آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:40 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:40 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
-1/16-

الانفصال بين الحق والمصلحة

محمد المختار الخليل
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

تموج منطقتنا بالأحداث المفصلية المتسارعة، وتعيش أجواء صاخبة من العنف والتفتت الداخلي الذي يتوقع كثيرون أنه سيقود إلى إعادة تقسيم جغرافي يزيد من عدد الكيانات ويعمق الشرخ النفسي بين سكان المنطقة لاعتبارات عرقية أو مذهبية.

في هذه الأجواء التي تدفع بعض الأقليات وحملة أيديولوجيا المظلوميات إلى الاحتماء بفكرة الانفصال وإقامة الكيان المستقل تحل الذكرى الرابعة لانفصال جنوب السودان بعد رحلة دامية دامت نصف قرن من القتال والصراع السياسي مع الحكومات المركزية في الخرطوم.

وما من أحد من متابعي رحلة الجنوبيين نحو الانفصال ينكر الظلم التاريخي الذي وقع على سكان الجنوب وتهميشهم على أرضهم تحت نير الاستعمار الإنجليزي، وكانت أرضية لذلك فسارعت قوى إقليمية ودولية لنفخ نار الصراع وتغذيتها بالسلاح والحشد الإعلامي، إلى أن توقف قطار جنوب السودان بالانفصال عام 2011 لتصبح البلاد أحدث أعضاء الأسرة الدولية، لكن ماذا بعد؟

بعد أربع سنوات من إدارة الجنوبيين لبلادهم لا تزال كافة المؤشرات السياسية والاقتصادية أسيرة الصراع المسلح والفوضى، لكن هذه الجولة من الدمار اختص بها رفاق سلاح الأمس، وعمقتها الروح القبلية التي تدير يوميات المجتمع وإستراتيجياته، فانتقل الصراع من يافطة الشمال والجنوب إلى جنوبي جنوبي يحصد ولا يوفر، غير أنه هذه المرة لا يجد عنوانا يرمي عليه أسباب الصراع غير الصراع القبلي والمطامع والمطامح، فانتهت أسطورة الشمال المستعمر والمسلم الغازي والعربي المسيطر.

"جنوب السودان.. أربع عجاف" تختصر حصاد أربع سنوات من الاستقلال وحكم الذات، ليس لأن أهالي جنوب السودان عاجزون عن حكم أنفسهم، ولكن لأن البنية الاجتماعية والسياسية في البلاد لا تساعد على الاستقرار، فضلا عن أن الجغرافيا السياسية تجعل الدولة الوليدة تحت رحمة الجوار وتدخلاته.

حركات سياسية كثيرة دخلت أتون صراع لعقود في سبيل تقرير المصير والانفصال عن البلد الأم، لكن مآلات هذه التجارب لم تكن متوافقة مع خيالات رواد هذه الحركات وتطلعات شعوبهم، وبعضها خلص إلى الندم على الانفصال عن دولة قوية متماسكة كانت توفر مظلة أمان لمكوناتها رغم الإجحاف والحرمان من تطلعات المجتمعات الصغيرة لحقوقها.

لا شك في أن الدول تقوم على عقد اجتماعي بالتراضي، وما من مجتمع متماسك اجتماعيا وثقافيا وله تطلعات مشتركة إلا وله الحق في إقامة كيانه، ويمكن أن يندمج مع غيره بالتراضي، ولا إكراه في المواطنة، لكن على كثير من هذه المجتمعات الفرعية تقدير مصلحتها في البقاء ضمن حدود الدولة القوية أو الانفصال بدولة ضعيفة، والتجربة السياسية المعاصرة تقول إن المفكك إلى تفكيك.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

ملف العدد

ملف العدد
مثيانق شريلو- جنوب السودان 

في التاسع من يوليو/تموز الجاري يكمل جنوب السودان عامه الرابع بعد قرابة نصف قرن من الصراع خاضه الجنوبيون ضد الخرطوم تحت لافتة رفع المظالم بدعم إقليمي ودولي حتى أنجز انفصاله.. اليوم تستحق تجربة هذا البلد التوقف عندها لتصفح أوجه مختلفة منها.

 

ملف "جنوب السودان.. أربع عجاف"  الذي أعده الزميل مثيانق شريلو من الميدان، يلقي شيئا من الضوء على رحلة المعاناة التي خاضها الجنوب نحو الانفصال، والمحطات المفصلية في هذا الطريق التي انتهت اليوم بالعودة للصراع والحرب من جديد لكن هذه المرة بين رفاق السلاح.

 

ويعرض تقرير لدور البنية القبلية في جنوب السودان التي تصبغ الحياة الاجتماعية وتؤثر في الخيارات السياسية للنخبة في البلد التي تجلى دورها (القبلية) في الصراع الأخير بين الرئيس ونائبه السابق.

 

ومن مظاهر الفشل الاجتماعي التي ميزت جنوب السودان مثل كثير من دول الأزمات قتال الأطفال في صفوف الحركات المسلحة، وهنا نعرض لتجربة إعادة هؤلاء الأطفال إلى حمل القلم بدل حمل السلاح.

 

ومن الظواهر اللافتة في جنوب السودان تمسك عدد كبير من السودانيين (الشماليين) بالبقاء في الجنوب بعد الانفصال، ويرون في الدولة الوليدة حاضنة مريحة يرفضون مغادرتها بعد سنوات قضوها فيها.

 

وفي الملف الاقتصادي المثقل بالأزمات يعرض تقرير لأثر الصراعات السابقة مع الشمال، وصراعات اليوم الداخلية على اقتصاد منهك بطبيعته، ويعتمد بشكل كامل على الثروة النفطية التي تعيق الجغرافيا أحيانا من تسويقه للخارج بيسر. وفي الوقت ذاته ينشط التنين الصيني في استثمار موارد واحتياجات البلد كأحد أقوى اللاعبين الاقتصاديين في جوبا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

جنوب السودان.. طريق الآلام نحو الاستقلال

جنوب السودان.. طريق الآلام نحو الاستقلال
تعد دولة جنوب السودان أحدث دولة في العالم (رقم 193 في الأمم المتحدة، و54 في الاتحاد الأفريقي)، ونالت استقلالها في التاسع من يوليو/تموز 2011، بعد حرب طويلة خاضها شعبه ضد الحكومات السودانية المتعاقبة لأسباب تتعلق بالتهميش والمظالم التاريخية.

تقع دولة جنوب السودان وسط القارة الأفريقية، وتحدها من جهة الجنوب دولتا أوغندا وكينيا، ومن الشمال دولة السودان، وتعد الحدود بين البلدين أحد أطول الحدود الدولية وتقدر بأكثر من ألفي كيلو متر، أما من ناحيتي الشرق والغرب فتحدها إثيوبيا، والكونغو (زائير سابقا) وأفريقيا الوسطى.

عاصمة البلاد هي مدينة جوبا حاضرة ولاية الاستوائية الوسطى، والتي تعتبر كبرى مدنها، ومن المدن الكبير أيضا واو وملكال وأويل ورومبيك وياي وتوريت.

 

تقدر مساحة جنوب السودان بحوالي ستمئة ألف كيلومتر مربع، ويقطنه حوالي ثمانية ملايين نسمة، بحسب آخر تعداد سكاني أقيم قبل الانفصال، بينما تقدر مصادر أخرى سكان البلاد بحوالي 12 مليونا.

مجتمع متعدد

تتشكل دولة جنوب السودان من عشر ولايات سياسية، أكبرها ولاية جونقلي، وغرب بحر الغزال، وتملك هذه الولايات حكومات ومجالس تشريعية مستقلة عن المركز. ونظام الحكم رئاسي فدرالي، ورئيسها هو سلفاكير ميارديت، الذي ينحدر من قبيلة الدينكا النيلية كبرى قبائل البلاد، ونائبه جيمس واني إيقا من قبيلة باري الاستوائية.

 

 سكان جنوب السودان من أتباع الديانتين المسيحية والإسلامية، إضافة إلى أتباع الديانات الأفريقية التقليدية. ويتشكل المجتمع من عدد من القبائل الأفريقية، تقدر بحوالي 64 قبيلة، تنقسم إلى ثلاث مجموعات هي: القبائل النيلية مثل الدينكا والنوير والشلك، والنيلية الحامية مثل الباريا واللاتوكا والمورلي، والزاندي والفراتيت وقبائل أخرى .

جوبا العاصمة لا تزال الكثير من أحيائها بدائية في البنية التحتية -رويترز (رويترز)

وتعتبر قبيلة الدينكا هي أكبر جماعة عرقية في البلاد، وينحدر منها رئيس الجمهورية سلفاكير ميارديت، وزعيم الأمة -كما يصفه السكان المحليون- الراحل جون قرنق دي مبيور، بالإضافة إلى عدد كبير من قيادات الحزب الحاكم والجيش. ويبلغ تعدادها حوالي 1.5 مليون نسمة. تليها النوير والشلك والزاندي.

 

ويتحدث سكان جنوب السودان عددا من اللغات واللهجات الأفريقية المحلية، وأكثر اللغات المستخدمة بين السكان هي العربية، بينما تعتبر الإنجليزية هي اللغة الرسمية للحكومة ولغة التعليم. وهناك لغة أخرى خاصة يتحدث بها أغلب السكان وتسمى -عربي جوبا- وهي خليط بين مجموعة من اللغات المحلية والإنجليزية والعربية.

 

يكتظ جنوب السودان بالعديد من الموارد الطبيعية الهائلة، مثل الغابات والأشجار والثروة الحيوانية، والمعادن مثل الذهب والنحاس، إلى جانب مياه نهر النيل ومياه الأمطار. ويعتبر النفط من أهم الصادرات وتعتمد عليه الدولة في موازنتها المالية العامة بنسبة 90%، وتقع حقول النفط في مناطق تابعة لقبيلتي الدينكا في فلوج والنوير في بانتيو وعدرايل.

 

ويعتمد غالبية سكان جنوب السودان على الزراعة، ويعتبر مصدر الدخل الرئيسي لهم، حيث يعيش غالبيتهم تحت خط الفقر المدقع، وقالت الأمم المتحدة في أحدث تقاريرها الصادرة عن جنوب السودان إن ثلثي سكان البلاد مهددين بخطر المجاعة من النوع الحاد، إذا لم تتوقف الحرب.

 

مخيمات النازحين بسبب القتال الداخلي بين الرئيس ونائبه -رويترز (رويترز)

الرحلة نحو الاستقلال

في وقت مبكر من استقلال السودان اشتكى الجنوبيون من التهميش والظلم من النخب الشمالية الموصوفة من قبل السكان المحليين بـ"الجلابة " كناية عن العرب المسلمين في السودان، وبدأ التوتر بين الطرفين، إلى أن اندلع القتال بين المسلحين الجنوبيين التابعين لقوة دفاع السودان بحامية الاستوائية العسكرية، بمدينة "توريت"، في أغسطس/آب 1955.

 

وتعتبر ثورة توريت -كما يسميها شعب جنوب السودان- بداية الشرارة لما يعرف محليا بحرب التحرير والكرامة، والتي استمرت خمسين عاما، وانتهت بانفصال جنوب السودان عن جمهورية السودان في يوليو/تموز 2011.

 

خاض الجنوبيون قبل الانفصال ثلاث حروب أهلية ضد الحكومات السودانية، هي ثورة توريت (1955) وثورة الإنيانيا الأولى والثانية، بالإضافة إلى ثورة الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، بقيادة الزعيم الراحل جون قرنق دي مبيور 1983، وهي الثورة التي استمرت زهاء 21 عاما، وأفضت إلى انفصال البلاد.

 

معاناة شديدة يعيشها النازحون بسبب القتال الداخلي في مخيماتهم خصوصا نقص الماء - غيتي (غيتي إيميجز)

أزمات الجنوب

بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان مطلع عام 2005، تم تكوين حكومة إقليمية في جنوب السودان، ترأسها جون قرنق، ولكن قرنق لم يعش طويلا إذ لقي حتفه في حادث تحطم الطائرة الرئاسية الأوغندية التي كانت تقله في طريق عودته إلى جنوب السودان من كامبالا عاصمة أوغندا.

 

في عام مطلع عام 2011 أجري استفتاء شعبي لسكان جنوب السودان بحسب بنود اتفاقية السلام الشامل، وأعلنت نتائجه النهائية في فبراير/شباط من العام ذاته، بنسبة قياسية لصالح الانفصال بلغت 98%، وتم الإعلان عن الاستقلال الكامل للدولة في 9 يوليو/تموز 2011، وشكلت أول حكومة بعد الاستقلال ترأسها سلفاكير ميارديت.

 

في 15 ديسمبر/كانون الأول 2013، اندلع قتال بين القوات الحكومية وقوات موالية لنائب الرئيس السابق رياك مشار، على خلفية اتهام سلفاكير لمشار بمحاولة الإطاحة به من سدة الحكم، وهو ما ينفيه الأخير. ثم وقّع الجانبان على عدة اتفاقات سلام تمت برعاية حكومات الدول الجارة، غير أن أيّا منهما لم يوقف الحرب في البلد الغني بالنفط.
السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

القبلية المتجذرة في النخبة وسياستها

القبلية المتجذرة في النخبة وسياستها

لا تزال الخلافات في جنوب السودان تفرض نفسها بقوة عند الحديث عن نخبة المجتمع، إذ يرى البعض أن فئة اجتماعية يمكن أن تسمى بنخبة المجتمع قد تشكلت بشكل أكثر وضوحا عقب انفصال البلاد عن السودان.

 

إلا أن آخرين يرون أن هذه الفئة كانت حاضرها بمفهومها المعروف خلال الحراك الذي سبق إعلان الاستقلال، وأن الفئة التي تنشط حاليا لا يمكن أن تمثل سوى نخبة القبيلة، بحكم أن التوجهات العرقية هي التي لا تزال تشكل حضورا أكثر من التوجه الوطني.

 

مسؤولون في الحزب الحاكم بجوبا خلال تجمع لقادة الحزب في ديسمبر 2014  (الجزيرة)

ومنذ إعلان انفصال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011، كانت التحذيرات التي تتعلق بالتحديات التي يمكن أن تواجه الدولة الحديثة تتمثل في النزعة العرقية أو القبلية، وقد أدى الخلاف حول السلطة بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه المقال رياك مشار إلى اندلاع حرب أهلية كانت الأبعاد العرقية مخيمة عليها، تحديدا عند قبيلتي الدينكا والنوير، كبرى قبائل البلاد.

 

ويشير الدكتور عادل أتناسيوس -وهو أستاذ جامعي ووزير للتعليم بولاية غرب بحر الغزال بجنوب السودان- إلى أن مفهوم النخبة لا يزال سائدا وسط مجتمعات جنوب السودان العرقية، وبكل أسف انتقل هذا التفكير والدور من القبيلة إلى الدولة، من دون إعادة صياغة المفهوم من جديد.

 

نائب الرئيس السابق لجنوب السودان رياك مشار (وسط) في لقاء مع الرئيس السوداني عمر البشير (الأوروبية)

وينبه أتناسيوس إلى أن هناك حاجة ملحة لبحث تقييم الخلفيات القبلية في تشكيل القوى السياسية، التي لا تزال تطرح نفسها للحصول على السلطة في الدولة الوليدة. وينهي أتناسيوس حديثه قائلا "كل شيء يحتاج إلى إعادة صياغة، بما في ذلك مفهوم النخبة والسلطة أيضا".

 

بينما يطرح القيادي في الحركة الشعبية في المعارضة، يوهانس موسى فوك، مفهوما مختلفا بشأن النخبة المثقفة في جنوب السودان، فهو يرى أن التطورات السياسية التي تشكلت عقب انتهاء الحرب في جنوب السودان عام 2005 -بعد التوقيع على اتفاق نيفاشا بين الحركة الشعبية وحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان- ألغت طبقة النخبة التي كانت قد تشكلت في تسعينيات القرن الماضي، والتي كانت تتكون من موظفي الحكومة وخريجي الجامعات وكبار السلاطين.

 

ويضيف فوك أن أحدث دول العالم تعاني من أزمة فقدان نخبة وطنية وفق المفهوم المعهود لدى الأمم والشعوب الأخرى.  ويشير إلى أن الطبقة التي تعتبر نفسها الآن نخبوية تتكون من قيادات الأحزاب وأصحاب الوظائف الدستورية، بالإضافة إلى التجار.

أطفال من قبيلة النوير يلهون بالمياه في ولاية الوحدة وسط جنوب السودان (غيتي)

وشهدت تسعينيات القرن الماضي موجة من الاغتيالات والتشريد والمضايقات السياسية من قبل حكومة الخرطوم على من يرون في أنفسهم طبقة نخبوية في جنوب السودان، إبان تصاعد موجة الحرب الأهلية، مما دفع بعضهم إلى اختيار حق اللجوء أو الانضواء تحت لواء المشروع الحاضري المطروح من قبل الحركة الإسلامية في جنوب السودان، بينما انضم آخرون لحركة قرنق، ومن ثم تعددت الروايات بشأن وفاتهم.

 

ويرى الصحفي دينقديت أيوك أن خريجي الجامعات والحاصلين على الدراسات العليا يمكن اعتبارهم من نخبة المجتمع في الدولة الحديثة، ويضيف أيوك أن "هؤلاء الخريجين هم مَن يشكلون طبقة القيادات القائمة على النفوذ القبلي، الذين كلما فقدوا مناصب عليا في الدولة يعودون مرة أخرى لطرح مفاهيم تتعلق بتهميش مجتمعهم القبلي من الحكومة"، وأضاف "هذا ما يجعل تلك النخبة تستنجد بالقبيلة لصالح الحسابات السياسية الضيقة".

 

وأعادت الحرب الدائرة الآن في جنوب السودان -والتي خلقت انقسامات وسط المجتمعات العرقية فيه- تساؤلات متعددة بشأن إعادة صياغة مفهوم النخبة من جديد، خصوصا أن هذه الحرب دفعت بالكثير من النخب إلى التراجع وإبدال مواقفهم الوطنية بخطابات قبلية لم تكن معهودة بالنسبة للكثيرين الذين رأوا في الوطن الجديد الدواءَ لكل الأمراض التي كانت سائدة قبل الاستقلال عن السودان.
السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

أطفال "كوبرا" يستبدلون القلم بالسلاح

أطفال "كوبرا" يستبدلون القلم بالسلاح

يحمل جون كوني (17 عاما) كراسا وقلما بعد أن حمل السلاح لأربع سنوات في صفوف حركة "كوبرا" برتبة ملازم ثانٍ في صفوف الحركة المتمردة سابقا.

 

ويعتقد كوني أن الحركة كانت تعمل من أجل كرامة ومجد القبيلة التي ظلت طوال أربعة أعوام قبل التوقيع على اتفاق للسلام مع حكومة جوبا مستهدفة بشكل عنيف، وتعاني التهميش والإهمال الرسمي، فلم توجد مدرسة ثانوية في منطقة بيبور مسقط رأس الصبي الجندي السابق الذي يدرس الآن في إحدى المدارس الإعدادية بالعاصمة الكينية نيروبي.

 

وفي العام 2010 أعلن ديفد ياوياو المرشح الخاسر في الانتخابات المحلية المؤهلة للمجلس التشريعي لولاية جونقلي -أكبر ولايات جنوب السودان- تمرده على الحكومة بعد أن اتهم جهات رسمية بتزوير نتائج الانتخابات.

 

طفلان ينزعان لباسهما العسكري ويرتديان لباسا مدنيا إيدانا بنهاية مشاركتهما في القتال (غيتي)

وقام ياوياو -طالب كلية اللاهوت السابق- بتكوين حركته المسلحة التي أطلق عليها اسم كوبرا بحشد شباب قبيلته المورلي لخوض الحرب ضد النظام الحاكم، وتبنى خطابا قائما على أن قبيلتي النوير والدينكا اللتين تجاوران قبيلته تعملان على إقصاء وإبادة القبيلة، ووجد خطابه تأييدا كبيرا وانضم إلى صفوفه نحو 3400 طفل من مختلف الأعمار.

 

ورغم سنوات الجوع والتشريد والخراب الذي عاشه كوني ورفاقه من الأطفال فإنه يرى في الاتفاق الذي وقعه ياوياو مع حكومة جوبا في مايو/أيار 2013 انتصارا عظيما لهم، وأنه يروي لأطفاله وأحفاده في المستقبل تلك السنوات المؤلمة التي أدت في النهاية إلى إعادة الشرف للقبيلة الصغيرة التي لم يهزمها العدد الهائل من جنود الحكومة المشكلين من قبيلتي الدينكا والنوير، كما يقول.

 

والمورلي مجموعة أقلية إثنية تقطن ولاية جونقلي ويمارس بعض أبنائها رعي الأبقار، ويوصفون بأنهم أقوياء وأشداء، وعرف عن القبيلة أنها تمتهن نهب الأبقار وخطف الأطفال، وهو أمر يرفضه زعماؤها، ودفعت هذه العوامل إلى زيادة حدة التوتر والنزاعات بينها وبين قبيلتي النوير والدينكا.

 

ومع ذلك ينظر كوني إلى المستقبل بنوع من التفاؤل الشديد بعد توقف الحرب ومنحهم الحق السياسي في تكوين سلطة إدارية في بيبور الكبرى.

مئات الأطفال المقاتلين سلموا أسلحتهم للسلطات في جنوب السودان (غيتي)

يقول كوني "أمنيتي أن أدرس الإدارة والاقتصاد، وسأعمل من أجل تشجيع جميع رفاقي المسرحين من الجيش على خوض معركة أخرى من أجل التعليم للجميع"، وقد أتاحت منح قدمتها حكومة جوبا الفرصة للصبي كوني وبعض من رفاقه لبداية مشوار جديد يتيح لهم حمل القلم بدلا من السلاح.

 

وقامت حركة كوبرا وجيش جنوب السودان بالتعاون مع منظمة "اليونيسيف" بتنفيذ مشروع كبير تم بتمويل من منظمات دولية أخرى قضى بتسريح 3400 من الأطفال، وتمت إعادة دمجهم في الحياة المدنية بعد جهود مضنية شارك فيها زعماء القبيلة، وكان جون كوني من ضمن المسرحين.

 

ويقول زعيم حركة كوبرا الذي يشغل الآن منصب حاكم إدارية بيبور الكبرى ديفد ياوياو لمجلة الجزيرة "إن سنوات الضياع التي عاشها الأطفال المنخرطون في حركته يجب ألا تتكرر مرة أخرى"، وأشار بحسرة شديدة إلى أنه "حان الوقت لكي يلتحقوا بأقرانهم الآخرين من بقية قبائل جنوب السودان الذين يلتحق عدد كبير من أطفالهم بالمدارس". وتابع بالقول "تشييد المدارس هو الأولوية الآن بالنسبة لحكومته الصغيرة".

 

وأكد المتحدث باسم جيش جنوب السودان العقيد فيليب أقوير اكتمال كافة خطوات تسريح الأطفال المنتسبين لحركة كوبرا من المؤسسة العسكرية بالكامل، وقال في حديثه لمجلة الجزيرة "إن وحدة حماية الطفل في الجيش تابعت بنفسها آخر الخطوات التي أدت إلى تسريح آخر ثلاثمئة طفل من حركة كوبرا إلى الحياة المدنية"، وأضاف "اكتملت العملية ويجب أن يحصل هؤلاء الأطفال على تعليم أفضل بدلا من تدريب عسكري".

حسب تقديرات اليونسيف فإن 550 طفلا تم نقلهم من معسكرات القتال إلى المدارس لتلقي العلم (غيتي)

وبحسب تقرير سابق لمنظمة "اليونيسيف"، فإن نحو 12 ألف طفل لا يزالون مجندين في الحركات المسلحة بجنوب السودان بعد اندلاع المواجهات المسلحة في 15 ديسمبر/كانون الأول 2013 بين القوات الموالية للرئيس سلفاكير ميارديت، والأخرى التي تحارب إلى جانب نائب الرئيس المقال زعيم المتمردين رياك مشار، والتي اتخذت أبعادا عرقية، وقالت اليونيسيف إن حركة قائد المليشيا جونسون أولونج دربت أيضا العديد من الأطفال المنخرطين في صفوفها.

 

ولا يبدي أركانجو مو المهتم بقضايا الأطفال في جنوب السودان أي نظرة تفاؤلية بشأن المستقبل المشرق لهؤلاء الأطفال المسرحين، ويشير في حديثه إلى أن هنالك تجاهلا غريبا لمصير الأطفال الذين فقدوا بعض أعضائهم في المعارك التي خاضوها سابقا.

 

ونوه مو بأنه "حتى المنظمات الإنسانية لم تقدم لهم أي شيء، فهم لم يجدوا الرعاية الممكنة لهم كمعاقين وأطفال في ذات الوقت"، وكشف عن أنه "ينشط مع مجموعات أخرى للضغط على الحكومة حتى تقر تشريعا يمنح هؤلاء الأطفال تعويضا ماليا ومعنويا رغم أنه توجد حصيلة محددة بأعدادهم". 
السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

سودانيون تعلقوا بالجنوب المنفصل

سودانيون تعلقوا بالجنوب المنفصل

منذ أكثر من ثلاثين عاما ظل العم -كما يناديه الغالبية هنا في جوبا- برير أحمد برير، وهو مواطن سوداني ينحدر من ولاية النيل الأبيض السودانية، لا يرى أن انفصال جنوب السودان قبل أربعة أعوام قد خلق حواجز بين أناس كانوا يجتمعون تحت هوية وطنية واحدة.

 

يتحدث برير بابتسامته التي لا تفارقه قائلا: "شاركت الجميع هنا فرحتهم بإعلان دولتهم الوليدة، ورغم حزني على انقسام السودان فإني كنتُ أكثرهم فرحا". وقال برير أن والده جاء إلى جنوب السودان عام 1960 ممتهناً التجارة، وفي عام 1978 التحق بوالده، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن لا تزال أسرته تجد نفسها أقرب لجنوب السودان منها إلى مسقط رأسها "مدينة كوستي" شمال السودان.

 

محسن بابكر سوداني يدير محل بقالة في جوبا ويستقر فيها ( الأوروبية)

وبخلاف برير، فإن العديد من القصص المتنوعة تحكي وقائع متعددة عن سودانيين قرروا البقاء في مناطق واسعة من الدولة الوليدة، يمارسون حياتهم بشكل عادي، بالرغم من أن بعضهم تعرضوا لمضايقات اعتبروها سلوكا لا يمثل شعب الدولة الناشئة، وظلت الأواصر الاجتماعية قوية، وحدث تزاوج بين الشماليين والجنوبيين رغم الانفصال.

 

ويشير برير أيضا إلى أن الأوضاع الأمنية السيئة التي مرت بجنوب السودان لم تدفعه إلى التفكير إطلاقا في العودة إلى السودان، وأضاف قائلا "لم تراودني الفكرة، هم أهلي وبقيت معهم في أوقات الشدة مثلما عشت معهم أيام البهجة والسرور".

 

وعقب إعلان استقلال جنوب السودان رسميا في 9 يوليو/تموز 2011، وبدء الترتيبات التشريعية الخاصة بالدولة الجديدة، منح الدستور أي مواطن سوداني من أم جنوبية الحق في الحصول على الجنسية والتمتع بكافة حقوق المواطنة، بما في ذلك الحقوق السياسية، وحق العمل في المؤسسات العامة.

وتقدر سلطات الهجرة في جنوب السودان نسبة السودانيين الذين حصلوا على جنسية الدولة الناشئة بنحو 1%، وأغلبهم ممن كانوا مقيمين إقامة دائمة قبل نحو خمسين عاما، حيث تم منحهم حق المشاركة في الاستفتاء على حق تقرير المصير.

 

سودانيون يشاركون في صلاة عيد الفطر المبارك في جوبا العام الماضي (الجزيرة)

ويرى أغلب السودانيين المقيمين في جوبا تحديدا أن الممارسات الاجتماعية السائدة في جنوب السودان تشعرهم بالانتماء للدولة الناشئة، مشيرين إلى أن أنظارهم لا تزال مصوبة تجاه حكومة البلدين لاتخاذ قرارات سياسية تفتح المجال أمام صياغة اتفاقيات تدعم علاقات الشعبين في مجالات التجارة والحريات الأربع.

 

يقول مجدي أحمد مفضل نائب رئيس البعثة الدبلوماسية السودانية لدي جوبا، إنهم يقدرون أعداد السودانيين المقيمين في جنوب السودان بنحو خمسمئة ألف مواطن، منبها إلى أن نحو 230 ألفا هم من اللاجئين السودانيين الفارين من جحيم الحرب الدائرة في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور، ويقيمون في معسكرات خاصة بهم في ولاياتي الوحدة وأعالي النيل في دولة جنوب السودان. وأشار إلى أن البقية يقيمون في كل ولايات جنوب السودان، ويمتهن أغلبهم التجارة بكافة أنواعها.

 

وبرر مفضل غياب الوجود السوداني في الدولة الناشئة إلى تأخر التفاهم السياسي حول مسألة الحدود في الدولتين، والذي أدى إلى توقف حركة التجارة بين جوبا والخرطوم، التي كانت تستحوذ عليها الأخيرة بنسبة كبيرة، بحسب تعبيره.

 

وإلى جانب الجالية السودانية، يشهد جنوب السودان حاليا حضورا استثماريا عربيا أصبح لافتا في الآونة الأخيرة، حيث أصبحت هنالك استثمارات أغلبها مصرية ولبنانية -حيث يقدر عدد المصريين بنحو ألف، بينما يقيم نحو ألفي لبناني في جنوب السودان- مع عديد قليل جدا من مؤسسات خليجية تنشط في مجال استيراد السلع الغذائية، بعد أن دشن طيران دبي رحلات شبه يومية بين دبي وجوبا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

اقتصاد متواضع سحقه صراع الإخوة

اقتصاد متواضع سحقه صراع الإخوة

لا يبدو اقتصاد دولة جنوب السودان قادرا على الحياة والصمود في ظل طغيان صوت الحرب في البلاد، خصوصا مع احتدام المعارك في مناطق قريبة من حقول النفط. فبعد عام ونصف من الصراع الداخلي يؤكد خبراء الاقتصاد أن تردي الاقتصاد المتواضع والمعتمد على قطاع النفط على وشك أن يؤدي إلى انهيار دولة جنوب السودان، التي تأسست عقب تصويت أكثر من 98% لصالح استقلال دولة، لم تكن تمتلك أسباب الحياة، بسبب انعدام الكثير من الضروريات اللازمة لذلك.

 

ومنذ 15 ديسمبر/كانون الأول 2013، أدت خلافات حول السلطة بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه المقال رياك مشار داخل أروقة حزب الحركة الشعبية الحاكم، إلى تعالي أصوات البنادق الثقيلة في العاصمة جوبا، ليؤدي إلى اندلاع حرب عمقت الانقسام الحاد في المكونات العرقية بين كبرى قبائل البلاد: الدينكا التي ينحدر منها سلفاكير ميارديت، والنوير قبيلة رياك مشار الذي تحول من رجل دولة إلى زعيم للتمرد عقب أربعة أشهر من إقالته من منصبه.

ارتبط القتال في جنوب السودان بالسيطرة على مناطق النفط مثل ولاية الوحدة (غيتي)

ويعتمد اقتصاد الدولة الوليدة بنسبة 90% على عائدات قطاع النفط، الذي ظل يواجه تعقيدات كثيرة تتمثل في الأوضاع الأمنية، وخروج حقول ولاية الوحدة من دائرة الإنتاج، مما أدى إلى انخفاض إنتاج النفط من 350 ألف برميل يوميا، إلى 160 ألف برميل يوميا، ولا تملك الحكومة أي خيارات أخرى لدعم الاقتصاد بخلاف هذا المورد، الذي أدى الاعتماد عليه إلى تجاهل فرص الاستفادة من الأراضي الزراعية الخصبة التي تحتل مساحات شاسعة تقدر بنحو 70% من أراضي البلاد، فضلا عن بقية الموارد الأخرى مثل الذهب والحديد وخلافها.

 

وأقر ديفد دينق أطوربي وزير المالية في دولة جنوب السودان، بتعرض اقتصاد البلاد لهزة كبيرة بسبب الحرب الدائرة، وأشار إلى أن حكومته تعمل للاقتراض من دول صديقة -لم يسمها- من أجل سد الفجوة التي تشكلت بسبب انخفاض الإنتاج النفطي، ولم يخفي أطوربي رهان حكومته على النفط كخيار حيوي يمكن أن يدفع بعض الدول الصديقة لدعم اقتصاد بلاده.

 

وفي الاتجاه المعاكس تنتقد أحزاب المعارضة الرئيسية في البلاد -مثل حزب الحركة الشعبية للتغيير الديمقراطي بزعامة لام أكول، والمؤتمر الشعبي بقيادة عبد الله دينق نيال- مساعي الحكومة لاقتراض ديون خارجية أخرى، وقالت هذه الأحزاب إن حجم هذه الديون التي ترفض الحكومة الكشف عنها بلغت نحو مئة مليار دولار، مما سيؤدي إلى خلق إشكاليات معقدة للأجيال القادمة في البلاد.

طفلان من قبيلة النوير في جنوب السودان (غيتي)

ويصف البروفيسور مريال أوو عميد كلية الاقتصاد في جامعة جوبا، اقتصاد جنوب السودان بأنه مريض وبحاجة إلى دواء عاجل، ويقترح أوو جملة من الخطوات قال إنها يمكن أن تقود إلى إنقاذ هذا الاقتصاد، وتتمثل في إيقاف الحرب وإجراء إصلاح داخلي ملح، بسبب حالة العجز التي تعانيها الحكومة في الموازنة العامة والميزان التجاري، وتخفيض الإنفاق الحكومي وإصلاح النظام الضريبي.

 

وكشفت تقارير متخصصة غير رسمية في جنوب السودان النقاب عن وجود تأثيرات مباشرة من دولتي كينيا وأوغندا المجاورتين على حركة التجارة بعد تقلص الدور السوداني، نتيجة للتوترات التي شابت العلاقة بين جوبا والخرطوم طوال العامين الماضين.

 

وتعد أوغندا الأكثر تأثيرا في اقتصاد جوبا، حيث تحتل منتجاتها الغذائية والصناعية أكثر من 90% من السلع التجارية في الأسواق، وفي المقابل تحصل على نسبة كبيرة من التحويلات البنكية من جوبا إلى مصارفها، حيث تقيم أعداد كبيرة من مواطني جنوب السودان في مدنها، وهو السبب الرئيسي -بحسب المتابعين- الذي دفع حكومة كمبالا إلى اتخاذ قرار بالتدخل والوقوف عسكريا إلى جانب الرئيس سلفاكير ميارديت في حربه ضد المتمردين بقيادة نائبه السابق المقال رياك مشار.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

اقتصاد جوبا في قبضة التنين الصيني

اقتصاد جوبا في قبضة التنين الصيني

يعكس مطار جوبا الدولي -أكبر مطارات جنوب السودان- الحضور الصيني المتزايد في الدولة الوليدة، التي ترى في الصين صديقة دائمة وانتهازية أيضا عندما يتعلق الأمر بتطبيع العلاقات الثنائية القائمة على المنفعة المتبادلة، والتي تحقق فيها بكين مكاسب اقتصادية ضخمة، بينما لا تقدم جوبا سوى إنتاج النفط الذي تتولاه شركات صينية كبرى. ويرى محللون سياسيون واقتصاديون أن العلاقة بين الدولتين قائمة على المصالح المشتركة، وفي الوقت ذاته تواجه تعقيدات سياسية عندما تتأزم الأوضاع بين جوبا والخرطوم.

 

ويشهد جنوب السودان بعد انفصاله عن السودان إقبالا لافتاً لمجموعات اقتصادية واستثمارية صينية تتزايد أعدادها بشكل مكثف، بالرغم من أزمة الحرب التي أنهكت القطاعات الاقتصادية والتجارية الأخرى. وبحسب تقارير لإدارة الهجرة والجوازات في جنوب السودان، فإن نحو 100 إلى 150 مواطنا صينيا يدخلون البلاد بشكل يومي، وترى الإدارة أن هذا العدد يعكس جوانب مميزة للدولة التي يساوي عدد سكانها نحو عشرة ملايين نسمة، بحسب تقديرات البنك الدولي، وتشير الإدارة إلى أن هذا العدد أقل بكثير من الحضور الغربي في جنوب السودان.

المنشآت النفطية إحدى نقاط جذب الصين للاستثمار في جنوب السودان (الجزيرة)

وتسيطر الشركات الصينية على نسبة كبيرة من امتيازات قطاع النفط في جنوب السودان، بينما لم تحظ الشركات الغربية بنسبة تذكر ضمن المناطق التي لا تزال تنتج النفط، ويعتقد كثير من المهتمين بهذا القطاع أن الصين لا تزال تطمح إلى الحصول على المزيد من تلك الامتيازات في الحقول التي لم تدخل خارطة الإنتاج بعد.

 

ولكن لا تزال هنالك ثمة شكوك بشأن إمكانية حصولها على بقية المناطق في ولاية جونقلي كبرى ولايات البلاد، حيث تتزاحم شركات غربية وأخرى أميركية حول تلك المناطق، والتي تريد حكومة جوبا أن تحقق من خلالها مكاسب سياسية عبر إرضاء دول غربية مثل أميركا.

 

ويصف ما كيانغ سفير جمهورية الصين الشعبية لدى جوبا طبيعة العلاقة بين البلدين بأنها شراكة أخوية وتاريخية، بدأت قبل انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم. ويشير كيانغ في حديثه خلال المنبر الدوري الذي يقيمه للصحفيين في جوبا أن ما يدعم حديثه بشأن طبيعة تلك العلاقات هي الزيارات المتكررة لمسؤولي الحكومة والحزب الحاكم في جوبا إلى الصين، بالإضافة إلى زيارات الرئيس سلفاكير ميارديت إلى بكين والتي كان آخرها عام 2012.

 

وصول قوات صينية تابعة للأمم المتحدة في مطار جوبا الدولي  (غيتي)

وفي أوائل العام الجاري، قررت الصين إرسال سبعمئة جندي إلى جنوب السودان لينضموا لقوات حفظ السلام الدولية، في خطوة هي الأولى بالنسبة لها، واعتبرت تقارير عديدة أن الخطوة تأتي ضمن سعي الصين لحماية مصالحها في جنوب السودان، بعد هزائم متكررة للجيش الحكومي في مناطق قريبة جدا من حقل فلوج الرئيسي الذي يتم تشغيله من قبل مجموعة من الشركات الصينية والماليزية.

 

وبحسب التقديرات الرسمية، فإن المؤسسات الصينية العاملة في مجال الاستثمار في جنوب السودان تتراوح عددها بين 100 إلى 140 مؤسسة استثمارية مختلفة الأنشطة، أكبرها الشركة الوطنية للبترول التي تعمل في مجال القطاع النفطي.

 

وبلغت حجم الاستثمارات والتبادل الصيني في جنوب السودان ما يفوق عشرة مليارات دولار في العام خلال الفترة من 2011 حتى 2014، بحسب تقرير رسمي. وتقوم شركات صينية أخرى بالعمل على تنفيذ أكبر مشروعات البنى التحتية المتمثلة في مشروع أطول طريق في جنوب السودان يربط العاصمة ببقية مناطق بحر الغزال التي تحتل نحو 40% من مساحة البلاد.

ويرى ميوين مأكول الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية بجنوب السودان، أن العلاقة بين جوبا وبكين ظلت تحافظ على توازنها بالرغم من التحولات العديدة التي تحدث في الخارطة العالمية. ويشير مأكول -في حديثه لمجلة الجزيرة- إلى أن الصين ظلت طيلة هذه الفترة تحترم طبيعة العلاقة السائدة وتعمل على تطويرها دون أن تتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، مثلما تفعل بقية الدول الكبرى.

رئيس جنوب السودان والسفير الصيني في حفل افتتاح أحد المشاريع الاقتصادية الصينية في جوبا (غيتي)

ولا تتحدث الصين كثيرا عن حجم الفوائد التي تجنيها من عملها في جنوب السودان، ولكنها تتحدث بشكل دائم عن القروض الكثيرة التي ظلت تمنحها لجنوب السودان، والتي تأتي عبر مشاريع تنموية أو أموال تدفعها للحكومة لمعالجة أزماتها التي تشكلت تحديداً بسبب الحرب الدائرة الآن، والتي بلغت أكثر من خمسمئة مليار دولار بحسب تقديرات غير رسمية.

 

واستبعد كور متيوك -الصحفي الجنوب سوداني المهتم بالشؤون الخارجية- أي فكرة يمكن أن تقود إلى عقد مقاربة بين الحضور الصيني والنفوذ الغربي في جنوب السودان.

 

ويرى متيوك في حديثه لمجلة الجزيرة أن الدول الغربية ظلت تلعب دورا كبيرا في قضايا الحرب والسلام بين الشمال والجنوب قبل الانفصال، بسبب دور المنظمات المسيحية في تعبئة الرأي العام العالمي للاهتمام بهذه القضية، التي صورها الإعلام العالمي بأنها صراع بين العرب والأفارقة، والمسلمين والمسيحيين.

 

وينوه متيوك إلى أن الصين لا تزال واحدة من الدول المسيطرة على قطاع الإنتاج النفطي، والذي يغطي أكثر من 6% من احتياجات الصين، معتبراً في الوقت ذاته أن الدور الصيني الضعيف في تشجيع قطاعات جنوب السودان الفئوية أدى إلى عدم وجود أي اهتمام لتعلم اللغة الصينية مقارنة ببقية اللغات مثل الإنجليزية والعربية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

جنوب السودان.. قتال طويل لاستقلال لم يغير الكثير

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

وفي التقارير المتنوعة نعيش مع مجموعة من الشباب العرب خرجوا من معتقل غوانتانامو لتستقبلهم الأوروغواي، ويحاولون التأقلم مع البلد الجديد وشق حياة جديدة فيه.

 

أما مصابو الحرب السورية فمعاناتهم لا تتوقف، ولا يعلمون متى تنتهي، لأن الجميع منشغل عنهم بالمعارك اليومية بين النظام والمعارضة للسيطرة على مناطق جديدة، فيما يدخل آلاف المصابين عالم النسيان والإهمال.

 

ومن القاهرة نعيش مع تقرير من حارة اليهود، يستدعي سكان الحي من كبار السن ذاكرتهم عن الحياة وتعايش اليهود مع المسلمين، وكيف بات حال الحارة ومن يسكنها.

 

أما من سهول وهضاب قرغيزيا في وسط آسيا فنتعرف على فوائد حليب الفرس، المشروب التقليدي في البلاد وسفر الدول المجاورة إليه لشربه طازجا.

 

ويحكي لنا تقرير آخر قصة شارع الاستقلال التاريخي في مدينة إسطنبول التركية.

 

ومن الضفة الغربية نتعرف على آخر مهني احترف صناعة القباقيب الخشبية و"الإسكملات" أو كراسي الحبال، وتكاد المهنة وممتهنوها أن ينقرضوا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

الحياة ما بعد غوانتانامو

الحياة ما بعد غوانتانامو
غدير أبو سنينة - الأوروغواي

 ستة معتقلين سابقين من غوانتانامو وصلوا إلى أراضي الأوروغواي في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بعد ما يقارب 13 عاما قضوها داخل أسوار ذلك المعتقل ذي السمعة السيئة، وعلى الأغلب في زنازين انفرادية، كان الصراخ فيها بصوت عال طريقتهم للتواصل.

 

جال هؤلاء الستة في جهات العالم، بإرادتهم أو رغما عنهم. في البداية، ساقتهم الأقدار إلى الحدود الأفغانية الباكستانية، حيث يمكن للإدارة الأميركية اتهامهم بالانتماء للقاعدة، دون أية براهين.

 

أربعة سوريين وفلسطيني وتونسي، هم جهاد دياب وعلي شعبان وأحمد عجم وعمرعبد الهادي فراج، من سوريا، والتونسي عادل بن محمد، والفلسطيني محمد معطان، يسمون بعضهم البعض بالأخوة، إذ تقاسموا جميعا عتمة المعتقل، رغم صدور أحكام ببراءتهم بعد ست أو سبع سنوات من الاعتقال. علي شعبان -الأصغر سنا- كانت تنقصه ست سنوات لتتساوى سنوات سجنه مع سنوات حريته، إذ دخل المعتقل وعمره 19 عاما، وقضى به 13 عاما.

 

كيف لهؤلاء أن تكون لهم حياة طبيعية بعد كل ما جربوه وعاشوه؟ بأي عين ينظرون للسماء الآن وقد حرموا طويلا من تأملها؟ وكيف يقتربون من البحر في مونتفيديو عاصمة الأوروغواي، وقد حاصرهم في غوانتانامو؟ كيف ينظرون للبرتقال وقد كان لون ملابس سجنهم؟

 

السوري جهاد دياب في مقابلة ويظهر في وسط صف المعتقلين، وعرضت الصور في فيلم وثائقي عنهم بعد الإفراج عنهم (أسوشيتد برس)

في أقبية السجن

يتجنب المحرَّرون الستة الإجابة عن هذه الأسئلة، يقول أحمد إنه يفضل ألا يتذكر تلك الفترة المؤلمة من حياته، ويريد أن يناقش وضعه الحالي. جهاد دياب (43 عاما) يشاطره الرأي في طي صفحة الماضي في ما يتعلق بشخصه، بل إنه يريد أن يسلط الضوء على إخوانه الذين ما زالوا رهن الاعتقال في ظروف صحية وإنسانية مجحفة.

 

في حديث مطول مع جهاد دياب، قال إن الإدارة الأميركية أفرجت فعلا عن بعض المعتقلين بعد أن أنهكهم التعذيب، وفي وضع صحي حرج خرج هؤلاء على حافة الموت، وقد توفي بعضهم بعد فترة قصيرة من خروجه، دون أن تحسب وفاته على الإدارة الأميركية.

 

وعن جو السجن، تحدث بشكل عام عن أربعة أصناف من السجانين: القسم الأول -حسب رأيه- يعامل السجناء بحقد شديد، وإساءة بالغة تصل إلى حد التعذيب الجسدي والنفسي، بإهانة المصاحف مثلا على مرأى من أعينهم.

 

والقسم الثاني هو من الحاقدين على السجناء وعلى خلفياتهم المسلمة، لكنه يتصرف بخبث وذكاء، ظنا منه أنه سيحصل على اعتراف.

 

والقسم الثالث هو السجانون الذين يقومون بوظيفتهم فقط، ويتصرفون بحيادية، ولا يطبقون سوى الأوامر دون المبالغة في الإساءة.

 

أما القسم الرابع فهم السجانون الذين كانوا يتعاطفون مع المساجين، ويحاولون مساعدتهم، لكن الإدارة في بعض الأحيان كانت تغير مواقعهم إذا شعرت بذلك التعاطف.

 

ويضيف دياب أنه في عام 2006 سجن عشرة أفراد ينتمون للقاعدة، لكنهم كانوا في سجن آخر، حيث يتلقون معاملة أقسى، لكن الولايات المتحدة سوقت أمام الرأي العام أن جميع نزلاء السجن هم من القاعدة، مع أن أفراد القاعدة -على حد تعبيره- لا يتجاوز عددهم خمسين فردا في كل العالم.

 

الشبان العرب في اعتصامهم أمام السفارة الأميركية في عاصمة الأورغواي (غيتي)

صفحة بيضاء بلغة جديدة

يبدو أحمد كأي شاب في نهاية الثلاثينيات من العمر، يطمح إلى تأسيس عائلة، مع أنه يرى أن هذا الحلم أصبح صعب المنال. فحين خرجوا من المعتقل شعروا بالأمل في بدء حياة جديدة، تتفهم الدولة التي تستضيفهم متطلباتها، لكن الصدمة كانت حين لم يكن لدى بلد فقير كالأوروغواي سوى قلوب أهله البسطاء في استقبالهم، ومعونات شحيحة من الحكومة وإحدى منظمات اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، ولا يعول عليهما.

 

يسكن المحررون حاليا في إحدى شقق نقابة العمال، متقاسمين مرافقها، انتظارا لوعد من حكومة الأوروغواي بتأمين مساكن خاصة منفردة لهم، إذ إن جل ما يطلبوه هو حياة كريمة، وتأهيل خاص يتمكنون بواسطته من السير قدما في حياة جديدة، بلغتها وناسها وجغرافيتها.

 

جهاد دياب الذي يعاني من إعاقة في قدميه، نراه ممتنعا عن الحديث عن معاناته الشخصية، فهو يرى أنه "لا حياة لمن تنادي"، والأولى الآن تخليص بقية المعتقلين وإنهاء كابوس غوانتانامو. مع هذا، فهو يؤكد أن هذا المعتقل ما هو إلا غطاء لسجون سرية أخرى مزروعة في عدد من الدول -بعضها عربية- وأنه جاء كقربان يقدمه الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش للشعب الأميركي، ليضيفه إلى إنجازاته في "مكافحة الإرهاب".

 

بسؤالي جهاد وأحمد عن اختيار الأوروغواي، أخبراني أنها لم تكن اختيارهم، بل إنه في الأساس لم تتم استشارتهم في المكان الذي سيكون إقامة لهم. مع هذا، فقد تفاءلوا بداية بهذا القرار، ظنا منهم أن ثمة برنامجا قد وضع لتأهيلهم في بلد لا يعرفون لغة أهله ولا طبيعة العيش فيه.

 

ليس فقط سكنهم في بيت واحد، ولا تقاضيهم راتبا شهريا لا يتجاوز ستمئة دولار، في بلد فقير لكنه مرتفع المعيشة، بل أيضا عدم وجود برنامج لتأهيلهم من قبل حكومتي الأوروغواي وأميركا، مما جعلهم يلجؤون إلى اعتصام في بداية شهر مايو/أيار 2015 أمام السفارة الأميركية في الأوروغواي، يطالبونها بالحد الأدني من التعويض عن حياة قضوها في سجون بلادها دون ذنب، بل بصدور أحكام براءة للجميع. هذه المطالب تلقتها السفارة ليس فقط بالإهمال، بل أعلنت أنها تخشى من تهديداتهم، وهم الذين لا حول لهم ولا قوة.

 

حكومة الأوروغواي التي قبلت استقبالهم رغم رفض المعارضة اليمينية هذا القرار، عقدت اتفاقا معهم بعد عشرين يوما من الاعتصام يقضي بمنحهم مساكن منفردة، (وهو الإنجاز الوحيد تقريبا الذي حققوه من الاعتصام).

 

فالتأمين الصحي الموجود في الاتفاق هو في الأساس حق لجميع المواطنين، الذين عليهم الاصطفاف في طابور طويل ليصلهم الدور. والراتب الشهري (ستمئة دولار) بقي على حاله. أما إحضار أهلهم وعائلاتهم فهو متاح عن طريق الصليب الأحمر، لكنه غير ممكن على أرض الواقع، إذ على أفراد العائلة في هذه الحالة العمل لتأمين مصدر دخلهم، وإذا ما استطاع المحررون أنفسهم تعلم ثم إيجاد عمل، فكيف أهلهم؟

السوري علي شعبان (يمين) والتونسي عادل بن محمد بين خمية اعتصامهم والسفارة الأميركية في الأوراغواي (غيتي)

بورتريه صحفي

الصحافة اللاتينية كانت متباينة في الحديث عنهم، ففي الأخبار الأولى التي تلت خروجهم من المعتقل مباشرة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وضعت صورهم وتعريفا بهم وبأسباب اعتقالهم حسب الرواية الأميركية، ثم اختلفت اللهجة لتأخذ أشكالا أكثر موضوعية، لكنها حذرة أيضا في عدم تصويرهم بريئين تماما.

 

أحمد يقول إن جهة واحدة أظهرت تعاطفا أكثر مع قضيتهم، وإن باقي الجهات ما زالت تتعامل معهم بشيء من الريبة، لكن ما يعزيهم هو تعامل شعب الأوروغواي معهم من الحكومة والشعب الذين فتحوا لهم أذرعهم بكل حب.

 

أما جهاد دياب فلا يعرف السبب الذي يجعل الصحافة اللاتينية تصفه بالمتحدث عن بقية "الإخوة"، إذ إنه لم يتحدث إلا عن نفسه، ويقول إن كثيرا من الأشياء أوردتها الصحافة اللاتينية لم ترد على لسانه، لكنه يفضل عدم الرد إلا في الوقت الذي يراه مناسبا لذلك، إذ يعكف الآن على كتابة الأحداث التي جرت معه ومع إخوانه في السجن في كتاب يكون وثيقة وشهادة للتاريخ على "عنجهية" السيادة الأميركية وكيفية تحكمها في أمر العباد.

 

كل الصور المسبقة التي من الممكن أن يكونها المرء عن معتقلي غوانتانامو استنادا إلى الرواية الأميركية، تتلاشى بمجرد الحديث معهم، فالضحك -بل والسخرية- من ظروفهم السيئة يجد حيزا واسعا في حديثهم، ثم مطالبهم التي لا تتجاوز مطالب الإنسان الطبيعي، مما يجعلنا نقف مذهولين أمام المدى الذي من الممكن أن "تشيطن" فيه الولايات المتحدة الآخرين لمجرد أنها تريد ذلك. 
السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

مصابو الحرب السورية.. ملف ينزف ألما

مصابو الحرب السورية.. ملف ينزف ألما

علاء الدين عرنوس-ريف دمشق

زاهر زيادة-ريف إدلب

 

بطريق الخطأ، تلقى سارية (١٨ عاما) ثلاث رصاصات من بندقية زميله خلال اشتباكات مع القوات النظامية على مشارف داريّا أواسط ٢٠١٣ أجبرته على ملازمة الفراش أشهرا طويلة، ليكتشف بعدها أن هذا الخطأ سيلازمه في مسار حياته لطالما أن قدمه المفتتة ستكون أقصر من مثيلتها بخمسة سنتميترات، في وقت سيفقد الإحساس بشكل كلي بآلام قدمه بسبب تلف الأعصاب جراء الإصابة.

 

وباستثناء مسكنات الآلام، لم يتلق سارية علاجاً آخر على امتداد السنتين التاليتين، فالعلاج الميداني لساقه المصابة نجح في ترميمها وإعفائها من البتر، لكنه أخفق في منح سارية أملاً بتأهيله من جديد بحيث يستطيع المشي كما يفعل الآخرون.

 

تلقى سارية منذ إصابته ما يساوي ٨٠٠ دولار على شكل تعويضات من الكتيبة التي قاتل في صفوفها على دفعات صغيرة، دون أن يسعفه القدر بتأمين تسعة آلاف دولار كحد أدنى لكلفة عملية جراحية في المشافي التركية.

 

مستشفى خاص في أضنة التركية يسعفون مصابا سوريا (غيتي)

خيبات أمل

يرى محمد أبو الحكم، وهو مقاتل سابق في الجيش الحر، أن خيبة أمله كانت كبيرة تجاه المجموعة التي قاتل معها بعد أن أحيل للتقاعد بسبب بتر قدمه: "كان عليّ أن أواجه مصيري بنفسي، وأعتمد على قدم واحدة في السعي إلى إطعام عائلتي"، يقول أبو الحكم الذي استطاع مؤخراً أن يغادر غوطة دمشق الشرقية باتجاه غازي عنتاب جنوب تركيا.

 

ويأسف أبو الحكم إلى أن المعارضة السورية لم تتوقف طويلا عند ملف إصابات الحرب التي باتت مشكلةً مزمنة سترافق المئات حتى نهاية حياتهم.

 

وفي مخيم الريحانية الحدودي، يعيش ثائر (٢١ عاماً) -الذي فقد ثلاثة من أطرافه جراء سقوط قذيفة هاون قرب منزله بحمص- على نفقته الشخصية، ويتلقى مبلغاً منتظماً من أسرته التي لا تزال تقيم بحمص، يعترف ثائر بأن عبء الإصابة أثقل كاهل والده الذي لم يتردد في بيع أرضه بنصف ثمنها.

 

مجموع الأطراف الصناعية الذكية الثلاثة وفقاً لتقديرات الأطباء تساوي خمسين ألف دولار تقريبا، ويعيش ثائر معتمداً على الأطراف التدريبية الثقيلة الوزن منذ سنتين، في حين أنها صالحة للاستعمال لستة أشهر فقط.

 

يقول ثائر لمجلة الجزيرة إنه تلقى مبالغ مالية رمزية عن طريق مؤسسات إنسانية، ولم يتلق بالمقابل أي تعويضات مالية من المعارضة السورية التي وثقت حالته وقطعت أمامه الكثير من الوعود.

وفق دراسة طبية هناك أكثر من ١٥ حالة بتر بين كل مائة إصابة فضلاً عن حالات شلل عام وإصابات خطيرة (الجزيرة)

مقعدون شباب

 يختصر أحد الضحايا من عناصر الجيش الحر الذي أصيب في ريف دمشق الكثير من معاناة نظرائه، ويروي الشاب الذي لم يتجاوز 25 من عمره أنه يعاني من خمس إصابات، كلّ واحدة كفيلة بإقعاد إنسان طيلة حياته.

 

يقول عبد "أصبتُ بشظايا مدفعية دبابة في بناء كنت أتحصّن به لأصدّ هجوما من القوات النظامية، حين استعدت وعيي اكتشفت أنني لم أعد أرى، وما عدتُ أستطيع المشي وحدي، فقد تمّ بتر ساقي اليمنى إلى العضد وساقي اليسرى إلى ما تحت الركبة".

 

ويضيف عبد وهو يتلمّس ما بقي من أطراف أصابع يده اليسرى "الحمد لله فلقد بقيت لي أصابع يدي اليمنى أستعين بها، وخاصّة أنّني أعاني عند تناول الطعام بسبب ثقب في المريء، يضطرني إلى أن أبقى مستنفراً كي لا تعلق اللقمة فيه فأحرّكها بأصابع يدي اليمنى المتبقية".

 

يعبّر أحد الممرضين الذي يعتني بالعشرات من مقعدي الجيش الحر في الأردن عن أسفه إزاء صعوبة إجراءات العلاج والاستشفاء في المشافي الأردنية، مؤكداً أن أفراداً وبعض الجمعيات الأهلية والأطباء السوريين يتولّون تكاليف علاج ورعاية المصابين، هذا في الإصابات العادية، أما فيما يخصّ العمليات المكلفة خاصة المتعلّقة منها بالأعصاب والعظام والجهاز الهضمي فللأسف ٧٠% منها لا تتمّ، وإن تمّت فإنها تنتهي بالموت أو الإعاقة الدائمة والشلل، يقول الممرّض.

إخلاء مصاب إلى المستشفى في عين ترما(غيتي)

ملف شائك

ويشكل ملف جرحى وإصابات الحرب أحد أكثر الملفات الشائكة التي تواجه فصائل المعارضة بسوريا نظراً لعدد الإصابات المرتفع مع تقدم الثورة نحو عامها الخامس.

 

وفق تقديرات أطباء ميدانيين في غوطة دمشق الغربية، فإن مصاباً واحداً من بين كل عشرة حصل على علاجه المناسب وتابع استشفاءه بشكل ملائم.

 

ولم تتضمن ظروف الحرب الحالية أي ضمانات للمقاتلين خلال المعارك بما يكفل تعويضهم من أضرار الإصابات أو فقدان الأطراف. في بعض الحالات تلقى مقاتلون سابقون تعويضات رمزية في الأشهر الأولى لإصابتهم قبل أن تتبخر الالتزامات مع تقدم الأيام.

 

ورغم ارتفاع عدد الإصابات بين صفوف المقاتلين في المعارضة بسبب الحرب، فإن النفقات الطبية لأغلب الفصائل تشكل المرتبة الأقل قياساً على نفقات الرواتب والذخيرة والعتاد، التي تأتي على سلم أولويات الفصائل المقاتلة.

 

وفي إحصائية غير رسمية لجمعية سورية تعنى بشؤون ضحايا الحرب، يتضح أن من بين كل مئة إصابة هناك حالتي شلل عام، وسبع حالات شلل سفلي، و١٥ حالة بتر أطراف، وعشرين حالة فقدان بصر أو إصابات متنوعة بالعين، وما لا يقلّ عن خمسين إصابة متنوعة وخطيرة في الوجه والأطراف.

 

لم يتلق أغلب ضحايا الحرب من المصابين أي نوع من برامج إعادة التأهيل بعد فقدان أطرافهم، وباستثناءات نادرة حالف الحظ مصابين آخرين في الخضوع لجراحات طبية لاحقة في المشافي الأردنية واللبنانية والتركية، إلا أن المئات من المدنيين يواجهون مصيرا صعباً لاسيما أن ظروف الإصابة ستلازمهم بقية حياتهم.

 

وقد امتنعت مجلة الجزيرة عن نشر كافة الصور التي وصلتها مع التقرير لإصابات بليغة نظرا لقسوتها وحفاظا على مشاعر القراء.
السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

حارة اليهود بالقاهرة.. حياة على قيد الموت

حارة اليهود بالقاهرة.. حياة على قيد الموت


دعاء عبد اللطيف-القاهرة

 

بحذر أغلقوا الباب، خطواتهم متوجسة، يتداخل إيقاعها مع أنفاسهم المضطربة، وحقائبهم خفيفة بخفة الملابس، وثقيلة بملء الذكريات.

 

هبطوا الطابق الثاني فالأول، ومنه إلى الزقاق الملتوي بين ثنايا الحارة.. كل همهم ألا يستيقظ أحد الجيران فيكشف فعلهم، فهم راغبون في رحيل صامت.

 

وكالعادة تستيقظ الحارة صباحا، لتلوك خبر اختفاء أسرة يهودية أخرى، فيتحسر جيران على طول العِشرة، ويهرول آخرون لشراء ممتلكاتها من مسؤولي الطائفة اليهودية بمصر.

 

هكذا، قبل ما يزيد عن ستين عاما، كانت الأسر اليهودية ترحل سرا من حارة اليهود -التي تمركزت بها غالبية أبناء الطائفة اليهودية بمصر خلال النصف الأول من القرن العشرين- ليسافروا بحراً إلى وطنهم الجديد إسرائيل.

 

وبعد عقود من هجرة الوطن، لم تعد حارة اليهود على حالها، وكأنها خُبئت بحقائب المهاجرين، ولم يبق منها سوى اسم وبنايات تتآكل بفعل القدم والنسيان

 

الإهمال والفقر يسيطران على حارة اليهود (الجزيرة)

أزقة بلاستيكية

أزقة حارة اليهود التي تبلغ 350 زقاقا، متشابكة، فكل منها يفضي إلى الآخر وجميعها تفضي إلى اللاشيء، وتحاصر الأزقة بنايات متآكلة أغلبها يعود لملاك يهود، وأحدثها بناءً بُني في سبعينيات القرن الماضي.

 

ويحتل الأزقة آلاف المشترين والباعة الذين يعرضون منتجات أغلبها صنع من مادة البلاستيك - لعب أطفال وأدوات منزلية- مما يشتت الزائر عن الغوص في قدم بنايات الحارة.

 

وعلى طرف أحد الأزقة، يجلس بجلبابه الفضفاض، يفرز المارين به، فتجارته كاسدة كما يصف وسط مئات محلات بيع "البلاستيك".

 

ويتاجر الحاج شعبان الذي أنهى عامه السبعين قبل أيام، في خردة الحديد، وهي سلعة شاريها شحيح، كما يؤكد.

 

ورغم أن الرجل السبعيني لم يكن أتم العشرية عندما عايش وجود اليهود بالحارة، فإن ذاكرته تؤكد جمال وهدوء حارة اليهود قبل ستين عاما.

 

ويقول بابتسامة تُبرز صفي أسنانه الصناعية "كان اليهود يرحلون إلى إسرائيل سرا أواخر أربعينيات القرن الماضي، فكنا نصحوا على خبر رحيل أحد الجيران، لكن النزوح بدا في شكل هجرة علنية مع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956".

 

ويتذكر شعبان أن عدد المسلمين كان ضئيلا جدا بالحارة، واقتصر عملهم بها على الأشغال الخدمية فكان منهم البقال والسباك.

 

وباع أغلب اليهود أصولهم إلى مسلمي الحارة، ويستزيد العجوز السبعيني "لم يكن لدى المسلمين الذين يعملون في أشغال خدمية أثمان الأصول، لذا اكتفى اليهود بتقاضي ما يملك العامل من مال على أن يتم سداد باقي المبلغ على أقساط يرسلها المالك الجديد إلى البائع".

 

ويردف مبتسما "لا أظن أن المشترين أرسلوا المبالغ المستحقة عليهم"، مشيرا إلى أن مسؤولي الطائفة اليهودية تكفلوا ببيع ما بقي من ممتلكات.

 

ثم يشير بيد مرتعشة إلى مبنى قديم تعلوه لافتة تُبين أنه مدرسة ابتدائية، ويقول "هذا المبنى ملك ليهودي وقد انتقلت ملكيته إلى وزارة التربية والتعليم". وعما إذا كان يعيش حتى الآن يهود بالحارة، يؤكد شعبان أنها خالية من أي يهودي.

 

وفي تصريح لها الشهر الماضي، أكدت رئيسة الطائفة اليهودية بمصر ماجدة هارون أن عدد اليهود بمصر سبعة فقط، كلهم سيدات ويقطن في دور لرعاية المسنين.

 

وعمل مئات الآلاف من يهود مصر، في النصف الأول من القرن العشرين، بقطاعات محددة وأهمها صناعات النسيج والحديد فضلا عن أنهم أسسوا دور السينما والبنوك ومحلات الذهب.

مراسلة مجلة الجزيرة أمام دار المناسبات اليهودية (الجزيرة)

كأن لم يكن

يولون وجههم عنه، فمنهم من دخل في نقاش تجاري على إيقاع ارتشاف الشاي، ومنهم من انشغل بتدخين النرجيلة التي تختلط رائحتها بعطب المبنى الأثري.

 

وأغلبهم لا يدرك طبيعة الأثر الذي يلصقون مقاعدهم بجداره، فقد استغل صاحب المقهى المقابل لدار المناسبات اليهودية أحد جدران المبنى لوضع مقاعد مقهاه، في حين اختار آخرون الجدار لركن دراجاتهم البخارية.

 

ودون الجالسين بالمقهى، يبدو وحده العارف بقيمة الأثر الذي يلاصقه، فالحاج سيد ولد بالحارة وبقي فيها طيلة أعوامه السبعة والسبعين.

 

ينظر العجوز إلى المبنى الذي يتكون من طابقين تشقهما نوافذ حديدية صدئة، ليتذكر المرات التي دخل فيها دار المناسبات اليهودية مع أقرانه اليهود لحضور زيجات الجيران. "قديما كان المبنى يشع بهجة وليس وحشة كما اليوم"، وفق وصف الحاج سيد.

 

يصمت قليلا، لينقل بصره من عروق الشيخوخة التي تخط كفيه إلى العروق الخشبية المتآكلة بجدران مبنى المناسبات، ثم يقطع صمته بالتعجب من إهمال الدولة آثار الحارة التي يمكن أن تكون مزارا سياحيا.

 

ويوضح العجوز أنه اشترى منزله من مسؤولي الطائفة اليهودية، وتابع "فاتورتا الكهرباء والمياه تُحصلان حتى اليوم باسم إليهوي شالوم وهو الشخص الذي أوكل للطائفة بيع منزله".

 

ولكن غيره لم يتبع طرقا رسمية للشراء فاستولى على بيوت يهودية بطريقة وضع اليد، كما يؤكد.

مبنى الأودش في نهاية الممر وأحد السكان يعترض على التصوير (الجزيرة)

تكايا الأودش

قبل أمتار من الأودش -مبنى يتكون من طابقين به حجرات متعددة وبناه أغنياء اليهود ليسكنه فقراؤهم- حذرني بعض الباعة من دخوله.

 

والتحذيرات مبعثها أن ساكني الأودش خارجون عن القانون، فهم يسيطرون عليه رغم ملكيته من قبل الدولة، لذا يضرهم ترويج حياتهم إعلامياً.

 

وصدق تحذير الباعة، فعند الوصول لمدخل المبنى استوقفني عدد من ساكني الأودش، رافضين دخولي أو الحديث معي.

 

وعلى بعد أمتار من المبنى المحظور على الغرباء، يجلس سمير محمود (35 عاما) في متجر البقالة الذي يمتلكه، ويبدأ -حديثه لمجلة الجزيرة- بوصف الأودش قائلا "مبنى يتكون من غرف صغيرة، طول الواحدة لا يتعدى الثلاثة أمتار وعرضها في حدود مترين، ولكل منها حمام خاص".

 

وينقل محمود ما سمعه من والده، موضحا أن الطعام والشراب كان يوزع على نزلاء الأودش يوميا، لذا أطلق المسلمون عليه اسم "التكية".

 

معبد موسى بن ميمون المعبد الوحيد المحافظ على حالته من بين معابد الجارة  (الجزيرة)

أساطير بن ميمون

الثانية ظهرا، الحر شديد بدرجة هدوء أزقة الحارة، فالرجال على كراسي المقاهي يسترقون السمع لما يمليه مذيع الراديو من أخبار عبور خط برليف، والنساء في البيوت ينتظرن أي نبأ عن الحرب.

 

وبينما الجميع منشغل، انهار جزء من معبد موسى بن ميمون كعلامة على انتصار المصريين على اليهود في حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، هكذا تقول الأسطورة التي يرددها أبناء الحارة حتى اليوم.

 

والأساطير التي يرددها أهل الحارة بشأن بن ميمون كثيرة، ومنها أنه كان الطبيب الخاص للقائد صلاح الدين الأيوبي محرر القدس من الصليبيين، وتذهب الأسطورة إلى اعتناقه الإسلام قبل وفاته.

 

وموسى بن ميمون هو المعبد الوحيد المحافظ على نضارته من بين المعابد المتبقية بالحارة، نتيجة ترميمه قبل ستة أعوام من قبل وزارة الآثار، وكذلك ينفرد بالتصاقه بمسجد الرحمن.

 

وكانت الحارة تحوي بين طياتها 13 معبدا للطائفة اليهودية، لكن لم يتبق منها إلا ثلاثة وهم "موسى بن ميمون" و"بار يوحاي"و" أبو حاييم كابوسي"، وباقي المعابد هدمت أو استحوذ عليها السكان الجدد. 
السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

قميز.. حكاية الفرس القرغيزية وحليبها

قميز.. حكاية الفرس القرغيزية وحليبها


نسيبة محمود-قرغيزستان


 

عرف  حليب الفرس "قميز" -الذي يعني "الخمر الأبيض"- في قرغيزستان في القرن الخامس قبل الميلاد، حيث كان البدو يتناولون هذا الشراب أثناء تنقلهم من مكان إلى آخر.

 

ويعتبر حليب الفرس من المشروبات الأساسية لدى الشعب القرغيزي، ويشرب في موسم خاص في الفترة من منتصف أبريل/نيسان حتى منتصف يوليو/تموز من كل عام، بعد ولادة الفرس. ففي هذه الفترة يأتي الناس -وخصوصا المرضى منهم- إلى الجبال لمدة تقارب عشرة إلى عشرين يوما، بحسب مرض الشخص.

امرأة تحلب فرسا في المناطق الريفية شمال بيشكك العاصمة (الأوروبية)

ويستعمل القرغيزيون "قميز" بثلاث طرق، ويعتقدون أنه له فوائد علاجية، حيث يشرب مباشرة بعد حلبه، لينشط الدورة الدموية ويساعد على شفاء الكثير من الأمراض مثل آلام المعدة والغازات والسمنة، ويأتي الناس خصيصا للعلاج بشرب هذا النوع من الحليب. أما الطريقة الثانية، فيخلط مع حليب الماعز أو البقر، وهو ما يضعف فاعليته في العلاج.

 

والثالثة بأن يسكب الحليب في إناء خشبي مباشرة ومن دون غليه، ويخفق عدة ساعات، وكلما خفق أكثر يصبح أفضل وأطيب طعما.

 

تحلب الفرس في اليوم أربعة مرات: في الساعة التاسعة صباحا، ثم في الواحدة ظهرا ثم في الثالثة، وأخيرا في الساعة الخامسة عصرا، بمعدل يصل إلى ما بين خمسة إلى سبعة لترات من الحليب في اليوم الواحد.

 

وتمتاز منطقة أرشان -شمال قرغيزستان وتبعد 60 كلم عن العاصمة بشكيك- بالجبال الخضراء والجبال الثلجية والجو النقي والأنهار الجارية، وتعتبر منطقة سياحية ذات مناخ معتدل، حيث يأتيها السياح للراحة والاستجمام، وتشتهر بتربية الخيول وحليب الأفراس.

أفراد عائلة قرغيزية يتناولون حليب الفرس وهو مشروب تقليدي في البلاد (الأوروبية)

نورا (57 عاما) سائحة قدمت من أوزبكستان، بعدما سمعت عن فوائد "قميز" كعلاج، تقول لمجلة الجزيرة "أتيت من أوزبكستان مع حفيدتي خصيصا لشرب قيميز للعلاج. فمنذ سنوات طويلة وأنا أعاني من انتفاخ في البطن، وذهبت للعديد من الأطباء وتناولت الكثير من الأدوية ولكن لم أشف، حتى أتيت إلى بشكيك وبدأت أشرب حليب الفرس أربع مرات في اليوم، وذلك بعد حلب الفرس مباشرة".

 

وتضيف نورا "منذ تسعة أيام وأنا أشرب الحليب فقط لكنني لا أشعر بالجوع. هنا الطبيعة رائعة، تشعر بالاسترخاء وراحة البال، وأنا الآن أشعر بصحة ممتازة، ولا أعاني أي آلام مثل الماضي. وأنوي القدوم في السنة القادمة لأبقى فترة أطول إن شاء الله".

 

وقالت سيفينج حفيدة نورا، وتبلغ من العمر ست سنوات، "أتيت مع جدتي من أوزبكستان لنستمتع بوقتنا ولنشرب الحليب كل يوم، ولتشفى جدتي من مرضها".

 

وقالت كاتيا (40 عاما) "أنا أعيش في منطقة كرابالتا، أتيت أنا وزوجي إلى هنا لنشرب قيميز لتنشيط دورتنا الدموية، وزوجي كان يعاني من آلام في المعدة، والآن يشعر بتحسن كبير، ونحن هنا منذ سبعة أيام. أشعر هنا بالسعادة والراحة".

الفرسان القرغيز يمارسون لعبتهم التقليدية في وسط آسيا المعروفة باسم كوك بورو التي تعبر عن فروسيتهم (الأوروبية)

ولأن حليب الفرس يمثل المشروب الشعبي عند القرغيزي، نجده يقدم في المطاعم الشعبية ويباع بأسعار زهيدة في الشوارع والميادين والمحلات، ويقدم في المناسبات والأعياد خصوصا في فصل الصيف.

 

ونظرا لأهمية الخيول في حياة القرغيزيين ترتفع أسعارها إلى عشرات آلاف الدولارات، لأنها تشكل أهمية صحية واقتصادية وتاريخية في حياة الشعب القرغيزي. حيث يتناول القرغيزيون لحم الخيل بشكل اعتيادي، ويعتبرونه من اللحوم المفيدة لجسم الإنسان، ويقدمونه طعاما في الأعياد والأعراس والعزاء، ويعد تقديم لحم الحصان للضيوف مؤشرا على إكرام الضيف.

وتلقى تربية وتجارة الخيول في قرغيزيا رواجا واسعا، خصوصا في المناطق الجبلية ذات الطبيعة الخلابة والطقس المتميز التي تعد مراعي مناسبة للخيل، وفي فصل الشتاء تحمى الخيول في الحظائر لتجنيبها البرد الشديد والثلوج.
السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

الاستقلال.. أكثر من مجرد شارع بقلب إسطنبول

الاستقلال.. أكثر من مجرد شارع بقلب إسطنبول

خليل مبروك-إسطنبول



بين "ميدان تقسيم" الشهير وميناء "كاراكوي"، مرورا بمنارة "غَلَطة" التاريخية، يمتد شارع الاستقلال كأنه طريق يصل تركيا المعاصرة بماضي أمم وحضارات عمرت مدينة إسطنبول ثم رحلت، تاركة وراءها شواهد كثيرة على أهمية هذا المكان.

 

فمن خلف المحال التجارية التي تبيع أفخم المنتجات العصرية وأكثرها شهرة في العالم، تطل قباب الصوامع الصوفية وأبراج الكنائس المسيحية، لتروي قصة الشارع الذي كان حاضرة بيزنطة وقلب عاصمتها القسطنطينية منذ القرن السابع قبل الميلاد.

 

وتقول بعض المصادر التي تروي تاريخ الشارع إنه كان يحمل اسم الشارع العربي، لكثرة الشبان العرب الذين يفتتحون فيه المجالس والمنتديات الفكرية والثقافية في عهد الدولة العثمانية.

 

ويقدم الإسطنبوليون الشارع لزواره بوصفه مكانا سياحيا له طابع وطني، إذ حمل اسمه "istiklal" باللغة التركية تمجيدا لذكرى استقلال تركيا بعد الحرب العالمية الأولى، وإعلان الجمهورية على أنقاض الدولة العثمانية عام 1923.

 

قطار شارع الاستقلال أحد أبرز المعالم المميز للشارع (الجزيرة)

تكامل الاحتياجات

لكن الشارع -الذي ظل منذ ذلك الوقت عنوانا لهوية تركيا العلمانية- ما زال يقدم نموذجا لتعايش الدين والمال والسياسة كاحتياجات مادية وروحية، لا تستغني عن مزيجها أي حضارة.

 

فوفق الباحث وخبير التنمية العمرانية عبد الله أداك، بدأ الشارع يأخذ مكانته الإستراتيجية الحديثة منذ الحقبة العثمانية، وتحديدا في القرن 16 الميلادي، حين افتتح فيه السلطان بايزيد الثاني البيوت الصوفية (المولوية) ومن أهمها "غلطة مولوي خانة".

 

واجتذبت الدور الصوفية الأتراك المتدينين إلى شارع الاستقلال، فتضاعف عدد السكان وجذب التجار الأوروبيين من فرنسا وإيطاليا وهولندا وبريطانيا، الذين افتتحوا فروعا لشركاتهم ومحالهم التجارية فيه.

 

مثلت المحال الأوروبية في ذلك الوقت قبلة الباحثين عن النموذج الأوروبي في الحياة من أثرياء الأتراك، فازداد النشاط التجاري، واجتذب الشارع -الذي يبلغ طوله ثلاثة كيلومترات- المزيد من التجار الأوروبيين ومن الزبائن المحليين.

 

ويقول أداك لمجلة الجزيرة إن هذا النمو الأوروبي في الشارع جعله مقرا للسفارات التي لا زالت تتخذ منه مواقع لها، كسفارات بريطانيا واليونان وفرنسا وأميركا وغيرها. كما التحق رجال الدين بالتجار، فافتتحوا الكنس الكبيرة، مثل كنيسة سان لويس الفرنسية وكنيسة سان أنتونيو الإيطالية وغيرهما.

 

لفت الثراء المالي والنشاط الاقتصادي الدولي في الحي أنظار أصحاب مهنة الصرافة، وكان جلهم من اليهود الذين بدؤوا يقصدون المكان ويتربحون من نشاطه، وسرعان ما تحولوا إلى طبقة مالية ثرية قادرة على إقراض الدولة العثمانية وإمدادها بالسيولة المالية.

 

حوّل كل ذلك النشاط -كما يقول أداك- الشارع إلى قبلة استثمار دولي، فسارعت الشركات الإنجليزية لافتتاح ميناء كاراكوي وخطا للسكة الحديدية عام 1883، الذي يعد المترو الثاني في العالم بعد مترو الأنفاق في لندن، وما زال هذا الخط يعمل إلى اليوم، لكن للتجوال السياحي فقط.

 

اتجه الفرنسيون إلى الشارع، فربطوه بخط القطار الفرنسي، وأطلقوا على الشارع اسم "غرانت رو ديبورا"، أي شارع الجنة، بينما سماه العثمانيون الشارع الكبير، وأطلقوا على قطاره اسم قطار الشرق.

 

ويروي أداك أن ركاب القطار كانوا من الأثرياء والمشاهير الأوروبيين في ذلك العصر، ومنهم الروائية البريطانية أغاثا كريستي التي كتبت كثيرا من الروايات البوليسية في فندق برا الشهير بالشارع. 

السياح والأتراك على السواء يزورون شارع الاستقلال (الجزيرة)

عهد الحداثة

حافظ شارع الاستقلال -أو شارع الجنة- على مكانته مع تطور مدينة إسطنبول، وازداد إقبال الزوار عليه، فأصبح المكان المفضل للاستثمارات الفندقية بإسطنبول، وبات اليوم يضم نصف الغرف الفندقية في المدينة، وهذا ما يفسر انتشار الوجوه الأجنبية الغريبة عن المكان في محيطه.

 

وتنتشر في الشارع اليوم محال لأرقى العلامات التجارية العالمية، التي تبيع العطور والملابس والزينة، كما يضم المكتبات ودور السينما والمصارف والمقاهي والمطاعم، التي تقدم الأطعمة التركية والغربية على السواء.

 

ورغم أنه بات مقصدا للكثير من السياح الأجانب والزوار الأتراك على السواء، فإن أغلب الزوار يبدون اهتمامهم بالتجول في الشارع والاستمتاع بالسير بين الناس أكثر من الاهتمام بتاريخه والاطلاع على تمازج أشكال الثقافات فيه.

 

أحد السياح الألمان في الشارع قال إنه فوجئ بحجم الإقبال على الشراء من المحال التجارية فيه رغم الارتفاع الكبير في ثمنها، وأضاف لمجلة الجزيرة "لو كانت هذه الأسعار في ألمانيا لكسد هذا الشارع وتوقف الناس عن زيارته".

 

وقال الشاب الألماني إن "الشارع ذائع الصيت في ألمانيا، وإن أغلب السياح من بلاده يقصدونه عندما يزورون تركيا، لكنهم لا يتسوقون منه نظرا لارتفاع الأسعار".

 

وكانت الشركة الدولية للاستشارات العقارية "كوشمان آند ويكفيلد" قد أعلنت مطلع العام الجاري أن أسعار إيجارات المحال في شارع الاستقلال الشهير قد ارتفعت في 2014 بنسبة 27%، ليصبح ثاني أغلى شارع في العالم.

 

وقال فوزي أولتاش -الذي يعمل في محل للكباب والحلويات التركية- إن المحل يكسب الكثير من المال جراء تدفق الزوار الأجانب على الشارع، الذي عده المكان الأفضل للاستثمار في تركيا.

 

ووصف أولتاش في حديثه للجزيرة نت شارع الاستقلال بقلب تقسيم النابض، مضيفا أن كثيرا من الناس يحضرون إلى الشارع لمجرد التسكع والمشي فيه دون أن يكون لهم عمل محدد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

"اسكملات وقباقيب".. آخر حرفي في دمشق الصغرى

"اسكملات وقباقيب".. آخر حرفي في دمشق الصغرى
عاطف دغلس - نابلس


ليست أكثر من قطع خشبية تلك التي يحملها الحاج السبعيني وليد خضير "أبو خالد" في محل النجارة الخاص به في مدينة نابلس، لكنها ما تلبث أن تصبح بين يديه أدوات منزلية تقليدية مميزة من "الاسكملات" (كرسي تركي أشبه بمنضدة صغيرة) و"القباقيب" الخشبية (أحذية الحمام)، وغير ذلك من القطع التي يقل نظيرها وتخلو منها الأسواق، إلا ما ينتجه الحاج خضير.

 

وفي دمشق الصغرى (نابلس) شمال الضفة الغربية، حطت رحال عائلة الحاج خضير إبان النكبة الفلسطينية عام 1948 قادمة من مدينة اللد الفلسطينية، التي هُجرت منها قسرا وحملت معها صنعة نادرة احتفظت بها اسما وصفة، وألصقتها بالمكان فصارت "منجرة اللداوي" علامة مميزة.

 

وليس المكان فحسب، بل أضحت سمعة الحرفي الحاج خضير علامة تجارية لها وقعها في إعداد كراسي القش الشبيهة بالاسكملات.

الحاج وليد خضير يقوم بقص خشب شجر الصنوبر لصناعة القباقيب وكراسي القش داخل منجرته (الجزيرة)

نصف قرن

ويقول خضير في حديثه لمجلة الجزيرة، إنه يقترب من نصف قرن من العمل في مهنته تلك، فقد أدرك العمل مع والده وهو في سن الثانية عشرة، ليتقن العمل ويصبح ماهرا فيه بعد سنوات قليلة فقط.

 

ويضيف "عشت مع والدي نحو أربعين عاما، وعملت معه أكثر من عقدين، واكتشفت نفسي في هذا العمل منذ الصغر، وبقيت أحافظ عليه حتى الآن وأحاول تعليمه لأبنائي أيضا".

 

ويستخدم الحاج خضير -الذي يعرف بأنه آخر صانع للقباقيب وكراسي القش، ليس في نابلس فحسب وإنما في فلسطين- الخشب القادر على تحمل أشعة الشمس والمياه معا، "فهو لا يتشقق".

 

وظل خضير يأتي بأشجار الصنوبر من داخل فلسطين المحتلة حيث يقطعها بيده، لكن الاحتلال منعه من ذلك لاحقا، فاضطر لشرائها من الأحراش بمدينة نابلس، ويقول إن صنعته تلك شهدت مفارقات عديدة ومتنوعة بين سعر الخشب من قرابة عشرة دولارات أميركية في بداية عمله إلى أكثر من مائة دولار حاليا، كما أن أسعاره تضاعفت مرات عديدة أيضا.

 

وعن طريقة العمل، يقول خضير إنه يتم فرز القطع الخشبية ومن ثم قصها بما يتناسب وإعداد القبقاب أو الكرسي أو الأشياء من المحاريث الخشبية ومذاري القمح والقش وقوالب صنع الكعك الفلسطيني وغيره من أدوات لصناعيين وحرفيين كمهنة منجّد الفرش.

 

وبعد الفرز تؤخذ المقاسات المناسبة لكل قطعة ثم تصقل وتُنعّم، ويضاف إلى القبقاب مثلا قطعة جلدية تُؤخذ من إطارات المركبات، أما الكراسي الخشبية فستخدم لها أدوات الحفر والخراطة لتثبيت أرجل الكرسي وأعمدتها بدقة، ثم يتم ضغطها بآلة الرابوخ.

كرسي القش الذي يصنعه الحرفي وليد خضير بمنجرته داخل البلدة القيديمة بنابلس (الجزيرة)

مميزات الصنعة

وقديما كان نبات الحلفا (الشبيه بالقصب) يُستخدم في أرضية المقاعد الخشبية، إلا أنه استبدل بالحبال في وقت لاحق بعد اندثار هذه النباتات التي تنمو بالقرب من مجاري المياه. وحتى يُميز عمله، لجأ الحاج خضير لاستخدام حبال ألمانية الصنع متينة وأجمل من غيرها التقليدية.

 

وميّز عمل الحاج خضير كذلك استعماله الماكينات الآلية الحديثة منذ قدومه لنابلس، حيث كانوا يعتمدون العمل اليدوي في بلدهم داخل فلسطين المحتلة، وهو ما ساعده على زيادة الإنتاج وجودته، كما أسهمت معرفة أهالي نابلس بوالده وصناعته قبل النكبة ولجوئهم لشراء بضاعته، في بتطوره ورفع مبيعاته.

 

وبالرغم من كون هذه الصناعات -لا سيما القباقيب- وأمثالها اشتهرت في بلدان عربية خلال عهد العثمانيين، فإن صنعها سبق ذلك التاريخ، وتميز بها السوريون دون غيرهم، وقد ظهر بها الفنان دريد لحام (خصوصا في شخصية غوار الطوشة) في أعمال فنية مختلفة له.

 

لكنها تميزت في نابلس باستخدامها بكثافة في الحمامات التركية (حمامات البخار) والمقاهي القديمة، ولم تفقد هيبتها داخل المنازل النابلسية حتى هذا الوقت.

 

وفي مكان عمله، يساعد الحاج خضير عامل آخر، خاصة في بعض المصنوعات التي تحتاج لجهد أكبر، لا سيما شد حبال الكراسي.

أحمد ذو العشر سنوات يساعد والده الحاج وليد خضير داخل منجرته ويتعلم الصنعة التي تكاد تنقرض (الجزيرة)

أحمد.. الأمل

يساعد أحمد (11 عاما) الطفل الأصغر للحاج خضير والده في أداء عمله خلال العطلات المدرسية، وبعد عودته من المدرسة، وهو ما يعطي الحاج مزيدا من الأمل والفرح بأن مهنته لن تنقرض باعتباره آخر من يبدع فيها.

 

ويرى الحاج في ما ينتجه من قطع نادرة وقديمة شيئا من الحفاظ على التقليد والتراث الفلسطيني عبر مثل هذه الأدوات، ولذا ترى محله يعج بقطع منها معلقة هنا وهناك، حيث يعتمد هذه الطريقة وطرقا أخرى -كإعداد ألبوم خاص بأعماله- لتسويق منتجاته في المحل، وحتى عبر وسائل الإعلام الحديثة كشبكات التواصل الاجتماعي.

 

ويقول إنه نتيجة لذلك له زبائن محليون من الضفة الغربية وغزة وفلسطين المحتلة عام 1948، ومن أكثر من مكان في الخارج.
السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك