آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:40 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:40 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
-1/17-

العامل بين عيده وبقية عامه

محمد المختار الخليل 
مدير تحرير موقع الجزيرة نت  

"أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" نداء أطلقه نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام قبل أن تعرف البشرية حقوق العمال والنقابات العمالية وعيد العمال بمئات السنين، ولم ترفع نقابة أو مؤسسة دولية أو محلية شعارا لحقوق العامل كما قررتها بلاغة هذا الحديث الشريف.

 

فالدعوة ليست لإعطاء الأجير أجره دون نقصان أو جور، بل لأن يأخذ حقه قبل أن يجف عرقه، فكما أدى العامل ما عليه من عمل على صاحب العمل أن يؤدي له حقه في اللحظة دون مماطلة أو تسويف أو انتقاص، فقد قال الرسول الكريم في حديث آخر "مطل الغني ظلم".

 

هذه القيمة الحقوقية -التي يرفعها الحديث الشريف إلى مرتبة العبادة بالأمر النبوي الشريف- هي حلم كل عامل بسيط يكد ليؤمن قوت عياله، ورغم كثرة بنود ومواثيق ومؤسسات الدفاع عن العمال وحقوقهم فإن البشرية لا تزال تنتكس في هذا الأمر، ولا يزال العامل مسلوب الحقوق ممتهن الكرامة.

حقوق العمال -كغيرها من القيم والسلوكيات- لا تضمن القوانين البشرية والمبادئ الدستورية تنفيذها على الوجه الأكمل، وتبقى النوازع البشرية هي المعيار في ضبط هذه المسلكيات، إلا أن الأمر عندما يصبح مسألة دينية أكثر منها إنسانية وحقوقية فإن الالتزام بها يكون أشد وأقوى.


 

بالتأكيد لا يلتزم الجميع بالأوامر الدينية كغيرها من التكاليف والنواهي، لكن قيمة الأمر الديني تبقى أقوى أثرا من القوانين الإنسانية، ففي عمق الدول المتقدمة والموقرة لقوانين العمل والعمال تقع انتهاكات لحقوق الأجانب ممن لا يملكون أوضاعا قانونية، ويتم استغلالهم بأقل من الأجر المعمول به.

يختصر العالم اليوم تقديره للعامل بيوم في السنة، يعطل فيه الجميع إلا العامل الذي يبقى يكد ويعمل طوال النهار وشطرا من الليل لتأمين لقمته، ثم يكمل هذا العامل عامه تطحنه مؤسسته وأرباب عمله ومجتمعه دون رحمة.

وتزامن صدور مجلة الجزيرة في الأول من مايو/أيار مع عيد العمال العالمي مناسبة لتسليط الضوء على صور متنوعة من معاناة أو إنجازات العمال على وجه البسيطة قديما وحديثا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/17-

ملف العدد

ملف العدد

 

في اليوم الذي يحتفل فيه العالم بعيد العمال نخصص في مجلة الجزيرة ملفا خاصا لأصحاب العيد (العمال) الذين يحتفل العالم بهم في طقوس تقليدية وعطلة رسمية في بعض البلدان، إلا أن أوضاعا تبقى كما هي في الكثير من بلدان العالم، أجور متدنية وساعات عمل تكاد لا تنتهي.

 

في ملف "قبل أن يجف عرقه" نتناول أوضاع العمال البسطاء من زوايا متنوعة، فنعرف بالعيد وتاريخه والمحطات الرئيسية التي مرت بها مسيرة نضال العمال من أجل حقوقهم عالميا.

 

ومن غزة، نعيش مع عامل فقد مصدر رزقه بسبب الحصار المفروض على القطاع منذ ثماني سنوات، وكيف يتدبر هذا وقرابة مائة ألف عامل معيشتهم بعد أن انقطعوا عن أعمالهم في إسرائيل.

 

ومن الصين قصة أخرى، حيث مصانع "أبل"، تقتل التفاحة عاملا تلو آخر، بسبب ساعات العمل الطويلة وتدني الأجور، وتتجلى معاناة العمال في المؤسسات الرأسمالية العابرة للقارات. ومن الجوار، نطالع تجربة عمال كمبوديين يدافعون بما استطاعوا عن حقهم في أرضهم التي تسيطر عليها شركات أجنبية، وتستغل العمال بنظام هو أقرب للسخرة.

 

وفي العراق، بلد الخوف والموت نتعرف على ظروف عمال آسيويين قبلوا بالمغامرة في هذا البلد الخطر لتأمين قوتهم، أما من غابات الأمازون فنتطرق إلى قصة عامل بسيط يجمع المطاط من أشجار غابات الأمازون بالبرازيل، ناضل ضد قطع الأشجار لاستغلالها وخلده عمال بلده في ذكراهم كحارس للغابة.

 

ومن معقل الرأسمالية نقدم نموذجا مختلفا لعامل عربي بسيط هاجر من بلاده إلى أرض الحرية الاقتصادية، وبجده وعرقه أصبح صاحب شركة ناجحة، وفي أميركا نفسها خلقت مصانع السيارات في ديترويت مجتمعا يمنيا خالصا بعد هجرة أفراده للعمل في المصانع العملاقة، لكنهم حافظوا على خصوصياتهم وتقاليدهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/17-

عيد العمال.. قصة معاناة

عيد العمال.. قصة معاناة

 

من "موسوعة الجزيرة"

 

يوم يتوقف فيه ملايين العمال في العالم عن العمل لمراجعة أوضاعهم وظروفهم، والنظر فيما تحقق لهم ومالم يتحقق، ورفع مطالبهم بصوت عال في مسيرات وتظاهرات احتفالية.

 

كانت بداية عيد العمال يوم 21 أبريل/نيسان 1856 في أستراليا، ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث طالب العمال في ولاية شيكاغو عام 1886 بتخفيض ساعات العمل اليومي إلى ثماني ساعات، وتكرر الطلب في ولاية كاليفورنيا.

 

وفي تورونتو الكندية حضر زعيم العمال الأميركي بيتر ماكغواير احتفالا بعيد العمال، فنقل الفكرة وتم أول احتفال بعيد العمال في الولايات المتحدة بتاريخ 5 سبتمبر/أيلول عام 1882 بمدينة نيويورك.

 

أثمر نضال العمال في كندا قانون الاتحاد التجاري الذي أعطى الصفة القانونية للعمال ووفر الحماية لنشاط الاتحاد عام 1872.

 

كثير من الأعمال الخطرة يضطر ملايين العمال في الصين لقبولها تحت ضفط الحاجة (رويترز)

ذكرى هايماركت

وبعد وفاة عمال على أيدي الجيش الأميركي فيما عرف بإضراب بولمان عام 1894، سعى الرئيس الأميركي غروفر كليفلاند لمصالحة مع حزب العمل، تم على إثرها بستة أيام تشريع عيد العمال وإعلانه إجازة رسمية.

 

بقي غروفر قلقا من تقارب اليوم الدولي للعمال مع ذكرى هايماركت في 4 مايو/أيار 1886 حيث قتل أكثر من 12 شخصا في تظاهرة احتجاجية بساحة هايماركت على مقتل أربعة عمال في إضراب بشيكاغو للمطالبة بتخفيض ساعات العمل اليومي إلى ثماني ساعات تحت شعار "ثماني ساعات للعمل، ثماني ساعات راحة، ثماني ساعات للنوم".

 

وجاء إضراب شيكاغو ضمن سلسلة إضرابات نظمت في عدد من المدن الأميركية يوم الأول من مايو/أيار 1886 تحت شعار "من اليوم ليس على أي عامل أن يعمل أكثر من ثماني ساعات"، وبلغ عدد تلك الإضرابات خمسة آلاف إضراب وشارك فيها نحو 340 ألف.

 

عمالة النساء في الأعمال الشاقة أحد أوجه انتهاك حقوق العمال في الهند (أسوشيتد برس)

الأول من مايو

تجاوزت قضية هايماركت أسوار أميركا وبلغ صداها عمال العالم، وأحيا المؤتمر الأول للأممية الاشتراكية ذكراها في العاصمة الفرنسية باريس عام 1889، وتمت الدعوة لمظاهرات دولية لإحياء ذكرى هايماركت عام 1890، وفي العام الموالي اعترفت الأممية الاشتراكية في مؤتمرها الثاني بعيد العمال حدثا سنويا.

 

وفي عام 1904 دعا اجتماع مؤتمر الاشتراكية الدولية في أمستردام جميع المنظمات والنقابات العمالية وخاصة الاشتراكية منها في جميع أنحاء العالم إلى عدم العمل في الأول من مايو/أيار من كل عام، وتم السعي لجعله يوم إجازة رسمية في عشرات الدول.

 

وفي عام 1955 باركت الكنيسة الكاثوليكية الأول من مايو/أيار عيدا للعمال، واعتبرت القديس يوسف بارا أو يوسف النجار شفيعا للعمال والحرفيين، فيما سارت الولايات المتحدة على تقليدها القديم، واعتبرت أول يوم اثنين من شهر سبتمبر/أيلول من كل عام عيدا للعمل، وكذلك الأمر في كندا.

 

تمسك الاشتراكيون والشيوعيون الأميركيون ومن وصفوا بالفوضويين، بإحياء يوم الأول من مايو/أيار وتنظيم مظاهرات ومسيرات في شيكاغو ونيويورك وسياتل وغيرها. وفي عام 1958 اعتبر الكونغرس الأميركي هذا اليوم، يوم وفاء (لذكرى هايماركت) خاصة بعدما حظى بالتقدير من دول عديدة وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي.

 

عمال مناجم الفحم الحجري في بولندا يحتجون على ظروف عملهم ويطالبون بتحسين أوضاعهم (رويترز)

وأعلن الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور الأول من مايو/أيار يوم إجازة رسمية، وكانت مناسبة للتعبير في تظاهرات و مسيرات عن مواقف تتعلق بقضايا سياسية واجتماعية، من قبيل مسيرة دعم حقوق العمال الذين لا يحملون وثائق في الولايات المتحدة، ورفض استمرار الحرب في العراق، والاحتجاج على حالة الاقتصاد الأميركي وعدم المساواة الاقتصادية كما حصل في الأول من مايو/أيار 2012 عندما تم احتلال ساحة وول ستريت.

 

يعد يوم الأول من مايو/أيار يوم إجازة رسمية في نحو مائة دولة، وتعتبره الحركات والنقابات العمالية فرصة لتدارس أحوال الطبقة العاملة وتقييم إنجازاتها، ورفع مطالبها في مسيرات وتظاهرات عامة، ولا يخلو هذا اليوم من السياسة بالاحتجاج على الحكومات وسياستها الاجتماعية والاقتصادية، خاصة في الدول التي تكون النقابات فيها درعا من أدرع الأحزاب السياسية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/17-

"عيد العمال" ينكأ جراح عمال غزة

"عيد العمال" ينكأ جراح عمال غزة

 

أيمن الجرجاوي- غزة

 

رغم مرور تسع سنوات على "انقلاب" الوضع المعيشي للعامل الفلسطيني ماهر الشعراوي من حياة "الرفاه" إلى "العوز"، فإنه ما زال غير قادر على استيعاب ما حلّ به حتى اليوم، ويتمنى أن ينتهي هذا الكابوس سريعا.

 

أمضى الشعراوي 32 عامًا في العمل داخل إسرائيل، قبل أن تفرض دولة الاحتلال حصارًا مشددًا على قطاع غزة بعد فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية  عام 2006، وتمنع دخول العمال الفلسطينيين.

 

ويسكن العامل الفلسطيني ( 56 عامًا) مع زوجته وتسعة من أبنائه وبناته -بينهم ثلاثة متزوجون- بمنزل متواضع من طابق واحد في حي الكرامة بمدينة غزة، وقد رسمت سنوات "الهم" والشعور بـ"القهر" آثارها على وجهه.

 

رحلة الخمسيني بدأت في العمل بمصنع للألبان داخل إسرائيل عندما كان في سن الخامسة عشر، ثم انتقل بعدها بثماني سنوات للعمل في ورشة لغسيل المركبات، وكان حينها مسؤولًا عن اثني عشر عاملًا فلسطينيًّا وإسرائيليًّا.

 

وبعد إغلاق باب العمل في إسرائيل، تقطعت السبل بنحو خمسين ألف عامل من غزة كانوا يعملون داخل دولة الاحتلال، فلجأ كثير منهم للبحث عن فرص بديلة، لكن القطاع لم يستوعب هذا العدد، ولاسيما بعد إغلاق العديد من المصانع والورش بسبب الحصار والحروب.

 

رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال غزة سامي العمصي (الجزيرة)

 

ويقول الشعراوي للجزيرة نت إنه منذ عام 2006 حتى اليوم، لم يحظ بفرصة عمل سوى عامين عمل خلالهما حارسًا في أحد المصانع يتقاضى 250 دولارًا في الشهر، بعدما كان يحصل على أكثر من 1500 دولار شهريا خلال عمله داخل إسرائيل، ويضيف بسخرية "نحن نعمل بلا أجر".

 

ويعمل ثلاثة من أبناء الشعراوي في مطاعم اثنتي عشرة ساعة يوميًّا، ولا يتقاضون سوى 250 دولارًا في الشهر، فيعطون والدهم خمسين دولارًا لتدبير مصاريفه وعلاجاته، في حين يجد الأب صعوبة في توفير الأقساط التعليمية لابنته الجامعية.

 

وبالإضافة إلى الوضع المعيشي السيئ الذي تعيشه العائلة، فإن ديونًا بنحو 17 ألف دولار متراكمة عليها جراء بناء منزلها قبل سنوات، فضلا عن وجود متأخرات عليها بنحو تسعة آلاف دولار لصالح شركة الكهرباء والبلدية.

 

ويصف الشعراوي أوضاع العمال في غزة بأنها "تحت الصفر"، الأمر الذي دفع بعضهم للتسول في المساجد لتوفير قوت أبنائه، في ظل تجاهل حكومي لمعاناتهم على مدى السنوات الأخيرة.

 

ويضيف "أحيانًا لا أستطيع دفع ثمن أسطوانة الغاز، ولا إدخال الفواكه إلى البيت. أشتري بالدين من محلات البقالة، وعند توفر الأموال أسدد ثمنها".

 

السخانات الشمسية تضررت في الحرب الأخيرة ويعجز الشعرواي عن إصلاحها لأنها لم تعد من الأساسيات في حياته (الجزيرة)

ونزح العامل الفلسطيني من منزله إبان العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة صيف العام الماضي، وتعرض بيته لأضرار جزئية جراء قصف أرض زراعية مجاورة له، وقُدّرت الخسائر بنحو 3300 دولار، استلمت العائلة نصفها، وأصلحت بعض الأضرار.

 

ويحمل العامل كثيرًا على الحكومة ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) لما قال إنه "تجاهل كامل لمعاناتهم"، فوزارة الشؤون الاجتماعية تشترط مرض العامل مرضًا مزمنًا لصرف المساعدات، أما "أونروا" فقطعت السلة الغذائية التي كان يحصل عليها كل ثلاثة أشهر بدون أسباب، وفق ما يقول.

 

ويشير إلى أن "عزة النفس" تمنعه من "اللهاث وراء الجمعيات الخيرية كمتسول" للمطالبة بحقوقه، في حين أنه يفترض أن تبحث تلك الجمعيات عن المحتاجين، وتوصل إليهم المساعدات.

 

ولعل أبرز ما يطالب به هذا الخمسيني وغيره من العمال، توفير راتب شهري -ولو بسيط- يقيهم الحاجة، ولاسيما بعد أن تقدم بهم العمر، ولم يعودوا قادرين على العمل كما كانوا في السابق.

 

وينكأ "عيد العمال" جراح عمال غزة كما يقول الشعراوي، "فهو بمثابة نكسة، ونحن نجلس في البيت غير قادرين على توفير مستلزمات أسرنا، بينما كان في السابق عيدًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ونتبادل فيه الهدايا".

 

ثلاجة منزل العامل الفلسطيني ماهر الشعراوي شبه فارغة وتفتقر للكثير من الأطعمة في حي الكرامة بغزة (الجزيرة)

ويمر "عيد العمال" هذا العام على غزة، وفيها نحو مائتي ألف عاطل عن العمل بفعل استمرار الحصار للسنة الثامنة على التوالي، والدمار الواسع الذي حل بالقطاعات الاقتصادية جراء العدوان الأخير، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى 50%، وفق مسؤول نقابي.

 

ويوضح رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال غزة سامي العمصي أن أعداد العاطلين عن العمل في القطاع بلغت عام 2013 نحو 120 ألف عاطل، ووصلت قبل العدوان الإسرائيلي العام الماضي نحو 170 ألفًا، لكنها ازدادت بعده جراء تدمير الاحتلال 500 منشأة صناعية.

 

وتؤثّر الاعتداءات الإسرائيلية اليومية بشكل كبير على الصيادين والمزارعين في غزة، ويقول العمصي في حديثه للجزيرة نت، "إنهم يحملون أرواحهم على أكفهم عند الذهاب إلى العمل، ولا يأمنون على أنفسهم من القتل أو الإصابة أو الاعتقال".

 

ويدعو المسؤول النقابي الحكومة الفلسطينية إلى وضع إستراتيجية وطنية للتخفيف من معاناة العمال، وتوفير مشاريع تشغيلية، وكفالات للأسر الفقيرة منهم، "لأنهم يعيشون أسوأ مرحلة تاريخية منذ عشرة أعوام".

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/17-

أبل.. التفاحة القاتلة

أبل.. التفاحة القاتلة

 

عزت شحرور - بكين 

"من لم يمت تعبًا وإرهاقًا مات انتحارًا"، هذا هو حال الآلاف من العمال الصينيين الذين يقضون تحت وطأة الضغط النفسي وسوء ظروف العمل في مصانع التكنولوجيا والرقائق الدقيقة، التي تزود كبريات الشركات الدولية العملاقة باحتياجاتها من هذه المواد، بما فيها شركة أبل وسوني ونوكيا.

 

آخر هؤلاء الضحايا هو تيان فو ليى، وهو شاب في مقتبل العمر لم يتم ربيعه السادس والعشرين، عُثر عليه في فبراير/شباط الماضي وقد فارق الحياة في سكن تابع لمصنع بيغاترون بمدينة شنغهاي، وهو واحد من أكبر المصانع المعروفة التي تصنع المعدات الإلكترونية لشركة أبل، بما فيها معدات آي فون 6، حيث يحشر أكثر من 12 عاملا في غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 15 مترا مربعا.

 

عائلة العامل الفقيد التي تقطن في إحدى القرى الفقيرة بإقليم شاندونغ بشرق الصين حمّلت المصنع مسؤولية وفاته، ويؤكد أفراد العائلة أنهم فوجئوا بخبر الوفاة.

 

فالشاب اليافع الذي كان يستعد للزواج كان يتمتع بصحة جيدة، واجتاز كافة الفحوص الطبية اللازمة قبل تقدمه إلى العمل مطلع العام الجاري، وقد اتصل بهم قبل يومين من وفاته ولم يشك من أي أعراض مرضية في حينه.

 

 لكنه كان في وقت سابق يتذمر من عدد ساعات العمل الإضافية المفروضة عليه، والتي تتجاوز 84 ساعة في الأسبوع. ويقول جاو ليى زوج أخت الفقيد "إن المصنع يفرض ساعات عمل إضافية على العمال ومن يرفض ذلك يعاقب بخصومات جائرة من مرتبه".

 

ويضيف جاو للجزيرة نت "لم يتم إبلاغ العائلة إلا بعد يومين من وفاته، وبعد إتمام شهادات وتقارير الوفاة. وعندما طالبنا بتشريح الجثة رفض المصنع تحمّل تكاليف التشريح الباهظة بالنسبة لنا، والتي تصل إلى نحو 25000 يوان (4200 دولار) وبعد تدخل مكتب الشرطة في المدينة تم رفع قيمة التعويض إلى 80 ألف يوان (13400 دولار) بدلا من تعويض بـ15 ألف يوان (1900 دولار) كان المصنع قد عرضه على العائلة".

 

شباك مصنع فوكس فون لا تحمي العمال من الموت (الجزيرة)

وكانت مؤسسة تشاينا ليبر ووتش -المعنية بحقوق العمال الصينيين ومقرها نيويورك- قد كشفت في تقرير سابق لها أعدته بشكل سري أن المصنع المذكور يفرض على عماله ساعات عمل إضافية، بحيث تتجاوز فترة المناوبة 11 ساعة في اليوم على مدى ستة أيام في الأسبوع، مقابل أجر زهيد لا يتجاوز دولارا ونصفا للساعة الواحدة.

 

ورصد التقرير نحو 86 انتهاكًا لحقوق العمال يمارسها المصنع، مما اضطر إدارته تحت وطأة الضغوط الإعلامية إلى تخفيض عدد ساعات العمل إلى ما دون 60 ساعة في الأسبوع. ويؤكد التقرير أن تيان فوليى هو سادس حالة وفاة في هذا المصنع منذ عام 2013، وأن حالات كثيرة من الإغماء يتعرض لها العمال بشكل دائم نتيجة التعب والإرهاق.

 

وكانت شركة أبل قد طالبت المصانع المتعاقدة معها في الصين بضرورة الالتزام بالمعايير المهنية واحترام حقوق العمال، لكن مراقبين يرون أن الشركة لا تبذل جهودا كافية للمتابعة والتأكد من التزام المصانع بهذه الطلبات.

 

ويرى خبراء أن حالات الوفاة المفاجئة وحالات الانتحار وموجات الاحتجاج والإضرابات في هذه المصانع أصبحت ظواهر تتكرر باستمرار. ويعزون السبب في ذلك إلى تساهل شركة أبل والشركات الأخرى في مراقبة المصانع، وكذلك إلى السلطات المحلية في المدن التي تقع فيها المصانع، والتي عادة ما تغمض أعينها عن تلك التجاوزات، باعتبار أن تلك المصانع توفر فرص عمل لعشرات الآلاف من العاطلين عن العمل.

 

ولعل مصانع شركة فوكس كون المعروفة، والتي تزود شركة أبل وشركات أخرى بمعداتها الإلكترونية تعتبر أسوأ مثال على ذلك، حيث أصبحت مصانع الشركة التي تشغل نحو مليون عامل يتوزعون على 13 مصنعًا في مختلف المدن الصينية، أصبحت بؤرًا لانتحار العمال نتيجة ما يتعرضون له من ضغوط وانتهاكات صارخة لحقوقهم.

 

فقد سجل عام 2010 وحده نحو 13 حالة انتحار معظمها بالقفز من النوافذ أو من سطح بنايات المصانع. والأدهى من ذلك أن الإدارة قامت بنصب شباك في أسفل مباني المصنع للحيلولة دون ارتطام من يفكرون في الانتحار بالأرض، بدلًا من اللجوء إلى حل مشاكلهم وتحسين ظروف عملهم ومنحهم حقوقهم قبل أن يجف عرقهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/17-

العمال الآسيويون بالعراق.. لقمة العيش في فم الموت

العمال الآسيويون بالعراق.. لقمة العيش في فم الموت

 

علاء يوسف - بغداد

 

قرر العامل البنغالي محمد ترك مغادرة المطعم الذي يعمل فيه بالعاصمة دكا لعدم قدرته على توفير مستلزمات أسرته المكونة من سبعة أشخاص، والبحث عما يوصله إلى أحدى الدول العربية التي تبحث عن عمالة أجنبية. 

 

ولم يستطع محمد أن يجمع إلا ثلاثة آلاف دولار المطلوبة لتأمين وصوله إلى العراق، رغم المخاطر الأمنية فيه، لأن دولا مثل السعودية ودول الخليج الأخرى يكلفه الوصول ما بين أربعة آلاف وثمانية آلاف دولار. 

 

وصل محمد إلى العراق على مضض وخوف بسبب الأوضاع الأمنية المضطربة، لأنّ حاجته إلى تعليم أبنائه أجبرته على ذلك، وامتدت رحلته من بنغلاديش إلى النجف لأكثر من 16 ساعة، حيث توجه إلى العراق بحجة السياحة الدينية، واستقبله في المطار أحد الأشخاص الذين يعملون في جلب العمالة الآسيوية، ليوفر له فرصة عمل بأحد المطاعم بالعاصمة بغداد.

 

ويقول محمد في حديثه للجزيرة نت "جئت إلى العراق بحجة السياحة، ولا أملك إقامة رسمية، ولهذا يتم استغلالنا وحرماننا من حقوقنا، فأنا أعمل منذ سنتين أكثر من 12 ساعة يوميا، دون رحمة من صاحب العمل". مضيفا "لا أستطيع التجول في العاصمة بغداد ،لأن الشرطة سيلقون القبض علي ويرحلونني إلى بنغلاديش". 

 

عمال صينيون بانتظار المغادرة إلى المطار للعودة لبلادهم بعد العمل لأشهر في العراق (أسوشيتد برس)

ويشير إلى أن "العمل في العراق مزعج جدا، ولا يوجد شيء منظم، فمنذ شهرين لم أستلم راتبي الذي يبلغ 600 دولا"، لافتا إلى أنه "يفكر في ترك العمل هنا والبحث عن فرصة عمل في السعودية عن طريق أقاربه وأصدقائه الذين يقيمون هناك". 

 

ويبين أنه "سيضطر لدفع غرامة مالية تبلغ 200 دولار إلى الدولة العراقية بسبب عدم الإقامة بصورة شرعية وترك البلاد إلى أي دولة تحترم حقوق العمال الأجانب". ويضيف "هناك الكثير من أمثالي يعانون من الأوضاع الحالية، خصوصا أننا لا نستطيع التجول في بغداد لسبب آخر عدا الإقامة، هو التفجيرات وأعمال العنف". 

 

لكن عليًّا الذي يعمل في أحد الفنادق في كربلاء، يقول للجزيرة نت إنه "ملتزم بوقت عمل يومي مهما كانت الظروف، فأنا لا أسمح بالتجاوز على استراحتي".

 

ويضيف "أعمل برخصة رسمية من قبل الدولة العراقية، وفي حال التجاوز عليها مستعد لأن أترك العمل والبحث عن فرصة أخرى، لأني أستطيع التجول براحتي".

 

العمالة الآسيوية غير القانونية في العراق تعاني كثيرا في ظل الفوضى بالبلاد (الجزيرة)

 

صاحب شركة النبراس في بغداد حسام الربيعي يقول في حديثه للجزيرة نت إن "العمال الآسيويين أفضل بكثير من العراقيين، فهم يعملون بصمت وينفذون ما يطلب منهم"، ويضيف "أسماؤهم صعبة جدا ولا نستطيع لفظها، مما يضطرنا إلى تسميتهم بأسماء دارجة بيننا، ففي المناطق الشيعية يطلق عليهم أسماء حسن وعلي وحسين، بينما في المناطق السنية يطلق عليهم بكر وعمر وعثمان ومصعب وغيرها".

 

وتقول عضو لجنة العمل والشؤون الاجتماعية فردوس ياسين للجزيرة نت إن "قانون العمالة في العراق الذي هو بطور التشريع يضم 157 مادة ستنظم عمل العمال الأجانب"، مبينة أن "القانون سيحاسب جميع الذين ينتهكون عمل هؤلاء، بعدما حددت حقوقهم كاملة، ومنها تحديد الأجور وساعات العمل والتأمين الصحي".

 

وتضيف "أن الحفاظ على حقوق العمال الأجانب، يعتمد على نفسية صاحب العمل وأخلاقه وإنسانيته والتزامه بتعاليم الدين الإسلامي".

 

لكن المتحدث باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عمار منعم، كشف للجزيرة نت عن وجود 140 ألف عامل آسيوي دون رخصة عمل يقيمون حاليا في العراق.

 

العمالة الوافدة تعمل لساعات طويلة وتحرم من التنقل خشية الملاحقة والانفلات الأمني (الجزيرة)

 

ويقول منعم إن نسبة 10% من العمال في العراق مرخص لهم، وإن النسبة الباقية غير قانونية، مؤكدا أن وزارته تعمل على محاصرة الشركات الوهمية التي تجلب العمال. 

 

ويلفت إلى أن "بعض الشركات الوهمية تعمل بالاتجار بالبشر من خلال جلب العمال إلى العراق، وسنزيد من المفتشين من أجل إيقافها"، مبينًا أن بعض الشركات استغلت القانون رقم 8 لعام 2013 الذي يسمح بجلب العامل ثم إعطائه رخصة عمل بعد ذلك. 

 

ويعلن أن وزارته استطاعت كشف سبع شركات خلال شهر فبراير/شباط الماضي، ورفعت دعاوى قضائية بتهمة خداع العاملين في الخارج والداخل.

 

ويرى منعم أن وجود العمال الأجانب أثر بشكل كبير على العمال الوطنيين، على الرغم من أن القانون يلزم بأن تبلغ نسبة المواطنين 50% من العمال في جميع الأعمال داخل البلاد. ويبين أن بعض شركات السياحة تقوم بجلب العمال الأجانب على أنهم سائحون. 

 

العمالة الوافدة تعمل لساعات طويلة وتحرم من التنقل خشية الملاحقة والانفلات الأمني (الجزيرة)

 

بدوره يقول مدير المرصد العراقي لحقوق الإنسان مصطفى سعدون للجزيرة نت إن "دخول العمال الآسيويين إلى العراق بصورة غير شرعية ساهم في تفاقم الانتهاكات بحقهم، خاصة الذين يعملون في المؤسسات والشركات الأهلية، لأن عمل تلك الشركات يكون لساعات طويلة، ربما تكون فيها راحتهم أربع أو ست ساعات، مما يتسبب في تحميلهم أكثر من طاقتهم".

 

ويشير إلى أن أماكن نوم هؤلاء العمال لا ترقى إلى أبسط متطلبات الراحة، وهناك من يعاملهم معاملة سيئة، ويؤكد أنهم لو دخلوا بشكل رسمي وقانوني لما تعرضوا إلى الانتهاكات، التي تضر بمصلحتهم ومصلحة العراق.

 

وحاولت الجزيرة نت الاتصال بالشركات التي تجلب العمال الأجانب إلى العراق، المنتشرة على الإنترنت وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنهم رفضوا الحديث، وهم لا يمتلكون مكاتب في بغداد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/17-

فلاحو كمبوديا .. مواجهة سخرة الشركات الأجنبية

فلاحو كمبوديا ..  مواجهة سخرة الشركات الأجنبية

سامر علاوي - بنوم بنه

 

قد لا تتميز ساو بوم عن أبناء قريتها، لكنها حظيت بقسط بسيط من التعليم، مكنها من الوقوف ضد استيلاء شركة كبرى على مساحات شاسعة من أراضي قريتها عام 2010، وتحولت إلى ناشطةٌ في مجال الدفاع عن حقوق الفلاحين، وبطلة بنظر أبناء قريتها في محافظة كامبونغ سبوي وسط كمبوديا.

 

اختار أبناء القرية ساو بوم للتحدث باسمهم ورفع قضيتهم أمام الهيئات الحكومية والقضائية ومؤسسات حقوق الإنسان، وفي الوقت نفسه جرّت عليها جرأتها متاعب كثيرة حيث وضعت تحت المراقبة في منزلها الخشبي، وتعرضت للتهديد بالقتل والسجن من قبل متنفذين في الدولة، كما تقول، لإجبارها على التخلي عن مناصرة الفلاحين لاسترداد أراضيهم.

 

حوِّل أكثر من 1200 هكتار من أراضي تلك القرية التي تبعد 120 كلم تقريبا عن العاصمة بنوم بنه إلى مزرعة خاصة لشركة صينية كبرى لإنتاج محاصيل صناعية وحرمت الفلاحين من زراعتهم التقليدية مثل الأرز وجوز الهند وقصب السكر وغيرها.

 

ساو بوم باتت بمثابة الناطقة باسم أهالي قريتها في مواجهة الشركات الأجنبية التي تستغل أراضيهم (الجزيرة)

 

إنها واحدة من مئات القصص لاستيلاء شركات عابرة للقارات على أراضي فلاحين كمبوديين، وتخشى أكثر من 250 أسرة كمبودية، خسرت أراضيها في هذه القضية وحدها، أن يكون مصيرها العمل في أراضيها بأجر زهيد أقرب إلى السخرة، كما حدث في مناطق أخرى من كمبوديا، حيث قال أحد الفلاحين للجزيرة نت إن الأجر المعروض عليهم للعمل لا يتعدى 17 دولارا في الشهر.

 

تعرف ظاهرة الاستيلاء على الأراضي في كمبوديا بسياسة "وضع اليد"، في إشارة إلى قانون "الامتيازات الاقتصادية للأراضي" الذي تعتبره الحكومة أحد أعمدة التنمية الاقتصادية بما يوفره من فرص عمل للقرويين في زراعات مطلوبة عالميا مثل المطاط والسكر.

 

رغم تجميد القانون الذي يسمح باستثمار الأراضي دون موافقة أصحابها قبل ثلاث سنوات، تقدر منظمات حقوق الإنسان في كمبوديا مساحات الأراضي التي منحت لما لا يقل عن 272 شركة بنحو 2.14 مليون هكتار (مليونين ومائة وأربعون ألف هكتار) تصل إلى حوالي نصف الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد.

 

أراضي شاسعة سيطرت عليها الشركات الأجنبية في كمبوديا تحت قانون الاستثمار والتنمية (الجزيرة)

 

ولا يملك معظم الفلاحين من الوثائق ما يثبت ملكيتهم لأراض استولت عليها شركة صينية عام 2010 بمساعدة قوات من الجيش والشرطة، وذلك بعد صفقة عقدتها مع متنفذين في السلطة، لكن بهونغ كيا يقول إن الشاهد على حقه في الأرض زراعتها على مدى عقود بنخيل جوز الهند وأشجار الفاكهة ومحاصيل الأرز وإقامته فيها منذ ورثها عن والديه، إلى أن دمرت الشركة منزله فيها مع الأشجار لإخفاء حقه بالأرض وبذريعة تطوير الأرض وتنميتها، ثم لاحقته قوات الأمن واعتدت عليه، حسبما يقول للجزيرة نت في منزله داخل القرية وهددته بالاعتقال.

 

تقدم بهونغ كيا للمحكمة الابتدائية سعيا وراء استعادة أرضه، ثم رفعت القضية للمحكمة العليا في العاصمة بنوم بنه، وبعد شهور وجد نفسه غير قادر على متابعة القضية أو دفع رشى للقضاة والمحكمة، التي يقول إنها علقت القضية ولم تنصف الفلاحين.

 

تجمهر عشرات الفلاحين بينهم كيا وساو بوم أمام مقر الشركة، في 29 مارس/آذار الماضي، وبعد رفض وتردد خرج بعض من مسؤولي الشركة ليؤكدوا أن المحافظة هي الجهة الوحيدة التي يمكنهم الحديث من خلالها، وما لبث أن دار نقاش حاد دعت أثناءه الشركة الفلاحين إلى العمل معها في زراعة الأرض، لكنهم رفضوا وطالبوا باسترجاع حقوقهم أولا.

 

ميليان مسؤولة في شركة متهعمة باغتصاب أراض الفلاحين رفضت الإفصاح عن هوية الشركة والتحدث لغير المسؤولين الحكوميين (الجزيرة)

الجزيرة نت سعت لمعرفة موقف الشركة، لكن مسؤوليها رفضوا الإجابة على الأسئلة والإفصاح عن هويتها، لكن ليم ميليان التي قدمت نفسها على أنها مسؤولة في الشركة اكتفت بالقول إن لديها من الوثائق ما يثبت أن الأراضي اشتريت، وأن الشركة أنفقت ما يزيد عن أربعة ملايين دولار ثمنا للأرض وأعمال التطوير.

 

أما كيا وبوم ومن معهما من الفلاحين المغتصبة أراضيهم فلا خيار أمامهم سوى استمرار السعي لاسترداد الأراضي أو الحصول على تسوية عادلة تعيد لهم حقهم وتحفظ كرامتهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/17-

تشيكو ميندس... حارس الغابة

تشيكو ميندس... حارس الغابة
غدير أبو سنينة - نيكاراغوا 
 
 
 مرت القارة اللاتينية، وما زالت، بكثير من الظروف الصعبة، التي لم تنته منذ رست سفن كريستوفر كولومبوس على شواطئها وحتى يومنا هذا، لم يتوقف السلب والنهب فيها والأفظع من ذلك كله التخلص من حضارتها القديمة لصالح أخرى تعتمد على بناء رأس مال على حساب الإنسان والبيئة.

 

تشيكو ميندس، العامل في جمع المطاط في غابات الأمازون البرازيلية، ليس أول ولا آخر من قتله الجشع والظلم الذي يتعرض له جامعو المطاط في تلك المنطقة.

 

ورث ميندس تلك المهنة عن والده فرانسيسكو ميندس، الذي انتقل في عشرينيات القرن الماضي لولاية آكري في غابات الأمازون على الحدود مع بوليفيا والبيرو، للعمل في جمع المطاط، إذ دفعت الأوضاع الاقتصادية المتأزمة كثيرا من الأشخاص للذهاب غرب البلاد والعمل في الغابات الغنية بالمواد الأولية كاستخراج المطاط.

عامل جمع المطاط في غابات الأمازون بالبرازيل(أسوشيتد برس)

 

في تلك الغابات كان يعيش أكثر من 60 قبيلة من السكان الأصليين في وادي جورووا في آكري. وقد عانوا في بداية الأمر من اجتياح جامعي المطاط لأراضيهم، إذ كان الكثير منهم يتشابك مع السكان الأصليين معتمدين على قوى اقتصادية برازيلية وأجنبية. ومع مرور الوقت، تكيف العاملون الجدد مع حياة الغابة وتعلموا من عادات السكان الأصليين القديمة كيفية التعامل معها.

 

وحينما ولد ميندس عام 1944، كانت المنطقة تمر بأزمة خطيرة بسبب المنافسة مع جنوب شرق آسيا في إنتاج المطاط، وقد زاد انخفاض الطلب من تفاقمها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ ترك الأميركيون الموانئ والمطارات، واضطر جامعو المطاط لبيعه لتجار الشوارع غير ملتزمين بما فرضه عليهم مُلَّاك مزارع المطاط ببيعه لهم حصرا.

 

مات أكثر من نصف "جنود المطاط" بسبب الأحوال البائسة والنقص في الخدمات الطبية، وكانت الأمية والإهمال والعزلة والحرمان هي البيئة التي عاش بها ميندس، لكنّه كان محظوظا حين تعرف إلى اللاجئ السياسي إقليدس فرناندز تافورا، الذي كان يعيش في قريته، وعلمه القراءة والكتابة في عمر الـ24، والأهم من ذلك غرس فيه الوعي والرغبة في تغيير الوضع الذي يعاني منه جامعو المطاط.

 

كان برنامج "تنمية مناطق الأمازون" في البرازيل عام 1965 بمثابة الكابوس الذي جثا على صدر سكان تلك المناطق، إذ لم يكن سوى استعمار مشروع من قبل كبار ملاك الأراضي الذين سيطروا على ستة ملايين هكتار من أراضي آكري بشهادات تمليك غير قانونية، رغم أن هذه الأراضي هي للسكان الأصليين الذين سكنوها منذ عقود وورثوها عن أجدادهم.

 

تشيكو ميندس عام 1988 قبيل اغتياله بسبب مناهضته لعمليات قطع أشجار الغابات في البرازيل (أسوشيتد برس)

وبدعم من الحكومة، أشاعوا الرعب لتخويف المالكين الأصليين من القبائل الهندية وأكثر من ألف عائلة من جامعي المطاط ، كانوا يعيشون هناك، إذ أحرقت بيوتهم، وقتلت مواشيهم، واغتصبت نساؤهم ودمرت غاباتهم التي تمثل وطنهم الحقيقي ومصدر رزقهم.

 

ثم أنشأت الحكومة الطريق السريع عبر الأمازون وغيره من المشاريع التي أضرت بسكان الغابات وقلصت من أعدادهم بسبب التصحر الشديد وحرق الغابات الذي نتج عنه تلوث البيئة ومقتل كثير من ساكني الأمازون من جامعي المطاط والسكان الأصليين، إذ هاجمتهم الأمراض بسبب انتشار الحشرات الضارة والملاريا، وعلى سبيل المثال نقص عدد أفراد قبيلة نامبيكوارا من عشرين ألفا إلى 650 شخصا فقط، وبلغت نسبة وفيات الرضع 80%.

 

اختار الكثير ممن بقي مكرها أن يترك الغابة ويعيش عاطلا عن العمل في أحد الأحياء المكتظة والفقيرة التي تضيق بها البرازيل.

 

منزل تشيكو ميندس الذي قتل عام 1988 بسبب نضاله ضد قطع أشجار المطاط (غيتي )

 

وقف ميندس بالمرصاد لكل ما من شأنه أن يهدم الغابة التي كان يعدها الرئة التي يتنفس من خلالها، وأنشأ مع مجموعة من العاملين أول حركة نقابية عمالية لجامعي المطاط، ولم يكن الهدف فقط الحفاظ على عملهم بل حماية الغابة نفسها، واستطاعوا بالفعل لفت أنظار العالم لما يعانيه جامعو المطاط والغابات من تدمير وحرق ونهب.

 

كان ذلك كردة فعل لما حدث في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، إذ ارتفعت أسعار الذهب، ليبدأ سعار البحث عنه في غابات الأمازون، وفي العام 1983، كان هناك مائة ألف شخص يعملون في البحث عن الذهب ويعانون من أوضاع إنسانية بائسة، إضافة لتدمير الغابات وتسهيل مرور المخدرات والدعارة لمناطق الأمازون.

 

قطع أشجار غابات الأمازون بشكل غير قانوني أضر بالبيئة في البرازيل (رويترز)

 

تعاون ميندس مع بعض الناشطين في حماية البيئة واستطاع السفر للولايات المتحدة وشرح قضيته لمدراء البنك الدولي وأعضاء من مجلس الشيوخ الأميركي محققا تعاطفا دوليا منحه "الجائزة العالمية للأمم 500"، وجائزة "عالم أفضل".

 

وبعد تدخله في الجمعية التشريعية في آكري بدأت مواجهة تاريخية في مزارع المطاط ضد محاولات السطو على الأراضي واستعمارها، ونجح ميندس في عمل أول محمية في البرازيل. هذا النجاح جعل أصحاب الأراضي يتوعدونه حتى تمكنوا من قتله يوم 22 ديسمبر/كانون الأول 1988.

 

قبل أيام قليلة من مقتله قال "لا أريد زهورا على قبري، لأنني أعلم أنكم ستنزعونها من الغابة. فقط أريد أن يساهم موتي في وضع حد للفارين من العقاب، المحميين من قبل شرطة آكري، وقد قتلوا أكثر من خمسين شخصا مثلي، زعماء جمع المطاط على استعداد لحماية غابة الأمازون والتأكيد على أن التنمية ممكنة دون تدمير".
السابق

السابق

التالي

السابق

-9/17-

مصانع السيارات بديترويت تخلق مجتمعا يمنيا تقليديا

مصانع السيارات بديترويت تخلق مجتمعا يمنيا تقليديا

 

طارق عبد الواحد- ديترويت

 

 يتقاطر آلاف اليمنيين يوميا إلى مصانع شركات كرايسلر و"جي أم" وفورد العملاقة في منطقة
"ميترو ديترويت" بولاية ميشيغن، المعروفة بعاصمة صناعة السيارات في العالم، ويزاولون أعمالهم باستخدام أحدث الوسائل الصناعية والتكنولوجية. وعند نهاية وردياتهم يعودون إلى بيوتهم وعائلاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية التي تنظمها وتحكمها العادات والتقاليد والأعراف القبلية بصرامة شديدة.

 

هذه "المشاوير" اليومية تكاد تكون تمثيلا لهجرات اليمنيين الكبرى من اليمن القديم العريق بحضاراته وتراثه إلى الأرض الأميركية الجديدة، التي على الرغم من غناها وتنوعها الكبير لم تتمكن من صهر اليمنيين وإذابتهم في بوتقتها الهائلة (التي تعرف في الأدبيات الأميركية بالـ"ميلتنغ بوت") على خلاف الكثير من الجاليات الأخرى التي اندمجت في المجتمع الجديد.

 

فعلى الرغم من مرور أكثر من قرن من الزمن على وجود اليمنيين في الولايات المتحدة، لا تزال القبيلة مفهوما راسخا في أذهانهم ووجدانهم، يحتكمون إلى أعرافها وينتظمون بأسلاك تقاليدها، إلى الدرجة التي دفعت أحد نشطاء الجالية اليمنية إلى وصف القبيلة بأنها الـ"سوشيال سيكيورتي نمبر" (رقم الضمان الاجتماعي) وبأنها الـ"إنشورنس" (التأمين المالي) بالنسبة لمعظم اليمنيين الأميركيين، مع الإشارة إلى أن رقم الضمان الاجتماعي والتأمين المالي هما من أركان الحياة الأميركية التي لا غنى عنها.

 

ومن المفارقات، أن أقسام الشرطة في المدن الأميركية ذات الكثافة اليمنية لم تعد تأخذ -في كثير من الأحيان- شكاوى اليمنيين على محمل الجد، فقد أصبح عناصر الشرطة يعرفون أن المتخاصمين والمتظلمين سوف يعودون في نهاية الأمر إلى "مجالسهم" ويحتكمون إلى شيوخ قبائلهم لفض نزاعاتهم وتسوية مشاكلهم حسب العرف القبلي، مما يدفعهم في النهاية إلى إسقاط دعاويهم وشكاويهم في محاضر الشرطة.

 

وكانت موجات الهجرة الأولى قد بدأت من مدينة عدن في نهايات القرن التاسع عشر قاصدة مدينة نيويورك التي يلقبها الأميركيون بالـ"بيغ آبل" (التفاحة الكبيرة) على سبيل التحبب، وأنشؤوا فيها مجتمعا قريبا من المجتعمات العربية الأخرى القادمة من بلاد الشام ومتداخلا معها.

 

يمنيون مجتمعون بأعداد كبيرة في مجلس مضافة بحي ديكس بمدينة ديربورن (الجزيرة)

وفي عشرينيات القرن العشرين، كان عبقري صناعة السيارات هنري فورد قد أطلق برنامجا طموحا لاستقطاب العمال والمهنيين وإغرائهم للقدوم من كافة الولايات الأميركية إلى منطقة ديترويت المتاخمة للحدود الكندية.

 

وتضمن البرنامج حينها تحديد أجرة العامل اليومية بخمسة دولارات واعتبرت تلك الأجرة عام 1914 مبلغا مرتفعا مقارنة بأجرة العامل في أميركا التي كانت بمعدل دولارين ونصف تقريبا في اليوم، إضافة إلى تقليص ساعات العمل اليومية إلى ثماني ساعات مدة خمسة أيام فقط في الأسبوع.

 

حقق البرنامج أهدافه بسرعة كبيرة، وبدأت موجات من الهجرة الداخلية تتوافد من مختلف الولايات الأميركية إلى ولاية ميشيغن التي أصبحت منذ ذلك الحين مقصدا للمهاجرين العرب، وفي مقدمتهم اليمنيون، حتى أضحت مدينة ديربورن التي تقع فيها مصانع فورد للسيارات تعرف بـ"عاصمة العرب الأميركيين في الولايات المتحدة" وذلك بسبب كونها تضم مجتمعا عربيا واضح المعالم حيث اللغة العربية هي لغة التواصل الأولى وحيث عشرات وربما مئات الأشخاص يعيشون ويعملون ويحصلون أرزاقهم بدون أن يعرفوا سوى القليل من الكلمات الإنجليزية، الأمر الذي دفع إدارة المدينة إلى تعيين مترجمين في مختلف الدوائر الرسمية، فضلا عن أن بعض المعاملات الإدارية يمكن إنجازها باللغة العربية، كما هو الأمر في حال التقدم لإصدار شهادة قيادة السيارة، حيث يمكن التقدم للفحص باللغة العربية.

 

وحتى ثمانينيات القرن الماضي، تميز المهاجرون اليمنيون عن أشقائهم المهاجرين من البلدان العربية الأخرى بعدم اصطحابهم لعائلاتهم خوفا على أولادهم من إغراءات الحياة والثقافة الأميركية مفضلين الاكتفاء بالعمل وتحويل الأموال لإعالة أسرهم وذويهم. إذ طالما كانت النظم القانونية التي تحكم علاقة الأب بأبنائه والزوج بزوجته بما يعارض تقاليد الأسر العربية مصدر خوف وقلق لدى المهاجرين العرب، وخاصة اليمنيين.

 

المحلات العربية الكثيرة في ديربورن بولاية ميتشغن خلقت مجتمعا عربيا بامتياز (غيتي)

وفي بداية التسعينيات من القرن المنصرم أصبحت منطقة ديترويت قبلة المهاجرين من أبناء قبائل المنطقة الوسطى على جانبي الحدود بين اليمنين الجنوبي والشمالي بسبب الحرب التي انتهت بتوحيد شطري البلاد عام 1994، مستفيدين من وجود أقربائهم ومعارفهم وأبناء قراهم ومدنهم في منطقة ديترويت إضافة إلى توفر فرص العمل شبه الجاهزة في مصانع السيارات.

 

وتميزت هجرات هذه المرحلة بكونها موجة هجرات عائلية كثيفة أحدثت تغييرا جوهريا في بنية وطبيعة التجمعات اليمنية في ولاية ميشيغن نتيجة إرسال العائلات أبناءهم، ذكورا وإناثا، إلى المدارس ولاحقا إلى الجامعات، وأصبح التحصيل العلمي في مقدمة طموحات اليمنيين الشباب بعد أن كان أسلافهم يكتفون بالحصول على فرصة عمل والالتزام بها طوال عشرات السنين، كما هو الحال مع عمال مصانع السيارات الذين بقي الكثير منهم في مواقع أعمالهم مدة تزيد على ثلاثين أو أربعين عاما.

 

وبتخرج الشباب اليمنيين من المدارس والجامعات بدأت الجالية اليمنية التي يقدر أحد الناشطين اليمنيين عدد أفرادها بما يزيد على 100 ألف يمني تشهد تحولا ملحوظا من حيث نشاطاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية وبدأت تتكاثر لديها المؤسسات والأندية والمنظمات في مختلف المجالات، كما بدأ الكثير من اليمنيين يميلون -إلى جانب التحصيل العلمي- إلى تأسيس الأعمال الصغيرة والاستثمار فيها، على غرار الجاليات العربية الأخرى، ولاسيما الجالية اللبنانية التي تعتبر رائدة في هذا المجال.

 

وقد ساعدت الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة -منذ عام 2007 التي أجبرت كبريات شركات صناعة السيارات (فورد وكرايسلر وجي أم) على تسريح الآلاف من عمالها وتقنييها- الجالية اليمنية على تغيير أولوياتها وطموحات أبنائها نحو التعليم والاستثمار في مختلف الأعمال الصغيرة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/17-

هاشم: الحلم الأميركي سره بالعرق

هاشم: الحلم الأميركي سره بالعرق

 

طارق عبد الواحد - ديترويت

 

عندما وصل إلى العنوان المقصود لتوصيل طلبية البيتزا في تلك الليلة الحالكة الظلام، بمدينة ديترويت الأميركية المعروفة بخطورتها، أدرك اللبناني ابن السابعة عشرة من عمره عبد الله هاشم أن مخاوفه العميقة التي كانت تنتابه طوال الطريق كانت في محلها، فما أن طرق الباب حتى أطل "الزبون" مصوبا مسدسه إلى رأس الشاب المهاجر حديثا إلى الولايات المتحدة صارخا: ضع الأعراض وغادر في الحال، قبل أن أفجر دماغك.

 

في حديثه لـ "مجلة الجزيرة" حول قصة نجاحه في مجال التجارة والأعمال الصغيرة، اختار هاشم أن يبدأ روايته بهذه الحادثة التي غيّرت حياته وجعلته يعيد التفكير فيما يعرف بـ"الحلم الأميركي". يقول "هذه الحادثة لا تفارق خاطري.. كان يمكن أن أفقد حياتي من أجل بضعة دولارات، كما حصل -ولا يزال يحصل- لبعض العمال العرب وغيرهم في تلك المدينة، لكنني كنت محظوظا، أو لنقل إنها ألطاف الله".

 

ويضيف، منذ ذلك الوقت عرفت معنى آخر للحلم الأميركي وأدركت مبكرا أن لهذا "الحلم" أكلافه الثمينة والباهظة التي يجب دفعها على مدار الساعة، وأقلها ساعات العمل الطويلة والمجهدة وما يترتب عليها من أعباء على مستوى الحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية.

 

هاجر عبد الله مع عائلته من بلدة إيعات بمنطقة بعلبك اللبنانية إلى بلجيكا عام 1988 هربا من مناخات الحرب اللبنانية وذيولها المتعددة والضاغطة، وبعد عام وصلت العائلة إلى الولايات المتحدة لتقيم في مدينة ديربورن بمنطقة ديترويت الكبرى (ميترو ديترويت) بولاية ميشيغن.

 

وبدأ على الفور مع إخوته العمل لمساعدة والدهم في إعالة الأسرة وتدبير أمور معيشتها في الوضع الجديد. ويصف هاشم تلك المرحلة بأنها كانت "كفاحا يوميا من أجل لقمة العيش، لقد بدأت البحث عن عمل من دون أن أعرف سوى بضع كلمات من اللغة الإنجليزية مما سبب لي الكثير من المصاعب، والإحراجات في بعض الأحيان".

 

لم تكن أمور العائلة ميسرة دائما في البيئة الجديدة، يقول هاشم. ويضيف "لقد مرت علينا أيام وليس بحوزتنا ثمن الخبز".

 

هاشم يتحدث عن تجربته في الأعمال للجزيرة نت في أحد مكاتب شركته بمدينة ديربورن بولاية ميشيغن (الجزيرة)

 

تنقل هاشم عدة سنوات يصفها بـ"سنوات العذاب" بين أعمال عديدة، قبل أن يستقر أخيرا في مزاولة العمل في مجال الألبسة والأحذية المستعملة (البالة) مستفيدا من خبرة والده الذي كان يمتلك محلا صغيرا للبالة في بلدته اللبنانية.

 

ومع اكتسابه مزيدا من الخبرة الشخصية، قرر مع شريك له عام 2000 أن يؤسس شركة تختص بجمع الألبسة والأحذية المستعملة مستفيدا من عادات الأميركيين بعدم رمي ألبستهم وأحذيتهم وأغراضهم القابلة للاستعمال في حاويات القمامة، إذ يقومون بدلا عن ذلك بوضعها بأكياس نظيفة إلى جانب الحاويات، لكي يأخذها من هو بحاجة إليها.

 

وفي عام 2007 أسس شركته الخاصة باسم "ميدويست ريسايكل" وتقوم فكرتها على التعاون مع بعض المؤسسات الخيرية مثل "الصليب الأحمر" و"سالفيشن آرمي" (جيش الخلاص) لجمع الأغراض المستعملة، حيث تنشر الشركة عشرات الصناديق في أماكن مخصصة بمختلف المدن الأميركية، وتحمل تلك الصناديق شعارات المؤسسات الخيرية، مما يشجع الناس على التبرع بأغراضهم القديمة لتلك المنظمات بدل التخلص منها في أماكن أخرى، وتذهب نسبة معينة من الأرباح إلى المؤسسات الخيرية الشريكة التي تدعم برامج إغاثة ومعونات متعددة.

 

حققت شركة "ميدويست" نجاحا كبيرا بسرعة ملحوظة، وتضاعفت أعداد الصناديق الخاصة بجمع الألبسة والأحذية على تقاطعات الشوارع بمختلف مدن منطقة ديترويت الكبرى، مسفيدة من بعض مزايا الثقافة الأميركية مثل النزعة الاستهلاكية والميول التطوعية لدى الأميركيين، إضافة إلى اهتمامهم "بإعادة التدوير" التي تزداد انتشارا يوما بعد يوم.

 

وتقوم "ميدويست" بجمع تلك المواد وفرزها وإعادة تأهليها وتوضيبها وتعقيمها وتسويقها ثانية داخل الولايات المتحدة وخارجها في عدد من البلدان بأوروبا الشرقية وأفريقيا وأميركا الجنوبية والشرق الأوسط، مثل غانا وموزامبيق وليببيريا وتنزانيا وسيراليون وتشيلي ولبنان والعراق وغيرها.

 

هاشم خلال جولة على أحد مستودعات الشركة بمدينة ديربورن هايتس بولاية ميشيغن الاميركية (الجزيرة)

 

ويعمل هاشم على وضع اللمسات الأخيرة لافتتاح فروع لشركته في عدد من الولايات الأميركية، وقال في هذا الصدد "سنقوم بافتتاح أربعة فروع في أربع ولايات أميركية في القريب العاجل".

 

ولدى سؤاله عن سر النجاح، أجاب هاشم بقوله إن "الحلم الأميركي لا يأتي على طبق من ذهب. فلا يمكنني بأي حال أن أنكر فضل هذا البلد عليّ وحتى أكون واقعيا عليّ الاعتراف بأن وجودي في أميركا أفادني في تحقيق حلمي، بتأسيس شركة خاصة بي".

 

وأضاف "كون شركتي مسجلة في الولايات المتحدة يمنحها الكثير من الموثوقية عند مختلف الزبائن الذين نتعامل معهم، بالإضافة إلى الأنظمة القضائية والمالية التي تحمي حقوق البائع والمشتري، وكذلك توافر وسهولة وسائل الاتصال والتحويلات البنكية، هذه أمور مهمة لا تتوافر في جميع البلدان".

 

وقال "كوني حاملا للجنسية الأميركية مكنني من السفر بسهولة مطلقة لمقابلة الزبائن أو لدراسة أوضاع السوق في أي بلد أرى فيه فرصة لإيجاد زبائن جدد، وقد قمت بالسفر إلى كثير من البلدان التي يصعب عليّ السفر إليها بجواز السفر اللبناني".

 

وختم هاشم قوله بأن "هذه الأشياء مجتمعة قد لا تعني شيئا إذا لم يبذل المرء الكثير من الجهد،  لقد مرت عليّ أزمنة كنت أعمل فيها مدة عشرين ساعة يوميا، وحتى هذه الأيام أنا أعمل على مدى أيام الأسبوع كله، ولمدة 12 ساعة يوميا. للنجاح وصفة وحيدة يعرفها الجميع: المثابرة. والحلم الأميركي بدون عرق وجهد قد يصبح ورطة حقيقية، إذ إنه رغم غنى هذه البلاد وتقدمها، يكاد لا يخلو شارع من شوارعها من المتسولين والمشردين".

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/17-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

 

وفي التقارير المنوعة نتعرف من فلسطين على المدارس الإسلامية داخل حرم المسجد الأقصى ودورها في الصمود والثبات وإحياء الأقصى، وكذلك فسيفساء ضخمة في كنيسة بأريحا تحكي قصة الإسكندر المقدوني.

 

ومن أوروبا، نطلع على مخطوطات نفيسة ونادرة تحتفظ بها مكتبة برلين، وعلى زي تقليدي خاص بالمسلمين صممته أسكتلندا في سياق احترام خصوصية المسلمين بالمجتمع.

 

وفي قرغيزيا -التي لا تزال تعمل بعادة خطف الفتيات للزواج بهن- نتعرف على هذه العادة الغريبة وما يجري بها، ومن سوريا المكلومة يطلعنا تقرير على عمليات الاتحاد والانشقاق التي تتعرض لها فصائل المعارضة السورية ودور التمويل الغربي في ذلك، ومنها نطلع على ألبوم صور خاص بهذه الفصائل.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/17-

مدارس المسجد الأقصى.. علم ورباط وصمود

مدارس المسجد الأقصى.. علم ورباط وصمود

أسيل جندي - القدس المحتلة

 

 وُلد التعليم الشرعي في المسجد الأقصى المبارك عام 1958 على يد الشيخ محمد عادل الشريف، خطيب المسجد الأقصى آنذاك، ومرّ التعليم بمراحل متعددة شهدت تحديات كبيرة أبرزها مضايقات الاحتلال، وضيق المكان بالإضافة إلى الحاجة الماسّة إلى الترميم والتطوير.

 

وتقع داخل باحات المسجد الأقصى المبارك ثلاث مدارس، اثنتان منها تتبعان لدائرة الأوقاف الأردنية، والثالثة مدرسة خاصة للمرحلة الابتدائية.

 

يقول الطالب في مدرسة ثانوية الأقصى الشرعية للبنين عبد الرحمن شويكي إنه فضّل الالتحاق بهذه المدرسة بالتحديد لأنها تقع داخل المسجد الأقصى "فهو المكان الأول الذي أنتمي إليه"، بالإضافة لكونها تُعلّم العلوم الشرعية وتتسم بالانضباط والالتزام.

 

الطالبات في طريقهن لأداء صلاة الظهر في المسجد الأقصى (الجزيرة)

وإلى جانب عبد الرحمن يتلقى حاليا 164 طالبا تعليمهم بالمدرسة يتوزعون على ثماني غرف صفية، تبدأ من الصف السابع وتنتهي بالثاني عشر (التوجيهي).

 

وحسب مدير المدرسة مصطفى الشريف فإن شرطة الاحتلال المتمركزة على بوابات المسجد الأقصى تقوم أحيانا بحجز هويات الطلبة الشخصية وتقوم يوميا بتفتيش حقائبهم المدرسية، مما يؤثر نفسيا على صغار السن منهم، مضيفا أن الاحتلال يفاجئ الطلبة والموظفين بإجراءات غير متوقعة، سواء بالمنع أو بتأخير الدخول إلى المسجد وبالتالي إلى المدرسة، وأحيانا بإغلاق الأقصى أمامهم.

 

وتشعر الطالبة براءة النتشة بأن تلقيها العلم في مدرسة ثانوية الأقصى الشرعية للبنات يعد سلاحا قويا تشهره في وجه المحتل في سبيل تحرير الأقصى، "فنحن نحيي المسجد من خلال أداء صلاة الظهر يوميا، ونشعر بمسؤولية تجاهه، لا يشعر بها أي طالب يتلقى تعليمه خارج الأقصى، فبوجودنا ندعمه ونحييه".

 

الطبة يلعبون في ساحة المدرسة وفي الخلفية قبة الصخرة (الجزيرة)

 

من جانبها أوضحت مديرة المدرسة عهاد صبري أن عدد الطالبات لا يتجاوز 130 طالبة سنويا نظرا لضيق الغرف الصفية، "الاحتلال يمنع أي عمليات توسعة أو ترميم كما لا يسمح لنا بتغطية الساحة الخارجية لحماية الطالبات من برد الشتاء وحرارة الطقس صيفا، مدعيا أن ذلك يعيق عمل  كاميرات المراقبة التي ينصبها الاحتلال أعلى المدرسة".

 

وأضافت عهاد للجزيرة نت أن المعيق الأساسي في المسيرة التعليمية داخل الأقصى هو الاحتلال الذي يمنع دخول الطالبات أحيانا إلى المسجد وبالتالي يحرمهن من حقهن في التعليم، كما لا يسمح للمعلمات بالدخول إلا في حال إبرازهن لبطاقة تثبت عملهن في الأوقاف الأردنية.

 

وشددت مديرة المدرسة على أهمية وجود الطالبات في المدارس الواقعة داخل ساحات المسجد الأقصى باعتباره رباطا قائلة "عندما يمنع الاحتلال المرابطات والمصليات من دخول الأقصى تخلو قبة الصخرة تماما، ولا يؤدي صلاة الظهر بداخلها سوى الطالبات والمعلمات وهذا دور مهم لا يمكن لأحد أن يغفله".

 

مدارس الأقصى محاضن علم وتربية ومقاومة للاحتلال الإسرائيلي (الجزيرة)

 

وحول التحديات التي تواجه المسيرة التعليمية داخل الأقصى قال مدير التعليم الشرعي في المسجد الأقصى المبارك ناجح بكيرات إن العديد من الطلبة تعرضوا للضرب المبرح على أيدي قوات الاحتلال أثناء توجههم إلى المدرسة أو عودتهم منها، كما تعرض آخرون للاعتقال مما أدى لتقليص عدد الطلبة بالمدارس.

 

وأكد بكيرات أهمية وجود هذه المدارس داخل الأقصى في تعزيز الوجود البشري داخل المسجد، وبثّ روح الصمود والتربية والانتماء للهوية العربية والإسلامية، مشددا على ضرورة استمرار عمل هذه المدارس باعتبار الأقصى معقل علم تاريخيا، ضمّ أكثر من 350 حلقة تعليمية وأكثر من 20 مدرسة على مدار السنين، "فلا بدّ أن تصمد هذه المدارس رغم التحديات لتمارس دورها الحضاري والإنساني والقيادي لأنها تعبر عن هوية القدس العربية والإسلامية".

 

التعليم في مدارس المسجد الأقصى علم ورباط (الجزيرة)

 

وبدأ  التعليم الشرعي بالأقصى باسم المعهد الشرعي وتطور لاحقا إلى ثانوية الأقصى الشرعية للبنين ثم ثانوية الأقصى الشرعية للبنات، وفي كلتا المدرستين يتلقى الطلبة تعليمهم في مبان داخل المسجد الأقصى، ويستخدمون ساحات ومصليات المسجد لنشاطاتهم المتعددة.

 

وتشرف على التعليم بهذه المدارس وزارة الأوقاف الأردنية من خلال دائرة الأوقاف الإسلامية بالقدس المحتلة، وتتبع لها ماليا وإداريا، ويحمل الطلبة والمعلمون في هذه المدارس بطاقة من وزارة الأوقاف تخوّلهم الدخول إلى المسجد في أوقات الإغلاق، أما في الحالات التي يسود فيها التوتر داخل المسجد فتصدر شرطة الاحتلال قرارا بمنع الجميع من دخول الأقصى، مما يؤدي إلى تعطيل الدراسة بالمدارس بسبب منع الطلبة والعاملين فيها من الدخول.

 

مدرسة ثانوية الأقصى الشرعية للبنين (الجزيرة)

 

يذكر أن المدارس الشرعية داخل المسجد الأقصى تقوم بتدريس العلوم الشرعية إلى جانب المنهاج الفلسطيني، ويتقدم طلبة الثانوية العامة فيها لامتحانين وزاريين هما الامتحان الفلسطيني، والامتحان الشرعي الذي تشرف عليه الأوقاف الأردنية.

 

 يذكر أنه كان يفد للدراسة في هذه المدارس قديما طلاب من مختلف مدن وقرى فلسطين والأردن وكان يوفّر لهم مكان للسكن داخل الأقصى، وأخذت إدارة الأوقاف الأردنية -منذ تأسيس هذه المدارس حتى اليوم- على عاتقها مسؤولية تأمين المعلمين ودفع أجورهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/17-

الإسكندر المقدوني.. فسيفساء في مدينة القمر

الإسكندر المقدوني.. فسيفساء في مدينة القمر

عاطف دغلس - أريحا

 

 بشكلها نصف الدائري وزخارفها الجميلة، بدت "جدارية الإسكندر المقدوني" في دير حجلة علامة فارقة ومميزة في معالم مدينة القمر (أريحا) الأثرية، وأضفت على مواقعها الثمانين السياحية جمالا آخر قل نظيره بالعالم.


وبين الضفتين الغربية والشرقية تتربع اللوحة الفسيفسائية الأضخم بالعالم بالشكل الذي هي عليه مستمدة جمالها من اللوحة الأم المشيدة فوق أرضية كنيسة القديس جورج منذ القرن السادس الميلادي بمدينة مأدبا الأردنية، مما يعكس تقاربا فنيا وروحيا تعدت مراحله حدود الجغرافيا.

 

وقطعة تلو أخرى تجمعت اللوحة الفسيفسائية بأيدي فنانين وخبراء عالميين وفلسطينيين، بعد عقد من العمل المتواصل لتنتهي قبل أشهر قليلة وفق ما خُطط له وعمل عليه طيلة تلك الفترة، وبدا إحصاء الإبداع فيها صعبا بصعوبة عدّ حجارتها المقدرة بالملايين.

 

اللوحة كانت نسخة طبق الأصل عن اللوحة الأم في أرضية كنيسة القديس جورج بمدينة مأدبا الأردنية (الجزيرة)

ونسخة طبق الأصل خرجت الجدارية إلى الواقع حيث اللوحة الأم في الكنيسة المذكورة بمدينة مأدبا، حسبما يقول خبير الآثار والفسيفساء الفلسطيني محمد منصور، وميزها أكثر مساحتها الضخمة التي تقدر بـ90 مترا مربعا ورصّع أكثر من مليون حجر فسيفسائي فيها.

 

ولهذه الحجارة حكاية أخرى، يضيف منصور المتابع لإنشائها منذ البداية، إذ كان جُلها فلسطينيا من بقاع أرضها شمالا وجنوبا، كما أضيفت حجارة "مستوردة" من الخارج وبمبالغ مالية ضخمة وأضافت شيئا من الجمال، "فقد ناهز سعر الكيلوغرام الواحد منها المائة دولار أميركي".

 

وتجسّد اللوحة خارطة مملكة وإمبراطورية الحاكم المقدوني، وهي من أقدم الخرائط التي أشارت لوجود فلسطين، عبر تجسيدها لمدينة القدس بكل معالمها والأسوار التي تلفها ولمدن فلسطينية أخرى كالناصرة والجليل، ومدن وخلجان عربية كخليج العقبة ومدينة سيناء، وخُطت أسماء هذه الأماكن باليونانية ونقوشات لافتة للتعريف بها.

 

واللوحة هي جزء من مشروع مدرج الإسكندر المقدوني الذي تنوي إدارة دير حجلة تشييده في مساحة واسعة على جزء من أرضه التي تُقدر بآلاف الدونمات، إلا أن سلطات الاحتلال عرقلت إكمال المشروع بحجة عدم الترخيص والبناء بمناطق تصنفها إسرائيل بأنها "سي" أي خاضعة لسيطرتها.

 

في معمل الفسيفساء في دير حجلة تم إعداد لوحة الاسكندر المقدوني (الجزيرة)

ويقول القائمون على المشروع إن نحو 15 فنيا فلسطينيا وعربيا وأجنبيا عملوا بالجدارية، إضافة لعشرات العاملين بإشراف خبير يوناني له باع طويل في هذا العمل.

 

ودأبت كنيسة دير حجلة على إنتاج لوحات فسيفسائية عديدة منذ سنوات طويلة، حيث تُعد لذلك معامل خاصة في فناء الدير، ويشرف على إنتاج أعمالهم تلك خبراء ومتخصصون، وهو ما أسهم بإنجاح لوحة الإسكندر المقدوني التي عندهم.

 

ويقول أحمد ميمي -أحد العاملين باللوحة- إنهم يبدعون فنا وليس لوحات فسيفسائية فقط، وإن ما شجعهم على هذا الإبداع هو الحرفية العالية التي يتمتع بها بعض الفنيين المحليين والأجانب الذين جاؤوا لعمل هذه اللوحة خصيصا. ويضيف "تعلمت في فترة وجيزة تركيب الحجارة ولصقها بطرق فنية، ثم التحقت بالمعمل لإنتاج لوحات أخرى".

 

ويبدأ إعداد لوحة الفسيفساء بإحضار قطعة قماش بيضاء، وقد رسم عليها الشكل المطلوب، ثم ترصع الحجارة الملونة من الجهة العليا (المقلوبة) للوحة بلصقها بمادة الغراء وفق الشكل المطلوب ثم يسكب الإسمنت الأبيض لتدعيم الحجارة وتثبيتها، وبعد جفافها تُقلب ليرى الإبداع والجمال فيها.

 

الحجارة توضع بعناية في المكان المخصص لها بالرسم ويتم لصقها بالغراء ومن ثم تثبت بالإسمنت الأبيض (الجزيرة)

 

ولذلك كان على القائمين على لوحة الإسكندر العظيم من مثل الفنان الشاب محمود إبراهيم أن يجني ثمار تجلياته الفنية على اللوحة بعد أن واكب نشأتها منذ لحظاتها الأولى.

 

وأكثر من تجميل المكان كان للوحة أهداف أخرى يردف إبراهيم بالقول للجزيرة نت، أهمها زيادة الإقبال السياحي عليها، والعزم على ترشيحها للدخول في كتاب "غينيس" للأرقام القياسية باعتبارها أكبر لوحة فسيفسائية معلقة.

 

وللوحة قدسية تعادل ذاك الجمال أو تفوقه، قدسية الأماكن التي احتوتها في بلاد الشام ونهر النيل وبمدن القدس وبيت لحم، "والأجمل من ذلك فلسطينيتها صنعا وفنا"، يُضيف إبراهي

 

ويعود تاريخ دير حجلة حيث تقام اللوحة لميلاد السيد المسيح وارتباطه بالمكان وبعده بكيلومترين فقط عن نهر الأردن (منطقة التعميد)، وتقول الروايات إنه سمي كذلك نسبة لمريم العذراء بعد أن هربت من القدس وهي تحمل طفلها وتفر به خشية إعدام الرومان له حتى وصلت لمكان الدير وهي تمشي "حجلا".

 

دير حجلة يحوي ديرين قديمين أحدهما يعرف باسم مالون والآخر دير جريسموس (الجزيرة)

وكان الدير يُقسم لقسمين، أحدهما يسمى دير مالون والآخر جريسموس الذي اشتهر أكثر لكونه بني أولا، ونسب لذاك القديس اليوناني الذي سخر نفسه لخدمة الناس ولم يربط نفسه بشيء دنيوي.

 

وأضفت اللوحة على المكان روعة أكبر، وباتت تنافس دير حجلة الذي يتربع على عرش الجمال بمدينة أريحا ضمن مواقع تراثية وأثرية تُعرف "بالأديرة الصخراوية" المنحوتة والموجودة بمناطق صخرية كدير قرنطل.

 

وللفسيفساء دور آخر يفوق حدود عمله وصناعته، يقول إياد حمدان مدير وزارة السياحة في أريحا، فهو ذو دور وظيفي في عمل أرضيات القصور والكنائس وحتى المساجد التي وجدت بها، كما أن "الفسيفساء تعكس رخاء اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا للمكان الذي توجد به".

 

وهنا تكمن خيوط الرواية، يتابع حمدان في تعليقه للجزيرة نت، ويقول: إن مثل هذه الأعمال ستسهم بشكل لافت باستقدام سياح عرب وأجانب وحتى محليين للدير، كما ستضفي جمالا عليه وعلى المنطقة برمتها المعروفة تاريخيا "بمنطقة البرية" المسجلة على اللائحة التمهيدية الفلسطينية للتراث العالمي.

 

والأهم من ذلك كله أن اللوحة وبإطلالتها على الأردن تؤكد ذاك التقارب بين الشعب الواحد أصلا وتعيد التاريخ لجذوره.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/17-

كنوز المخطوطات الإسلامية في مكتبة برلين

كنوز المخطوطات الإسلامية في مكتبة برلين

 

 خالد شمت - برلين

 

كشفت مكتبة برلين عن وجود مخطوطة قرآنية ومصحف شريف ضمن مقتنياتها يعود تاريخهما إلى الفترة الأخيرة من حياة النبي محمد -صلي الله عليه وسلم- أو بعدها بقليل، وهو ما أعاد تسليط الأضواء على المخطوطات والنفائس الإسلامية التي تقتنيها هذه المكتبة وارتبطت بها منذ أول يوم لتأسيسها عام 1661.

 

وتعد مكتبة الدولة من أكبر المكتبات البحثية بأوروبا والكبرى من نوعها في ألمانيا، والثالثة بأوروبا بعد نظيرتيها البريطانية بلندن والفرنسية بباريس، وتبلغ محتوياتها الحالية الآخذة بالتزايد سنويا نحو 25 مليون كتاب وصحيفة ومجلة وخريطة وأطلس ونوتة موسيقية ومخطوطة ووثيقة تاريخية وميكروفيلم من مختلف العصور.

 

ويزيد عدد الزائرين سنويا لمكتبة برلين عن مليون ونصف مليون زائر، فيما تصل أعداد مستخدمي مقتناياتها المطبوعة والرقمية إلى أكثر من 50 مليون شخص كل عام، ويتيح قسم المقتنيات الشرقية بالمكتبة البرلينية لروادها الترحال بين حضارات آسيا وأفريقيا وأوروبا في عصورها المختلفة، من خلال أكثر من 600 ألف كتاب ومطبوعة و43 ألف مجلد و40 ألف مخطوطة بنسخها الأصلية المكتوبة بـ140 لغة و70 نوعا من الخط.

 

كريستوف راوخ يعرض مخطوطة قرآنية تعود لأخر فترة بحياة النبي محمد أو بعدها بقليل  (الجزيرة)

 

ويناهز عدد المخطوطات الإسلامية بالقسم الشرقي بمكتبة الدولة في برلين 17 ألف مخطوطة منها 11.100 بالعربية والبقية باللغات التركية والعثمانية القديمة والفارسية والسنسكريتية والأوردية والهاوسا، وتضم المكتبة 200 نسخة أصلية كاملة، ولا مثيل لها بأي مكان في العالم لمصاحف شريفة من عصور مختلفة بدءا من صدر الإسلام وانتهاء بدولة الخلافة العثمانية.

 

وقال رئيس قسم المقتنيات الشرقية كريستوف راوخ  للجزيرة نت إن كنز الكنوز بين المقتنيات الإسلامية بالمكتبة هو مخطوطة لآيات من سورتي النساء والمائدة كتبت على سبعة رقاق من جلود الحيوانات ومصحف يضم 85% من سور القرآن الكريم، يعود تاريخ المخطوطة للفترة بين 606 و652م (القرن الأول الهجري)، بينما يرجع عمر المصحف إلى 670 - 770م (القرن الثاني الهجري).

 

وأوضح راوخ أن المخطوطة والمصحف اللذين أكدت تحليلات المركز التقني السويسري أنهما أقدم المخطوطات القرآنية بالعالم هما من مجموعة المستشرقين بيرنهاردت موريس الذي عاش بالقاهرة بين 1896 و1911 حيث عمل مديرا لدار الكتب والوثائق الخديوية، ويوهانن فيتسشتاين الذي عمل قنصلا لألمانيا البروسية بدمشق بين العامين 1846 و1861م.

 

نحو خمسة وعشرون مليون مخطوطة ومطبوعة ومؤلف وميكروفيلم هو إجمالي مقتنيات مكتبة برلين (الجزيرة)

وأشار رئيس قسم المقتنيات الشرقية بمكتبة برلين إلى أن مجموعتي المستشرقين اللذين اشترتهما المكتبة من ورثتهما مثلا أبرز المقتنيات الإسلامية بالمكتبة، ونوه إلى أن مقتنيات مجموعة فيتسشتاين تضم 2100 مجلد منها مخطوطة قرآنية لثلاث سور قرآنية تعود للعام 750م و46 مخطوطة قرآنية أخرى ترجع للفترة بين القرنين الثامن والحادي عشر الميلاديين.

 

وإضافة للمخطوطات القرآنية يحتوي قسم المقتنيات الشرقية بمكتبة برلين على آلاف المراجع والكتب الأصلية النادرة في علوم القرآن الكريم والفقه والشريعة وعلم الحديث النبوي والتاريخ الإسلامي وقواعد اللغة العربية وتطور الخطوط العربية، و15 مجلدا جاءت لأوروبا من بغداد بعد تدمير التتار لها، وآلاف اللوحات الفارسية المصورة المعروفة بـ"المينياتور" ونسخة أصلية تعود للقرن السادس عشر لكتاب الشهنامة للشاعر الفارسي الفردوسي.

 

11100 مخطوطة عربية أصلية تضمها مكتبة الدولة ببرلين (الجزيرة)

كما يضم القسم مليون كتاب وعددا ضخما من مؤلفات المستشرقين والرحالة الألمان حول الشرق من إندونيسيا مرورا بالهند وتركيا وصولا للمغرب، ولفت رئيس القسم كريستوف راوخ إلى أن مقتنيات مكتبة برلين تشمل كتبا نادرة بنسخ أصلية للقصائد الشعرية العربية و600 مجلد للقصص الشعبية المحكية كسيرة بني هلال والأميرة ذات الهمة والظاهر بيبرس وألف ليلة وليلة.

 

وجاء قسم كبير من المقتنيات للمكتبة في منتصف القرن التاسع عشر الذي مثل العصر الذهبي لازدهار الاستشراق بسبب اهتمام أوروبا الاستعماري بالشرق، وحصلت مكتبة برلين على قسم آخر من النفائس الشرقية بشرائها بأسعار باهظة من رحالة أتوا بها من دول عربية كاليمن وسوريا ومصر، وجاء جزء ثالث من هذه المقتنيات هبات من مستشرقين وأثرياء.

 

وأشار  كريستوف راوخ إلى أن المكتبة تشتري 2000 كتاب ومطبوعة سنويا منها نحو 1000 باللغة العربية، ويوجد بمكتبة الدولة في برلين قسم خاص لترميم وإصلاح المخطوطات والمجلدات يعمل به متخصصون باللغة العربية والدراسات الإسلامية.

 

مكتبة الدولة ببرلين تأسست عام 1661 وتعد ثالث أكبر مكتبة بأوروبا (الجزيرة)

وينظم قسم المقتنيات الشرقية بالمكتبة مؤتمرات ومعارض دورية متخصصة، كان آخرها حول تطور الطباعة والمطابع بالعالم العربي، وعن الدراسات القرآنية.

 

ونوه راوخ إلى أن سياسة الترقيم التي بدأتها المكتبة بالتعاون مع جامعة لايبزيغ أنجزت حتي الآن ترقيم 2500 مخطوطة عربية وضعتها على موقعها على الإنترنت بهدف إتاحتها دون مقابل للمهتمين والمتخصصين بلغة الضاد في كل مكان.

 

وتمثل مكتبة الدولة ببرلين أهم مركز بحثي مساعد لأقسام الدراسات الإسلامية واللغة العربية بالجامعات الألمانية. ولفت رئيس قسم المقتنيات الشرقية إلى أن المكتبة التي يقصدها سنويا عشرات الباحثين والعلماء مفتوحة للتعاون العلمي والفكري مع الدول العربية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/17-

الخطف في قرغيزيا.. زواج يبدأ بالانتحار

الخطف في قرغيزيا.. زواج يبدأ بالانتحار

 

نسيبة محمود - بشكيك

 

لا يزال المجتمع القرغيزي يمارس عادة خطف الفتيات للزواج بهن، حيث يخطف الشاب عروسه بعد الاتفاق معها ومن ثم يخبر أهله بذلك، فيحضر أهل العريس كل ما يلزم حفل الزفاف ويدعون الناس، ثم يذهب العريس على حصانه ويخطف الفتاة ويأتي بها إلى بيته، وتتجمع حولها خالات العريس ويوضع على رأسها الوشاح الأبيض، وهذا يعني أن مراسيم الزواج قد بدأت.

 

بعد أيام يذهب العريس مع أهله إلى بيت العروس لتعويضهم عنها بالنقود، ويصل أعلى مبلغ  إلى ألف دولار، وفي بعض الأحيان ينقضي الأمر بتقديم بقرة أو حصان.

 

لكن المشهد تغير اليوم في قرغيزيا، فبعض العوائل ترى في الأمر خطورة، ولهذا بدأ يظهر سلوك آخر بين الناس، حيث يقوم الشاب بخطبة الفتاة من أهلها وبعد موافقة أهلها، يجمع أصدقاءه في مكان عام ليرقصوا ويغنوا ثم يخطف عروسه قبل يوم الزفاف. ورغم ذلك فأغلبية الشعب القرغيزي أصبحت لا تحترم هذه العادة خصوصا في القرى والأرياف، فخطف الفتيات للزواج أصبح جريمة، إذا ما قام الشاب بخطف أي فتاة تعجبه دون موافقتها وفي بعض الأحيان رغما عنها.

 

صور خطف نشرت في مواقع قرغيزية على الإنترنت

ومن الفتيات اللاتي تعرضن لذلك أريس التي تبلغ من العمر 17 عاما وما زالت تدرس في الصف الحادي عشر الثانوي، اختطفت أريس من قبل شاب تقدم لخطبتها ورفضته بسبب حالته المادية الضعيفة، ولأنها لم تنهِ دراستها بعد، فقام الشاب بخطفها وبعد أيام ذهب أهله إلى عائلة أريس لتعويضهم عنها، وبعد معاناة كبيرة وافق الأهل، ولكن لم يتم الأمر على خير، فأريس أنهت حياتها بالانتحار في صباح اليوم التالي.

 

أريس هي واحدة من كثيرات أنهين حياتهن بالانتحار بسبب هذا التقليد، وهو ما أوصل هذه القضية إلى القضاء، فكانت قصة أريس أولى القضايا من نوعها التي رفعت ضد الخاطف، وقد غرمته المحكمة عشرة آلاف سوم (ما يقارب مائتي دولار أميركي) وحكمت بسجنه لمدة ست سنوات مع الأشغال الشاقة، وقد قال القاضي الذي حكم على خاطفها، إنه "رغم  أني أديت عملي لكنني غير متأكد من أن هذا القرار قد يخيف الشباب!".

 

وقد أظهرت الإحصائيات أن نحو ثلاثين فتاة تختطف في اليوم الواحد، ومن بين كل عشر فتيات تقبل فتاتان فقط بالأمر الواقع وتعيش مع زوجها، كما أظهرت دراسات أن 24 ألف فتاة خطفت خلال السنوات الثلاث الماضية.

 

صور خطف نشرت في مواقع قرغيزية على الإنترنت

وفي جواب على سؤال للجزيرة نت عن خطف الفتيات رغم عدم رضاهن، تحدث بعضهم عن عدم امتلاكهم مهر الفتاة، أو أنه تم رفضه من قبل أهلها أو من قبلها، ومن الشباب الذين قاموا بخطف فتاة نوربيك الذي يبلغ من العمر 23 عاما في السنة الرابع بكلية اللغات، ويقول "تقدمت لخطبة فتاة فرفضتني بسبب فقري، فقررت خطفها في اليوم التالي، ولكنها هربت بعد يومين. أردت أن أثبت لها أن الرجل لا يرفض له طلب".

 

أما الفتيات فقد كانت أغلب إجاباتهن هي أنهن يردن أن يكملن دراستهن الجامعية، ويعملن في تخصصهن، ولا يردن الزواج من شباب عاطل عن العمل، ولأن أغلب الشباب لا يحترمون المرأة بشكل عام.

 

وتنص المادة 155 في القانون القرغيزي على أن من يتزوج فتاة رغما عنها يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين ثلاث وسبع سنوات مع الأشغال الشاقة، ورغم أن القانون القرغيزي يقف إلى جانب المرأة، وقد تكون ذات منصب في عملها ولها اسم مرموق في المجتمع، فإن المجتمع لا يزال ينظر لها نظرة سلبية.

 

عرائس في زفاف جماعي في العاصمة القرغيزية بيشكك (غيتي)

يذكر أن هذا التقليد تفشى في الدول المجاورة لقرغيزستان، مثل أوزبكستان وطاجيكستان وكزاخستان، ففي كزاخستان مثلا يعتبر خطف الفتيات رغما عنهن فضيحة لا يجوز ارتكابها إلا بعد موافقة أهل العريس والعروس، لكن في السنوات الأخيرة لا يهتم الشباب لهذا الأمر فيخطف الشاب الفتاة وإذا لم تعجبه يعيدها إلى أهلها أو يطردها من بيته.

 

فتاة تبلغ من العمر عشرين عاما وكانت تعيش في قرية "شو"، قام شاب باختطافها وهي في الطريق مع صديقتها، ولم تكن تعرف الشاب، وبعد اختطافها في اليوم التالي هربت من الفضيحة والعار لعائلتها إلى مدينة بشكيك في قرغيزيا.

 

وتقول الفتاة إن أكثر الفتيات في قرى كزاخستان يهربن بعد اختطافهن إذا كان الشاب قد طردها، أو تهرب من الخوف من أهلها، ولا تستطيع الفتاة الذهاب للشرطة وتقديم شكوى على الخاطف لأنه في أغلب الأحيان لا تعرف الفتاة الخاطف، والأهم من ذلك أنها لا تريد تقديم المعلومات الخاصة بها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/17-

أسكتلندا تصمم زيا تقليديا للمسلمين

أسكتلندا تصمم زيا تقليديا للمسلمين

 

هاني بشر-أدنبره

 

تشتهر أسكتلندا بالحفاظ على تراثها وفنونها التقليدية، والآن أدخل الأسكتلنديون نقشة جديدة  ضمن الزي التقليدي الأسكتلندي تمثل المسلمين، تحت اسم "التارتان الإسلامي"، وذلك كتعبير عن دور المسلمين الحضاري والاجتماعي والثقافي في البلاد والعلاقة بينهما وبين والإسلام.

 

وقد عكف عدد من المتخصصين في نسيج التارتان التقليدي وعلماء مسلمون على هذا المشروع الذي انتهى إلى تصميم جديد يرمز فيه اللون الأخضر إلى الإسلام، واللون الأزرق لعلم أسكتلندا وخمسة خطوط متوازية ترمز لأركان الإسلام الخمسة، وستة أخرى متوازية لتمثل أركان الإيمان. بينما تمثل المكعبات السود رمزية الكعبة. وقد بدأت الشركات في تصنيع قبعات وربطات عنق وأغطية رأس للنساء من هذا القماش الجديد.

 

ويتكون هذا التصميم التقليدي بشكل عام من لونين إلى ستة ألوان في التصميم الواحد كحد أقصى، وهو مصنوع من قماش يكون غالبا من صوف الأغنام، ومصمم على شكل مربعات متقاطعة، ويسمى "التارتان" باللغة المحلية.

 

غطاء رأس نسائي من قماش التارتان الاسكتلندي (الجزيرة) 

وتشتهر أسكتلندا بأنها الموطن الرئيسي لهذا التصميم الذي يدخل في صناعة العديد من الملابس حول العالم. وتحظى هذه الأقمشة بإقبال كبير خاصة في فصل الشتاء بسبب جودة الصوف الذي يدخل في صناعتها، كما تشتهر البلاد بصناعته وتصديره للعالم.  

 

ويدخل التارتان في صناعة الإزار القصير الأسكتلندي الذي يشكل علامة مميزة للزي التقليدي للرجال والنساء والأطفال. ويتم ارتداء هذا الإزار في المناسبات، كحفلات التخرج والزفاف والحفلات الخاصة. ويمكن تمييز الشخص من أي جامعة أو كنيسة أو عائلة أو ناد رياضي، من خلال النقوش الخاصة بها.

 

وتقع أسكتلندا في شمال بريطانيا، وتحتل ثلث مساحتها. فقد كانت مملكة قديمة انضوت تحت التاج البريطاني قبل ثلاثة قرون، لكن لا يزال السكان يشعرون بتميز ثقافي عن إنجلترا وويلز وإيرلندا الشمالية، وهي الأقاليم الكبيرة التي تشكل بريطانيا أو المملكة المتحدة.

 

شال نسائي من التارتان الخاص بالمسلمين في اسكتلندا (الجزيرة)

ويشمل التراث التقليدي الأسكتلندي أزياء وموسيقى وعادات وتقاليد. ويأتي هذا التصميم الجديد بمبادرة من  الدكتور عظيم إبراهيم، أحد الأكاديميين المسلمين من الأصول الآسيوية والمقيم في مدينة جلاسكو الأسكتلندية، عندما اتصل ببعض العلماء المسلمين وخبراء تصميم نسيج التارتان من أجل تدشين نقشة جديدة تمثل المسلمين الأسكتلنديين.

 

ويقول الدكتور إبراهيم إن فكرة هذا التصميم الجديد للنسيج الأسكتلندي التقليدي تمثل رمزية مهمة للشباب المسلم المتعلم الذي ولد وتربى في أسكتلندا ويعيش بين ثقافتين، إحداهما في الشرق والأخرى في الغرب، وبين ما هو تقليدي وما هو حديث. إذ "يمثل هذا التصميم الدمج بين ثقافتين ويعكس التركيبة الجديدة للمجتمع الأسكتلندي الحديث الذي يحافظ على تراثه وهو يتطلع لمستقبله".

 

وأضاف إبراهيم أن "إطلاق هذا التصميم تزامن مع النقاش العام في البلاد حول الهوية الأسكتلندية في ظل الحديث عن تبعات الاستفتاء عن الاستقلال عن بريطانيا ومستقبل أسكتلندا". 

 

الإزار الاسكتلندي بالتصميم الخاص بالمسلمين (الجزيرة)

وتنتشر المحال التجارية التي تبيع نسيج التارتان التقليدي في كافة مدن وبلدات أسكتلندا، والذي يدخل في تصميم حقائب اليد وحافظات النقود والعديد من المنتجات الأخرى، ولا يقتصر على الملابس فقط. كما تتولى هيئة التارتان الأسكتلندية الترويج لهذا النسيج ولتجارته وتقع في مدينة دمبلين شمال العاصمة أدنبره.

 

مدير الهيئة براين والتون، أثنى -في حديث للجزيرة نت- على مبادرة التارتان الإسلامي قائلا إن التصميمات الخاصة للتارتان تضيف تعريفا وتميزا جديدا للهوية والثقافة. وأشار إلى أن هذه النقشات قد تصمم لتمييز مجموعات كبيرة أو صغيرة من البشر.

 

وأوضح أنه "صمم نقشة خاصة لمنظمة تضم 45 مليونا من الأعضاء حول العالم منتشرين في 120 دولة"، وأن كل عائلة أسكتلندية لديها التصميم الخاص بها، وتحتفظ مؤسسته بسجل يشمل من 65 إلى 70 ألف اسم عائلة مصحوبا بالتصميم الخاص بكل عائلة، خاصة العائلات التي هاجر أبناؤها منذ سنوات بعيدة، وعندما يكتشف أحفادهم أن لهم جذورا أسكتلندية يأتون لمنظمته لمعرفة نقشة عائلتهم.

 

يذكر أن نحو 40 ميلون شخص حول العالم ينحدرون من أصول أسكتلندية، ويمثل هذا النسيج التقليدي حلقة الوصل مع جذورهم الأصلية في أسكتلندا. ويقول والتون إن السجل الذي لديه يمثل أرشيفا تاريخيا مهما، وإنه أكبر تشكيلة من هذا النسيج التقليدي في العالم.
السابق

السابق

التالي

السابق

-17/17-

الفصائل السورية.. لعبة الفك والتركيب والدعم الغربي

الفصائل السورية.. لعبة الفك والتركيب والدعم الغربي

 

علاء الدين عرنوس - دمشق
وزاهر زيادة - ريف حلب

 

يشكل تفاوت الدعم المالي والعسكري أحد أبرز الأسباب التي تقوم على أساسها تحالفات فصائل المعارضة داخل سوريا، فقرار الاتحاد أو الانشقاق غالبا يتعلق بمستوى التأمين اللوجستي والمالي لأي فصيل مقاتل، فضلا عن أن تدفق الإمداد المطلوب يعد الضامن الأساسي لاستمرار الفصيل أو حلّه.

 

عانت أغلب الفصائل المقاتلة على الأرض من تقلص الأموال المقدمة من الغرب، ويعتبر قياديون في فصائل المعارضة أن نقص العتاد والسلاح النوعي هو السبب الرئيسي الذي حال دون حسم المعارك لصالح المعارضة.

 

اعتمدت الجزيرة نت في قراءتها لهذه الظاهرة على نموذجين لفصائل المعارضة بسوريا، هما حركة حزم التي انضمت للجبهة الشامية في الشمال، والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام المنتشر في الجنوب، وهما فصيلان جمع بينهما هدف إسقاط النظام وباعد بينهما الدعم الغربي.

 

في مطلع الشهر المنصرم، أعلنت الجبهة الشامية عن ضم "حركة حزم" التي أعلنت عن حل نفسها بعد معارك ضارية مع جبهة النصرة في مناطق بريف إدلب وغرب حلب، انتهت بسيطرة جبهة النصرة على الفوج 46 المقر الرئيسي للحركة وقتل واحتجاز العشرات من عناصرها.

 

كاتيوشا يطلق من منصة صواريخ باتجاه دمشق (الجزيرة)

حركة حزم

وشكلت هزيمة "حزم" على أيدي جبهة النصرة (الفرع السوري للقاعدة) خيبة أمل كبيرة للولايات المتحدة التي بادرت في أبريل/نيسان 2014 إلى تزويد الحركة بأسلحة مضادة للدروع ضمن مشروع يشمل تدريب وتسليح فصائل معتدلة في المعارضة السورية.

 

يرى مطلعون على أنشطة الفصائل المسلحة شمال سوريا أن جبهة النصرة اعتبرت نمو الفصائل المدعومة من الغرب في مناطق سيطرتها يشكل تهديدا جديا للنيل من تعاظم قوتها. ولم يتردد بعض من تحدثت إليهم الجزيرة نت في تأييد دور جبهة النصرة التي قاتلت نظام الأسد إلى جانب الثوار.

 

ويعلق الإعلامي مروان الحلبي على حل حركة حزم قائلا "حركة حزم وقبلها جبهة ثوار سوريا وافقتا على محاربة الفصائل المتطرفة إلى جانب قتالهم الأسد كشرط أساسي لتلقي الأموال والسلاح من جهات غربية" .

 

ويضيف الحلبي للجزيرة نت "تعمد الغرب دعم فصائل محددة لم يكن بهدف القضاء على نظام الأسد بقدر ما يهدف لمحاربة الدولة الإسلامية والنصرة". ويستدرك "هم (أي النصرة) متطرفون ولكنهم معنا على جبهة واحدة لقتال الأسد".

 

ويشير ناشطون في ريف حلب تحدثت إليهم الجزيرة نت إلى أن الغرب تردد في دعم فصائل معتدلة واعتمد مقاييس خاطئة في تقويم عمل الفصائل المقاتلة على الأرض، فالتشكيلات التي تحمل أسماء إسلامية لا تعني بالضرورة أنها قوى عسكرية متطرفة.

 

تفجير مبنى التاميكو بالمليحة (الجزيرة)

الجبهة الشامية

حذيفة بلال من حركة النور وقيادي سابق في الجبهة الشامية يعلق على انضمام حركة حزم للجبهة الشامية "هذا الاندماج أتى نتيجة صراعات داخلية لا تخدم إلا مصلحة النظام السوري وحلفائه، فالتوحد يكون مفيدا إن كان مبنيا على الأسس التي انطلقت من أجلها الثورة بسوريا"

 

ويرى بلال في رد على سؤال عن مدى قوة الفصائل الحالية المتواجدة على الأرض بأن "الفصيل عندما يحمل قيمة أخلاقية وعسكرية على الأرض إنما يحظى بحاضنة شعبية تعتبر الضامن الأساسي لاستمراره، وهذا ما تحقق في صد الهجمة الأخيرة على حلب". ويختم بلال بأن دواعي الاندماج والتوحد مهما اختلفت أسبابها، ستصب في مصلحة الثورة والثوار إن استثمرت بالاتجاه الصحيح.

 

أما رئيس الدائرة السياسية في الجبهة الشامية زكريا ملاحفجي فقد قلل من أهمية تفكك حزم قائلا "تواجه الفصائل المدعومة نفس المصير بدليل أن العديد من الفصائل يدعمها الغرب ولو بشكل محدود".

 

ويعزو ملاحفجي في حديثه للجزيرة نت أسباب تفكك حركة حزم إلى جملة من الأسباب، أبرزها الضعف التنظيمي للحركة، واختيار نوعية المقاتلين غير المدروس، فضلا عن افتقارها للحاضنة الشعبية، فيما لم تواجه الجبهة الشامية -وفق ملاحفجي- المصير نفسه حين واجهت تنظيم الدولة الإسلامية وتواجه نظام الأسد.

 

ويخلص ملاحفجي للقول "لقد أعلنت الجبهة الشامية حربا مفتوحة على تنظيم الدولة بسبب ممارساته المعروفة، فنحن أمام إرهاب الأسد وتنظيم الدولة، أما التعامل مع النصرة فشأن آخر، فهم موجودون في ساحات المعارك ويقاتلون الأسد وتنظيم الدولة".

 

يرى حمزة أبو زيد قائد أحد الفصائل المقاتلة في معضمية االشام ريف دمشق الغربي (الجزيرة)

الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام

وبينما تراهن الولايات المتحدة على تسليح وتدريب فصائل من المعارضة بشمال سوريا لمحاربة تنظيمات تدرجها على قائمة الإرهاب، صعد نجم عدد من التشكيلات والفصائل المحلية ذات الميول الإسلامية المعتدلة. فصائلُ أثبتت فعاليتها على الأرض في مواجهة الأسد واحتواء الجماعات المتطرفة على حد سواء، ولا سيما في المناطق الثائرة الواقعة تحت سيطرتها بجنوب سوريا الممتدة من دمشق إلى القنيطرة فدرعا.

 

الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام الفصيل الأبرز على جبهات القتال بريف دمشق وأحد أكبر التشكيلات الإسلامية المعتدلة، التي أحرزت تقدما وثباتا في مناطق القتال وأكثر الجبهات حدة في المعارك بداريا وجوبر وحوران والحرمون والقنيطرة.

 

نشأ الاتحاد على خلفية حل "تجمع أنصار الإسلام" ويضم بين فصائله "ألوية وكتائب الصحابة" التي تبنت عملية تسميم خلية الأزمة بدمشق في مايو 2012 وكتائب أخرى شاركت في معارك الغوطتين بريف دمشق.

 

يُنسب للاتحاد -وفق ناشطين- الدور الأبرز في إنجاز ميثاق الشرف الثوري وتأسيس مجلس قيادة الثورة، فضلاً عن دخوله في تحالفات مشتركة مع جيش الإسلام العامل في الغوطة الشرقية لدمشق.

 

جثة مقاتل تابع للنظام السوري سقط في الاشتباكات مع الجبهة الشامية شمالي حلب (الجزيرة)

وكغيره من الفصائل الإسلامية المعتدلة، يمنع الغرب المساعدات العسكرية واللوجستية عن الاتحاد نظرا لصبغته الإسلامية بمعزل عن التوجهات. يعلق أحد أعضاء رابطة علماء الشام للجزيرة نت على المسألة بقوله "لقد علمنا أن وكالة المخابرات المركزية لن ترحب بفصائل تتخذ أسماء إسلامية أو ترفع راية التوحيد".

 

يصف عضو الهيئة السياسية للاتحاد الإسلامي لأجناد الشام الموقف الأميركي تجاه الثورة السورية بالموقف المتردد والمتخاذل، ويقول في سياق رده على سؤال عن مستوى الدعم العسكري واللوجستي الأميركي للفصائل المقاتلة بسوريا "منعت (الولايات المتحدة) جميع أنواع السلاح النوعي من الوصول لأيدي الثوار في بداية العمل المسلح وفي وقت لاحق سمحت بأنواع وكميات محدودة ولفصائل محددة لسنا من بينها"

 

ويضيف أبو إسلام "ما زالت تمنع أميركا تزويدنا بأنواع كثيرة من الأسلحة القادرة على حسم المعركة بشكل سريع وعلى رأسها الأسلحة المضادة للطيران".

 

وفي رد على سؤال يتعلق بتأثير تقلبات المواقف الأميركية إزاء الثورة السورية يجيب "لم تغير هذه المواقف شيئا في عزيمتنا، ونحن قاب قوسين أو أدنى من معقل رأس النظام بدمشق. نعول على قدرات مقاتلينا وخبراتهم في ردع النظام عن إجرامه ومعاقبته على سفك دماء الأبرياء".

 

ويختم أبو إسلام بالقول إن "السياسات التي اتبعتها الولايات المتحدة حيال الثورة السورية منعت الثوار من حسم المعركة، واتجهت مع حلفائها لمحاربة تنظيم الدولة، تاركين للنظام إكمال مهمته بإبادة الشعب السوري".

 

مسجد هارون دادا الأثري الذي قصفه النظام السوري في حي قاضي عسكر بحلب القديمة (الجزيرة)

حلول وبدائل

يعتمد الاتحاد بشكل أساسي في تسليح جيشه على تصنيع العتاد والذخيرة محليا، واعتمدت فصائله على استخدام قاذفات مطورة من نوع (بي 29) و(ن 27) المضادة للدروع فضلا عن استخدام صواريخ الكاتيوشا المحلية أثناء المعارك مع النظام بريف دمشق.

 

يشير حمزة أبو زيد القيادي الميداني في أجناد الشام إلى أن الاتحاد اعتمد على تطوير الصناعة المحلية للعتاد والذخيرة الضرورية للاستمرار في المواجهة دون التقليل من أهمية غنائم الحرب التي تستحوذ عليها فصائل الاتحاد في المعارك.

 

"كان حلنا البديل لحظر السلاح النوعي على مقاتلينا أن نلجأ إلى تصنيع العتاد بأنفسنا، اعتمادنا على معامل دفاع الأجناد سد نقصا كبيرا في الصواريخ القصيرة المدى والمدافع الثقيلة التي صنعت بخبرات مهندسي الأجناد" يقول أبو زيد.

 

ويتساءل أبو زيد حول المقياس الذي يعتمده الغرب في دعمه للفصائل المعارضة داخل سوريا، مشيرا إلى أن النهج المعتدل للفصائل المقاتلة بدمشق ينبغي له أن "يلقى تشجيعا ودعما، فاليأس من تعليق آمال الثوار على دعم الغرب سيدفع بالنهاية إلى مبايعة تنظيمات متطرفة لا تتردد في إمدادنا بالسلاح لردع الأسد".

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك