرب في البوسنة، وكيف يتعايش أبناء هذه المكونات مكرهين بحكم الجغرافيا رغم الذاكرة المثقلة.

 

وفي مقال  الزميل حسين جلعاد عن علي عزت بيغوفيتش الرئيس البوسني الراحل الذي قاد البلاد للانفصال عن الاتحاد اليوغسلافي، يتناول الكاتب شخصية الرجل وعلمه والصورة التي عكسها للإسلام الحضاري، بما يجعله واحدا من المجددين في الطرح الإسلامي الحديث.

 

ويحدثنا تقرير آخر عن الارتباط التاريخي للبوسنة بالدولة العثمانية، وكيف تستدعي سراييفو اليوم العباءة العثمانية باعتبارها الأقرب حضاريا، إلا أن هذه العلاقة لا تنفي أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي هو حلم المسلمين البوشناق، وهذا ما يتناوله تقرير آخر.

 

وفي سياق الحديث عن تاريخ البوسنة، يحدثنا تقرير عن العلاقة القديمة التي ربطت البلد بالعالم العربي، ودور الدين في تعزيز هذه العلاقة، وكيف يسعى الطرفان لإحياء هذا الرابط من خلال السياحة التي نشطت مؤخرا والعمل الإغاثي والإعلامي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

البوشناق.. تاريخ من الصراع

البوشناق.. تاريخ من الصراع

 

كان البوسنيون البوشناق يعتنقون قبل الإسلام مذهبا مسيحيا خاصا اسمه البوغوميلية، كان مختلفا عن معتقدات بيزنطة وروما، زعمت كل واحدة منهما أن البوغوميلية فرع منها وحاولت إخضاع الكنيسة البوسنية لها، فيما يبدو أن بوسنيين عدة اعتنقوا الإسلام قبل الفتح العثماني عن طريق التجار والدعاة المسلمين.

 

بدأ العثمانيون بدخول البلقان عام 1353، واستولوا على مقدونيا عام 1371، ثم هزموا الصرب في معركة كوسوفو الشهيرة عام 1389، وفي عام 1428 أعلن ملك البوسنة خضوعه للعثمانيين وقبوله بحمايتهم مقابل دفع الجزية، ثم تمرد عليهم عام 1463 ورفض دفع الجزية فافتتحت الجيوش العثمانية البلد.

 

برزت شخصيات بوسنية عديدة، أشهرها الغازي خسرو بيك (1480-1541)، كما وصل آخرون منهم إلى مناصب رفيعة في الإدارة العثمانية.

 

وفي عام 1697 هزمت الجيوش النمساوية العثمانيين وتقدمت نحو سراييفو وأحرقتها، وفي عام 1737 هاجمت النمسا البوسنة من جديد مستغلة انشغال العثمانيين بحرب الروس، فقاومها الجيش البوسني والسكان وهزموها، بعد ذلك تعرض المسلمون في البلقان للتطهير العرقي حتى الحروب البلقانية، وقد قام سكان البوسنة بثورة على العثمانيين عام 1830 للمطالبة بحكم ذاتي مثل الصرب إلا أن الوالي العثماني قضى على الثورة بعنف.  

خارطة تظهر مناطق المجازر التي ارتكبها صرب البوسنة والمقابر الجماعية في البلد (الجزيرة)

وفي عام 1878 خضعت البوسنة للحكم النمساوي المجري مع إقرار اسمي بتبعيتها للسلطان العثماني بموجب اتفاقية برلين، قاوم البوشناق الاحتلال النمساوي مدة شهرين دون جدوى، لم تحترم تلك الإدارة تعهداتها بعدم التدخل في شؤون البوشناق الدينية، وفي عام 1882 عين السلطان العثماني رئيسا لعلماء يمثل البوشناق، وذلك بطلب منهم.

 

تعرض البوشناق أثناء فترة الحكم النمساوي للتضييق وحملات التنصير، فهاجر حوالي ثلاثمئة ألف منهم إلى أراضي الدولة العثمانية، وأعلنوا العصيان المدني ضد النمسا عام 1900 مطالبين باستقلالية التعليم والشؤون الدينية، وناضلوا حتى عام 1909 حيث انتخب مجلس وطني يمثلهم بصلاحيات محدودة.

 

ضمت النمسا البوسنة إليها عام 1908، مما أثار أحقاد المكونات جميعها، ودفعت لاحقا الصربي غافريليو برنسيب لاغتيال ولي العهد النمساوي وزوجته في سراييفو، مما سبب اندلاع الحرب العالمية الأولى.

 

أنهت الحروب البلقانية (1912-1913) وجود العثمانيين في البلقان بشكل تام، وأثناء سنوات الحرب العالمية الأولى استباح الصرب مدن ومساجد المسلمين وأحرقوها ونهبوا ثرواتها.

 

بعد رحيل الاحتلال النمساوي عام 1918 خضعت البوسنة لهيمنة مملكة يوغسلافيا، فعملت سلطات المملكة اليوغسلافية الجديدة كذلك على تهجير المسلمين من أراضيهم ثم إبادتهم، وقد شارك الصرب والكروات في هذه العمليات بحجة أن المسلمين أتراك يجب أن يرحلوا من البلاد.

 

مبان من العهد الشيوعي لا تزال متميزة في سراييفو(الجزيرة)

أثناء الحرب العالمية الثانية أعلن النازيون عن قيام دولة كرواتيا التي تضم البوسنة والهرسك، فيما اعتبر صرب البوسنة أنها فرصة للتخلص من البوشناق والكروات بحجة التعاون مع النازيين، وفي فترة الحرب استغل الصرب الاضطرابات وقاموا بمجازر مروعة بحق البوشناق.

 

تم الإعلان عن الاتحاد اليوغسلافي الاشتراكي من ست جمهوريات عام 1945، وفي نفس العام تشكلت حكومة بوسنية ضمن الاتحاد، وبعد استتباب الأمر للشيوعيين بدؤوا بمضايقة البوشناق، فألغوا المحاكم الشرعية وحظروا الجمعيات الإسلامية باستثناء المشيخة الإسلامية.

 

أشار دستور يوغسلافيا عام 1963 لأول مرة إلى المسلمين كقومية متميزة عن غيرها، لكن السياسة الشيوعية قامت بنشر الإلحاد بين البوشناق، وعادت النزعات القومية الصربية والكرواتية بعد وفاة تيتو عام 1980.

 

في عام 1990 فاز حزب العمل الديمقراطي برئاسة الرئيس الراحل علي عزت بيغوفيتش بالانتخابات، ثم أعلنت البوسنة استقلالها في مارس/آذار 1992 بعد استفتاء قاطعه الصرب، وفور إعلان الاستقلال بدأت القوات العسكرية الصربية حربها ضد البوشناق بحجة حقهم في معارضة الاستقلال، ثم نقلت صربيا أعدادا كبيرة من جيشها إلى البوسنة لمناصرة صرب البوسنة.

 

النار التي لا تنطفئ في وسط سراييفو وهي تخلد ذكرى المقاتلين الذين حرروا سراييفو من النازية (الجزيرة)

اعترفت الأمم المتحدة باستقلال البوسنة لكنها أعلنت حظر توريد السلاح لدول يوغسلافيا السابقة، وهو ما تم تطبيقه عمليا على المسلمين فقط، وقد استمرت الحرب أربع سنوات تقريبا قتل فيها أكثر من مئتي ألف من مختلف العرقيات، ودمرت مناطق المسلمين وغيرت تركيبة السكان، وانتهت بتوقيع اتفاق دايتون عام 1995.

 

تأسس وفق الاتفاقية كيانين في البلد لكل واحد حكومة خاصة، الفدرالية ذات الأغلبية البوشناقية-الكرواتية ولها 51% من أراضي الدولة، وكيان صربسكا وله 49% منها، إضافة الى إقليم بريتشكو الذي يتمتع بوضعية خاصة.

 

تقسم فدرالية البوسنة إلى عشرة كانتونات لكل منها حكومة محلية وصلاحيات بخصوص الصحة والأمن والتعليم، وتأتي البلديات في المقام الثالث بين السلطات المحلية، أما كيان صربسكا ففيه حكومة واحدة وبلديات بصلاحيات واسعة.

 

مقر الرئاسة البوسنية (الجزيرة)

يحكم البلاد مجلس رئاسي ثلاثي من الأعراق الثلاثة، يتداول على رئاسته أحد الأعضاء لمدة ستة أشهر، وصلاحيات المجلس محدودة وقراراته تؤخذ بالتوافق، وهناك مجلس وزراء بتسع وزارات على مستوى البوسنة، ومجلس النواب الذي عدد أعضائه 42 ويتكون من غرفتين، وتم توحيد القوات المسلحة عام 2005 في كيان واحد يتكون من عشرة آلاف مقاتل وخمسة آلاف من الاحتياطيين.

 

وحسب إحصاءات غير رسمية، يبلغ سكان البلاد أربعة ملايين نسمة حسب إحصائية 2013، وينقسمون عرقيا كالتالي: البوشناق 54%، الصرب 33%، الكروات 12%، إضافة إلى أعراق أخرى صغيرة مثل اليهود والغجر وغيرهم، وهم يتحدثون اللغة البوسنية وهي الرسمية، واللغتين الكرواتية والصربية، مع عدم وجود فوارق جوهرية بينها، ومن أكبر المدن سراييفو العاصمة، وبنيالوكا عاصمة كيان صربسكا، وتوزلا وزينيتسا، وموستار، وبيهاتش، وبريتشكو.

 

تبلغ مساحة البوسنة والهرسك 51 ألف كلم مربع، تحدها كرواتيا من الشمال والغرب والجنوب، وصربيا والجبل الأسود من الشرق، لها شاطئ ساحلي طوله 26 كلم على البحر الأدرياتيكي، المناخ قاري، حار صيفا وبارد شتاء مع ثلوج، وتتكون جغرافيا من إقليمي البوسنة وهو القسم الشمالي، والهرسك وهو القسم الجنوبي من البلاد وأشهر مدنه موستار، تغطي الغابات أكثر من نصف مساحة البلاد، وأشهر الأنهار نهر البوسنة، وسافا، وأونا، ودرينا، ونيريتفا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

سربرنيتشا.. ذاكرة الوجع المتجدد

سربرنيتشا.. ذاكرة الوجع المتجدد

لا يكفي أن تقرأ مقالات أو تشاهد أفلاماً وثائقية لتفهم وجع هذه المدينة اليتيمة. كذلك لا يكفي أن تزورها يوم دفن الضحايا لتعرف مقدار بؤس أهلها وشقاءهم، وهم يرون العالم الذي تركهم يقتلون قبل عشرين عاما، لا يزال يدير ظهره لهم، رافضاً أن يعتذر على مأساتهم التي تسبب بها.

 

الذكرى العشرون لمأساة سربرنيتشا (تعني أرض الفضة نسبة لمنجم الفضة الموجود في أرضها وقد عطلته الحرب) جاءت ثقيلة مثل كل عام. ويقول ذوو الضحايا إنه لا جديد في مأساتهم التي أصبحت اليوم رمزاً إنسانياً تسعى معظم الدول والمنظمات الدولية والإنسانية أن تثبت فيه حضورها. فذووهم مقتولون ومفقودون، وكثيرٌ من المجرمين طلقاء أحرار، ولا يزال كثير منهم مهجراً من منزله لأسباب شتى.

 

مشهد لمدينة سيربرينتسا التي قتل فيها 8000 مسلم عام 1995(رويترز)

امتلأت البلد بملصقات متعلقة بالمأساة. وفي بلدية سراييفو أقيم معرض صور ووثائق يسجل أحداث المجزرة. كما أقامت جهات خاصة كذلك معارض مماثلة. واللافت الإقبال الكبير على تلك المعارض من قبل السياح الأجانب على تلك المعارض رغم مأساوية الصور والمشاهد التي تعرض فيها.

 

الفيتو الروسي الذي حال دون وصف مجلس الأمن للجريمة بالإبادة الجماعية، ضاعف أوجاع ذوي الضحايا، إذ فهموا من جديد أن القوة تنتصر على الحق. هذا الفيتو ترجمه الصرب الساكنون في المناطق المجاورة للمدينة في صورٍ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ألصقوها على جدرانهم، معبرين عن امتنانهم للموقف الروسي. وهكذا كان يتعين على ذوي الضحايا الذين يزورون المدينة يوم السبت 11 يوليو/تموز 2015، أن يروا صورة الرئيس الروسي حامي قتلتهم في كل قرية صربية يمرون بها.

 

هذا العام تم العثور على 136 جثة دفنت لتنضم إلى 6241 جثة عثر عليها سابقاً، ولا يزال البحث جارياً عن 1200 جثة. التوابيت الخضر التي تظهرها الشاشات، خفيفة الوزن إلى درجة كبيرة، حيث لا تحوي إلا بعض عظام الضحايا.

 

شرطي بوسني يحرس موقع أحياء ذكرى المذبحة (الجزيرة)

تجمع عشرات الآلاف في مقبرة المدينة تحت الشمس المحرقة، جاؤوا من داخل وخارج البلد. عشرات الجمعيات وآلاف الأفراد يتنافسون في رفع لافتات وارتداء قمصان تندد بالمجزرة وتدعو إلى عدم نسيانها. في المبنى المقابل كان زعماء دوليون يلقون كلمات بمناسبة المجزرة، لكن ذوي الضحايا لم يكونوا يهتمون كثيراً بتلك الكلمات التي كانت تنقلها شاشة كبيرة في الخارج.

 

الصعب في هذه المواقف أن تكون صحفياً تدعو المكلومين للحديث عن مأساتهم. البعض يتحدث والآخر يعتذر بأدب، لكنّ أحداً منهم لا يعترض على عشرات الكاميرات التي كانت تقتحم عليه خصوصية حزنه. الجو المشحون لم يتحمل قيام رئيس الوزراء الصربي بزيارة المكان، حيث ندد به المشيعون وهاجموه بعبوات المياه حتى اضطر للهرب من المكان تحت حماية الشرطة.

 

مجلة الجزيرة التقت بمقاتلين سابقين جاؤوا بملابسهم العسكرية القديمة، وقد تحولوا اليوم إلى متطوعين مدنيين يساعدون المحتاجين من مواطنيهم. يقول أحدهم واسمه ألفيدين إيميدجيتش، إنه كان في السابعة عشرة حينما قاتل الصرب. ويضيف أن المقاتلين على الخطوط الأولى كانت لديهم أسلحة قديمة، وكانوا يتناوبون على استعمالها لعدم وجود غيرها.

 

أقارب ضحايا قتلوا في مذبحة بريجيدور بالبوسنة قبل عشرين عاما ودفنوا في قبور جماعية (غيتي )

وأضاف أن سعي البوسنة للانضمام للاتحاد الأوروبي حال دون بقائه في الجيش البوسني، لأن الأوروبيين طلبوا تخفيض عديد الجيش. ولا يستبعد إيميدجيتش، في ظل الأوضاع الجارية، نشوب حرب جديدة، معرباً عن مخاوفه من ضعف البوشناق جراء تخفيض عدد القوات المسلحة. ويختم قائلاً إن المشاعر القومية متأججة بشكل واضح لدى الشباب من كل الطوائف.

 

في المقابل، يقول المحلل السياسي محمد توليتش إن المسلمين كانوا يشكلون أكثر من 75% من عدد سكان سربرنيتشا الذي بلغ قبل الحرب 36 ألفا و666 شخصاً. وأوضح أن الصرب قتلوا من أمسكوا من رجال المدينة، ورحّلوا النساء والأطفال إلى مدينة توزلا الواقعة شمالها، مضيفاً أنه لم تجر حوادث اغتصاب ممنهجة، لأن هدف الصرب الأول كان التطهير العرقي.

 

وأضاف أن المدينة خلت من البوشناق أثناء الحرب، ثم نصّت اتفاقية دايتون للسلام (ديسمبر/كانون الأول 1995) على إرجاع المهجرين إلى ديارهم. وقد حاول المسلمون العودة إلى منازلهم مباشرة، لكن الصرب كانوا أسكنوا فيها مهجّرين صرباً من فدرالية البوسنة والهرسك. وفي بدايات عام 1996 بدأ التنفيذ الإلزامي لبند إرجاع المهجّرين، فعاد قسم مهم منهم إلى دياره رغم عرقلة الصرب الذين لجؤوا إلى تدمير البيوت، كما تعرض العائدون في البداية لحالات قتل.

 

عجوز بوسنية تطالع مجلة عن الجريمة تم توزيعها في الجنازة بذكرى المجزرة (الجزيرة)

وقال توليتش إن غالبية المسلمين عادوا اليوم إلى المدينة التي تشكل بلدية ضمن كيان صرب البوسنة، في حين هناك آخرون مسجلون فيها ولا يسكنونها بشكل دائم، وقد تم انتخاب رئيس بلدية مسلم لها. وأوضح أنهم اليوم يعيشون بحرية وأمان فيها، ولا يتعرضون لمضايقات.

 

وقال إن بعض مسلمي سربرنيتشا ومناطق أخرى في شرق البوسنة تبادلوا منازلهم وأملاكهم مع صرب في مناطق أخرى مثل سراييفو التي كانت تضم قبل الحرب حوالي 150 ألف صربي، رحل معظمهم لاحقاً. كما أن الكثيرين من المسلمين -خاصة الشباب- لم يجدوا أعمالاً في قراهم التي عادوا إليها بعد إغلاق المصانع التي كانت تشغّلهم، مما اضطرهم للعودة إلى المدن الكبرى.

 

وأوضح أن القانون يضمن وجود نسبة معينة من المسلمين ضمن أجهزة الحكم المحلي في المدينة وجهاز الشرطة في مناطق الكيان الصربي، مضيفاً أن معظم الصرب اليوم في البلد ينكرون قيامهم بأي دور في قتل البوشناق، لكن هذا لا يعني عدم وجود مضايقات مثل فرض المنهاج الدراسي الصربي على الطلاب المسلمين في مناطق الكيان الصربي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

20 عاما على "دايتون".. يرضى القتيل ولا يرضى القاتل

20 عاما على "دايتون".. يرضى القتيل ولا يرضى القاتل

بعد عشرين عاما من توقف الحرب في البوسنة، يبدو أن البوشناق هم المكون الوحيد الذي يسعى إلى تكوين دولة مستقلة تشمل جميع الأعراق الموجودة في البلد، وهم يرفضون -رغم الإبادة التي شنت عليهم- أن تكون البوسنة دولة "بوشناقية" مسلمة خالية من الأعراق والمكونات الأخرى، ولعل هذا الخوف يأتي من كون تلك الدولة ستكون حينذاك مستهدفة بشكل واضح من جيرانها المتربصين.

في المقابل، لا يبدو أن المكون الصربي أو الكرواتي تخلى تماماً عن حلم الانضمام للجارة الأم، وهو الحلم الذي تسبب في كل تلك المآسي التي عاشتها البلد.

 

أما اتفاقية "دايتون"، فيرى البوشناق أن حسنتها الوحيدة هي وقف الحرب والقتل، بينما أنشأت دولة مكبلة بالقيود البيروقراطية والعرقية، وبكيانات مختلفة تعمل على تعطيل الدولة، كما أنها خلقت جهاز دولة مكبلاً بآلاف الموظفين والإداريين، الذين يستنزفون ميزانية الدولة دون فائدة تذكر.

 

المجلس الرئاسي للبوسنة وعلى اليسار الرئيس البوسني بكر بيغوفيتش نجل أول رئيس بوسني الراحل علي عزت بيغوفيتش (غيتي)

ويذكر البوشناق بفخر وامتنان الجنود والضباط الصرب الذين قاتلوا مع البوسنيين بإخلاص حتى النهاية، رغم أن بعض ذوي أولئك الصرب تعرض للأذى من بعض البوشناق.

 

ويشدد البوشناق على أن ما جرى لهم كان إبادة جماعية ولم تكن مجازر، وينوهون إلى الفرق بين المصطلحين، وهم عاتبون على الإعلام العربي لعدم تفرقته بين الأمرين.

 

كما يلفتون النظر إلى أنه بعد عشرين عاماً من السلام، لا يزال الصرب يلاحقون قادة الجيش البوسني في كل مناسبة، ويحاولون جرهم إلى المحاكم الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضدهم.

 

تشييع المئات من ضحايا الحرب في سيربرينتسا عام 2010 في الذكرى 15 للمذبحة (أسوشيتد برس)

في المقابل، يروج الصرب أن ما جرى كان حرباً أهلية، وأن كل عرقية قامت بتجاوزات بحق غيرها، ولا صحة لقول البوشناق بوجود مخطط تطهير عرقي قام به الصرب بحقهم.

 

لكن الكثيرين من البوشناق يرون أن الصرب نجحوا في النهاية في تنفيذ مخططهم، وقسموا البوسنة، والدليل أن الكثير من المناطق الشرقية في البلد لم يرجع إليها أصحابها، ليس بسبب الحرب، ولكن لأن المنطقة لم تعد قابلة للحياة فيها بسبب إغلاق المصانع التي كانت تعمل هناك.

 

من أجرم بحق من؟

يقول الباحث الاجتماعي أحمد زلجيتش إن عسكريين بوشناقا ارتكبوا جرائم بحق الصرب وعوقبوا عليها، لكنها جاءت بدافع انتقامي، ولم يكن مخططاً لها، كجرائم الصرب التي كانت عبارة عن مخطط تطهير عرقي واضح.

 

ويضيف أنه في الفترة التي سبقت الحرب كان هناك شحن ضد البوشناق، حيث أحس الصرب بأنها اللحظة التاريخية للحصول على دولة موحدة لهم، قالوا لأنفسهم "إن لم نعمله الآن فلن نعمله أبداً.. لقد طردوا وقتلوا وقاموا بتطهير عرقي".

 

ويوضح أنه بعد انتهاء الحرب كان هناك مستويان من تطور العلاقات بين الفريقين: الأول على المستوى الشعبي، وفيه مؤشرات إيجابية مع مشاكل عديدة، والثاني على المستوى السياسي، والأمور فيه أصعب من ذلك بكثير.

 

بوسنيات مهجرات من سريبرينيتسا يزرنها بمناسبة المجزرة (الجزيرة)

وحول الجيل الناشئ، يقول إن الشباب الذين ولدوا خلال الحرب أكثر تطرفاً من الذين شاركوا فيها، لأنهم لم يعرفوا ويلاتها، وينظرون إليها كفكرة رومانسية، خاصة الشباب الصرب.

 

ويلفت النظر إلى أن المسلمين الذين يعيشون ضمن الكيان الصربي يتعرضون لضغوط، لأنهم يخيبون أمل الصرب بطردهم من تلك المناطق، بينما يعودون هم إليها. ويقول إن بعض البوشناق خارج البوسنة لديهم منازل في مناطق الصرب ولا يبيعونها تمسكاً بها.

 

وبكلمات مختصرة يقول "كل الفئات تدعي اليوم أنها مظلومة، لأنها لم تربح، الجميع خسروا، والكل أراد شيئا ولم يحصل عليه".

 

صور المفقودين في حرب البوسنة في مدينة توزلا عام 2007 في سياق التحقيق من قبل محكمة الجنايات الدولية (رويترز)

أما المنتج والصحفي المصري المختص بالبلقان أسعد طه،  فيذكر أن الرئيس علي عزت بيغوفيتش كان يقول لجنوده قبل توقيع الاتفاق بشهور طويلة "اعلموا أنكم تناضلون لأجل السلام، لكن السلام ليس دوماً عادلا".  لقد كان يدرك بحسه وفطنته أنه سيضطر يوماً إلى توقيع اتفاق ينقذ أمته، لكنه لن يكون سلاماً عادلاً.

 

ويروي طه عن باكر عزت بيغوفيتش -نجل علي عزت والرئيس الحالي- تفاصيل عن توقيع الاتفاقية، حيث رفض الرئيس ضم مدينة برتشكو للكيان الصربي، مما أغضب المفاوض الأميركي.

 

إثر ذلك، قال الأميركيون بغضب: يا سيد بيغوفيتش لقد انتهت المفاوضات، يمكنكم العودة إلى الحرب. وبدأ وفدنا الاستعداد للعودة، وفجأة عاد المفاوض الأميركي الغاضب، وسأل -دون أن ينظر في عيني الرئيس-: هل تقبلون تحكيما دوليا بخصوص "برتشكو"؟ فكّر الرئيس لحظة ثم قال: أقبل. لكن بشرط أن تؤجل تلك الخطوة. ردّ الأميركي: إذن وقّع هنا. وهكذا تم التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية "دايتون". بعد ذلك تم توقيع الاتفاقية رسمياً في باريس، ثم استرجعنا "برتشكو" لاحقاً بالتحكيم.

 

سراييفو وفي خلفية الصورة تظهر الجبال التي كان الصرب يسيطرون عليها ويمطرون منها المدينة بالقذائف يوميا (الجزيرة)

يضيف طه أنه بعد الاتفاق كان على الصرب الذين سكنوا بيوت المسلمين تسليمها لمالكيها، وهنا حدث مشهد مرعب، حيث كان الصرب ينزعون منها كل شيء يمكن نزعه، ولو استطاعوا أن يحملوا الجدران لفعلوا: الأبواب وإطاراتها، الأنوار، علب الكهرباء، مفاتيح النور، حنفيات المياه ، انتزعوا كل شيء وحملوه معهم قبل أن يشعلوا النيران في ما تبقى، ثم رحلوا.

 

ويضيف أن الاتفاق أنشأ كيانا هزيلا، وعلى أوروبا أن ترتق ذلك الثوب المهلهل الذي صنعته. وقضايا مثل قضايا المفقودين غير المعروف مصيرهم حتى الآن، وزعماء الصرب الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية أمام أوروبا والعالم يجب أن يحاكموا، وأن يكف العالم عن مساواة الضحية بالجاني، إرضاءً للأخير لينفذ الاتفاق.

  

ويذكر طه أن القيادات العسكرية المسلمة تجنبت توثيق بطولاتها في الدفاع عن بلدها، لأنها مهددة دائما بالإحالة إلى محكمة العدل الدولية بدعوى ارتكابها جرائم ضد الصرب، وأي توثيق لهذه النضالات يعد أدلة اتهام.

 

ويبدو أن البلد ستمضي بفريقين متنازعين: البوشناق المعتدى عليهم والراغبين في بناء دولة مستقلة، والصرب الراغبين في الانضمام إلى صربيا والمصرين على ملاحقة من قاومهم في الحرب، حتى يصح المثل القائل: يرضى القتيل ولا يرضى القاتل.
السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

التعايش الإجباري بذاكرة مثقلة

التعايش الإجباري بذاكرة مثقلة

 

يتفاخر أبناء سراييفو بإطلاق اسم "القدس الصغيرة" على مدينتهم بسبب التنوع الديني الذي لا تزال تحتفظ به إلى حد كبير، ففي أكثر من شارع تتجاور الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية مع المساجد الإسلامية والمعابد اليهودية، وهو أمر نادر في البلقان.

 

ورغم بشاعة الحرب التي قتلت أعدادا كبيرة منهم، لا يزال البوشناق متمسكين بالدولة، ويحرصون ألا يربوا أبناءهم على الحقد أو الانتقام، وإن كان من الصعب عليهم تجاوز تلك الأيام المريرة، التي لا تزال واضحة على وجوههم وعلى كثير من الأبنية التي أصابها الدمار.

 

الحرب أدت إلى تغيير في صفوف المسلمين البوشناق الذين كانوا بعيدين عن دينهم قبلها، فقد ظهر جيل من الجنسين جديد ملتزم بالدين الإسلامي، وإن كان هذا التنوع لا يعيق التواصل بين فئات المجتمع.

 

ويعتبر معظم من قابلتهم مجلة الجزيرة أن اتفاقية دايتون كان لها إيجابية يتيمة، هي إيقاف الحرب، في المقابل لم تقد إلى إقامة دولة ناجحة، كما أن بنودا منها لم تطبق بعد لأسباب عديدة.

 

مبان قديمة تضررت بفعل الحرب ولم ترمم إلى اليوم (الجزيرة)

مجلة الجزيرة زارت أسرة من ضحايا الحرب، فالسيدة نورا بيغيتش التي كانت تسكن سربرينيتشا، فقدت أخاها وأباها وأقرباء آخرين في المدينة، وعثر على رفات بعضهم، فيما لا يزال الآخرون مجهولي المصير، ومنذ مقتل أخيها تعيش معها ابنته التي ولدت في ذلك العام.

 

تقول سلمى بيغيتش، من مواليد 1995، ما تعرفه عن والدها كما قالوا لها، أنهم وجدوه في ثلاث مقابر جماعية مختلفة. وتوضح سلمى، التي درست في مدرسة "القزّاز" الخيرية لأبناء الشهداء، أنها لا ترى لنفسها مستقبلا في البوسنة، لكنها ستعيش فيها مثل سائر أقاربها، وتحلم بأن تصبح معلمة أطفال.

 

وتوضح أنها ليس لديها أي صديقات غير مسلمات، لأنها لا ترتاح لهذه الصداقات، ولو كانت لديها جارة كرواتية في عمرها فهي ربما ستسلم عليها، لكنها لن تكون صديقة لها بسبب ذكريات الحرب الماضية، وهي ترى أن "الكروات أخف ضررا من الصرب". وتضيف أن "قريناتها من العرقيات الثلاث يمكن أن يعشن معا، لكنهن لن يكن صديقات".

 

عن صديقاتها المسلمات تقول إن معظمهن لا يرتدين الحجاب بسبب التربية المنفتحة في منازلهن، لكنهن يرتدين ملابس أكثر احتشاما عندما يخرجن معها احتراما لحجابها، كما أنهن يؤدين بعض الفرائض الدينية مثل الصلاة والصيام أحيانا.

 

بوسنية تبكي أقاربها ضحايا مذبحة سيربرينتسا في ذكراها العشرين (رويترز)

وتوضح سلمى أن عددا قليلا من صديقاتها يمكن أن يتزوجن من غير البوشناق، معتبرة أنهن لم يتعلمن من الحرب التي فقدت أكثرية البوشناق بعضا من أقاربهم فيها، وتعرب عن مخاوفها من قيام القنوات التلفازية الصربية بحملة تشويه للمسلمين في الأشهر الأخيرة، حيث يصرح مسؤلون رسميون صرب عن عدم حبهم للبوسنة وعن كونهم يعيشون فيها قسرا.

 

لا تخفي سلمى تشاؤمها حول مستقبل البوسنة بسبب ما تراه من السياسيين الصرب، وبسبب ما تقول إنه "فكر كاراديتش" الذي لا يزال منتشرا بينهم، موضحة أنها تخاف حتى من رجال الشرطة الصرب.

 

وتوضح عمتها نورا بيغيتش أنها عاشت حصار سربرينتسا بكل سنواته وتفاصيله، ثم انتقلت هي ووالدتها وأخواتها إلى زغرب ثم النمسا حتى العام 1996. هناك انقطع التواصل مع ذويها المتبقين في المدينة، وعندما انتشرت أخبار الإبادة في القنوات التلفازية لم تصدقها هي وأخواتها، ثم جاء بعض أقاربها الرجال فارين إلى مدينة توزلا، لكن قسما آخر لم يظهر، ولم يعرف مصيره حتى اليوم.

 

وتقول إن زملاءها الصرب في مدرسة سربرينيتسا انسحبوا ورحلوا إلى صربيا قبل أشهر من الحرب، حتى لم يتبق فيها إلا البوشناق، مما يعني أن ذويهم كانوا يعلمون بما سيجري.

 

قبر الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيغوفيتش تحت القبة المعدنية (الجزيرة)

وتضيف نورا أنها، لأن الصرب قتلوا أخاها ولم يعلنوا من قتله، ستظل تشك بأن أي صربي هو قاتله، وتوضح أن فريقا من الصرب لم يرضوا بتلك التعديات، لكنهم قليلون جدا، كما أنهم سكتوا أثناء الحرب ولم يعارضوها. كما أن الصرب اليوم لا يزالون يراوغون ويزعمون أن ضحايا سربرينيتشا عددهم لا يتجاوز 1800، وتقول "إن كل صربي اليوم يقول إنه لم يقاتل ولم يَقتل، فمن الذين قتلونا إذن ؟!".

 

وتعرب بيغيتش عن اعتقادها بأن الأمور لن تعود يوما كما كانت قبل الحرب، وإن كان يجب على الأجيال القادمة أن تتعايش.

 

في المقابل يعتبر جلال إبراكوفيتش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة سراييفو، أن اتفاقية دايتون أوقفت حربا لم تكن في صالح أي طرف.

 

ويضيف إبراكوفيتش، الذي شارك في الحرب ضابطا، إن البوشناق كانوا مرهقين من تبعات الحرب حين وقعوا الاتفاقية، وإن كانوا حينها أفضل تنظيما منهم عام 1992، لذلك يعتبر البعض أن الاتفاقية أوقفت تمدد الجيش البوسنوي.

 

مسجد ومقر رئيس هيئة العلماء المسلمين في البوسنة (الجزيرة)

وأوضح أن مشكلة الاتفاقية هي إبقاؤها على الوضع الإثني الذي يشكل مصدر الصراعات والخلافات في البلد، ويقول إن التقسيم العرقي كان مناسبا للصرب، لكن البوشناق المسلمين يعارضونه، لأن لديهم مشكلة عالميا مع القومية.

 

واعتبر أن الجيش البوسنوي قاتل دفاعا عن دولة حرة متعددة الأعراق تمتد جذورها إلى ألف سنة في الماضي، لكن البلد وقع ضحية مشروعي صربيا وكرواتيا الكبريين وتضاد مصالح القوى الكبرى. وأبدى أسفه لأن "الجيش اليوغسلافي الذي موله البوشناق انقلب عليهم وتفنن في قتلهم واغتصاب نسائهم، وهو ما بقيت آثاره عليهم".

 

ولا يعتقد إبراكوفيتش أن العدوان على البوشناق دمّر التعايش الذي كان موجودا بين الأعراق المختلفة، مشيرا إلى مناطق تتعايش فيها الإثنيات بسلام اليوم، وإلى أن هذا العدوان لم يكن الأول في تاريخ البوسنة.

 

ويقول إنه حتى الأمهات اللاتي كن الخاسر الأكبر في الحرب، يمددن اليوم أيديهن للتعاون والمسامحة، كما يشير إلى وجود طلاب صرب وكروات في جامعة سراييفو وتفوق بعضهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

البوسنة المسلمة تستدعي العباءة "العثمانية"

البوسنة المسلمة تستدعي العباءة "العثمانية"

 

ليس من جديد القول إن العلاقات بين البوسنة وتركيا تاريخية، تمتد وتتشعب في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة؛ فإسطنبول كانت قبلة الرعايا العثمانيين الذين كانوا يسكنون في البلقان وجمهوريات آسيا الوسطى، حيث كان مسلمو تلك البلاد يسافرون إليها طلباً للعلم، كما كانوا يخدمون في جيشها وإداراتها، وفي أوقات الخطر كانوا يلجؤون إليها بوصفها مأوى أخيرا عندما تداهمهم الأخطار وتضطرهم للرحيل عن أرضهم.

 

وعن مكانة إسطنبول يشرح د. مصطفى ياهيتش من مكتبة خسرو بيك لمجلة الجزيرة "نحن مسلمون منذ الفتح العثماني، ومنذ ذلك الحين نتعلم العربية وعلوم الإسلام في إسطنبول، ثم ازداد عدد طلاب العلم، فأقيمت مدارس في البوسنة للإسلام والعربية".

 

ثم إن الهوية الإسلامية للبوشناق تراجعت خلال القرن الماضي مع تراجع الدولة العثمانية عن أراضيها البلقانية، لا سيما خلال فترة الحكم الشيوعي، لتحلّ مكانها هويات أخرى اخترعتها الأفكار والمبادئ الشيوعية.

 

عن تلك الحقبة يقول د. أحمد زيلديتش الباحث في معهد الاستشراق في سراييفو، إنه خلال الحكم الشيوعي اختفت كل الهويات إلا الهوية الشيوعية، مضيفاً أن بعض الناس يرون أن هذا كان من أسباب الحرب، ويقول "كنا نعرف أنفسنا "بيوغسلافيين" على مستوى الفدرالية و"بوسنيين" على مستوى الجمهورية، وفي المركز الثالث أو الرابع نكون "مسلمين" أو غير ذلك".

 

سائحتان تركيتان في سراييفو تعكسان الارتباط القوي بين تركيا والبوسنة (الجزيرة)

ويوضح أن "أول مرة وعيت فيها لمَن أنا عندما أخذت جواز سفر للهجرة، فعندما تخرج من البوسنة يقولون عنك بوسني. كانت التداخلات بين القوميات تشبه جلد النمر، كلها نقاط مختلطة ببعضها البعض، ويستثنى منطقة بيهاتش التي كانت دائما مسلمة في أغلبيتها".

 

ومع انتهاء الحرب بدأت تركيا تمد يدها شيئاً فشيئاً إلى منطقة البلقان لا سيما البوسنة، حيث قامت بمشروعات عديدة في مجالات التراث والثقافة والاقتصاد والسياحة والإعلام، كما حدث تقارب سياسي كبير بين البلدين، وشجع على ذلك وجود جالية بوسنية كبيرة في تركيا كانت استقرت فيها خلال فترة الاضطرابات المختلفة في البوسنة.

 

ويلاحظ الزائر لمدينة سراييفو انتشار البنك التركي المعروف "زراعت بنك" في الشوارع الرئيسية في المدينة وامتداده حتى الأحياء المختلفة بها، مما يشير إلى وجود سوق ورغبة شعبية للتعامل مع البنك المذكور، كما يوجد أكثر من فرع للمركز الثقافي التركي "يونس إمره" في سراييفو، ويعمل المركز على تدريس اللغة التركية.

 

وقامت الحكومة التركية بترميم الكثير من الآثار الإسلامية العثمانية في البلديات، كما جرت عمليات المواءمة مع البلديات التركية وتقديم مساعدات رسمية وشعبية بشكل كبير، إضافة إلى رجال الأعمال والطلاب الأتراك، فقد ازدادت السياحة التركية إلى البوسنة بشكل كبير.

 

حمام عيسى بيك الذي أسهمت تركيا في ترميمه وحضر أردوغان افتتاحه (الجزيرة)

وبجانب السفارة التركية التي تنشط في توثيق العلاقات بين البلدين ومساعدة الأتراك في الدراسة والاستثمار في البوسنة، تنشط وكالات الأنباء التركية في نقل واقع البلد سياسياً واقتصادياً للمواطنين الأتراك لمساعدتهم على معرفة الأوضاع عن كثب.

 

إضافة إلى ذلك، ينشط المئات من رجال الأعمال الأتراك في مجال الاستثمارات مختلفة الأحجام والمجالات في البلد، ويسهمون في تخفيض نسبة البطالة المرتفعة فيها بشكل كبير.

 

عن الموضوع ذاته يقول د. فكرت كوسفيتش أستاذ الاقتصاد في جامعة سراييفو إن البوسنة وقعت اتفاقية تجارة حرة مع تركيا عام 2003، وخلال السنوات الأربع اللاحقة ازدادت عملية الاستيراد من تركيا بشكل كبير، وارتفع معدل المعاملات التجارية بين البلدين من نسبة 25% إلى نحو 45%، لكنه كان دائما لصالح تركيا.

 

استثمارات متوسطة

يقول مصطفى آتشمان -صاحب مطعم تركي في سراييفو- إنه جاء مع رجال أعمال أتراك عام 2010، وتأثر بحالة البلد وانتشار البطالة فيها، فقرر مع زميل له القيام بشيء ما للمساعدة في النهوض به، على أن يكون له طابع الاستمرارية، لا طابع الآنية أو العطاء.

 

هكذا، ترك آتشمان مشروعه في تدريس اللغة الإنجليزية في تركيا، وافتتح مطعماً للمأكولات التركية في سراييفو، يعمل فيه حوالي 25 من أبناء البلد. ويقول إنه يتعامل مع نحو مئة منتج محلي لتزويد المطعم بالمواد الأولية. المنطقة التي افتتح فيها المطعم تطورت كثيراً منذ 2010. ويرى آتشمان أنه إن استمر في الظروف الصعبة التي افتتح فيها مشروعه، فذلك إنجاز جيد.

 

ويعتبر أن تكلفة المشروع لم تكن مرتفعة مقارنة بما كان سيكلفه في بلاد أخرى، لكن المشكلة الأساسية كانت في البيروقراطية، فافتتاح المشروع يحتاج نحو ثلاثة أشهر، بينما يحتاج افتتاح شركة في تركيا إلى يومين فقط. ويذكر آتشمان أن في سراييفو مطعماً آخر للمأكولات التركية، ومعظم زبائن المطعم سياح خليجيون وأتراك، وهم مولعون عادة بالكباب والحلويات التركية.

 

مركز يونس امره الثقافي التركي (الجزيرة)

ويوضح أن ما يقرب من ألف رجل أعمال تركي ينشطون في البوسنة في مجالات الإنشاءات والصناعات البلاستيكية وصناعة الأنابيب والمنسوجات وغيرها، كما يستوردون المنسوجات والأغذية من تركيا.

 

ويقول إن في سراييفو اليوم جامعتين تركيتين يدرس فيهما أكثر من ألفي طالب، معظمهم من الأتراك، وتوفران معظم الاختصاصات العلمية ما عدا الطب. ويعتقد أن الجالية التركية منظمة بشكل جيد وتتطور كل عام.

 

يبقى القول أخيراً أن الوجود والنشاط التركي الذي يرحب به مسلمو البوسنة لا يلقى الترحيب نفسه من مواطنيهم الصرب الذين أعطتهم اتفاقية دايتون ما نسبته 49% من البلاد، فهؤلاء ينظرون بعين الريبة إلى الوجود التركي ويفضلون بطبيعة الحال وجود قوى مؤيدة لهم تاريخياً، وفي طليعتها روسيا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

عضوية "أوروبا".. حلم البوشناق

عضوية "أوروبا".. حلم البوشناق

 

يجلس مالك -طالب من مدينة زينيتسا- في ساحة مسجد الغازي خسرو بيك في المدينة القديمة في سراييفو، في عمره الغض يحمل الكثير من الآمال لبلده التي مزقتها الحرب بلا رحمة، ويتحدث عن أصدقاء له من كل الطوائف والأعراق، ويؤكد أن أفضل أصدقائه هم من الكروات والصرب.

 

يعتقد مالك أن انضمام البوسنة للاتحاد الأوروبي سيلغي الحدود الموجودة حالياً في البلد بين كيان الصرب والاتحاد الفيدرالي البوسني الكرواتي.

 

ويرى مالك (عشرون عاما) أن معظم الناس لا يزالون متخوفين من إمكانية عودة الحرب من جديد، ولا يزالون يحيون على ذكرياتها الأليمة، لهذا يرى هو وأبناء جيله أن الانضمام للاتحاد الأوروبي سيطوي صفحة الحرب إلى غير رجعة.

 

كما يرى أن الاقتصاد البوسني سيشهد انتعاشاً مع دخول البوسنة الاتحاد الأوروبي، ويذكر أن مواطنين كثيرين من مدن كبرى تعاني من البطالة، تلقوا تدريبات على بيع وتصدير منتجات محلية إلى بلدان أوروبية، وهو ما ساعد الاقتصاد المحلي كثيراً.

 

الطالب مالك يرى أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي سيطوي صفحة الحرب للأبد (الجزيرة)

في واقع الأمر، يتحدث معظم البوشناق المسلمين بحرارة وتفاؤل عن ترشح بلادهم لعضوية الاتحاد الأوروبي والمنظمات الإقليمية. فرغم أنهم أكثرية في بلدهم، لكنهم يحسون بأنهم أقلية بين مطرقة صرب الداخل وصربيا من ناحية، وكروات الداخل وكرواتيا من ناحية أخرى. بكلام آخر، يرون أنهم الجهة الوحيدة المهددة، التي لا ظهير لها بين العرقيات الثلاث المكونة للبوسنة.

 

ويعتبر المسلمون أن انضمام بلدهم للاتحاد الأوروبي هو فرصة ذهبية لاستقرار البلد، وضمانة حقيقية لبقائهم في المنطقة. وهم يعلمون أن هناك سلبيات لهذا الانضمام، مثل بعض القوانين التي ستفرض عليهم كزواج المثليين، وغيرها من القوانين التي لا تعجبهم، لكنهم يعتبرون أن السبيل الوحيد ليشعروا بالأمان هو انضمام بلدهم إلى المنظمات الدولية والإقليمية، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

 

عبارة كتبت في احد شوارع المدينة القديمة تحكي عن سراييفو ملتقى الشرق والغرب (الجزيرة)

ومن خلال الحديث مع أي بوشناقي بشأن موضوع انضمام البوسنة للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، يلمس المرء مخاوف جدية لديه حول مصير الأقلية البوشناقية في البلد، ويرى معظم هؤلاء أن ملف الحرب الدامية والإبادة التي تعرضوا لها لم يطو نهائياً، وأنهم لا يزالون مستهدفين.

 

فمدير مكتبة خسرو بيك الدكتور مصطفى ياهيتش يرى أن معظم الدول الأوروبية تنعم بالاستقرار والأمن، وهذا أمر مهم جداً للبوشناق، والأهم من ذلك أن هناك ضمانا لعدم اندلاع حرب جديدة في البوسنة في حال انضمامها للاتحاد. كما يعتقد أن انضمام البوسنة لحلف الناتو فيه ضمان قوي لسلامة البوسنة وأهلها.

 

في مجمل الأمر، يرى ياهيتش أن إيجابيات انضمام البوسنة إلى الاتحاد الأوروبي أكثر بكثير من سلبياته. ويشير إلى أن الصرب والكروات يريدون دخول صربيا وكرواتيا في الاتحاد الأوروبي، لكنهم لا يريدون دخول البوسنة فيه، لأنها حينذاك ستتمتع باستقلالية إلى حدٍ ما، ودستور وقوانين أوروبية.

 

العامل الستيني منير زاهر (الجزيرة)

ويشير إلى أن اتفاقية دايتون، إضافة إلى إيقافها الحرب، تعد دستور البلاد، وفي حال دخلت البوسنة في الاتحاد الأوروبي، فلا بد من تغيير هذا الدستور ليتوافق مع الدستور الأوروبي، والأهم من ذلك أنه لا سبيل بعد ذلك للحديث عن تقسيم البوسنة إلى دويلات.

 

ويؤيد منير زاهر -العامل الستيني- التفاصيل السابقة، معتبراً أن 97% من البوشناق يرغبون في انضمام بلدهم لأوروبا في أي استفتاء يطرح عليهم. لكنه يشير إلى أن مواطنيه لا زالوا غير مستعدين لهذا الأمر، كما أنهم لا يدركون بعدُ ماهية الانضمام للاتحاد الأوروبي، ومتطلبات ذلك من تغييرات بنيوية وإصلاحات جذرية في نظام بلدهم الذي أنهكته الصراعات العرقية خلال الحرب ولا تزال تنهكه حتى اليوم.

 

ويقول زاهر إن مسلمي البوسنة -كأقلية دينية في المنطقة- لا يزالون في خطر، ومن الأخطاء التي وقعوا فيها أنهم سلموا أمورهم تماماً لسياسييهم، وأصبحوا منشغلين حصراً بأمور معيشتهم.

 

ويتخوف المسلمون من طموح الصرب إلى تحويل بانيالوكا -عاصمة إقليمهم- إلى مدينة منافسة للعاصمة سراييفو سياسياً واقتصادياً، وهو ما يرجع إلى الساحة مطامع الصرب الانفصالية عن البلد، خاصة أن الانتخابات الأخيرة شهدت طرح شعارات طائفية وعنصرية من طرف الأحزاب الصربية المتنافسة.

 

مقر الرئاسة البوسنية (الجزيرة)

ويرى إيفلين تراكو -الكاتب في صحيفة أفاز المعارضة- أن البوشناق ساءت أوضاعهم بعد انتهاء الحرب الأخيرة، وأصبحوا اليوم أكثر عرضة للتهميش والإقصاء، كما ارتبط مصيرهم بسياسيين بعينهم، واتهم تراكو حزب البوشناق المشارك اليوم في الحكم باستغلال السياسة لأغراض حزبية ومصالح شخصية ضيقة.

 

وأوضح تراكو أن البوسنة عرض عليها من قبل الانضمام إلى ائتلافات مع روسيا أو تركيا قبل فترة، ثم جاءت فرصة الانضمام للاتحاد الأوروبي، وهي تبدو الفرصة الأفضل والأمثل للبلد، وذلك لأن الإدارة الأوروبية دقيقة في رقابتها وقراراتها على الدول الأعضاء، كما أن قوانين الاتحاد تطبق بحذافيرها على الدول الأعضاء.

 

واعتبر أن الكثير من الأمور تجري في المنطقة وفقاً للمصالح الفئوية والحزبية، لا وفقاً للقوانين وقرارات العدالة الدولية، فبلغراد لم تتخل عن كارازيتش وغيره من مجرمي العرب، إلا مقابل وعود بتسهيل دخولها في الاتحاد الأوروبي.

 

الاتحاد الأوروبي كان قد فتح عام 2011 الباب أمام مواطني البوسنة للتنقل الحرّ ضمن دول الاتحاد دون تأشيرة دخول، الأمر الذي سهّل عليهم السفر ضمن الدول الأعضاء دون قيود، ويقدر أن نحو نصف مليون بوشناقي يعيشون في بلاد الاتحاد الأوروبي، هاجر الكثير منهم إليها بسبب الحرب الأخيرة وبقوا فيها
السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

العرب والبوسنة.. تاريخ يحيى من جديد

العرب والبوسنة.. تاريخ يحيى من جديد

 

شكلت البوسنة والبلاد العربية جزءًا من الدولة العثمانية، وفي ظل تلك الدولة تنقل البوشناق والعرب بحرّية، وتعرفوا على بعضهم عن طريق رحلات الحج وغيرها من المناسبات الدينية والاجتماعية.

 

وبعد احتلال النمسا البوسنة عام 1878، هاجر آلاف البوسنيين إلى بلاد الشام والحجاز وغيرهما من الولايات العثمانية، كما كانت هناك علاقات جيدة بين العرب ويوغوسلافيا تيتو (1945-1992)، فقد ذهب طلاب بوشناق إلى الجامعات العربية لدراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية، كما درس طلاب عرب في جامعات البوسنة في مجالات الطب والهندسة وغيرها، كذلك تعمل شركات وعمالة بوسنية في بعض الدول العربية.

 

وفي حرب 1948، شاركت مجموعة من البوشناق في القتال إلى جانب العرب، كما تطوع مئات من العرب للقتال بجانب البوشناق في الحرب الأخيرة في التسعينيات. خلال تلك الفترة، انتقلت أعداد كبيرة من أبناء البوسنة إلى دول الخليج والأردن، حيث تعيش جالية بوسنية كبيرة. في المقابل، تعيش جاليات عربية اليوم في البوسنة من سوريين وفلسطينيين ومصريين وغيرهم، كما تنشط السياحة الخليجية في البلد وتنمو بشكل سنوي.

 

وخلال فترة الحرب، قدمت مؤسسات إغاثة إسلامية كثيرة مدعومة من دول الخليج مساعدات للبوشناق، ولا تزال بعض تلك المؤسسات الخيرية تعمل، مع وجود شيء من التضييق على عملها.

 

من مكتبة غازي خسرو بيك وفيها آلاف المخطوطات (الجزيرة)

وفي الجانب التنموي، أسهمت دولة قطر في إعادة تعمير منشآت بوسنية مثل مكتبة خسرو بيك وكلية الدراسات الإسلامية في سراييفو، وتعقد من حين لآخر مؤتمرات علمية بين الطرفين للتعريف بالتاريخ المشترك، كان آخرها مؤتمر العلاقات العربية البلقانية الذي عقد في الدوحة بين 19 و20 نوفمبر/تشرين الثاني 2014، بمشاركة مكثفة من باحثين عرب وبلقان.

 

وبخلاف الوجود التركي المنظم، لا يوجد وجود عربي رسمي منظم في البلد، بل تتابع كل سفارة مصالح بلدها، بينما لا يلاحظ وجود تنسيق بين تلك السفارات، والجدير ذكره أن بطء تقدم العلاقات مرده إلى أمور عدة، منها: النظام السياسي الرئاسي البوسني المعقد برؤوسه الثلاثة، والبيروقراطية الهائلة التي تنفر أصحاب رؤوس الأموال والسياح من البلد.

 

يقول مدير معهد الاستشراق في سراييفو د. عدنان قدريتش إن علاقات العرب والبوشناق لم تنقطع منذ القرن الـ16، وإن كانت تأثرت بالظروف السياسية، ويقول إن لدينا معلومات عن بوشناق عاشوا في المنطقة العربية آنذاك، وعرب عاشوا في البوسنة، وكان لهم مسجد ومحلة باسم مسجد العرب ومحلة العرب. وفي عهد يوغوسلافيا السابقة صاغت حركة عدم الانحياز علاقات الجانبين، بينما خلقت الحرب الأخيرة روابط جديدة بين العرب والبوسنيين هي روابط أخوة وعاطفة.

 

ويوضح قدريتش أن اللغة العربية ضرورية لدراسة تاريخ البوسنة، لوجود وثائق ومخطوطات كثيرة عن البلد كتبت بالعربية. وكانت دراسة العربية جزءًا من النظام التعليمي في البوسنة. ويقول إن البوسنيين تعرفوا على العرب عن طريق الحج والتجارة وعملهم في الإدارة العثمانية في المناطق العربية.

 

مظاهرة في البوسنة للتنديد بجرائم إسرائيل في قطاع غزة (غيتي)

ويوضح أن معهد الاستشراق الذي يديره قام بتوقيع اتفاقيات تعاون رسمية مع جامعة قطر في الدوحة، واتفاقيات تعاون مع جامعات أردنية عن طريق جامعة سراييفو، ومع جهات مصرية ثقافية، والجامعة الإسلامية العالمية في الأردن.

 

ويختم بعبارة قالها بتأثر "نحتاج إلى تطوير علاقاتنا الاقتصادية خاصة مع دول الخليج، هناك حركة لكنها محدودة، ومعظمها في السياحة والفنادق".

 

أما  المؤرخ علاء الدين هوسيتش فيوضح أن العلاقات البوسنية والعربية كانت تتأثر بالسياسة، ففي فترة الخمسينيات كانت هناك علاقات قوية مع مصر أيام عبد الناصر، الذي كان يتمتع بشعبية كبرى، ففي السبعينيات تمّت تسمية كثير من الأولاد باسم ناصر الذي كان صديقاً لتيتو ضمن حركة عدم الانحياز، بعد ذلك قويت العلاقات اليوغوسلافية العراقية، وخاصة الاقتصادية، ثم قويت العلاقات مع ليبيا، ويوضح أن العلاقات الاقتصادية مع الجزائر كانت قوية، حيث إن 80% من خطوط الكهرباء طويلة المدى في الجزائر بنتها شركات بوسنية.

 

إحدى المخطوطات المحفوظة في مكتبة خسرو بيك في سراييفو (غيتي)

ويوضح أن علاقات البوشناق الثقافية كانت قوية مع القاهرة لأن معظم دارسي العلوم الإسلامية كانوا يذهبون إلى القاهرة ثم إلى بغداد لاحقا، وقبيل التسعينيات قويت العلاقات الثقافية والدراسية مع الأردن، كما يدرس طلاب بوشناق اليوم في الجزائر وتونس والسودان والكويت. وقال هوسيتش إن البوشناق يتابعون ويهتمون بما يجري في العالم العربي.

 

د. مصطفى ياهيتش مدير مكتبة خسرو بيك أوضح للجزيرة نت أن البوشناق يتعلمون اللغة العربية منذ أصبحوا مسلمين خلال الفتح العثماني، حيث كانوا يذهبون للتعلم في إسطنبول ثم ازداد عدد الطلاب، فأصبحت هناك مدارس في البوسنة للإسلام والعربية. ويضيف ياهيتش بفخر "حب الثقافة العربية صار جزءا من الدين الإسلامي، حتى غير الملتزمين بالدين يحترمون العربي واللغة العربية".

 

وعن مستقبل طلاب العربية في البوسنة، قال إنهم يمكن أن يعملوا في مؤسسات المشيخة الإسلامية، أو المؤسسات العربية ذات العلاقة بالدول العربية، أو مؤسسات علمية ذات علاقة بالبحوث الإسلامية أو بعض أقسام اللغة العربية في الجامعات البوسنية.

 

مؤتمر في مكتبة خسرو بيك عن القدس (الجزيرة)

وقال إن العربية تُدرس في بعض المدارس الابتدائية والثانوية، وهناك أقسام للغة العربية في جامعة سراييفو وجامعتين أخريين، وهناك ثلاث كليات علوم إسلامية في سراييفو وزينيتسا وبيهاتش. ويضيف "نحن دولة صغيرة نهتم بالثقافة العربية لأجل الدين الإسلامي".

 

وقال إن الشباب يقرؤون الكتب الإسلامية المترجمة من العربية، لذلك فهي موجودة في المعارض بكثرة، وربما كانت نسبة الكتب الإسلامية أكثر من حاجتنا، موضحاً أن جمعيات خيرية ودينية تترجم الكتب دون دراسة جدوى، وأشخاص يمولون ذلك، ويجري هذا بتأثير من بعض الحركات الإسلامية.

 

وتزامنت زيارة مجلة الجزيرة لسراييفو مع مؤتمر نظمته مؤسسات محلية حول القدس والأوضاع في الدول العربية، مما يدل على وجود متابعة واهتمام من قبل البوسنيين بقضايا العالم العربي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

السياح العرب "يغزون" البوسنة

السياح العرب "يغزون" البوسنة

 

يكاد المارّ في ضاحية إيليجا في العاصمة البوسنية سراييفو يحسب نفسه في عاصمة عربية لكثرة الإعلانات والمكاتب والمحلات التجارية العربية المنتشرة في شوارعها، ولتجول مئات السياح العرب فيها، ولا سيما السياح الخليجيين.

 

وقد شهدت البوسنة خلال السنوات الماضية تدفقاً كبيراً للسياح الأجانب، ولا سيما السياح العرب من بلاد الخليج. وأصبح مشهد الأسر العربية معتاداً في شوارع سراييفو والمدن والمناطق البوسنية الأخرى.

 

هذه الزيادة في السياح العرب دفعت الكثيرين من أبناء البلد إلى افتتاح مؤسسات ومكاتب سياحة وسفر، تقوم بتنظيم الرحلات ووضع برامج سياحية في أنحاء البلد. وبعض هؤلاء ابتدأ حياته المهنية من مرافقة بعض السياح والاهتمام بمتطلباتهم. حيث ازدادت مكاتب السياحة التي تنظم رحلات للسياح الخليجيين خلال الفترة الماضية.

 

فتيات خليجيات في جولة سياحية في ضاحية إيليجا (الجزيرة)

ودفعت هذه الزيادة أصحاب الفنادق والمطاعم من غير المسلمين إلى السعي لاجتذاب هؤلاء السياح عبر تأمين اللحم الحلال وتقديم قوائم الطعام بالعربية واحترام خصوصية الأسر العربية وتقاليدها.

أهم الأمور التي تجذب السياح العرب إلى البوسنة هي جمال الطبيعية، حيث تكثر الغابات الخضراء والأنهار والبحيرات. لكن ثمة عوامل أخرى مهمة جداً، وهي أن البوسنة بلد مسلم يحترم خصوصية الأسر المسلمة. فيمكن العثور على اللحم الحلال في مناطق البلاد بأكملها، كما أن المساجد متوفرة في كل المدن البوسنية، وهو ما يجعل السياح العرب يشعرون بألفة كبيرة نحو البلد.

 

يضاف إلى ذلك الطبع الهادئ للبوسنيين وتعاملهم بمودة واحترام مع الأجانب. كما أنهم يكنّون مودة خاصة للعرب وللغة العربية، لغة القرآن والعلوم الإسلامية. حيث يعدّ انتشار الناطقين بالعربية ضمن البوسنيين من العوامل التي تشجع كذلك قدوم السياح العرب إلى بلدهم. ومعظم هؤلاء من دارسي العلوم الإسلامية في مدارس البوسنة أو مدارس البلاد العربية.

 

كما أن العامل الجغرافي يلعب دوراً مهماً. فالبوسنة تقع وسط أوروبا وهي قريبة إلى الكثير من عواصم الدول المحيطة. ويمكن للسائح أن يستأجر سيارة يصل بها خلال ساعات إلى أي بلد مجاور.

 

سياح أجانب في باحة مسجد خسرو بيك في وسط مدينة سراييفو (الجزيرة)

العامل الاقتصادي يسهم كذلك في جذب السياح. فأسعار البلد مناسبة جداً لسياحة جميع الطبقات الاجتماعية، وتعد تنافسية بشكل كبير مقارنة بالدول الأوروبية.

 

إضافة إلى السياحة الترفيهية، فقد ازدادت كذلك نسبة قدوم السياح العرب في رحلات تجمع بين السياحة والعلاج. وتوفر منطقة إيليجا وغيرها مصحات للعلاج بالمياه الكبريتية والعلاج البديل. وتشكل هذه المصحات خياراً مناسباً لانخفاض تكلفتها، وإن لم تكن شهرتها بلغت شهرة المصحات العلاجية في البلاد المجاورة.

 

يقول سعيد دربليانين -صاحب مؤسسة "زيارة البوسنة" السياحية- إنه بدأ عمله مدرساً في سراييفو، وقد عُرض عليه عام 2007 مرافقة بعض الزوار الخليجيين في مدن البوسنة التي أعجبتهم إلى أقصى حد. وعند عودتهم إلى بلادهم أرسلوا له أصدقاءهم الذين كانوا يريدون زيارة البلد بدورهم. وبعد فترة أغلقت المدرسة التي كان يعمل فيها، فانتقل إلى مهنة السياحة بشكل كامل عام 2012.

 

متجر عربي في ضاحية إليجا السياحية في سراييفو (الجزيرة)

وحول بداية القدوم العربي إلى البوسنة، يوضح دربليانين أن البداية كانت منذ 2010. وقد جاء أكبر عدد من الكويتيين عام 2012، حيث بلغ -حسب أرقام رسمية- حوالي 25 ألف سائح، ولا يزال عددهم مستقراً منذ ذلك الحين. لكن في المقابل تشهد أعداد السياح الإماراتيين تزايداً كبيراً، حيث ازداد عددهم هذا العام مقارنة بالعام الماضي بنسبة 400 % أو 500%. كما لاحظ دربليانين زيادة في أعداد السياح البحرانيين والعمانيين. ويعزو هذه الزيادة إلى إلغاء التأشيرة لمعظم بلدان الخليج العربي وقيام خطوط طيران خليجية برحلات مباشرة إلى سراييفو.

 

عن نوعية السياح يقول إنهم من جميع الفئات العمرية والطبقات الاجتماعية. ويقضي هؤلاء حوالي عشرة أيام في البلد، حسب دربليانين. يكلف هذا البرنامج حوالي ألفا وثلاثمئة يورو لشخصين في حال استأجرا سيارة خاصة وسائقاً، وفي حال استئجار حافلة سياحية ضمن مجموعة كبيرة تنخفض التكلفة إلى حوالي ألف يورو، تدخل فيها مصاريف السكن في فندق مصنف كأربع نجوم. ولا يشمل البرنامج تذكرة السفر.

 

ويوضح أن عمل الشركة يبدأ باستقبال الزائرين عند وصولهم إلى المطار، ثم القيام ببرنامجهم المتفق عليه، ثم إرجاعهم إلى المطار. وتشمل البرامج السياحية جولات في سراييفو والجبال الأولمبية المحيطة بها، وزيارة موستار وغيرها من المدن والمناطق.

 

مطعم في ضاحية إليجا السياحية (الجزيرة)

ويقول إن بعض السياح ممن لم يزر دول أوروبا، يقع في خطأ مقارنة أسعار البوسنة بأسعار بلاد الخليج، ولهذا نوضح لهم أن أسعارنا مناسبة جداً كبلدٍ يقع وسط أوروبا، لذلك لا تصح هذه المقارنة. ويقول إن المكاتب السياحية زادت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، موضحاً أن مكتبه وكيل لحوالي 15 مكتباً سياحياً في الخليج العربي.

 

ويضيف أن السياح القادمين للعلاج الطبيعي يكونون عادة من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والشلل النصفي والمصابين بالحوادث المختلفة.

 

وعن مشكلات السياحة يوضح أن الدولة لا تشجعها بالشكل المطلوب، كما أن تركيبة النظام السياسي البوسني ذي الرؤوس الثلاثة تعرقل عملية اتخاذ القرارات المطلوبة بشكل كبير.

 

مدينة موستار البوسنية ذات الإمكانيات السياحية الجاذبة (غيتي)

عن موقف القوميتين الصربية والكرواتية من قدوم السياح العرب قال إن المستفيدين منهم -مثل أصحاب المطاعم والفنادق- مسرورون بهذا التطور، وقد انسجموا معه وأصبحوا يضعون قائمة الطعام والخدمات باللغة العربية ويراعون توفير اللحم الحلال، أما البعيدون عن هذه  الاستفادة فلا يبدو أنهم مسرورون. ويوضح أن الصرب أعربوا عن انزعاجهم من شراء العرب عقارات في البوسنة لاعتقادهم أن البوشناق يستعينون بالعرب لزيادة نسبة المسلمين في البلد.

 

أما المستثمر الكويتي جاسم علي الكندري، فأوضح للجزيرة نت أن البوسنة لها مستقبل واعد في مجال السياحة، وأشار إلى أن المرشد السياحي العالمي الشهير لونللي بلاس، اختار سراييفو عام 2009 ضمن أجمل عشر مدن في العالم.

 

وأضاف الكندري -الذي يمتلك شركة عقارية تنشط في البلد- أن سراييفو نالت عام 2012 جائزة أفضل مقصد سياحي من بين مئة مدينة على مستوى العالم، كما أشارت تقارير منظمة السياحة العالمية عام 2008 إلى أن البوسنة حققت نمواً سياحياً بنسبة 20%، فيما تزداد نسبة السياح الخليجيين خاصة الإماراتيين والكويتيين بنسبة 100%

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

البوسنة.. تقاوم الموت يالحياة

البوسنة.. تقاوم الموت يالحياة
السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

وفي التقارير المنوعة، نقرأ تقريرا من القاهرة عن تل العقارب، إحدى العشوائيات التي تزدحم بها العاصمة المصرية، ويتعرض فيها أصحاب ما تسمى مجازا بالمنازل من خطر الموت، فتغدو الحياة فيها آيلة للسقوط.

 

ومن الجزء الماليزي من غابات بورنيو التي تعد إحدى أكبر المحميات الطبيعية في العالم، وتستحوذ على نسبة كبيرة من الحيوانات النادرة، نتعرف على القبائل القلقة على الأرض والثقافة.

 

ومن على قمة جبل بايين جنوبي الصين، نتعرف على قصة الأمير وانغ تشين التي يخلدها العشاق الصينيون في طقوس خاصة بهم. ومن شرق الأرض نستكشف ثقافة الأبوريجنيز وهم سكان أستراليا الأصليون، وكيف حفظوا تاريخهم وثقافتهم من خلال الفن التشكيلي، لنختتم العدد بألبوم صور من البوسنة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

تل العقارب بالقاهرة.. حياة آيلة للسقوط

تل العقارب بالقاهرة.. حياة آيلة للسقوط

 

دعاء عبد اللطيف - القاهرة

 

كل الممرات تشي برائحة العطب النافذة من جدران البيوت المتشققة، وكل شق يُمَكن أي عابر من التلصص على الساكنين، لكن لا أحد يتلصص لأن جل العابرين جيران، والغريب معروف في منطقة "تل العقارب" وقلما يسمح له بالتجول.

 

وليس سهلا أن يصل الغريب إلى تل العقارب -جنوبي القاهرة- فلا بد أن تتسم حركته بالخفة والحذر، إذ لا توجد طرق ممهدة للصعود إلى ذلك التل المرتفع عن سطح أرض العاصمة، كما أن ممرات المنطقة تفصلها فجوات سدها الأهالي بألواح خشبية غير متينة سرعان ما تهوى ليعاودوا وضع غيرها.

 

وبيوت تل العقارب ليست بنايات بالمصطلح الهندسي المعروف، وإنما هي غرف متراصة بجوار بعضها كما لو كانت تتكئ كل منها على الأخرى، ومسقوفة بعروق خشبية، وتشترك كل مجموعة غرف في دورة مياه واحدة.

 

أحد الشقوق التي تجذب الزواحف لاختراقها ولدغ السكان (الجزيرة)

وذلك كله، لا يعد من أولويات مشاكل أهالي تل العقارب الذين يقدرون بالآلاف، فلديهم هموم أكبر، فكل يوم يمر دون لدغة عقرب أو ثعبان هو ميلاد جديد لساكني المنطقة، التي تنتشر فيها الزواحف والقوارض.

 

وتلقى معاناة تل العقارب -التي تقع على مساحة مئة فدان، وهي مصنفة حكوميا كمنطقة خطرة من الدرجة الأولى- تصريحات رسمية موسمية تُنبئ بقرب المساعدة الحكومية، التي لا تأتي أبداً.

 

شقوق الحياة

الشقوق التي تتسرب لجدران الغرفة تشبه الشقوق التي خلفتها السنوات الستون التي عاشتها عائشة  في تل العقارب، مستسلمة ومتعايشة مع قدرها "لا شيء أستطع فعله سوى تقبل ما أحياه".

 

ورغم تشوش الذاكرة والمعاناة التي تُنسي كل شيء، فإن السيدة العجوز تتذكر جيدا يوم حطت رحالها مع زوجها  في تلك المنطقة بعد انهيار منزلهما إثر زلزال عام 1992. وتصنف عائشة نفسها من السكان المحظوظين، فهي لا تعيش في غرفة واحدة كالأغلبية بل لديها غرفتان واحدة للنوم وأخرى للمعيشة.

 

وفي تل العقارب تحتضن العجوز بناتها وأحفادها، ولم تنجح في إبعاد ذريتها عن هذه المنطقة فقد زوجت بناتها في نفس حيز المعاناة.

 

بؤس الحياة في تل العقارب لا يجد صدى لدى الحكومة (الجزيرة)

ترتشف الشاي الذي أعدته على موقد وسط أسرتها، وتقول "لا أريد سوى صرف صحي للبيت وحل للزواحف المنتشرة بالمنطقة وكفى"، هكذا تلخص عائشة أحلامها، فلا تتمنى بيتا جديدا كونها ترى أن سقف التمني يجب أن يكون في حدود ما يمكن حدوثه واقعيا.

 

تلتقط الابنة زينب أطرف أمنيات والدتها وتقول: "أبنائي أعيتهم مياه الشرب المختلطة بمياه الصرف الصحي"، موضحة أن المنطقة لا يوجد فيها مواسير حكومية للصرف، لذا اضطر السكان لمد مواسير تصب في حفر للصرف الصحي.

 

ومعظم بيوت تل العقارب فيها شقوق تدخل منها الزواحف بكل يسر، لتصبح لدغة الثعبان أو العقرب خبرا معتادا كما تروي زينب. وتواصل بث همومها "نلجأ لحرق أكوام القمامة بعيدا عن الإشراف الحكومي كما أن البيوت آيلة للسقوط بسبب القدم ورداءة أساس البناء".

 

العجوز عائشة تعد الشاي لأسرتها داخل بيتهم الذي تعده استثنائي في تل العقارب (الجزيرة)

وتشير في حديثها لمجلة الجزيرة إلى مشكلة مياه الأمطار التي تتسرب من الأسقف الممدودة بالأغصان الخشبية، لتغرق الغرف كل شتاء.

 

أما فاطمة شقيقة السيدة الستينية، والتي استقرت بتل العقارب بعد عامين من أختها، فتوضح معاناة الاشتراك مع عدة أسر في استخدام دورة مياه واحد. وتقول إن الأمر محرج للنساء خاصة الفتيات الصغيرات "ولا مسؤول يلتفت لاستغاثاتنا المتكررة".

 

وعن مستوى إقبال الأسر على إلحاق أبنائها بالمدارس، تؤكد فاطمة أن ضيق الرزق يدفع الكثيرين لتهميش التعليم وإلحاق الأبناء بأعمال تدر دخلا يوفر لقمة العيش.

 

رزق التل

غالبية سكان تل العقارب يشتغلون باعة جائلين ورعاة أغنام، وأوفرهم حظا يعمل عملا حرا، لكن ما يرزقونه من العمل لا يكفي لتوفير منزل آمن في مكان آخر.

 

ولكن ذلك، لا يغفل ما يقال إعلاميا عن امتلاء المنطقة بالبلطجية واللصوص، وهو ما ينفيه حامد أبو قاسم (41 عاما) الذي يعمل ماسح أحذية. "الحكومة تروج أن المنطقة بها خارجون عن القانون لضمان كف أهالي تل العقارب عن المطالبة بحقوقهم الآدمية"، هكذا يفسر أبو قاسم ما يشاع عن المنطقة.

 

ويضيف أبو قاسم في حديثه لمجلة الجزيرة "أرقى الأحياء بمصر بها لصوص بل إن الحكومة نفسها بها لصوص، وإذا كان بالتل لص فلا يعني أن الجميع هكذا". ويدلل على حديثه بأن الأهالي خلال ثورة 25 يناير حموا المناطق والمحلات القريبة من التل، ولم ينجر أحد منهم إلى موجة السرقة التي عمت البلاد وقتها.

 

أحد دورات المياه المشتركة بمنطقة تل العقارب (الجزيرة)

ويؤكد أنه يكفل أسرة مكونة من ستة أفراد ولم يفكر يوما في ترك عمله الشحيح الرزق للاتجاه إلى آخر غير قانوني، "يكفيني جهنم التي أعيشها هنا فلا أريد جهنم أخرى في الآخرة" هكذا يبرر سبب الابتعاد عن السرقة.

 

وأبو قاسم تعرض منذ عامين للدغة ثعبان دخل غرفته عبر شق كبير في أحد الجدران، "ربنا كتب لي النجاة يومها، لأن لا أحد يكفل أسرتي غيري". مؤكدا أن كثيرين لدغوا وتوفوا، لذا سميت المنطقة بتل العقارب.

 

ولكن الرجل الأربعيني يسرد رواية أخرى لسبب تسمية المنطقة بهذا الاسم، "لأننا نسكن في غرف تشبه جحور الثعابين والعقارب". هكذا اختتم حديثه مبتسما.

 

وبتتبع تصريحات المسؤولين بمحافظة القاهرة عن مشكلة تل العقارب، يلاحظ أنها لا تخرج عن كونها أحاديث يغلب عليها طابع الطمأنة دون فعل على الأرض.

 

المعاناة لا توقف لعب الأطفال بتل العقارب (الجزيرة)

فقد تحدث محافظ القاهرة الدكتور جلال السعيد، قبل شهرين، عن إنشاء خمسمئة وحدة إعاشة مؤقتة، للإيواء المؤقت لسكان المنطقة بقيمة تقديرية تبلغ 14.5 مليون جنيه. وأكد في تصريحات صحفية أن تل العقارب "مهددة بالانهيار لأنها من أقدم المناطق العشوائية بالقاهرة، ومصنفة كمنطقة خطرة من الدرجة الأولى".

 

ولكن اللواء السيد نصر، نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، صرح -قبل شهر- بأحقية 1030 أسرة في التل لمنازل جديدة.

 

والرقم الذي صرح به نائب المحافظ يختلف عن الرقم الذي أفاد به المحافظ، فضلا عن أن الرقمين يختلفان عن المشاهدة الواقعية لحال المنطقة التي يعاني الآلاف فيها من حياة آيلة للسقوط.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

غابات بورنيو.. قبائل قلقة على الأرض والثقافة

غابات بورنيو.. قبائل قلقة على الأرض والثقافة
سامر علاوي - ساراواك / ماليزيا

 

ربما يكون التنوع الأحيائي أكثر ما يثير الانبهار في محمية "قلب بورنيو"، إحدى أكبر المحميات الطبيعية في العالم، التي تقع في جزيرة بورنيو وتتقاسمها ماليزيا وإندونيسيا وبروناي ودار السلام.

 

ومع أن الجزيرة تشكل 1% من مساحة اليابسة فإنها تضم 6% من الكائنات النباتية والحيوانية في العالم، كما أنها الرئة التي يتنفس بها أكثر من 11 مليون نسمة يعيشون في جزيرة بورنيو وتشكل الغابات مصدر رزق رئيسيا لهم.

 

بقيت الحياة تدب في كهوف نياه الضخمة حتى سبعينيات القرن الماضي، حيث كان تجار صينيون يصلون إلى تلك المنطقة في الأدغال الاستوائية ليتبادلوا مع سكانها البدائيين بضائعهم بالمقايضة، دون استخدام المال في البيع والشراء، وتشكل أعشاش الوطاويط أبرز ما يتم شراؤه من سكان الغابات، حيث يستفاد منها في طبخ حساء يستخدمه الصينيون في العلاج حتى الآن، ويشترونه بأثمان باهظة.

 

وقد عثر في هذه الكهوف على جمجمة قدر عمرها بنحو أربعين ألف سنة، وآثار حياة تعود إلى العصر الحجري، لتعتبر بذلك كهوف نياه أقدم مكان عرفت فيه الحياة البشرية في جنوب شرقي آسيا.

 

محمية نياه إحدى ثلاث مناطق تشكل محمية قلب بورنيو المشتركة بين إندونيسيا وماليزيا وبروناي (الجزيرة)

وفي إطار مبادرة منتدى التواصل العالمي "غلوبكوم" للتعريف بالمخاطر المحيطة بغابات بورنيو وسكانها الأصليين، كان على عشرات الطلاب السير على الأقدام مدة ساعتين للوصول إلى هذه الكهوف التاريخية.

 

أما المفارقة فهي أن هذه المسارات الطويلة بنيت من خشب الغابة المراد حمايتها، كي تحمي السياح من الزواحف ولا سيما الأفاعي، مما دفع الطالب في جامعة كارتين الأسترالية هميون بابر إلى التأكيد على دور مشترك للمنظمات غير الحكومية للحفاظ على الغابات، التي قال إنه لم يشاهد مثيلا لها.

 

أما تينا سافدار الطالبة الأميركية من جامعة إيميرسون بولاية بوسطن فتعرب عن دهشتها مما شاهدته من تنوع نباتي وحيواني يصل إلى 16 ألف نوع في المحمية الطبيعية، وفي الوقت نفسه تعرب عن قلقها من تسارع دمار الغابات في العقود الأخيرة وفقدان الحياة البرية لمواطنها الأصلي.

 

رغم أن مسابقة نهاية موسم الحصاد تقتضي حكم الجمهور على أطيب ما تنتجه أسر البيوت الطويلة من خمر الأرز فإنني لم أتذوق طعمه، وقد عرضت الأسر عينات من إنتاجها من خمر الأرز وسط ممر طويل ينفتح عليه نحو 120 بابا، كل منها لأسرة منفصلة، في مشهد يمزج بين نظريتي الاشتراكية وفطرة حب الملكية.

 

واحد من البيوت الطويلة يضم 120 بابا كل باب لمنزل منفصل وكلها تشترك في سقف واحد (الجزيرة)

معلم آخر يبدو جليا في تراث قبائل غابات بورنيو الذي تكافح للحفاظ عليه، ألا وهو الوشم، فإلى جانب اعتباره مصدر فخر بانتماء الفرد للقبيلة، فهو وسيلة للتمييز بين الصديق والعدو، وجميع الرسومات التي قد تغطي أجزاء كبيرة من الجسد مستوحاة من حياة الغابة، فوشم بطن الضفدع يشير إلى كثرة النقل وحب السفر، ولسان التمساح يشير إلى أحد الأزهار الاستوائية الشهيرة، أما رأس التمساح فيمثل إحدى مهارات القتال رجال الغابات الذين يفتخرون بكونهم محاربين وغزاة دائمين، حيث ما زالت رؤوس أعدائهم معلقة في صالات الضيافة، وهو تقليد سابق دأب عليه رجال القبائل من أكلة لحوم البشر، وتوقف حاليا بعد أن امتدت أذرع من سلطة الدولة إلى وسط الغابة متحدية أعرافها وتقاليدها.

 

أما الرقصات الشعبية فتمثل لسكان الغابات الأصليين في بورنيو واحدة من أبرز التقاليد التي يتم الاحتفال بها كل عام بانتهاء موسم حصاد الأرز في الأسبوع الأخير من مايو/أيار، فما زال نحو مليون من أبناء قبائل الداياك والإيبان يعيشون في موطنهم الأصلي ويحتفظون بطريقة حياتهم في بيوت طويلة تضم عشرات الأسر تحت سقف واحد.

 

وفي بلد يعتبر السياحة مصدر دخل قومي يمكن تحويل هذا التراث إلى مصدر ثروة اقتصادية، فقد حض وزير السياحة في الحكومة المحلية لولاية سارواك سكان المساكن الطويلة على استضافة السائحين الأجانب وإسكانهم وسطهم، لتكون السياحة بديلا عن الاستثمار في قطع الأشجار وبيع منتجات الحيوانات البرية من جلود وقرون وعظام وغيرها. 

 

غابات بورنيو سلفي أمام البيت الطويلة (الجزيرة)

لم تعد كثير من أسر الغابات تعتمد على بيع أعشاش الخفافيش، حيث المخاطرة الكبيرة بالحياة أثناء التسلق ليلا على حبال معلقة بأسقف المغارات الشاهقة، لقطع الأعشاش التي بنتها الخفافيش من لعابها. كما هجرت أسر كثيرة مثل أسرة جوسمان مواقد الحطب واستبدلت منها مواقد حديثة على الغاز، في خطوة قد تساعد في الحد من قطع أشجار الغابة والحفاظ على البيئة.

 

لكن جيل الآباء والأجداد لم يستوعب بعد اهتمامات الجيل الجديد المولع بأدوات التكنولوجيا الحديثة التي وصلت أعماق الغابة، ويبدو أن الجيل القديم تقبل ظاهرة الصداقة بين الفتيات والشباب، وهي ظاهرة مصاحبة لتكنولوجيا فيسبوك، ووسائل التواصل الاجتماعي، فلم يجد جوسمان غضاضة في رؤية حفيدته المراهقة تلبس ملابس قصيرة وتشارك عشيقها اللعب في جهاز لوحي واحد.

 

حول أول بئر للبترول اكتشف في ماليزيا عام 1903 إلى معلم تاريخي في وسط مدينة ميري، وقد ساهم النفط على مدى أكثر من قرن في تغيير نمط الحياة في مدينة ميري بولاية ساراواك وتحويلها إلى مدينة عصرية، لكن هذا الازدهار جاء على حساب أشجار الغابات.

 

مستعمرة حشبية وسط غابات بورنيو الاستوائية (الجزيرة)

وما أن قاربت الآبار النفطية البرية على النضوب حتى تحولت أنظار مستكشفي الثروات النفطية إلى بحر جنوب الصين على شواطئ ميري فجلبت معها أزمات وصراعات سياسية تنذر بحروب.

 

لكن قلق خبراء البيئة يتجاوز آثار الصيد الجائر وقطع أشجار الغابة وتلوث بيئتها إلى التباين في أولويات وأنظمة الدول المشتركة في محمية قلب بورنيو، المحمية العابرة لحدود إندونيسيا وماليزيا وبروناي.

 

أما رئيس جامعة كارتين الأسترالية في ميري بروفيسور جيم مينسكوفيسكي فيرى أن الخطوة الأولى في الحفاظ على البيئة تبدأ بالتعليم، ويحذر من وقت يأتي على سكان المناطق الاستوائية يلعن فيه الخلفُ السلفَ على أنانية تسببت في تدمير بيئة ليست ملكا لجيل دون آخر.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

طقوس العاشقين على جبل بايين

طقوس العاشقين على جبل بايين

 

علي أبو مريحيل 
شياو ما / جنوب الصين

 لم يكن الأمير "وانغ تشين" يعلم قبل آلاف السنين أن حرمانه من الزواج من الفتاة التي أحبها سيخلد قصته في كتب التاريخ وفي سجلات العاشقين.

 

ها هو جبل "بايين" يقف شامخا في وجه الشمس، مخلدا على أعلى قممه إحدى أقوى قصص العشق الصينية، التي تجسد حجم التضحية التي قدمها أحد الأمراء الصينيين حين مُنع من الارتباط بالفتاة التي اختارها قلبه، لأنها لم تكن على ذات المستوى من الثراء الذي كان يتمتع به هو وعائلته، لأنه ينحدر من سلالة ملكية حكمت الصين عقودا طويلة امتدت نحو 75 عاما.



بايين سان.. بايون شان.. بااااايين.. لم تسعف لغتي الصينية المتواضعة سائق التاكسي في معرفة الوجهة التي أقصدها، فاضطررت أن أنتظر قرابة الساعتين لمجيء أحد أصدقائي الصينيين الذين يجيدون اللغة الإنجليزية، والذي قطع إجازته خصيصا لمرافقتي في هذه الرحلة الشاقة.

مدخل تلفريك الذي ينقل السياح إلى قمة جبل بايين لمن يجد صعوبة في ارتقاء الجبل على قدميه (الجزيرة)


كنت أظن قبل الوصول إلى مدخل الجبل أننا نستطيع أن نصل إلى القمة في دقائق معدودة، لكني فوجئت بأن الحافلات بشتى أنواعها لا تستطيع أن تقطع أكثر من نصف المسافة لقمة الجبل الذي يرتفع بنحو 381 مترا عن سطح البحر، ومساحته تتجاوز 28 كلم2، فلم يكن أمامنا سوى خيار "التلفريك" الذي ارتفع بنا نحو 200 متر، اضطررنا بعدها إلى قطع المسافة المتبقية سيرا على الأقدام، حيث استغرق المسير نحو 45 دقيقة قبل أن نصل إلى القمة.

لم نمكث على القمة سوى دقائق، حتى تجمهر حولنا الصينيون الذين كانوا يتواجدون في المكان، حين عرفوا أننا نعد تقريرا صحفيا، كوننا نحمل الكاميرات والمعدات اللازمة لذلك، وعلى الفور بدأنا باستطلاع آرائهم، ففوجئنا بأنهم لا يملكون أدنى فكرة عن قيمة المكان وعن قصة الحب العظيمة التي شهدتها هذه القمة، حيث تراوحت إجاباتهم بين التلعثم والابتسام للكاميرا، وكان من المفارقات الغريبة أن بعضهم قطع مسافات بعيدة تتجاوز الـ200 كلم، فقط للاستمتاع بالمناظر الخلابة التي يطلّ عليها الجبل، من دون سابق معرفة بخلفيته التاريخية.

ونحن في حيرة من أمرنا، ظهر فجأة شاب أنيق، قدم نفسه لنا على أنه أحد العاملين في المحافظة التي يقع فيها جبل بايين، ثم قام باصطحابنا إلى مكتب صغير على حافة الجبل، وهناك قدم لنا العديد من الهدايا التذكارية والكتيبات الصغيرة التي تتناول تاريخ المنطقة، ولكن لم نجد في هذه الكتيبات أثرا لقصة الصخرة التي أصبحت مزارا.

 

رحلة مريحة إلى قمة جبل بايين حيث مزار العاشقين (الجزيرة)

وبينما كنا نهمّ بالرحيل، دخل علينا عجوز طاعن في السن، يجرّ كهولته على عكازه، برفقة صبيّة نحيلة، تساعده في حمل مغلف ورقي، قِيل لنا إنه يحتوي على مخطوطات قديمة توثق تاريخ الجبل وقصة الصخرة في أعلى قممه. ورغم إلحاحنا على التقاط صور للعجوز "السيد شو"، وللمخطوطات التي يحتفظ بها، فقد رفض ذلك بشدة، واكتفى فقط بالموافقة على سرد القصة، وهذا ما لم نكن نحلم به.


وانغ تشين، هو الابن الثالث للملك "زانغ" الذي حكم إحدى المقاطعات الجنوبية في الصين في الفترة الممتدة بين (210 و235 ق.م)، رفض والده زواجه من فتاة أحبها، لأنها من عائلة فقيرة، ولم يكتف بذلك، فقام بسجنها وعائلتها على قمم أحد الجبال. وكان للسجن باب كبير لا يفتح إلا بواسطة صخرة موجودة أسفل الجبل، تحتوي على مادة مغناطيسية تتفاعل مع المادة التي صُنع منها الباب، فتفتحه بمجرد وضعها داخل إطار معين، موجود على بعد متر واحد من باب السجن.

فأخذ الأمير على عاتقه مهمة إنقاذ حبيبته، لأنه كان يدرك في قرارة نفسه أنه سبب ما حلّ بها من مصائب. فحمل الصخرة على كتفيه وصعد بها إلى الجبل. وكان يقطع في البداية قرابة خمسين مترا دون أن يستريح، إلى أن أدركه الإرهاق والتعب، فأصبح يقطع عشرين مترا يأخذ بعدها قسطا من الراحة، ثم عشرة أمتار ثم خمسة، إلى أن أصبح يقطع مترا واحدة كل نصف ساعة.

 

مجموعة من الشباب الصيني من زوار قمة جبل بايين (الجزيرة)

 

وظل على هذا الحال قرابة ثلاثة أيام حتى وصل إلى القمة منهكا لا يقوى على الحراك، وعلى بعد أمتار من السجن، حمل الأمير الصخرة للمرة الأخيرة، حين هم بوضعها في الإطار المخصص لها. وما هي إلا لحظات حتى سقط أمام باب السجن مفارقا الحياة، دون أن تعلم حبيبته ماذا صنع أميرها العاشق لأجلها، ودون أن يعلم هو أنها فارقت الحياة منذ الليلة الأولى لها في السجن.

هكذا كانت النهاية الدرامية لهذه القصة التي خلّدها التاريخ الصيني، والتي علقت في الأذهان من خلال الصخرة التي ما زالت حتى يومنا هذا شاهدا على أقوى قصص الحب الصينية، التي أصبحت تقليدا وشعائر يؤديها العشاق الصينيون كلما زارو جبل "بايين".

ويقوم العشاق بتسلق الجبل عبر ذات الطريق الذي سلكه الأمير إلى أن يصلوا إلى القمة، هناك حيث توجد "صخرة الحب"، التي حملها الأمير إلى جانب نصب تذكاري محاط بسلاسل حديدية متشابكة بأقفال مختلفة، حيث يدرج وفق الطقوس المتبعة أن يعلق العاشقان قفلا بإحدى السلاسل، ثم يقومان برمي مفتاحه من أعلى قمة الجبل، في إشارة إلى التعهد بإبقاء الحب بينهما مدى الحياة، امتثالا لإخلاص الأمير وتفانيه في الدفاع عن حبه العذري

 

إذاً، هي قصة حب صينية تضاف إلى قائمة  القصص الجميلة، التي قد  تكون أسطورية، والتي تجسد حجم الولاء والتضحية التي يقدمها العشاق الاستثنائيون الذين غالبا يجمعهم قدر واحد .. الموت حبا أو بعدا عمن يحبون.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

حفظ الثقافة والتاريخ بالفن التشكيلي

حفظ الثقافة والتاريخ بالفن التشكيلي
خالد العبيد- كانبيرا / أستراليا
 
 
 يقول السكان الأصليون في أستراليا (الأبوريجينيز) "إذا أردنا أن نقول أو أن نكتب المياه نرسم الأمواج. وإذا أردنا أن نشير إلى رجل نرسم جسدا في وضعية الجلوس". 
ليس في الأمر سحر أو شعوذة، فهذه نظرتهم إلى الحياة، لأنهم يرتبطون بعضهم ببعض، فالأجداد يتواصلون روحانيا مع الأجيال الجديدة، لكن الأهم من هذا كله أنهم يرون أنفسهم جزءا لا يتجزأ من الأرض والغيم والمطر والضوء والألوان.

تمتد فنون الشعب الأبوريجيني لآلاف السنين، فقد وجد الباحثين لوحات رمزية في غاية القدم منحوتة في الكهوف الرملية القريبة من السواحل وأماكن المياه الموسمية وأودية الأنهار، وقد عمق هذا القدم ارتباطهم بالأرض، التي برعوا في رسم كائناتها من طيور وحيوانات برية، وبرعوا كذلك في رسم الدروع والسلال، وكلاهما مرتبط بشكل الحياة التي يعيشونها، وتتمحور كلها حول قناعتهم بحقهم الأساسي بأهلية الأرض بحكم كونهم الورثة الشرعيين لها جسديا وفنيا وروحانيا.

نماذج من الفن التشكيلي على أعمدة عند سكان أستراليا الأصليين (الجزيرة)


ويشتهر الأبوريجينيز بأنهم مهرة في التعبير عن حياتهم ومعتقداتهم عن طريق الرسم الرمزي حيث
لا توجد مجسمات مرسومة بالكامل تظهر أيا من أشكال الحياة، مقارنة بالفنون عند الحضارات القديمة. حيث لا توجد حضارة في العالم تشبه إرثهم، لأنهم ظلوا معزولين تماما، ولم يدخلوا فيما عرف بتمازج الحضارات. وقد أجمع علماء التاريخ على أن رسوماتهم الموجودة في الكهوف والتلال من أقدم الحضارات العالمية.


وينتشر فن الرسم الأبوريجيني انتشارا واسعا في جميع المدن، ويطالعك في كل مكان تزوره، فهنا يتعلم الزوار والسياح أن شعبية هذه الفنون ليست طارئة أو حديثة، إنما هي جزء أساسي من التاريخ يرتبط بالشعب الأصلي لهذه البلاد.


وفي السنوات الأخيرة بدأ تأثير الفن التشكيلي ينطلق إلى جميع أنحاء العالم، وصار أصحاب المجموعات التشكيلية في العالم يتهافتون على شراء أعمالهم، حتى إن لوحة واحدة بيعت في مزاد علني بنحو نصف مليون دولار.

لوحات تشكيلية تعبر عن ثقافة الأوبوريجينيز الخاصة (الجزيرة)


كما أن معارض وصالات فن الرسم عند السكان الأصليين انتشرت في كل مكان، وتتوفر اللوحات الفنية المرسومة على الورق والقماش والخشب والحجر. كما تجدها في أماكن السياح وفي التجمعات السكنية المتنقلة التي تعتمد على مواسم الأمطار.


التقينا الشاب الأبوريجيني أليكس فولي، وسألناه عن الفنون التي يمارسها أهله، فابتدر حديثه بعفوية قائلا "قد لا تصدقون أن الألوان التي يستخدمها الأبوريجينيز في أعمالهم ألوان طبيعية خالصة، وهي مستخرجة من التراب وجذور الأشجار ونشارة الخشب المحروق والمَحار وعظام الحيوانات المطحونة. وتمزج بالزيت أحيانا وبالماء أحيانا أخرى، ليحصل الرسام على الكثافة اللونية، حسب مزاجه الخاص.

إقبال كثيف من الزوار على معرض الفن التشكيلي الأوبوريجيني في أستراليا (الجزيرة)


وعن مشاركة هؤلاء الفنانين في المعارض، أكد فولي أن "العديد منهم خرجوا من العزلة وأصبحوا يعرضون أعمالهم في العديد من الصالات في المدن داخل وخارج أستراليا، لكن بالطبع ما زالت هنالك مجموعات من الفنانين في حالة ترحال وتنقل داخل الصحراء الأسترالية، رغبة منهم في البقاء على اتصال بمعتقداتهم الروحانية، ويرسمون على جنبات الطرق الوعرة في الغابات، فما لا تتمكن من رؤيته في المعارض تشاهده في الطبيعة على الصخر وجدران الكهوف".


ويضيف فولي "أروع مثال على هؤلاء المبدعين هي الفنانة سوندا التي تتميز بأسلوب فريد في اتباع النمط التقليدي، الذي لا يرتكز على رسم خطوط أو دوائر أو تموجات، واشتهرت بلوحتها التي تظهر تمساحا محاطا بالنمل، وعلى عشرات آلاف من النقاط المتناهية الصغر، ومن على البُعد تبدو هذه النقاط كأنها خطوط ترسم الفكرة، لكن عن القرب وبعدَ تمحيص هذا الأسلوب الفريد تكتشف النقاط. وتعتبر سوندا أن هذه الطريقة ساعدت على إبقاء شعلة شعبها وتاريخه ومعتقداته على قيد الحياة.


وفي جولة داخل المعرض الوطني نشاهد لوحات فنية في غاية الدقة تترجم ببساطة الأفكار المرتبطة بالأرض ورمزية عناصرها وحيواناتها وغاباتها ومياهها بأسلوب التنقيط على القماش، فهؤلاء الفنانون لا يمكن الوصول إلى قلوبهم إلا من خلال الحديث معهم حول معتقداتهم وأفكارهم الروحانية، التي يصورونها في أعمالهم الفنية من خلال رسم على جدار أو قطعة قماش يسكب فيها حنينه وتمسكه بالأرض.

تلاميذ مدرسة في زيارة للمعرض (الجزيرة)


لقد أكسبتهم فلسفة الأحلام رؤى تجاوزت ما يصفه الأبوريجينز باضطهاد المستعمر الأبيض من مجازر وقتل ومحاولات التخلص كليا من العرق الأسود، واستعباده وطمس معالم هويته على مدى قرنين من الزمن.


ولكل هذا وذاك فهم حين يقررون الرسم أو ممارسة أي نوع من الفنون يتمسكون بمعتقدات وتقاليد يؤمنون بها إيمانا قاطعا، ويرون روحهم تتجسد في تلك الأمكنة التي عاش فيها الأجداد وتصير كلها مع الوقت ينابيع ماء.


وحيث مشوا تمشي معهم الأنهار.
وحيث ماتوا ودفنوا.. تنبت الأشجار.
وحيث سالت دماؤهم .. تجمعت البحيرات.

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك