آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:40 (مكة المكرمة)
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:40 (مكة المكرمة)
العثمانية .. عنقاء تنهض

رقم العدد : 38

تاريخ العدد : أبريل/نيسان 2015

-1/18-

العدالة والتنمية.. نجاح الإصلاح

محمد المختار الخليل  
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

عند الحديث عن الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي، يقفز حزب العدالة والتنمية التركي إلى مقدمة نماذج الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية التي نجحت إلى حد كبير في تحقيق أهدافها بوسائل سلمية وقانونية على أساس الديمقراطية.

 

إسلاميو تركيا خاضوا أقوى المعارك، وعلى مدى عقود، مع أقسى الأنظمة الشمولية المغلفة بالديمقراطية، وهي المؤسسة العسكرية حارسة العلمانية وإرث كمال أتاتورك، والتي نفذت أكثر من انقلاب عسكري على أحزاب منتخبة ديمقراطيا.

 

وتعرض الإسلاميون بقيادة نجم الدين أربكان إلى حلّ الأحزاب التي أسسوها الواحد تلو الآخر بانقلاب عسكري أو بقرار من المحكمة الدستورية، فبين عامي 1970 و2001 أسس أربكان ورفاقه حزب النظام الوطني، ثم حزب السلامة الوطني، ثم حزب الرفاه، ثم حزب الفضيلة، وبعد حل الحزب الأخير وقع الخلاف بين شباب الحزب وأستاذهم، فأسس رجب طيب أردوغان وعبد الله غل حزب العدالة والتنمية، وأسس أستاذهم حزب السعادة.

 

فالمعركة لم تكن سهلة وديمقراطية، لكن مراكمة الإنجازات وروح التحدي أوصل تلاميذ أربكان إلى حكم تركيا منفردين في الحكومة وأغلبية برلمانية، وهو ما ساعدهم على تنفيذ إصلاحاتهم المسطورة في أدبياتهم لتصبح قوانين وتشريعات، يعجز سدنة العلمانية عن التصدي لها، بعد أن أدركوا المرة تلو الأخرى أن هذا هو خيار الشعب.

 

نجاح الإسلاميين في تركيا لم يرتكز إلى الأدبيات والشعارات الجذابة، وإنما تم بإقناع الناخب التركي بأفضلية الحزب وسياساته، وأنه القادر على إنقاذ البلاد من أزماتها الاقتصادية، ورفع أعباء معيشية كثيرة عن كاهل المواطن، وجعل تركيا رقما مهما على الخريطة الدولية.

 

الإنجاز على الأرض مكن إسلاميي تركيا من المس بالمقدسات العلمانية، مثل المؤسسة العسكرية، وتعاليم أتاتورك التي غيرت وجه تركيا الإسلامي وغيب ثوبها العثماني. واليوم يجري مسح مساحيق أتاتورك عن وجه تركيا. وملف هذا العدد يعالج جزءا من هذه الملفات.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/18-

ملف العدد

ملف العدد

 

وسيمة بن صالح 

منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة حكم تركيا، شرع في نقض ما بناه مؤسس العلمانية كمال أتاتورك حجرا حجرا بأدوات ديمقراطية وعلى أرضية الدستور التركي، مستفيدا من هيمنته على السلطتين التشريعية والتنفيذية. ومن الملفات التي أولاها اهتماما واسعا في برنامجه الإصلاحي، التعليمُ وإحياء رموز الدولة العثمانية.

 

الملف الخاص الذي أعدته مراسلة الجزيرة نت وسيمة بن صالح يسلط الضوء على نماذج من الإصلاحات التي أدخلها أردوغان وحزبه على قطاع التعليم لاستعادة هوية تركيا الإسلامية، وإصلاح ما سميت "إصلاحات أتاتورك".

 

فيتناول مقال "الفلسفة التعليمية لحزب العدالة والتنمية" الجوانب التي ركز عليها الحزب في التغيير في قطاع التعليم، ومنها إحياء روح الدولة العثمانية في اللغة وهوية الدولة، مثل إقرار التعليم باللغة العثمانية التي كانت تكتب بالأحرف العربية لتنفض عنها غبار عقود من التغييب.

 

وانتقل تدريس الدين نقلة كبيرة من الاكتفاء به شكلا إلى توسيع هامش تدريسه الآن والتركيز على تغيير مضمون الدين الذي تتناوله المناهج التعليمية، والأمر ذاته شمل مدارس الأئمة والخطباء التي كانت حاضرة شكلا وغائبة مضمونا. وبالمقابل حظر القانون الجديد تدريس تحضير المشروبات الكحولية في مدارس السياحة.

 

وفي سياق الانفتاح على الأقليات العرقية والدينية في تركيا، منحت حكومة حزب العدالة والتنمية فرصا واسعة لهذه الأقليات في التعليم بلغتها الخاصة، وهو ما كانت تحظره علمانية أتاتورك.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/18-

العدالة والتنمية ومعركة الهوية

العدالة والتنمية ومعركة الهوية
 
 
لا تزال كلمة ''الزلزال'' تصف ما جرى يوم 3 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2002، حين فاز حزب العدالة والتنمية، ذو التوجه الإسلامي، بأغلبية ساحقة في الانتخابات العامة بنسبة 34% ليبدأ رحلة صراع ضد قيود العلمانية والعسكر، ويتمكن رويدا رويدا من تكسير سلسلتها الحديدية، معلنا عهد تركيا جديدة متصالحة مع هويتها الدينية، ومحمية من قبضة المؤسسة العسكرية التي طالما أدارت دفة البلاد.


تشكل ذلك الحزب من انشقاق داخل حزب الرفاه الإسلامي بقيادة الدكتور المهندس نجم الدين أربكان. وقاد ذلك الانشقاق رئيس الجمهورية الحالي رجب طيب أردوغان، والسابق عبد الله غل. وانضمت إليهما كوادر شابة متعلمة من الحزب، إضافة لكوادر ليبرالية من خارجه. وأبدى "العدالة والتنمية" عزمه على المضي قدما في عملية الإصلاح ونبذ خطاب معاداة الديمقراطية.

 

نجم الدين أربكان زعيم حزب السعادة الإسلامي في الحملة الانتخابية عام 2007 (غيتي)


كسر شوكة العسكر

أطاح الجيش التركي منذ عام 1960 بأربع حكومات منتخبة. وبعد الإطاحة بحكومة أربكان، كانت حكومة "العدالة والتنمية" أول حكومة إسلامية تعقبها، لتصبح الهدف الجديد للعسكر.

 

لكن الحزب الإسلامي الجديد كسر قواعد اللعبة، وتمكن ولأول مرة في تاريخ السياسة التركية من تشكيل حكومة منفردا مرتين، ما جعل الجيش يستنفر ويصدر منتصف ليلة 27 أبريل/ نيسان 2007 بعد الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية بيانا ندد فيه بما سماه ''تزايد النشاطات الدينية المتطرفة في الأناضول" مؤكدا أن الجيش هو حارس النظام العلماني بالبلاد، وأنه لن يتردد في إعلان موقفه "قولا وفعلا''.


لكن "العدالة والتنمية" رد على الجيش بأن بيانه ''أمر غير مقبول في نظام ديمقراطي، وأن الجيش يخضع لقرار الحكومة المنتخبة، ولا يمكن للحكومة قبول تهديدات من أحد''. فكانت هذه المرة الأولى التي تواجه فيها حكومة تهديدات العسكر بقوة وبشكل علني.


ولم يسلم هذا الحزب من مضايقات العسكر، حيث التمس المدعي العام حظر الحزب بحجة تقويضه مبادئ العلمانية، وأسلمة المجتمع. لكن المحكمة الدستورية رفضت هذا الطلب، واكتفت بحرمان الحزب من نصف المخصصات المالية التي تمنحها له الدولة، كإنذار له.


وأجرت الحكومة يوم 12 سبتمبر/ أيلول 2010، استفتاءً على تعديل بعض بنود الدستور الذي وضعه القادة العسكريون لانقلاب عام 1982. وكانت النتيجة تصويت 58% من الأتراك لصالح تعديل مواد تضمنتها ثلاث حزم أساسية تتعلق بالحقوق الديمقراطية السياسية والاجتماعية للمواطنين، وتقليص سلطة العسكر والقوى القومية "المتشددة" على الساحة السياسية والمدنية والاجتماعية، إضافة لزيادة نفوذ رجال الأعمال والمستثمرين.

 
كما صدرت عام 2013 أحكام متفاوتة المدة والسجن-مدى الحياة ضد جنرالات وضباط سابقين بالجيش بعد اتهامهم بالتورط في قضية "أرغينيكون" المتعلقة بالتخطيط للإطاحة بحكومة رئيس الوزراء آنذاك أردوغان. كما يُحاكم أمام القضاة بمحكمة جنائية بأنقرة، ومنذ سبتمبر/أيلول 2013 أكثر من مائة من قدامى العسكريين عن دورهم في الإطاحة بأول حكومة "إسلامية" بالبلاد، وهي حكومة أربكان.

 

حرس الشرف في قصر الرئاسة التركي بلباس الجيوش التركية على مر الحقب التاريخية ما فيها الجيوش العثمانية (أسوشيتيد برس)


استعادة الهوية العثمانية

كان وصول غل لمقعد رئاسة الجمهورية أول صفعة يتلقاها العلمانيون الذين لطالما حاربوا الدين بكل مظاهره بتركيا. فدخول زوجة الرئيس (السيدة الأولى) بحجابها للقصر الجمهوري (تشانكايا) الذي يعتبره العلمانيون قلعتهم، أثار جدلا كبيرا وقتها، وانتصر الحجاب الذي تطلب الأمر سنوات عديدة بعدها لكي يستعيد وجوده في مختلف مؤسسات الدولة.

 


وتمكن "العدالة والتنمية" منذ توليه الحكم من حل إشكالية صراع الدولة مع الدين والمتدينين والتي استمرت سنوات طويلة، أجبرت خلالها الحكومات العلمانية المجتمع التركي على نموذج حياة جديدة تشابه الغربيين.

 


وأعلن أردوغان حزمة إصلاحات نهاية سبتمبر/أيلول 2013، رفع بموجبها الحظر على ارتداء الحجاب بالمؤسسات العامة، باستثناء مؤسستي الجيش والقضاء. ومهد رفع الحظر هذا لدخول محجبات للبرلمان. كما عانق الحجاب حريته في باحات المدارس والجامعات وصالات الحقوق والرياضة بتركيا.

 


كما أزاح نظام التعليم عن كاهله ثقل الثقافة العلمانية التي قيدته لسنوات، ليستعيد التعليم الديني حضوره ويسمح بتعليم القرآن الكريم والعلوم الإسلامية للطلاب بمختلف أعمارهم ومراحلهم الدراسية، عكس الأجيال السابقة التي حرمت منه بسبب قرارات الحكومات العلمانية المتعاقبة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/18-

إصلاح "إصلاحات أتاتورك" في المناهج

إصلاح "إصلاحات أتاتورك" في المناهج

 

يحظى مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك بمكانة خاصة في تركيا، فهو بالنسبة للأتراك القائد الذي أنقذ البلاد وفاز بكل الحروب حتى وضع أسس الدولة الجديدة. ولا ينافس وجود تماثيله داخل المؤسسات التركية وخارجها إلا العلم التركي.

 

كما لا تخلو كتب التاريخ من إنجازاته وإصلاحاته التي كان التشكيك فيها خطا أحمر، حتى صدرت توصيات غير ملزمة من مجلس الشورى التابع لوزارة التعليم التركية أواخر عام 2014، دعت إلى إعادة صياغة مضامين كتاب "إصلاحات أتاتورك" الذي يدرّس ضمن المنهاج الدراسي منذ المرحلة الابتدائية حتى الثانوية. وفتح هذا القرار الجدل حول "قداسة" شخصية أتاتورك ومدى صحة إنجازاته التاريخية، فهناك طلاب صفقوا للقرار بينما اعتبره آخرون خطأ يجب التراجع عنه.

 

بعد إلغائه السلطنة وإعلانه الجمهورية التركية، انكب أتاتورك على فرض ''إصلاحات'' اجتماعية وثقافية، أهمها ما يعرف بثورة الأحرف التي بدّل من خلالها الأحرف العربية المستعملة في اللغة العثمانية بالأحراف اللاتينية، لتصبح اللغة بين ليلة وضحاها على الشكل الذي تكتب به حاليا. كما منع المدارس الدينية وألغى الألقاب والطرق الدينية، وارتداء الطربوش والعمامة والمحاكم الشرعية، وغيّر لغة الأذان من العربية إلى التركية.

 

الرئيس التركي أردوغان يخطب في طلبة إحدى المدارس المهنية في إسطنبول (أسوشيتد برس)

ويتناول كتاب الإصلاحات شخصية أتاتورك وفترة حكمه وإنجازاته بشكل يضفي عليه قداسة خاصة. كما أنه من خلال تمهيش وتقديم معلومات مغلوطة عن العرب والأكراد والأرمن، يغذي ذلك الدرس حسب خبراء القومية التركية، ويعتبر التعددية خطرا على الدولة.

 

ما يسمى ثورة الإصلاحات الأتاتوركية لم تكن دون معارضين، فالجيل الأول من الأتراك الذين عاصروها، عانوا من التغيرات المفاجئة واعتبروها مفروضة ولم يطلبها الشعب، وخاصة النساء اللواتي لم يكن الكثير منهن يرغبن في نزع حجابهن وارتداء الملابس "الغربية". لكن الناس ساندوا أتاتورك بسبب ''انتصاره على العدو في حرب التحرير''، وكانوا يحاولون إقناع أنفسهم لتقبّل قوانينه بأنه ''قائد يرى ما لا يمكن للشعب رؤيته".

 


بعد سنوات طويلة من "إصلاحات أتاتورك"، طالبت مجموعة من المثقفين والمفكرين الأتراك في أكتوبر/تشرين الأول 2014 بإلغاء هذا الدرس في مادة التاريخ، واستبداله بتاريخ محايد وهادف، ونظموا حملة لجمع التوقيعات لهذا الغرض.

 

متظاهرون في أنقرة يطالبون بالنظام التعليمي العلماني والعلمي فقط في تركيا (أسوشيتيدبرس)

واعتبر الخبير في تاريخ الجمهورية التركية كوراي ساربيتجي أنه "مهما حاولت أطرافٌ التلاعب بالتاريخ، فإن حقائقه تخرج إلى الضوء مهما طال الزمن".

 

واعتبر ساربيتجي في حديثه للجزيرة نت أن "النظام عندما يكون قويا، يمكنه فرض روايته للأحداث التاريخية على الشعب حتى لو كانت مختلقة، لكنه عندما يضعف يفقد سيطرته على الأمور".

 

وأشار إلى ضرورة تغيير مضمون ذلك الدرس، لأن العوامل الإجتماعية والسياسية لتركيا الآن لم تعد تسمح باستمرار تقبل ذلك التصور والمفهوم التاريخي التي يحتويه.

 

لكن ساربيتجي حذّر من وقوع النظام الحالي في الخطأ نفسه، متسائلا إن كانت المعلومات التي ستحذف أو تضاف ستخدم حقيقة التاريخ، أو أن نفس السيناريو سيبقى مع تغيير الأسماء والعوامل.

 

ملصفات احتجاجية على زيادة جرعة التعليم الديني في المدارس (أسوشيتد برس)

وشدد على أنه يجب أن لا يكون تاريخ تركيا أداة تستغلها الأنظمة الحاكمة لصالحها، مطالبا بالمزيد من الأبحاث التاريخية التي من شأنها تقديم تاريخ تركيا الحديث بشكل واقعي.

 

وعبّر عن تفاؤله من حدوث هذا مع وجود حكومة "تعلمت من أخطاء الماضي"، واتبعت نهج الانفتاح على العالم بدل الانغلاق وعدم مسايرة التغيير الزمني.

 


مصطفى أيكول (طالب، 17 عاما) قال للجزيرة نت إنه ينظر إلى موضوع أتاتورك بشكل محايد، فهو "ضد تقديسه، لكن في نفس الوقت لا أكره أتاتورك''. واعتبر أن نظام التعليم في تركيا ومنذ الطفولة يعلّم تقديس أتاتورك وإظهاره على أنه معصوم من الأخطاء وممنوعٌ انتقاده. كما أن أتاتورك حيّ في جميع المواد، حتى في دروس الموسيقى والرياضة.

 

روضة مور إيفريم السريانية في أسطنبول وهي الأولى التي تدرس باللغة السريانية منذ قرابة 90 عاما (غيتي )

وقال أيكول إنه وبعض زملائه وبفضل الكتب التاريخية التي تروي الأحداث بشكل مختلف، أصبحت لديهم الجرأة على رفض ما كتب عن إصلاحات أتاتورك، رغم أن هذا يسبب لهم العديد من المشاكل والشجارات مع باقي الطلاب، حسب قوله.

 

أما الطالبة سيدا يوجي فشددت على ضرورة إبقاء الدرس كما هو، وقالت للجزيرة نت إنه يضمن استمرارية وديمومة ترسيخ معاني ومبادئ جمهورية أتاتورك في ذهن الشبيبة.

 

وأقرت يوجي "بصحة تقديسه" لأنه -حسب رأيها- "مؤسس الدولة ومنير أيام شعبها"، والقائد المظفر الذي رفع تركيا وجعلها بمستوى الحضارة الغربية المعاصرة، مضيفة أن "على اليافعين والشباب الاقتداء به".

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/18-

الفلسفة التعليمية في إصلاحات حزب العدالة

الفلسفة التعليمية في إصلاحات حزب العدالة

 

أفق جوشكون
خبير في شئون التعليم بتركيا

 

منذ وصوله إلى سدة الحكم بتركيا عام 2002، فتح حزب العدالة والتنمية باب تصفية الحسابات مع العسكر والانقلابيين، ودخل في مواجهة حقيقية وجدية مع العديد من القضايا المعقدة، التي أرقت المجتمع التركي لعقود طويلة أهمها القضية الكردية، والحريات الفردية والتعليم، الذي طالته إصلاحات مهمة استعادت بفضلها شرائح مختلفة من المجتمع التركي حقوقها المسلوبة.

 

فقد احتل قطاع التعليم في تركيا المرتبة الأولى على قائمة القطاعات التي كان يتم التدخل فيها وفرض قيود عليها عقب كل انقلاب عسكري في البلاد. لهذا عكست المؤسسات التعليمية التركية ولسنوات عديدة سياسة الحزب الواحد العلماني ذي النهج العسكري.

 

وفي بلد يعتبر الإسلام ديانته الرسمية، سلبت الفتيات المحجبات حقهن في التعليم. كما أن تطبيق حالة الطوارئ التي تعرف في تركيا باسم 28 فبراير/شباط التي أعقبت الانقلاب ما بعد الحداثي عام 1997، منع الأسر التركية المحافظة من إرسال أبنائها دون سن 15 لمراكز تعليم القرآن الكريم وتلقي التعليم الديني.

 

كما طردت آلاف المدرسات اللواتي تمسكن بحجابهن من وظائفهن بتهمة ''تشكيل خطر على الهوية العلمانية للبلاد''. ولم يقتصر الأمر على طردهن، بل وصل إلى حد متابعتهن قضائيا. وفرض الزي الموحد، ومنع تعليم أية لغة باستثناء اللغة التركية، وتضمنت الكتب الدراسية مواضيع ركزت على تحقير وتهميش مختلف الإثنيات والأعراق وفي مقدمتها العرب والأرمن.

 

الرئيس التركي أردوغان وحرمه في حفل افتتاح مدرسة إمام وخطيب في أنقرة (رويترز)

باختصار، فقد بني نظام التعليم في تركيا قبل عهد العدالة والتنمية على أساس القومية والهوية التركية، وإلغاء ما سواها.

 

قدم حزب العدالة والتنمية نفسه بأنه ''حزب محافظ ديمقراطي''، ونادى بالتنوع والحريات. لهذا باشر بعكس أفكاره تلك على نمط الحياة التعليمية بتركيا، فسارع بتنفيذ عدة إصلاحات هدفت لتحطيم القوالب النمطية القديمة القائمة على فرض الفكر الواحد العنصري الرافض للآخر. وقامت فلسفته على إبراز واحترام رموز وإرث كل الحضارات التي تعاقبت على أرض تركيا وخاصة الإسلامية.

 

وبقصد إغلاق مدارس الأئمة والخطباء الدينية بتركيا، فرضت الحكومات العلمانية المتعاقبة نظام التعليم الإلزامي، الذي حددته في ثماني سنوات. لكن حكومة العدالة والتنمية ألغت هذا النظام، وقسمت سنوات التعليم لأربع سنوات لكل مرحلة (أربع للابتدائية، أربع للمتوسطة، أربع للثانوية).

 

وعليه، فقد أصبح بإمكان التلاميذ التوجه لمدارس الإمام الخطيب مباشرة بعد إنهاء دراستهم الابتدائية عند رغبتهم بذلك. وأصبح بإمكان خريجي تلك المدارس الالتحاق بأي فرع يختارونه بالجامعات التركية عند الحصول على علامات تخول لهم ذلك، وذلك بعد إلغاء نظام معامل العلامات المنخفض الذي كان يطبق على علامات خريجي مدارس الأئمة والخطباء، بهدف منعهم من دراسة باقي العلوم وحشرهم داخل قالب الدراسة بقسم الشريعة فقط. كما نال الحجاب حريته في جميع المؤسسات الدراسية بمختلف مراحلها.

 

طالبات في إحدى مدارس إمام وخطيب في إسطنبول (رويترز)

أجبر أطفال تركيا على اختلاف أعراقهم ومنذ عام 1933 حتى الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 2013، على حفظ و ترديد ما يسمى ''القسم الوطني'' كل صباح داخل مدارسهم. وكان هذا القسم يزرع بذور العنصرية، حيث يتضمن المعاني التالية "أنا تركي مخلص وأعمل بجد.. أحمي الصغير وأحترم الكبير.. وأحب الوطن والأمة أكثر من حبي لنفسي.. مثلى الأعلى النهضة والتقدم.. يا أتاتورك العظيم سأسير على طريقك وأقسم أن أحقق الأهداف التي حددتها.. وأتعهد بأن يكون وجودي مرتبطا بالوجود التركي.. سعيد هو كل من يقول أنا تركي''.

 

فرض الفكر العسكري داخل الثانويات التركية منذ عام 1926، حيث كان الطلاب الأتراك يتلقون مادة ''الأمن القومي'' التي كان يدرسهم إياها ضباط في القوات المسلحة التركية. وكان هدف هذا الدرس تربية الشباب على حب ''العسكر'' وضمان تكوين مدنيين ''جاهزين فكريا'' للالتحاق بالجيش التركي في أية لحظة دون تردد. لكن هذه المادة تمت إزالتها من المنهج التعليمي مع حلول العام الدراسي لسنة 2012-2013.

 

بعد حظره لمدة عقود، تم السماح للأقليات الدينية والعرقية في تركيا بالتعليم بلغتهم الأم، كما عانقت اللغة العربية والكردية الحرية في المدارس التركية. وأدخلت دروس متعلقة بالمذهب العلوي في المناهج الدينية. ونالت الأقلية السريانية حقها في إعادة فتح مدارسها بعد أن أغلقت منذ عام 1928.

 

وأكد خطاب رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان الذي ألقاه خلال اجتماع الشورى للتربية والتعليم التركي لعام 2014، على ضرورة تقديم مواد ودروس تعليمية للطلاب في تركيا ''تغرس فيهم الثقة بالنفس ونبذ الذل والانكسار''.

 

المنهج التعليمي في روضة مور إيفريم السريانية في إسطنبول (غيتي)

واعتبر أن التعليم هو الوسيلة الوحيدة التي ستمكن تركيا من حماية شبابها من ''مرض العنصرية العرقية''. كما أكد على ضرورة تلقينهم تعاليم الدين الإسلامي. وهذا يشير إلى أن الدور الذي سيلعبه التعليم تحت قيادة حزب العدالة والتنمية في الحقبة الجديدة مهم جدا لإعادة مجد الحضارة في تركيا.

 ============

*أفق جوشكون
خبير بشؤون التعليم التركية، درس بمدارس الأئمة و الخطباء، وهو خريج كلية المعلمين من جامعة غازي بأنقرة. يعمل منسقا بمركز الأبحاث الخاص بالسياسات التعليمية بمركز مجتمع الفكر الليبرالي بتركيا.

يكتب عمودا بجريدة ''ميلات'' التركية. ونشرت له العديد من الجرائد والمجلات التركية مقالات حول التعليم بتركيا. ومقرب من حزب العدالة والتنمية.

 

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/18-

إحياء "العثمانية" لغة وهوية

إحياء "العثمانية" لغة وهوية

 

خورشيد دلي
كاتب ومؤلف سوري مختص بالشأن التركي

 

لا ينبغي النظر لقرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعليم اللغة العثمانية المكتوبة بالحروف العربية في المدارس التركية على أنه مجرد تعليم للغة الأجداد، بقدر ما هو تعبير عن رؤية أردوغان لتركيا وهويتها الحضارية وخياراتها السياسية في المرحلة المقبلة. بما يشكل انتقالا للجمهورية الثانية بحلول عام 2023، أي في الذكرى المئوية الأولى لتأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك.

 

لكن العملية ليست سهلة، إذ أنها تتعلق بتغيير الوعي بالهوية الحضارية والثقافة ونمط التفكير والتعليم على شكل مواجهة مع إرث أتاتورك، الذي ألغى عمليا ألف سنة من الكتابة باللغة العثمانية، أو على الأقل حبسها في التاريخ الذي يتوق أردوغان إلى إحيائه، وهو الذي لطالما افتخر بحكم السلاجقة والسلاطين العثمانيين. 

 

ويشكل قرار أردوغان تعليم اللغة العثمانية في المدارس استكمالا لقراره إعادة فتح المدارس الدينية، التي تقول التقارير إن عدد طلابها بلغ قرابة مليون طالب، بعد أن كان هذا العدد لا يتجاوز خمسين ألف طالب عشية تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم عام 2002، عقب فوزه الكبير في الانتخابات.

 

طلاب مدارس الأئمة والخطباء قديما (الجزيرة)

ولعل الهدف الأساسي من هذا القرار هو الانتقال من الهوية التركية بمفهومها القومي الضيق الذي كرسه أتاتورك إلى العثمانية الجديدة التي تشكل فضاء أرحب لهوية الدولة التركية التي يتطلع لها أردوغان، من خلال إعادة وصل ما انقطع من التاريخ، بما يحمله هذا التاريخ من مكون اجتماعي وهوية ورموز.

 

وعليه يمكن تفسير تركيزه على ضرورة إبراز مساهمة العلماء المسلمين في العلوم والثقافة والفكر بوصفهم يشكلون ذاكرة الأمة وهويتها، وليس من باب المصادفة أن يقارن أردوغان بين ابن سينا ونامق كمال مع غيرهم من العلماء والمفكرين في الغرب، ويثير الجدل بشأن من اكتشف أميركا، هل هو كريستوفر كولومبوس أم أن المسلمين اكتشفوها قبله بثلاثمائة عام ؟  

 

لا شك أن اعتماد تدريس اللغة العثمانية يعني بطريقة أو أخرى إعادة كتابة التاريخ وتعديل المناهج الدراسية والتخفيف من المواد التي تأخذ بالطابع الغربي للمعرفة والهوية من خلال التعليم، ولعل هذا ما يفسر إصرار أردوغان على التعليم باللغة العثمانية، وعزمه المضي في دفع القرار إلى حيز التنفيذ، عندما قال لمعارضي القرار خلال مشاركته في أعمال مجلس الشورى الديني الخامس الذي عقد في أنقرة مؤخرا "إنه سيتم التعليم باللغة العثمانية سواء شاء المعارضون أم أبوا".

 

فتركيا التي تشغل مخيلة أردوغان في المرحلة المقبلة هي تركيا المتصالحة مع تاريخها، مجتمعا وثقافة ولغة وذاكرة ورموزا، هي تركيا القوية التي تحمل الملامح السلطانية لقصره الجديد والذي يفتخر به أردوغان باعتباره مؤشرا لقوة الدولة ورمزا لها. 

 

تمثال لكمال أتاتورك مؤسس العلمانية التركية في إحدى مدارس الأئمة والخطباء في إسطنبول (رويترز)

حوامل العثمانية الجديدة

منذ تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا لم يتوقف الجدل بشأن العثمانية الجديدة داخل تركيا وخارجها، وذلك تعبيرا عن السياسة التي يتبعها الحزب في مقارباته للأيديولوجية والهوية الحضارية، فما هي حوامل العثمانية الجديدة؟



ثمة من يرى أن العثمانية الجديدة تعتمد على جملة من الحوامل والركائز لعل أهمها:
1- الركيزة الجغرافية: فمن يتابع بوصلة السياسة التركية في عهد حزب العدالة والتنمية لا بد أن يرى أن هذه السياسة ركزت على الدائرة الجغرافية التي شكلت حدودا للدولة العثمانية في السابق، ولاسيما المنطقة العربية، بعدما تم إهمالها طوال عهود الحكومات السابقة لصالح خيار "الأوْربة" باستثناء بعض المحاولات الخجولة التي جرت في عهد الرئيس السابق تورغوت أوزال.

 

2- الهوية الحضارية الإسلامية: مع أن حزب العدالة والتنمية حرص في الداخل التركي على الابتعاد عن إظهار نفسه كحزب إسلامي والأخذ بالهوية الإسلامية كأيديولوجية، والقول إنه ملتزم بالأسس العلمانية للدولة وإظهار نفسه كحزب محافظ، إلا أنه في ممارسته للحكم والسياسة لم يكن بعيدا عن السعي إلى أسلمة الدولة والمجتمع بشكل هادئ وتدريجي.

ولعل سبب هذا الحرص الشديد هو تفادي الصدام مع المؤسسة العسكرية والقوى (العلمانية) التي كانت تهيمن على الحياة العامة في البلاد، فضلا عن اتباع الآليات القانونية، التي تجنبه التعرض للمحاكمة والحظر، كما حصل مع غيره من أحزاب الإسلام السياسي في المراحل السابقة. 

 

أحد صفوف ثانويات الأئمة والخطباء (الجزيرة)

3- البعد القومي: رغم محاولة حزب العدالة والتنمية أن يكون شفافا في المسألة القومية من خلال إظهار البعد القومي، بمفهومه العرقي كمكون غير وحيد للهوية التركية، فإنه حرص على إبراز أهمية هذا العامل في السياستين الداخلية والخارجية.

 

ففي الداخل عمل عليه ثقافيا، وفي الخارج أبرز الاهتمام السياسي بالأقليات القومية التركية، سواء من خلال الاهتمام بالدول الآسيوية الناطقة باللغة التركية، أو دعم الأقليات التركية في الخارج ولاسيما الأقلية الإيغورية في إقليم تشينغيانغ (تركستان الشرقية) في الصين، أو حتى إعطاء المزيد من الاهتمام بنشر اللغة التركية عبر زيادة مراكز التعليم بها، وإقامة العديد من المراكز الثقافية واللغوية.    

        

4- الحامل السياسي : لم تكن نظرية "صفر مشاكل" التي طرحها رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إلا تعبيرا سياسيا عن الانفتاح على الجوار الجغرافي بما يحمل هذا الجوار من تاريخ وثقافة وهوية حضارية مشتركة. ولعل حديثه أكثر من مرة عن إقامة كومنولث عثماني على غرار الكومنولث البريطاني كان تعبيرا عن تحرك السياسة في الجغرافيا التي يعتقد أوغلو ومعه حزب العدالة والتنمية أنها تشكل الحدود التاريخية لفضاء العثمانية الجديدة.

 

أردوغان وحرمه في لقاء مع طلبات مدرسة مهنية خاصة بالفتيات في إسطنبول (أسوشيتد برس)

أصولية أم معاصرة؟

أثار مصطلح العثمانية الجديدة المزيد من الجدل داخل تركيا وخارجها، فكلما اتخذ أردوغان قرارا يصب في هذا المصطلح اشتعل الداخل التركي مواجهة بين الحكومة والمعارضة. وفي الخارج ولاسيما في العالم العربي، اتخذ النقاش بشأن العثمانية الجديدة عاصفة من الأسئلة والمواقف، بين من وجد فيها عودة إلى سياسة الدولة العثمانية، بكل ما تحمل هذه السياسة من مفاهيم استعمارية تقوم على السيطرة، وبين من وجد فيها مخرجا لأزمة الهوية في تركيا بعد أن أخفقت الكمالية (نسبة إلى مصطفى كمال أتاتورك) في تأطير الهوية الاجتماعية والحضارية لتركيا، وبات حزب العدالة والتنمية في موقع تحقيق المصالحة التاريخية مع هذه الهوية. ولعل ما أشعل هذه المواجهة في الداخل والنقاش في الخارج هو التصريحات النارية لأردوغان وحديثه مرارا بأنه حفيد السلاطين ويستمد من أمجادهم تطلعاته.   

 

في الواقع، الجدل بشأن العثمانية الجديدة يتجاوز الانقسام والموقف منها، ويصل إلى الأسئلة الفكرية المتعلقة بالحكم ونموذجه، عن العلاقة بين الدين والسياسة، بين العلمانية والإسلام، بين الجيش والسلطة المدنية، بين الحكومة والمعارضة، وأسئلة أخرى عن الآليات السلمية والقانونية لإحداث التغيير المنشود، عن الإصلاح وطرق تحقيقه، عن كيفية تحويل الخطوات التكتيكية وتراكمها إلى إستراتيجية  دولة بسياساتها وهويتها، فهذه الأسئلة وغيرها تشكل أسئلة السياسة والمعاصرة في تركيا، والبعض منها مطروحة بقوة في العالم العربي.

 

من الواضح أن قرار التعليم باللغة العثمانية هو خطوة من خطوات تحقيق العثمانية الجديدة، ويمكن القول إن الأمر بات يثير الجدل على ثلاثة مستويات:

 

طلبة ومعلمون في المدارس النظامية يحتجون على إدخال حكومة أردوغان إصلاحات على النظام التعليمي (أسوشيتد برس)

الأول- مستوى الداخل: إذ أن قرار التعليم باللغة العثمانية أشعل مواجهة جديدة بين المعارضة والحكومة كما قلنا، فالمعارضة تصفه بالانقلاب على هوية الدولة، ومحاولة فرأ إيديولوجية محددة على الدولة والمجتمع والتعليم. فضلا عن انتقادات تقنية تتعلق بعدم علمية هذه اللغة وملاءمتها للعصر وخصوصياته العلمية.

 

فيما ترى الحكومة أنه تصحيح لخطأ تاريخي أدى إلى إلغاء ألف سنة من هوية تركيا وثقافتها وتاريخها، وأنه لا شيء يمنع من إعادة الوصل مع ما انقطع.

 

الثاني- على المستوى العربي: أثارت العثمانية الجديدة جدلا كبيرا على شكل تناقض في الموقف منها وكيفية النظر إليها، بين قوى سياسية وجدت فيها محاولة لعودة الأتراك إلى السيطرة على المنطقة، بعد مغادرة العثمانيين لها قبل نحو قرن بعد انهيار دولتهم خلال الحرب العالمية الأولى. وبين قوى معظمها إسلامية ترى في العثمانية الجديدة تصحيحا لواقع العلاقات التاريخية ودعم الموقف من القضية الأساسية "فلسطين" والمنطقة بشكل عام.    

 

الثالث- على المستوى الغربي : ثمة قناعة عامة في الغرب بشقيه الأميركي والأوروبي بأن تركيا في يومنا هذا لم تعد تركيا التابعة أو الحليفة في إطار الحلف الأطلسي كما كانت في السابق، وإنما دولة تسعى إلى أن تكون دولة إقليمية مركزية مؤثرة تعمل على الانفكاك عن المنظومة الغربية الأمنية والسياسية لصالح المزيد من الاستقلالية والدور، وهو أمر يثير المزيد من المخاوف في الغرب خاصة وأنه بالنسبة للعديد من الأوساط والمحافل الغربية يحمل الخيار التركي الجديد معه ملامح أيديولوجية إسلامية.  

 

في الواقع، قد تبدو العثمانية الجديدة بنظر البعض أصولية باعتبارها شكلا من أشكال العودة إلى الماضي بنموذجه السياسي وقيمه الفكرية والحضارية والاجتماعية، فيما يرى البعض ولاسيما حكومة حزب العدالة والتنمية أنها شكل من أشكال المعاصرة، من خلال مقاربة الهوية الحضارية برؤية جديدة، تنسجم وموقع تركيا في المرحلة المقبلة. وبين الرؤيتين ثمة جدل لن يتوقف بشأن كيفية كتابة قصة نجاح لدولة كانت الأقوى قبل أن تنهار قبل نحو قرن. 

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/18-

اللغة العثمانية.. عنقاء تنفض غبار الأتاتوركية

اللغة العثمانية.. عنقاء تنفض غبار الأتاتوركية

 

غابت اللغة العثمانية عن المجتمع التركي بين ليلة وضحايا، لكنها قاومت الاندثار، وبدأت تعود إلى الحياة مجددا في السنوات الأخيرة، فقد بدأت تعقد العديد من الدورات لتعليمها، وزاد الإقبال عليها من قبل الطلاب والباحثين والأكاديميين.

 

لكن الحكومة التركية قررت تعميم ذلك على باقي الفئات، وأوصى مجلس الشورى لوزارة التعليم التركية بإدراج تعليم اللغة العثمانية كمادة إلزامية في مناهج مدارس الأئمة والخطباء ومدارس العلوم الاجتماعية، وكمادة اختيارية في مناهج المدارس الثانوية الأخرى.

 

علمانيو تركيا اتهموا الحكومة وخاصة رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان بسعيه لإعادة البلاد مئات السنوات إلى الوراء، وزجها في دوامة الجهل، وتربية الجيل الجديد على الأحرف والثقافة العربية.

 

الكتابة العثمانية على المباني الرسمية (الجزيرة)

لكن أردوغان اعتبر سلب مجتمع لغته بمثابة "سلبه حضارته وذاكرته"، وانتقد من يقول إن الحكومة تسعى لتعليم الجيل الجديد قراءة شواهد القبور المكتوبة باللغة العثمانية، مشيرا إلى أن التاريخ والحضارة يرقد تحت تلك الشواهد، ومتسائلا "أي جهل أكثر من عدم معرفة الجيل الجديد من يرقد تحتها؟".

 

ضحية الجمهورية

في العام 1928 وجد شعب برمته نفسه -بين ليلة وضحايا- مجبرا على تعلم نظام أبجدية جديدة، إذ ألغى مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك استعمال الأحرف العربية واستبدل بها الحروف اللاتينية في ما عرفت بثورة الأحرف. كما جرد اللغة من الكلمات العربية والفارسية، ومنع نهائيا تعليم اللغة العثمانية.

 

ويعزو مؤرخون فعلته تلك إلى سعيه لإنشاء شعب جديد على أسس قومية تركية ذات ميول غربية وخالية من كل ما يمتّ إلى الدين بصلة، إضافة إلى منع الأجيال القادمة من قراءة الكتب القديمة باللغة العثمانية، ونشر كتب باللغة التركية الجديدة تحت رقابة النظام العلماني الجديد.

 

لوحات فنيه بالأحرف والرسوم العثمانية (الجزيرة)

وكان شاعر تركيا محمد عاكف أرسوي قد نظم النشيد الوطني التركي باللغة العثمانية، ثم تمت كتابته فيما بعد بالأحرف التركية الجديدة، لكنه ما زال يحتوي على كلمات كثيرة لا يعرف معناها جيل اليوم.

 

خبراء اللغة الأتراك لا يعتبرون اللغة العثمانية "لغة مستقلة مختلفة"، بل هي النسخة القديمة للغة التركية المستخدمة حاليا، لكنها مكتوبة بالأحرف العربية، وتتشكل في معظمها من كلمات عربية وفارسية. وتتكون اللغة العثمانية من 34 حرفا، تجمع كافة أحرف اللغة العربية إضافة إلى ستة أحرف فارسية.

 

وتدعي الكتب التاريخية التركية أن نسبة قراءة اللغة العثمانية وكتابتها كانت متدنية جدا في أوساط الشعب قبيل الجمهورية التركية الجديدة، وأنها كانت لغة منمقة ذات أسلوب راق في التعبير تستخدمها فقط نخبة المجتمع المرتبطة بالبلاط العثماني والمثقفون المستقلون عنه.

 

لوحات فنيه بالأحرف العثمانية (الجزيرة)

إقبال على تعلم اللغة

تنقسم دورات تعليم العثمانية إلى أربعة مستويات، تبدأ بتدريس نصوص بسيطة بالكلمات التركية الجديدة، ثم تعليم خط الرقعة، وتعليم قواعد الإملاء في اللغتين العربية والفارسية، وبعد ذلك قراءة الوثائق المكتوبة بها.

 

محمد فاطسة ما زال منذ أكثر من عشر سنوات يقدم دروسا خاصة للغة العثمانية، وأكد للجزيرة نت أن الإقبال على تعلمها كبير، لكنه لا يرقى إلى مستوى الإقبال على دورات باقي اللغات مثل الإنجليزية.

 

وانتقد فاطسة الاتهامات التي تطال تلك اللغة، معتبرا أن قراءتها سهلة جدا رغم صعوبة كتابتها التي تشترط مستوى تعليميا عاليا. كما نفى بُعدها عن الشعب في عهد الدولة العثمانية، لأن الناس وقتها -بحسبه- كانوا يرسلون أبناءهم إلى الكتاتيب لتعلم القرآن واللغة العربية، مما كان يسهل عليهم قراءتها.

 

محمد فاطسة وطالبه خلال درس تعليم اللغة العثمانية (الجزيرة)

وأكد أنه لو استمر تعليم اللغة العثمانية بعد قيام الجمهورية التركية لما عانى الأتراك اليوم من تعلّم اللغات الأجنبية، متسائلا عن عدم وصف العلمانيين والقوميين "أتاتورك بالرجعي والمتخلف" وهو الذي كان يتكلم اللغتين العربية والفارسية، حسب قوله.

 

ونفى فاطسة أن تفقد العثمانية مكانتها عند الأتراك، مشيرا إلى أن 70% منهم يحملون أسماء تعود إلى العهد العثماني وأصلها عربي، إضافة إلى استخدامهم في محادثاتهم اليومية كلمات عربية وفارسية.

 

تاريخ الأسلاف

لكل تركي سبب وحكاية لتعلم العثمانية، لكن معظمهم يجمع على أن الدافع الأساسي هو الاطلاع على ما كتبه أجدادهم والذي يقبع تحت الغبار في الأرشيف.

 

الطالب بكلية التاريخ لواند كانديمير لم تكفه ساعات الدروس الإلزامية للعثمانية في جامعته، بل سجل في دورة خاصة لتطوير مهاراته فيها وتعلمها بشكل أعمق، مؤكدا للجزيرة نت أنه إلى جانب أهميتها في حياته الأكاديمية، هي ضرورية في حياته الشخصية إذ "يحزّ في نفسي عدم فهم جدتي عندما تستعمل كلمات باللغة العثمانية"، يقول بنبرة حزينة.

 

كتاب لتعليم الأحرف العثمانية والكتابة بها (الجزيرة)

أما زميلته في الكلية صالحة أوزون كايا فأكدت للجزيرة نت أن تعلم اللغة العثمانية ضروري لإزاحة الستار عن المغالطات التي طالت الحقبة التاريخية العثمانية، معتبرة أن الوثائق الموجودة في أرشيف الدولة مكتوبة باللغة العثمانية.

 

وتضيف كايا أنه نظرا لعدم وجود عدد كافٍ من الأتراك الذين يعرفون فحواها، فقد صدق الناس كل ما يقال عن تلك الحقبة، مشددة على ضرورة نشر تعليمها لتربية جيل يتمكن منها ويساهم في الكشف عن حقيقة ماضي أسلافه.

 

وعبّرت عن أسفها لما حدث خلال ثورة الأحرف، وقالت إنه "لو حافظ الأتراك عند قيام الجمهورية على لغتهم وثقافتهم وقدّموا أنفسهم كما هم للغرب بدون التنازل عن ماضيهم وجذورهم، لكان الأمر مختلفا الآن".

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/18-

تدريس الدين.. الشكل والمضمون

تدريس الدين.. الشكل والمضمون

 

منذ تأسيس الجمهورية التركية والحكوماتُ العلمانية تحارب كافة مظاهر التدين. لكن المفارقة أن الدستور الذي وضعته تلك الحكومات هو الذي نص على إلزامية تدريس الدين في المدارس الحكومية. وعند وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، بدأ الجدل يتصاعد حول مادة الدين ومنهج تدريسها، خاصة مع إضافة مادتي القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة.

 

اعتبر القائمون على الجمهورية التركية في سنواتها الأولى أن الدين كان أساس الدولة العثمانية التي آل مصيرها إلى الزوال، فوضعوه ضمن خانة ألدّ أعدائهم وحاربوا كل مظاهره وخاصة في المؤسسات التعليمية.

 

هذه السياسة أدت إلى تفشي الجهل بأمور الدين بشكل دق ناقوس الخطر، مما دفع الحكومات العلمانية إلى فرض تدريس الدين في المؤسسات الحكومية، فأصبح الطلاب -وفق الدستور التركي لعام 1982- يتلقون درسا أسبوعيا لمدة ساعة من الصف الرابع الابتدائي حتى نهاية المرحلة الثانوية، في مادة "الثقافة الدينية والأخلاق" التي تدرس فيها العقيدة الإسلامية وعباداتها، إضافة إلى مفاهيم الدين بشكل عام.

 

وعند وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، أضاف مادتي القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة لكن بشكل اختياري. وفي ديسمبر/كانون الأول 2014، خرج مجلس الشورى في وزارة التعليم التركية بتوصيات منها فرض تعليم الدين ابتداء من الصف الأول الابتدائي، مما خلق جدلا واسعا بين أولياء الأمور بين مرحّب ومعارض.

 

علمانيون يحتجون على النظام التعليمي الحكومي الجديد (الأوروبية)

حرية الاعتقاد

أولياء الأمور المعارضون الذين استُطلعت آراؤهم حول الموضوع، قالوا إنهم يفضلون أن يكون لأبنائهم حرية اختيار تعلم الدين من عدمه عند بلوغهم سن الخامسة عشرة وليس قبل ذلك، لأن هذا يدخل في إطار حرية الاعتقاد حسب رأيهم، ولا يشكّل عدم تلقي تلك المادة ضررا عليهم.

 

واتهم هؤلاء الأولياء حكومة العدالة والتنمية بأنها تدرّس المذهب الحنفي السني وليس الدين الإسلامي، إضافة إلى أن عدد ساعات تدريس المواد الدينية الإلزامية والاختيارية -برأيهم- يأتي على حساب باقي المواد المهمة كالرياضيات والعلوم. كما اشتكوا من أن مادتي القرآن الكريم والسيرة النبوية تتصدران قائمة المواد الاختيارية، مما يقلل فرص اختيار باقي المواد.

 

جعفر سولغون (ولي أمر من الطائفة العلوية) قال للجزيرة نت إنه ضد إلزامية تدريس مادة الدين في المدارس، واعتبر أن أبناء الطائفة العلوية يدرسون المذهب الحنفي السني، وهذا يخالف طبيعة التنوع الطائفي الموجود في تركيا. وطالب "أن تكون مادة الدين اختيارية، وأن تتناول مواضيعها كل الديانات والطوائف بشكل محايد".

 

ونفى سولغون أن تكون المواضيع الخاصة بالطائفة العلوية التي أضيفت إلى مادة الدين في عهد حزب العدالة والتنمية كافية، لأنها فقط عبارة عن معلومات حول الولي العلوي حاجي بكتاش وبعض أقواله.

 

من جهة أخرى عبّر إردام أكارجا عن امتنانه للإصلاحات التي طالت التعليم الديني خلال السنوات الأخيرة، وقال للجزيرة نت إن المنع الذي عاشوه في هذا المجال جعل من الصعب عليهم تربية أبنائهم على التعاليم الصحيحة للإسلام.

 

وأعرب أكارجا عن قناعته بأن فرض التعليم الديني من السنة الأولى الابتدائية سيساهم في إعادة الدين إلى حياتهم من جديد. كما أثنى على تدريس مادتي القرآن الكريم والسيرة النبوية حتى لو كانتا بشكل اختياري، لأنهما ''تسمحان بتعليم أبنائنا دينهم وأخلاقه بشكل حر ومريح''.

 

طالبات في مدرسة إمام وخطيب في أنقرة بانتظار أردوغان لافتتاح المدرسة (رويترز)

إعادة تأهيل

رئيس قسم تطوير الإستراتيجيات بوزارة الشؤون الدينية التركية نجدت سوباشي اعتبر أن حزب الشعب الجمهوري المعارض الذي حكم تركيا لسنوات، لم يجعل تدريس الدين إلزاميا حبًّا في الدين، بل رغبة في خلق مناخ يبقى فيه تعليم الدين تحت سيطرتها ورقابتها، حسب ما قاله للجزيرة نت.

 

ويعتقد سوباشي بأن دوافع عديدة كانت وراء قيام حكومة حزب الشعب بذلك، أبرزها محاربة التعليم الديني الذي كانت تقدمه الجماعات الإسلامية في تركيا خفية وبعيدا عن أعين الدولة، والوقوف بوجه ما كانت تقول إنها أفكار دينية متطرفة خارجية تدخل المجتمع التركي، وخاصة من إيران، فضلا عن محاولتها استغلال الدين ضد الفكر الماركسي الذي بدأ وقتها بالانتشار بكثرة، وخاصة في صفوف اليافعين والشباب.

 

ورغم ثنائه على جهود حزب العدالة والتنمية فيما يخص التعليم الديني، فإنه أفاد بأنه من غير الممكن القول بأن التعليم الديني في تركيا ذو جودة عالية أو كافٍ.

 

وأكد سوباشي أن المجتمع التركي يحتاج جدّيا إلى إعادة تأهيل فيما يخص المعرفة الدينية وثقافتها، لكن هذا لا يعني -وفق قوله- أن الأتراك كانوا بعيدين عن الدين، بل إنه حتى في ''أحلك الأوقات كانوا قريبين من الدين ويكنون له محبة خاصة، ولم تنجح كل العراقيل في فصلهم عنه".

 

لافتة لمحتجين علويين تطالب بإلغاء إلزامية تدريس الدين (الجزيرة)

الثقافة والالتزام الديني

في دراسة أعدّتها وزارة الشؤون الدينية التركية عام 2013 حول الدين والمجتمع التركي، قال 99.2% من الأتراك إنهم يعتبرون أنفسهم منتسبين إلى الإسلام. وحسب تلك الدراسة، يتبع 77.5% من الأتراك المذهب الحنفي.

 

ويعتقد 96.5% من الأتراك أن القرآن حق وصالح لكل الأزمان، في حين يواظب 42.5% منهم فقط على الصلاة، وترتفع هذه النسبة في صفوف النساء أكثر من الرجال، إذ تشير الدراسة إلى أن نسبة التركيات المواظبات على الصلاة بلغت 49.8%، في حين بلغت هذه النسبة عند الرجال 34.8% فقط.

 

وذكرت نتائج الدراسة أنه كلما زاد التقدم في السن ارتفعت نسبة المواظبة على الصلاة، بعكس صفوف الشباب. فقد بلغت نسبة المصلين وسط الشباب (ما بين 18 و24 عاما) 26.2% حسب الدراسة، في حين بلغت 69.9% عند كبار السن (فوق 64 عاما).

 

أما فيما يخص نسبة المصلين حسب المستوى التعليمي، فإن الفئة التي لديها تحصيل دراسي منخفض ترتفع عندها نسبة المواظبين على الصلاة لتصل إلى 69.3%، في حين تنخفض هذه النسبة إلى 27.4% فقط في صفوف ذوي التحصيل العلمي المرتفع. وفسر خبراء هذه النسب بأن النظام التعليمي العلماني دأب على تصوير هذه العبادات كممارسات رجعية ومتخلفة، لهذا ابتعد عنها من درس طويلا تحت هذا النظام.

 

أما الصوم فإن 83.4% من الأتراك أفادوا -حسب الدراسة- بأنهم يصومون شهر رمضان عندما تسمح صحتهم بذلك، في حين أن نسبة 2.5% من الأتراك لا يصومون أبدا حتى لو سمحت صحتهم بذلك.

 

واعتبرت نسبة 50.7% من الأتراك -حسب نفس الدراسة- أن أهم معايير التدين وشروطه هي الإيمان وممارسة العبادات بانتظام والعيش وفق الأخلاق الإسلامية، في حين يعتقد 37.2% منهم أن الإيمان بالله وصفاء القلب -حتى بدون ممارسة العبادات- كافيان لاعتبار الشخص متدينا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/18-

الإفراج عن لغات الأقليات التركية

الإفراج عن لغات الأقليات التركية

 

حرمت أجيال من مختلف الأقليات الدينية والعرقية في تركيا لعقود طويلة من حقها في التعليم بلغتها الأم. لكن هذا الحظر رُفع بعد إقرار حزمة الإصلاحات الديمقراطية من قبل حكومة العدالة والتنمية نهاية سبتمبر/أيلول 2013. ورغم أن تلك الإصلاحات لم تحل مشكلة التعليم باللغة الأم بشكل جذري حسب الأطراف المعنية، فإنهم يرون فيها بصيص أمل للأجيال القادمة.

 

فقد دخلت المؤسسات التعليمية التابعة لأوقاف مختلف الأعراق والإثنيات في تركيا -من بينها المسلمة- منذ 3 مارس/آذار 1924 تحت سيطرة الدولة، بموجب قانون "توحيد التدريسات"، أي توحيد التعليم. فتم بموجب هذا القانون إغلاق الأوقاف ومصادرة مؤسساتها التعليمية، لتصبح تحت حكم الدولة ووزارة تعليمها التي سنت نظام تعليم جديدا مبنيا على مفهوم الدولة القومية التركية.

 

إحدى المدرسات في صف لتعليم اللغة الكردية (الجزيرة)

الدستور والتمويل

اعتبر الخبير في شؤون الأقليات الدينية والعرقية بتركيا حسن باشدمير أنه منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، عرفت حقوق وحريات تلك الأقليات تحسنا كبيرا. لكنه أكد للجزيرة نت أنها رغم ذلك، ما تزال محرومة من حقوقها الثقافية.

 

وعزا باشدمير ذلك إلى الدستور التركي الحالي الذي وضعه العسكر وما زال يحكم تركيا. فحسب المادة 42 من الدستور "لا يجوز التدريس بلغة غير اللغة التركية في المؤسسات التعليمية". كما أن برامج الدروس التعليمية ومواضيعها تحددها الدولة.

 

وأكد أن السبب الآخر يكمن في عدم انعكاس التقدم الديمقراطي الذي عرفته تركيا على نظام السوق والملكية فيها، فالدولة -وفق باشدمير- ما زالت تحتكر قطاع تمويل المؤسسات التعليمية بنسبة تقدر بنحو 97% من ذلك التمويل، وهذا برأيه يضعف سوق المدارس الخاصة ويمنع بالتالي العديد من الأقليات من إنشاء مدارسها الخاصة.

 

قسم من صف لتعليم اللغة الكردية (الجزيرة)

إصلاح غير كاف

من جانبه طالب رئيس جمعية "كرد دار" الثقافية الكردية مصطفى كارامان الدولة التركية بتقديم إمكانيات مادية للأكراد والسماح لهم بفتح المدارس الخاصة بهم، وجعل اللغة الكردية متاحة من المراحل الأولى في نظام التعليم وحتى مرحلة الدراسات العليا.

 

وشدد كارامان في حديثه للجزيرة نت أن الأكراد ليسوا "أقلية" في تركيا، بل "شركاء للدولة التركية". وحسب اعتقاده، فإن تلك الأخيرة مجبرة على تحقيق هذا المطلب إذا كانت تؤمن بالديمقراطية والحريات.

 

كما انتقد قرارَ حزمة الإصلاحات التي خصصت ساعتين للغة الكردية في المدارس الحكومية كدرس اختياري، وسمحت بفتح دورات لتعليم اللغة الكردية، معتبرا إياه "إهانة" للأكراد، ومتسائلا "كيف يُعقل أن أدفع مالي لأتعلم لغتي الأم؟".

 

بدوره اعتبر الصحفي الكردي شوكت هيركي أن الحل الذي قدمته حزمة الإصلاحات ليس كافيا للأكراد، لكنه يعتبر تطورا فيما يخص التعليم باللغة الكردية.

 

وقال هيركي في حديثه للجزيرة نت إن هذا الموضوع ظل دائما في تركيا قضية أمن قومي بسبب الصراع الدموي مع حزب العمال الكردستاني، لكن حزب العدالة والتنمية تجاوز هذه المسألة وفتح صفحة جديدة في هذا الاتجاه.

 

والدليل -حسب هيركي- تزايد عدد وسائل الإعلام باللغة الكردية يوما بعد يوم، لكنه انتقد تسييس موضوع تعليم اللغات، وشدد على أنه يجب أن يناقشه الأكاديميون لا السياسيون.

 

إحدى المدارس التي تعلم باللغة التركية تعرضت للحرق في إقليم هكاري جنوب شرق تركيا (غيتي)

الهوية الثقافية

عانت الطائفة السريانية أكثر من غيرها من الأقليات الدينية في تركيا، من حرمانها من حق التعليم بلغتها الأم، لكونها أقلية غير معتمدة رسميا بسبب عدم استفادتها من معاهدة لوزان لعام 1923. وبحجة تناقضها مع علمانية الدولة التركية، أغلقت مدارسها عام 1928، لتعيش أجيال عديدة غربة ثقافية ولغوية.

 

ويتلقى أبناء الطائفة السريانية التعليم بالتركية في المدارس الحكومية، بينما يتعلمون لغتهم الأم بشكل غير رسمي في غير ساعات الدراسة على يد قساوسة وراهبات.

 

لكن السماح بالتعليم باللغة الأم في تركيا فتح نافذة أمل حسب آراء أبناء من تلك الطائفة، وخاصة بعد تمكنهم من افتتاح روضة للأطفال السريان عقب حكم قضائي منحهم حق فتح مدارسهم لمختلف المراحل التعليمية. ورغم مواجهة مشاكل تتجسد في نقص الكوادر والدعم المادي، فإنهم يرون في الحكم نفسه فخرا لهم. ويقدر عدد السريان في تركيا بنحو 25 ألفا.

 

أما الأتراك فينقسمون إلى من يرى أن التعليم باللغة الأم حق لكل مكونات الشعب التركي، وأنه يزيد من فرص التعايش السلمي في المجتمع، ويمنح تلك الفئات شعورا أقوى بالثقة والانتماء لتركيا كبلد لها، في حين ينظر إليه القسم الآخر بتوجس ويعتبرونه -وخاصة القوميين منهم- مراوغة أخرى من قبل الحزب الحاكم تخدم أهدافه السياسية، إضافة إلى تخوفهم من أن بعض تلك الفئات -وخاصة الأكراد- إذا حصلوا على هذا الحق بشكل مطلق، فسيذهبون للمطالبة بدولة لهم كخطوة قادمة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/18-

مدارس الأئمة والخطباء.. جدل الدين والدولة

مدارس الأئمة والخطباء.. جدل الدين والدولة

 

كانت مدارس الأئمة والخطباء الدينية في تركيا من أبرز ضحايا الحكم العلماني والانقلابات العسكرية، وظلت تحت رحمة مد وجذر سياسات وأيدولوجيات الحكومات المتعاقبة. وخرجت هذه المدارس نخبة كبيرة من مسؤولي حزب العدالة والتنمية الحاكم، أبرزهم رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان.

 

ورغم عدم وجود علاقة رسمية بين الحزب الحاكم وهذه المدارس، فإن مؤيدي الحكومة التركية يرون أن من الطبيعي أن تدعم الأخيرة هذا النوع من المدارس وأن تزيد عددها، لتعريف الأجيال الجديدة بتعاليم دينها الإسلامي على الوجه الأكمل، وذلك جنبا إلى جنب مع المواد العلمية والأدبية.

 

وما تزال المعارضة التركية العلمانية ترفض هذه المدارس، وتتهم الحكومة بأنها تستعمل المؤسسات التعليمية لتحقيق أهداف سياسية، وأنها تسعى لتكوين قاعدة من المحافظين تمكّنها من الفوز في الانتخابات.

 

نقابة العمل والتعليم -المعارضة- هي أكثر من يقف ضد هذا النوع من المدارس، وتتهم الحكومة بتحويل العديد من مدارس الدولة إلى مدارس الأئمة والخطباء، التي تصف كوادرها وخريجيها بأنهم "غير أكفاء"، وتقول إنهم ذوو مستوى تعليمي منخفض. كما أنها ترى أن هذه المدارس "تعزز التفرقة بين الطلاب وتقسمهم بحسب معتقداتهم الدينية، مما يفسد السلام الاجتماعي ووحدة التعليم في تركيا".

 

تمثال أتاتورك في باحة إحدى مدارس الأئمة و الخطباء(الجزيرة)

إقبال وأمان

ووفق إحصائيات وزارة التعليم التركية، فإن 207 مدارس حكومية من أصل 49 ألفا و765 مدرسة فقط هي التي تم تحويلها إلى مدارس متوسطة وثانوية للأئمة والخطباء. وعزت الوزارة هذا الإجراء إلى سياسة حسن استغلال مباني المدارس الحكومية، إضافة إلى تزايد عدد الأهالي الراغبين في تسجيل أبنائهم بهذه المدارس، سيما بعد إلغاء نظام التعليم الإلزامي الذي كان يمتد لثماني سنوات.

 

وكانت الحكومات العلمانية قد فرضت هذا النظام لإغلاق المرحلة المتوسطة لمدارس الأئمة والخطباء ضمن سياساتها القمعية ضد التعليم الديني. غير أن الحكومة التركية رفعت هذا الحظر عام 2012، عندما رفعت سنوات التعليم إلى 12 سنة تنقسم على 4 سنوات مستقلة لكل مرحلة (الابتدائية، المتوسطة، الثانوية). وأصبح بإمكان الأهالي إرسال أبنائهم إلى مختلف أنواع المدارس المتوسطة -ومنها الدينية- بعد انتهاء المرحلة الابتدائية.

 

وتميل العائلات التركية المحافظة إلى هذه المدارس، لأن الفتيات -وفق آراء الأهالي- يستطعن ارتداء الحجاب بحرية داخلها، كما أن مناخها التعليمي آمن مقارنة بالمدارس الأخرى. لكن هذا لا يعني أن كل الفتيات اللائي يدرسن فيها محجبات، بل العديد منهن لا يرتدينه.

 

خلال فترة الاستراحة في إحدى مدارس الأئمة والخطباء (الجزيرة)

البدايات المتعثرة

وكان قانون توحيد التعليم الذي صدر عقب إعلان قيام الجمهورية التركية، قد نص على أن تصبح جميع المؤسسات التعليمية في البلاد بيد الدولة. وباسم هذا القانون أغلقت كل المدارس التابعة للأوقاف الإسلامية وأوقاف الأقليات الدينية.



وبررت الدولة ذلك القانون بأنه لفائدة التعليم وليس لمواجهة الدين، ففتحت مدارس الأئمة والخطباء التي لم تعمر طويلا، وأغلقت بحجة عدم الإقبال عليها. وآنذاك، أرجع معارضو تلك الحجة إلى أن السبب الحقيقي للإغلاق هو عدم دعم الدولة لهذه المدارس ماديا، وعدم فتح مجال العمل لخريجيها.

 

وقد أورث غياب التعليم الديني المجتمع التركي فترة جهل ديني قاتمة، وساد فيه نمط الحياة الغربية، حتى دار جدل في البلاد حول ضرورة إعادة فتح مدارس الأئمة والخطباء عقب فوز حزب الديمقراطية بانتخابات عام 1950. وكانت نتيجة هذا الجدل أن عادت هذه المدارس إلى الساحة التعليمية.

 

ورغم تحكم الدولة في خطاب خريجي مدارس الخطباء في ذلك الحين، فإن المواطنين كانوا يتوقون إلى من ينتشلهم من حالة الفقر الديني التي يعيشونها، لدرجة أن البحث عمن يصلي أو حتى من يقرأ الفاتحة على روح الموتى أضحى كالبحث عن إبرة وسط جبال من القش.

 

ولم يتوقف تصدي الحكم العلماني للتعليم الديني في تركيا، فجاء "الانقلاب الحداثي" عام 1997 ليعلن حالة الطوارئ التي تعرف في تركيا باسم 28 فبراير/شباط، والتي تم على إثرها حظر دخول خريجي تلك المدارس للعديد من الفروع المهمة في الجامعات التركية وحشرهم ضمن كلية الشريعة فقط، وذلك عبر خفض معامل علامات هؤلاء الخريجين. فأبعد هذا الإجراء الطلاب عنها وخاصة الذكور، رغبة منهم في ضمان فرص أوفر لمستقبلهم باستثناء الإمامة.

 

زاوية أتاتورك ضمن نشاط ثقافي داخل إحدى مدارس الأئمة و الخطباء (الجزيرة)

هدية العدالة والتنمية

إسراء أسومان كانت ترغب في إكمال دراستها الثانوية بإحدى الثانويات الخاصة بالعلوم عام 2007، لكن والديها طلبا منها التوجه إلى ثانوية الأئمة والخطباء. وبنبرة حزينة، روت أسومان للجزيرة نت كيف كانت تعاني من ضغط العسكر حتى داخل ثانويتها، وتقول ''كنا نُجبَر على نزع حجابنا خلال درس مادة الأمن القومي التي كانت تقدم من قبل ضابط في الجيش التركي''.

 

وتضيف إسراء التي تهلل وجهها عندما تذكرت الأسبوع الأخير من فترة التحضيرات لاجتياز امتحان دخول الجامعات لعام 2010، إذ صدر وقتها قرار من مجلس الدولة برفع الحظر عن معاملة علامات خريجي مدارس الأئمة والخطباء، وسمح لهم بدخول ما يرغبون من فروع التعليم ما دامت علاماتهم تؤهلهم لذلك.

 

ووصفت ما حدث بأنه ''هدية حكومة العدالة والتنمية للطلاب''، مضيفة "بفضل ذلك القرار وعلاماتي، نجحت في دخول قسم العلاقات الدولية بجامعة إسطنبول للتجارة والذي كنت أرغب فيه، وأنا الآن أدرس في كلية الحقوق أيضا بنفس الجامعة".

 

شهادة قديمة صادرة من مدارس الأئمة والخطباء (الجزيرة)

أما عائشة غل تان -وهي إحدى خريجات ثانوية الأئمة والخطباء- فلم يحالفها نفس الحظ، فعند تخرجها عام 2007، وبدل أن تصبح طبيبة كما كانت تطمح، أصبحت مهندسة بساتين في بلدية أنقرة.


لكنها أكدت للجزيرة نت عدم ندمها على الإصرار لإكمال تعليمها الثانوي كطالبة للأئمة والخطباء، لأن مستوى التعليم -خاصة بالنسبة للغات الأجنبية- كان ما رغبت في تلقيه، وفق قولها.

 

وتتذكر غل تان كيف رفضت محاولات أستاذ الرياضيات الذي كان يصر على توجهها للدراسة في ثانوية أخرى لكيلا تضيع فرصة دراسة الطب، لكونها كانت متفوقة جدا في مادة الرياضيات.


لكن الأمل كان يراودني -تقول غل تان- بأن الوضع سيتغير يوما ما، معبّرة عن فرحها بأنها حتى لو حرمت من حلمها، فإن غيرها الآن من خريجي تلك المدارس يواصل تحقيق أحلامه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/18-

حظر "الكحول" بمدارس السياحة.. جدل المصلحة والأسلمة

حظر "الكحول" بمدارس السياحة.. جدل المصلحة والأسلمة

 

قدم مجلس شورى وزارة التعليم التركي في أواخر العام 2014 عدة توصيات رأت المعارضة فيها ترسيخا للثقافة الدينية في قطاع التعليم، منها توصية تنص على منع تدريس مادة "تحضير وتقديم الخمور" لطلاب ثانويات الفندقة والسياحة بتركيا لحماية الطلاب تحت سن 18 من تعاطي المشروبات الكحولية وتجنيبهم أخطارها.

 

وتنتشر ثانويات الفندقة والسياحة بتركيا، خاصة في المدن الساحلية والسياحية، ويفوق عددها 123 مدرسة. يتمكن حاملو شهادات التعليم الابتدائي من الدخول إليها، كما لا تشترط علامات مرتفعة للالتحاق بها.

 

وتقدم في هذه المدارس مواد مختلفة تتعلق بخدمات السياحة. وتشهد إقبالا من الطلاب الذكور أكثر من الإناث، وتقدم هذه المدارس جزءا كبيرا من الموارد البشرية العاملة في قطاع السياحة التركية الذي يساهم بـ10% من اقتصاد البلاد، حيث يعمل معظم المتخرجين منها في الفنادق التركية ومنتجعاتها السياحية ووكالات السفر.

 

طلاب في إحدى ثانويات الفندقة والسياحة (الجزيرة)

يتلقى طلاب قسم الطبخ مادة تحضير وتقديم المشروبات وكوكتيل الخمور، لأربع ساعات أسبوعيا. وفي هذا الدرس، يتعرفون جميع أنواع هذه المشروبات، وطريقة تحضيرها وكيفية تقديمها للزبون نظريا وعمليا، بتحضير الكوكتيل بأنفسهم.

 

موتلو غوناي، خريج إحدى تلك الثانويات أشار إلى أن القائمين على هذه الدروس يمنعون الطلاب من تذوق الكوكتيلات الكحولية المحضرة بشكل قطعي. لكنه أكد أن ذلك المنع دون جدوى، ''لأن المراهقين في تلك السن لديهم فضول كبير تجاه تلك المشروبات الكحولية، ونسبة كبيرة منهم تقوم بتذوقها وحتى شربها".

 

ويضيف غوناي متحدثا للجزيرة نت أن إرسال هؤلاء الطلاب المراهقين من قبل إدارة الثانوية في فترة الصيف لفترة تدريب في الفنادق الفخمة والمنتجعات السياحية يجعلهم على تماس مباشر ودون قيود مع تلك المشروبات، مما يزيد خطرها عليهم.

 

قانون الحد من بيع الخمور الجديد يحظر بيعها بالقرب من دور العبادة والمدارس (غيتي)

ويرى أنه إذا لم يتغير النظام الحالي البعيد عن الروح الإسلامية وتلغ هذه الدروس، فإن الكثير من خريجي تلك المدارس لن يجدوا فرص عمل لهم مستقبلا، واعتبر أن الحكومة عليها أن تجعل الفنادق تتقيد بقواعد إسلامية نسبيا، لكي يكون إلغاء هذه المادة متناسبا في محيط العمل، وأيضا تربية جيل مختلف. لأن الجيل الذي يتعرف على الكحول في سن مبكرة سيكون بعيدا كل البعد عن التعاليم الإسلامية، حسب تعبيره.

 

من جهة أخرى، اعتبر سنان آلجي الذي يعمل مدير مبيعات في شركة خاصة، أنه من المهم جدا حماية الأطفال في سن مبكرة من المشروبات الكحولية وأخطارها على تطورهم ونموهم.

 

وأبدى تأييده لتوصية مجلس الشورى بهذا الخصوص. لكنه اعتبر أن تعليم هؤلاء الطلاب معارف تقنية تفيدهم في حياتهم العملية مستبقلا ليس مضرا لهم ''لأنهم يحتاجون إليها وإلا فكيف سيعملون في هذا المجال"؟.

 

وأشار آلجي في حديثه للجزيرة نت إلى أن المراهقين في سنهم المبكرة لا يمكنهم بكل الأحوال شرب أو تقديم الكحول. لكن عليهم أن يتعرفوا التطبيق العملي لهذه الخدمات بعد تخرجهم في الثانوية وأثناء دراستهم  بكليات السياحة. وهذا برأيه يشكل أحد الخيارات التي يجب أخذها بعين الاعتبار من قبل الحكومة إذا كانت لا تريد أن يتضرر مجال السياحة من حيث عدد العمال.

 

معارضون لقانون حظر الخمور يتوقعون آثارا سلبية على السياحة بتركيا (غيتي)

أما المعارضون لهذا القرار فيقولون إن تلك المادة لا تعلم الطلاب شرب وتعاطي المشروبات الكحولية، بل تقدم لهم أدوات ومعارف مهمة تشكل عماد المهن التي سيعملون بها بعد التخرج.

 

وحسب المحلل الاقتصادي علي باكاي فإن قطاع بيع السجائر والكحول بتركيا مهم، حيث إن أكثر من نسبة 5% من الميزانية العامة التركية تأتي من الضرائب المدفوعة من هذا القطاع. وذكر أن هذا القطاع يساهم في ميزانية تركيا بـ400 مليار ليرة تركية (حوالي 155 مليار دولار). 

 

وكان البرلمان التركي قد أقر القانون الجديد للكحول في مايو/أيار 2013، الذي نص على منع الدعاية للخمور وحظر بيعها قرب المؤسسات التعليمية ودور العبادة، وبين العاشرة ليلا والسادسة صباحا. كما حظر القانون الجديد بيع واستهلاك الكحول في الاستراحات التابعة للدولة على جوانب الطرق السريعة.

 

وحسب أرقام مؤسسة الإحصائيات التركية للعام 2012 فإن 81.6% من الرجال و92.8% من النساء في سن 15 و24 عاما لم يتعاطوا الخمور في حياتهم. وأشارت إلى أن نسبة 16.1% من الذين أقروا بتعاطيهم للمشروبات الكحولية في نفس الدراسة أن تجربتهم الأولى مع شربها كان في سن 14 عاما.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/18-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

 

وإلى جانب الملف التركي، تتناول المجلة عددا من التقارير المتنوعة، منها صناعة الحجر الفلسطيني، الذي يسمى "ذهب فلسطين الأبيض" الذي يعد أحد موارد الاقتصاد الفلسطيني وسمة للعمران الفلسطيني. ويذهب بنا العمران للتعرف على المصلى المرواني في الحرم القدسي الشريف، وتاريخه ومعاناته تحت الاحتلال.

 

ومن نابلس نذهب في جولة مع السامريين أو "سمرة نابلس" الذين يقولون إنهم هم من بقي من بني إسرائيل، ويعدون الطائفة الدينية الأصغر في العالم.

 

وتأخذنا تقارير أخرى إلى اليمن، فيعرفنا أحدها على "المطارح" في ثقافة مأرب، استعدادا لاجتياح الحوثيين المحافظات الواحدة تلو الأخرى. ويضعنا تقرير آخر في أجواء رقصة العدة الحضرمية وكيف تؤدى.

 

ومن جنوب شرق آسيا يعرفنا تقرير من محافظة جوهور بماليزيا بسباق القوارب الشراعية الدولي، وعالم المغامرات في هذه اللعبة البحرية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/18-

ذهب فلسطين الأبيض

ذهب فلسطين الأبيض
عوض الرجوب - بيت لحم
   

عرفت فلسطين صناعة الحجر وزخرفته منذ القدم. لكن مع تغيّر الزمن تغيرت وسائل وطرق وحجم إنتاجه، وأيضا مستخدموه، ليصبح موردا اقتصاديا هاما يسهم بشكل مباشر في الناتج الاقتصادي وتوفير فرص عمل لآلاف الفلسطينيين.

 

واليوم لم يعد استخدام الحجر (أو الذهب الأبيض كما يفضل البعض تسميته) حكرا على طبقة الأغنياء أو أصحاب رؤوس الأموال، أو مقتصرا على بناء المساجد والكنائس والمزارات، كما في حقب تاريخية، حيث ساهمت الصناعة والآلات الحديثة في غزارة الإنتاج، وتوفير بضائع بأسعار تناسب كافة المستويات الاجتماعية.

 

تبدأ مسيرة الحجر الفلسطيني فيما يعرف بالمقالع حيث يعتمد اكتشافها على خبرات ذوي التجربة بناء على طبيعة الأرض. وهنا تبدأ المعدات الثقيلة بالحفر لمسافة قد تصل خمسين مترا تحت الأرض، لإزالة طبقة تسمى "الشمخة" وتستخدم غالبا في الكسارات لأغراض صناعة الباطون (الخرسانة) والأسفلت، حتى الوصول إلى الطبقة المطلوبة لاستخراج الحجر.

 

الكتل الحجرية الكبيرة التي تجهز للقص والنحت (الجزيرة)

وفي هذه المرحلة، تتم تسوية الصخر وترسيمه تمهيدا لقصه بمنشار كهربائي، واستخراجه على شكل كتل بطول ثلاثة أمتار وعرض وارتفاع 1.7 متر، وتوضع في شاحنات وتنقل إلى المصانع. كما يبين أحمد ثوابتة، وهو مدير شركة الجابر وصاحب مقلع للحجر في بلدة بيت فجار جنوب بيت لحم.

 

وتشتهر بيت فجار بصناعة الحجر منذ مئات السنين، ومن بين نحو 15 ألف نسمة، هم سكان البلدة، يعمل ثلاثة آلاف منهم في 150 مصنعا وأربعين محجرا، يضاف إليهم مئات آخرون من خارج البلدة.

 

في مصانع الحجر (المناشير) يتم تقطيع الكتل الكبيرة إلى قطع صغيرة وفق الطلب واللون والنوع، ومن ثم يقوم حرفيون بدقها (نقشها) وفق الطلب "طبزة، ملطش، مطبة، سادة، مسمسم...إلخ".

 

وتتفاوت أسعار الحجر بين عشرة وثمانين دولارا للمتر المربع الواحد، وفق الاستخدام والنوع والجودة والسماكة، فهناك حجر يستخدم للبناء الخارجي والداخلي والزخرفة والمداخل والأرضيات، وهناك الحجر الصلب والأقل صلابة، وهناك الأبيض وهو الغالب، والأصفر والأزرق والأسود والذهبي والفضي والأصفر، وغيرها.

 

منحوتات تستخدم غالبا لتزيين مداخل البيوت (الجزيرة)

ووفق المدير التنفيذي لاتحاد الحجر والرخام، ماهر حشيش، فإن قرابة عشرين ألف فلسطيني يعملون بشكل مباشر في نحو 1300 منشأة لصناع الحجر بالضفة الغربية، ثلثاها يقع بمحافظتي الخليل وبيت لحم جنوبا.

 

ووفق ذات المصدر فإن صناعة الحجر بدأت في فلسطين كنشاط اقتصادي في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بأدوات يدوية، ثم دخلت إليها الميكنة في السبعينيات، حتى أصبحت تشكل اليوم 4.5% من الناتج الإجمالي بفلسطين، بمردود يقدر بنحو 450 مليون دولار سنويا، ويستثمر فيها ما يزيد على سبعمائة مليون دولار سنويا.

 

وتعتمد زخرفة الحجر على نوعه، فكلما كان صلبا كان أجمل وأكثر قابلية للزخرفة، وبينما ظل النحاتون يعتمدون على أدواتهم اليدوية حتى السبعينيات، ساعدت المعدات الحديثة في تسهيل المهمة وزيادة الإنتاج.

 

ويوضح عبد غيث، الذي بدأ في نحت وزخرفة الحجر قبل أكثر من ثلاثين عاما، أنه بدأ بالأزميل (مسمار حديد صلب) والمطرقة، ثم طوّر ذاتيا أدوات نقش وخراطة الحجر، وصنع آليات تساعد على إنتاج كميات تناسب الطلبيات.

 

وأشار إلى تمكنه من إعادة استنساخ التاج الروماني المنتشر في فلسطين ويعود تاريخه لآلاف السنين. موضحا أن الزخرفة تزداد جمالا كلما ازدادت دقة "فهي مهنة تحتاج إلى ذوق ودقة وتأن في النقش".

 

مواطن فلسطيني يدق (ينقش) الحجر (الجزيرة)

ويؤكد غيث تزايد المخارط المتخصصة في زخرفة الحجر، لكنه يقول إن المنتجات والزخارف لم تجد طريقها إلى الخارج، وظل معظمها يسوّق محليا في فلسطين.

 

ووفق معطيات اتحاد الحجر والرخام، فإن إسرائيل تشكل أكبر مستورد  للحجر الفلسطيني بالاستحواذ على نحو ثلثي الإنتاج، تليها دول الخليج، بعد أن كانت الولايات المتحدة تتصدر الدول المستوردة قبل سنوات.

 

وبدأ الحجر الفلسطيني يأخذ طريقه إلى الخارج عام 1996 بعد سنوات من ميلاد كيان فلسطيني يحمل اسمه، وفق مدير عمليات شركة نصار، كبرى شركات إنتاج وتصدير الحجر بفلسطين.

 

وأوضح مدير الشركة مروان نصار أن التصدير قبل ذلك كان محصورا بالأردن، وكانت تصدر المنتجات باسم إسرائيل. أما اليوم فوصلت منتجات فلسطين من الحجر لأكثر من تسعين دولة في العالم، وشيدت بها مشاريع كبرى في الولايات المتحدة الأميركية.

 

داخل أحد مصانع الحجر بمواصفات عالمية  (الجزيرة)

ولفت إلى أن الحجر الفلسطيني أثبت جدواه بتعدد ألوانه من جهة، وتأقلمه مع الظروف المناخية من جهة ثانية، مشيرا إلى اعتماد شركته مواصفات عالمية في الإنتاج والتصدير، فضلا عن استخدام أحدث المعدات في استخراج وتصنيع الحجر.

 

أما مدير المصنع بالشركة أديب عمرو، فأشار إلى أن مشكلة الاحتلال والحواجز والهيمنة على المعابر، فضلا عن شح المياه، دفع الشركة لإنشاء مصنع لتكرير المياه.

 

ورغم أهمية الصناعة وتمكنها من شق طريقها نحو العالم، يطل الاحتلال برأسه ويشكل تحديا حقيقيا لهذه الصناعة بسبب سيطرته على مناطق استخراج الحجر والمصنفة (ج) والخاضعة لسيطرة إسرائيلية كاملة، فضلا عن سيطرته على الطاقة والمياه.

 

ووفق اتحاد الحجر فإن مصنعا متوسطا يستهلك شهريا طاقة بقيمة عشرة آلاف دولار، بينما يستهلك القطاع كاملا نحو مليوني متر مكعب من المياه. في وقت تعاني منه جنوب الضفة من شح المياه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/18-

المصلى المرواني.. روحية عتيقة يتهددها الاحتلال

المصلى المرواني.. روحية عتيقة يتهددها الاحتلال

أسيل جندي - القدس المحتلة

 

 ما إن يدخل الزائر المصلى المرواني في المسجد الأقصى المبارك، حتى يبهره هذا البناء الذي يعدّ من أقدم المباني في العالم.

 

بُني المصلى المرواني في العهد الأموي تحت الأرض على مساحة 4.5 دونمات، وكان يسمى قديما بالتسوية الشرقية، لأن الهدف من بنائه كان تسوية سطح الجزء الجنوبي من المسجد الأقصى تمهيدا للبناء عليه.

 

أُطلق على "المصلى المرواني" هذه التسمية بعد ترميمه وفتحه للصلاة تكريما للخليفة الأموي مروان بن الحكم والد الخليفة عبد الملك بن مروان الذي كان له ولأبنائه هشام وسليمان والوليد من بعده، دور كبير في إعمار المسجد الأقصى المبارك.

 

المصلى المرواني الغني بعبق التاريخ في جدرانه وأروقته وأعمدته (الجزيرة)

يتكوّن المصلى المرواني من 16 رواقا مسقوفا، ليشكل بذلك أكبر مساحة مسقوفة من مساحات المسجد الأقصى. كما يتميز بسقفه وأرضيته المكوّنين من الحجر، ويحتوي على مائة عمود حجري بداخله، ويتسع لأربعة آلاف مصل يدخلون إليه عبر بوابتين عملاقتين.

 

ورغم وفرة الأماكن التي يمكن للمصلين أداء صلاتهم فيها داخل المسجد الأقصى المبارك فإن كثيرين يفضلون الصلاة بالمصلى المرواني لما فيه من روحانية وطقوس مميزة.

 

يقول الحاج نافذ يغمور "أداوم على الصلاة بالمصلى المرواني لأنه هُجر لفترة من الزمن، وتعمدت التردد عليه والصلاة داخله، حتى شعرت أنني أتعلق به تلقائيا وأُفضل الصلاة به عن غيره من الأماكن داخل الأقصى، ونحن نريد أن نوصل رسالة إلى الاحتلال مفادها أن كل بقعة داخل المسجد هي ملك للمسلمين وللمسلمين فقط".

 

البناء الحجري القديم بعد ترميمه داخل المصلى (الجزيرة)

ليس بعيدا عن ذلك تقول السيدة آمال رملاوي "أسكن في البلدة القديمة بالقدس ولا أجد مكانا للذهاب إليه أفضل من المسجد الأقصى، وأمكث في المصلى المرواني لتعلم أحكام التجويد والفقه، كما تتوجه نساء البلدة إليه لتسميع القرآن الكريم في حلقات علمية. كما أنه من أكثر الأماكن داخل الأقصى تميزا في شهر رمضان المبارك حيث تقام فيه حلقات ذكر مميزة".

 

التقينا أثناء تجولنا داخل المصلى المرواني بغزّي يبلغ الأربعين من العمر ويزور الأقصى للمرة الثانية في حياته. يقول حسام نصر "أنا مندهش من العمق والاحتراف في إنشاء هذا المصلى الذي يعجز الإنسان عن القيام ببناء مثله في وقتنا الحاضر، فرغم الإمكانيات البسيطة التي توفرت في الفترة الأموية فإننا نشهد بناء فنيا معماريا أصيلا، وفيه أجواء روحانية عالية يعجز الإنسان عن وصفها".

 

استخدم المصلى المرواني إبان الغزو الصليبي كإسطبل للخيول، حيث تم حفر حلقات كبيرة في جدران المصلى لربط الخيول بها. وفي الفترة العثمانية أهمِل المصلى، لينتعش من جديد في الفترة المملوكية التي استخدم فيها كمدارس، حتى دخل الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأت أطماعه لاحقا في المصلى، وبالتالي تنبهت الأوقاف الإسلامية إلى ضرورة ترميمه، فمنذ عام 1996 بدأ الترميم وتم الانتهاء من ترميم عشرة أروقة، والستة الباقية قيد الترميم، ولكن العملية بطيئة وتواجه العديد من المعيقات الاحتلالية.

 

داخل المصلى يظهر بها تفاصيل البناء الحجري الضخم والأروقة (الجزيرة)

 

يقول رئيس أكاديمية الأقصى للعلوم والتراث المسؤول عن ترميم المصلى المرواني ناجح بكيرات إن العديد من التحديات تواجه المصلى المرواني، أبرزها التصريحات الإسرائيلية المستمرة بأن الصعود إلى جبل الهيكل المزعوم يجب أن يتم من جهة المصلى، الأمر الذي دفع الجهات الرسمية إلى تكثيف الحفريات أسفله، وبعض الأنفاق تحاول المرور تحته.

 

ومن التحديات أيضا حسب بكيرات، التضييق الشديد على إدخال المواد اللازمة لترميم المبنى القديم، وتركيز الاحتلال على نشر دعاية بأن المبنى متهالك وآيل إلى السقوط ويشكل خطرا على حياة المواطنين، في محاولة لإثارة الرعب في قلوب المسلمين من الوصول إلى المصلى المرواني.

 

بوابات المصلى المرواني التاريخية الكبيرة (الجزيرة)

وعن مستقبل المصلى، أشار بكيرات إلى أن الحكومة الإسرائيلية بكل أذرعها تستهدف المسجد الأقصى ككل، ولكنها تسعى للسيطرة على المصلى المرواني بشكل أساسي. ولمواجهة ذلك -يضيف- لا بد من وضع خطة واضحة لحمايته تتمثل بالتواجد البشري اليومي في المصلى وعمارته وترميمه ليعج بالمصلين، والعمل المستمر لضمان إدخال المواد لإتمام الترميم، وإنشاء حلقات تعليمية بداخله، ومنع كل الاعتداءات والحفريات التي تحيط به.

 

ومن المهم أيضا -حسب بكيرات- تعريف الناس بهذا المصلى وأهميته التاريخية، إذ إن معظمهم لا يعرفون أنه كان هناك درج يصل من الصخرة المشرفة إلى أسفل المصلى المرواني، بمعنى أن المصلى كان يشكل جزءا هاما في حادثة الإسراء والمعراج، وبالتالي هذه الروحانية يجب أن تعاد إلى المصلى كي لا يتحقق هدف الاحتلال بعزله عن الأقصى.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/18-

سمرة نابلس.. "بنو إسرائيل" وأصغر طائفة بالعالم

سمرة نابلس.. "بنو إسرائيل" وأصغر طائفة بالعالم
عاطف دغلس - نابلس

تاريخ بأكمله وحكاية عمرها آلاف السنين، يقف الكاهن حسني واصف السامري عليها ويسردها لكل من أتى زائرا له أو لمتحفه في جبل جرزيم بمدينة نابلس، حيث تعيش الطائفة السامرية، أو "سمرة نابلس" كما باتوا يعرفون.

 

وكما هي فلسطين مهبط الأنبياء ومهد الديانات، تميزت نابلس عن سائر المدن الفلسطينية باحتضانها الإسلام والمسيحية والسامرية، وغدت بذلك تضم أصغر طائفة بالعالم (السمرة) التي كانت ولا تزال ترى بنفسها السلالة الحقيقية والأصيلة لشعب بني إسرائيل.

 

وقبل 3654 عاما، قدم السامريون من مصر إلى فلسطين "ما يعرف بتيه بني إسرائيل لأربعين عاما في الصحراء" حيث المكان المقدس، وبعد 230 سنة من مجيئهم وقعت خلافات بين كهنتهم عوزي وعيليه، فذهب عيليه إلى منطقة شيلو بالقدس، وعوزي إلى جبل جرزيم ونواحيه بمدينة نابلس.

 

رسم لخريطة تيه بني اسرائيل في الصحراء- صحراء سيناء بعد خروجهم منصر قبل 3654 سنة (الجزيرة)

 

لكن الخلاف الحقيقي -وفق الكاهن السامري حسني واصف- يعود لبناء سليمان عليه السلام لهيكله بالقدس مخالفة لتعاليم التوراة، فانقسمت الدولة العبرية لقسمين في زمن نجليه رحبعام ويربعام، فأضحت مملكة جنوبية وعاصمتها القدس، وشمالية عاصمتها مدينة سبسطية ثم تحولت لنابلس.

 

وتعني كلمة السامريون (المحافظون) ويرون أنهم السلالة الحقيقية لبني إسرائيل وليس اليهود، ولديهم ثوابت كثيرة استمدوها من التوراة خاصتهم، وتعود لـ3640 عاما، وكتبت باللغة العبرية القديمة على جلد الغزال، وتحتوي على أكثر من سبعة آلاف اختلاف بينها وبين التوراة اليهودية "التي بُدلت وحرّفت"، ولا يزيد عمرها على ألف عام وكتبت باللغة الآشورية.

 

ويعد جرزيم -وفق الكاهن حسني- المكان المقدس بالنسبة لهم، وأنه لا حق لهم بمدينة القدس وأن لا مكان مقدسا لهم فيها وفق دينهم.

 

ويؤمن السامريون بأركان للدين، وهي الإيمان بالله وحده وبموسى عليه السلام نبيا، وبالتوراة "خمسة أسفار" وبجبل جرزيم مكانا مقدسا زاره الأنبياء وقدموا فيه الأضاحي والقرابين كإبراهيم عليه السلام، والإيمان بيوم البعث (يوم الدين) إضافة للوصايا العشر.

 

ولدى السامريين أكثر من 120 دليلا تثبت قدسية جبل جرزيم، يؤكد الكاهن حسني السامري، حيث ذكر في التوراة 13 مرة "ولم تذكر القدس مرة واحدة" ويشتهرون بالحساب الفلكي دون غيرهم، وبذلك لا توافق أعيادهم أعياد اليهود.

 

إسرائيل تغلق بالأسيجة جبل جرزيم وتجري علمليات تنقيب للآثار فيه وهو المكان الذي يتعبد به السامريون (الجزيرة)

 

ودحض الكاهن ادعاءات اليهود بأن السامرين "كوتيون" وأن الآشوريين نفوهم إلى منطقة كوتا بالعراق "السبي البابلي"، وقال إن من نفوا هم جزء بسيط "27 ألفا" من أصل ثلاثة ملايين سامري آنذاك استطاع الحفاظ على التوراة.

 

وأضاف أن اليهود نسخوا كل شيء عن جبل جرزيم في "الوصايا العشر" الخاصة بالسامريين أهمها وحدانية الله، وألا تحلف بالله كذبا، وتحريم السرقة والزنى، إلا كلمة "وجعلت البركة على جبل جرزيم" وقالوا بدلا منها "الله إلهك، والله وحده لا شريك له" ليعطوا المعنى ذاته.

 

ويحافظ السامريون على قدسية يوم السبت بلباس أبيض خاص (القمباز) وعمامة، ويؤدي الرجال دون النساء صلاتهم بالكنيس بوضوء وحركات من ركوع وسجود تشابه صلاة المسلمين، ويأكلون من اللحوم كل ذي ظلف (حافر) ومجتر، وبذلك يكون الحيوان "أليفا" ولا تجتمع روحان بطعامهم، فلا يؤكل الجدي المطبوخ بحليب أمه.

 

ويؤكد الكاهن أنهم يحافظون على الطهارة، حيث تُعزل المرأة خلال فترة الطمث سبعة أيام ويُقام على خدمتها، وتذهب لأي مكان تريد شريطة عدم المساس بأي سامري، وتُعزل بحالة النفاس لـ41 يوما إذا أنجبت ولدا ذكرا ولثمانين يوما إن كان المولود أنثى.

 

ولا تتزوج السامرية من أي رجل خارج الطائفة، بينما يجوز للرجل أن يتزوج من غير سامرية شريطة أن تعتنق الدين السامري.

 

مجسمات يظهر عليها لباس السامريين في أعيادهم ويوم السبت (الجزيرة)

ويحتفل السامريون الذين يتحدثون العربية والعبرية الأصيلة بسبعة أعياد خلال العام، مثل الفسح "بالسين" لأن الله فسح عليهم بعد خروجهم من مصر، وعيد الفطير والحصاد والعرش، ويحجّون ثلاث مرات إلى قمة جرزيم، ويذبحون القرابين (الخراف) بالمذابح المخصصة.

 

ويخصصون يوما في السنة يتزامن ونهاية أكتوبر/تشرين الأول يصومون فيه عن كل شيء من طعام وشراب، وحتى الحديث، ويستمر الصوم لـ24 ساعة.

 

وكلما ذكر السامريون ذكرت نابلس، إذ ارتبط اسمهم بالمدينة مذ سكنوها قبل مئات السنين، حيث قطنوا حي الياسمينة وسط البلدة القديمة فيها ثم انتقلوا لحي آخر عرف باسمهم (حي السمرة) قبل أن يستقر بهم المقام على جبل جرزيم عام 1990، يقول إسحق الطيف سكرتير الطائفة السامرية.

 

وأوضح أنهم يتشابهون بالعادات والتقاليد وبكل شيء مع أهالي نابلس ويتحدثون بلهجتهم، ويشاركونهم أفراحهم وأتراحهم، ويدرسون بمدارس المدينة وجامعاتها.

 

ويُقدر عدد السامريين بنحو 772 نسمة، منقسمين بين منطقة حولون داخل فلسطين المحتلة عام 1948، حيث لجؤوا عام 1905 للعمل هناك بعض تردي أوضاعهم الاقتصادية بنابلس.

 

صورة تظهرا مجسما لعملية حج السامريين من منازلهم باتجاه قمة جبل جرزيم حيث يسكنون (الجزيرة)

 

ومُنح السامريون في نابلس عام 1996 الهوية الإسرائيلية، بهدف "تسهيل التواصل" مع طرفهم الآخر بإسرائيل، لكن ذلك حسّن أحوالهم وحصلوا على التأمين الوطني الإسرائيلي والتأمين الصحي وبعض الميزات، يقول المواطن السامري يوسف عفيف والذي أكد أنهم ورغم ذلك فلسطينيون وقوميتهم عربية لا يفرطون بها.

 

لكنهم لم يسلموا أيضا من مضايقات الاحتلال الإسرائيلي الذي أغلق منذ عام 2000 حتى قبل سنوات قليلة منطقة جبل جرزيم بحاجز دائم، ليحول دون تواصلهم مع أهلهم في نابلس.

 

كما أغلقت سلطة السياحة الإسرائيلية -وفق مؤسس جمعية الأسطورة السامرية إيهاب السامري- منطقة جبل جرزيم "قلعة العالم" حيث يؤدون شعائرهم الدينية، قبل عدة سنوات، وحدت من دخول أي أحد إليه إلا بموافقتها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/18-

"مطارح" مأرب.. حين تلوذ القبيلة بحماها

"مطارح" مأرب.. حين تلوذ القبيلة بحماها

مأرب الورد - صنعاء

 

 "المطارح".. تجمّع احتجاجي مسلح تتداعى إليه القبائل كلما داهمها الخطر، أو قررت قوة من خارج مناطقها غزوَها، وفيه تناقش خياراتها وتحدد مواقفها القادمة، بعد توحيد صفوفها وإعداد القوة العسكرية اللازمة لمواجهة الخطر المتوقع.

 

في محافظة مأرب شرقي اليمن, تواصل القبائل حشودها في مطارح منطقتي نخلا والسحيل شمال المدينة بمسافة تزيد عن 15 كلم، ولها مطارح أخرى في الجهات الجنوبية والغربية، وكلها تهدف إلى حماية المحافظة الغنية بالنفط والغاز من محاولات اجتياحها من قبل الحوثيين.

 

والمطارح تطلق على اسم المكان الذي تتخذه القبائل مقرا لتجمع مسلحيها، ويتم اختياره لعدة عوامل، منها قربه من مصدر الخطر المحتمل, أي من الجهة التي يتوقع دخول القوة الغازية في حالة الحرب، وأن يكون أرضا واسعة مستوية بموافقة صاحبها قبل ذلك.

 

وتدفع كل قبيلة بما تقدر من رجالها بسلاحهم واحتياجاتهم الأخرى، بحيث يمثلون كل القبائل أو مديريات المحافظة الـ14. ويبقى تمويل المطارح طوعيا وحسب استطاعة كل قبيلة.

 

ويستمر التواجد في هذه المطارح حتى انتهاء المهمة، أو زوال الخطر الذي استدعى وجودها، ويتولى إدارتها قيادة منتخبة من رئيس وأعضاء يحدد عددهم وفق المهمات، ويتم اختيارها من قبل الحاضرين في المطارح بالتصويت الشفوي، على أن تكون من أصحاب الأرض وتتمتع بخبرات القيادة واحترام الجميع.

 

انتشار عسكري أثناء العرض العسكري لإبراز رسائل القوة نحو الخصم (الجزيرة)

 

توزع القيادة المنتخبة المهامَّ على أعضاء المطارح والتي تشمل مهام "وضع الاستعداد القتالي", بحيث يتم توزيع المسلحين على المواقع المتقدمة في الخطوط الأمامية والمواقع المحتمل وجود الخطر منها.

 

وتتولى مجموعة مهامَّ الاستطلاع والمراقبة على مدار الساعة لرصد كل المستجدات، خاصة محاولات تسلل مسلحي الجهة المهاجمة، وموافاة القيادة بالمعلومات لاتخاذ القرار، بينما تشرف مجموعة أخرى على تعليم غير المتدربين على الرماية بمختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة.

 

أثناء زيارتك للمطارح تجدها تشبه معسكرا تابعا للجيش في حالة تأهب وجاهزية قتالية عالية، وتدريبات مستمرة بانضباط والتزام بالمهام وطاعة للأوامر دون اعتراض.

 

لا يوجد في المطارح سن محدد للانضمام ولا قانون "للتقاعد", فالجميع -كبارا كانوا أو صغارا- حاضرون، جمعهم الخطر المشترك والمصير الواحد، بل لا فرق هنا بين صغير وكبير إلا في المهام المحددة، وتنفيذ الواجبات على أكمل وجه.

 

يقول عبد الله صالح -أحد مسلحي المطارح- إن أهم إيجابياتها إلى جانب توحيدها الجميع على هدف محدد، إنهاء الثارات القبلية مؤقتا، والتزام المتخاصمين بأعراف وأخلاق القبيلة بعدم تصفية الحسابات في هذا المكان، مهما كان عمر الثأر بين أي قبيلتين.

 

أبناء القبائل يفترشون الصحراء في جلسةالحبوة قبل استقبال ضيوفهم (الجزيرة)

 

وأصبحت المطارح محط اهتمام الرأي العام اليمني، فينظر إليها باعتبارها حائط الصد المجتمعي الأخير للتصدي للحوثيين وإفشال مشروعهم، نظرا لقوة القبائل وتماسكها الاجتماعي وتمرسها على القتال في الصحراء، وهو ما لا يجيده الحوثيون الذين تمرسوا على القتال في الجبال، الأمر الذي أعجزهم منذ أواخر سبتمبر/أيلول الماضي عن دخول المحافظة.

 

ولا يكاد يمر يوم إلا وتستقبل المطارح وافدين -زوارا أو ملتحقين- من أبناء المحافظة أو من قبائل المحافظات المجاورة التي تندرج ضمن إقليم سبأ، وهي مأرب والجوف والبيضاء.

 

كما أنها باتت مقصدا لمراسلي وسائل الإعلام الخارجية، خاصة من الأميركيين والأوروبيين الذين يأتون لتقصي أي وجود لعناصر تنظيم القاعدة، بسبب الحملة الإعلامية التي تشنها جماعة الحوثي بهدف خلق مبرر لدخولها المدينة، واستدعاء الطيران الأميركي لقصف المطارح بحجة وجود التنظيم فيها، وهو ما تنفيه القبائل.

 

وتحرص قيادة المطارح على تنظيم برنامج يومي يشمل استقبال الزائرين وتعريفهم بالمطارح وإكرامهم بذبح الإبل أو الغنم، وإطلاق الرصاص ترحيبا بقدومهم والتزاما بالتقاليد المتعارف عليها, فضلا عن تفقد الجاهزية القتالية واستكشاف المهارات لدى المقاتلين، وصيانة الأسلحة وتلبية الاحتياجات المطلوبة.

 

وتنظم مسابقات في ألعاب كرة الطائرة والرماية بمختلف الأسلحة وحتى في المناورات، ويُكرّم من يجيدون إصابة الأهداف بجوائز في حفل تكريمي يحضره حشد كبير.

 

الاصطفاف المتقابل أثناء ترديد الزوامل الشعبية والقصائد الحماسية (الجزيرة)

 

وبين الحين والآخر تحرص القبائل على إرسال رسائل تحمل مضامين القوة والاستعداد وإظهار القدرات القتالية، وذلك بتنظيم عروض عسكرية بمختلف الأسلحة -عدا الدبابات وسلاح الجو- وتحضره وسائل إعلام مختلفة.

 

يتخلل العرض كلمة ترحيبية وقصائد شعرية حماسية وأغان شعبية، ويطلق المقاتلون الرصاص بمختلف الأسلحة، وتجوب الدوريات أرض المطارح وهي تحمل أسلحة متنوعة من الرشاش إلى مضاد الطيران.

 

وتعد أيام العروض العسكرية والجمع الأسبوعية من أكثر الأيام حضورا للمسلحين الذين يزداد عددهم كلما دعت الحاجة واقتضت الضرورة. ويقتصر حضور المطارح على المكلفين بالمهام الذين يقدر عددهم بالمئات، بينما يصل عدد المسلحين الجاهزين لأي معركة نحو عشرة آلاف مقاتل.

 

كما تولي قيادة المطارح أهمية خاصة للإعلام وما ينشر فيه، ولهذا أنشأت صفحة باسمها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك", وتصدر بيانات لتوضيح موقفها من أي قضية، وتوجه الدعوة إلى كل الصحفيين لزيارة مواقعها والاطلاع على حقيقة الوضع عن كثب، بدلا من الاعتماد على مصادر مضلِّلة تهدف إلى تشويه سمعة القبائل.

السابق

السابق

التالي

السابق

-17/18-

العدة.. رقصة "حضرمية" بروح عسكرية

العدة.. رقصة "حضرمية" بروح عسكرية

راضي صبيح - حضرموت

 

 تعد رقصة "العدة" من أشهر الألعاب والطقوس التراثية في محافظة حضرموت شرق اليمن، وأكثرها حضوراً في المناسبات الاجتماعية، وتعرف بأنها أم الألعاب الشعبية من بين أخواتها "الشبواني" و"الزربادي" و"المساجلات الشعرية"، وتتميز بروح قتالية في شكلها وأدائها.

 

يقول الكاتب والأكاديمي ب جامعة حضرموت علي با رجاء "تعود جذور رقصة العدة وما يتصل بها من شبواني وشعر إلى القرن العاشر الهجري".

 

وأشار با رجاء في حديثه للجزيرة نت إلى أن هذه الرقصة جاءت تخليداً للانتصارات التي حققها أبناء مدينة الشحر الساحلية بمعية أبناء حضرموت في مواجهة اجتياحات البرتغاليين المتكررة.

 

وأضاف "ظهرت رقصة العدة والشبواني كأحد أشكال الابتهاج بالنصر والإشادة به، ليتحول كل ذلك إلى فن من فنون الرقص الشعبي. ولعلّ إطلاق اسم الألعاب الشعبية على هذه الفنون تأثر بالدور الذي أدته المقاومة، وتمثيل ما قامت به في دحر البرتغاليين".

 

هنا يتقابل الصف الأول مع الثاني بإشارة من قائد الطلعة استعداداً لتقارع العصي (الجزيرة)

 

تبدأ رقصة "العدة" باصطفاف المشاركين في صفين متقابلين "الشنف"، ثم يرددون لحناً شعبياً "وولا كب وولا كب"، وعندها يظهر في الوسط شاعر يلقي بيتين من الشعر، كل بيت يردده أحد الصفين، وغالباً ما يكون الشعر ذا دلالة مرتبطة بالمناسبة التي تقام من أجلها رقصة العدة، وهنا تنطلق الأصوات من حاملي الطبول "الدفوف والهاجر والمراويس والطويس".

 

 ويواصل با رجاء حديثه إن الصفين يتحولان إلى عدة صفوف صغيرة، تردّد الثلاثة الأولى شطر البيت الأول بينما تردد الصفوف الأخرى عجُزه، ويبدأ المسير بإيقاعات وضربات موسيقية  متنوعة، ويتغنى الراقصون وهم يتمايلون بأجسامهم يمنة ويسرة ويؤدون حركات أشبه بالعرض العسكري، حتى يصل الموكب إلى ساحة عامة معلناً إنهاء اللعبة.

 

وتؤدَّى رقصة "العدة" في الغالب بما لا يقل عن ستة صفوف، يتراوح اللاعبون فيها من 8 إلى 12. ويلبس الراقصون عمائم من رداء بنفسجي اللون يسمى "الرمال"، ويحملون العصي التي تؤدي وظائف متعددة تضفي الطابع العسكري على الرقصة، فعندما تتقارع العصي بقوة تعلن ساعة الإطلاق أو التوقف.

 

انقسام العدة إلى قسمين ويسمى الشنف ودخول الشاعر لألقى الشعر (الجزيرة)

حركة واحدة في زمن واحد بين كرّ وفرّ والتحام يؤديها لاعبو رقصة "العدة"، يستمدونها من قائد الطلعة الذي يتوسط الصف الأول، وتتناغم حركته مع أصوات الإيقاعات الصادرة من الطبول.

 

يسمى فريق الرقصة في كل حي باسم "العدة"، ويترأسه شخص كبير في السن يسمى "المقدم" ويحظى باحترام وتقدير واسعين يؤهلانه لحل الكثير من مشكلات الحي.

 

ظل سكان حضرموت محافظين على رقصة العدة منذ ذلك اليوم، وحتى اللحظة. ويعود ذلك -بحسب مقدم "عدة" مدينة شبام التاريخية عبيد كرامة با زقامة- إلى "أن المجتمع اتخذ رقصة العدة كنوع من الترويح عن النفس واستبدل العصا بالسيف، كما أن الإيقاعات جعلت منها فلكلورا شعبيا محبوبا في الوسط الاجتماعي، يتناقله الأبناء عن الآباء والأجداد.

 

رفع العصا استعداداً لتأدية الكسرة (الجزيرة)

ويضيف با زقامة في حديثه للجزيرة نت "أصبحت رقصة العدة تراثا مرتبطاً بحياة الناس، ففيها نرى الشاعر يضع مشكلات المجتمع من تظلمات وجور الحكام بأسلوب التورية، مما جعل المجتمع الحضرمي متعلقا بها، لأنها متنفسهم الذي من خلاله يبثون شكواهم".

 

وأشار إلى أن رقصة العدة تمثل له الشيء الكثير، إلى جانب أنها من تراثيات حضرموت التي تزخر بالعديد من أنواع الفلكلور الشعبي، فهي مؤثرة في حياة الناس، وقد تصنع قضية رأي عام إذا ما استخدمت بالشكل الصحيح.

 

وتحضُر رقصة العدة بقوة في ما يسمّى المطالع السنوية للقرى والمناطق، وهي موعد سنوي محدد لكل حي داخل المدن، وتشارك فيه فرق وعِدَد من مختلف المناطق الأخرى، ويبدأ المشهد حينها بعرض عسكري لجيش كبير كل مع فريق، في جو لا يخلو من نقد الواقع الاجتماعي والسياسي للبلاد، والذي يحاول الشعراء إدخاله في أبياتهم الشعرية.

 

ويستمتع كبار السن والأهالي أثناء حضورهم رقصة "العدة" التراثية، بينما يحاول الشباب المشاركة في مؤخرة الصفوف لتعلّم تفاصيل اللعبة وإجادتها.

 

تقارع العصي هو جوهر رقصة العدة (الجزيرة)



المواطن أحمد مدي يشير إلى أن لرقصة العدة تأثيرا غير طبيعي نظرا لتناغمها الشعبي المعبر عما في واقع الناس ونفوسهم، لافتاً إلى أنه كان يمارس هذه الرقصة ويتفاعل مع إيقاعها دون أن يشعر. أما الشاب أحمد بشير فيقول إنه أحب "العدة" لحثها على التعاون والتآلف، وللحفاظ على تراث الأجداد.

 

والعدة رقصة شعبية لارتباطها بنظام الحويف (القرى) وأدّاها قديما رجال وشباب الحافة الذين يمثلون القوة الأمنية والدفاعية في أوقات الحرب، والدفاع المدني وقطاع الخدمات في وقت السلم.

 

ويخطئ الجيل الجديد في حضرموت أحيانا بإطلاق لعبة الشبواني على رقصة العدة، والصحيح أن ثمة فرقا بينهما، فرقصة الشبواني تقام في المدارة (الميادين العامة) بعد أن ينتهي غناء الدان الذي يؤديه مغنون على ألحان مخصوصة، حيث يقف صفان من راقصي العدة فيكسرون ذلك الصوت (أي يرقصون عليه)، ويساعد كسر الصوت على إبعاد الملل من طول الاستماع إلى الغناء، ولتجديد نشاط الراقصين ليتمكنوا من الاستمرار في الشعر إلى وقت متأخر من الليل.

 

وغالباً ما تقترن رقصتا العدة والشبواني ببعضهما، حيث تأتي الشبواني بعد الانتهاء من رقصة العدة، ثم تتبعها المساجلات الشعرية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-18/18-

سباق القوارب الشراعية.. بطولة عالمية بماليزيا

سباق القوارب الشراعية..  بطولة عالمية بماليزيا

سامر علاوي - جوهور بهرو

 

 انطلقت بطولة الرياح الموسمية لسباق القوارب الشراعية عام 2005 من الشواطئ الشرقية لشبه الجزيرة الماليزية، ثم تحولت إلى موسم سنوي تتنافس فيه فرق عالمية للفوز بهذه البطولة الدولية، واحتضن خليج دانغا الفاصل بين مدينة جوهور بهرو الماليزية وسنغافورة الموسم الأخير للبطولة بمشاركة 12 فريقا تمكنت من الوصول للتصفيات النهائية.

 

وغيّر هذا السباق من ديناميكية الرياضة البحرية في ماليزيا، كما زاد من الوعي والاهتمام برياضات الإبحار عالميا، وقد أعلن مجلس الرياضة الوطني الماليزي عام 2013 عن برنامج طموح لتطوير الرياضات البحرية وتدريب الشباب وتحفيزهم للانخراط في هذه الألعاب، لعل وعسى أن تأتي أول ميدالية أولمبية ماليزية من البحر.

 

خليج دانغا الفاصل بين سنغافورة وماليزيا احتضن سباق الرياح الموسمية العاشر (الجزيرة)


تعتبر سباقات القوارب الشراعية العالمية واحدة من أبرز المباريات البحرية في العالم، وتحظى بدعم وتأييد الفدرالية العالمية للإبحار، وأثناء جولتها الأخيرة عبر ثلاث قارات خاضت أكثر من 15 مباراة في فرنسا وألمانيا وكوريا الجنوبية والبرتغال والسويد وسويسرا والدانمارك وبرمودا، وبلغت ذروتها في تصفيات كأس الرياح الموسمية في ماليزيا.

 

وحول كيفية تحديد الفائز في هذه المسابقات، يقول جيمس بليسانس مدير جولة سباق القوارب الشراعية العالمي إن الفرق المتنافسة بدأت رحلة من سبع مباريات، بدأت في ألمانيا قبل تسعة أشهر، ويتم إحصاء النقاط التي يحققها كل متسابق، والفريق الذي يحصل على أعلى عدد من النقاط في نهاية السباق يفوز بالكأس.

 

ويضيف أن حلبة السباق ليست اعتيادية، فهي غير محصورة بخطوط عرض وطول، كما هو الحال مع مباريات البر، ففقدان السيطرة على القارب قد يكلف الفريق الخروج من السباق مبكرا، فحكام اللعبة يرصدون كل خروج عن قواعد اللعبة الصارمة، وكل خطأ يعني فقدان عدد من النقاط التي أحرزها الفريق من قبل.

 

وما يجعل رياضة الإبحار مختلفة عن غيرها خضوعها لكثير من القواعد، وفي كل مناسبة من هذا السباق يقود كل فريق قاربا جديدا، حيث تتم القرعة لارتياد القوارب قبيل السباق، بما يزيد من التحدي بين الفرق المتنافسة، وتتم التصفيات بين كل قاربين في جولة، إلى أن ينتهي الأمر بإعلان الفوز.

 

التحكم بالقارب الشراعي في مواجهة الرياح يتطلب مهارة وخبرة عاليتين (الجزيرة)



لعل أبرز ما يميز سباق القوارب الشراعية هي المتعة والإثارة، يليهما لغة مشتركة وفهم جيد لقواعد اللعبة، ينبغي على فريق كل قارب أن يتصف بهما أثناء تحديه لمنافسه، أما إذا كانت الرياح لا تسير وفق هوى اللاعبين فإن عليهم أن يتمتعوا بمهارات خاصة تجنبهم الخروج من السباق مبكرا.

 

البريطاني إيان ويليامز الذي يقود فريق "غاك بيندار" حقق رقما قياسيا بفوزه للمرة الخامسة ببطولة كأس الرياح الموسمية في ماليزيا، متقدما في ذلك على الأسترالي بيتر غليمور، وجاء الأميركي تيلور كافيلد في المرتبة الثانية في السباق الأخير.

 

ويؤكد ويليامز في حديثه للجزيرة نت أن وراء هذا الإنجاز كفاحا طويلا بدأ منذ الصغر، حيث خاض أولى مبارياته عام 1994. ويضيف أن الأمر استغرق 11 عاما للقيام بأول جولة عالمية، ويرى أن الجيل الجديد أمامه فرصة أكبر، حيث يمكنه اختصار الطريق من خلال تدريب مكثف في أحد مراكز السباقات التي انتشرت في السنوات الأخيرة، "فالكثير من الإبحار والتعرف على فريقك ومواصلة العمل لرفع مستواك يقودك إلى الفوز حتما".

 

أما تيلور كانفيلد الحاصل على المرتبة الثانية، فقال إنه كان في الخامسة من عمره عندما بدأ تدريبه لسباقات القوارب الشراعية، وكان عليه متابعة السباقات والإبحار على مستويات منخفضة في تقدمه التدريجي، ثم اختيار الفريق الذي يرافقك في رحلة الفوز.

 

السباق الشراعي يحيي تراث كاد أن يندثر (الجزيرة)



المرة الأولى التي يقام فيها كأس الرياح الموسمية في خليج دانغا بولاية جوهور، وحسب منظمي البطولة فإن تغير مكان السباق من ترينغانو هدف إلى توفير تجربة جديدة للتعامل مع الرياح بالنسبة للمتسابقين، وجلب الانتباه لهذه الرياضة بهدف إنعاشها محليا وعالميا.

 

أما وزير الشباب والرياضة خيري جمال الدين فأشار في تصريحات للجزيرة نت إلى تعزيز وضع مدينة جوهور بهرو ومشروع إسكندر العملاق الذي يتوقع أن ينافس شنغهاي تجاريا وسياحيا، وقال إن جوهور أصبحت نقطة محورية في التنمية الاقتصادية، وإن احتضانها لفعالية عالمية مثل سباق الرياح الموسمية يساهم في تقديمها العالم.

 



حظيت بطولة الرياح الموسمية للقوارب الشراعية باهتمام شعبي ورسمي في ولاية جوهور الماليزية، وفي أجواء احتفالية كشف سلطان الولاية إبراهيم إسماعيل ونجله عبد الجليل عن التحفة التي قدرت قيمتها بثلاثين ألف دولار، لكن قيمتها المعنوية تبدو أكبر بكثير، ليس فقط للفريق الذي يحوز الكأس في نهاية المطاف، وإنما كذلك للفنانة التشكيلية كارينا بايك التي أمضت عدة أشهر في تصميم رمز يجمع في إيحاءاته بين الفخامة الملكية والبحر وبحارته.

 

سلطان ولاية جوهر ونجله يكشفان الستار عن كأس بطولة الرياح الموسمية وسط أجواء احتفالية (الجزيرة)

وتقول كارينا باك للجزيرة نت إنها أرادت الحصول على روح وجَوهر المناسبة الملكية، حيث إن هذا العام هو عام تتويج السلطان إسماعيل "في 23 مارس/آذار"، وتشرح مواصفات الكأس الخاصة بنمرين يعلوانهما رمز السلطنة، ويمثل اللون الأزرق البحر كما هو اللون الملكي لسلطنة جوهور، ومن القاعدة تبرز موجات المحيط محتوية ضوء نجوم تتشكل على شكل أمواج في يديه، وهو مصنوع من فضة إسترلينية ومطلي بالذهب.

 

مكان العرب بقي خاليا على مدى تاريخ هذه المسابقات التي بدأت قبل 27 عاما، رغم التراث العربي العريق في الإبحار، ويعزو جيمس بليسانس مدير جولة سباق القوارب الشراعية العالمي عدم المشاركة العربية في فعاليات سباق بحري عالمية إلى غياب المؤسساتية للرياضات البحرية في العالم العربي، حيث إن تنمية وتطوير هذه الألعاب لا يعتمد فقط على الخبرات التاريخ والثقافة وإنما على الإبحار المهني.

 

وأشار بليسانس إلى أنه قام بعدة جولات في دول عربية وخليجية مثل أبو ظبي وقطر لتشجيعها على تأسيس فرق على مستوى عالمي للمشاركة في دورة سباقات القوارب الشراعية العالمية، ومن أجل أن يتحقق ذلك لا بد من تشكيل الكثير من فرق الإبحار وتدريبها مهنيا.

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك